— Bagian 1 · ﷽ —
Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.
Bagian 1
﷽
مقدمة الناشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، وخاتم النبيين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فإن رسول الله ﷺ ترك لهذه الأمة ما إن تمسكت به فلن تضلّ بعده؛ كتاب الله تعالى، وسنته الشريفة، وكما قيض الله لكتابه من يقوم على رعايته والاعتناء به، كذلك هيَّأ للسنة المطهرة الحفّاظ العارفين، والعلماء المخلصين، الذين شمَّروا عن ساعد الجد والاجتهاد، فأمضوا حياتهم في تدوين السنة والدفاع عنها، فنفَوْا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وكان منهم الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شُعيب النسائي صاحب هذا الكتاب "المجتبى" وغيره، الذي جعل حياته وقفًا لجمع السنة النبوية والذب عن حماها. ولا تخفى أهميّة ومكانة هذا المصدر الحديثي على كل باحث أو مشتغل بالحديث، فضلًا عن أولويته لطالب العلم، فهو أحد الأصول الستة التي عليها مدار الأحكام الشرعية، وهو أحد دواوين السنّة، أبان فيه النسائي الوجه الصحيح للحديث - أو المحفوظ منه - من الأوجه الأخرى المعلَّة، وأبان فيه عن دقة فهمه للمتون بما قدم لها من تراجم مستنبطًا منها المسائل الفقهية.
وكانت مؤسسة الرسالة قد وعدت بإصدار موسوعة حديثية تنتظم كتب السنة المسندة، مُتَّبعة في ذلك أمثل مناهج التحقيق، فأصدرت "مسند" الإمام أحمد، ثم أتبعته بـ "السنن الكبرى" للإمام النسائي صاحب هذا الكتاب، فالسنن الثلاثة للأئمة أبي داود والترمذي وابن ماجه، وها هي تقدّم اليوم لطلاب العلم والحديث والباحثين السنن الصغرى "المجتبى" للإمام أبي عبد الرحمن النسائي محققًا تحقيقًا علميًّا، ليكتمل بذلك عِقْدُ كتب السنن الأربعة. وختامًا أسأل الله العلي القدير أن يتولانا بحسن عنايته وأتم رعايته، وأن يجعل عملنا كلّه خالصًا لوجهه الكريم، وصدقة جارية في صحيفة أعمالنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مقدِّمة التحقيق الحمدُ لله الذي مَنَّ على عباده المؤمنين بالنَّبيِّ المُجْتَبَى، وجعلَ سُنَنَهُ تِبيانًا لِمَا أَنزَلَ عليه من الذِّكْر؛ فأنعم عليهم وتَفَضَّلَ وكَفَى، ونالَتْ به أَمَّتُهُ الشَّرَفَ العظيم لاختصاصها به على سائر الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه مَنْ شاءَ واصطفى. له الحمد حمدًا كثيرًا أن هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولاه، ومَن الذي يستحقُّ الحمد سواه؟ وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، إله واحدٌ، لا إلهَ إلا هو الرَّحْمنُ الرَّحيم، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ لِيُظْهِرَهُ على الدِّينِ كله ولو كَرِهَ المشركون. اللهم صل على هذا النبي الكريم، سَيِّدِ الأوَّلين والآخرين، وخاتَمِ النَّبِيِّين، وإمام المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاةً دائمةً بدوامك، وسَلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. وبعد، فإنَّ الإيمان بالله تعالى أعظم نعمةٍ منه ومِنَّة، وسعادةُ الدَّارَيْنِ لَا تُنالُ إلا باتِّباع هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ والاقتداء بسنته، فقد ترك أمَّتَهُ على بيضاء نقيَّة، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ومعلومٌ أنَّ سنّه ﷺ وهي المصدرُ الثاني للتشريع، وهي ما رُوي عنه ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وهي مُبَيِّنَةٌ ومُفَسِّرةٌ لِما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤]، فكان من هذا البيانِ والتَّبيين من النبي الكريم أنْ عَلَّمَ أمَّتَهُ أحكام
ْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤]، فكان من هذا البيانِ والتَّبيين من النبي الكريم أنْ عَلَّمَ أمَّتَهُ أحكام
عباداتها ومعاملاتها، وفَصَّلَ لها أمور دينها، فقال لهم: "صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"، وقال: "خُذُوا عنِّي مَناسِكَكُمْ" … وقال: "خُذُوا عَنِّي قد جَعَلَ اللهُ لهنَّ سَبِيلًا … " … إلى غير ذلك من أحكام صيام وزكاة، وبيع وشراء، وحلال وحرام … ممَّا يشملُ مُختَلِفَ مَناحي الحياة لم يذكرها القرآن الكريم، أو جاءت مُجْمَلَةٌ فيه، بَيَّنَها رسول الله ﷺ لأُمَّتِهِ، وقد قال رسول الله ﷺ: "ألا إني أُوتِيتُ القرآنَ ومِثْلَهُ معه" (¬١) أي إنه ﷺ أُوتِيَ القرآنَ وَحْيًا يُتْلَى، وأُوتِيَ مثله من البيان، أي: أذن له أن يُبَيِّنَ ما في الكتاب، فيَعُمَّ ويَخُصَّ، وأن يزيد عليه، فيُشَرِّعَ ما ليس في الكتاب له ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن (¬٢). فالمراد بـ "المِثْل" في هذا الحديث السُّنَّةُ الشريفة، وهي التي أمر الله تعالى المؤمنين باتِّباعها، فأمَرَهم بامتثال أمره ﷺ، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وجعل طاعته من طاعته، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وحذَّر من مخالفته، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢].
َنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢]. "فرسولُ الله ﷺ هو المُبيِّنُ عن الله ﷿ أمْرَه، وعن كتابه معاني ما خُوطِبَ به الناس، وما أراد الله ﷿ به وعَنَى فيه، وما شَرَعَ من معاني دينه وأحكامه، وفرائضه وموجِباتِه، وآدابه ومندوبه، وسنته التي سَنَّها، وأحكامه التي حَكَم بها، وآثاره التي بَثَّهَا، فَلَبثَ ﷺ بمكة والمدينة ثلاثًا وعشرين سنةً يُقِيمُ للناس مَعَالِمَ الدِّين، يفرضُ الفرائضَ، ويَسُنُّ السُّنَنَ، ويُمضي الأحكام، ويُحَرِّمُ الحرام، ويُحِلُّ الحلال، ويُقِيمُ الناسَ على منهاج الحقِّ بالقول والفعل، فلم يَزَلْ على ذلك حتى توفاه اللهُ ﷿، وقبضه إليه، ﷺ، وعلى آله أفضل صلاة وأزكاها، وأكملها وأذكاها، وأتمها
وأوفاها، فَثَبَتَ أنه ﵊ حُجَّةُ الله ﷿ على خلقه بما أدَّى عنه وبيَّن، وما دلَّ عليه من مُحكم كتابه ومُتشابهه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما بَشَّرَ وأَنْذَرَ" (¬١).
- أهميَّة السُّنَّة للتشريع والتحذير من إنكارها: وقد أخبرَ رسولُ الله ﷺ عن أناس يأتون من بعده يُنكرون سُنَّته - وذلك من نبوءاته ﷺ وحَذَرَ منهم، فقال: "يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَني وهو مُتَكِئٌ عَلى أَرِيكَتِهِ؛ يُحَدِّثُ بحديثي فيقولُ: بيننا وبينكم كتابُ الله، فما وَجَدْنا فيه من حلالٍ اسْتَحْلَلْناه، وما وَجَدْنا فيه من حرامٍ حَرَّمْناه، ألا وإنَّ ما حَرَّمَ رسول الله ﷺ مِثْلُ ما حَرَّمَ الله" (¬٢). ورَوَى الخطيب البغدادي (¬٣) بإسناده إلى عليِّ بن زيد، عن الحَسَن، أَنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْن ﵁ كان جالسًا ومعه أصحابه، فقال رجلٌ من القوم: لا تُحَدِّثُونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: اُدْنُه، فدَنَا، فقال: أرأيت لو وُكِلْتَ أنتَ وأصحابك إلى القرآن، أكنتَ تجد فيه صلاة الظهر أربعًا، وصلاة العصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا تقرأُ في اثنتين؟ أرأيت لو وُكِلْتَ أنتَ وأصحابك إلى القرآن؛ أكنتَ تَجِدُ الطَّواف بالبيت سبعًا، والطَّواف بالصَّفا والمروة؟ ثم قال: أي قوم، خُذُوا عنا، فإنه إلا تفعلُوا لَتَضِلُّنَّ. ورَوَى الإمام أحمد (¬٤) أنَّ امرأة جاءت إلى عبد الله بن مسعود ﵁، فقالت: أُنبِئتُ أنك تَنْهَى عن الواصِلَة؟ قال: نعم، فقالت أشيءٌ تَجِدُهُ في كتاب الله، أم سمعته من رسول الله ﷺ؟ فقال: أَجِدُه في كتاب الله، وعن رسول الله، فقالت: والله لقد تَصَفَّحْتُ ما بين دَفَّتَي المصحف، فما وجدتُ فيه الذي تقول! قال: فهل وَجَدْتِ فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: نعم. قال:
فإني سمعت رسول الله ﷺ نَهَى عن النَّامِصَةِ والواشِرَةِ والواصلة والواشِمَةِ إلا من داء … ونقل القاسمي (¬١) عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه دخل عليه مَرَّةً رجلٌ من أهل الكوفة والحديثُ يُقرأُ عنده، فقال الرَّجل: دَعُونا من هذه الأحاديث. فزَجَرَهُ الإمامُ أشَدَّ الزَّجْر، وقال له: لولا السُّنَّةُ ما فَهم أحدٌ منا القرآن. ثم قال للرجل: ما تقول في لحم القرد، وأين دليله من القرآن؟ فأفحم الرّجل.
- السُّنَّة وَحْيٌ من الله تعالى وهي الحكمة المذكورة في كتابه: ومن المعلوم أيضًا أنَّ السُّنَّةَ وَحْي من الله تعالى لنبيه ﷺ، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقال رسول الله ﷺ: "ألا ? إنّى أُوتِيتُ القرآن ومثله معه" (¬٢). وروى الإمام أحمد وأبو داودَ من حديث عبدِ اللهِ بن عَمْرِو قال (¬٣): كنتُ أكتب كلَّ شيءٍ أسمعه من رسول الله ﷺ أريدُ حِفْظُهُ، فَنَهَتْني قريش، فقالوا: إنك تكتب كلَّ شيءٍ تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بَشَرٌ يتكلم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: "اكْتُبْ، فوالذي نفسي بيدِه ما خَرَجَ مِنِّي إِلَّا حَقّ". وسنته ﷺ هي الحكمة المذكورة في القرآن الكريم مقرونة بالكتاب، فقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ كما في سورة البقرة [١٢٩] وسورة آل عمران [١٦٤] وسورة الجمعة [٢]، وقال أيضًا: [واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
وإلى هذا المعنى ذهب الشافعي ﵀، فقال (¬١): "ذكر الله الكتاب، وهو القرآن، وذكرَ الحكمة، فسمعتُ من أرضَى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمةُ سُنَّةُ رسول الله ﷺ، وهذا يشبه ما قال والله أعلم، لأنَّ القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله مَنَّهُ على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يَجُز - والله أعلم - أن يقال الحكمة ها هنا إلا سُنَّة رسول الله ﷺ، وذلك أنَّها مقرونة مع كتاب الله، وأنَّ الله افترض طاعةً رسولِه، وحَتَمَ على الناس اتَّباعَ أمرِه، فلا يجوز أن يقال لقول: فَرْضٌ؛ إلا لكتاب الله، ثم سنّةِ رسولِه، لِما وصَفْنا من أنَّ الله جعل الإيمان برسوله مقرونًا بالإيمان به، وسنة رسولِ الله مبينة عن الله معنى ما أراد دليلًا على خاصه وعامه، ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فأتْبَعَها إيَّاه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله". انتهى.
- تدوين السُّنَّة وحفظ الله تعالى لها: ولما كانت السُّنَّةُ للقرآن بهذه المرتبة (¬٢)؛ فقد هيَّأَ الله تعالى لِحِفظها كما هيَّأَ لحفظ كتابه، حيث نهضَ الصحابة ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم بتبليغها وإذاعتها وروايتها، وحفظها وتدوينها، واستفرغوا الوُسْعَ في ذلك، وتشهد تراجمهم بعظيم الجهد الذي بذلوه، فَمِنْ راحل لسماعها، ومتصدّ لروايتها، وعاكف على تدوينها والتّصنيف فيها، حتى استطاعوا استيعابَها ولَمَّ شَمْلِها، وجَمْعَ شَتَاتِها، والإحاطة بها، حتى إنه لَيَصِحُّ لنا القولُ: إنهم لم يكد يَفُتْهُمْ من حديث رسول الله ﷺ حديث واحد.
عوا استيعابَها ولَمَّ شَمْلِها، وجَمْعَ شَتَاتِها، والإحاطة بها، حتى إنه لَيَصِحُّ لنا القولُ: إنهم لم يكد يَفُتْهُمْ من حديث رسول الله ﷺ حديث واحد.
وقد ذهبوا في مرحلة تدوينها وتصنيفها مَذَاهِبَ شتّى، كُلٌّ حَسَبَ الغاية التي تَغَيَّاها منها، فمنهم من رَتَّبَها حسب المسانيد، وذلك بذكر أحاديثِ كل صحابي على حدة، وأشهر هذه المسانيد "مسند" الإمام أحمدَ بن حَنْبَل ﵀ (¬١). ومنهم مَن جَعَلَها مُرَتَّبَةً حَسَبَ موضوعاتها وأبوابها، كما فعل الإمام مالك بن أنس في "مُوطَئه"، وجاء بعدَه مَنْ حَذَا حَذْوَهُ، ونَحَا نحوَه مِن كبار الحُفَّاظ والمُحَدِّثين، وفي مقدِّمتهم إمامُ الصَّنْعَةِ الإمام البخاري، أمير المؤمنين في الحديث، وتلميذه الإمام مسلم، صاحبا "الصَّحيحَيْن"، ثم أصحاب السنن: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ﵏ جميعًا (¬٢). وقد اشتملت هذه الأصولُ السِّتَّةُ على أحكام الإسلام وآدابه، وشرائعه وتوجيهاته، وهذا ما يُفَسِّرُ لنا العناية الكبرى والحفاوة البالغة التي لَقِيَتْها هذه الكتب، فقد تلقَّاها العلماء بالقبول، واعتنى بها المحدِّثون والفقهاء طبقةً بعد طبقة، واشْتَهَرَتْ فيما بينَ الناس، وتعلَّق بها القومُ شرحًا لِغَرِيبها، وفَحْصًا عن رجالها، واستنباطًا لفِقْهها، وجَمْعًا لمتونها، وتهذيبًا لها. على أنَّ للصحيحَيْنِ مِن المَزايا ما ليسَ لِغيرِهِما من السنن الأربعة، فالبخاري ومسلم لم يُثبتا في كتابيهما من الأحاديث إلا ما جَزَما بصحته، وثبت عندهما نقله، ولم يشترط ذلك أصحاب السنن، وإن كانوا في الأغلب - عدا ابن ماجه - قد أشاروا إلى كثير مِن العِلَلِ التي اعْتَوَرَتْ بعض الأسانيد عندهم، وكلُّ واحدٍ من هؤلاء الأئمة كان له مَقْصِدٌ في تصنيفه، ومنهج في تأليفه، وغَرَضٌ تَوَخَّاه يَتَمَيَّزُ به عمَّن سواه.
ويُمكن أن نذكر باختصار ما يُميِّزُ كلَّ كتاب من هذه الكتب السَّنّة، وما قصد إليه مؤلّفه. فأمَّا البخاري (¬١) فكان غَرَضُهُ تجريدَ الأحاديثِ الصحاح المتصلة من غيرها، واستنباط الفِقْهِ والسِّيرة والتفسير منها، وقد وَفَّى ﵀ بما شَرَط، ونال كتابه من الشُّهْرةِ والقبولِ درجةً لا يُرامُ فوقها. وأما مسلم؛ فقد تَوَخَّى تجريدَ الصَّحاحِ المُجْمَعِ عليها بين المحدِّثين، المتّصلة المرفوعةِ ممَّا يُستنبط منه السُّنَّة، وأرادَ تقريبها إلى الأذهان، وتسهيل الاستنباط منها، فرَتَّبَ ترتيبًا جيّدًا، وجمعَ طُرُقَ كلَّ حديث في موضع واحد، ليَتَّضِحَ اختلافُ المُتون وتشعُبُ الأسانيد أصرح ما يكون، وجَمَعَ بين المُختلِفات، فلم يَدَعْ لمن له معرفةٌ بلسان العرب عُذرًا في الإعراض عن السُّنَّةِ إلى غيرها. وأما أبو داود؛ فكانت هِمَّتُهُ جَمْعَ الأحاديثِ التي استدل بها الفقهاء ودارَتْ فيهم، وبَنَى عليها الأحكام علماء الأمصار، فصنَّف "سُنَنَه"، وجَمَعَ فيها الصَّحيحَ والحَسَنَ واللَّيِّنَ والصَّالِحَ للعمل عنده. قال أبو داود: ما ذكرتُ في كتابي حديثًا أجْمَعَ الناسُ على تَرْكِه. وما كان منها ضعيفًا صَرَّحَ بِضَعْفِه، وما كانَ فيه عِلَّةٌ بَيْنَهَا بِوَجْهِ يعرفُهُ الخائضُ في هذا الشأن، وتَرْجَمَ على كلِّ حديث بما قد استنبط منه عالِمٌ وذَهَبَ إليه ذاهب، ولذلك صَرَّحَ الغزالي وغيره بأنَّ كتابه كافٍ للمجتهد. وأمَّا التّرمذي؛ فكأَنَّه استحسن طريقة الشيخين حيثُ بَيَّنا وما أَبْهَما، وطريقةً أبي داود حيث جمعَ كلَّ ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطَّريقتين، وزاد عليهما بيان مذاهبِ الصَّحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، فجمع كتابًا جامعًا، واختصر طُرُقَ
حيث جمعَ كلَّ ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطَّريقتين، وزاد عليهما بيان مذاهبِ الصَّحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، فجمع كتابًا جامعًا، واختصر طُرُقَ
الحديثِ اختصارًا لطيفًا، فذكر منها واحدًا، وأوْمأ إلى ما عداه، وبَيَّنَ أمْرَ كلِّ حديث مِن أنه صحيحٌ أو حَسَنٌ أو ضعيف أو منكر، وبَيَّنَ وَجْهَ الضَّعف، ليكون الطالب على بَصِيرَةٍ من أمره، فيعرف ما يَصْلُحُ للاعتبار وما لا يصلح، وذكر أنه مستفيض أو غريب، وذَكَرَ مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار، وسَمَّى مَنْ يحتاجُ إلى التّسمية، وكنَّى مَنْ يحتاجُ إلى الكُنية، ولم يَدَعْ خَفَاءً لمن هو من رجال العلم، ولذلك يُقال: إنه كافٍ للمجتهد، مُغْنٍ للمُقَلِّد. وأمَّا النَّسائي؛ فقد اعْتَنَى بكثرةِ الطُّرقِ واختلافِ النَّاقِلين، قال فيه أبو عبد الله بن رشيد (¬١): كتاب النسائي أبدعُ الكتب المصنفة في السنن تصنيفًا، وأحْسَنُها تَرْصِيفًا، وكأنَّ كتابَهُ جامع بين طريقتي البخاري ومسلم مع حَظٍّ كبيرٍ من بيان العِلل، وفي الجملة؛ فكتاب النسائي أقل الكتب بعد الصَّحيحَيْنِ حديثًا ضعيفًا ورجلًا مجروحًا. وقال ابن خلدون في تاريخه ١/ ٧٩٣: قد استدرك الناسُ على البخاري ومسلم، ثم كَتَبَ أبو داود السجستاني وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي في السنن بأوسعَ من الصحيح، وقصدوا ما توفرت فيه شروط العمل، إما من الرتبة العالية في الأسانيد، وهو الصحيح كما هو معروف، وإما من الذي هو دونه من الحَسَن وغيرِه، ليكون ذلك إمامًا للسنة والعمل، وهذه هي الأسانيد المشهورة في الملة، وهي أمهات كُتُبِ الحديث في السنة، فإنها وإن تعددت ترجع إلى هذه في الأغلب.
- غالبُ أحاديث السنن صحيحٌ أو حَسَنٌ؛ لذاته أو لغيره: وهذه السُّنَنُ دَرَجَ بعضُ الناس على تسميتها بالصِّحاح، ونُوزعوا في ذلك، فذكر ابن الصَّلاح أنَّ الخطيب أطلق اسم الصَّحيح على كتابي الترمذي والنسائي، وأنَّ
الحاكم سَمَّى كتابَ التِّرمذي "الجامع الصحيح" (¬١)، وأنَّ أبا طاهر السِّلَفِيَّ قال في الكتب الخمسة: اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب، فقال ابن الصلاح: وهذا تساهل، لأنَّ فيها ما صرَّحُوا بكونه ضعيفًا أو منكرًا، أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف. ووافق ابنَ الصَّلاح على ذلك العراقي؛ حيث قال في "ألفيَّتِه": ومَنْ عَليها أطلَقَ الصَّحِيحَا … فقد أَتَى تَسَاهُلًا صَرِيحا وقد قام بعضُهم بتوجيه إطلاق الصِّحاح عليها أنَّها باعتبار الأغلب، فقال الزركشي في "نُكَتِه على ابن الصلاح" (¬٢): تسمية الكتب الثلاثة صحاحًا باعتبار الأغلب، لأنَّ غالِبَها الصِّحاحُ والحِسَان، وهي مُلحَقةٌ بالصحاح، والضعيف منها ربَّما التحق بالحَسَن، فإطلاقُ الصَّحَةِ عليها من باب التغليب. وقال الحافظ ابن حجر (¬٣) في توجيه كلام الحاكم: حَكَمَ للجميع بالصِّحة بمقتضى الغلبة. وكذا وَجَهَهُ النَّوويّ، فقال بإثر كلام السِّلَفِي (¬٤): مراده أنَّ معظم الكُتُبِ الثلاثة يحتج به. قال الحافظ أي: صالح لأنْ يُحْتَجَّ به، لئلا يَرِدَ على إطلاق عبارته المنسوخ أو المرجوح عند المعارضة. والله أعلم.
الإمامُ النَّسائي وكتابه "المُجْتَبَى" الكلام عن الإمام النَّسائي وكتابِه "المُجْتَبَى" (أو السنن الصُّغرى) كلامٌ واسع متنوع، فهو أحد أعلام أئمة المسلمين، إمام عصره، وفريد دهره، وأعجوبة زمانه، حافظٌ لا يُجارَى ومُحَدِّثُ لا يُبارى، أحد أساطين العلم الذين اختصهم الله تعالى لحفظ سنَّة نبيِّه ﷺ، فانتهى إليه العلم بالحديث ومعرفة عليه وأحوال رجاله، وماذا عسى أن أكتب عنه وعن كتابه في هذه التَّقدمة اليسيرة وقد تَبارَتِ الأقلام في ذكر مناقبه والثَّناء عليه؟ لذا سأُورِدُ بين يدي كتابه هذا ما لا بدَّ من إيراده، ممَّا لا يسعُ القارئ جهله.
الإمام النسائي (¬١) هو الإمام الحافظ، الثَّبَت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث، المجتهد، عَلَمُ الأعلام، أبو عبد الرَّحمن أحمدُ بنُ شُعيب بن عليّ بن سِنان بن بَحْرِ بن دينار، النسائي، الخراساني. والنَّسَائيّ؛ نسبة لمدينة بخُراسان، يقال لها: نَسَا (¬٢)، ويُنسب إليها أيضًا: نَسَوِي (¬٣).
ومولده فيما جزم به الذهبي، وتبعه تلميذُه التاجُ السُّبْكي سنة خمسَ عَشْرَةَ ومئتين (¬١). وهو منقولٌ عن النسائي نفسه، لكن بدون جزم، فقال أبو بكر محمد بن موسى بن المأمون: سمعت أبا بكر ابن الإمام الدمياطي يقول له: وُلدتُ في سنةِ أربعَ عَشْرَةَ، يعني ومئتين، ففي أي سنةٍ وُلِدْتَ؟ فقال: يُشْبِهُ أن يكونَ في سنة خمسَ عَشْرَةَ، لأَنَّ رحلتي الأولى إلى قتيبة كانت في سنة ثلاثين ومئتين، أقمتُ عنده سنةً وشهرين (¬٢).
- رحلته وشيوخه: ارتحل ﵀ الرِّحلةَ الواسعة، وسافر إلى البلاد الشاسعة طلبًا لِعُلُوِّ الإسناد. فسمعَ بخُراسان: من قتيبة بن سعيد، ومن عليَّ بن خَشْرَم، وعليِّ بن حُجْر. وبنَيْسَابُور: من إسحاق بن إبراهيم، المعروف بابن راهويه، والحُسين بن منصور السلمي، ومحمد بن رافع، وأقرانهم. وبالبصرة: من عبَّاسِ بن عبدِ العظيم العَنْبَري، ومحمدِ بن المُثَنَّى، ومحمدِ بن بَشَّارٍ بُنْدَارٍ، وعَمْرِو بن عليٍّ الفَلَّاس، وغيرهم. وبمصر: من يونُسَ بن عبدِ الأعلى، وأحمدَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن وَهْبٍ (¬٣)، وعيسى بن حمَّاد زُغْبَة، وأبي الطَّاهِرِ بن السَّرْح، وعبدِ الرَّحمن ومحمد ابني عبد الله بن عبدِ
دِ الأعلى، وأحمدَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن وَهْبٍ (¬٣)، وعيسى بن حمَّاد زُغْبَة، وأبي الطَّاهِرِ بن السَّرْح، وعبدِ الرَّحمن ومحمد ابني عبد الله بن عبدِ
الحكم، وآخرين. وبالكوفة: من أبي كُرَيْب محمدِ بن العلاء، وهَنَّادِ بن السَّرِي، وعليِّ بن الحَسَن اللَّاني؛ في طائفة. وببغداد: من محمدِ بن إسحاقَ الصَّغَانيّ، وعبَّاسِ بن محمد الدُّورِيّ، وأحمد بن منيع، ومُجاهد بن موسى الخوارزمي، وجماعة. وبالحجاز: من محمَّدِ بن زُنْبُور؛ بمكة. وببيت المَقْدِس: من محمدِ بن عبدِ الله الخَلَنْجِي. وبدمشق: من هشامِ بن عَمَّار، وعبد الرَّحمن بن إبراهيم دُحَيم، والعبَّاسِ بن الوليدِ بن مَزيد، وطائفة. وبحلب: من أبي العباس الفَضْلِ بن العبَّاسِ بن إبراهيمَ الحَلَبي (¬١). وبالمصِّيصة: من قاضيها أحمد بن عبد الله بن علي بن أبي المَضَاء (¬٢). ومن شيوخه أيضًا: أبو حاتم وأبو زُرْعَةَ الرَّازِيَّان، ومحمد بن يحيى بن عبد الله الذُّهْلِي النَّيْسَابُوري، ويعقوب بن إبراهيمَ الدَّوْرَقي، وأبو داود صاحب "السُّنن" على اختلاف فيه (¬٣)، وغيرهم من الحفاظ. وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وحُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَة، والرَّبيع بن سليمان الجيزي، والرَّبيع بن سليمانَ المُرَادي، وزياد بن يحيى الحَسَّانِي، وسُوَيْدُ بنُ نَصْر، وعبد الله بن سعيد الأشَجُّ، وعَمْرُو بنُ زُرَارَة، ومحمدُ بنُ مَعْمَر القَيْسِيُّ، ومحمد بن النَّضْر
المَرْوَزِي، ومحمودُ بنُ غَيْلَان، ونَصْرُ بنُ عليّ الجَهْضَمي، وأبو حاتم السِّجِسْتَاني، وعَمْرُو بنُ يزيد أبو بُرَيْدٍ الجَرْمِيُّ، وخلقٌ كثير. اشترك مع الشيخين في جماعة منهم، كبندار محمد بن بشار، ومحمد بن المُثَنَّى، وعَمْرِو بن عليّ الفلاس، وأبي كُرَيْب محمد بن العلاء (¬١).
- الكلام في روايته عن الإمام البخاري: أدرك الإمامُ النَّسائي خلال مرحلة طلبه للحديث حوالي ربع قَرْنٍ من حياة الإمام البخاري، وقد اختلف في روايته عنه، فرَوَى النَّسائي في الصيام (٢٠٩٦) في هذا الكتاب - وهو من رواية ابن السُّنِّي، عنه - قال: أخبرنا محمد بن إسماعيلَ البُخاري، حدَّثني حفصُ بْنُ عُمَرَ بن الحارثِ قال: حدَّثنا حَمَّادٌ قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ والنعمان بن راشد، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشة قالت: ما لَعَنَ رسول الله ﷺ من لَعْنَةٍ تُذْكَرُ … الحديث. قال المزِّيّ (¬٢): لم نجد للنَّسائي عنه روايةً سوى هذا الحديث؛ إن كان ابن السُّنِّي حفظه عن النسائي، ولم ينسبه من تلقاء نفسه معتقدًا أنَّه البخاري. وقال أيضًا: رواه أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني الحافظ، وأبو عليّ الحَسَنُ بن الخضر الأسيوطي، وأبو الحسن بن حَيويه النيسابوري عن النسائي، عن محمد بن إسماعيلَ؛ حسب. وفي أصل الحافظ أبي عبد الله الصُّوري الذي كتبه بخطه عن أبي محمد بن النَّحَّاس، عن حمزة، عن النسائي: حدَّثنا محمَّدُ بنُ إسماعيل، وهو أبو بكر الطبراني
وقال أيضًا: وقد رَوَى النَّسائيُّ الكثير عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن عليَّة، وهو يشارك البخاري في بعض شيوخه، ورَوَى في كتاب "الكُنى" عن عبدِ الله بن أحمدَ بن عبدِ السَّلام الخَفَّاف عن البخاري عِدَّةَ أحاديث، فهذه قرينة ظاهرة في أنه لم يَلْقَ البُخاري، ولم يسمع منه. وقال الذهبي في "تاريخه": رَوَى عنه على نزاعٍ فيه، والأصح أنه لم يَرْوِ عنه شيئًا. غير أنَّ الحافظ ابن حجر العَسْقَلاني قال في "تهذيبه" - ونقله عنه السخاوي - (¬١): قد وقع لي خبرٌ صَرَّحَ فيه النَّسائي بالرّواية عن البُخاري، فقال أبو عبد الله محمدُ بنُ إسحاق بن مَنْدَه في كتاب "الإيمان" له: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد الكناني ومحمد بنُ سَعْد الباوَرْدِيُّ قالا: أخبرنا أحمد بن شعيب أبو عبدِ الرَّحمن النّسائيُّ، حدثنا محمد بن إسماعيلَ البُخاري … فذكَرَ خبرًا، فهذا يَدُلُّ على أنَّ ابنَ السُّنِّي قد حَفِظَ نَسَبَ محمد بن إسماعيلَ في الحديث، ولم يَنْسُبْهُ من عند نفسه، ثم وجدتُ في رواية ابن الأحمر في "السنن الكبرى" عن البُخاري عدة أحاديث، والله أعلم.
- تحريه في الرواية وورعُه: اِشْتَهَرَ الإمامُ النَّسائي بورعه في رواية الحديث، وانتقاء الشيوخ والرواة؛ قال أبو عبد الله الحاكم: سمعت أبا الحسن أحمد بن محبوب الرملي بمكة يقول: سمعت أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي يقول: لما عزمت على جمع كتاب السنن؛ استخرتُ الله تعالى في الرّواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعتِ الخِيرة على تركهم، فنزلتُ في جملة من الحديث؛ كنتُ أعْلُو فيه عنهم (¬٢).
وقال الحافظ أبو طالب أحمدُ بنُ نَصْر: مَنْ يصبرُ على ما يصبر عليه النسائي؟ كان عنده حديثُ ابن لَهِيعة ترجمة ترجمة - يعني عن قتيبة، عنه - فما حَدَّثَ بها، وكان لا يَرَى أن يُحَدِّثَ بحديث ابن لهيعة (¬١). وقال حمزةُ بنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ: وسُئل - يعني الدَّارَقُطني - فقيل له: إذا حَدَّثَ النَّسائي وابنُ خُزيمةَ بحديث، أيُّهما تُقَدِّم؟ فقال: النَّسائي، فإنَّه لم يكن مثله، ولا أُقَدِّمُ عليه أحدًا، ولم يكن في الوَرَعِ مثله، لم يُحَدِّثْ بما وقع له من حديثِ ابن لهيعة، وكان عنده عاليًا قتيبة (¬٢). ومن وَرعِهِ وتَحَرِّيهِ أيضًا ما حكاه الحافظ أبو بكر بن نقطة في "تقييده" (¬٣) فقال: نقلتُ من خط عبدِ الرَّحيم بن حَمْدِ بن المِهْتَرِّ النَّهاوَنْدي قال: رأيتُ بخطِّ الدُّوني - يعني راوي "السُّنن" - أنه سُئل عن نكتة العُدول عن الإتيان بصيغة "حدثنا" و "أخبرنا" فيما يرويه عن الحارث بن مسكين بخصوصه، فأجابَ بأنه سَمِعَ أَنَّ الحارث كان يتولى القضاء بمصر، وكان بينه وبين النسائي خُشونةٌ، فلم يكن يُمَكِّنُهُ حضور مجلسه، فكان يجلس في موضع مستترًا منه؛ بحيث يسمع قراءة القارئ ولا يُرَى، فلذلك عَدَلَ عن الإتيان بذلك، واقتصر على قوله: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع. قال السَّخاوِيّ: ثم إنَّ ما يقعُ في بعض الأصول من الإتيان بصيغة "حدثنا" ونحوها في بعض ما يرويه عن الحارث؛ الظاهر أنه غلط من النساخ.
عليه وأنا أسمع. قال السَّخاوِيّ: ثم إنَّ ما يقعُ في بعض الأصول من الإتيان بصيغة "حدثنا" ونحوها في بعض ما يرويه عن الحارث؛ الظاهر أنه غلط من النساخ.
- أقوال العلماء فيه وثناؤهم عليه: الإمامُ النّسائيّ أحدُ الحفّاظ المُبَرِّزين، والأئمة المعدودين، والمحدثين الأثبات، الذين بلغوا الدرجة العُليا في الدِّراية والرِّواية، خَبَرُوا عِلَلَ الحديث ورجاله، ومَيَّزُوا صحيحه من سَقِيمِه، وقد أقرَّ لهم أئمَّةُ هذا الشأن بذلك، وأثْنَوْا عليهم بما لا مزيد عليه. قال الحافظ أبو علي النيسابوري: أخبرنا الإمامُ في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي … وقال أبو الحسن الدارقطني: أبو عبد الرَّحمن مُقَدَّم على كلِّ مَنْ يُذْكَرُ بهذا العلم من أهل عصره. وقال أيضًا: كان أبو بكر بن الحَدَّادِ الشَّافعيّ كثير الحديث، ولم يُحَدِّثْ عن غيرِ النَّسائي، وقال: رَضِيتُ به حُجَّةً بيني وبين الله تعالى. وقال أبو عبد الله بن مَنْدَه: الذين أخرجُوا الصحيحَ ومَيَّزُوا الثابت من المعلُولِ والخطأ من الصَّواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي. وقال مجدُ الدَّين بن الأثير: هو أحد الأئمة الحفّاظ العلماء، لَقِيَ المشايخ الكبار … وقال: كان شافعي المذهب، له مناسك؛ أَلفَها على مذهب الشافعي (¬١). وقال الذَّهبيُّ في "سِير أعلام النبلاء": كان من بحور العلم، مع الفهم والإتقان والبَصَر، ونَقْدِ الرّجال، وحُسْنِ التأليف.
وقال: لم يكن أحدٌ في رأس الثَّلاثِ مئة أحْفَظَ من النسائي، هو أحْذَقُ بالحديثِ وعِلَلِهِ ورجالِهِ من مُسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جارٍ في مضمار البخاري، وأبي زُرْعَة … وقال التَّاج السُّبْكِي في "طبقات الشافعية الكبرى": الإمام الجليل، أحد أئمة الدُّنيا في الحديث، والمشهور فيه اسمه وكتابه … وقال: سألتُ شيخنا الذهبي: أيُّهما: أحفظ: مسلمٌ أو النّسائي؟ فقال: النسائي، ثم ذكرتُ ذلك لوالدي، فوافق عليه (¬١).
- خروجه من مصر ومحنته ووفاته، ﵀: قال الدَّارَقُطني: كان أبو عبد الرَّحمن النَّسائيُّ أَفْقَهَ مَشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصَّحيح والسَّقيم من الآثار، وأعلمهم بالرِّجال، فلما بلغ هذا المبلغَ حَسَدُوهُ، فخرج إلى الرَّمْلَة، فسُئل عن فضائل معاوية، فأمسك عنه، فضربوه في الجامع، فقال: أخْرِجُوني إلى مكة، فأخرَجُوه إلى مكة وهو عليل، فتوفي بها مقتولًا شهيدًا. وقال أبو سعيد بن يونس: خرج من مصر في شهر ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاث مئة، وتوفِّي بفلسطين في يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاث مئة. قال الذهبي في "السِّير" هذا أصح، فإنَّ ابنَ يونُسَ حافظ يقظ، وقد أخذ عن النسائي، وهو عارف به. وقال في "تذكرة الحُفَّاظ" عقب القول بأنه حمل إلى مكة فتُوفِّيَ بها: كذا في هذه الرواية، وصوابه بالرَّمْلَة (¬٢).
" المُجْتَبَى" لا تخفى أهميَّةً ومنزلة هذا المصدر الحديثي "المُجتبى" (أو: السنن الصغرى) للإمام النسائي على كلِّ مشتغل بالحديث أو باحث، فضلًا عن أولويته لطالب العلم، فهو أحد الأصول السِّتَّة التي عليها مدارُ الأحكام الشرعيَّة، وهو متقدم على بعضها؛ وإن كان الإمامُ النَّسائي آخِرَ السِّتَّةِ وفاة. وهو أحد أهم دواوين السُّنَّة، اعْتَنَى فيه الإمامُ النّسائي بكثرة الطرق، واختلاف النَّاقلين، مع حَظٍّ كبير من بيان العلل، وأبان فيه الوجه الصحيح للحديث - أو المحفوظ منه - من الأوجه الأخرى؛ بالتّصريح بذلك أحيانًا، وبالاكتفاء بذكر مُخْتَلِفِ طرق الحديث أحيانًا أخرى على وَجْهٍ يعرفُه المشتغل بهذا الشأن، ويفهمه أهلُ المعرفة، وأبانَ فيه أيضًا عن دِقَّةِ فَهْمِهِ للمُتون بما ترجَمَ لها من مسائل فقهية استنبطها منها. وقد كان هذا الكتابُ مَحَلَّ اهتمام الأئمة والباحثين والدارسين للحديث النبوي الشريف في الماضي والحاضر، كما كان ذلك لسائر كتب السنة الأخرى. فمنهم مَنْ تناول صناعته الحديثيَّة، فتكلَّم في منهجه وطريقة تأليفه وترتيب أحاديثه. ومنهم مَنْ ذهب إلى دراسةِ فِقْهِهِ الذي وضعَه من خلال تراجم الأحاديث. ومنهم مَنْ قامَ بدراسة رواته ومنهجه في الجرح والتعديل. ومنهم مَنْ جمعَ رُباعياته … إلى غير ذلك … وسأتناولُ في هذه التَّقدمة اليسيرة أبرز ما يتعلَّق بالكتاب باختصار، وتفصيل ذلك في كتب الباحثين والدارسين (¬١).
م مَنْ جمعَ رُباعياته … إلى غير ذلك … وسأتناولُ في هذه التَّقدمة اليسيرة أبرز ما يتعلَّق بالكتاب باختصار، وتفصيل ذلك في كتب الباحثين والدارسين (¬١).
أولًا: اسم الكتاب: عُرف كتابُ الإمام النَّسائي هذا باسم "المُجْتَبَى"، وهو الاسم الذي يتردَّدُ في مصادر الحديث والتراجم وغيرها، ويُسَمَّى أيضًا: "المُجْتَنَى" بالنون بدل الباء (¬١)، ويُسَمَّى أيضًا: "السنن الصغرى" تمييزًا له عن "السنن الكبرى"، ويقال له أحيانًا اختصارًا: "السُّنن"، وكلُّ ذلك معلومٌ عند أهل العلم، ولا جديد في ذلك. وما ورد في النسخ الخطيَّة للكتاب من أنَّه "المُجتبى" (بالباء) يَشِي بأنَّ تسميته هذه من الإمام النَّسائي ﵀، فقد جاء فيها ما صورته:
- كتاب المياه من المجتبى.
- كتاب الحيض والاستحاضة من المُجتبى.
- كتاب الغُسل والتّيمم من المجتبى.
- ذِكْر الفضل في الطواف بالبيت، وهو من كتاب المجتبى من الحجّ.
- كتاب البيعة من المُجتبى (¬٢). وجاء فيها أيضًا (¬٣): باب ما في كتاب القِصَاص من المجتبى ممَّا ليس في السنن. وقد جاء اسم "المُجتبى" في الصفحة الأولى من النُّسخة (ك)، فجاء فيها ما
صورته: … وبعد، فيقول الفقير إلى أكرم الأكرمين أبو الفضل محمد تاج الدين: إني قد أخذتُ سنن الإمام الحافظ الحُجَّة الناقد اللاقط أبي عبد الرحمن أحمدَ بن شُعيب النَّسائيَّ المُسَمَّى بالمجتبى عن عدَّةِ مشايخ جِلَّة … وجاء هذا الاسم "المجتبى" أيضًا على ورقة الغلاف لكلِّ من النُّسَخ الخطيَّة: (ر) و (م) و (هـ) (¬١). وجاء آخر النسخة (م) ما صورته: آخِرُ الكتاب من المُجتبى للنَّسائي، والحمد لله وحده … وجاء آخر النسخة (هـ): آخِرُ كتاب الأشربة، وهو آخِرُ كتاب المجتبى … وسُمِّيَ أيضًا في المصادر بهذا الاسم، وهذه أمثلة عنها: ذكرَ ابن خَيْر الإشبيلي (¬٢) عن أبي عليّ الغَسَّاني قال: كتاب الإيمان والصلح ليسا من المُصَنَّف، إِنَّما هما من كتاب "المجتبى" له - بالباء - في السنن المُسْنَدة لأبي عبد الرّحمن النَّسائي (¬٣)، اختصره من كتابه الكبير المُصنَّف. وأورد مجدُ الدِّين بن الأثير في "جامع الأصول" (¬٤) القصَّة المتداولة للأمير الذي طلب من النَّسائي تجريدَ الصَّحيح من "سُننه الكبرى"، ثم قال: فهو "المجتبى" من السنن. وقال الذهبي في "سِير أعلام النبلاء" في ترجمة أبي محمد عبد الرحمن بن حَمْد الدُّوني: كان آخِرَ مَن روى كتاب "المُجتبى" من سُنن النسائي وغير ذلك عن القاضي
أبي نَصْر أحمدَ بن الحُسين الكسار صاحب ابن السُّنّي. وقال أيضًا في ترجمة أبي زُرْعَةَ طاهر بن محمد بن طاهر المَقْدِسِيّ: حدَّث بسُنن النسائي "المُجتبى" عن عبد الرحمن بن حَمْد الدُّوني … وقال في ترجمة أبي المحاسنِ محمدِ بن عبد الخالق الأصبهاني: سمعَ "المُجتبى" كلَّه للنسائي من عبد الرحمن بن حَمْد الدُّوني. وقال في ترجمة أبي منصورٍ أحمدَ بن يحيى بن البَرَّاج: سمع سُنن النسائي كلَّه - أعني "المُجتنى" - من أبي زُرعة المقدسي … (¬١). فسمَّاه الذَّهبيُّ "المُجتبى" (أو: المجتنى)، ونسبه في سياق كلامه للنسائي، مع أنه ذكر في "السِّير" في ترجمتي النسائي وابن السُّنِّيّ أنَّ "المُجتنى" (كذا ذكره فيهما بالنون) اختيار ابن السُّنِّي، كما سيأتي الكلام في الفقرة بعدها، والله أعلم (¬٢). وجاء كذلك اسم "المُجتبى" في "الدرر الكامنة" (¬٣) في ترجمة علي بن الحسين بن علي المصري، ثم الدمشقي، المعروف بابن البَنَّاء، فجاء فيه أنه وقف كتبه على طلبة العلم أكثرها، بخطّه، منها "المُجتبى" للنسائي … وكذلك سمَّاه جلال الدين السيوطي، حيث سمى شرحَه: "زَهْرِ الرُّبَى على المُجتبى"، وشمس الدِّين السَّخاوِيُّ في "بُغية الرَّاغِب المُتَمَنِّي" (¬٤) أثناء كلامه على أسانيده. وجاء هذا الاسم في مواضعَ أخرى من المصادر، لا داعي لذكرها خشية الإطالة.
وأمَّا تسميته بـ "السُّنن الصُّغرى"؛ فقال الحافظ ابن حجر في "الدُّرَر الكامنة" (¬١) في ترجمة محمد بن أحمد بن أبي بكر بن أبي الفتح سمعَ بالشام من عبد الرحمن بن الزين أحمد بن عبد الملك "السنن الصغرى" للنسائي رواية ابن السُّنِّيّ. وسمَّاه الحافظ أيضًا بـ "الصُّغرى" في "موافقة الخبر الخَبَر" (¬٢) أثناء كلامه على رواة السنن. وذكر الصَّنعاني في "توضيح الأفكار" (¬٣) قصة طلب الأمير من الإمام النسائي تجريدَ الصَّحيح من "السنن الكبرى"، ثم قال: و "المُجتبى" هو "السنن الصغرى". والأمثلة على ذلك كثيرة، وهى سهلةُ التَّناول لمن أرادَ الوقوف عليها.
نسائي تجريدَ الصَّحيح من "السنن الكبرى"، ثم قال: و "المُجتبى" هو "السنن الصغرى". والأمثلة على ذلك كثيرة، وهى سهلةُ التَّناول لمن أرادَ الوقوف عليها.
ثانيًا: نسبة الكتاب لمؤلِّفه: أكثرُ الأقوال والدَّلائل على أنَّ كتاب "المُجتبى" هذا إنَّما هو للإمام النسائي نفسه، وليس من اختيار ابن السُّنِّي من "السنن الكبرى" للنسائي، وقد أُشبعَ هذا البحث دراسةً، وسأذكرُ الاختلاف فيه باختصار: فقد ذكر مجدُ الدِّين بن الأثير (¬٤) أَنَّ النَّسائي صنعَ "المُجتبى"، وقال: فهو المُجتبى من السنن. وقال ابن كثير (¬٥): جمعَ "السنن الكبير"، وانتخب منه ما هو أقل حجمًا منه بمرات، وقد وقع لنا سماع كل منهما. وقد جاء أيضًا في بعض النسخ الخطيَّة للكتاب وبعض المصادر من تصريح ابن السُّنّي ما يدلُّ على ذلك:
فقد جاء في إسناد النسخة (ك) (¬١) إلى أبي بكر بن السُّنِّي قال: أخبرنا مؤلِّفُهُ الحافظ أبو عبد الرَّحمن أحمد بن شعيب بن عليّ النسائي ﵀ … فذكره. وهذا نص صريح من ابن السُّنِّي أنَّ مؤلف الكتاب هو النسائي ﵀. وذكر مجد الدين بن الأثير (¬٢) إسناده إلى النَّسائي في روايته لـ "المجتبى"، وجاء فيه: قال ابن السُّنِّيّ: حدَّثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمدُ بنُ شعيب النسائي بكتاب السنن جميعه … إلخ. وهذا نص آخَرُ من ابن السُّنِّيّ أنَّ مؤلَّفَ "المُجتبى" هو النسائي نفسه (¬٣). وأوردَ ابن خَير في "فهرسته" عن أبي محمد بن يربوع، عن أبي عليّ الغَسَّاني، أنَّ بعض الأمراء سألَ النَّسائي عن كتابه في "السُّنن": أكله صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتُبْ لنا الصحيحَ منه مجرَّدًا، فصنع "المُجتبى"، فهو المُجتبى من "السُّنن". اهـ. لكن في إسناد هذا الخبر انقطاع. ومن جهة أخرى؛ فقد قال الذهبي في "سِير أعلام النبلاء" بعد أن أوردَ الخبرَ السالف ذكره: هذا لم يصح، بل "المُجتنى" اختيار ابن السُّنِّي (¬٤). وقال أيضًا في "تذكرة الحفّاظ": اختصرَ (يعني ابنَ السُّنِّيّ) "السُّننَ"، وسمَّاه: "المجتبى" (¬٥).
وتابعَ الذَّهبيّ على ذلك تلميذه تاجُ الدِّين السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"، وابنُ ناصر الدين الدمشقي فيما نقل عنه ابن العماد في "شذرات الذهب" (¬١)، فَذَكَرَا أنَّ ابنَ السُّنِّي اختصرَ "سُنن النسائي"، وزادَ ابن ناصر الدين قوله: وسماه "المجتبى". كذا جزمَ الذَّهبيُّ والتَّاجُ السُّبْكِي وابنُ ناصر الدين أنَّ "المُجتبى" من اختيار ابن السُّنِّي، غير أنَّ ما تطمئن النفسُ إليه أنَّ "المُجتبى" من تأليف النسائي نفسه كما سلف ذكره، والأدلة على ذلك كافية. والظاهر أنَّ النَّسائي ﵀ اختار كتابه هذا وانتخبه من "سننه" الكبرى، واقتصر في اختياره على أحاديث الأحكام؛ الصَّحيح منها والحَسَن، وأورد فيه الضعيف أحيانًا إن لم يكن في الباب غيرُه، أو أنَّه أوردَه لزيادة فيه (¬٢)، أو لبيان علة،
أو مسألةٍ حديثيَّة، أو غير ذلك … فلم يقتصر النسائي ﵀ على إيراد الصحيح فحسب في "المجتبى" كما جاء في قصته مع الأمير. ومن جهة أخرى؛ فإنَّه تَرَكَ أحاديثَ كثيرةً صحيحة من "السنن الكبرى"، منها ما وقع ضمن كتب بأكملها، كالتفسير، وعمل اليوم واللَّيلة، وعِشْرَةِ النِّساء، وغيرها، وذكر بالمقابل في "المجتبى" أبوابًا في العقود لم يذكرها في "السنن الكبرى"، كما في شركة عنان بين ثلاثة، وشركة مفاوضة … ، وزاد فيه أيضًا أحاديث؛ كما في الإيمان وشرائعه وآخر الجهاد مثلًا؛ بعضُ طُرُقِ أحاديثهما ليست في "الكبرى"، لكن ما زاده في "المجتبى" على "الكبرى" قليل، ولا إشكالَ عندئذٍ في قول من قالَ من الأئمة: إنّ "المُجتبى" مُنتخب من "السنن الكبرى"، لأنّهم قالوا ذلك فيه على التغليب، كما أنَّ بعض الأئمة أطلق اسمَ الصَّحيح على "سُننه" على التغليب أيضًا، والله أعلم. وذكر الدكتور عُمر إيمان أبو بكر هذا المعنى فقال (¬١): اختصرَ النَّسائي "الكبرى" في نصف حجمه، وسمَّاه "المُجتبى"، ولكن ليس المراد بالاختصار هنا ما قد يتبادر إلى الذهن من أنَّ كلَّ ما في "المجتبى" من الأحاديث موجود في "الكبرى" كما هي العادة في المختصرات، بل المراد بالاجتباء هنا أنَّ معظم مادة "المُجتبى" مأخوذ من "الكبرى"، وإنما قلتُ ذلك لوجود أبواب بكاملها - بل وكتب أحيانًا في "المجتبى" ليست في "الكبرى"، فالمصنف قد زادَ أحاديثَ في "المُجتبى"، ولكن ما زادَ فيه قليل جدًّا إذا قورن بما نَقَصَ منه من أحاديث الأصل. وقال الدكتور عُمر أيضًا: لم يكن قصد النسائي من الاختصار مراعاة جانب القوَّة والصحة، ومن قال بذلك فعليه الدليل، بل كان قصده أن يكون "المجتبى" نموذجًا مصغرًا لـ "سُننه الكبرى" … ثم إنَّه راعى في "المُجتبى" جُودةَ الترتيب والاختصار، مع مراعاة الجانب الفقهي (¬٢).
بل كان قصده أن يكون "المجتبى" نموذجًا مصغرًا لـ "سُننه الكبرى" … ثم إنَّه راعى في "المُجتبى" جُودةَ الترتيب والاختصار، مع مراعاة الجانب الفقهي (¬٢).
ثالثًا: رواة "المُجتبى" عن الإمام النسائي: من المعلوم أنَّ كتاب "المُجتبى" المتداول للإمام النسائي هو من رواية أبي بكر بن السُّنِّي، عنه، وذكرَ ابن خَيْر الإشبيلي (¬١) راويين لـ "المجتبى" غيره، هما: عبد الكريم ابن الإمام النسائي أبو موسى، ووليدُ بنُ القاسم الصُّوفي، وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني (¬٢) راويَيْنِ آخَرَيْنِ، هما: ابن حَيّويه والأسيوطي (¬٣)، وهذا يعني أنَّ ابنَ السُّنِّي لم ينفرد برواية "المُجتبى" عن النَّسائي كما ظنَّ بعض الباحثين، والله أعلم (¬٤).
رابعًا: "السنن الصغرى" (المُجتبى) وكتب الأطراف: سنن النسائي هي إحدى الأصول السِّتَّة باتفاق، لكن منهم من قال: المراد بها "السنن الصغرى"، ومنهم من قال: المراد بها "السنن الكبرى".
ومن أبرز مَنْ قال: المراد بها "السنن الصغرى" تاجُ الدِّين السبكي، فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" ١/ ٤٨١، والجلال السيوطي في مقدمة "زَهْر الرُّبَى"؛ قال: سنن النسائي التي هي إحدى الكتب الستة هي "الصُّغرى"، لا "الكبرى"، وهي التي يُخرِّجون عليها الرِّجال، ويعملون الأطراف. ونقل السيوطي ذلك عنه أيضًا في "تدريب الرَّاوي" ١/ ١٠٩، لكنه استدرك عليه، فقال: وإن كان شيخه المِزِّيُّ ضم إليها "الكبرى"، وصرّح ابن الملقن بأنها "الكبرى"، وفيه نظر. انتهى كلامه.
ي "تدريب الرَّاوي" ١/ ١٠٩، لكنه استدرك عليه، فقال: وإن كان شيخه المِزِّيُّ ضم إليها "الكبرى"، وصرّح ابن الملقن بأنها "الكبرى"، وفيه نظر. انتهى كلامه. لكن صاحب "عون المعبود" قال ١٤/ ١٩٧: اعلم أنَّ قولَ المُنذري في "مختصره" وقول المزِّيّ في "الأطراف" (¬١): الحديث أخرجه النسائي، فالمراد به "السنن الكبرى" للنسائي، وليس المراد به "السنن الصغرى" … فالحديث الذي قال فيه المنذري والمِزِّي: أخرجه النسائي، وما وجدته في "السنن الصُّغرى" فاعلم أنه في "السنن الكبرى"، ولا تتحيّر لعدم وجدانه، فإنَّ كلَّ حديث هو موجود في "السنن الصغرى" يوجد في "السنن الكبرى" لا محالة، من غير عكس، ويقولُ المِزِّيُّ في كثير من المواضع: أخرجه النسائي في التفسير، وليس في "السنن الصغرى" تفسير. والله أعلم. انتهى كلامه. نعم، يعزُو المِزِّيُّ أحاديث في "الأطراف" إلى النسائي هي ضمن كتب ليست في "السنن الصغرى"، مثل التفسير، وفضائل القرآن، والطِّب، والملائكة … وغيرها، لكنَّ قوله: "كل حديث هو موجود في الصُّغرى يوجد في الكبرى لا محالة"، فيه نظر، فإنَّ "الصغرى" أحاديثَ ليست في "الكبرى"، لكنها قليلة بالنسبة إلى عدد أحاديث الكتاب، والواقع أنَّ الحافظ المِزِّيَّ اعتمد في "الأطراف" على "الصغرى" و "الكبرى" جميعًا، كما سلف من كلام السيوطي، وذكره قبله الحافظ ابن حجر (¬٢).
قال سليمانُ في حديثهِ: ومَسَحَ على خُفَّيْه. ولم يذكر منصورٌ المَسْحَ.
٢٥ - باب البول في البيت جالسًا ٢٩ - أخبرنا عليُّ بنُ حُجْر، أخبرنا شَرِيك، عن المِقْدَام بن شُريح، عن أبيه عن عائشةَ قالت: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رسولَ الله ﷺ بالَ قائمًا فلا تُصَدِّقُوه؛ ما كان يَبُولُ إلا جالسًا (¬١).
٢٦ - باب البول إلى السُّتْرَة يَستتر بها ٣٠ - أخبرنا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وَهْب عن عبد الرَّحمن بنِ حَسَنَةَ قال: خرجَ علينا رسولُ الله ﷺ وفي يده كهيئة الدَّرَقَة، فوَضَعَها ثم جَلَسَ خلفَها، فبالَ إليها. فقال بعضُ القوم: انْظُرُوا، يبولُ كما تَبُولُ المرأة! فَسَمِعَهُ فقال: "أَوَمَا عَلِمْتَ ما أصابَ صاحبَ بني
شرطُ الإمام النَّسائيّ في "المُجْتَبَى" ومنهجه فيه لم يذكر النَّسائيُّ شرطه في كتابه، ولم يُبَيِّنْ منهجه فيه، لكنَّ الأئمةَ تعرَّفوا على ذلك من استقرائهم للأحاديث التي أخرجها فيه، والرُّواةِ في أسانيده، وأقواله التي وقفوا عليها؛ سواء أكان ذلك في المُتون، أم في الرُّواة، وغير ذلك. وقد تكلَّمَ الحافظ أبو الفضل ابن طاهر في "شروط الأئمة" على كتابي أبي داود والنسائي، ونقله عنه السُّيوطي في مقدِّمة "زَهْر الرُّبَى" (وهذا الكلام منه)؛ قال: كتاب أبي داود والنسائي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الصَّحيحُ المُخَرَّجُ في الصَّحِيحَيْن. الثاني: صحيح على شرطهما، وقد حَكَى أبو عبد الله بن مَنْدَه أَن شرطهما إخراج أحاديث أقوامٍ لم يُجْمَعْ على تَرْكِهِم؛ إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال. فيكون هذا القسم من الصَّحيح، إلا أنه طريق دونَ طريق ما أخرجَ البخاري ومسلم في صحيحيهما، بل طريقه طريقُ ما تَرَكَ البخاري ومسلم من الصحيح؛ لِمَا بَيَّنَا أنَّهما تَرَكا كثيرًا من الصحيح الذي حفظاه.
طريق ما أخرجَ البخاري ومسلم في صحيحيهما، بل طريقه طريقُ ما تَرَكَ البخاري ومسلم من الصحيح؛ لِمَا بَيَّنَا أنَّهما تَرَكا كثيرًا من الصحيح الذي حفظاه. الثالث: أحاديثُ أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها، وقد أبَانَا عِلَّتَها بما يفهمه أهلُ المعرفة، وإنَّما أوْدَعا هذا القسم في كتابيهما لأنه رواية قومٍ لها واحتجاجهم بها، فأورَدَاها وبَيَّنَا سُقْمَها لتزولَ الشُّبهة، وذلك إذا لم يجدا له طريقًا غيرَه؛ لأنه أقوى عندهما من رأي الرجال. وقال ابن الصَّلاح: حَكَى أبو عبد الله بن مَنْدَه أنه سمعَ محمد بن سَعْد البَاوَرديَّ بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبدِ الرَّحمن النسائي أنْ يُخْرِجَ عن كلِّ من لم يُجْمَعْ على تركه.
قال الحافظ أبو الفضل العراقيُّ: وهذا مذهبٌ متَّسِعٌ. وقال الحافظ أبو الفضل بن حَجَر في "نُكَتِه" على ابن الصلاح: ما حكاه عن الباوَرْديّ، أنَّ النَّسائي يُخرجُ أحاديث مَنْ لم يُجْمَعُ على تركه؛ فإنَّه أراد بذلك إجماعًا خاصًّا، وذلك أنَّ كلَّ طبقة من نُقَادِ الرِّجال لا تَخْلُو من متشدِّدٍ ومتوسِّط: فمن الأولى: شعبه وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه. ومن الثانية: يحيى القطَّانُ وعبد الرحمن بنُ مَهْدِيّ، ويحيى أشدُّ من عبدِ الرحمن. ومن الثالثة: يحيى بنُ مَعِين وأحمد بن حنبل، ويحيى أشَدُّ من أحمد. ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشدُّ من البخاري. فقال النسائي: لا يُتْرَكُ الرَّجلُ عندي حتى يجتمع الجميعُ على تركه، فأَمَّا إِذا وَثَّقَهُ ابن مَهْدِي وضَعَفَهُ يحيى القطان مثلًا، فإنه لا يُتْرَكُ؛ لِمَا عُرِفَ من تشديد يحيى، ومَنْ هو مثله في النقد؟ (¬١).
على تركه، فأَمَّا إِذا وَثَّقَهُ ابن مَهْدِي وضَعَفَهُ يحيى القطان مثلًا، فإنه لا يُتْرَكُ؛ لِمَا عُرِفَ من تشديد يحيى، ومَنْ هو مثله في النقد؟ (¬١). قال الحافظ ابن حجر: وإذا تَقَرَّرَ ذلك ظهرَ أنَّ الذي يتبادر إلى الذِّهن من أنَّ مذهبَ النَّسائي في الرِّجال مذهب متَّسعٌ؛ ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تَجَنَّبَ النَّسائي إخراج حديثه، بل تَجَنَّبَ النَّسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصَّحيحين، فحَكَى أبو الفضل ابن طاهر قال: سألتُ سَعْدَ بنَ عليّ الزَّنْجانيَّ عن رجلٍ، فوثَّقَه، فقلتُ له: إنَّ النَّسائي لم يحتج به، فقال: يا بُنيَّ، إِنَّ لأبي عبدِ الرَّحمن شرطًا في الرِّجال أشدَّ من شرط البخاري ومسلم.
وقال أحمدُ بنُ محبوب الرَّملي: سمعتُ النسائي يقول: لما عزمت على جمع السُّنن؛ استَخَرْتُ الله في الرّواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعتِ الخيرة على تركهم، فتَرَكْتُ جملةً من الحديث كنتُ أعلو فيه عنهم. قال الحافظ أبو طالب أحمدُ بنُ نَصْر شيخُ الدَّارقطني: مَنْ يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟! كان عنده حديثُ ابن لَهِيعةَ ترجمةً ترجمةً، فما حَدَّثَ عنه بشيء (¬١). قال الحافظ ابن حجر: وكان عنده عاليًا عن قتيبة، عنه، ولم يُحَدِّثْ به؛ لا في السنن ولا في غيرها. فقد ظهرَ ممَّا سلف أنَّ للإمام النسائي انتقاء في الرّجال.
- منهجه في ترتيب الأحاديث وتبويبُه عليها بتراجم فقهية: وأمَّا منهجه في ترتيب الأحاديث والتبويب عليها بتراجم فقهية وتكرارها وذِكْرِ عللها والاختلافِ على بعض الرُّواة في الإسناد أو في اللفظ … وغير ذلك، فله فيه مسلك خاص. وقد أبانَ النَّسائيُّ ﵀ عن فقهه بكلامه على الأحاديث، وبما تَرْجَمَ لها من أحكام مُستفادة ومُستنبطة منها، وقد أشارَ الحاكم إلى دِقَّةِ استنباطه للأحكام الفقهية، فقال: أما كلامه على فقه الحديثِ فأكثر من أنْ يُذكر في هذا الموضع. وقال أيضًا: ومَنْ نظر في كتاب السنن له تَحَيَّرَ في حُسن كلامه!. اهـ. مثاله: ما رواه عن أبي هريرة ﵁ (٥٦١٠) في مَجِيئه للنَّبِيِّ ﷺ عِندَ فِطْرِهِ بِنَبِيذٍ صَنَعَهُ له في دُبَّاءٍ، فَوَجَدَهُ يَنشُ، فقال: "اِضْرِبْ بهذا الحائط، فإِنَّ هذا شَرابُ مَنْ لا يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر". ثم قال النسائي بإثره: في هذا دليل على تحريم المُسْكِرِ قليله وكثيره، وليس كما يقولُ المُخادِعُون لأنفسهم بتحريم آخِرِ الشَّرْبَة، وتحليلهم ما تَقَدَّمَها الذي يُشربُ في
الفَرَقِ قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ السُّكْرَ بكلِّيَّتِه لا يحدثُ على الشَّرْبَةِ الآخِرَةِ دون الأولى والثانية بعدها وبالله التوفيق. وعَقَدَ بابًا أواخر كتاب الأشربة، فقال: ذِكْرُ الأخبار التي اعْتَلَّ بها مَن أَباحَ شرابَ السَّكَر. ثم أخرجَ (٥٦٧٧) عن هَنَّادِ بن السَّرِي، عن أبي الأَحْوَص، عن سِمَاك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بُرْدَةَ بن نِيار، مرفوعًا: "اشْرَبُوا في الظُّروف ولا تَسْكَرُوا". ثم قال النسائي: وهذا حديث منكر، غلط فيه أبو الأحوص سَلَّامُ بنُ سُلَيْم، لا نعلمُ أنَّ أحدًا تابعه عليه من أصحاب سِماكِ بن حَرْب، وسِماك ليس بالقوي، وكان يقبلُ التَّلقين، قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يُخطئ في هذا الحديث. انتهى. وقال النسائي: وممَّا اعتلُوا به حديث عبد الملك بن نافع، عن عبد الله بن عمر، مرفوعًا (٥٦٩٤): "إذا اغْتَلَمَتْ عليكم هذه الأوعية فاكْسِرُوا مُتُونَها بالماء". ثم قال النَّسائي: عبد الملك بن نافع ليس بالمشهور، ولا يُحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عُمر خلاف حكايته. انتهى. ثم أخرجَ (٥٦٩٨ - ٥٧٠١) من طريق كل من ابن سيرين ونافع وسالم بن عبد الله وأبي سلمة، عن عبد الله بن عُمَرَ، مرفوعًا؛ المعنى واحد: "كلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". ثم قال: وهؤلاء أهلُ الثَّبَت والعدالة مشهورون بصحة النقل، وعبد الملك (يعني ابن نافع) لا يقومُ مَقامَ واحدٍ منهم ولو عاضَده من أشكاله جماعة، وبالله التوفيق.
- وقد تفاوتت تراجمُ الكتاب في استنباط الأحكام الفقهية من الأحاديث: فمنها ما هو ظاهر الاستنباط، ومنها ما هو خَفِيُّ الاستنباط دقيقه. فالأول - وهو ما استنباطه ظاهر - غالب تراجم الكتاب، ويمكن ملاحظته بيُسْر، وفي هذه الحالة قد يُكَرِّرُ النَّسائي الحديثَ، فيذكرُه من طرق مختلفة، ويُترجم لكلِّ منها بأحكام مفصَّلة؛ هي بمجموعها ظاهرة في أحد طرقه ويمكن إجمالها فيه، لكنَّه يُفيد في هذا العرض والتكرار ذِكْرَ عددٍ من طرق الحديث.
مثاله: حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا: "خَمْس ليس على المُحْرِمِ في قتلهنَّ جُناح: الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والعقرب، والفأرة، والكلبُ العَقُور"، أورده من طريق مالك (٢٨٢٨) (واللفظ السالف له) وترجم له بقوله: قتل الكلب العقور، وأورده من طريق الليث (٢٨٣٠) وترجم له بقوله: قتل الفأرة، وأورده من طريق عُبيد الله العُمري (٢٨٣٢) وترجم له بقوله: قتل العقرب، وأورده من طريق أيوب السختياني (٢٨٣٣) وترجم له بقوله: قتل الحِدَأَة؛ وأورده من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري (٢٨٣٤) وترجم له بقوله: قتل الغُراب، خمستُهم (مالك والليث وعبيد الله وأيوب ويحيى) عن نافع عن ابن عُمر، به، فرَّق التراجمَ في خمسةِ مواضعَ لحديث واحد، وأفاد فيها بذكر خمس طرق له. ويُكرِّرُ الحديثَ أحيانًا بسنده ومَتنه، ويُترجم له بأحكام فقهيَّة مُستنبطة منه، كما في حديث إخبار عائشة ﵂ عن خروج النبي ﷺ لَيْلًا إلى البقيع واستغفاره للمؤمنين؛ أوردَه في باب الأمر بالاستغفار للمؤمنين من كتاب الجنائز (٢٠٣٧)، وأعاده بسنده ومتنه في باب الغَيْرة من كتاب النكاح (٣٩٦٤). ذكره شمس الدين السخاوي (¬١) وقال: زاحَمَ إمامَ الصَّنْعَة أبا عبدِ الله البخاري في تدقيق الاستنباط، والتبويب لما يستنبطه بدون إسقاط. اهـ. وقد يُكَرِّرُ الحديث بسنده ومتنه، ويُكرِّرُ ترجمته بتفاوت يسير، كما في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "هو الطَّهُورُ ماؤهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ"؛ ذكره في الطهارة، باب ماء البحر (٥٩)، وأعادَه في كتاب المياه، باب الوضوء بماء البحر (٣٣٢). وقد يُورد حديثًا واحدًا لصحابيين في ترجمتين متماثلتين، فأورد حديث أبي هريرة ﵁ (٦٠) أَنَّه ﷺ كان يقولُ في استفتاحه الصلاةَ: "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بيني وبين خَطَايَايَ كما باعَدْتَ بين المَشْرِقِ والمَغْرِب، اللَّهُمَّ نَقني من خَطاياي كما يُنَقَّى الثوب الأبيضُ
من الدَّنَس، اللَّهُمَّ اغْسِلْني من خَطاياي بالثَّلج والماء والبَرَد"، وترجَمَ له بقوله: باب الوضوء بالثَّلج، ثم أخرجه بعده (٦١) بنحوه من حديث عائشة ﵂، وترجم له بقوله: الوضوء بماء الثَّلج، ثم أعادَهما في كتاب المياه (٣٣٣) (٣٣٤) وترجم لهما بقوله: باب الوضوء بماء الثلج والبرد. ذكرهما أيضًا شمس الدين السخاوي (¬١).
- ومثال ما دقَّق فيه الاستنباط: ما ترجَمَ لحديث حَكِيم بن حِزَام (١٠٨٤) قال: بايعتُ رسول الله ﷺ أَنْ لا أُخِرَّ إلا قائمًا. ترجم له بقوله: باب كيف يَخِرُّ للسُّجود. قال السندي: معناه، أي: لا أسقُط إلى السجود إلا قائمًا، أي: أرجِعُ من الرُّكوع إلى القيام، ثم أخر منه إلى السُّجود، ولا أَخِرُّ من الرُّكوع إليه، قال السندي: وهذا هو المعنى الذي فهمه المصنِّفُ (يعني النَّسائي). وقيل: معناه: لا أموتُ إلا ثابتًا على الإسلام، فهو مثل: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وقيل: معناه: لا أقعُ في شيء من تجارتي وأموري إلَّا قُمْتُ به مُنتصبًا له، وقيل: معناه: لا أَغْبِنُ ولا أَغْبَنُ، وبالجملة؛ فالحديثُ ممَّا أشكل على الناس فهمُه، وما أشار إليه المصنف (يعني النَّسائي) في معناه أحسن، والله تعالى أعلم. انتهى. وأخرج حديث أبي هريرة ﵁ (٧) مرفوعًا: "لولا أنْ أشُقَّ على أمتي لأمَرْتُهُمْ بالسواك عندَ كُلِّ صلاة". وترجم له بقوله: باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم. قال السندي: فيه دلالة على أنَّه لا مانع من إيجاب السواك عند كل صلاة إلا ما يُخافُ من لزوم المشقَّة على الناس، ويلزمُ منه أن يكونَ الصَّومُ غير مانع من ذلك، ومنه يؤخذُ ما ذكره المصنِّفُ (يعني النَّسائي) من الترجمة، ولا يخفى أنَّ هذا من المصنِّف استنباطٌ دقيق، وتيقظ عجيب، فللَّه دَرُّهُ ما أَدَقَّ وَأَحَدَّ فَهُمَه!. اهـ.
وأخرج حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا (٩٢٥) مرفوعًا: "إِذا أَمَّنَ القارِئُ فَأَمِّنُوا، فإِنَّ الملائكة تُؤمِّنُ، فمَنْ وافَقَ تأمينُه تأمين الملائكةِ غَفَرَ الله له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه". وترجمَ له بقوله: جَهْر الإمام بـ "آمين". قال السندي: أخذ منه المصنِّفُ (يعني النَّسائي) الجَهْرَ به "آمين"، إذ لو أَسَرَّ الإمامُ بـ "آمين" لَمَا عَلِمَ القومُ بتأمين الإمام، فلا يَحْسُنُ الأمرُ إيَّاهم بالتأمين عند تأمينه، وهذا استنباطٌ دقيقٌ يُرَجِّحُه ما سبق من التصريح بالجَهْر، وهذا هو الظاهرُ المُتبادر. وذكر السَّخاوي (¬١) فيما فيه دِقَةُ الاستنباط كذلك أنه ترجم للطَّلاق بالإشارة المُفْهِمَة، فذكر حديث أنسٍ ﵁ (٣٤٣٦) أنه كان لرسول الله ﷺ جارٌ فارسيٌّ طَيِّبُ المَرَقَة، فأتَى رسول الله ﷺ ذات يوم وعنده عائشة، فأَوْمأ إليه بيده: أنْ تَعَالَ، وأَوْمأَ رسول الله ﷺ إلى عائشة، أي: وهذه، فأَوْمأ إليه الآخرُ هكذا بيده: أن لا، مرتين أو ثلاثًا. وذكر حديث أبي هريرة مرفوعًا (٣٤٣٨): "انْظُرُوا كيف يصرفُ اللهُ عني شَتْمَ قريشٍ ولَعْنَهُم، إِنَّهم يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا، ويلعنون مُذَمَّمًا، وأنا مُحَمَّد" ﷺ، وترجم له بقوله: باب الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظ بها إذا قصد بها لما لا يَحْتَمِلُ معناها لم توجب شيئًا ولم تُثبت حكمًا. وقد يعقد الترجمة على صيغة الاستفهام: ولعل ذلك بسبب الاختلاف في الحُكم الفقهيّ الذي يذكره في الترجمة، أو للتنويع في الأسلوب، وهذه أمثلة على ذلك: هل يستاك الإمام بحضرة رعيَّتِه؟ (٤). هل يؤذِّنانِ جميعًا أو فرادى؟ (٦٣٩). إذا تقدَّم الرَّجلُ من الرَّعِيَّة ثم جاء الإمام؛ هل يتأخر؟ (٧٨٤). هل يُوجبُ تقليدُ الهَدْي إحرامًا؟ (٢٧٩٣).
هل أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ (٣٦٢٠) (¬١). فهذه أمثلة من فقهه الذي استنبطه ووضعه تراجم لأبواب كتابه.
خر؟ (٧٨٤). هل يُوجبُ تقليدُ الهَدْي إحرامًا؟ (٢٧٩٣).
هل أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ (٣٦٢٠) (¬١). فهذه أمثلة من فقهه الذي استنبطه ووضعه تراجم لأبواب كتابه.
- ومن منهجه ﵀ الإشارة لصاحب اللفظ: وذلك عندما يَقْرُنُ في الإسناد أحدَ الرُّواة بآخَرَ أو أكثر، كأنْ يروي الحديث عن أكثر من شيخ: مثاله: الحديث (٢٠): قال: أخبرنا محمدُ بنُ سَلَمَةَ والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن القاسم … وكما في الحديث (١٩٣): أخبرنا قتيبة بن سعيد وعليُّ بنُ حُجْر، واللفظ لقتيبة قال: حدثنا عبيدة … وكذلك الأمر عندما يكونُ للحديث أكثر من إسناد: مثاله: الحديث: (٧٥): أخبرنا يحيى بنُ حَبيبٍ بن عَرَبيّ، عن حماد. والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، عن ابن القاسم، حدثني مالك. ح: وأخبرنا سليمان بن منصور قال: أخبرنا عبد الله بن المُبارك واللفظ له، عن يحيى بن سعيد .... والأمثلة كثيرةٌ من هذا القبيل؛ سهلةُ التَّناول لمن أرادَها.
- ويذكر الاختلاف في لفظ الرُّواة أحيانًا: مثاله: الحديث (١٠٧٦): أخبرنا عُبيد الله بن سعيد، عن عبد الرَّحمن، عن سفيان وشعبة، عن عَمْرِو بن مُرَّة. ح: وأخبرنا عَمْرُو بنُ علي قال: حدثنا يحيى، عن شعبةً وسفيان قالا: حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّة، عن ابن أبي ليلى، عن البَرَاءِ بن عازب، أنَّ النبي ﷺ كان يَقْنُتُ في الصُّبح والمغرب. وقال عُبيد الله: أنَّ رسول الله ﷺ. وكما في الحديث: (١٠٧٧): أخبرنا محمدُ بنُ المُثَنَّى قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس. وهشام عن قتادة، عن أنس، أنَّ رسول الله ﷺ
قنت شهرًا. قال شعبة: لَعَنَ رجالًا. وقال هشام: يدعُو على أحياء من أحياء العرب، ثمَّ تركه، بعدَ الرُّكوع. هذا قول هشام. وقال شعبة، قتادة، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ قنَتَ شهرًا يلعنُ رِعْلًا وذَكْوَانَ ولِحْيَانَ.
- ويذكر الاختلاف في صيغ تَحَمُّلِ الرُّواة أحيانًا: كما في الحديث (١١١٨): أخبرنا أبو داود سليمانُ بنُ سَيْفِ قال: حدَّثنا أبو علي الحنفي وعثمانُ بنُ عُمر. قال أبو علي: حدَّثنا، وقال عثمان: أخبرنا داودُ بنُ قيس، عن إبراهيم … إلخ، وكذا (٢٨٩٨)، لكن ذِكْر اختلاف صِيَغ التَّحَمُّل في الكتاب قليل.
- وأكثر روايته عن شيوخه بصيغة: "أخبرنا": كما ذكرَ السَّخاوي (¬١)، وقال: وروايته فيها بـ "حدثنا" قليلة، بل ربما يروي عن شيخه الواحد كقتيبة، وإسحاق بن راهويه، وهَنَّادٍ، بالصيغتين، ومعلوم أنَّ أَخْذَهُ عن شيوخه غيرُ منحصر في أحد التَّحَمُّلَيْن، بل هو دائرٌ بين التَّحديثِ والعَرْض. وقال: وإذا كان كذلك؛ فهو ماش على مذهب المُجَوِّزِينَ إطلاقهما فيهما، وعدم الفرق بين الصيغتين، وهو مذهب البخاري ﵀. انتهى.
- وربَّما يذكرُ المنسوخ ويُتْبِعُه بذِكْرِ النَّاسخ له: فقد أخرج حديث عبدِ الله بن مسعود ﵁ (١٠٣٠) من طريق علقمة والأسود، عنه؛ قالا: صلَّينا مع عبد الله بن مسعود في بيته، فقامَ بينَنا، فوضعنا أيدينا على رُكَبِنا، فَنَزَعَها، فخالف بين أصابعنا، وقال: رأيتُ رسول الله ﷺ يفعله. ذكره من أكثر من طريقٍ في باب التَّطبيق، ثم أتبعه بقوله: باب نسخ ذلك، وأخرج فيه من طريق مصعب بن سَعْدٍ قال: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أبي، وجعلتُ يديَّ بين ركبتيّ، فقال لي: اِضْرِبْ بكَفَّيْك على رُكْبَتَيْك. قال: ثم فعلت ذلك مرَّةً أخرى، فضرب يدي وقال: إِنَّا قد نُهينا عن هذا، وأُمِرْنا أن نضربَ بالأكُفِّ على الرُّكَب.
اِضْرِبْ بكَفَّيْك على رُكْبَتَيْك. قال: ثم فعلت ذلك مرَّةً أخرى، فضرب يدي وقال: إِنَّا قد نُهينا عن هذا، وأُمِرْنا أن نضربَ بالأكُفِّ على الرُّكَب.
وأخرج أيضًا حديث أبي هريرة (١٧١) وغيره في الوضوء ممَّا مسته النار، ثم أتبعه بباب تَرْك الوضوء ممَّا غَيَّرتِ النارُ، وأخرج أحاديثَ في تَرْك الوضوء منه.
- ويختصرُ الحديث أحيانًا، ويُفرِّقه أحيانًا: فأخرج حديث أبي هريرةَ (١٨٩) أَنَّ ثمَامةَ بن أُثَالٍ الحنفي انطلق إلى نَخْلٍ (وفي رواية: نَجْلٍ) قريبٍ من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله … الحديث، وترجم له بقوله: باب تقديم غُسل الكافر إذا أرادَ أنْ يُسْلِمَ، فأوردَ من خبر ثُمامةَ ما ناسب الترجمة. وأخرجَ أيضًا (٧١٢) قطعةً أخرى من حديث أبي هريرة في رَبْطِ ثُمامة بساريةٍ من سَوَاري المسجد، وترجَمَ له بقوله: رَبْط الأسير بسارية المسجد (¬١). وأخرجَ (٥٧٠ م) عن عَمْرِو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عُمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تَتَحَرَّوْا بصلاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ ولا غُرُوبَها، فإنَّها تَطْلُعُ بينَ قَرْنَيْ شيطان". ثم أخرج بعده (٥٧١) بالإسناد نفسه مرفوعًا: "إذا طَلَعَ حاجِبُ الشَّمس، فأَخِّرُوا الصلاةَ حتى تُشرق، وإذا غابَ حاجِبُ الشَّمس، فأَخِّرُوا الصلاةَ حتى تَغْرُب". فهذان حديث واحد، فرَّقَهما النَّسائي وغيرُه، ومنهم مَنْ جمعهما.
- ويُبْهِمُ الضعيف غالبًا في الإسناد إذا قرنه بالثِّقة: فقد رَوَى (٨٩٨) من طريق محمد بن حِمْيَر، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، وذكر آخر قبله، عن عبد الرَّحمن بن هُرْمُز الأعرج، عن محمد بن
مَسْلَمَة، أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا قامَ يصلِّي تطوُّعًا قال: "الله أكبر، وَجَّهْتُ وجهي للَّذي فطرَ السَّماواتِ والأرض .... " الحديث. فذكرَ ابن رجب (¬١) أَنَّ الرَّاوِيَ المُبهم في الإسناد هو إسحاق بنُ عبدِ الله بن أبي فَرْوَة، لأنَّ حَيْوَةَ رواه عن شعيب، عن إسحاق، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن محمد بن مَسْلَمَة. ورَوَى (٣١٢٥) من طريق عبدِ الله بن يزيدَ المُقرئ، عن حَيْوَةَ، وَذَكَرَ آخَرَ، عن أبي هانئ الخَوْلاني، عن أبي عبدِ الرَّحمن الحُبُلِيّ، عن عبد الله بن عَمْرٍو مرفوعًا: "ما مِنْ غازيةٍ تَغْزُو في سبيل الله … ". الحديث. فالمُبهم في الإسناد هو عبد الله بن لَهِيعَة؛ كما جاء مصرحًا به في روايتي "مسند" الإمام أحمد (٦٥٧٧) و "سنن" أبي داود (٢٤٩٧)، وذكره الحافظ المِزِّيُّ آخِرَ "تهذيب الكمال" في المُبهمات، وقال: الآخَرُ هو عبد الله بن لهيعة، وقد كَنَى الإمام النسائي عنه في مواضع كثيرة، ولا يذكره مع ذلك إلا مقرونًا بغيره. ورَوَى (٣٢٣٢) من طريق عبدِ الله بن يزيدَ المُقرئ أيضًا، عن حَيْوَةَ، وذكَرَ آخَرَ، عن شُرَحْبِيلِ بن شَريك، عن أبي عبد الرَّحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: "إنَّ الدُّنيا كلَّها مَتاعُ، وخيرُ مَتاع الدُّنيا المرأةُ الصَّالحة". فالمُبهم هو عبد الله بن لَهِيعَةَ أيضًا، كما هو مصرَّح به في رواية "مسند" الإمام أحمد (٦٥٦٧). وليس المبهم المقرون بالثقة عند النسائي هو عبد الله بن لهيعة دومًا، فقد يكون غيره؛ كما سلف في المثال الأول (الحديث: ٨٩٨)، وكما في الحديث (٥٤٦٩)؛ رواه عن محمد بن الْمُثَنَّى، عن عبد الله بن إدريس، عن ابن عَجْلان، وذكرَ آخَرَ، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، في التعوذ من الجوع ومن الخيانة … فالمُبهم المقرون مع ابن عَجْلان هو عبد الله بن سعيد المَقْبُرِيّ، كما ذكرَ المِزِّي في ترجمته "تهذيب الكمال" ١٥/ ٣٤، وأخرج حديثه المذكور من طريق محمد بن المثنى، به.



