الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya السهيلي (w. 581 H). Tahqiq: السلامي (581).

Bagian 24 dari 85 2424 halaman

— Bagian 24 · "إيّاكُمْ وَالْقُعُودُ عَلَى الصّعَدَاتِ" يُرِيد… —

Bagian 24

"إيّاكُمْ وَالْقُعُودُ عَلَى الصّعَدَاتِ" يُرِيدُ الطّرُقَ. وَالْجُرُزُ الْأَرْضُ الّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وَجَمْعُهَا: أَجْرَازٌ. وَيُقَالُ سَنَةٌ جُرُزٌ وَسُنُونَ أَجْرَازٌ وَهِيَ الّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا مَطَرٌ وَتَكُونُ فِيهَا جُدُوبَةٌ وَيُبْسٌ وَشِدّةٌ. قَالَ ذُو الرّمّةِ يَصِفُ إبِلًا: طَوَى النّحْزُ وَالْأَجْرَازُ مَا فِي بُطُونِهَا ... فَمَا بَقِيَتْ إلّا الضّلُوعُ الْجَرَاشِعُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قصيدة لَهُ. مَا أنزل الله تَعَالَى فِي قصَّة أَصْحَاب الْكَهْفِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ اسْتَقْبَلَ قِصّةَ الْخَبَرِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ شَأْنِ الْفِتْيَةِ فَقَالَ: ــ الْأَشْغَانِيّةُ مَعَ مُلُوكِ الطّوَائِفِ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ عَامًا، وَقِيلَ أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الطّبَرِيّ، وَقَوْلُ الْمَسْعُودِيّ: خَمْسِمِائَةٍ وَعَشْرِ سِنِينَ فِي خِلَالِ أَمْرِهِمْ بَعَثَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، ثُمّ كَانَتْ السّاسَانِيّةُ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ مُلْكًا حَتّى قَامَ الْإِسْلَامُ فَفَضّ خِدْمَتَهُمْ. وَخَضّدَ شَوْكَتَهُمْ وَهَدَمَ هَيَاكِلَهُمْ وَأَطْفَأَ نِيرَانَهُمْ الّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ وَذَلِكَ كُلّهُ فِي خلَافَة عمر ﵁. عَنْ سُورَتَيْ الْكَهْفِ وَالْفُرْقَانِ - سَبَبُ نُزُولِ الْكَهْفِ فَصْلٌ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ إرْسَالَ قُرَيْشٍ النّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إلَى يَهُودَ وَمَا رَجَعَا بِهِ مِنْ عِنْدِهِمْ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النّبِيّ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْأُمُورِ الثّلَاثَةِ الّتِي قَالَتْ الْيَهُودُ: إنْ أَخْبَرَكُمْ بِهَا فَهُوَ نَبِيّ وَإِلّا فَهُوَ مُتَقَوّلٌ فَقَالَ لَهُمْ سَأُخْبِرُكُمْ غَدًا، وَلَمْ يَقُلْ إنْ شَاءَ اللهُ فَأَبْطَأَ عَنْهُ الْوَحْيُ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَفِي سِيَرِ التّيْمِيّ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنّ الْوَحْيَ إنّمَا أَبْطَأَ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ ثُمّ جَاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ الْكَهْفِ.

ًا، وَفِي سِيَرِ التّيْمِيّ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنّ الْوَحْيَ إنّمَا أَبْطَأَ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ ثُمّ جَاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ الْكَهْفِ.

﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ أَيْ قَدْ كَانَ مِنْ آيَاتِي فِيمَا وَضَعْت عَلَى الْعِبَادِ مِنْ حُجَجِي مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ. ــ لِمَ قَدّمَ الْحَمْدَ عَلَى الْكِتَابِ؟! وَذَكَرَ افْتِتَاحَ الرّبّ سُبْحَانَهُ بِحَمْدِ نَفْسِهِ وَذَكَرَ نُبُوّةَ نَبِيّهِ حَمْدُهُ لِنَفْسِهِ تَعَالَى خَبَرٌ بَاطِنُهُ الْأَمْرُ وَالتّعْلِيمُ لِعَبْدِهِ كَيْفَ يَحْمَدُهُ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَاقْتَضَتْ الْحَالُ الْوُقُوفَ عَنْ تَسْمِيَتِهِ وَالْعِبَارَاتُ عَنْ جَلَالِهِ لِقُصُورِ كُلّ عِبَارَةٍ عَمّا هُنَالِكَ مِنْ الْجَلَالِ وَأَوْصَافِ الْكَمَالِ وَلَمَا كَانَ الْحَمْدُ وَاجِبًا عَلَى الْعَبْدِ قُدّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِيَقْتَرِنَ فِي اللّفْظِ بِالْحَمْدِ الّذِي هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلِيَسْتَشْعِرَ الْعَبْدُ وُجُوبَ الْحَمْدِ عَلَيْهِ وَفِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ قَالَ ﴿تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ وَبَدَأَ بِذِكْرِ الْفُرْقَانِ الّذِي هُوَ الْكِتَابُ الْمُبَارَكُ. قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الْأَنْعَام:٩٢] فَلَمّا افْتَتَحَ السّورَةَ ب ﴿تَبَارَكَ الّذِي﴾ بَدَأَ بِذِكْرِ الْفُرْقَانِ وَهُوَ الْكِتَابُ الْمُبَارَكُ ثُمّ قَالَ ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ فَانْظُرْ إلَى تَقْدِيمِ ذِكْرِ عَبْدِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَتَقْدِيمِ ذِكْرِ الْكِتَابِ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَشَاكُلِ اللّفْظِ وَالْتِئَامِ الْكَلَامِ نَرَى الْإِعْجَازَ ظَاهِرًا، وَالْحِكْمَةَ بَاهِرَةً وَالْبُرْهَانَ وَاضِحًا، وَأَنْشَدَ لِذِي الرّمّةِ. شَرْحُ شَوَاهِدَ شِعْرِيّةٍ: كَأَنّهُ بِالضّحَى تَرْمِي الصّعِيدَ بِهِ ... دَبّابَةٌ فِي عِظَامِ الرّأْسِ خُرْطُومُ

ضِحًا، وَأَنْشَدَ لِذِي الرّمّةِ. شَرْحُ شَوَاهِدَ شِعْرِيّةٍ: كَأَنّهُ بِالضّحَى تَرْمِي الصّعِيدَ بِهِ ... دَبّابَةٌ فِي عِظَامِ الرّأْسِ خُرْطُومُ يَصِفُ وَلَدَ الظّبْيَةِ: وَالْخُرْطُومُ: مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ أَيْ كَأَنّهُ مِنْ نَشَاطِهِ دَبّتْ الْخَمْرُ فِي رَأْسِهِ. وَأَنْشَدَ لَهُ أَيْضًا:

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالرّقِيمُ: الْكِتَابُ الّذِي رُقِمَ فِيهِ بِخَبَرِهِمْ وَجَمْعُهُ رُقُمٌ. قَالَ الْعَجّاجُ: وَمُسْتَقَرّ الْمُصْحَفِ الْمُرَقّمِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. ــ طَوَى النّحْزُ وَالْأَجْرَازُ. الْبَيْتَ. وَالنّحْزُ النّخْسُ وَالنّحَازُ دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ وَالنّحِيزَةُ الْغَرِيزَةُ وَالنّحِيزَةُ نَسِيجَةٌ كَالْحِزَامِ وَالضّلُوعُ الْجَرَاشِعُ. هُوَ جَمْعُ جُرْشُعٍ. قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ. الْجُرْشُعُ الْعَظِيمُ الصّدْرُ فَمَعْنَاهُ إِذا فِي الْبَيْتِ عَلَى هَذَا: الضّلُوعُ مِنْ الْهُزَالِ قَدْ نَتَأَتْ وَبَرَزَتْ كَالصّدْرِ الْبَارِزِ. الرّقِيمُ وَأَهْلُ الْكَهْفِ:

ُ فَمَعْنَاهُ إِذا فِي الْبَيْتِ عَلَى هَذَا: الضّلُوعُ مِنْ الْهُزَالِ قَدْ نَتَأَتْ وَبَرَزَتْ كَالصّدْرِ الْبَارِزِ. الرّقِيمُ وَأَهْلُ الْكَهْفِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ الرّقِيمَ وَفِيهِ سِوَى مَا قَالَهُ أَقْوَالٌ. رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنّهُ قَالَ "الرّقِيمُ: الْكَلْبُ" وَعَنْ كَعْبٍ أَنّهُ قَالَ هُوَ اسْمُ الْقَرْيَةِ الّتِي خَرَجُوا مِنْهَا، وَقِيلَ هُوَ اسْمُ الْوَادِي وَقِيلَ هُوَ صَخْرَةٌ وَيُقَالُ لَوْحٌ كُتِبَ فِيهِ أَسْمَاؤُهُمْ وَدِينُهُمْ وَقِصّتُهُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلّ الْقُرْآنِ أَعْلَمُ إلّا الرّقِيمَ وَالْغِسْلِينَ وَحَنَانًا وَالْأَوّاهَ وَقَدْ ذُكِرَتْ أَسْمَاؤُهُمْ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَهِيَ مَلِيخًا، كسليما، مرطوش بْنِ أَنَسٍ أريطانس، أَيُونُسُ شاطيطوش. وَقِيلَ فِي اسْمِ مَدِينَتِهِمْ أفوس، وَاخْتُلِفَ فِي بَقَائِهِمْ إلَى الْآنِ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُمْ بَلْ صَارُوا تُرَابًا قَبْلَ مَبْعَثِ النّبِيّ ﷺ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْأَخْبَارِ غَيْرَ هَذَا، وَأَنّ الْأَرْضَ لَمْ تَأْكُلْهُمْ وَلَمْ تُغَيّرْهُمْ وَأَنّهُمْ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ الْقُسْطَنْطِينِيَّة، فَاَللهُ أَعْلَمُ. رُوِيَ أَنّهُمْ

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقّ﴾ أَيْ بِصِدْقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ. ﴿إِنّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبّنَا رَبّ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أَيْ لَمْ يُشْرِكُوا بِي كَمَا أَشْرَكْتُمْ بِي مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ. ــ سَيَحُجّونَ الْبَيْتَ إذَا نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. أَلْفَيْت هَذَا الْخَبَرَ فِي كِتَابِ الْبَدْءِ لِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ. إعْرَابُ أَحْصَى وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٢] قَدْ أَمْلَيْنَا فِي إعْرَابِ هَذِهِ الْآيَةِ نَحْوًا مِنْ كُرّاسَةٍ وَذَكَرْنَا مَا وَهَمَ فِيهِ الزّجّاجُ مِنْ إعْرَابِهَا ; حَيْثُ جَعَلَ أَحْصَى اسْمًا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ وَأَمَدًا: تَمْيِيزٌ وَهَذَا لَا يَصِحّ ; لِأَنّ التّمْيِيزَ هُوَ الْفَاعِلُ فِي الْمَعْنَى، فَإِذَا قُلْت: أَيّهُمْ أَعْلَمُ أَبًا، فَالْأَبُ هُوَ الْعَالِمُ وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت أَيّهُمْ أَفْرَهُ عَبْدًا، فَالْعَبْدُ هُوَ الْفَارِهُ فَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ إِذا أَنْ يَكُونَ الْأَمَدُ فَاعِلًا بِالْإِحْصَاءِ وَهَذَا مُحَالٌ بَلْ هُوَ مَفْعُولٌ وَأَحْصَى: فِعْلٌ مَاضٍ وَهُوَ النّاصِبُ لَهُ وَذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ الْإِمْلَاءِ أَنّ أَيّهمْ قَدْ يَجُوزُ فِيهِ النّصْبُ بِمَا قَبْلَهُ إذَا جَعَلْته خَبَرًا، وَذَلِكَ عَلَى شُرُوطٍ بَيّنّاهَا هُنَالِكَ لِمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، أَيْ وَمَوَاضِعَهَا،

بِمَا قَبْلَهُ إذَا جَعَلْته خَبَرًا، وَذَلِكَ عَلَى شُرُوطٍ بَيّنّاهَا هُنَالِكَ لِمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، أَيْ وَمَوَاضِعَهَا، وَكَشَفْنَا أَسْرَارَهَا. عَنْ الضّرْبِ وَتَزَاوُرِ الشّمْسِ وَفَائِدَةِ الْقِصّةِ: وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الْكَهْف: ١١] أَيْ أَنِمْنَاهُمْ وَإِنّمَا قِيلَ

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالشّطَطُ الْغُلُوّ وَمُجَاوَزَةُ الْحَقّ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: لَا يَنْتَهُونَ وَلَا يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ... كَالطّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزّيْتُ وَالْفُتُلُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيّنٍ﴾ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ بِحُجّةِ بَالِغَةٍ. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلّا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا وَتَرَى الشّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمَالِ ــ فِي النّائِمِ ضُرِبَ عَلَى أُذُنِهِ لِأَنّ النّائِمَ يَنْتَبِهُ مِنْ جِهَةِ السّمْعِ وَالضّرْبُ هُنَا مُسْتَعَارٌ مِنْ ضَرَبْت الْقُفْلَ عَلَى الْبَابِ وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الْكَهْف: ١٧] الْآيَةَ.

ا مُسْتَعَارٌ مِنْ ضَرَبْت الْقُفْلَ عَلَى الْبَابِ وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الْكَهْف: ١٧] الْآيَةَ. وَقِيلَ فِي ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تُحَاذِيهِمْ وَقِيلَ تَتَجَاوَزُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ الْقَرْضِ وَهُوَ الْقَطْعُ أَيْ تَقْطَعُ مَا هُنَالِكَ مِنْ الْأَرْضِ وَهَذَا كُلّهُ شَرْحُ اللّفْظِ وَأَمّا فَائِدَةُ الْمَعْنَى، فَإِنّهُ بَيّنٌ أَنّهُمْ فِي مَقْنُوَةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الشّمْسُ فَتُحْرِقُهُمْ وَتُبْلِي ثِيَابَهُمْ وَيُقَلّبُونَ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشّمَالِ. لِئَلّا تَأْكُلَهُمْ الْأَرْضُ وَالْفَائِدَةُ الْعُظْمَى فِي هَذِهِ الصّفَةِ بَيَانُ كَيْفِيّةِ حَالِهِمْ فِي الْكَهْفِ، وَحَالِ كَلْبِهِمْ وَأَيْنَ هُوَ مِنْ الْكَهْفِ، وَأَنّهُ بِالْوَصِيدِ مِنْهُ وَأَنّ بَابَ الْكَهْفِ إلَى جِهَةِ الشّمَالِ لِلْحِكْمَةِ الّتِي تَقَدّمَتْ وَأَنّ هَذَا الْبَيَانَ لَا يَكَادُ يَعْرِفُهُ مَنْ رَآهُمْ فَإِنّ الْمُطَلّعَ عَلَيْهِمْ يُمْلَأُ مِنْهُمْ رُعْبًا، فَلَا يُمْكِنُهُ تَأَمّلُ هَذِهِ الدّقَائِقِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَالنّبِيّ ﵇ لَمْ يَرَهُمْ قَطّ، وَلَا سَمِعَ بِهِمْ وَلَا قَرَأَ كِتَابًا فِيهِ صِفَتُهُمْ لِأَنّهُ أُمّيّ فِي أُمّةٍ أُمَيّةٍ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِبَيَانِ لَا يَأْتِي بِهِ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِمْ حَتّى إنّ كَلْبَهُمْ قَدْ ذُكِرَ وَذُكِرَ مَوْضِعُهُ وَبَسْطُهُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ وَهُمْ فِي الْفَجْوَةِ وَفِي هَذَا كُلّهِ بُرْهَانٌ عَظِيمٌ عَلَى نُبُوّتِهِ وَدَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِدْقِهِ وَأَنّهُ غَيْرُ مُتَقَوّلٍ كَمَا زَعَمُوا، فَقِفْ بِقَلْبِك عَلَى مَضْمُونِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَالْمُرَادُ بِهَا تُعْصَمْ إنْ

وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الْكَهْف:٩-١٧] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَزَاوَرُ تَمِيلُ وَهُوَ مِنْ الزّوَرِ وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حَجَرٍ: وَإِنّي زَعِيمٌ إنْ رَجَعْت مُمَلّكًا ... بِسَيْرِ تَرَى مِنْهُ الْفُرَانِقَ أَزْوَرَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو الزّحْفِ الْكُلَيْبِيّ يَصِفُ بَلَدًا: جَأْبُ الْمُنَدّى عَنْ هَوَانَا أَزْوَرُ ... يُنْضِي الْمَطَايَا خِمْسُهُ الْعَشَنْزَرُ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وتَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمَالِ تُجَاوِزُهُمْ ــ شَاءَ اللهُ مِمّا وَقَعَتْ فِيهِ الْمُلْحِدَةُ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَقَوْلِهِمْ أَيّ فَائِدَةٍ فِي أَنْ تَكُونَ الشّمْسُ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ وَهَكَذَا هُوَ كُلّ بَيْتٍ يَكُونُ فِي مَقْنُوَةٍ أَيْ بَابُهُ لِجِهَةِ الشّمَالِ فَنَبّهَ أَهْلُ الْمَعَانِي عَلَى الْفَائِدَةِ الْأُولَى الْمُنْبِئَةِ عَنْ لُطْفِ اللهِ بِهِمْ حَيْثُ جَعَلَهُمْ فِي مَقْنُوَةٍ تَزَاوَرُ عَنْهُمْ الشّمْسُ فَلَا تُؤْذِيهِمْ فَقَالَ لِمَنْ اقْتَصَرَ مِنْ أَهْلِ التّأْوِيلِ عَلَى هَذَا: فَمَا فِي ذِكْرِ الْكَلْبِ وَبَسْطِ ذِرَاعَيْهِ مِنْ الْفَائِدَةِ وَمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى اللّطْفِ بِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتْرُكْ مِنْ بَيَانِ حَالِهِمْ شَيْئًا، حَتّى ذَكَرَ حَالَ كَلْبِهِمْ مَعَ أَنّ تَأَمّلَهُمْ مُتَعَذّرٌ عَلَى مَنْ اطّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ الرّعْبِ فَكَيْفَ مَنْ لَمْ يَرَهُمْ وَلَا سَمِعَ بِهِمْ لَوْلَا الْوَحْيُ الّذِي جَاءَهُ مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ بِالْبَيَانِ الْوَاضِحِ الشّافِي، وَالْبُرْهَانِ الْكَافِي، وَالرّعْبِ الّذِي كَانَ يَلْحَقُ الْمُطَلّعَ عَلَيْهِمْ قِيلَ كَانَ مِمّا طَالَتْ شُعُورُهُمْ وَأَظْفَارُهُمْ. وَمِنْ الْآيَاتِ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الْكَهْف:١٧] أَيْ فِي فَضَاءٍ وَمَعَ أَنّهُمْ فِي فَضَاءٍ مِنْهُ فَلَا تُصِيبُهُمْ الشّمْسُ.

هِ الْقِصّةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الْكَهْف:١٧] أَيْ فِي فَضَاءٍ وَمَعَ أَنّهُمْ فِي فَضَاءٍ مِنْهُ فَلَا تُصِيبُهُمْ الشّمْسُ. قَالَ ابْنُ سَلّامٍ فَهَذِهِ آيَةٌ. قَالَ وَكَانُوا يُقَلّبُونَ فِي السّعَةِ مَرّتَيْنِ وَمِنْ فَوَائِدِ الْآيَةِ أَنّهُ أَخْرَجَ الْكَلْبَ عَنْ التّقْلِيبِ فَقَالَ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ وَمَعَ أَنّهُ كَانَ لَا يُقَلّبُ لَمْ تَأْكُلْهُ الْأَرْضُ لِأَنّ التّقْلِيبَ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْمَلَائِكَةِ بِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ أَوْلِيَاءُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَالْكَلْبُ خَارِجٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. أَلَا تَرَاهُ كَيْفَ قَالَ:

وَتَتْرُكُهُمْ عَنْ شِمَالِهَا. قَالَ ذُو الرّمّةِ: إلَى ظُعُنٍ يُقْرِضْنَ أَفْوَازَ مُشْرِفٍ ... شِمَالًا وَعَنْ أَيْمَانِهِنّ الْفَوَارِسُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْفَجْوَةُ السّعَةُ وَجَمْعُهَا: الْفِجَاءُ قَالَ الشّاعِرُ أَلْبَسْت قَوْمَك مَخْزَاةً وَمَنْقَصَةً ... حَتّى أُبِيحُوا، وَخَلّوْا فَجْوَةَ الدّارِ ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الْأَعْرَاف:٢٦] أَيْ فِي الْحُجّةِ عَلَى مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمّنْ أَمَرَ هَؤُلَاءِ بِمَسْأَلَتِك عَنْهُمْ فِي صِدْقِ نُبُوّتِك بِتَحْقِيقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُرْشِدًا وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَصِيدُ الْبَابُ. قَالَ الْعَبْسِيّ، وَاسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ لَا يُسَدّ وَصِيدُهَا ... عَلَيّ وَمَعْرُوفِي بِهَا غَيْرُ مُنْكَرِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَالْوَصِيدُ أَيْضًا: الْفِنَاءُ وَجَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ وَوُصْدَانٌ وَأُصُدٌ وَأُصْدَانٌ.

َيْرُ مُنْكَرِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَالْوَصِيدُ أَيْضًا: الْفِنَاءُ وَجَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ وَوُصْدَانٌ وَأُصُدٌ وَأُصْدَانٌ. ﴿لَوِ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ إلَى قَوْلِهِ ــ بِالْوَصِيدِ أَيْ بِفَنَاءِ الْغَارِ لَا دَاخِلًا مَعَهُمْ لِأَنّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ فَهَذِهِ فَوَائِدُ جُمّةٌ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا هَذَا الْكَلَامُ. قَالَ ابْنُ سَلّامٍ وَإِنّمَا كَانُوا يُقَلّبُونَ فِي الرّقْدَةِ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يُبْعَثُوا. الْمُتَنَازِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ: فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ ﴿قَالَ الّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِمْ

﴿قَالَ الّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ أَهْلُ السّلْطَانِ وَالْمُلْكِ مِنْهُمْ ﴿لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ﴿سَيَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: أَحْبَارَ يَهُودَ الّذِينَ أَمَرُوهُمْ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أَيْ لَا عِلْمَ لَهُمْ ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبّي أَعْلَمُ بِعِدّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلّا مِرَاءً ــ مَسْجِدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٢١] وَقَالَ يَعْنِي أَصْحَابَ السّلْطَانِ فَاسْتَدَلّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ ﴿لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ . وَذَكَرَ الطّبَرِيّ أَنّ أَهْلَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ تَنَازَعُوا قَبْلَ مَبْعَثِهِمْ فِي الْأَجْسَادِ وَالْأَرْوَاحِ. كَيْفَ تَكُونُ إعَادَتُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ قَوْمٌ تُعَادُ الْأَجْسَادُ كَمَا كَانَتْ بِأَرْوَاحِهَا، كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ وَقَالُوا: تُبْعَثُ الْأَرْوَاحُ دُونَ الْأَجْسَادِ كَمَا يَقُولُهُ النّصَارَى، وَشَرِيَ بَيْنَهُمْ الشّرّ، وَاشْتَدّ الْخِلَافُ وَاشْتَدّ عَلَى مَلِكِهِمْ مَا نَزَلَ بِقَوْمِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَبِسَ الْمُسُوحَ وَافْتَرَشَ الرّمَادَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْبُكَاءِ وَالتّضَرّعِ إلَى اللهِ أَنْ يُرِيَهُ الْفَصْلَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَأَحْيَا اللهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ عِنْدَ ذَلِكَ فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ مَا عُرِفَ وَشُهِرَ فَقَالَ الْمَلِكُ لِقَوْمِهِ هَذِهِ آيَةٌ أَظْهَرَهَا اللهُ لَكُمْ لِتَتّفِقُوا، وَتَعْلَمُوا أَنّ اللهَ ﷿ كَمَا أَحْيَا هَؤُلَاءِ وَأَعَادَ أَرْوَاحَهُمْ إلَى أَجْسَادِهِمْ فَكَذَلِكَ يُعِيدُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا بَدَأَهُمْ فَرَجَعَ الْكُلّ إلَى مَا قَالَهُ الْمَلِكُ وَعَلِمُوا أَنّهُ الْحَقّ. عَنْ وَاوِ الثّمَانِيَةِ:

عِيدُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا بَدَأَهُمْ فَرَجَعَ الْكُلّ إلَى مَا قَالَهُ الْمَلِكُ وَعَلِمُوا أَنّهُ الْحَقّ. عَنْ وَاوِ الثّمَانِيَةِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الْكَهْف:٢٢] قَدْ أَفْرَدْنَا لِلْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْوَاوِ الّتِي يُسَمّيهَا بَعْضُ النّاسِ وَاوَ

ظَاهِرًا﴾ أَيْ لَا تُكَابِرْهُمْ. ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فَإِنّهُمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِمْ. ﴿وَلَا تَقُولَنّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أَيْ وَلَا تَقُولَن لِشَيْءِ سَأَلُوك عَنْهُ كَمَا قُلْت ــ الثّمَانِيَةِ بَابًا طَوِيلًا، وَاَلّذِي يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ تَعْلَمَ أَنّ هَذِهِ الْوَاوَ تَدُلّ عَلَى تَصْدِيقِ الْقَائِلِينَ لِأَنّهَا عَاطِفَةٌ عَلَى كَلَامٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ وَذَلِكَ أَنّ قَائِلًا لَوْ قَالَ إنّ زَيْدًا شَاعِرٌ فَقُلْت لَهُ وَفَقِيهٌ كُنْت قَدْ صَدّقْته، كَأَنّك قُلْت: نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ وَفَقِيهٌ أَيْضًا، وَفِي الْحَدِيثِ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيُتَوَضّأُ بِمَا أفضلت الْحمر فَقَالَ "وَبِمَا أَفْضَلَتْ السّبَاعُ". يُرِيدُ نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتْ السّبَاعُ. خَرّجَهُ الدّارَقُطْنِيّ. وَفِي التّنْزِيلِ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ [الْبَقَرَةِ ١٢٦] هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَهُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ﴾ فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الْكَهْف: ٢٢] وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ وَرَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ لِأَنّهُ فِي مَوْضِعِ النّعْتِ لِمَا قَبْلَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْقِصّةِ.

َنّهُ فِي مَوْضِعِ النّعْتِ لِمَا قَبْلَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْقِصّةِ. آيَةُ الِاسْتِثْنَاءِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنّ لِشَيْءٍ﴾ وَفَسّرَهُ فَقَالَ أَيْ اسْتَثْنِ شِيئَةَ اللهِ. الشّيئَةُ مَصْدَرُ شَاءَ يَشَاءُ كَمَا أَنّ الْخِيفَةَ مَصْدَرُ خَافَ يَخَافُ وَلَكِنّ هَذَا التّفْسِيرَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الْمَعْنَى، فَلَفْظُ الْآيَةِ مُشْكِلٌ جِدّا ; لِأَنّ

فِي هَذَا: إنّي مُخْبِرُكُمْ غَدًا. وَاسْتَثْنِ مَشِيئَةَ اللهِ ﴿وَاذْكُرْ رَبّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبّي﴾ لِخَيْرِ مِمّا سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ رَشَدًا، فَإِنّك لَا تَدْرِي مَا أَنَا صَانِعٌ فِي ذَلِكَ ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا﴾ أَيْ سَيَقُولُونَ ذَلِكَ. ﴿قُلِ اللهُ ــ قَوْلَهُ. ﴿وَلَا تَقُولَنّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٢٣] نَهَى عَنْ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْكَلَامَ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ أَنْ يَصِلَهُ بِإِلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ فَيَكُونُ الْعَبْدُ الْمَنْهِيّ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ مَنْهِيّا أَيْضًا عَنْ أَنْ يَصِلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ هَذَا مُحَالٌ فَقَوْلُهُ إِذا: ﴿إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ اللهِ رَاجِعٌ إلَى أَوّلِ الْكَلَامِ وَهَذَا أَيْضًا إذَا تَأَمّلْته نَقْضٌ لِعَزِيمَةِ النّهْيِ وَإِبْطَالٌ لِحُكْمِهِ فَإِنّ السّيّدَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ لَا تَقُمْ إلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ أَنْ تَقُومَ فَقَدْ حَلّ عُقْدَةَ النّهْيِ لِأَنّ مَشِيئَةَ اللهِ لِلْفِعْلِ لَا تُعْلَمُ إلّا بِالْفِعْلِ فَلِلْعَبْدِ إِذا أَنْ يَقُومَ وَيَقُولَ قَدْ شَاءَ اللهُ أَنْ نَقُومَ فَلَا يَكُونُ لِلنّهْيِ مَعْنًى عَلَى هَذَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ رَدّ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى النّهْيِ وَلَا هُوَ مِنْ الْكَلَامِ الّذِي نَهَى الْعَبْدَ عَنْهُ فَقَدْ تَبَيّنَ إشْكَالُهُ وَالْجَوَابُ أَنّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا وَإِضْمَارًا تَقْدِيرُهُ وَلَا تَقُولَن: إنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا ذَاكِرًا إلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ،

هُ وَالْجَوَابُ أَنّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا وَإِضْمَارًا تَقْدِيرُهُ وَلَا تَقُولَن: إنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا ذَاكِرًا إلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، أَوْ نَاطِقًا بِأَنْ يَشَاءَ اللهُ وَمَعْنَاهُ إلّا ذَاكِرًا شِيئَةَ اللهِ كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ ; لِأَنّ الشّيئَةَ مَصْدَرٌ وَأَنْ مَعَ الْفِعْلِ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ وَإِعْرَابُ ذَلِكَ الْمَصْدَرِ مَفْعُولٌ بِالْقَوْلِ الْمُضْمَرِ وَالْعَرَبُ تَحْذِفُ الْقَوْلَ وَتَكْتَفِي بِالْمَقُولِ فَفِي التّنْزِيلِ ﴿فَأَمّا الّذِينَ اسْوَدّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٦] أَيْ يُقَالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ فَحُذِفَ الْقَوْلُ وَبَقِيَ الْكَلَامُ الْمَقُولُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرّعْدِ ٢٤] أَيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَهُوَ كَثِيرٌ وَكَذَلِكَ إِذا قَوْلُهُ ﴿إلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ هِيَ مِنْ كَلَامِ النّاهِي لَهُ سُبْحَانَهُ ثُمّ أَضْمَرَ الْقَوْلَ وَهُوَ الذّكْرُ الّذِي قَدّمْنَاهُ وَبَقِيَ الْمَقُولُ وَهُوَ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي فِي هَذَا الْمَقَامِ وَإِنْ كَانَ فِي الْآيَةِ مِنْ الْبَسْطِ وَالتّفْتِيشِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ: فَصْلٌ: وَفْد فَسّرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ [الْكَهْف: ٢٥] فَقَالَ مَعْنَاهُ

أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ: فَصْلٌ: وَفْد فَسّرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ [الْكَهْف: ٢٥] فَقَالَ مَعْنَاهُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَيْ سَيَقُولُونَ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَدُ التّأْوِيلَاتِ فِيهَا. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَرَأَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَقَالُوا: لَبِثُوا، بِزِيَادَةِ قَالُوا. ثُمّ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قُلْ رَبّي أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ الْمُؤَلّفِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنّمَا التّلَاوَةُ ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الْكَهْف: ٢٦] وَقَدْ قِيلَ إنّهُ إخْبَارٌ مِنْ اللهِ تَعَالَى عَنْ مِقْدَارِ لُبْثِهِمْ وَلَكِنْ لَمّا عَلِمَ اسْتِبْعَادَ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفّارِ لِهَذَا الْمِقْدَارِ وَعَلِمَ أَنّ فِيهِ تَنَازُعًا بَيْنَ النّاسِ فَمِنْ ثَمّ قَالَ ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ وَقَوْلِهِ ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الْكَهْف: ٢٥] أَيْ إنّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ بِحِسَابِ الْعَجَمِ، وَإِنْ حُسِبَتْ الْأَهِلّةُ فَقَدْ زَادَ الْعَدَدُ تِسْعًا،

ِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الْكَهْف: ٢٥] أَيْ إنّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ بِحِسَابِ الْعَجَمِ، وَإِنْ حُسِبَتْ الْأَهِلّةُ فَقَدْ زَادَ الْعَدَدُ تِسْعًا، لِأَنّ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ بِحِسَابِ الشّمْسِ تَزِيدُ تِسْعَ سِنِينَ بِحِسَابِ الْقَمَرِ فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ قَالَ ثَلَاثِمِائَةٍ سِنِينَ وَلَمْ يَقُلْ سَنَةً وَهُوَ قِيَاسُ الْعَدَدِ فِي الْعَرَبِيّةِ لِأَنّ الْمِائَةَ تُضَافُ إلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ فَالْجَوَابُ أَنّ سِنِينَ فِي الْآيَةِ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ لَيْسَ عَلَى حَدّ الْإِضَافَةِ وَلَا التّمْيِيزِ وَلِحِكْمَةِ عَظِيمَةٍ عُدِلَ بِاللّفْظِ عَنْ الْإِضَافَةِ إلَى الْبَدَلِ وَذَلِكَ أَنّهُ لَوْ قَالَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ لَكَانَ الْكَلَامُ كَأَنّهُ جَوَابٌ لِطَائِفَةِ وَاحِدَةٍ مِنْ النّاسِ وَالنّاسُ فِيهِمْ طَائِفَتَانِ طَائِفَةٌ عَرَفُوا طُولَ لُبْثِهِمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا كَمّيّةَ السّنِينَ فَعَرّفَهُمْ أَنّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَطَائِفَةٌ لَمْ يَعْرِفُوا طُولَ لُبْثِهِمْ وَلَا شَيْئًا مِنْ خَبَرِهِمْ فَلَمّا قَالَ ثَلَاثَمِائَةِ مُعَرّفًا لِلْأَوّلِينَ بِالْكَمّيّةِ الّتِي شَكّوا فِيهَا، مُبَيّنًا لِلْآخَرِينَ أَنّ هَذِهِ الثّلَاثَمِائَةِ سُنُونَ وَلَيْسَتْ أَيّامًا وَلَا شُهُورًا، فَانْتَظَمَ الْبَيَانُ لِلطّائِفَتَيْنِ مِنْ ذِكْرِ الْعَدَدِ وَجَمْعِ الْمَعْدُودِ وَتَبَيّنَ أَنّهُ بَدَلٌ إذْ

أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الْكَهْف:١-٢٦] أَيْ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا سألوك عَنهُ. ــ الْبَدَلُ يُرَادُ بِهِ تَبْيِينُ مَا قَبْلَهُ أَلَا تَرَى أَنّ الْيَهُودَ قَدْ كَانُوا عَرَفُوا أَنّ لِأَصْحَابِ الْكَهْفِ نَبَأً عَجِيبًا، وَلَمْ يَكُنْ الْعَجَبُ إلّا مِنْ طُولِ لُبْثِهِمْ غَيْرَ أَنّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ أَوْ أَقَلّ، فَأَخْبَرَ أَنّ تِلْكَ السّنِينَ ثَلَاثُمِائَةٍ ثُمّ لَوْ وَقَفَ الْكَلَامُ هَهُنَا لَقَالَتْ الْعَرَبُ، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِخَبَرِهِمْ مَا هَذِهِ الثّلَاثُمِائَةِ؟ فَقَالَ كَالْمُبَيّنِ لَهُمْ سِنِينَ وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا التّفْسِيرِ عَنْ الضّحّاكِ، ذَكَرَهُ النّحّاسُ. السّنَةُ وَالْعَامُ: فَصْلٌ: وَقَالَ سِنِينَ وَلَمْ يَقُلْ أَعْوَامًا، وَالسّنَةُ وَالْعَامُ وَإِنْ اتّسَعَتْ الْعَرَبُ فِيهِمَا، وَاسْتَعْمَلَتْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ اتّسَاعًا، وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ وَالْعِلْمِ بِتَنْزِيلِ الْكَلَامِ فَرْقًا، فَخُذْهُ أَوّلًا مِنْ الِاشْتِقَاقِ فَإِنّ السّنَةَ مِنْ سَنَا يَسْنُو إذَا دَارَ حَوْلَ الْبِئْرِ وَالدّابّةُ هِيَ السّانِيَةُ فَكَذَلِكَ السّنَةُ دَوْرَةٌ مِنْ دَوْرَاتِ الشّمْسِ وَفْد تُسَمّى السّنَةُ دَارًا، فَفِي الْخَبَرِ: إنّ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ أَلْفَ دَارٍ أَيْ أَلْفَ سَنَةٍ هَذَا أَصْلُ الِاسْمِ وَمِنْ ثَمّ قَالُوا: أَكَلَتْهُمْ السّنَةُ فَسَمّوْا شِدّةَ الْقَحْطِ سَنَةً قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ ١٣٠] وَمِنْ ثَمّ قِيلَ أَسْنَتَ الْقَوْمُ إذَا أَقْحَطُوا، وَكَأَنّ وَزْنَهُ أَفْعَتُوا، لَا أَفْعَلُوا، كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ سِيبَوَيْهِ التّاءَ بَدَلًا مِنْ الْوَاوِ فَهِيَ عِنْدَهُ أَفْعَلُوا،

َكَأَنّ وَزْنَهُ أَفْعَتُوا، لَا أَفْعَلُوا، كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ سِيبَوَيْهِ التّاءَ بَدَلًا مِنْ الْوَاوِ فَهِيَ عِنْدَهُ أَفْعَلُوا، لِأَنّ الْجُدُوبَةَ وَالْخِصْبَ مُعْتَبَرٌ بِالشّتَاءِ وَالصّيْفِ وَحِسَابُ الْعَجَمِ إنّمَا هُوَ بِالسّنِينَ الشّمْسِيّةِ بِهَا يُؤَرّخُونَ وَأَصْحَابُ الْكَهْفِ مِنْ أُمّةٍ عَجَمِيّةٍ وَالنّصَارَى يَعْرِفُونَ حَدِيثَهُمْ وَيُؤَرّخُونَ بِهِ فَجَاءَ اللّفْظُ فِي الْقُرْآنِ بِذِكْرِ السّنِينَ الْمُوَافِقَةِ لِحِسَابِهِمْ وَتَمّمَ الْفَائِدَةَ بِقَوْلِهِ ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ لِيُوَافِقَ حِسَابَ الْعَرَبِ، فَإِنّ حِسَابَهُمْ بِالشّهُورِ الْقَمَرِيّةِ كَالْمُحَرّمِ وَصَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا إلَى قَوْلِهِ:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يُوسُفَ ٤٧] الْآيَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَعْوَامًا، نَفْيُهُ شَاهِدٌ لِمَا تَقَدّمَ غَيْرَ أَنّهُ قَالَ ﴿ثُمّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ وَلَمْ يَقُلْ سَنَةٌ عُدُولًا عَنْ اللّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنّ السّنَةَ قَدْ يُعَبّرُ بِهَا عَنْ الشّدّةِ وَالْأَزْمَةِ كَمَا تَقَدّمَ فَلَوْ قَالَ سَنَةً لَذَهَبَ الْوَهْمُ إلَيْهَا ; لِأَنّ الْعَامَ أَقَلّ أَيّامًا مِنْ السّنَةِ وَإِنّمَا دَلّتْ الرّؤْيَا عَلَى سَبْعِ سِنِينَ شِدَادٍ وَإِذَا انْقَضَى الْعَدَدُ فَلَيْسَ بَعْدَ الشّدّةِ إلّا رَخَاءٌ وَلَيْسَ فِي الرّؤْيَا مَا يَدُلّ عَلَى مُدّةِ ذَلِكَ الرّخَاءِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَقَلّ مِنْ عَامٍ وَالزّيَادَةُ عَلَى الْعَامِ مَشْكُوكٌ فِيهَا، لَا تَقْتَضِيهَا الرّؤْيَا،

َلَى مُدّةِ ذَلِكَ الرّخَاءِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَقَلّ مِنْ عَامٍ وَالزّيَادَةُ عَلَى الْعَامِ مَشْكُوكٌ فِيهَا، لَا تَقْتَضِيهَا الرّؤْيَا، فَحَكَمَ بِالْأَقَلّ وَتَرَكَ مَا يَقَعُ فِيهِ الشّكّ مِنْ الزّيَادَةِ عَلَى الْعَامِ فَهَاتَانِ فَائِدَتَانِ فِي اللّفْظِ بِالْعَامِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَأَمّا قَوْلُهُ ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الْأَحْقَاف: ١٥] فَإِنّمَا ذَكَرَ السّنِينَ وَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ الْأَعْوَامِ لِأَنّهُ مُخْبِرٌ عَنْ اكْتِهَالِ الْإِنْسَانِ وَتَمَامِ قُوّتِهِ وَاسْتِوَائِهِ فَلَفْظُ السّنِينَ أَوْلَى بِهَذَا الْمَوْطِنِ لِأَنّهَا أَكْمَلُ مِنْ الْأَعْوَامِ وَفَائِدَةٌ أُخْرَى: أَنّهُ خَبَرٌ عَنْ السّنّ وَالسّنّ مُعْتَبَرٌ بِالسّنِينَ لِأَنّ أَصْلَ السّنّ فِي الْحَيَوَانِ لَا يُعْتَبَرُ إلّا بِالسّنَةِ الشّمْسِيّةِ لِأَنّ النّتَاجَ وَالْحَمْلَ يَكُونُ بِالرّبِيعِ وَالصّيْفِ حَتّى قِيلَ رِبْعِيّ لِلْبَكِيرِ وَصَيْفِيّ لِلْمُؤَخّرِ قَالَ الرّاجِزُ: إنّ بَنِيّ صِبْيَةٌ صَيْفِيّونْ ... أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ رِبْعِيّونْ فَاسْتَعْمَلَهُ فِي الْآدَمِيّينَ فَلَمّا قِيلَ فِي الْفَصِيلِ وَنَحْوِهِ ابْنُ سَنَةٍ وَابْنُ سَنَتَيْنِ قِيلَ ذَلِكَ فِي الْآدَمِيّينَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ فِي الْمَاشِيَةِ لِمَا قَدّمْنَا، وَأَمّا قَوْلُهُ ﴿وَفِصَالُهُ فِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَامَيْنِ﴾ [لُقْمَان: ١٤] فَلِأَنّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩] فَالرّضَاعُ مِنْ الْأَحْكَامِ الشّرْعِيّةِ وَقَدْ قَصَرْنَا فِيهَا عَلَى الْحِسَابِ بِالْأَهِلّةِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُحِلّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾ [التَّوْبَة: ٣٧] وَلَمْ يَقُلْ سَنَةً لِأَنّهُ يَعْنِي شَهْرَ الْمُحَرّمِ وَرَبِيعَ إلَى آخِرِ الْعَامِ وَلَمْ يَكُونُوا يَحْسِبُونَ بِأَيْلُول وَلَا بِتِشْرِين وَلَا بينير، وَهِيَ الشّهُورُ الشّمْسِيّةُ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٩] إخْبَارٌ مِنْهُ لِمُحَمّدِ ﷺ وَأُمّتِهِ وَحِسَابُهُمْ بِالْأَعْوَامِ وَالْأَهِلّةِ كَمَا وَقّتَ لَهُمْ سُبْحَانَهُ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي قِصّةِ نُوحٍ ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٤٠] قِيلَ إنّمَا ذَكَرَ أَوّلًا السّنِينَ لِأَنّهُ كَانَ فِي شَدَائِدِ مُدّتِهِ كُلّهَا إلّا خَمْسِينَ عَامًا مُنْذُ جَاءَهُ الْفَرَجُ وَأَتَاهُ الْغَوْثُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللهُ - سُبْحَانَهُ - عَلِمَ أَنّ عُمْرَهُ كَانَ أَلْفًا، إلّا أَنّ الْخَمْسِينَ مِنْهَا، كَانَتْ أَعْوَامًا، فَيَكُونُ عُمُرُهُ أَلْفَ سَنَةٍ تَنْقُصُ مِنْهَا مَا بَيْنَ السّنِينَ الشّمْسِيّةِ وَالْقَمَرِيّةِ فِي الْخَمْسِينَ خَاصّةً لِأَنّ خَمْسِينَ عَامًا بِحِسَابِ الْأَهِلّةِ أَقَلّ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةٍ شَمْسِيّةٍ بِنَحْوِ عَامٍ وَنِصْفٍ فَإِنْ كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَدْ عَلِمَ هَذَا مِنْ عُمُرِهِ فَاللّفْظُ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِلّا فَفِي الْقَوْلِ الْأَوّلِ مَقْنَعٌ وَاَللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ فَتَأَمّلْ هَذَا،

ا مِنْ عُمُرِهِ فَاللّفْظُ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِلّا فَفِي الْقَوْلِ الْأَوّلِ مَقْنَعٌ وَاَللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ فَتَأَمّلْ هَذَا، فَإِنّ الْعِلْمَ بِتَنْزِيلِ الْكَلَامِ وَوَضْعَ الْأَلْفَاظِ فِي مَوَاضِعِهَا اللّائِقَةِ بِهَا يَفْتَحُ لَك بَابًا مِنْ الْعِلْمِ بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَابْنِ هَذَا الْأَصْلَ تَعْرِفُ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنّ يَوْمًا عِنْدَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٧] وَأَنّهُ كَلَامٌ وَرَدَ فِي مَعْرِضِ التّكْثِيرِ وَالتّفْخِيمِ لَطُولُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالسّنَةِ أَطْوَلُ مِنْ الْعَامِ كَمَا تَقَدّمَ فَلَفْظُهَا أَلْيَقُ بِهَذَا الْمَقَامِ.

مَا أنزل الله تَعَالَى فِي خبر الرِّجَال الطّواف وَقَالَ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرّجُلِ الطّوّافِ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنّا مَكّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الْكَهْفِ: ٨٣- ٨٥] حَتّى انْتَهَى إلَى آخِرِ قِصّةِ خَبَرِهِ. ــ ذِكْرُ قِصّةِ الرّجُلِ الطّوّافِ ذِي الْقَرْنَيْنِ:

نَاهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الْكَهْفِ: ٨٣- ٨٥] حَتّى انْتَهَى إلَى آخِرِ قِصّةِ خَبَرِهِ. ــ ذِكْرُ قِصّةِ الرّجُلِ الطّوّافِ ذِي الْقَرْنَيْنِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قِصّةَ الرّجُلِ الطّوّافِ وَالْحَدِيثَ الّذِي جَاءَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنّهُ كَانَ مَلِكًا مَسَحَ الْأَرْضَ بِالْأَسْبَابِ وَلَمْ يَشْرَحْ مَعْنَى الْأَسْبَابِ. وَلِأَهْلِ التّفْسِيرِ فِيهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الْكَهْفِ: ٨٤] أَيْ عِلْمًا يَتْبَعُهُ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الْكَهْفِ: ٨٥] أَيْ طَرِيقًا مُوَصّلَةً وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ السّبَبُ حَبْلٌ مِنْ نُورٍ كَانَ مَلَكٌ يَمْشِي بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَتْبَعُهُ وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِ ذَلِكَ الْمَلِكِ زياقيل، وَهَذَا يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ سَبَبًا أَيْ طَرِيقًا، وَيَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِ النّبِيّ "مَسَحَ الْأَرْضَ بِالْأَسْبَابِ"، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ كَمَا اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ فَأَصَحّ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الطّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ قَالَ سَأَلَ ابْنُ الْكَوّاءِ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ أَرَأَيْت ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيّا كَانَ أَمْ مَلِكًا؟ لَا نَبِيّا كَانَ وَلَا مَلِكًا، وَلَكِنْ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا دَعَا قَوْمَهُ إلَى عِبَادَةِ اللهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنَيْ رَأْسِهِ ضَرْبَتَيْنِ وَفِيكُمْ مِثْلُهُ. يَعْنِي: نَفْسَهُ وَقِيلَ كَانَتْ لَهُ ضَفِيرَتَانِ مِنْ شَعَرٍ وَالْعَرَبُ

وَكَانَ مِنْ خَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنّهُ أُوتِيَ مَا لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَمُدّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ حَتّى انْتَهَى مِنْ الْبِلَادِ إلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، لَا يَطَأُ أَرْضًا إلّا سُلّطَ عَلَى أَهْلِهَا، حَتّى انْتَهَى مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلَى مَا لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ مِنْ الْخَلْقِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ عَنْ الْأَعَاجِمِ، فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِهِ أَنّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبَانُ بْنُ مَرْذَبَةَ الْيُونَانِيّ، مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يافث بْنِ نُوحٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ الْإِسْكَنْدَرُ وَهُوَ الّذِي بَنَى الْإسْكَنْدَريَّة، فَنُسِبَتْ إلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكُلَاعِيّ وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ "مَلِكٌ مَسَحَ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا بِالْأَسْبَابِ" ــ

ّ وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ "مَلِكٌ مَسَحَ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا بِالْأَسْبَابِ" ــ تُسَمّي الْخُصْلَةَ مِنْ الشّعَرِ قَرْنًا، وَقِيلَ إنّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا طَوِيلَةً أَنّهُ أَخَذَ بِقَرْنَيْ الشّمْسِ فَكَانَ التّأْوِيلُ أَنّهُ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْقَيْرَوَانِيّ الْعَابِدُ فِي كِتَابِ الْبُسْتَانِ لَهُ قَالَ وَبِهَذَا سُمّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَأَمّا اسْمُهُ فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ اسْمُهُ مَرْزَبَى بْنُ مَرْذَبَةَ بِذَالٍ مَفْتُوحَةٍ فِي اسْمِ أَبِيهِ وَزَايٍ فِي اسْمِهِ وَقِيلَ فِيهِ هَرْمَسَ وَقِيلَ هرديس. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ اسْمُهُ الصّعْبُ بْنُ ذِي مَرَاثِدَ وَهُوَ أَوّلُ التّبَابِعَةِ، وَهُوَ الّذِي حَكَمَ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي بِئْرِ السّبْعِ حِينَ حَاكَمَ إلَيْهِ فِيهَا، وَقِيلَ إنّهُ أفريدون بْنُ أَثَفَيَانِ الّذِي قَتَلَ الضّحّاكَ، وَيُرْوَى فِي خُطْبَةِ قَيْسِ بْنِ سَاعِدَةَ الّتِي خَطَبَهَا بِسُوقِ عُكَاظٍ، أَنّهُ قَالَ فِيهَا: يَا مَعْشَرَ إبَادٍ أَيْنَ الصّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَلِكُ الْخَافِقَيْنِ وَأَذَلّ الثّقَلَيْنِ وَعَمّرَ أَلْفَيْنِ ثُمّ كَانَ ذَلِكَ كَلَحْظَةِ عَيْنٍ وَأَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِلْأَعْشَى:

قَرْنَيْنِ مَلِكُ الْخَافِقَيْنِ وَأَذَلّ الثّقَلَيْنِ وَعَمّرَ أَلْفَيْنِ ثُمّ كَانَ ذَلِكَ كَلَحْظَةِ عَيْنٍ وَأَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِلْأَعْشَى:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالصّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَصْبَحَ ثَاوِيًا ... بِالْحِنْوِ فِي جَدَثٍ أُمَيْمٍ مُقِيمِ وَقَوْلُهُ بِالْحِنْوِ يُرِيدُ حِنْوَ قَرَاقِرَ الّذِي مَاتَ فِيهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِالْعِرَاقِ وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ فِي السّيرَةِ إنّهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، إنّهُ الْإِسْكَنْدَرُ الّذِي بَنَى الْإسْكَنْدَريَّة، فَعُرِفَتْ بِهِ قَوْلٌ بَعِيدٌ مِمّا تَقَدّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْكَنْدَرُ سُمّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَيْضًا تَشْبِيهًا لَهُ بِالْأَوّلِ لِأَنّهُ مَلَكَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِيمَا ذَكَرُوا أَيْضًا، وَأَذَلّ مُلُوكَ فَارِسَ، وَقَتَلَ دَارَا بْنَ دَارَا، وَأَذَلّ مُلُوكَ الرّومِ وَغَيْرَهُمْ وَقَالَ الطّبَرِيّ فِي الْإِسْكَنْدَرِ وَهُوَ اسكندروس بْنُ قليقوس، وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ قَلِيسٍ وَكَانَتْ أُمّهُ زِنْجِيّةً وَكَانَتْ أُهْدِيَتْ لِدَارَا أَكْبَرَ أَوْ سَبَاهَا، فَوَجَدَ مِنْهَا نَكْهَةً اسْتَثْقَلَهَا، فَعُولِجَتْ بِبَقْلَةِ يُقَالُ لَهَا: أندروس، فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِدَارَا الْأَصْغَرِ فَلَمّا وَضَعَتْهُ رَدّهَا، فَتَزَوّجَهَا وَالِدُ الْإِسْكَنْدَرِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ بالإسكندروس، فَاسْمُهُ عِنْدَهُمْ مُشْتَقّ مِنْ تِلْكَ الْبَقْلَةِ الّتِي طَهُرَتْ أُمّهُ بِهَا فِيمَا ذَكَرُوا، وَذَكَرَ عَنْ الزّبَيْرِ أَنّهُ قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الضّحّاكِ بْنِ مَعَدّ [وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي] الْمُحَبّرِ فِي ذِكْرِ مُلُوكِ الْحِيرَةِ، قَالَ الصّعْبُ بْنُ قَرِينِ [بْنِ الْهُمّالِ] : هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مُلُوكًا فِي أَوْقَاتٍ شَتّى، يُسَمّى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَاَللهُ أَعْلَمُ.

: هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مُلُوكًا فِي أَوْقَاتٍ شَتّى، يُسَمّى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَالْأَوّلُ كَانَ عَلَى عَهْدِ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَهُوَ صَاحِبُ الْخَضِرِ حِينَ طَلَبَ عَيْنَ الْحَيَاةِ فَوَجَدَهَا الْخَضِرُ وَلَمْ يَجِدْهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا الظّلُمَاتُ الّتِي وَقَعَ فِيهَا هُوَ وَأَجْنَادُهُ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ مَذْكُورٍ فِي بَعْضِ التّفَاسِيرِ مَشْهُورٍ عِنْدَ الْأَخْبَارِيّينَ.

وَقَالَ خَالِدٌ سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ رَجُلًا يَقُولُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ عُمَرُ اللهُمّ غَفْرًا، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تَسَمّوْا بِالْأَنْبِيَاءِ حَتّى تَسَمّيْتُمْ بِالْمَلَائِكَةِ؟ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ أَقَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ قَالَهُ فَالْحَقّ مَا قَالَ. ــ حُكْمُ التّسَمّي بِأَسْمَاءِ النّبِيّينَ: وَأَمّا قَوْلُ عُمَرَ لِرَجُلِ سَمِعَهُ يَقُولُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمْ يَكْفِكُمْ أَنْ تَتَسَمّوْا بِالْأَنْبِيَاءِ حَتّى تَسَمّيْتُمْ بِالْمَلَائِكَةِ إنْ كَانَ عُمَرُ قَالَهُ بِتَوْقِيفِ مِنْ الرّسُولِ ﵇ فَهُوَ مَلَكٌ لَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلّا الْحَقّ وَإِنْ كَانَ قَالَهُ بِتَأْوِيلِ تَأَوّلَهُ [فَقَدْ] خَالَفَهُ عَلِيّ فِي الْخَبَرِ الْمُتَقَدّمِ وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ الْخَبَرَيْنِ أَصَحّ نَقْلًا، غَيْرَ أَنّ الرّوَايَةَ الْمُتَقَدّمَةَ عَنْ عَلِيّ يُقَوّيهَا مَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْأَخْبَارِ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ ﵀ كَرَاهِيَةُ التّسَمّي بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى الْمُغِيرَةِ تَكْنِيَتُهُ بِأَبِي عِيسَى، وَأَنْكَرَ عَلَى صُهَيْبٍ تَكْنِيَتَهُ بِأَبِي يَحْيَى، فَأَخْبَرَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَنّاهُ بِذَلِكَ فَسَكَتَ وَكَانَ عُمَرُ إنّمَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ الْإِكْثَارَ وَأَنْ يَظُنّ أَنّ لِلْمُسْلِمِينَ شَرَفًا فِي الِاسْمِ إذَا سُمّيَ بِاسْمِ نَبِيّ أَوْ أَنّهُ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ فَكَأَنّهُ اسْتَشْعَرَ مِنْ رَعِيّتِهِ هَذَا الْغَرَضَ أَوْ نَحْوَهُ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ.

أَنّهُ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ فَكَأَنّهُ اسْتَشْعَرَ مِنْ رَعِيّتِهِ هَذَا الْغَرَضَ أَوْ نَحْوَهُ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ. وَإِلّا فَقَدْ سَمّى بِمُحَمّدِ طَائِفَةٌ مِنْ الصّحَابَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيّ وَطَلْحَةُ وَأَبُو حُذَيْفَةَ وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ وَخَاطِبٌ وَخَطّابٌ ابْنَا الْحَارِثِ كُلّ هَؤُلَاءِ الْمُحَمّدِينَ كَانُوا يُكَنّونَ بِأَبِي الْقَاسِمِ إلّا مُحَمّدَ بْنَ خَطّابٍ وَسَمّى أَبُو مُوسَى ابْنًا لَهُ بِمُوسَى، فَكَانَ يُكَنّى بِهِ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَمّى ابْنَهُ بِيَحْيَى، وَعَلِمَ بِهِ النّبِيّ ﵇ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَكَانَ لِطَلْحَةِ عَشَرَةٌ مِنْ الْوَلَدِ كُلّهُمْ يُسَمّى بِاسْمِ نَبِيّ مِنْهُمْ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ عِيسَى، وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُحَمّدٌ وَكَانَ لِلزّبَيْرِ عَشْرٌ كُلّهُمْ يُسَمّى بِاسْمِ شَهِيدٍ فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ أَنَا أُسَمّيهِمْ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنْتَ تُسَمّيهِمْ بِأَسْمَاءِ الشّهَدَاءِ، فَقَالَ لَهُ الزّبَيْرُ فَإِنّي أَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ بَنِيّ شُهَدَاءَ وَلَا تَطْمَعْ أَنْتَ أَنْ يَكُونَ بَنُوك أَنْبِيَاءَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَسَمّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ وَفِي السّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "سَمّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ"، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ وَأَمّا التّسَمّي بِمُحَمّدِ فَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " من كَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ وَلَمْ يُسَمّ أَحَدَهُمْ بِمُحَمّدِ فَقَدْ جَهِلَ" وَفِي الْمُعَيْطِيّ عَنْ مَالِك أَنّهُ سُئِلَ عَمّنْ اسْمُهُ مُحَمّدٌ وَيُكَنّى أَبَا الْقَاسِمِ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا،

بِمُحَمّدِ فَقَدْ جَهِلَ" وَفِي الْمُعَيْطِيّ عَنْ مَالِك أَنّهُ سُئِلَ عَمّنْ اسْمُهُ مُحَمّدٌ وَيُكَنّى أَبَا الْقَاسِمِ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، فَقِيلَ لَهُ أَكَنّيْت ابْنَك أَبَا الْقَاسِمِ وَاسْمُهُ مُحَمّدٌ؟ فَقَالَ مَا كَنّيْته بِهَا وَلَكِنّ أَهْلَهُ يُكَنّونَهُ بِهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ نَهْيًا، وَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ لَمْ يَصِحّ عِنْدَهُ حَدِيثُ النّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ الصّحِيحِ - فَاَللهُ أَعْلَمُ - وَلَعَلّهُ بَلَغَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنّهُ ﵇ قَالَ: "مَا الّذِي أَحَلّ اسْمِي وَحَرّمَ كُنْيَتِي"؟ وَهَذَا هُوَ النّاسِخُ لِحَدِيثِ النّهْيِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ لِكُلّ أَحَدٍ أَنْ يَتَكَنّى بِأَبِي الْقَاسِمِ كَانَ اسْمُهُ مُحَمّدًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَطَائِفَةٌ إنّمَا يَكْرَهُونَهُ لِمَنْ اسْمُهُ مُحَمّدٌ وَفِي الْمُعَيْطِيّ أَيْضًا أَنّهُ سُئِلَ عَنْ التّسْمِيَةِ بِمَهْدِيّ فَكَرِهَهُ وَقَالَ وَمَا عِلْمُهُ بِأَنّهُ مَهْدِيّ، وَأَبَاحَ التّسْمِيَةَ بِالْهَادِي، وَقَالَ لِأَنّ الْهَادِيَ هُوَ الّذِي يَهْدِي إلَى الطّرِيقِ وَقَدْ قَدّمْنَا كَرَاهِيَةَ مَالِكٍ التّسَمّيَ بِجِبْرِيلَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ كَرَاهِيَةَ عُمَرَ لِلتّسَمّي بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ التّسَمّيَ بِيَاسِينَ.

مَا أنزل الله فِي أَمر الرّوح: وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرّوحِ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ ٨٥] . ــ الرّوحُ وَالنّفْسُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ سُؤَالَهُمْ عَنْ الرّوحِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الْإِسْرَاء ٨٥] الْآيَةَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْبَكّائِيّ أَنّهُ قَالَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ جِبْرِيلُ وَهَذِهِ الرّوَايَةُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ تَدُلّ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَى غَيْرُهُ أَنّ يَهُودَ قَالَتْ لِقُرَيْشِ اسْأَلُوهُ عَنْ الرّوحِ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِ فَلَيْسَ بِنَبِيّ وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْكُمْ فَهُوَ نَبِيّ، وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَا تَقَدّمَ مِنْ الْحَدِيثِ اسْأَلُوهُ عَنْ الرّجُلِ الطّوّافِ وَعَنْ الْفِتْيَةِ وَعَنْ الرّوحِ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ وَإِلّا فَالرّجُلُ مُتَقَوّلٌ فَسَوّى فِي الْخَبَرِ بَيْنَ الرّوحِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التّأْوِيلِ فِي الرّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ جِبْرِيلُ لِأَنّهُ الرّوحُ الْأَمِينُ وَرُوحُ الْقُدُسِ، وَعَلَى هَذَا رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِقُرَيْشِ حِينَ سَأَلُوهُ "هُوَ جِبْرِيلُ"،

الرّوحُ الْأَمِينُ وَرُوحُ الْقُدُسِ، وَعَلَى هَذَا رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِقُرَيْشِ حِينَ سَأَلُوهُ "هُوَ جِبْرِيلُ"، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الرّوحُ خَلْقٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الرّوحُ خَلْقٌ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ وَلَا تَرَاهُمْ فَهُمْ لِلْمَلَائِكَةِ كَالْمَلَائِكَةِ لِبَنِي آدَمَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ أَنّهُ قَالَ الرّوحُ مَلَكٌ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ رَأْسٍ لِكُلّ رَأْسٍ مِائَةُ أَلْفِ وَجْهٍ فِي كُلّ وَجْهٍ مِائَةُ أَلْفِ فَمٍ فِي كُلّ فَمٍ مِائَةُ أَلْفِ لِسَانٍ يُسَبّحُ اللهَ بِلُغَاتِ مُخْتَلِفَةٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الرّوحُ الّذِي سَأَلَتْ عَنْهُ يَهُودُ هُوَ رُوحُ الْإِنْسَانِ ثُمّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمْ يُجِبْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ سُؤَالِهِمْ لِأَنّهُمْ سَأَلُوهُ تَعَنّتًا وَاسْتِهْزَاءً فَقَالَ اللهُ لَهُ قُلْ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي، وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُبَيّنَهُ لَهُمْ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَلْ قَدْ أَخْبَرَهُمْ اللهُ بِهِ وَأَجَابَهُمْ عَمّا سَأَلُوا ; لِأَنّهُ قَالَ لِنَبِيّهِ قُلْ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ

ّنَهُ لَهُمْ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَلْ قَدْ أَخْبَرَهُمْ اللهُ بِهِ وَأَجَابَهُمْ عَمّا سَأَلُوا ; لِأَنّهُ قَالَ لِنَبِيّهِ قُلْ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ

سُؤال يهود الْمَدِينَة للرسول ﷺ عَن المُرَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنّهُ قَالَ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ يَا مُحَمّدُ أَرَأَيْت قَوْلَك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا﴾ ــ رَبّي، وَأَمْرُ الرّبّ هُوَ الشّرْعُ وَالْكِتَابُ الّذِي جَاءَ بِهِ فَمَنْ دَخَلَ فِي الشّرْعِ وَتَفَقّهَ فِي الْكِتَابِ وَالسّنّةِ عَرَفَ الرّوحَ فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ اُدْخُلُوا فِي الدّينِ تَعْرِفُوا مَا سَأَلْتُمْ فَإِنّهُ مِنْ أَمْرِ رَبّي، أَيْ مِنْ الْأَمْرِ الّذِي جِئْت بِهِ مُبَلّغًا عَنْ رَبّي، وَذَلِكَ أَنّ الرّوحَ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ جِهَةِ الطّبِيعَةِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْفَلْسَفَةِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الرّأْيِ وَالْقِيَاسِ وَإِنّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ الشّرْعِ فَإِذَا نَظَرْت إلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَالسّنّةِ مِنْ ذِكْرِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿ثُمّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السّجْدَةِ ٩] أَيْ مِنْ رُوحِ الْحَيَاةِ وَالْحَيَاةُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَالنّفْخُ فِي الْحَقِيقَةِ مُضَافٌ إلَى مَلَكٍ يَنْفُخُ فِيهِ بِأَمْرِ رَبّهِ وَتَنْظُرُ إلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الرّسُولُ ﵇ أَنّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنّدَةٌ وَأَنّهَا تَتَعَارَفُ وَتَتَشَامّ فِي الْهَوَاءِ وَأَنّهَا تُقْبَضُ مِنْ الْأَجْسَادِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَنّهَا تُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ فَتَفْهَمُ السّؤَالَ وَتَسْمَعُ وَتَرَى، وَتُنَعّمُ وَتُعَذّبُ وَتَلْتَذّ وَتَأْلَمُ وَهَذِهِ كُلّهَا مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ فَتَعْرِفُ أَنّهَا أَجْسَامٌ بِهَذِهِ الدّلَائِلِ لَكِنّهَا لَيْسَتْ كَالْأَجْسَادِ فِي كَثَافَتِهَا وَثِقَلِهَا وَإِظْلَامِهَا،

صِفَاتِ الْأَجْسَامِ فَتَعْرِفُ أَنّهَا أَجْسَامٌ بِهَذِهِ الدّلَائِلِ لَكِنّهَا لَيْسَتْ كَالْأَجْسَادِ فِي كَثَافَتِهَا وَثِقَلِهَا وَإِظْلَامِهَا، إذْ الْأَجْسَادُ خُلِقَتْ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَحَمَإِ مَسْنُونٍ فَهُوَ أَصْلُهَا، وَالْأَرْوَاحُ خُلِقَتْ مِمّا قَالَ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ النّفْخُ الْمُتَقَدّمُ الْمُضَافُ إلَى الْمَلَكِ. وَالْمَلَائِكَةُ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ كَمَا جَاءَ فِي الصّحِيحِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَضَافَ النّفْخَ إلَى نَفْسِهِ فَكَذَلِكَ أَضَافَ قَبْضَ الْأَرْوَاحِ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ ﴿اللهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزّمَرِ ٤٢] وَأَضَافَ ذَلِكَ إلَى الْمَلَكِ أَيْضًا فَقَالَ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾

إيّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمَك؟ قَالَ: "كُلّا"، قَالُوا: فَإِنّك تَتْلُو فِيمَا جَاءَك: أَنّا قَدْ أُوتِينَا التّوْرَاةَ فِيهَا بَيَانُ كُلّ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إنّهَا فِي عِلْمِ اللهِ قَلِيلٌ، وَعِنْدَكُمْ فِي ذَلِكَ مَا ــ [السّجْدَةِ ١١] وَالْفِعْلُ مُضَافٌ إلَى الْمَلَكِ مَجَازًا، وَإِلَى الرّبّ حَقِيقَةً فَهُوَ أَيْضًا جِسْمٌ وَلَكِنّهُ مِنْ جِنْسِ الرّيحِ وَلِذَلِكَ سُمّيَ رُوحًا مِنْ لَفْظِ الرّيحِ وَنَفْخُ الْمَلَكِ فِي مَعْنَى الرّيحِ غَيْرَ أَنّهُ ضُمّ أَوّلُهُ لِأَنّهُ نُورَانِيّ، وَالرّيحُ هَوَاءٌ مُتَحَرّكٌ وَإِذَا كَانَ الشّرْعُ قَدْ عَرَفْنَا مِنْ مَعَانِي الرّوحِ وَصِفَاتِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ فَقَدْ عَرَفَ مِنْ جِهَةِ أَمْرِهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الاسراء:٨٥] وَقَوْلُهُ مِنْ أَمْرِ رَبّي أَيْضًا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَلَا مِنْ أَمْرِ رَبّكُمْ يَدُلّ عَلَى خُصُوصٍ وَعَلَى مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّهُ لَا يَعْلَمُهُ إلّا مَنْ أَخَذَ مَعْنَاهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَقَوْلِ رَسُولِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَقِينِ الصّادِقِ وَالْفِقْهِ فِي الدّينِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُخْبِرْ الْيَهُودَ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَدْ أَحَالَهُمْ عَلَى مَوْضِعِ الْعِلْمِ بِهِ. الْفَرْقُ بَيْنَ الرّوحِ وَالنّفْسِ:

ِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُخْبِرْ الْيَهُودَ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَدْ أَحَالَهُمْ عَلَى مَوْضِعِ الْعِلْمِ بِهِ. الْفَرْقُ بَيْنَ الرّوحِ وَالنّفْسِ: فَصْلٌ: وَمِمّا يَتّصِلُ بِمَعْنَى الرّوحِ وَحَقِيقَتِهِ أَنْ تَعْرِفَ هَلْ هِيَ النّفْسُ أَوْ غَيْرُهَا، وَقَدْ كَثُرَتْ فِي ذَلِكَ الْأَقْوَالُ وَاضْطَرَبَتْ الْمَذَاهِبُ فَتَعَلّقَ قَوْمٌ بِظَوَاهِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ لِأَنّهَا نَقْلُ آحَادٍ وَأَيْضًا فَإِنّ أَلْفَاظَهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلتّأْوِيلِ وَمَجَازَاتُ الْعُرْفِ وَاتّسَاعَاتُهَا فِي الْكَلَامِ كَثِيرَةٌ فَمِمّا تَعَلّقُوا بِهِ فِي أَنّ الرّوحَ هِيَ النّفْسُ قَوْلُ بِلَالٍ أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك مَعَ قَوْلِ النّبِيّ ﵇ "إنّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا"، وَقَوْلِهِ ﷿ – ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر:٤٢] وَالْمَقْبُوضَةُ هِيَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَرْوَاحُ وَلَمْ يُفَرّقُوا بَيْنَ الْقَبْضِ وَالتّوَفّي، وَلَا بَيْنَ الْأَخْذِ فِي قَوْلِ بِلَالٍ أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك وَبَيْنَ قَوْلِ النّبِيّ ﵇ "قَبَضَ أَرْوَاحَنَا"، وَتَنْقِيحُ الْأَقْوَالِ وَتَرْجِيحُهَا يَطُولُ.

ِ بِلَالٍ أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك وَبَيْنَ قَوْلِ النّبِيّ ﵇ "قَبَضَ أَرْوَاحَنَا"، وَتَنْقِيحُ الْأَقْوَالِ وَتَرْجِيحُهَا يَطُولُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو عُمَرَ فِي التّمْهِيدِ حَدِيثًا يَدُلّ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ فِي أَنّ النّفْسَ هِيَ الرّوحُ لَكِنْ عَلّلَهُ فِيهِ أَنّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ وَجَعَلَ فِيهِ نَفْسًا وَرُوحًا، فَمِنْ الرّوحِ عَفَافُهُ وَفَهْمُهُ وَحِلْمُهُ وَسَخَاؤُهُ وَوَفَاؤُهُ وَمِنْ النّفْسِ شَهْوَتُهُ وَطَيْشُهُ وَسَفَهُهُ وَغَضَبُهُ وَنَحْوُ هَذَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ إذَا تُؤُمّلَ صَحّ نَقْلُهُ أَوْ لَمْ يَصِحّ وَسَبِيلُك أَنْ تَنْظُرَ فِي كِتَابِ اللهِ أَوّلًا، لَا إلَى الْأَحَادِيثِ الّتِي تُنْقَلُ مَرّةً عَلَى اللّفْظِ وَمَرّةً عَلَى الْمَعْنَى، وَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَلْفَاظُ الْمُحَدّثِينَ فَنَقُولُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الْحجر: من الْآيَة٢٩] وَلَمْ يَقُلْ مِنْ نَفْسِي وَكَذَلِكَ قَالَ ﴿ثُمّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السّجْدَةِ ٩] وَلَمْ يَقُلْ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ هَذَا، وَلَا خَفَاءَ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ فِي الْكَلَامِ وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِي الْمَعْنَى، وَبِعَكْسِ هَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [الْمَائِدَة: من الْآيَة١١٦] وَلَمْ يَقُلْ تَعْلَمُ مَا فِي رُوحِي، وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي رُوحِك، وَلَا يَحْسُنُ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَهُ غَيْرُ عِيسَى،

لْآيَة١١٦] وَلَمْ يَقُلْ تَعْلَمُ مَا فِي رُوحِي، وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي رُوحِك، وَلَا يَحْسُنُ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَهُ غَيْرُ عِيسَى، وَلَوْ كَانَتْ النّفْسُ وَالرّوحُ اسْمَيْنِ لِمَعْنَى وَاحِدٍ كَاللّيْثِ وَالْأَسَدِ لَصَحّ وُقُوعُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكَانَ صَاحِبِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: من الْآيَة٨] وَلَا يَحْسُنُ فِي الْكَلَامِ يَقُولُونَ فِي أَرْوَاحِهِمْ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر: من الْآيَة٥٦] وَلَمْ يَقُلْ أَنْ تَقُولَ رُوحٌ وَلَا يَقُولُهُ أَعْرَابِيّ، فَأَيْنَ إِذا كَوْنُ النّفْسِ وَالرّوحِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ لَوْلَا الْغَفْلَةُ عَنْ تَدَبّرِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى؟ وَلَكِنْ بَقِيَتْ دَقِيقَةٌ يُعْرَفُ مَعَهَا السّرّ وَالْحَقِيقَةُ وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَافٌ

يَكْفِيكُمْ لَوْ أَقَمْتُمُوهُ". قَالَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ ﴿وَلَوْ أَنّمَا ــ مُتَبَايِنٌ إنْ شَاءَ اللهُ فَنَقُولُ وَبِاَللهِ التّوْفِيقُ الرّوحُ مُشْتَقّ مِنْ الرّيحِ وَهُوَ جِسْمٌ هَوَائِيّ لَطِيفٌ بِهِ تَكُونُ حَيَاةُ الْجَسَدِ عَادَةً أَجْرَاهَا اللهُ تَعَالَى ; لِأَنّ الْعَقْلَ يُوجِبُ أَلّا يَكُونَ لِلْجِسْمِ حَيَاةٌ حَتّى يُنْفَخَ فِيهِ ذَلِكَ الرّوحُ الّذِي هُوَ فِي تَجَاوِيفِ الْجَسَدِ كَمَا قَالَ ابْنُ فُورَكٍ وَأَبُو الْمَعَالِي وَأَبُو بَكْرٍ الْمُرَادِيّ، وَسَبَقَهُمْ إلَى نَحْوٍ مِنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ، وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ وَاحِدٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ. الرّوحُ سَبَبُ الْحَيَاةِ: فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنّ الرّوحَ سَبَبُ الْحَيَاةِ عَادَةً أَجْرَاهَا اللهُ تَعَالَى، فَهُوَ كَالْمَاءِ الْجَارِي فِي عُرُوقِ الشّجَرَةِ صُعُدًا، حَتّى تَحْيَا بِهِ عَادَةً فَنُسَمّيهِ مَاءً بِاعْتِبَارِ أَوّلِيّتِهِ وَنُسَمّي أَيْضًا هَذَا رُوحًا بِاعْتِبَارِ أَوّلِيّتِهِ وَاعْتِبَارِ النّفْخَةِ الّتِي هِيَ رِيحٌ فَمَا دَامَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمّهِ حَيّا، فَهُوَ ذُو رُوحٍ فَإِذَا نَشَأَ وَاكْتَسَبَ ذَلِكَ الرّوحُ أَخْلَاقًا وَأَوْصَافًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ وَأَقْبَلَ عَلَى مَصَالِحِ الْجِسْمِ كَلَفًا بِهِ وَعَشِقَ مَصَالِحَ الْجَسَدِ وَلَذّاتِهِ وَدَفَعَ الْمَضَارّ عَنْهُ سُمّيَ نَفْسًا، كَمَا يَكْتَسِبُ الْمَاءُ الصّاعِدُ فِي الشّجَرَةِ مِنْ الشّجَرَةِ أَوْصَافًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَالْمَاءُ فِي الْعِنَبَةِ مَثَلًا هُوَ مَاءٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَالْبَدْأَةِ فَفِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُيُوعَةُ وَالرّطُوبَةُ وَفِيهِ مِنْ الْعِنَبَةِ الْحَلَاوَةُ وَأَوْصَافٌ أُخَرَ فَتُسَمّيهِ مِصْطَارًا إنْ شِئْت، أَوْ خَمْرًا إنْ شِئْت،

لْمَاءِ الْمُيُوعَةُ وَالرّطُوبَةُ وَفِيهِ مِنْ الْعِنَبَةِ الْحَلَاوَةُ وَأَوْصَافٌ أُخَرَ فَتُسَمّيهِ مِصْطَارًا إنْ شِئْت، أَوْ خَمْرًا إنْ شِئْت، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا أَوْجَبَهُ الِاكْتِسَابُ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ فَمَنْ قَالَ إنّ النّفْسَ هِيَ الرّوحُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فَلَمْ يُحْسِنْ الْعِبَارَةَ وَإِنّمَا فِيهَا مِنْ الرّوحِ الْأَوْصَافُ الّتِي تَقْتَضِيهَا نَفْخَةُ الْمَلَكِ وَالْمَلَكُ مَوْصُوفٌ بِكُلّ خُلُقٍ كَرِيمٍ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: "فَمِنْ الرّوحِ عَفَافُهُ وَحِلْمُهُ وَوَفَاؤُهُ وَفَهْمُهُ وَمِنْ النّفْسِ شَهْوَتُهُ وَغَضَبُهُ وَطَيْشُهُ" وَذَلِكَ أَنّ الرّوحَ كَمَا قَدّمْنَا مَازِجُ الْجَسَدِ الّذِي فِيهِ الدّمُ وَيُسَمّى الدّمُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَفْسًا، وَهُوَ مَجْرَى الشّيْطَانِ وَقَدْ حَكَمَتْ الشّرِيعَةُ بِنَجَاسَةِ الدّمِ لِسِرّ لَعَلّهُ أَنْ يُفْهَمَ مِمّا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ فَمَنْ يَعْرِفُ جَوْهَرَ الْكَلَامِ وَيُنْزِلُ الْأَلْفَاظَ مَنَازِلَهَا، لَا يُسَمّي رُوحًا إلّا مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمَادِ وَالْحَيّ وَاَلّذِي كَانَ سَبَبًا لِلْحَيَاةِ كَمَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ عِنْدَ ذِكْرِ إحْيَاءِ النّطْفَةِ وَنَفْخِ الرّوحِ فِيهَا، وَلَا يُقَالُ نَفْخُ النّفْسِ فِيهَا إلّا عِنْدَ الِاتّسَاعِ فِي الْكَلَامِ وَتَسْمِيَةُ الشّيْءِ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَمِنْ هَهُنَا سُمّيَ جِبْرِيلُ ﵇: رُوحًا، وَالْوَحْيُ رُوحًا،

Bagian 24 dari 85