الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya السهيلي (w. 581 H). Tahqiq: السلامي (581).

Bagian 14 dari 85 2424 halaman

— Bagian 14 · ابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَانِي وَشَقّا بَطْنِي، فَالْت… —

Bagian 14

ابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَانِي وَشَقّا بَطْنِي، فَالْتَمَسَا شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ فَرَجَعْنَا إِلَى خبائنا. رُجُوع حليمة بِهِ ﷺ إِلَى أمه: قَالَتْ وَقَالَ لِي أَبُوهُ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيت أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ قَالَتْ فَاحْتَمَلْنَاهُ فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمّهِ فَقَالَتْ مَا أَقْدَمَك بِهِ يَا ظِئْرُ وَقَدْ كُنْت حَرِيصَةً عَلَيْهِ وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَك؟ قَالَتْ فَقُلْت: قَدْ بَلَغَ اللهَ يَا بُنَيّ وَقَضَيْت الّذِي عَلَيّ وَتَخَوّفْت الْأَحْدَاثَ عَلَيْهِ فَأَدّيْته إلَيْك كَمَا تُحِبّينَ. قَالَتْ مَا هَذَا شَأْنَك، فَأَصْدِقِينِي خَبَرَك. قَالَتْ فَلَمْ تَدَعْنِي حَتّى أَخْبَرْتهَا. ــ مِنْ قُرَيْشٍ أَعْرَابٌ وَمِنْهُمْ حَضَرٌ فَالْأَعْرَابُ مِنْهُمْ بَنُو الْأَدْرَمِ وَبَنُو مُحَارِبٍ، وَأَحْسَبُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ كَذَلِكَ لِأَنّهُمْ مِنْ أَهْلِ الظّوَاهِرِ، وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْبِطَاحِ١. شَقّ الصّدْرِ: وَذَكَرَ قَوْلَ أَخِيهِ مِنْ الرّضَاعَةِ نَزَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَبْيَضَانِ فَشَقّا عَنْ بَطْنِهِ وَهُمَا يَسُوطَانِهِ يُقَالُ سُطْت اللّبَنَ أَوْ الدّمَ أَوْ غَيْرَهُمَا، أَسُوطُهُ إذَا ضَرَبْت بَعْضَهُ بِبَعْضِ. وَالْمِسْوَطُ عُودٌ يُضْرَبُ بِهِ.

قَالَتْ أَفَتَخَوّفْت عَلَيْهِ الشّيْطَانَ؟ قَالَتْ قُلْت: نَعَمْ قَالَتْ كَلّا. وَاَللهِ مَا لِلشّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ وَإِنّ لِبُنَيّ لَشَأْنًا، أَفَلَا أُخْبِرُك خَبَرَهُ. قَالَتْ بَلَى. قَالَتْ رَأَيْت حِينَ حَمَلْت بِهِ أَنّهُ خَرَجَ مِنّي نُورٌ أَضَاءَ لِي قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشّامِ. ثُمّ حَمَلْت بِهِ فَوَاَللهِ مَا رَأَيْت مِنْ حَمْلٍ قَطّ كَانَ أَخَفّ وَلَا أَيْسَرَ مِنْهُ وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْته، وَإِنّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إلَى السّمَاءِ. دَعِيهِ عَنْك، وانطلقي راشدة. تَعْرِيفه ﷺ بِنَفسِهِ، وَقد سُئِلَ عَن ذَلِك: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا أَحْسَبُهُ إلّا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكَلَاعِيّ". أَنّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ. أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِك؟ قَالَ نَعَمْ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى، وَرَأَتْ أُمّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ الشّامِ، وَاسْتُرْضِعْت فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ ــ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ كُرْكِيّانِ١ فَشَقّ أَحَدُهُمَا بِمِنْقَارِهِ جَوْفَهُ وَمَجّ الْآخَرُ بِمِنْقَارِهِ فِيهِ ثَلْجًا، أَوْ بَرَدًا، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَهِيَ رِوَايَةٌ غَرِيبَةٌ ذَكَرَهَا يُونُسُ عَنْهُ وَاخْتَصَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا.

َا، وَهِيَ رِوَايَةٌ غَرِيبَةٌ ذَكَرَهَا يُونُسُ عَنْهُ وَاخْتَصَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدّنْيَا وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إلَى أَبِي ذَرّ ﵁ – قَالَ: "قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ عَلِمْت أَنّك نَبِيّ، وَبِمَ عَلِمْت حَتّى اسْتَيْقَنْت؟ قَالَ يَا أَبَا ذَرّ أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَطْحَاءِ مَكّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا بِالْأَرْضِ وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ هُوَ هُوَ قَالَ فَزِنْهُ بِرَجُلِ فَوَزَنَنِي بِرَجُلِ فَرَجَحْته، ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِعَشَرَةِ فَوَزَنَنِي فَرَجَحْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِمِائَةِ فَوَزَنَنِي، فَرَجَحْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفِ فَوَزَنَنِي فَرَجَحْتهمْ حَتّى جَعَلُوا يَتَثَاقَلُونَ عَلَيّ مِنْ كِفّةِ الْمِيزَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ شُقّ بَطْنَهُ فَشَقّ بَطْنِي، فَأَخْرَجَ قَلْبِي،

بَكْرٍ. فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بَهْمًا لَنَا. إذْ أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا. ثُمّ أَخَذَانِي فَشَقّا بَطْنِي، وَاسْتَخْرَجَا قَلْبِي، فَشَقّاهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا. ثُمّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثّلْجِ حَتّى أَنْقَيَاهُ ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ زِنْهُ بِعَشَرَةِ مِنْ أُمّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِ فَوَزَنْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِمِئَةِ مِنْ أُمّتِهِ. فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفِ مِنْ أُمّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ. فَقَالَ دَعْهُ عَنْك، فَوَاَللهِ لَوْ وَزَنْته بأمته لوزنها". ــ

وَزَنْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفِ مِنْ أُمّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ. فَقَالَ دَعْهُ عَنْك، فَوَاَللهِ لَوْ وَزَنْته بأمته لوزنها". ــ فَأَخْرَجَ مَعَهُ مَغْمَزَ الشّيْطَانِ وَعَلَقَ الدّمِ فَطَرَحَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الْإِنَاءِ وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غَسْلَ الْمُلَاءِ ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ خُطّ بَطْنَهُ فَخَاطَ بَطْنِي، وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيّ كَمَا هُوَ الْآنَ وَوَلّيَا عَنّي، فَكَأَنّي أُعَايِنُ الْأَمْرَ مُعَايَنَةً" فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِمَا أُبْهِمَ فِي الْأَوّلِ لِأَنّهُ قَالَ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَغْمَزَ الشّيْطَانِ وَعَلَقَ الدّمِ فَبَيّنَ أَنّ الّذِي اُلْتُمِسَ فِيهِ هُوَ الّذِي يَغْمِزُهُ الشّيْطَانُ مِنْ كُلّ مَوْلُودٍ إلّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمّهُ١ ﵉ لِقَوْلِ أُمّهَا حُنّةَ ﴿وَإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيّتَهَا مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ﴾ [آلَ عِمْرَانَ: ٣٦] . فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ لِذَلِكَ وَلِأَنّهُ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ مَنِيّ الرّجَالِ فَأُعِيذُهُ مِنْ مَغْمَزٍ وَإِنّمَا خُلِقَ مِنْ نَفْخَةِ رُوحِ الْقُدُسِ، وَلَا يَدُلّ هَذَا عَلَى فَضْلِ عِيسَى ﵇ عَلَى مُحَمّدٍ ﷺ لِأَنّ مُحَمّدًا ﷺ قَدْ نُزِعَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَغْمَزُ وَمُلِئَ قَلْبُهُ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، بَعْدَ أَنْ غَسَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِالثّلْجِ وَالْبَرَدِ وَإِنّمَا كَانَ ذَلِكَ الْمَغْمَزُ فِيهِ لِمَوْضِعِ الشّهْوَةِ الْمُحَرّكَةِ لِلْمَنِيّ وَالشّهَوَاتُ يَحْضُرُهَا الشّيَاطِينُ لَا سِيمَا شَهْوَةُ مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنِ فَكَانَ ذَلِكَ الْمَغْمَزُ رَاجِعًا إلَى الْأَبِ لَا إلَى الِابْنِ الْمُطَهّرِ ﷺ. وَفِي الْحَدِيثِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ مِنْ نَفِيسِ الْعِلْمِ وَذَلِكَ أَنّ خَاتَمَ النّبُوّةِ لَمْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُدْرَ هَلْ خُلِقَ بِهِ أَمْ وُضِعَ فِيهِ بَعْدَمَا وُلِدَ أَوْ حِينَ نُبّئَ فَبَيّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَتَى وُضِعَ وَكَيْفَ وُضِعَ وَمَنْ وَضَعَهُ زَادَنَا اللهُ عِلْمًا، وَأَوْزَعَنَا شُكْرَ مَا عَلّمَ وَفِيهِ الْبَيَانُ لِمَا سَأَلَ عَنْهُ أَبُو ذَرّ ﵁ حِينَ قَالَ كَيْفَ عَلِمْت أَنّك نَبِيّ١، فَأَعْلَمَهُ بِكَيْفِيّةِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهْمًا مِنْ بَعْضِ النّقَلَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ بَيْنَمَا أَنَا بِبَطْحَاءِ مَكّةَ، وَهَذِهِ الْقِصّةُ لَمْ تَعْرِضْ لَهُ إلّا وَهُوَ فِي بَنِي سَعْدٍ مَعَ حَلِيمَةَ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزّارُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي ذَرّ ﵁ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ بَطْحَاءَ مَكّةَ. حَدِيثُ السّكِينَةِ: وَذُكِرَ فِيهِ أَنّهُ قَالَ وَأُوتِيت بِالسّكِينَةِ كَأَنّهَا رَهْرَهَةٌ فَوُضِعَتْ فِي صَدْرِي. قَالَ وَلَا أَعْلَمُ لِعُرْوَةِ سَمَاعًا مِنْ أَبِي ذَرّ. وَذَكَرَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي ذَرّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ – قَالَ لَهُ: "يَا أَبَا ذَرّ وُزِنْت بِأَرْبَعِينَ أَنْتَ فِيهِمْ فَرَجَحْتهمْ" وَالرّهْرَهَةُ بَصِيصُ الْبَشَرَةِ فَهَذَا بَيَانُ وَضْعِ الْخَاتَمِ مَتَى وُضِعَ. مَسْأَلَةُ شَقّ الصّدْرِ مَرّةً أُخْرَى: وَأَمّا مَتَى وَجَبَتْ لَهُ النّبُوّةُ فَرُوِيَ عَنْ مَيْسَرَةَ أَنّهُ قَالَ لَهُ مَتَى وَجَبَتْ لَك النّبُوّةُ

أَلَةُ شَقّ الصّدْرِ مَرّةً أُخْرَى: وَأَمّا مَتَى وَجَبَتْ لَهُ النّبُوّةُ فَرُوِيَ عَنْ مَيْسَرَةَ أَنّهُ قَالَ لَهُ مَتَى وَجَبَتْ لَك النّبُوّةُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "وَآدَمُ بَيْنَ الرّوحِ وَالْجَسَدِ" وَيُرْوَى: "وَآدَمُ مُجَنْدَلٌ فِي طِينَتِهِ"١. وَهَذَا الْخَبَرُ يُرْوَى عَنْهُ ﵇ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنّهُ شُقّ عَنْ قَلْبِهِ وَهُوَ مَعَ رَابّتِهِ وَمُرْضِعَتِهِ فِي بَنِي سَعْدٍ، وَأَنّهُ جِيءَ بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ ثَلْجٌ فَغُسِلَ بِهِ قَلْبُهُ وَالثّانِي فِيهِ أَنّهُ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَأَنّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ عُرِجَ بِهِ إلَى السّمَاءِ بَعْدَمَا بُعِثَ بِأَعْوَامِ وَفِيهِ أَنّهُ أُتِيَ بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ. وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلّفَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ أَنّهُ تَعَارَضَ فِي الرّوَايَتَيْنِ وَجَعَلَ يَأْخُذُ فِي تَرْجِيحِ الرّوَاةِ وَتَغْلِيطِ بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ هَذَا التّقْدِيسُ وَهَذَا التّطْهِيرُ مَرّتَيْنِ. الْأُولَى: فِي حَالِ الطّفُولِيّةِ لِيُنَقّى قَلْبُهُ مِنْ مَغْمَزِ الشّيْطَانِ وَلِيُطَهّرَ وَيُقَدّسَ مِنْ كُلّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ حَتّى لَا يَتَلَبّسَ بِشَيْءِ مِمّا يُعَابُ عَلَى الرّجَالِ وَحَتّى لَا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ إلّا التّوْحِيدُ وَلِذَلِكَ قَالَ فَوَلّيَا عَنّي، يَعْنِي: الْمَلَكَيْنِ وَكَأَنّي أُعَايِنُ الْأَمْرَ مُعَايَنَةً. وَالثّانِيَةُ: فِي حَالِ اكْتِهَالٍ وَبَعْدَمَا نُبّئَ وَعِنْدَمَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْحَضْرَةِ الْمُقَدّسَةِ الّتِي لَا يَصْعَدُ إلَيْهَا إلّا مُقَدّسٌ وَعُرِجَ بِهِ هُنَالِكَ لِتُفْرَضَ عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَلِيُصَلّيَ بِمَلَائِكَةِ السّمَوَاتِ وَمِنْ شَأْنِ الصّلَاةِ الطّهُورُ فَقُدّسَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ.

عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَلِيُصَلّيَ بِمَلَائِكَةِ السّمَوَاتِ وَمِنْ شَأْنِ الصّلَاةِ الطّهُورُ فَقُدّسَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ. وَفِي الْمَرّةِ الْأُولَى بِالثّلْجِ لِمَا يُشْعِرُ الثّلْجُ مِنْ ثَلْجِ الْيَقِينِ وَبَرْدِهِ عَلَى الْفُؤَادِ وَكَذَلِكَ هُنَاكَ حَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ بِالْأَمْرِ الّذِي يُرَادُ بِهِ وَبِوَحْدَانِيّةِ رَبّهِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمّا فِي الثّانِيَةِ فَقَدْ كَانَ مُوقِنًا مُنَبّئًا، فَإِنّمَا طُهّرَ لِمَعْنَى آخَرَ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دُخُولِ حَضْرَةِ الْقُدُسِ وَالصّلَاةِ فِيهَا، وَلِقَاءِ الْمَلِكِ الْقُدّوسِ فَغَسَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِمَاءِ زَمْزَمَ الّتِي هِيَ هَزْمَةُ رُوحِ الْقُدُسِ، وَهَمْزَةُ١ عَقِبِهِ لِأَبِيهِ إسْمَاعِيلَ ﵇ وَجِيءَ بِطَسْتِ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ وَقَدْ كَانَ مُؤْمِنًا، وَلَكِنّ اللهَ تَعَالَى قَالَ ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الْفَتْحَ: ٤] وَقَالَ ﴿وَيَزْدَادَ الّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [الْمُدّثّرَ: ٣١] . فَإِنْ قِيلَ وَكَيْفَ يَكُونُ الْإِيمَانُ وَالْحِكْمَةُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ وَالْإِيمَانُ عَرَضٌ وَالْأَعْرَاضُ لَا يُوصَفُ بِهَا إلّا مَحَلّهَا الّذِي تَقُومُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الِانْتِقَالُ لِأَنّ الِانْتِقَالَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ لَا مِنْ صِفَةِ الْأَعْرَاضِ؟ قُلْنَا:

مَحَلّهَا الّذِي تَقُومُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الِانْتِقَالُ لِأَنّ الِانْتِقَالَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ لَا مِنْ صِفَةِ الْأَعْرَاضِ؟ قُلْنَا: إنّمَا عَبّرَ عَمّا كَانَ فِي الطّسْتِ بِالْحِكْمَةِ وَالْإِيمَانِ كَمَا عَبّرَ عَنْ اللّبَنِ الّذِي شَرِبَهُ وَأَعْطَى فَضْلَهُ عُمَرَ ﵁ بِالْعِلْمِ فَكَانَ تَأْوِيلُ مَا أُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، وَلَعَلّ الّذِي كَانَ فِي الطّسْتِ كَانَ ثَلْجًا وَبَرَدًا - كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوّلِ - فَعَبّرَ عَنْهُ فِي الْمَرّةِ الثّانِيَةِ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَعَبّرَ عَنْهُ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى بِصُورَتِهِ الّتِي رَآهَا، لِأَنّهُ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى كَانَ طِفْلًا، فَلَمّا رَأَى الثّلْجَ فِي طَسْتِ الذّهَبِ اعْتَقَدَهُ ثَلْجًا، حَتّى عَرَفَ تَأْوِيلَهُ بَعْدُ. وَفِي الْمَرّةِ الثّانِيَةِ كَانَ نَبِيّا، فَلَمّا رَأَى طَسْتَ الذّهَبِ مَمْلُوءًا ثَلْجًا عَلِمَ التّأْوِيلَ لِحِينِهِ وَاعْتَقَدَهُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَكَانَ لَفْظُهُ فِي الْحَدِيثَيْنِ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِ فِي الْمَقَامَيْنِ. مُنَاسَبَةُ الذّهَبِ لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ: وَكَانَ الذّهَبُ فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى الّذِي قُصِدَ بِهِ. فَإِنْ نَظَرْت إلَى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَفْظِ الذّهَبِ فَمُطَابِقٌ لِلْإِذْهَابِ فَإِنّ اللهَ ﷿ أَرَادَ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُ الرّجْسَ وَيُطَهّرَهُ تَطْهِيرًا، وَإِنْ نَظَرْت إلَى مَعْنَى الذّهَبِ وَأَوْصَافِهِ وَجَدْته أَنْقَى شَيْءٍ وَأَصْفَاهُ يُقَالُ فِي الْمَثَلِ أَنْقَى مِنْ الذّهَبِ. وَقَالَتْ بَرِيرَةُ فِي عَائِشَةَ ﵂ – "مَا أَعْلَمُ عَلَيْهَا إلّا مَا يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلَى الذّهَبِ الْأَحْمَرِ" وَقَالَ حُذَيْفَةُ فِي صِلَةِ بْنِ أَشْيَمَ ﵄: إنّمَا قَلْبُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ: إنّهُ لَرَجُلٌ مِنْ ذَهَبٍ يُرِيدُونَ النّقَاءَ مِنْ الْعُيُوبِ فَقَدْ طَابَقَ طَسْتَ الذّهَبِ مَا أُرِيدَ بِالنّبِيّ ﷺ مِنْ نَقَاءِ قَلْبِهِ. وَمِنْ أَوْصَافِ الذّهَبِ أَيْضًا الْمُطَابِقَةِ لِهَذَا الْمَقَامِ ثِقَلُهُ وَرُسُوبُهُ فَإِنّهُ يُجْعَلُ فِي الزّيبَقِ الّذِي هُوَ أَثْقَلُ الْأَشْيَاءِ فَيَرْسُبُ وَاَللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [الْمُزّمّلَ: ٥] .

فِي الزّيبَقِ الّذِي هُوَ أَثْقَلُ الْأَشْيَاءِ فَيَرْسُبُ وَاَللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [الْمُزّمّلَ: ٥] . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ – "إنّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ الْمُحِقّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِاتّبَاعِهِمْ الْحَقّ وَحُقّ لِمِيزَانِ لَا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الْحَقّ أَنْ يَكُون ثَقِيلًا، وَقَالَ فِي أَهْلِ الْبَاطِلِ بِعَكْسِ هَذَا" وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ فَثَقُلَ عَلَيْهَا حَتّى سَاخَتْ قَوَائِمُهَا فِي الْأَرْضِ فَقَدْ تَطَابَقَتْ الصّفَةُ الْمَعْقُولَةُ وَالصّفَة الْمَحْسُوسَةُ. وَمِنْ أَوْصَافِ الذّهَبِ أَيْضًا أَنّهُ لَا تَأْكُلُهُ النّارُ وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا تَأْكُلُ النّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَلْبًا وَعَاهُ وَلَا بَدَنًا عَمِلَ بِهِ قَالَ النّبِيّ ﷺ – "لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي إهَابٍ ثُمّ طُرِحَ فِي النّارِ مَا احْتَرَقَ" ١ وَمِنْ أَوْصَافِ الذّهَبِ الْمُنَاسِبَةِ لِأَوْصَافِ الْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ أَنّ الْأَرْضَ لَا تُبْلِيهِ وَأَنّ الثّرَى لَا يَذْرِيهِ وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا يَخْلُقُ عَلَى كَثْرَةِ الرّدّ وَلَا يُسْتَطَاعُ تَغْيِيرُهُ وَلَا تَبْدِيلُهُ وَمِنْ أَوْصَافِهِ أَيْضًا: نَفَاسَتُهُ وَعِزّتُهُ عِنْدَ النّاسِ وَكَذَلِكَ الْحَقّ وَالْقُرْآنُ عَزِيزٌ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فُصّلَتْ: ٤١] . فَهَذَا إذَا نَظَرْت إلَى أَوْصَافِهِ وَلَفْظِهِ وَإِذَا نَظَرْت إلَى ذَاتِهِ وَظَاهِرِهِ فَإِنّهُ زُخْرُفُ الدّنْيَا وَزِينَتُهَا، وَقَدْ فُتِحَ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ عَلَى مُحَمّدٍ ﷺ وَأُمّتِهِ خَزَائِنُ الْمُلُوكِ وَتَصِيرُ إلَى أَيْدِيهِمْ ذَهَبُهَا وَفِضّتُهَا، وَجَمِيعُ زُخْرُفِهَا وَزِينَتِهَا، ثُمّ

لْوَحْيِ عَلَى مُحَمّدٍ ﷺ وَأُمّتِهِ خَزَائِنُ الْمُلُوكِ وَتَصِيرُ إلَى أَيْدِيهِمْ ذَهَبُهَا وَفِضّتُهَا، وَجَمِيعُ زُخْرُفِهَا وَزِينَتِهَا، ثُمّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وُعِدُوا بِاتّبَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ قُصُورَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ فِي الْجَنّةِ. قَالَ ﷺ – "جَنّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ ذَهَبٍ" وَفِي التّنْزِيلِ ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ١ [الزّخْرُفَ: ٧] ﴿يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الْحَجّ: ٢٣، وَفَاطِرَ: ٣٣] فَكَانَ ذَلِكَ الذّهَبُ يُشْعِرُ بِالذّهَبِ الّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ مَنْ اتّبَعَ الْحَقّ وَالْقُرْآنَ وَأَوْصَافُهُ تُشْعِرُ بِأَوْصَافِ الْحَقّ وَالْقُرْآنُ وَلَفْظُهُ يُشْعِرُ بِإِذْهَابِ الرّجْسِ كَمَا تَقَدّمَ فَهَذِهِ حِكَمٌ بَالِغَةٌ٢ لِمَنْ تَأَمّلَ وَاعْتِبَارٌ صَحِيحٌ لِمَنْ تَدَبّرَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ. وَفِي ذِكْرِ الطّسْتِ وَحُرُوفِ اسْمِهِ حِكْمَةٌ تَنْظُرُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النّمْلَ: ١] وَمِمّا يُسْأَلُ عَنْهُ هَلْ خُصّ هُوَ ﷺ بِغَسْلِ قَلْبِهِ فِي الطّسْتِ أَمْ فُعِلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ فَفِي خَبَرِ التّابُوتِ وَالسّكِينَةِ أَنّهُ كَانَ فِيهِ الطّسْتُ الّتِي غُسِلَتْ فِيهَا قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈. ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ٣، وَقَدْ انْتَزَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ حَدِيثِ الطّسْتِ حَيْثُ جُعِلَ مَحَلّا لِلْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ جَوَازَ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِالذّهَبِ وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ٤ فَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرّ ﵁ هَذَا الّذِي قَدّمْنَاهُ مَتَى عَلِمَ أَنّهُ نَبِيّ. الْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ النّبُوّةِ:

ِ بِالذّهَبِ وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ٤ فَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرّ ﵁ هَذَا الّذِي قَدّمْنَاهُ مَتَى عَلِمَ أَنّهُ نَبِيّ. الْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ النّبُوّةِ: وَالْحِكْمَةُ فِي خَاتَمِ النّبُوّةِ عَلَى جِهَةِ الِاعْتِبَارِ أَنّهُ لَمّا مُلِئَ قَلْبُهُ حِكْمَةً وَيَقِينًا، خُتِمَ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ عَلَى الْوِعَاءِ الْمَمْلُوءِ مِسْكًا أَوْ دُرّا، وَأَمّا وَضْعُهُ عِنْدَ نُغْضِ٥

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَتِفِهِ فَلِأَنّهُ مَعْصُومٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشّيْطَانِ وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْهُ يُوَسْوِسُ الشّيْطَانُ لِابْنِ آدَمَ. رَوَى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ "عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنّ رَجُلًا سَأَلَ رَبّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشّيْطَانِ مِنْهُ فَأُرِيَ جَسَدًا مُمَهّى يُرَى دَاخِلُهُ مِنْ خَارِجِهِ وَالشّيْطَانُ فِي صُورَةِ ضِفْدَعٍ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ حِذَاءَ قَلْبِهِ لَهُ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الْبَعُوضَةِ وَقَدْ أَدْخَلَهُ إلَى قَلْبِهِ يُوَسْوِسُ فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى الْعَبْدُ خَنَسَ". رَدّ حَلِيمَةَ لِلنّبِيّ ﷺ: فَصْلٌ: وَكَانَ رَدّ حَلِيمَةَ إيّاهُ إلَى أُمّهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ وَشَهْرٍ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ ثُمّ لَمْ تَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا مَرّتَيْنِ إحْدَاهُمَا بَعْدَ تَزْوِيجِهِ خَدِيجَةَ ﵂ جَاءَتْهُ تَشْكُو إلَيْهِ السّنَةَ وَأَنّ قَوْمَهَا قَدْ أَسْنَتُوا فَكَلّمَ لَهَا خَدِيجَةَ، فَأَعْطَتْهَا عِشْرِينَ رَأْسًا مِنْ غَنَمِ وَبَكَرَاتٍ وَالْمَرّةَ الثّانِيَةَ يَوْمُ حُنَيْنٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللهُ. تَأْوِيلُ النّورِ الّذِي رَأَتْهُ آمِنَةُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ النّورَ الّذِي رَأَتْهُ آمِنَةُ حِينَ وَلَدَتْهُ ﵇ فَأَضَاءَتْ لَهَا قُصُورَ الشّامِ، وَذَلِكَ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ حَتّى كَانَتْ الْخِلَافَةُ فِيهَا مُدّةَ بَنِي أُمَيّةَ، وَاسْتَضَاءَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ وَغَيْرُهَا بِنُورِهِ ﷺ وَكَذَلِكَ رَأَى خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِيَسِيرِ نُورًا يَخْرُجُ مِنْ زَمْزَمَ، حَتّى ظَهَرَتْ لَهُ الْبُسْرُ١ فِي نَخِيلِ يَثْرِبَ، فَقَصّهَا عَلَى أَخِيهِ عَمْرٍو، فَقَالَ لَهُ إنّهَا حَفِيرَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَإِنّ هَذَا النّورَ مِنْهُمْ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ مُبَادَرَتِهِ إلَى الْإِسْلَامِ.

ِيهِ عَمْرٍو، فَقَالَ لَهُ إنّهَا حَفِيرَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَإِنّ هَذَا النّورَ مِنْهُمْ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ مُبَادَرَتِهِ إلَى الْإِسْلَامِ.

هُوَ والأنبياء قبله رعوا الْغنم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ "مَا مِنْ نَبِيّ إلّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ" قِيلَ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ "وَأَنا". اعتزازه ﷺ بقرشيته، واسترضاعه فِي بن سعد: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ "أَنَا أَعْرَبُكُمْ أَنَا قُرَشِيّ، وَاسْتُرْضِعْت فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ" [حَدِيثٌ ضَعِيفٌ] . افتقدته حليمة ﷺ حِين رُجُوعهَا بِهِ، ووجده ورقة بن نَوْفَل: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ النّاسُ فِيمَا يَتَحَدّثُونَ وَاَللهُ أَعْلَمُ أَنّ أُمّهُ السّعْدِيّةَ لَمّا قَدِمَتْ بِهِ مَكّةَ أَضَلّهَا فِي النّاسِ وَهِيَ مُقْبِلَةٌ بِهِ نَحْوَ أَهْلِهِ فَالْتَمَسَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فَأَتَتْ عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَقَالَتْ لَهُ إنّي قَدْ قَدِمْت بِمُحَمّدِ هَذِهِ اللّيْلَةَ فَلَمّا كُنْت بِأَعْلَى مَكّةَ أَضَلّنِي، فَوَاَللهِ مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ فَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو اللهَ أَنْ يَرُدّهُ فَيَزْعُمُونَ أَنّهُ وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيَا بِهِ عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَقَالَا لَهُ هَذَا ابْنُك وَجَدْنَاهُ بِأَعْلَى مَكّةَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يَعُوذُهُ وَيَدْعُو لَهُ ثُمّ أَرْسَلَ بِهِ إلَى أُمّهِ آمِنَةَ. ــ رَعْيُهُ الْغَنَمَ:

ّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يَعُوذُهُ وَيَدْعُو لَهُ ثُمّ أَرْسَلَ بِهِ إلَى أُمّهِ آمِنَةَ. ــ رَعْيُهُ الْغَنَمَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ – "مَا مِنْ نَبِيّ إلّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ. قِيلَ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ "وَأَنَا". وَإِنّمَا أَرَادَ ابْنُ إسْحَاقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ رِعَايَتَهُ الْغَنَمَ فِي بَنِي سَعْدٍ مَعَ أَخِيهِ مِنْ الرّضَاعَةِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصّحِيحِ أَنّهُ رَعَاهَا بِمَكّةَ أَيْضًا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكّةَ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ أَيْضًا أَنّهُ قَالَ "مَا هَمَمْت بِشَيْءِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ إلّا مَرّتَيْنِ وَرَوَى أَنّ إحْدَى الْمَرّتَيْنِ كَانَ فِي غَنَمٍ يَرْعَاهَا هُوَ وَغُلَامٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ اكْفِنِي أَمْرَ الْغَنَمِ حَتّى آتِيَ مَكّةَ، وَكَانَ بِهَا عُرْسٌ فِيهَا لَهْوٌ وَزَمْرٌ فَلَمّا دَنَا مِنْ الدّارِ لِيَحْضُرَ ذَلِكَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ النّوْمُ فَنَامَ حَتّى ضَرَبَتْهُ الشّمْسُ عِصْمَةً مِنْ اللهِ لَهُ". وَفِي الْمَرّةِ الْآخِرَةِ قَالَ لِصَاحِبِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَأُلْقِيَ عَلَيْهِ النّوْمُ فِيهَا،

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ مِمّا هَاجَ أُمّهُ السّعْدِيّةَ عَلَى رَدّهِ إلَى أُمّهِ مَعَ مَا ذَكَرَتْ لِأُمّهِ مِمّا أَخْبَرَتْهَا عَنْهُ أَنّ نَفَرًا مِنْ الْحَبَشَةِ نَصَارَى رَأَوْهُ مَعَهَا حِينَ رَجَعَتْ بِهِ بَعْدَ فِطَامِهِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ وَسَأَلُوهَا عَنْهُ وَقَلّبُوهُ ثُمّ قَالُوا لَهَا: لَنَأْخُذَنّ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَنَذْهَبَنّ بِهِ إلَى مُلْكِنَا وَبَلَدِنَا ; فَإِنّ هَذَا غُلَامٌ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ نَحْنُ نَعْرِفُ أَمْرَهُ فَزَعَمَ الّذِي حَدّثَنِي أَنّهَا لَمْ تَكَدْ تَنْفَلِتُ بِهِ مِنْهُمْ. ــ كَمَا أُلْقِيَ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى. ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ. وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَبِيّ "بُعِثَ مُوسَى ﷺ وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ وَبُعِثَ دَاوُدُ ﷺ وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ وَبُعِثْت، وَأَنَا رَاعِي غَنَمِ أَهْلِي بِأَجْيَادِ"١ وَإِنّمَا جَعَلَ اللهُ هَذَا فِي الْأَنْبِيَاءِ تَقْدِمَةً لَهُمْ لِيَكُونُوا رُعَاةَ الْخَلْقِ وَلِتَكُونَ أُمَمُهُمْ رَعَايَا لَهُمْ وَقَدْ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنّهُ يَنْزِعُ عَلَى قَلِيبٍ٢ وَحَوْلَهَا غَنَمٌ سُودٌ وَغَنَمٌ عُفْرٌ٣ قَالَ ثُمّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا، وَاَللهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا يَعْنِي: الدّلْوَ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّا يَفْرِي فَرِيّهُ فَأَوّلَهَا النّاسُ فِي الْخِلَافَةِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَر ﵄، وَلَوْلَا ذِكْرُ الْغَنَمِ السّودِ وَالْعُفْرِ لَبَعُدَتْ الرّؤْيَا عَنْ مَعْنَى الْخِلَافَةِ وَالرّعَايَةِ إذْ الْغَنَمُ السّودُ وَالْعُفْرُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدّثِينَ لَمْ يَذْكُرُوا الْغَنَمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. ذَكَرَهُ الْبَزّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَيْضًا، وَبِهِ يَصِحّ الْمَعْنَى، وَاَللهُ أَعْلَمُ. فِي كَفَالَةِ الْعَمّ: فَصْلٌ:

يثِ. ذَكَرَهُ الْبَزّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَيْضًا، وَبِهِ يَصِحّ الْمَعْنَى، وَاَللهُ أَعْلَمُ. فِي كَفَالَةِ الْعَمّ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ كَوْنَ النّبِيّ ﷺ فِي كَفَالَةِ عَمّهِ يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ. فَمِنْ حِفْظِ اللهُ لَهُ فِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ أَنّهُ كَانَ يَتِيمًا لَيْسَ لَهُ أَبٌ يَرْحَمُهُ وَلَا أُمّ تَرْأَمُهُ١ لِأَنّهَا مَاتَتْ وَهُوَ صَغِيرٌ وَكَانَ عِيَالُ أَبِي طَالِبٍ ضَفَفًا، وَعَيْشُهُمْ شَظَفًا٢، فَكَانَ يُوضَعُ الطّعَامُ لَهُ وَلِلصّبْيَةِ مِنْ أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ فَيَتَطَاوَلُونَ إلَيْهِ وَيَتَقَاصَرُ هُوَ وَتَمْتَدّ أَيْدِيهِمْ وَتَنْقَبِضُ يَدُهُ تَكَرّمًا مِنْهُ وَاسْتِحْيَاءً وَنَزَاهَةَ نَفْسٍ وَقَنَاعَةَ قَلْبٍ فَيُصْبِحُونَ غُمْصًا رُمْصًا، مُصْفَرّةً أَلْوَانُهُمْ٣ وَيُصْبِحُ هُوَ ﵇ صَقِيلًا دَهِينًا كَأَنّهُ فِي أَنْعَمِ عَيْشٍ وَأَعَزّ كِفَايَةٍ لُطْفًا مِنْ اللهِ ﷿ بِهِ. كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ.

﵇ صَقِيلًا دَهِينًا كَأَنّهُ فِي أَنْعَمِ عَيْشٍ وَأَعَزّ كِفَايَةٍ لُطْفًا مِنْ اللهِ ﷿ بِهِ. كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ.

وَفَاةُ آمِنَةَ وَحَالُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ جَدّهِ عَبْدِ الْمطلب بعْدهَا وَفَاة أَمَنَة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أُمّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَجَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فِي كِلَاءَةِ اللهِ وَحِفْظِهِ يُنْبِتُهُ اللهُ نَبَاتًا حَسَنًا، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سِتّ سِنِينَ تُوُفّيَتْ أُمّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ. ــ مَوْتُ آمِنَةَ وَزِيَارَتُهُ لَهَا: فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَوْتَ أُمّهِ آمِنَةَ بِالْأَبْوَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَهُوَ إلَى الْمَدِينَةِ أَقْرَبُ كَأَنّهُ سُمّيَ بِجَمْعِ بَوّ وَهُوَ جِلْدُ الْحُوَارِ الْمَحْشُوّ بِالتّبْنِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ سُمّيَ بِالْأَبْوَاءِ لِتَبَوّءِ السّيُولِ فِيهِ وَكَذَلِكَ ذُكِرَ عَنْ كَثِيرٍ. ذَكَرَهُ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ زَارَ قَبْرَ أُمّهِ بِالْأَبْوَاءِ فِي أَلْفِ مُقَنّعٍ فَبَكَى وَأَبْكَى وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ١ وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا أَنّهُ قَالَ "اسْتَأْذَنْت رَبّي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمّي، فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْته أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي" وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنّهُ ﷺ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأُمّهِ ضَرَبَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنّ أُمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ آمِنَةَ تُوُفّيَتْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ابْنُ سِتّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ، بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ، كَانَتْ قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ، تُزِيرُهُ إيّاهُمْ فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إِلَى مَكَّة. سَبَب خَوْلَة بني عدي بن النجار لرَسُول الله ﷺ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمّ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ: سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو النّجّارِيّةُ فَهَذِهِ الْخُؤُولَةُ الّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ لِرَسُولِ الله ﷺ فيهم. إكرام عبد الْمطلب لَهُ ﷺ وَهُوَ صَغِير: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ جَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَكَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلّ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَ فِرَاشِهِ ذَلِكَ حَتّى يَخْرُجَ إلَيْهِ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إجْلَالًا لَهُ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي، وَهُوَ غُلَامٌ جَفْرٌ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخّرُوهُ عَنْهُ فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ دَعُوا ابْنِي، فَوَاَللهِ إنّ لَهُ لَشَأْنًا، ثُمّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ وَيَسُرّهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ. ــ صَدْرِهِ وَقَالَ لَهُ لَا تَسْتَغْفِرْ لِمَنْ كَانَ مُشْرِكًا، فَرَجَعَ وَهُوَ حَزِينٌ. وَفِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ فِي غَيْر الصّحِيحِ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ بُكَائِهِ فَقَالَ: "ذَكَرْت ضَعْفَهَا وَشِدّةَ عَذَابِ اللهِ" إنْ كَانَ صَحّ هَذَا. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا يُصَحّحُهُ وَهُوَ "أَنّ رَجُلًا قَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ أَبِي؟ فَقَالَ "فِي النّارِ", فَلَمّا وَلّى الرّجُلُ قَالَ ﵇ إنّ أَبِي وَأَبَاك فِي النّارِ" ١ وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَقُولَ نَحْنُ هَذَا٢ فِي أَبَوَيْهِ ﷺ لِقَوْلِهِ ﵇: "لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ

رّجُلُ قَالَ ﵇ إنّ أَبِي وَأَبَاك فِي النّارِ" ١ وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَقُولَ نَحْنُ هَذَا٢ فِي أَبَوَيْهِ ﷺ لِقَوْلِهِ ﵇: "لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِسَبّ الْأَمْوَاتِ" وَاَللهُ ﷿ يَقُولُ: ﴿إِنّ الّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الْأَحْزَابَ: ٧٥] . وَإِنّمَا قَالَ النّبِيّ ﷺ لِذَلِكَ الرّجُلِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ لِأَنّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ قِيلَ إنّهُ قَالَ أَيْنَ أَبُوك أَنْتَ؟ فَحِينَئِذٍ قَالَ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ بِغَيْرِ هَذَا اللّفْظِ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنّهُ قَالَ لَهُ "إنّ أَبِي وَأَبَاك فِي النّارِ" وَلَكِنْ ذَكَرَ أَنّهُ قَالَ لَهُ "إذَا مَرَرْت بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشّرْهُ بِالنّارِ"١ وَرُوِيَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَعَلّهُ أَنْ يَصِحّ. وَجَدْته بِخَطّ جَدّي أَبِي عِمْرَانَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَاضِي ﵀ بِسَنَدِ فِيهِ مَجْهُولُونَ ذَكَرَ أَنّهُ نَقَلَهُ مِنْ كِتَابٍ اُنْتُسِخَ مِنْ كِتَابِ مُعَوّذِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُعَوّذِ الزّاهِدِ يَرْفَعُهُ إلَى [عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ] أَبِي الزّنَادِ عَنْ [هِشَامِ بْنِ] عُرْوَةَ،

ِخَ مِنْ كِتَابِ مُعَوّذِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُعَوّذِ الزّاهِدِ يَرْفَعُهُ إلَى [عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ] أَبِي الزّنَادِ عَنْ [هِشَامِ بْنِ] عُرْوَةَ، عَنْ [أَبِيهِ عَنْ] عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلَ رَبّهُ أَنْ يُحْيِيَ أَبَوَيْهِ فَأَحْيَاهُمَا لَهُ وَآمَنَا بِهِ ثُمّ أَمَاتَهُمَا" وَاَللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلّ شَيْءٍ وَلَيْسَ تَعْجَزُ رَحْمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ عَنْ شَيْءٍ وَنَبِيّهُ ﵇ أَهْلٌ أَنْ يَخُصّهُ بِمَا شَاءَ مِنْ فَضْلِهِ وَيُنْعِمَ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ مِنْ كَرَامَتِهِ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ - قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَذْكِرَتِهِ: جَزَمَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ السّابِقِ وَاللّاحِقِ وَأَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ شَاهِينَ فِي كِتَابِ النّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لَهُ فِي الْحَدِيثِ بِإِسْنَادَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ حَجّ بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجّةَ الْوَدَاعِ فَمَرّ عَلَى قَبْرِ أُمّهِ وَهُوَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمّ، فَبَكَيْت لِبُكَائِهِ ﷺ ثُمّ إنّهُ نَزَلَ فَقَالَ "يَا حُمَيْرَاءُ اسْتَمْسِكِي". فَاسْتَنَدْت إلَى جَنْبِ الْبَعِيرِ فَمَكَثَ عَنّي طَوِيلًا مَلِيّا، ثُمّ إنّهُ عَادَ إلَيّ وَهُوَ فَرِحٌ مُتَبَسّمٌ فَقَالَتْ لَهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ نَزَلْت مِنْ عِنْدِي، وَأَنْتَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمّ. فَبَكَيْت لِبُكَائِك. ثُمّ عُدْت إلَيّ وَأَنْتَ فَرِحٌ مُبْتَسِمٌ فَمِمّ ذَا يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ "ذَهَبْت لِقَبْرِ آمِنَةَ أُمّي، فَسَأَلْت أَنْ يُحْيِيَهَا، فَأَحْيَاهَا فَآمَنَتْ بِي" ; أَوْ قَالَ فَآمَنَتْ. وَرَدّهَا اللهُ ﷿".

وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَمَا رُثِيَ بِهِ من الشّعْر وَفَاة عبد الْمطلب، وَمَا قيل فِيهِ مِنْ الشّعْرِ: فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَمَانِيَ سِنِينَ هَلَكَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِي سِنِينَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْعَبّاسُ١ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ. أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ تُوُفّيَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ٢. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ. أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ لَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَرَفَ أَنّهُ مَيّتٌ جَمَعَ بَنَاتِهِ وَكُنّ سِتّ نِسْوَةٍ صَفِيّةَ وَبَرّةَ وَعَاتِكَةَ، وَأُمّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ وَأُمَيْمَةَ، وَأَرْوَى، فَقَالَ لَهُنّ ابْكِينَ عَلَيّ حَتّى أَسْمَعَ مَا تَقُلْنَ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يَعْرِفُ هَذَا الشّعْرَ إلّا أَنّهُ لَمّا رَوَاهُ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمسيب كتبناه. رثاء صَفِيَّة لأَبِيهَا عبد الْمطلب: فَقَالَتْ صَفِيّةُ ابْنَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: ــ وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: قَوْلُ صَفِيّةَ: فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي ... عَلَى خَدّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ

ُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: ــ وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: قَوْلُ صَفِيّةَ: فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي ... عَلَى خَدّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ

أَرِقْت لِصَوْتِ نَائِحَةٍ بِلَيْلِ ... عَلَى رَجُلٍ بِقَارِعَةِ الصّعِيدِ فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي ... عَلَى خَدّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ عَلَى رَجُلٍ كَرِيمٍ غَيْرِ وَغْلٍ ... لَهُ الْفَضْلُ الْمُبِينُ عَلَى الْعَبِيدِ عَلَى الْفَيّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي ... أَبِيك الْخَيْرِ وَارِثِ كُلّ جُودِ صَدُوقٍ فِي الْمَوَاطِنِ غَيْرِ نِكْسٍ ... وَلَا شَخْتِ الْمَقَامِ وَلَا سَنِيدِ طَوِيلِ الْبَاعِ أَرْوَعَ شَيْظَمِيّ ... مُطَاعٍ فِي عَشِيرَتِهِ حَمِيدِ رَفِيعِ الْبَيْتِ أَبْلَجَ ذِي فُضُولٍ ... وَغَيْثِ النّاسِ فِي الزّمَنِ الْحَرُودِ كَرِيمِ الْجَدّ لَيْسَ بِذِي وُصُومٍ ... يَرُوقُ عَلَى الْمُسَوّدِ وَالْمَسُودِ عَظِيمِ الْحِلْمِ مِنْ نَفَرٍ كِرَامٍ ... خَضَارِمَةٍ مَلَاوِثَةٍ أُسُودِ فَلَوْ خَلَدَ امْرِئِ لِقَدِيمِ مَجْدٍ ... وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْخُلُودِ لَكَانَ مُخَلّدًا أُخْرَى اللَّيَالِي ... لفضل الْمَجْدِ والحسب التليد ــ يُرْوَى: كَمُنْحَدِرِ بِكَسْرِ الدّالِ أَيْ كَالدّرّ الْمُنْحَدِرِ وَمُنْحَدَرٌ بِفَتْحِ الدّالِ فَيَكُونُ التّشْبِيهُ رَاجِعًا لِلْفَيْضِ فَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ شَبّهَتْ الدّمْعَ بِالدّرّ الْفَرِيدِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ شَبّهَتْ الْفَيْضَ بِالِانْحِدَارِ.

رَاجِعًا لِلْفَيْضِ فَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ شَبّهَتْ الدّمْعَ بِالدّرّ الْفَرِيدِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ شَبّهَتْ الْفَيْضَ بِالِانْحِدَارِ. وَقَوْلُهَا: أَبِيك الْخَيْرِ. أَرَادَتْ الْخَيّرَ فَخَفّفَتْ كَمَا يُقَالُ هَيْنٌ وَهَيّنٌ وَفِي التّنْزِيلِ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرّحْمَنُ: ٧٠] . وَكَانَ اسْمُ أُمّ الدّرْدَاءِ خَيْرَةُ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ١ وَكَذَلِكَ أُمّ الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، اسْمُهَا: خَيْرَةُ فَهَذَا مِنْ الْمُخَفّفِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ هَهُنَا هُوَ ضِدّ الشّرّ جَعَلَتْهُ كُلّهُ خَيْرًا عَلَى الْمُبَالَغَةِ كَمَا تَقُولُ مَا زَيْدٌ إلّا عِلْمٌ أَوْ حُسْنٌ وَمَا أَنْتَ إلّا سَيْرٌ، وَهُوَ مَجَازٌ حَسَنٌ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُثَنّى وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنّثُ فَيُقَال: خَيْرَةُ.

رثاء برة لأَبِيهَا عبد الْمطلب: وَقَالَتْ بَرّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أَعَيْنَيّ جُودَا بِدَمْعِ دِرَرْ ... عَلَى طَيّبِ الْخِيمِ وَالْمُعْتَصَرْ عَلَى مَاجِدِ الْجَدّ وَارِي الزّنَادِ ... جَمِيلِ الْمُحَيّا عَظِيمِ الْخَطَرْ عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ ذِي الْمَكْرُمَاتِ ... وَذِي الْمَجْدِ وَالْعِزّ وَالْمُفْتَخَرْ وَذِي الْحُلْمِ وَالْفَصْلِ فِي النّائِبَاتِ ... كَثِير الْمَكَارِمِ جَمّ الْفَجَرْ لَهُ فَضْلُ مَجْدٍ عَلَى قَوْمِهِ ... مُنِيرٍ يَلُوحُ كَضَوْءِ الْقَمَرْ أَتَتْهُ الْمَنَايَا، فَلَمْ تُشْوِهِ ... بِصَرْفِ اللّيَالِي، وريب الْقدر رثاء عَاتِكَة لأَبِيهَا عبد الْمطلب: وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أَعَيْنَيّ جُودَا، وَلَا تَبْخَلَا ... بِدَمْعِكُمَا بَعْدَ نَوْمِ النّيَامْ أَعَيْنَيّ وَاسْحَنْفِرَا وَاسْكُبَا ... وَشُوبَا بُكَاءَكُمَا بِالْتِدَامْ ــ

نَيّ جُودَا، وَلَا تَبْخَلَا ... بِدَمْعِكُمَا بَعْدَ نَوْمِ النّيَامْ أَعَيْنَيّ وَاسْحَنْفِرَا وَاسْكُبَا ... وَشُوبَا بُكَاءَكُمَا بِالْتِدَامْ ــ وَقَوْلُهَا: وَلَا شَخْتِ الْمَقَامِ وَلَا سَنِيدِ الشّخْتُ [الدّقِيقُ الضّامِرُ لَا هُزَالًا] ضِدّ الضّخْمِ تَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنّهُ ضَخْمُ الْمَقَامِ ظَاهِرُهُ. وَالسّنِيدُ الضّعِيفُ الّذِي لَا يَسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ حَتّى يُسْنَدُ رَأْيُهُ إلَى غَيْرِهِ. وَقَوْلُهَا: خَضَارِمَةٍ مَلَاوِثَةٍ. مَلَاوِثَةٌ جَمْعُ مِلْوَاثٍ مِنْ اللّوْثَةِ وَهِيَ الْقُوّةُ كَمَا قَالَ الْمُكَعْبَرُ: عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لَاثَا وَقَدْ قِيلَ إنّ اسْمَ اللّيْثِ مِنْهُ أُخِذَ إلّا أَنّ وَاوَه انْقَلَبَتْ يَاءً لِأَنّهُ فَيْعَلٌ فَخُفّفَ كَمَا تَقَدّمَ فِي هَيْنٍ وَهَيّنٍ وَلَيْنٍ وَلَيّنٍ. وَقَوْلُ بَرّةَ: أَتَتْهُ الْمَنَايَا فَلَمْ تُشْوِهِ

أَعَيْنَيّ وَاسْتَخْرِطَا وَاسْجُمَا ... عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ نِكْسٍ كَهَامْ عَلَى الْجَحْفَلِ الْغَمْرِ فِي النّائِبَاتِ ... كَرِيمِ الْمَسَاعِي، وَفِيّ الذّمَامْ عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ وَارِي الزّنَادِ ... وَذِي مَصْدَقٍ بَعْدَ ثَبْتِ الْمَقَامْ وَسَيْفٍ لَدَى الْحَرْبِ صَمْصَامَةٍ ... وَمِرْدَى الْمَخَاصِمِ عِنْدَ الْخِصَامْ وَسَهْلِ الْخَلِيقَةِ طَلْقِ الْيَدَيْنِ ... وَفٍ عُدْمِلِيّ صَمِيمٍ لُهَامْ تَبَنّكَ فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ ... رَفِيعِ الذّؤَابَةِ صَعب المرام رثاء أم حَكِيم لأَبِيهَا عبد الْمطلب: وَقَالَتْ أُمّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أَلَا يَا عَيْنُ جُودِي وَاسْتَهِلّي ... وَبَكّي ذَا النّدَى وَالْمَكْرُمَاتِ أَلَا يَا عَيْنُ وَيْحَك أَسْعِفِينِي ... بِدَمْعِ مِنْ دُمُوعٍ هَاطِلَاتِ وَبَكّي خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... أَبَاك الْخَيْرَ تَيّارَ الْفُرَاتِ طَوِيلَ الْبَاعِ شَيْبَةَ ذَا الْمَعَالِي ... كَرِيمَ الْخَيْمِ مَحْمُودَ الْهِبَاتِ وَصُوَلًا لِلْقَرَابَةِ هِبْرِزِيّا ... وَغَيْثًا فِي السّنِينَ الْمُمْحِلَاتِ وَلَيْثًا حِينَ تَشْتَجِرُ الْعَوَالِي ... تَرُوقُ لَهُ عُيُونُ النّاظِرَاتِ عَقِيلَ بَنِي كِنَانَةَ وَالْمُرَجّى ... إذَا مَا الدّهْرُ أَقْبَلَ بِالْهَنَاتِ وَمَفْزَعَهَا إذَا مَا هَاجَ هَيْجٌ ... بِدَاهِيَةِ وَخَصْمِ الْمُعْضِلَاتِ ــ أَيْ: لَمْ تُصِبْ الشّوَى١، بَلْ أَصَابَتْ الْمَقْتَلَ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَضَرْبِهِ بِالْقِدَاحِ عَلَى عَبْدِ اللهِ وَكَانَ يَرَى أَنّ السّهْمَ إذَا خَرَجَ عَلَى غَيْرِهِ أَنّهُ قَدْ أُشْوِيَ أَيْ قَدْ أَخْطَأَ مَقْتَلَهُ أَيْ مَقْتَلَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَابْنِهِ وَمَنْ رَوَاهُ أَشْوَى بِفَتْحِ الْوَاوِ فَالسّهْمُ هُوَ الّذِي أَشْوَى وَأَخْطَأَ وَبِكِلَا الضّبْطَيْنِ وَجَدْته، وَيُقَالُ أَيْضًا: أَشْوَى الزّرْعُ إذَا أَفْرَكَ فَالْأَوّلُ مِنْ الشّوَى، وَهَذَا مِنْ الشّيّ بِالنّارِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.

ْطَيْنِ وَجَدْته، وَيُقَالُ أَيْضًا: أَشْوَى الزّرْعُ إذَا أَفْرَكَ فَالْأَوّلُ مِنْ الشّوَى، وَهَذَا مِنْ الشّيّ بِالنّارِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.

فَبَكّيهِ وَلَا تَسَمِي بِحُزْنِ ... وَبَكّي، مَا بقيت، الباكيات رثاء أُمَيْمَة لأَبِيهَا عبد الْمطلب: وَقَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أَلَا هَلَكَ الرّاعِي الْعَشِيرَةَ ذُو الْفَقْدِ ... وَسَاقِي الْحَجِيجِ وَالْمُحَامِي عَنْ الْمَجْدِ وَمَنْ يُؤْلِفُ الضّيْفَ الْغَرِيبَ بُيُوتَهُ ... إذَا مَا سَمَاءُ النّاسِ تَبْخَلُ بِالرّعْدِ كَسَبْتِ وَلِيدًا خَيْرَ مَا يَكْسِبُ الْفَتَى ... فَلَمْ تَنْفَكّ تَزْدَادُ يَا شَيْبَةَ الْحَمْدِ أَبُو الْحَارِثِ الْفَيّاضُ خَلّى مَكَانَهُ ... فَلَا تَبْعُدَنْ فَكُلّ حَيّ إلَى بُعْدِ فَإِنّي لَبَاكٍ - مَا بَقِيت - وَمُوجِعٌ ... وَكَانَ لَهُ أَهْلًا لَمّا كَانَ مِنْ وَجْدِي سَقَاك وَلِيّ النّاسِ فِي الْقَبْرِ مُمْطِرًا ... فَسَوْفَ أَبْكِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي اللّحْدِ فَقَدْ كَانَ زَيْنًا لِلْعَشِيرَةِ كُلّهَا ... وَكَانَ حَمِيدًا حَيْثُ مَا كَانَ مِنْ حَمْدِ رثاء أروى لأَبِيهَا عبد الْمطلب: وَقَالَتْ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: بَكَتْ عَيْنِي، وَحُقّ لَهَا الْبُكَاءُ ... عَلَى سَمْحٍ سَجِيّتُهُ الْحَيَاءُ عَلَى سَهْلِ الْخَلِيقَةِ أَبْطَحِيّ ... كَرِيمِ الْخَيْمِ نِيّتُهُ الْعَلَاءُ عَلَى الْفَيّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي ... أَبِيك الْخَيْرِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ طَوِيلِ الْبَاعِ أَمْلَسَ شَيْظَمِيّ ... أَغَرّ كَأَنّ غُرّتَهُ ضِيَاءُ ــ وَقَوْلُ عَاتِكَةَ: وَمِرْدَى الْمُخَاصِمِ الْمِرْدَى: مِفْعَلٌ مِنْ الرّدَى، وَهُوَ الْحَجَرُ الّذِي يَقْتُلُ مَنْ أُصِيبَ بِهِ وَفِي الْمَثَلِ كُلّ ضَبّ عِنْدَهُ مِرْدَاتُهُ١ [أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ حَتْفُهُ لِأَنّهُ يُرْمَى بَهْ فَيُقْتَلُ] . وَقَوْلُهَا: وَفٍ. أَيْ وَفِيّ، وَخُفّفَ لِلضّرُورَةِ وَقَوْلُهُ عُدْمِلِيّ. الْعُدْمِلِيّ:

رُبُ مِنْهُ حَتْفُهُ لِأَنّهُ يُرْمَى بَهْ فَيُقْتَلُ] . وَقَوْلُهَا: وَفٍ. أَيْ وَفِيّ، وَخُفّفَ لِلضّرُورَةِ وَقَوْلُهُ عُدْمِلِيّ. الْعُدْمِلِيّ:

أَقَبّ الْكَشْحِ أَرْوَعَ ذِي فُضُولٍ ... لَهُ الْمَجْدُ الْمُقَدّمُ وَالسّنَاءُ أَبِيّ الضّيْمِ أَبْلَجَ هَبْرَزِيّ ... قَدِيمِ الْمَجْدِ لَيْسَ لَهُ خِفَاءُ وَمَعْقِلِ مَالِكٍ وَرَبِيعِ فِهْرٍ ... وَفَاصِلِهَا إذَا اُلْتُمِسَ الْقَضَاءُ وَكَانَ هُوَ الْفَتَى كَرَمًا وَجُودًا ... وَبَأْسًا حِينَ تَنْسَكِبُ الدّمَاءُ إذَا هَابَ الْكُمَاةَ الْمَوْتُ حَتّى ... كَأَنّ قُلُوبَ أَكْثَرِهِمْ هَوَاءُ مَضَى قُدُمًا بِذِي رُبَدٍ خَشِيب ... عَلَيْهِ حِينَ تُبْصِرهُ الْبَهَاءُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ لِي مُحَمّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ أَشَارَ بِرَأْسِهِ وَقَدْ أَصْمَتَ أَنْ هَكَذَا فابكينني. نسب الْمسيب: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُسَيّبُ بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ بْن عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْن عِمْرَانَ بن مَخْزُوم. ــ [وَالْعُدَامِلُ وَالْعُدَامِلِيّ] الشّدِيدُ. وَاللهَام: فَعَالٍ مِنْ لَهِمْت الشّيْءَ أَلْهَمُهُ إذَا ابْتَلَعْته، قَالَ الرّاجِزُ [رُؤْبَةُ بْن الْعَجّاجِ] : كَالْحُوتِ لَا يَرْوِيهِ شَيْءٌ يَلْهَمُهْ ... يُصْبِحُ عَطْشَانًا١ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ وَمِنْهُ سُمّيَ الْجَيْشُ لَهَامًا. وَقَوْلُهَا: عَلَى الْجَحْفَلِ. جَعَلَتْهُ كَالْجَحْفَلِ أَيْ يَقُومُ وَحْدَهُ مَقَامَهُ وَالْجَحْفَلُ لَفْظٌ مَنْحُوتٌ مِنْ أَصْلِينَ مِنْ جَحَفَ وَجَفَلَ وَذَلِك أَنّهُ يُجْحِفُ مَا يَمُرّ عَلَيْهِ أَيْ يُقَشّرُهُ وَيَجْفِلُ أَيْ يَقْلَعُ٢ وَنَظِيرُهُ نَهْشَلُ الذّئْبُ هُوَ عِنْدَهُمْ مَنْحُوتٌ مِنْ أَصْلَيْنِ أَيْضًا، مِنْ نَهَشْت اللّحْمَ وَنَشَلْته٣، وَعَاتِكَةُ: اسْمٌ مَنْقُولٌ مِنْ الصّفَاتِ

رثاء حُذَيْفَة لعبد الْمطلب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ وَفَضْلَ قُصَيّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَفَضْلَ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِمْ وَذَلِك أَنّهُ أَخَذَ بِغُرْمِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ بِمَكّةَ، فَوَقَفَ بِهَا فَمَرّ بِهِ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزّى بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَافْتَكّهُ: أَعَيْنَيّ جُودَا بِالدّمُوعِ عَلَى الصّدْرِ ... وَلَا تَسْأَمَا، أُسْقِيتُمَا سَبَلَ الْقَطْرِ وَجُودَا بِدَمْعِ وَاسْفَحَا كُلّ شَارِقٍ ... بُكَاءَ امْرِئِ لَمْ يُشْوِهِ نَائِبُ الدّهْرِ وَسُحّا، وَجُمّا، وَاسْجُمَا مَا بَقِيتُمَا ... عَلَى ذِي حَيَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَذِي سِتْرِ عَلَى رَجُلٍ جَلْدٍ الْقُوَى، ذِي حَفِيظَةٍ ... جَمِيلِ الْمُحَيّا غَيْرِ نِكْسٍ وَلَا هَذْرِ عَلَى الْمَاجِدِ الْبُهْلُولِ ذِي الْبَاعِ وَاللهَى ... رَبِيعِ لُؤَيّ فِي الْقُحُوطِ وَفِي الْعُسْرِ عَلَى خَيْرِ حَافٍ مِنْ مَعَدّ وَنَاعِلٍ ... كَرِيمِ الْمَسَاعِي، طَيّبِ الْخَيْمِ وَالنّجْرِ وَخَيْرِهُمُ أَصْلًا وَفَرْعًا وَمَعْدِنًا ... وَأَحْظَاهُمْ بِالْمَكْرُمَاتِ وَبِالذّكْرِ وَأَوْلَاهُمْ بِالْمَجْدِ وَالْحِلْمِ وَالنّهَى ... وَبِالْفَضْلِ عِنْدَ الْمُجْحِفَاتِ مِنْ الْغُبْرِ ــ يُقَالُ امْرَأَةٌ عَاتِكَةٌ، وَهِيَ الْمُصَفّرَةُ لِبَدَنِهَا بِالزّعْفَرَانِ وَالطّيبِ. وَقَالَ الْقُتَبِيّ عَتَكَتْ الْقَوْسُ إذَا قَدُمَتْ١ وَبِهِ سُمّيَتْ الْمَرْأَةُ. وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَوْلُ أَرْوَى: وَمَعْقِلُ مَالِكٍ وَرَبِيعُ فِهْرٍ. تُرِيدُ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. وَقَوْلُهَا: بِذِي رُبَدٍ. تُرِيدُ سَيْفًا ذَا طَرَائِقَ. وَالرّبَدُ الطّرَائِقُ. وَقَالَ صَخْرٌ الْغَيّ [الْهُذَلِيّ] : وَصَارِمٌ أُخْلِصَتْ خَشِيبَتُهُ ... أَبْيَضُ مَهْوٌ فِي مَتْنِهِ رُبَدُ٢

طَرَائِقَ. وَالرّبَدُ الطّرَائِقُ. وَقَالَ صَخْرٌ الْغَيّ [الْهُذَلِيّ] : وَصَارِمٌ أُخْلِصَتْ خَشِيبَتُهُ ... أَبْيَضُ مَهْوٌ فِي مَتْنِهِ رُبَدُ٢

عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ الّذِي كَانَ وَجْهُهُ ... يُضِيءُ سَوَادَ اللّيْلِ كَالْقَمَرِ الْبَدْرِ وَسَاقِي الْحَجِيجِ ثُمّ لِلْخُبْزِ هَاشِمٌ ... وَعَبْدُ مَنَافٍ ذَلِك السّيّدُ الْفِهْرِي طَوَى زَمْرَ مَا عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَصْبَحَتْ ... سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلّ ذِي فَخْرِ لِيَبْكِ عَلَيْهِ كُلّ عَانّ بِكُرْبَةِ ... وَآلِ قُصَيّ مِنْ مُقِلّ وَذِي وَفْرِ بَنُوهُ سَرَاةٌ كَهْلُهُمْ وَشَبَابُهُمْ ... تُفَلّقُ عَنْهُمْ بَيْضَةُ الطّائِرِ الصّقْرِ قُصَيّ الّذِي عَادَى كِنَانَةَ كُلّهَا ... وَرَابَطَ بَيْتَ اللهِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ فَإِنْ تَكُ غَالَتْهُ الْمَنَايَا وَصَرْفُهَا ... فَقَدْ عَاشَ مَيْمُونَ النّقِيبَةِ وَالْأَمْرِ وَأَبْقَى رِجَالًا سَادَةً غَيْرَ عُزّلٍ ... مَصَالِيتَ أَمْثَالَ الرّدَيْنِيّةِ السّمْرِ أَبُو عُتْبَةَ الْمُلْقِي إلَيّ حِبَاءَهُ ... أَغَرّ هِجَانِ اللّوْنِ مِنْ نَفَرٍ غُرّ وَحَمْزَةُ مِثْلُ الْبَدْرِ يَهْتَزّ لِلنّدَى ... نَقِيّ الثّيَابِ وَالذّمَامِ مِنْ الْغَدْرِ وَعَبْدُ مَنَافٍ مَاجِدٌ ذُو حَفِيظَةٍ ... وَصُولٌ لَذِي الْقُرْبَى رَحِيمٌ بِذِي الصّهْرِ كُهُولُهُمْ خَيْرُ الْكُهُولِ وَنَسْلُهُمْ ... كَنَسْلِ الْمُلُوكِ لَا تَبُورُ وَلَا تَحْرِي ــ وَقَوْلُ عَاتِكَةَ: تَبَنّكَ فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ. أَيْ تَبَنّكَ بَيْتُهُ فِي بَاذِخٍ مِنْ الشّرَفِ وَمَعْنَى تَبَنّكَ تَأَصّلَ مِنْ الْبُنْكِ وَهُوَ الْأَصْلُ. وَالْبُنْكُ أَيْضًا: ضَرْبٌ مِنْ الطّيبِ وَهُوَ أَيْضًا عُودُ السّوسِ١ [شَجَرٌ يُغَمّى بِهِ الْبُيُوتُ وَيَدْخُلُ عَصِيرُهُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَفِي عُرُوقِهِ حَلَاوَةٌ شَدِيدَةٌ وَفِي فُرُوعِهِ مَرَارَةٌ] .

ُودُ السّوسِ١ [شَجَرٌ يُغَمّى بِهِ الْبُيُوتُ وَيَدْخُلُ عَصِيرُهُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَفِي عُرُوقِهِ حَلَاوَةٌ شَدِيدَةٌ وَفِي فُرُوعِهِ مَرَارَةٌ] . وَقَوْلُهُ فَأَشَارَ إلَيْهِنّ بِرَأْسِهِ وَقَدْ أَصْمَتَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ هَكَذَا قَيّدَهُ الشّيْخُ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ وَيُقَالُ صَمَتَ وَأَصْمَتَ وَسَكَتَ وَأَسْكَتَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ [وَسَمَحَ وَأَسْمَحَ وَعَصَفَتْ الرّيحُ وَأَعْصَفَتْ وَطَلَعْت عَلَى الْقَوْمِ وَأَطْلَعْت. ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ] .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَبُو جَهْمٍ وَذَكَرَ شِعْرَ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيّ، وَهُوَ وَالِدُ أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ١ وَاسْمُ أَبِي جَهْمٍ عُبَيْدٌ، وَهُوَ الّذِي أَهْدَى الْخَمِيصَةَ٢ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَظَرَ إلَى عَلَمِهَا. الْحَدِيثُ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِخَمِيصَتَيْنِ فَأَعْطَى إحْدَاهُمَا أَبَا جَهْمٍ وَأَمْسَكَ الْأُخْرَى، وَفِيهَا عَلَمٌ فَلَمّا نَظَرَ إلَى عَلَمِهَا فِي الصّلَاةِ أَرْسَلَهَا إلَى أَبِي جَهْمٍ وَأَخَذَ الْأُخْرَى بَدَلًا مِنْهَا، هَكَذَا رَوَاهُ الزّبَيْرُ. وَأُمّ أَبِي جَهْمٍ يُسَيْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَذَاةَ بْنِ رِيَاحٍ، وَابْنُ أَذَاةَ هُوَ خَالُ أَبِي قُحَافَةَ وَسَيَأْتِي نَسَبُ أُمّهِ وَقَدْ قِيلَ إنّ الشّعْرَ لَحُذَافَةَ بْنِ غَانِمٍ وَهُوَ أَخُو حُذَيْفَةَ وَالِدُ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ وَلَهُ يَقُولُ فِيهِ أَخَارِجُ إنْ أَهْلِكْ. وَفِي الشّعْرِ غَيْرُ نِكْسٍ وَلَا هَذْرٍ. النّكْسُ مِنْ السّهَامِ الّذِي نُكّسَ فِي الْكِنَانَةِ لِيُمَيّزَهُ الرّامِي، فَلَا يَأْخُذُهُ لِرَدَاءَتِهِ. وَقِيلَ الّذِي انْكَسَرَ أَعْلَاهُ فَنُكّسَ وَرُدّ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَهُوَ غَيْرُ جَيّدٍ لِلرّمْيِ.

َهُ الرّامِي، فَلَا يَأْخُذُهُ لِرَدَاءَتِهِ. وَقِيلَ الّذِي انْكَسَرَ أَعْلَاهُ فَنُكّسَ وَرُدّ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَهُوَ غَيْرُ جَيّدٍ لِلرّمْيِ. وَقَوْلُهُ لَا تَبُورُ وَلَا تَحْرِي. أَيْ لَا تَهْلِكُ وَلَا تُنْقَصُ وَيُقَالُ لِلْأَفْعَى: حَارِيَةٌ لِرِقّتِهَا وَفِي الْحَدِيثِ مَا زَالَ جِسْمُ أَبِي بَكْرٍ يَحْرِي حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَيْ يَنْقُصُ لَحْمُهُ حَتّى مَاتَ وَالْإِجْرِيّاءُ السّيرَةُ وَهِيَ إفْعِيلَاءُ مِنْ الْجَرْيِ٣ وَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ فِي الْأَبْنِيَةِ إلّا الْإِهْجِيرَا فِي مَعْنَى الْهِجّيرَى٤.

مَتَى مَا تُلَاقِي مِنْهُمْ الدّهْرَ نَاشِئًا ... تَجِدْهُ بِإِجْرِيّا أَوَائِلُهُ يَجْرِي هُمْ مَلَئُوا الْبَطْحَاءَ مَجْدًا وَعِزّةً ... إذَا اسْتَبَقَ الْخَيْرَاتِ فِي سَالِفِ الْعَصْرِ وَفِيهِمْ بُنَاةٌ لِلْعُلَا، وَعِمَارَةٌ ... وَعَبْدُ مَنَافٍ جَدّهُمْ جَابِرُ الْكَسْرِ بِإِنْكَاحِ عَوْفٍ بِنْتَه، لِيُجِيرَنَا ... مِنْ أَعْدَائِنَا إذْ أَسْلَمَتْنَا بَنُو فِهْرِ ــ وَفِيهَا قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِهَا إلّا شُيُوخُ بَنِي عَمْرِو. يُرِيدُ: بَنِي هَاشِمٍ، لِأَنّ اسْمَهُ عَمْرٌو. وَفِيهَا: غَيْرُ عُزّلٍ وَهُوَ جَمْعُ أَعْزَلَ وَلَا يُجْمَعُ أَفْعَلُ عَلَى فُعّلٍ وَلَكِنْ جَاءَ هَكَذَا ; لِأَنّ الْأَعْزَلَ فِي مُقَابَلَةِ الرّامِحِ وَقَدْ يَحْمِلُونَ الصّفَةَ عَلَى ضِدّهَا، كَمَا قَالُوا: عَدُوّةُ - بِتَاءِ التّأْنِيثِ - حَمْلًا عَلَى صَدِيقَةٍ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجْرَاهُ مَجْرَى: حُسّرٍ جَمْعُ: حَاسِرٍ لِأَنّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى١. تَهَامٌ وَشَآمٌ: وَقَوْلُهُ فَسِرْنَا تِهَامِيّ الْبِلَادِ مُخَفّفًا مِثْلَ يَمَانِيَا، وَالْأَصْلُ فِي يَمَانٍ يَمَنِيّ، فَخَفّفُوا الْيَاءَ وَعَوّضُوا مِنْهَا أَلِفًا، وَالْأَصْلُ فِي تَهَامِ: تِهَامِيّ بِكَسْرِ التّاءِ مِنْ تَهَامِيّ لِأَنّهُ مَنْسُوبٌ إلَى تِهَامَةَ٢ وَلَكِنّهُمْ حَذَفُوا إحْدَى الْيَاءَيْنِ كَمَا فَعَلُوا فِي يَمَانٍ وَفَتَحُوا التّاءَ مِنْ تَهَامٍ لَمّا حَذَفُوا الْيَاءَ مِنْ آخِرِهِ لِتَكُونَ الْفَتْحَةُ فِيهِ كَالْعِوَضِ مِنْ الْيَاءِ كَمَا كَانَتْ الْأَلِفُ فِي يَمَانٍ وَكَذَلِكَ الْأَلِفُ فِي شَآمٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَأَلِفٍ بَعْدَهَا عِوَضًا مِنْ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ فَإِنْ شَدّدْت الْيَاءَ مِنْ شَآمٍ قُلْت: شَأْمِيّ بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَتَذْهَبُ الْأَلِفُ الّتِي كَانَتْ عِوَضًا مِنْ الْبَاءِ لِرُجُوعِ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ وَلَا تَقُولُ فِي غَيْرِ النّسَبِ شَآمٌ بِالْفَتْحِ وَالْهَمْزِ وَلَا فِي النّسَبِ إذَا شَدّدْت٣ الْيَاءَ شَأْمِيّ. وَسَأَلْت الْأُسْتَاذَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنِ

ُ فِي غَيْرِ النّسَبِ شَآمٌ بِالْفَتْحِ وَالْهَمْزِ وَلَا فِي النّسَبِ إذَا شَدّدْت٣ الْيَاءَ شَأْمِيّ. وَسَأَلْت الْأُسْتَاذَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنِ

فَسِرْنَا تِهَامِيّ الْبِلَادِ وَنَجْدَهَا ... بِأَمْنِهِ حَتّى خَاضَتْ الْعِيرُ فِي الْبَحْرِ وَهُمْ حَضَرُوا وَالنّاسُ بَادٍ فَرِيقُهُمْ ... وَلَيْسَ بِهَا إلّا شُيُوخُ بَنِي عَمْرِو بَنَوْهَا دِيَارًا جَمّةً وَطَوَوْا بِهَا ... بِئَارًا تَسِحّ الْمَاءَ مِنْ ثَبَجِ الْبَحْرِ لَكَيْ يَشْرَبَ الْحُجّاجُ مِنْهَا، وَغَيْرُهُمْ ... إذَا ابْتَدَرُوهَا صُبْحَ تَابِعَةِ النّحْرِ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ تُظِلّ رِكَابَهُمْ ... مُخَيّسَةً بَيْنَ الْأَخَاشِبِ وَالْحِجْرِ وَقِدْمَا غَنِينَا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبَةً ... وَلَا نَسْتَقِي إلّا بِخُمّ أَوْ الْحَفْرِ وَهُمْ يَغْفِرُونَ الذّنْبَ يُنْقَمُ دُونَهُ ... وَيَعْفُونَ عَنْ قَوْلِ السّفَاهَةِ وَالْهُجْرِ وَهُمْ جَمَعُوا حِلْفَ الْأَحَابِيشِ كُلّهَا ... وَهُمْ نَكَلُوا عَنّا غُوَاةَ بَنِي بَكْرِ ــ الرّمّاكِ - وَكَانَ إمَامًا فِي صَنْعَةِ الْعَرَبِيّةِ عَنْ الْبَيْتِ الّذِي أَمْلَاهُ أَبُو عَلِيّ فِي النّوَادِرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَتَظْعَنُ عَنْ حَبِيبِك ثُمّ تَبْكِي ... عَلَيْهِ فَمَنْ دَعَاك إلَى الْفِرَاقِ كَأَنّك لَمْ تَذُقْ لِلْبَيْنِ طَعْمًا ... فَتَعْلَمَ أَنّهُ مُرّ الْمَذَاقِ أَقِمْ وَانْعَمْ بِطُولِ الْقُرْبِ مِنْهُ ... وَلَا تُظْعِنْ فَتُكْبَتَ بِاشْتِيَاقِ فَمَا اعْتَاضَ الْمُفَارِقُ مِنْ حَبِيبٍ ... وَلَوْ يُعْطَى الشّآمَ مَعَ الْعِرَاقِ فَقَالَ مُحَدّثٌ وَلَمْ يَرَهُ حُجّةً. وَكَذَلِكَ وَجَدْت فِي شِعْرِ حَبِيبٍ الشّآمُ بِالْفَتْحِ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ. وَلَيْسَ بِحُجّةِ أَيْضًا. [فِي اللّسَانِ "وَقَدْ جَاءَ الشّآمُ لُغَةٌ فِي الشّأْمِ قَالَ الْمَجْنُونُ: وَخُبّرْت لَيْلَى بِالشّآمِ مَرِيضَةً ... فَأَقْبَلْت مِنْ مِصْرَ إلَيْهَا أَعُودُهَا وَقَالَ آخَرُ: أَتَتْنَا قُرَيْشٌ قَضّهَا بِقَضِيضِهَا ... وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَالشّآمِ تَقَصّفُ وَقَوْلُهُ:

قْبَلْت مِنْ مِصْرَ إلَيْهَا أَعُودُهَا وَقَالَ آخَرُ: أَتَتْنَا قُرَيْشٌ قَضّهَا بِقَضِيضِهَا ... وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَالشّآمِ تَقَصّفُ وَقَوْلُهُ: حَذْفُ الْيَاءِ مِنْ هَاءِ الْكِنَايَةِ:

فَخَارِجَ إمّا أَهْلِكَنّ فَلَا تَزَلْ ... لَهُمْ شَاكِرًا حَتّى تُغَيّبَ فِي الْقَبْرِ وَلَا تَنْسَ مَا أَسْدَى ابْنُ لُبْنَى ; فَإِنّهُ ... قَدْ أسدى يَدًا مَحْقُوقَةً مِنْك بِالشّكْرِ وَأَنْت ابْن لُبْنَى مِنْ قُصَيّ إذَا انْتَمَوْا ... بِحَيْثُ انْتَهَى قَصْدُ الْفُؤَادِ مِنْ الصّدْرِ وَأَنْت تَنَاوَلْت الْعُلَا فَجَمَعْتهَا ... إلَى مَحْتِدٍ لِلْمَجْدِ ذِي ثَبَجٍ جَسْرِ سَبَقْت، وَفُتّ الْقَوْمُ بَذْلًا وَنَائِلًا ... وَسُدْت وَلِيدًا كُلّ ذِي سُؤْدُدٍ غَمْرِ وَأُمّك سِرّ مِنْ خُزَاعَةَ جَوْهَرٌ ... إذَا حَصّلَ الْأَنْسَابَ يَوْمًا ذَوُو الْخُبْرِ إلَى سَبَإِ الْأَبْطَالِ تُنْمَى وَتَنْتَمِي ... فَأَكْرِمْ بِهَا مَنْسُوبَةً فِي ذُرَا الزّهْرِ أَبُو شِمْرٍ مِنْهُمْ وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ ... وَذُو جَدَنٍ مِنْ قَوْمِهَا وَأَبُو الْجَبْرِ ــ حَذْفُ الْيَاءِ مِنْ هَاءِ الْكِنَايَةِ بِأَمِنِهِ حَتّى خَاضَتْ الْعِيرُ فِي الْبَحْرِ ضَرُورَةٌ كَمَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: سَأَجْعَلُ عَيْنَيْهِ لِنَفْسِهِ مَقْنَعَا١ فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنْشَدَهَا سِيبَوَيْهِ، وَهَذَا مَعَ حَذْفِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ وَبَقَاءِ حَرَكَةِ الْهَاءِ فَإِنْ سُكّنَتْ الْهَاءُ بَعْدَ الْحَذْفِ فَهُوَ أَقَلّ فِي الِاسْتِعْمَالِ مِنْ نَحْوِ هَذَا، وَأَنْشَدُوا: وَنِضْوَايَ مُشْتَاقَانِ لَهُ أَرِقَانِ٢ وَهَذَا الّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ فِي الْقِيَاسِ أَقْوَى ; لِأَنّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْوَصْلِ عَلَى الْوَقْفِ نَحْوَ قَوْلِ الرّاجِزِ: لَمّا رَأَى أَنْ لَا دَعَةَ وَلَا شِبَعْ وَمِنْهُ فِي التّنْزِيلِ كَثِيرٌ نَحْوَ إثْبَاتِ هَاءِ السّكْتِ فِي الْوَصْلِ وَإِثْبَاتِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَا، وَإِثْبَاتِ أَلِفِ الْفَوَاصِلِ نَحْوَ ﴿وَتَظُنّونَ بِاللهِ الظّنُونَا﴾ [الْأَحْزَابُ: ١٠] وَهَذَا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ مِنْ الضّرُورَةِ فِي هَاءِ الْإِضْمَارِ إنّمَا هُوَ إذَا تَحَرّكَ مَا قَبْلَهَا نَحْوَ بِهِ وَلَهُ وَلَا يَكُونُ فِي هَاءِ الْمُؤَنّثِ الْبَتّةَ لِخَفّةِ الْأَلِفِ فَإِنْ سَكَنَ مَا قَبْلَ الْهَاءِ نَحْوَ فِيهِ وَبَنِيهِ كَانَ الْحَذْفُ أَحْسَنَ مِنْ الْإِثْبَاتِ فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَرَأَ عِيسَى بْنُ مِينَا: نُصْلِهِ وَيُؤَدّهِ وَأَرْجِهِ١ وَنَحْوَ ذَلِكَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا بِحَذْفِ الْيَاءِ وَقِيلَ الْهَاءُ مُتَحَرّكٌ فَكَيْفَ حَسُنَ هَذَا؟ قُلْنَا: إنّ مَا قَبْلَ الْهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ سَاكِنٌ وَهُوَ الْيَاءُ مِنْ نُصْلِيه وَيُؤَدّيه وَيُؤْتِيه، وَلَكِنّهُ حُذِفَ لِلْجَازِمِ فَمَنْ نَظَرَ إلَى اللّفْظِ وَأَنّ مَا قَبْلَ الْهَاءِ مُتَحَرّكٌ أَثْبَتَ الْيَاءَ كَمَا أَثْبَتَهَا فِي: بِهِ وَلَهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْكَلِمَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَازِمِ رَأَى مَا قَبْلَ الْهَاءِ سَاكِنًا، فَحَذَفَ الْيَاءَ فَهُمَا وَجْهَانِ حَسَنَانِ بِخِلَافِ مَا تَقَدّمَ. مِنْ شَرْحِ قَصِيدَةِ حُذَيْفَةَ: وَذُكِرَ فِي هَذَا الشّعْرِ وَأَسْعَدُ قَادَ النّاسَ. وَهُوَ أَسْعَدُ أَبُو حَسّانَ بْنِ أَسْعَدَ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي التّبَابِعَةِ، وَكَذَلِكَ أَبُو شِمْرٍ، وَهُوَ شِمْرٌ الّذِي بَنَى سَمَرْقَنْدَ٢، وَأَبُوهُ مَالِكٌ يُقَالُ لَهُ الْأُمْلُوكُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَبَا شِمْرٍ الْغَسّانِيّ وَالِدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ. وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الّذِي ذُكِرَ أَحْسَبُهُ عَمْرًا ذَا الْأَذْعَارِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي التّبَابِعَةِ، وَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، وَإِنّمَا جَعَلَهُمْ مَفْخَرًا لِأَبِي لَهَبٍ لِأَنّ أُمّهُ خُزَاعِيّةٌ مِنْ سَبَأٍ، وَالتّبَابِعَةُ كُلّهُمْ مِنْ حِمْيَرَ بْنِ سَبَإِ وَقَدْ تَقَدّمَ الْخِلَافُ فِي خُزَاعَةَ. وَأَبُو جَبْرٍ الّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذَا الشّعْرِ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ ذَكَرَ الْقُتَبِيّ أَنّ سُمَيّةَ

تَقَدّمَ الْخِلَافُ فِي خُزَاعَةَ. وَأَبُو جَبْرٍ الّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذَا الشّعْرِ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ ذَكَرَ الْقُتَبِيّ أَنّ سُمَيّةَ

وَأَسْعَدُ قَادَ النّاسَ عِشْرِينَ حَجّةً ... يُؤَيّدُ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ بِالنّصْرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: "أُمّك سِرّ مِنْ خُزَاعَةَ"، يَعْنِي: أَبَا لَهَبٍ أُمّهُ لُبْنَى بِنْتُ هَاجَرَ الْخُزَاعِيّ. وَقَوْلُهُ "بِإِجْرِيّا أَوَائِلُهُ" عَنْ غَيْرِ ابْن إِسْحَاق. رثاء مطرود لعبد الْمطلب وَبني عبد منَاف: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطّلِبِ وَبَنِيّ عَبْدِ مَنَافٍ: يَا أَيّهَا الرّجُلُ الْمُحَوّلُ رَحْلُهُ ... هَلّا سَأَلْت عَنْ آلِ عَبْدِ مَنَافِ هَبِلَتْك أُمّك، لَوْ حَلَلْت بِدَارِهِمْ ... ضَمِنُوك مِنْ جُرْمٍ وَمِنْ إقْرَافِ ــ أُمّ زِيَادٍ كَانَتْ لِأَبِي جَبْرٍ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، دَفَعَهَا إلَى الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الْمُتَطَبّبُ فِي طِبّ طَبّهُ. زَيْدٌ أَفْضَلُ إخْوَتِهِ: وَذَكَرَ وِلَايَةَ الْعَبّاسِ ﵁ السّقَايَةَ وَقَالَ كَانَ مِنْ أَحْدَثِ إخْوَتِهِ سِنّا، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي صِفَةِ النّبِيّ ﷺ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ قَوْمِهِ مُرُوءَةً وَهَذَا مِمّا مَنَعَهُ النّحْوِيّونَ أَنْ يُقَالَ زَيْدٌ أَفْضَلُ إخْوَتِهِ وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ وَحَسَنٌ لِأَنّ الْمَعْنَى: زَيْدٌ يَفْضُلُ إخْوَتَهُ أَوْ يَفْضُلُ قَوْمَهُ وَلِذَلِكَ سَاغَ فِيهِ التّنْكِيرُ وَإِنّمَا الّذِي يَمْتَنِعُ بِإِجْمَاعِ إضَافَةُ أَفْعَلَ إلَى التّثْنِيَةِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ هُوَ أَكْرَمُ أَخَوَيْهِ إلّا أَنْ تَقُولَ الْأَخَوَيْنِ بِغَيْرِ إضَافَةٍ١. مِنْ شَرْحِ شِعْرٍ مَطْرُودٍ: فَصْلٌ: وَذُكِرَ فِي شِعْرٍ مَطْرُودٍ:

لَ هُوَ أَكْرَمُ أَخَوَيْهِ إلّا أَنْ تَقُولَ الْأَخَوَيْنِ بِغَيْرِ إضَافَةٍ١. مِنْ شَرْحِ شِعْرٍ مَطْرُودٍ: فَصْلٌ: وَذُكِرَ فِي شِعْرٍ مَطْرُودٍ:

الْخَالِطِينَ غَنِيّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ ... حَتّى يَعُودَ فَقِيرُهُمْ كَالْكَافِي الْمُنْعِمِينَ إذَا النّجُومُ تَغَيّرَتْ ... وَالظّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْإِيلَافِ وَالْمُنْعِمِينَ إذَا الرّيَاحُ تَنَاوَحَتْ ... حَتّى تَغِيبَ الشّمْسُ فِي الرّجّافِ إمّا هَلَكْت أَبَا الْفِعَالِ فَمَا جَرَى ... مِنْ فَوْقِ مِثْلِك عِقْدُ ذَاتِ نِطَافِ ــ مَنَعُوك مِنْ جَوْرٍ وَمِنْ إقْرَافِ١ أَيْ مَنَعُوك مِنْ أَنْ تَنْكِحَ بَنَاتَك أَوْ أَخَوَاتِك مِنْ لَئِيمٍ فَيَكُونُ الِابْنُ مُقْرِفًا لِلُؤْمِ أَبِيهِ وَكَرَمِ أُمّهِ فَيَلْحَقَك وَصْمٌ مِنْ ذَلِك، وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي ... جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ أَيْ أُنْكِحَتْ لِغُرْبَتِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ. قَالَ مَبْرَمَانُ أَنْشَدَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ وَكَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمِ بِخَاءِ مُعْجَمَةِ الْأَعْلَى، وَهُوَ خَطَأٌ وَتَصْحِيفٌ وَإِنّمَا هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي تَصْحِيفَاتِ ابْنِ دُرَيْدٍ وَفِيهِ قَوْلُ الْمُفْجِعِ [الْبَصْرِيّ] رَدّا عَلَى ابْنِ دُرَيْدٍ: أَلَسْت قِدْمًا جَعَلْت تَعْتَرِقُ ... الطّرْفَ بِجَهْلِ مَكَانٍ تَغْتَرِقُ٢ وَقُلْت: كَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمٍ ... وَهُوَ حِبَاءٌ يُهْدَى، وَيُصْطَدَقُ وَذَلِك أَنّ مُهَلْهِلًا نَزَلَ فِي جَنْبٍ وَهُوَ حَيّ وَضِيعٌ مِنْ مَذْحِجَ. فَخُطِبَتْ ابْنَتُهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مَنْعَهَا، فَزَوّجَهَا، وَكَانَ نَقْدُهَا مِنْ أَدَمٍ فَأَنْشَدَ: أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي ... جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ لَوْ بِأَبَانِينَ جَاءَ خَاطِبُهَا ... ضُرّجَ مَا أَنْفُ خَاطِبِ بِدَمِ٣

إلّا أَبِيك أَخِي الْمَكَارِمِ وَحْدَهُ ... وَالْفَيْضِ مُطّلِبٍ أبي الأضياف ولَايَة الْعَبَّاس على سِقَايَة زَمْزَم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا هَلَكَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَلِيَ زَمْزَمَ وَالسّقَايَةَ عَلَيْهِمَا بَعْدَهُ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ إخْوَتِهِ سِنّا، فَلَمْ تَزَلْ إلَيْهِ حَتّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ بِيَدِهِ. فَأَقَرّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ وِلَايَتِهِ فَهِيَ إلَى آلِ الْعَبّاسِ بِوِلَايَةِ الْعَبّاسِ إيّاهَا، إلَى الْيَوْمِ. ــ وَقَوْلُهُ حَتّى تَغِيبَ الشّمْسُ بِالرّجّافِ يَعْنِي: الْبَحْرَ. لِأَنّهُ يَرْجُفُ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا: خُضَارَةُ [سُمّيَ بِذَلِك لِخُضْرَةِ مَائِهِ] . وَالدّأْمَاءُ [سُمّيَ بِذَلِكَ لِتَدَاؤُمِ أَمْوَاجِهِ أَيْ تَرَاكُمِهَا، وَتَكَسّرِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ] وَأَبُو خَالِدٍ. وَقَوْلُهُ عِقْدُ ذَاتِ نِطَافِ. النّطَفُ١ اللّؤْلُؤُ الصّافِي. وَوَصِيفَةٌ مُنَطّفَةٌ [وَمُتَنَطّفَةٌ] أَيْ مُقَرّطَةٌ بِتُومَتَيْنِ [وَالتّومَةُ اللّؤْلُؤَةُ أَوْ حَبّةٌ تُعْمَلُ مِنْ الْفِضّةِ كَالدّرّةِ] وَالنّطَفُ فِي غَيْرِ هَذَا: التّلَطّخُ بِالْعَيْبِ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَا فِي الظّاهِرِ مُتَضَادّيْنِ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنّ النّطْفَةَ هِيَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ وَقَدْ يَكُونُ الْكَثِيرَ وَكَأَنّ اللّؤْلُؤَ الصّافِيَ أُخِذَ مِنْ صَفَاءِ النّطْفَةِ. وَالنّطَفُ الّذِي هُوَ الْعَيْبُ أُخِذَ مِنْ نُطْفَةٍ الْإِنْسَانِ وَهِيَ مَاؤُهُ أَيْ كَأَنّهُ لُطّخَ بِهَا. وَقَوْلُهُ وَالْفَيْضِ مُطّلِبٍ أَبِي الْأَضْيَافِ. يُرِيدُ أَنّهُ كَانَ لِأَضْيَافِهِ كَالْأَبِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلّ جَوَادٍ أَبُو الْأَضْيَافِ. كَمَا قَالَ مُرّةُ بْنُ مَحْكَانَ [السّعْدِيّ التّمِيمِيّ سَيّدُ بَنِي رَبِيعٍ] : أُدْعَى أَبَاهُمْ وَلَمْ أَقْرِفْ بِأُمّهِمْ ... وَقَدْ عَمِرْت. وَلَمْ أَعْرِفْ لَهُمْ نَسَبًا

َانَ [السّعْدِيّ التّمِيمِيّ سَيّدُ بَنِي رَبِيعٍ] : أُدْعَى أَبَاهُمْ وَلَمْ أَقْرِفْ بِأُمّهِمْ ... وَقَدْ عَمِرْت. وَلَمْ أَعْرِفْ لَهُمْ نَسَبًا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللهَبِيّ الْعَائِفُ: فَصْلٌ: وَذُكِرَ خَبَرُ اللهَبِيّ الْعَائِفِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَهَبُ حَيّ مِنْ الْأَزْدِ: وَقَالَ غَيْرُهُ وَهُوَ لَهَبُ بْنُ أَحْجَن بْنِ كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ. وَهِيَ الْقَبِيلَةُ الّتِي تُعْرَفُ بِالْعِيَافَةِ وَالزّجْرِ١. وَمِنْهُمْ اللهَبِيّ الّذِي زَجَرَ حِينَ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ بِصَلْعَةِ عُمَرَ ﵁ فَأَدْمَتْهُ وَذَلِك فِي الْحَجّ فَقَالَ أُشْعِرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. وَاَللهِ لَا يَحُجّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ فَكَانَ كَذَلِكَ٢ وَاللهَبُ شَقّ فِي الْجَبَلِ٣ [وَالْجَمْعُ أَلْهَابٌ وَلُهُوبٌ] وَبَنُو ثُمَالَةَ رَهْطُ الْمُبَرّدِ الثّمَالِيّ هُمْ بَنُو أَسْلَمَ بْنِ أَحْجَن بْنِ كَعْب. وَثُمَالَةُ أُمّهُمْ. وَكَانَتْ الْعِيَافَةُ وَالزّجْرُ فِي لَهَبٍ قَالَ الشّاعِرُ: سَأَلْت أَخَا لَهَبٍ لِيَزْجُرَ زَجْرَةً ... وَقَدْ رُدّ زَجْرُ الْعَالَمِينَ إلَى لَهَبٍ وَقَوْلُهُ لِيَعْتَافَ لَهُمْ وَهُوَ يَفْتَعِلُ مِنْ الْعَيْفِ. يُقَالُ عِفْت الطّيْرَ. وَاعْتَفْتُهَا عِيَافَةً وَاعْتِيَافًا: وَعِفْت الطّعَامَ أَعَافُهُ عَيْفًا. وَعَافَتْ الطّيْرُ الْمَاءَ عِيَافًا.

Bagian 14 dari 85