— Bagian 48 · قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الْوَارِ… —
Bagian 48
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التّنّورِيّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشّعْبِيّ، بِنَحْوِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي الْعَاصِ. الّذِينَ أُطْلِقُوا مِنْ غَيْرِ فِدَاءٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ مِمّنْ سُمّيَ لَنَا مِنْ الْأُسَارَى مِمّنْ مَنّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ مَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِفِدَائِهِ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ الْمُطّلِبُ بْنُ حَنْطَبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، كَانَ لِبَعْضِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَتَرَكَ فِي أَيْدِيهِمْ حَتّى خَلّوْا سَبِيلَهُ. فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، أَبُو أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ، أَخُو بَنِي النّجّارِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَصَيْفِيّ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، تُرِكَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِهِ فَلَمّا لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ فِي فِدَائِهِ أَخَذُوا عَلَيْهِ لَيَبْعَثَن إلَيْهِمْ بِفِدَائِهِ فَخَلّوْا سَبِيلَهُ فَلَمْ يَفِ لَهُمْ بِشَيْءِ فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ وَمَا كَانَ صَيْفِيّ لِيُوفِيَ ذِمّةً ... قَفَا ثَعْلَبٍ أَعْيَا بِبَعْضِ الْمَوَارِدِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. ــ شِعْرُ بِلَالٍ فِي مَقْتَلِ أُمَيّةَ وَذَكَرَ قَتْلَ بِلَالٍ لِأُمَيّةِ بْنِ خَلَفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ شِعْرَهُ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ وَهُوَ: فَلَمّا الْتَقَيْنَا لَمْ نُكَذّبْ بِحَمْلَةِ ... عَلَيْهِمْ بِأَسْيَافِ لَنَا كَالْعَقَائِقِ وَمَطْرُورَةُ حُمْرُ الظّبَاةِ كَأَنّهَا ... إذَا رُفِعَتْ أَشْطَانُ ذَاتِ الْأَبَارِقِ
بْ بِحَمْلَةِ ... عَلَيْهِمْ بِأَسْيَافِ لَنَا كَالْعَقَائِقِ وَمَطْرُورَةُ حُمْرُ الظّبَاةِ كَأَنّهَا ... إذَا رُفِعَتْ أَشْطَانُ ذَاتِ الْأَبَارِقِ بَنِي جُمَحٍ قَدْ حَلّ قَعْصٌ بِشَيْخِكُمْ ... عَلَى مَاءِ بَدْرٍ رَأْسِ كُلّ مُنَافِقِ هَجَمْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ وَاشْتَجَرَتْ بِهِ ... مَصَالِيتُ لِلْأَنْصَارِ غَيْرُ زَوَاهِقِ هَوَى حِينَ لَاقَانَا وَفُرّقَ جَمْعُهُ ... عَلَى وَجْهِهِ فِي النّارِ مِنْ رَأْسِ حَالِقِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو عَزّةَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ كَانَ مُحْتَاجًا ذَا بَنَاتٍ فَكَلّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ عَرَفْت مَا لِي مِنْ مَالٍ، وَإِنّي لَذُو حَاجَةٍ وَذُو عِيَالٍ فَامْنُنْ عَلَيّ فَمَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَلّا يُظَاهِرَ عَلَيْهِ أَحَدًا فَقَالَ أَبُو عَزّةَ فِي ذَلِكَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ فِي قَوْمِهِ: مَنْ مُبَلّغٌ عَنّي الرّسُولَ مُحَمّدًا ... بِأَنّك حَقّ وَالْمَلِيكُ حَمِيدُ وَأَنْتَ امْرِئِ وَتَدْعُو إلَى الْحَقّ وَالْهُدَى ... عَلَيْك مِنْ اللهِ الْعَظِيمِ شَهِيدُ وَأَنْتَ امْرِئِ بُوّئْت فِينَا مَبَاءَةً ... لَهَا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وَصُعُودُ فَإِنّك مَنْ حَارَبْته لَمُحَارَبٌ ... شَقِيّ وَمَنْ سَالَمَتْهُ لَسَعِيدُ وَلَكِنْ إذَا ذُكّرْت بَدْرًا وَأَهْلَهُ ... تَأَوّبَ مَا بِي: حَسْرَةٌ وَقُعُودُ ثَمَنُ الْفِدَاءِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَانَ فِدَاءُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِلرّجُلِ إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلّا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَمَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ ــ
َاءُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِلرّجُلِ إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلّا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَمَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ ــ وَذَكَرَ الزّبَيْرُ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَنْ ابْنِ سَلّامٍ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنّ أُمَيّةَ حِينَ أَحَاطَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ، قَالَ يَا أَحَدٌ رَأَى، أَمَا لَكُمْ بِاللّبّنِ حَاجَةٌ؟ قَالَ وَكَانَ أُمَيّةُ يُذْكَرُ بِفَصَاحَتِهِ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِثْلَ هَذَا، ثُمّ قَرَنَ الزّبَيْرُ هَذَا الْحَدِيثَ بِحَدِيثِ أَسْنَدَهُ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ قَالَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حِينَ نَزَلَتْ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزّخْرُفِ:٨١] الْآيَةَ وَكَانَ النّضْرُ قَدْ قَالَ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ الرّحْمَنِ فَلَمّا سَمِعَ الْآيَةَ قَالَ أَلَا تَرَاهُ قَدْ صَدّقَنِي، فَقَالَ لَهُ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ - وَكَانَ أَفْصَحَ مِنْهُ - لَا وَاَللهِ بَلْ كَذّبَك، فَقَالَ مَا كَانَ لِلرّحْمَنِ مِنْ وَلَدٍ وَرُوِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنّهُ قَالَ فِي قَوْلِ أُمَيّةَ يَا أَحَدٌ: يَا اسْتِفْتَاحٌ وَمَعْنَاهُ يَا هَؤُلَاءِ. أحد رَاءٍ.
إسْلَامُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ صَفْوَانُ يُحَرّضُهُ عَلَى قَتْلِ الرّسُولِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ قَالَ جَلَسَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بَعْدَ مُصَابِ أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْحِجْرِ بِيَسِيرِ وَكَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ شَيْطَانًا مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ وَيَلْقَوْنَ مِنْهُ عَنَاءً وَهُوَ بِمَكّةَ وَكَانَ ابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي أُسَارَى بَدْرٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ أَحَدُ بَنِي زُرَيْقٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ فَذَكَرَ أَصْحَابَ الْقَلِيبِ وَمُصَابَهُمْ فَقَالَ صَفْوَانُ وَاَللهِ إنْ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ قَالَ لَهُ عُمَيْرٌ صَدَقْت وَاَللهِ أَمَا وَاَللهِ لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَضَاءٌ وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمْ الضّيْعَةَ بَعْدِي، لَرَكِبْت إلَى مُحَمّدٍ حَتّى أَقْتُلَهُ فَإِنّ لِي قِبَلَهُمْ عِلّةً ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ قَالَ فَاغْتَنَمَهَا صَفْوَانُ وَقَالَ عَلَيّ دَيْنُك، أَنَا أَقْضِيهِ عَنْك، وَعِيَالُك مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجِزُ عَنْهُمْ فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ فَاكْتُمْ شَأْنِي وَشَأْنَك، قَالَ أَفْعَلُ. رُؤْيَةُ عُمَرَ لَهُ وَإِخْبَارُ الرّسُولِ بِأَمْرِهِ
ي شَيْءٌ وَيَعْجِزُ عَنْهُمْ فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ فَاكْتُمْ شَأْنِي وَشَأْنَك، قَالَ أَفْعَلُ. رُؤْيَةُ عُمَرَ لَهُ وَإِخْبَارُ الرّسُولِ بِأَمْرِهِ قَالَ ثُمّ أَمَرَ عُمَيْرٌ بِسَيْفِهِ فَشَحَذَ لَهُ وَسَمّ ثُمّ انْطَلَقَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ ; فَبَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَدّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمْ اللهُ بِهِ وَمَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوّهِمْ إذْ نَظَرَ عُمَرُ إلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ حِينَ أَنَاخَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مُتَوَشّحًا السّيْفَ فَقَالَ هَذَا الْكَلْبُ عَدُوّ اللهِ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ وَاَللهِ مَا جَاءَ إلّا لِشَرّ وَهُوَ الّذِي حَرّشَ بَيْنَنَا، وَحَزَرْنَا لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ. ــ إسْلَامُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ فَصْلٌ وَذَكَرَ إسْلَامَ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ إلَى آخِرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُشْكِلُ.
ثُمّ دَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا نَبِيّ اللهِ هَذَا عَدُوّ اللهِ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ قَدْ جَاءَ مُتَوَشّحًا سَيْفَهُ قَالَ "فَأَدْخِلْهُ عَلَيّ" قَالَ فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتّى أَخَذَ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ فَلَبّبَهُ بِهَا، وَقَالَ لِرِجَالِ مِمّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ: اُدْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ فَإِنّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ ثُمّ دُخِلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الرّسُولُ يحدثه بِمَا بَيته هُوَ وَصَفْوَانَ فَيُسْلِمُ:
َيْهِ مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ فَإِنّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ ثُمّ دُخِلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الرّسُولُ يحدثه بِمَا بَيته هُوَ وَصَفْوَانَ فَيُسْلِمُ: فَلَمّا رَاهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعُمَرُ آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ قَالَ أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ اُدْنُ يَا عُمَيْرُ فَدَنَا ثُمّ قَالَ انْعَمُوا صَبَاحًا، وَكَانَتْ تَحِيّةَ أَهْلِ الْجَاهِلِيّةِ بَيْنَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "قَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ بِتَحِيّةِ خَيْرٍ مِنْ تَحِيّتِك يَا عُمَيْرُ بِالسّلَامِ تَحِيّةِ أَهْلِ الْجَنّةِ". فَقَالَ أَمَا وَاَللهِ يَا مُحَمّدُ إنْ كُنْت بِهَا لَحَدِيثُ عَهْدٍ قَالَ فَمَا جَاءَ بِك يَا عُمَيْرُ؟ قَالَ جِئْت لِهَذَا الْأَسِيرِ الّذِي فِي أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ قَالَ "فَمَا بَالُ السّيْفِ فِي عُنُقِك"؟ قَالَ قَبّحَهَا اللهُ مِنْ سُيُوفٍ وَهَلْ أَغْنَتْ عَنّا شَيْئًا؟ قَالَ " اُصْدُقْنِي، مَا الّذِي جِئْت لَهُ"؟ قَالَ مَا جِئْت إلّا لِذَلِكَ قَالَ "بَلْ قَعَدْت أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ قُلْت: لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْت حَتّى أَقْتُلَ مُحَمّدًا، فَتَحَمّلَ لَك صَفْوَانُ بِدَيْنِك وَعِيَالِك، عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ وَاَللهُ حَائِلٌ بَيْنَك وَبَيْنَ ذَلِكَ " قَالَ عُمَيْرٌ أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ وَقَدْ كُنّا يَا رَسُولَ اللهِ نُكَذّبُك بِمَا كُنْت تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السّمَاءِ وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْك مِنْ الْوَحْيِ وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إلّا أَنَا وَصَفْوَانُ فَوَاَللهِ إنّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاك بِهِ إلّا اللهُ فَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ ثُمّ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " فَقّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ وَأَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرًا، فَفَعَلُوا رُجُوعُهُ إلَى مَكّةَ يَدْعُو لِلْإِسْلَامِ:
اللهِ ﷺ " فَقّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ وَأَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرًا، فَفَعَلُوا رُجُوعُهُ إلَى مَكّةَ يَدْعُو لِلْإِسْلَامِ: ثُمّ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي كُنْت جَاهِدًا عَلَى إطْفَاءِ نُورِ الله شَدِيد الْأَذَى لِمَنْ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَانَ عَلَى دِينِ اللهِ ﷿ وَأَنَا أُحِبّ أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَقْدَمَ مَكّةَ، فَأَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ تَعَالَى، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ وَإِلَى الْإِسْلَامِ لَعَلّ اللهُ يُهْدِيهِمْ وَإِلّا آذَيْتهمْ فِي دِينِهِمْ كَمَا كُنْت أُوذِيَ أَصْحَابَك فِي دِينِهِمْ؟ قَالَ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَحِقَ بِمَكّةَ. وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ حِينَ خَرَجَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ يَقُولُ أَبْشِرُوا بِوَقْعَةِ تَأْتِيكُمْ الْآنَ فِي أَيّامٍ تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ وَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْهُ الرّكْبَانَ حَتّى قَدِمَ رَاكِبٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ إسْلَامِهِ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلّمَهُ أَبَدًا، وَلَا يَنْفَعَهُ بِنَفْعِ أَبَدًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قَدِمَ عُمَيْرٌ مَكّةَ، أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ وَيُؤْذِي مَنْ خَالَفَهُ أَذًى شَدِيدًا، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ. هُوَ أَوْ ابْنُ هِشَامٍ الّذِي رَأَى إبْلِيسَ وَمَا نَزَلَ فِيهِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ أَوْ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، قَدْ ذَكَرَ لِي أَحَدُهُمَا، الّذِي رَأَى إبْلِيسَ حِينَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ أَيْنَ أَيْ سُرّاقُ؟ وَمَثَلَ عَدُوّ اللهِ فَذَهَبَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ ﴿وَإِذْ زَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَكُمْ﴾ فَذَكَرَ اسْتِدْرَاجَ إبْلِيسَ إيّاهُمْ وَتَشَبّهَهُ بِسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَهُمْ حِينَ ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ ــ هَلْ تَجَسّدَ إبْلِيسُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ؟
لِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَهُمْ حِينَ ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ ــ هَلْ تَجَسّدَ إبْلِيسُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ؟ وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَنّ عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ هُوَ الّذِي رَأَى إبْلِيسَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ تَشَبّثَ بِهِ وَهُوَ يَرَى أَنّهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ إلَى أَيْنَ سُرّاقُ أَيْنَ تَفِرّ فَلَكَمَهُ لَكْمَةً طَرَحَهُ عَلَى قَفَاهُ ثُمّ قَالَ إنّي أَخَافُ اللهَ رَبّ الْعَالَمِينَ وَإِنّمَا كَانَ تَمَثّلَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ الْمُدْلِجِيّ لِأَنّهُمْ خَافُوا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ أَنْ يَعْرِضُوا لَهُمْ فَيَشْغَلُوهُمْ مِنْ أَجْلِ الدّمَاءِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فَتَمَثّلَ لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ الْمُدْلِجِيّ وَقَالَ إنّي جَارٌ لَكُمْ مِنْ النّاسِ أَيْ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ وَيُرْوَى أَنّهُمْ رَأَوْا سُرَاقَةَ بِمَكّةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالُوا لَهُ يَا سُرَاقَةَ أَخَرَمْت الصّفّ وَأَوْقَعْت فِينَا الْهَزِيمَةَ؟ فَقَالَ وَاَللهِ مَا عَلِمْت بِشَيْءِ مِنْ
َةَ بِمَكّةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالُوا لَهُ يَا سُرَاقَةَ أَخَرَمْت الصّفّ وَأَوْقَعْت فِينَا الْهَزِيمَةَ؟ فَقَالَ وَاَللهِ مَا عَلِمْت بِشَيْءِ مِنْ
كِنَانَةَ فِي الْحَرْبِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ وَنَظَرَ عَدُوّ اللهِ إلَى جُنُودِ اللهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ قَدْ أَيّدَ اللهُ بِهِمْ رَسُولَهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى عَدُوّهِمْ ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وَصَدَقَ عَدُوّ اللهِ رَأَى مَا لَمْ يَرَوْا، وَقَالَ ﴿إِنّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الْأَنْفَال:٤٨] فَذُكِرَ لِي أَنّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي كُلّ مَنْزِلٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ لَا يُنْكِرُونَهُ حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ فَأَوْرَدَهُمْ ثُمّ أَسْلَمَهُمْ. تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَكَصَ رَجَعَ. قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ أَحَدُ بَنِي أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ نَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ يَوْمَ جِئْتُمْ ... تُزَجّونَ أَنْفَالَ الْخَمِيسِ الْعَرَمْرَمِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. ــ أَمْرِكُمْ حَتّى كَانَتْ هَزِيمَتَكُمْ وَمَا شَهِدْت، وَمَا عَلِمْت فَمَا صَدّقُوهُ حَتّى أَسْلَمُوا وَسَمِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَعَلِمُوا أَنّهُ كَانَ إبْلِيسُ تَمَثّلَ لَهُمْ.
َتَكُمْ وَمَا شَهِدْت، وَمَا عَلِمْت فَمَا صَدّقُوهُ حَتّى أَسْلَمُوا وَسَمِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَعَلِمُوا أَنّهُ كَانَ إبْلِيسُ تَمَثّلَ لَهُمْ. وَقَوْلُ اللّعِينِ إنّي أَخَافُ اللهَ رَبّ الْعَالَمِينَ لِأَهْلِ التّأْوِيلِ فِيهِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا: أَنّهُ كَذَبَ فِي قَوْلِهِ إنّي أَخَافُ اللهَ لِأَنّ الْكَافِرَ لَا يَخَافُ اللهَ الثّانِي: أَنّهُ رَأَى جُنُودَ اللهِ تَنْزِلُ مِنْ السّمَاءِ فَخَافَ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ الْمَوْعُودَ الّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الْفرْقَان:٢٢] وَقِيلَ أَيْضًا: إنّمَا خَافَ أَنْ تُدْرِكَهُ الْمَلَائِكَةُ لَمّا رَأَى مِنْ فِعْلِهَا بِحِزْبِهِ الْكَافِرِينَ وَذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ أَنّ قُرَيْشًا حِينَ تَوَجّهَتْ إلَى بَدْرٍ مَرّ هَاتِفٌ مِنْ الْجِنّ عَلَى مَكّةَ فِي الْيَوْمِ الّذِي أَوْقَعَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ يَنْشُدُ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ وَلَا يُرَى شَخْصُهُ
شِعْرٌ لِحَسّانِ فِي الْفَخْرِ بِقَوْمِهِ وَمَا كَانَ مِنْ تَغْرِيرِ إبْلِيسَ بِقُرَيْشِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ: قَوْمِي الّذِينَ هُمْ آوَوْا نَبِيّهُمْ ... وَصَدّقُوهُ وَأَهْلُ الْأَرْضِ كُفّارُ إلّا خَصَائِصَ أَقْوَامٍ هُمْ سَلَفٌ ... لِلصّالِحِينَ مَعَ الْأَنْصَارِ أَنْصَارُ مُسْتَبْشِرِينَ بِقَسْمِ اللهِ قَوْلُهُمْ ... لَمّا أَتَاهُمْ كَرِيمُ الْأَصْلِ مُخْتَارُ أَهْلًا وَسَهْلًا فَفِي أَمْنٍ وَفِي سَعَةٍ ... نِعْمَ النّبِيّ وَنِعْمَ الْقَسْمُ وَالْجَارُ فَأَنْزَلُوهُ بِدَارِ لَا يُخَافُ بِهَا ... مَنْ كَانَ جَارَهُمْ دَارًا هِيَ الدّارُ وَقَاسَمُوهُ بِهَا الْأَقْوَالَ إذْ قَدِمُوا ... مُهَاجِرِينَ وَقَسْمُ الْجَاحِدِ النّارُ سِرْنَا وَسَارُوا إلَى بَدْرٍ لِحِينِهِمْ ... لَوْ يَعْلَمُونَ يَقِينَ الْعِلْمِ مَا سَارُوا دَلّاهُمْ بِغُرُورِ ثُمّ أَسْلَمَهُمْ ... إنّ الْخَبِيثَ لِمَنْ وَالَاهُ غَرّارُ وَقَالَ إنّي لَكُمْ جَارٌ فَأَوْرَدَهُمْ ... شَرّ الْمَوَارِدِ فِيهِ الْخِزْيُ وَالْعَارُ ثُمّ الْتَقَيْنَا فَوَلّوْا عَنْ سَرَاتِهُمُ ... مِنْ مُنْجِدِينَ وَمِنْهُمْ فِرْقَةٌ غَارُوا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ " لَمّا أَتَاهُمْ كَرِيمُ الْأَصْلِ مُخْتَارُ " أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ. ــ أَزَارَ الْحَنِيفِيّونَ بَدْرًا وَقِيعَةً ... سَيَنْقَضّ مِنْهَا رُكْنُ كِسْرَى وَقَيْصَرَا أَبَادَتْ رِجَالًا مِنْ لُؤَيّ وَأَبْرَزَتْ ... خَرَائِدَ يَضْرِبْنَ التّرَائِبَ حُسّرَا فَيَا وَيْحَ مَنْ أَمْسَى عَدُوّ مُحَمّدٍ ... لَقَدْ جَارَ عَنْ قَصْدِ الْهُدَى وَتَحَيّرَا فَقَالَ قَائِلُهُمْ مَنْ الْحَنِيفِيّونَ؟ فَقَالُوا: هُمْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِ ثُمّ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَهُمْ الْخَبَرُ الْيَقِينُ.
الُوا: هُمْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِ ثُمّ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَهُمْ الْخَبَرُ الْيَقِينُ.
المطعمون مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْمُطْمِعُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ. مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ، يَعْتَقِبَانِ ذَلِكَ. مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، يَعْتَقِبَانِ ذَلِكَ. مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: النّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ. نَسَبُ النّضْرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ. مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنْ بَنِي جُمَحَ وَمِنْ بَنِي جُمَحَ أُمَيّةَ بْنَ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: نَبِيهًا وَمُنَبّهًا ابْنَيْ الْحَجّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ يَعْتَقِبَانِ ذَلِكَ. مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: سُهَيْلَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَسْمَاءُ خَيْلِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّهُ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْخَيْلِ فَرَسُ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ السّبَلُ وَفَرَسُ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيّ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ بَعْزَجَةُ وَيُقَالُ سَبْحَةُ وَفَرَسُ الزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْيَعْسُوبُ. خَيْلُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ مِائَةُ فَرَسٍ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نُزُولُ سُورَةِ الْأَنْفَالِ مَا نَزَلَ فِي تَقْسِيمِ الْأَنْفَالِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْقَضَى أَمْرُ بَدْرٍ أَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ ــ ذِكْرُ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي بَدْرٍ أَنْزَلَ سُورَةَ الْأَنْفَالِ بِأَسْرِهَا، وَالْأَنْفَالُ هِيَ الْغَنَائِمُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ
الْأَنْفَالَ بِأَسْرِهَا، فَكَانَ مِمّا نَزَلَ مِنْهَا فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي النّفَلِ حِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرّسُولِ فَاتّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَنْفَال:١] ــ الْأَمْوَالِ النّفَلُ إحْسَانٌ وَتَفَضّلٌ مِنْ الْمُنْعِمِ فَسُمّيَتْ الْغَنَائِمُ أَنْفَالًا، لِأَنّ اللهَ تَعَالَى تَفَضّلَ بِهَا عَلَى هَذِهِ الْأُمّةِ وَلَمْ يُحِلّهَا لِأَحَدِ قَبْلَهُمْ. قَالَ الْمُؤَلّفُ أَمّا قَوْلُهُ إنّ اللهَ تَفَضّلَ بِهَا فَصَحِيحٌ فَقَالَ قَالَ ﵇ "مَا أُحِلّتْ الْغَنَائِمُ لِأَحَدِ سُودِ الرّءُوسِ قَبْلَكُمْ إنّمَا كَانَتْ نَارٌ تَنْزِلُ مِنْ السّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا" وَأَمّا قَوْلُهُ فَسُمّيَتْ الْغَنَائِمُ أَنْفَالًا لِهَذَا، فَلَا أَحْسَبُهُ صَحِيحًا، فَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيّةِ الْجَهْلَاءِ تُسَمّيهَا أَنْفَالًا. وَقَدْ أَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ الْأَسِيدِيّ وَهُوَ جَاهِلِيّ قَدِيمٌ: نَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ يَوْمَ جِئْتُمْ ... تُزَجّونَ أَنْفَالَ الْخَمِيسِ الْعَرَمْرَمِ
سِ بْنِ حَجَرٍ الْأَسِيدِيّ وَهُوَ جَاهِلِيّ قَدِيمٌ: نَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ يَوْمَ جِئْتُمْ ... تُزَجّونَ أَنْفَالَ الْخَمِيسِ الْعَرَمْرَمِ فَفِي هَذَا الْبَيْتِ أَنّهَا كَانَتْ تُسَمّى أَنْفَالًا قَبْلَ أَنْ يُحِلّهَا اللهُ لِمُحَمّدِ وَأُمّتِهِ فَأَصْلُ اشْتِقَاقِهَا إِذا مِنْ النّفَلِ وَهُوَ الزّيَادَةُ لِأَنّهَا زِيَادَةٌ فِي أَمْوَالِ الْغَانِمِينَ وَفِي بَيْتِ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ أَيْضًا شَاهِدٌ آخَرُ عَلَى أَنّ الْجَيْشَ كَانَ يُسَمّى: خَمِيسًا فِي الْجَاهِلِيّةِ لِأَنّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنّ اسْمَ الْخَمِيسِ مِنْ الْخُمُسِ الّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الْمَغْنَمِ وَهَذَا لَمْ يَكُنْ حَتّى جَاءَ الْإِسْلَامُ وَإِنّمَا كَانَ لِصَاحِبِ الْجَيْشِ الرّبُعُ وَهُوَ الْمِرْبَاعُ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي اشْتِقَاقِهِ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ. قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَطَاءٌ " يَسْأَلُونَك الْأَنْفَالَ " وَقَرَأَتْ الْجَمَاعَةُ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾
فَكَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ - فِيمَا بَلَغَنِي - إذَا سُئِلَ عَنْ الْأَنْفَالِ قَالَ فِينَا مَعْشَرَ أَهْلِ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النّفَلِ يَوْمَ بَدْرٍ فَانْتَزَعَهُ اللهُ مِنْ أَيْدِينَا حِينَ سَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا فَرَدّهُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَسمهُ بينن اعَنْ بَوَاءٍ - يَقُولُ عَلَى السّوَاءِ - وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَقْوَى اللهِ وَطَاعَتُهُ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ ﷺ وَصَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ مَا نَزَلَ فِي خُرُوجِ الْقَوْمِ مَعَ الرّسُولِ لِمُلَاقَاةِ قُرَيْشٍ ثُمّ ذَكَرَ الْقَوْمَ وَمَسِيرَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ عَرَفَ الْقَوْمُ أَنّ قُرَيْشًا قَدْ سَارُوا ــ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ لأَنهم سألوها وسألوا عَنْهَا لِمَنْ هِيَ.
ولِ اللهِ ﷺ حِينَ عَرَفَ الْقَوْمُ أَنّ قُرَيْشًا قَدْ سَارُوا ــ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ لأَنهم سألوها وسألوا عَنْهَا لِمَنْ هِيَ. وَقَوْلُ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ: نَزَلَتْ فِينَا أَهْلَ بَدْرٍ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ لِأَنّا تَنَازَعْنَا فِي النّفَلِ وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، كَذَلِكَ جَاءَ فِي التّفْسِيرِ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِ أَنّ عُبَادَةَ بْنَ الصّامِتِ مَعَ الّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَأَبَا الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو فِي طَائِفَةٍ مَعَهُ وَكَانَ أَبُو الْيُسْرِ قَدْ قَتَلَ قَتِيلَيْنِ وَأَسَرَ أَسِيرَيْنِ تَنَازَعُوا، فَقَالَ الّذِينَ حَوَوْا الْمَغْنَمَ نَحْنُ أَحَقّ بِهِ وَقَالَ الّذِينَ شُغِلُوا بِالْقِتَالِ وَاتّبَاعِ الْقَوْمِ نَحْنُ أَحَقّ بِهِ فَانْتَزَعَهُ اللهُ مِنْهُمْ وَرَدّهُ إلَى نَبِيّهِ ﷺ وَقَدْ تَقَدّمَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، حِينَ جَاءَ بِالسّيْفِ فَأُمِرَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْقَبَضِ فَشَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَانَ السّيْفُ لِلْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ يُقَالُ لَهُ ذُو الْكَنِيفَةِ فَلَمّا نَزَلَتْ الْآيَةُ أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ السّيْفَ لِسَعْدِ وَقَسَمَ الْغَنِيمَةَ عَنْ بَوَاءٍ أَيْ عَلَى سَوَاءٍ وَقَدْ قَدّمْنَا الْحَدِيثَ الّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَفِيهِ أَنّهُ قَسَمَهَا عَلَى فَوَاقٍ فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ ﴿وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْفَال:٤١] الْآيَةَ فَنَسَخَتْ ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الْأَنْفَال:١] وَهُوَ أَصَحّ الْأَقْوَالِ أَنّهَا مَنْسُوخَةٌ.
شَيْءٍ﴾ [الْأَنْفَال:٤١] الْآيَةَ فَنَسَخَتْ ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الْأَنْفَال:١] وَهُوَ أَصَحّ الْأَقْوَالِ أَنّهَا مَنْسُوخَةٌ. وَأَمّا مَنْ زَعَمَ أَنّ الْأَنْفَالَ مَا شَذّ مِنْ الْعَدُوّ إلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَابّةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَلَيْسَتْ مَنْسُوخَةً عِنْدَهُ وَكَذَلِك قَوْلُ مُجَاهِدٍ: أَنّ الْأَنْفَالَ هُوَ الْخُمُسُ نَفْسُهُ وَإِنّمَا تَكُونُ مَنْسُوخَةً إذَا قُلْنَا إنّهَا جُمْلَةُ الْغَنَائِمِ وَهُوَ الْقَوْلُ الّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْآثَارُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْأَنْفَالُ تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ نَفَلٌ لَا
إلَيْهِمْ وَإِنّمَا خَرَجُوا يُرِيدُونَ الْعِيرَ طَمَعًا فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ: ﴿ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقّ وَإِنّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيّنَ كَأَنّمَا ــ يُخَمّسُ وَنَفَلٌ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ وَنَفَلٌ مِنْ الْخُمُسِ وَنَفَلُ السّرَايَا وَهُوَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَنَفَلٌ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ فَأَمّا الّذِي لَيْسَ فِيهِ خُمُسٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ وَلَا مِنْ الْخُمُسِ فَهُوَ سَلَبُ الْقَتِيلِ يُقْتَلُ فِي غَيْرِ مَعْمَعَةِ الْحَرْبِ وَفِي غَيْرِ الزّحْفِ فَهُوَ مِلْكٌ لِلْقَاتِلِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيّ، وَأَهْلِ الشّامِ، وَقَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنّ السّلَبَ مِنْ جُمْلَةِ النّفَلِ يُخَمّسُ مَعَ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ الّذِي فِي الْمُوَطّأِ حِينَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْأَنْفَالِ فَقَالَ الْفَرَسُ مِنْ النّفَلِ وَالدّرْعُ مِنْ النّفَلِ وَقَالَ فِي غَيْرِ الْمُوَطّأِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْفَرَسُ مِنْ النّفَلِ وَفِي النّفَلِ الْخُمُسُ أَنّ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ فِي آخِرِهِ يُرِيدُ أَنّ السّلَبَ لِلْقَاتِلِ فَفَسّرَهُ عَلَى مَذْهَبِ شَيْخِهِ وَمِنْ حُجّتِهِمْ أَيْضًا أَنّ عُمَرَ ﵁ خَمّسَ سَلَبَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ قَتَلَ مَرْزُبَانَ الزّأْرَةِ فَسَلَبَهُ سِوَارَيْهِ وَمِنْطَقَتَهُ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ فَبَلَغَ ثَمَنُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَقَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوّلِ لَا حُجّةَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ لِأَنّهُ إنّمَا خَمّسَ الْمَرْزُبَانَ لِأَنّهُ اسْتَكْثَرَهُ وَقَالَ قَدْ كَانَ اللّبّ لَا يُخَمّسُ وَإِنّ سَلَبَ الْبَرَاءِ بَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَنَا خَامِسُهُ وَاحْتَجّوا بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ أَكْوَعَ إذْ قَتَلَ قَتِيلًا،
لَا يُخَمّسُ وَإِنّ سَلَبَ الْبَرَاءِ بَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَنَا خَامِسُهُ وَاحْتَجّوا بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ أَكْوَعَ إذْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ – "لَهُ سَلَبُهُ" أَجْمَعُ وَمِنْ حُجّةِ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ عُمُومُ آيَةِ الْخُمُسِ فَإِنّهُ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الْأَنْفَال:٤١] وَحَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ أَنّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوّ فَأَرَادَ سَلَبَهُ فَمَنَعَهُ ذَلِكَ وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرَ عَوْفٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِخَالِدِ "مَا مَنَعَك أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ"؟ فَقَالَ اسْتَكْثَرْته يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ "ادْفَعْهُ إلَيْهِ" فَلَقِيَ عَوْفٌ خَالِدًا فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ وَقَالَ هَلْ أَنْجَزْت لَك مَا ذَكَرْت لَك مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ[فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ] فَاسْتُغْضِبَ فَقَالَ "لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو إلَيّ أُمَرَائِي [إنّمَا مَثَلُكُمْ
سُولِ اللهِ ﷺ[فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ] فَاسْتُغْضِبَ فَقَالَ "لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو إلَيّ أُمَرَائِي [إنّمَا مَثَلُكُمْ
يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أَيْ كَرَاهِيَةً لِلِقَاءِ الْقَوْمِ وَإِنْكَارًا لِمَسِيرِ قُرَيْشٍ، حِينَ ذَكَرُوا لَهُمْ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنّهَا لَكُمْ وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أَيْ الْغَنِيمَةُ دُونَ الْحَرْبِ ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقّ الْحَقّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَنْفَال٥:٧] أَيْ بِالْوَقْعَةِ الّتِي أَوْقَعَ بِصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ وَقَادَتِهِمْ ــ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَرْعَى إبِلًا وَغَنَمًا، فَرَعَاهَا، ثُمّ تَحَيّنَ سَقْيَهَا، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا فَشَرَعَتْ فِيهِ فَشَرِبَتْ صَفْوَةً وَتَرَكَتْ كَدَرَهُ فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ] وَلَوْ كَانَ السّلَبُ حَقّا لَهُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ لَمَا رَدّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْوَاحِدُ مِنْ النّفَلِ. وَالْقِسْمُ الثّانِي: هُوَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ تَخْمِيسِهَا، وَهُوَ مَا يُعْطَى الْأَدِلّاءُ الّذِي يَدُلّونَ عَلَى عَوْرَةِ الْعَدُوّ وَيَدُلّونَ [عَلَى] الطّرُقِ وَمَا يُعْطَى الدّعَاةُ وَغَيْرُهُ مِمّا يَنْتَفِعُ أَهْلُ الْجَيْشِ بِهِ عَامّةً. وَالْقِسْمُ الثّالِثُ مَا تُنَفّلُهُ السّرَايَا، فَقَدْ كَانَتْ تُنَفّلُ فِي الْبَدْأَةِ الرّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَفِي الْعَوْدَةِ الثّلُثَ مِمّا غَنِمُوهُ كَذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ مَكْحُولٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَأَخَذَتْ بِهِ طَائِفَةٌ.
ُمُسِ وَفِي الْعَوْدَةِ الثّلُثَ مِمّا غَنِمُوهُ كَذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ مَكْحُولٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَأَخَذَتْ بِهِ طَائِفَةٌ. وَالْقِسْمُ الرّابِعُ مِنْ النّفَلِ مَا يُنَفّلُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْخُمُسِ لِأَهْلِ الْغِنَاءِ وَالْمَنْفَعَةِ لِأَنّ مَا كَانَ لِلرّسُولِ ﵇ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَهُوَ لِلْإِمَامِ بَعْدَهُ يَصْرِفُهُ فِيمَا كَانَ النّبِيّ ﵇ يَصْرِفُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَصْنَافِ الّتِي ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ وَهُمْ ذُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ وَابْنُ
يَوْمَ بَدْرٍ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ﴾ أَيْ لِدُعَائِهِمْ حِينَ نَظَرُوا إلَى كَثْرَةِ عَدُوّهِمْ وَقِلّةِ عَدَدِهِمْ ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أ﴾ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدُعَائِكُمْ ﴿أَنّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ ــ السّبِيلِ وَقَدْ أُعْطِيَ الْمِقْدَادُ حِمَارًا مِنْ الْخُمُسِ أَعْطَاهُ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ فَرَدّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ وَأَمّا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَإِنّهُ فَعَلَ خِلَافَ هَذَا، أَعْطَاهُ مُعَاوِيَةُ ثَلَاثِينَ رَأْسًا مِنْ الْغَنِيمَةِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، إلّا أَنْ تَكُونَ مِنْ الْخُمُسِ وَأَصَحّ الْقَوْلَيْنِ أَنّ الْإِمَامَ لَهُ النّظَرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ رَأَى صَرْفَ الْخُمُسِ إلَى مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ تَكُنْ بِالْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ إلَيْهِ صَرَفَهُ. وَإِلّا بَدَأَ بِهِمْ وَصَرَفَ بَقِيّتَهُ فِيمَا يَرَى، وَاخْتُلِفَ فِي ذَوِي الْقُرْبَى مَنْ هُمْ فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنّا نَرَى أَنّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا، وَقَالُوا: هُمْ قُرَيْشٌ كُلّهُمْ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْكِتَابِ الّذِي كَتَبَهُ إلَى نَجْدَةَ الْحَرُورِيّ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قَرَابَةِ الْإِمَامِ بَعْدَ النّبِيّ ﷺ " أَهُمْ دَاخِلُونَ فِي الْآيَةِ أَمْ لَا؟ " وَالصّحِيحُ دُخُولُهُمْ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى، لِقَوْلِهِ ﵇ "إذَا أَطْعَمَ اللهُ نَبِيّا طُعْمَةً فَهِيَ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ أَوْ قَالَ لِلْقَائِمِ بَعْدَهُ". وَمِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ مَعْنَى آيَةِ الْخُمُسِ قِسْمُ خُمُسِ الْخُمُسِ فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَأَنّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الْأَنْفَال:٤١] أَيْ لِلْكَعْبَةِ يَخْرُجُ لَهَا نَصِيبٌ مِنْ الْخُمُسِ وَلِلرّسُولِ نَصِيبٌ وَبَاقِي الْخُمُسِ لِلْأَرْبَعَةِ الْأَصْنَافِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ خُمُسُ الْخُمُسِ لِلرّسُولِ وَبَاقِيهِ لِلْأَرْبَعَةِ الْأَصْنَافِ.
ّسُولِ نَصِيبٌ وَبَاقِي الْخُمُسِ لِلْأَرْبَعَةِ الْأَصْنَافِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ خُمُسُ الْخُمُسِ لِلرّسُولِ وَبَاقِيهِ لِلْأَرْبَعَةِ الْأَصْنَافِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْخُمُسُ كُلّهُ لِلرّسُولِ يَصْرِفُهُ فِي تِلْكَ الْأَصْنَافِ وَغَيْرِهَا، وَإِنّمَا قَالَ اللهُ ﴿وَلِلرّسُولِ﴾ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِ الْمَكْسَبِ وَطِيبِ الْمَغْنَمِ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْفَيْءِ وَهُوَ مِمّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَرْضِينَ الّتِي كَانَتْ لِأَهْلِ الْكُفْرِ فَقَالَ فِيهِ ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الْأَنْفَال:٢٤] الْآيَةَ وَلَمْ يَقُلْ فِي آيَاتِ الصّدَقَاتِ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا أَضَافَهَا لِنَفْسِهِ وَلَا
الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ إِذْ يُغَشّيكُمُ النّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ أَيْ أَنْزَلْت عَلَيْكُمْ الْأَمَنَةَ حِينَ نِمْتُمْ لَا تَخَافُونَ ﴿وَيُنَزّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ للمطر الّذِي أَصَابَهُمْ تِلْكَ اللّيْلَةَ فَحَبَسَ ــ لِلرّسُولِ لِأَنّ الصّدَقَةَ أَوْسَاخُ النّاسِ فَلَا تَطِيبُ لِمُحَمّدِ وَلَا لِآلِ مُحَمّدٍ فَقَالَ فِيهَا: ﴿إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التَّوْبَة:٦٠] الْآيَةَ أَيْ لَيْسَتْ لِأَحَدِ إلّا لِهَؤُلَاءِ وَهَذَا كُلّهُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ، وَتَفْسِيرُهُ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فِيمَا أَعْطَى النّبِيّ ﷺ الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ هَلْ كَانَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ أَمْ مِنْ الْفَيْءِ أَمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ إنْ شَاءَ اللهُ. عَنْ قِتَالِ الْمَلَائِكَةِ:
ؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ هَلْ كَانَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ أَمْ مِنْ الْفَيْءِ أَمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ إنْ شَاءَ اللهُ. عَنْ قِتَالِ الْمَلَائِكَةِ: فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الْأَنْفَال:٩] وَقَدْ قَالَ فِي أُخْرَى: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمرَان:١٢٤] فَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ إنّ الْأَلْفَ أَرْدَفَهُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ فَكَانَ الْأَكْثَرُ مَدَدًا لِلْأَقَلّ وَكَانَ الْأَلْفُ مُرْدِفِينَ لِمَنْ وَرَاءَهُمْ بِكَسْرِ الدّالِ مِنْ مُرْدِفِينَ وَكَانُوا أَيْضًا مُرْدَفِينَ بِهِمْ بِفَتْحِ الدّالِ وَالْأَلْفُ هُمْ الّذِينَ قَاتَلُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ الّذِينَ قَالَ اللهُ لَهُمْ ﴿فَثَبّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الْأَنْفَال:١٢] وَكَانُوا فِي صُوَرِ الرّجَالِ وَيَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ اُثْبُتُوا، فَإِنّ عَدُوّكُمْ قَلِيلٌ وَإِنّ اللهَ مَعَكُمْ وَنَحْوَ هَذَا، وَقَوْلُ اللهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الْأَنْفَال:١٢] جَاءَ فِي التّفْسِيرِ أَنّهُ مَا وَقَعَتْ ضَرْبَةٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلّا فِي رَأْسٍ أَوْ مِفْصَلٍ وَكَانُوا يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ قَتْلَاهُمْ بِآثَارِ سُودٍ فِي الْأَعْنَاقِ وَفِي الْبَنَانِ كَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ وَيُقَالُ لِمَفَاصِلِ الْأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا بَنَانٌ وَاحِدَتُهَا بَنَانَةٌ وَهُوَ مِنْ أَبَنّ بِالْمَكَانِ إذَا أَقَامَ فِيهِ وَثَبَتَ قَالَهُ الزّجّاجُ.
الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَسْبِقُوا إلَى الْمَاءِ وَخَلّى سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ ﴿لِيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الْأَنْفَال:٩-١١] أَيْ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ شَكّ الشّيْطَانِ لِتَخْوِيفِهِ إيّاهُمْ عَدُوّهُمْ وَاسْتِجْلَادِ الْأَرْضِ لَهُمْ حَتّى انْتَهَوْا إلَى مَنْزِلِهِمْ الّذِي سَبَقُوا إلَيْهِ عَدُوّهُمْ. ــ وَقَوْلُهُ ﴿لِيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الْأَنْفَال:١١] الْآيَةَ كَانَ الْعَدُوّ قَدْ أَحْرَزُوا الْمَاءَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَفَرُوا الْقُلُبَ لِأَنْفُسِهِمْ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ أَحْدَثُوا وَأَجْنَبَ بَعْضُهُمْ وَهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَى الْمَاءِ فَوَسْوَسَ الشّيْطَانُ لَهُمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ وَقَالَ تَزْعُمُونَ أَنّكُمْ عَلَى الْحَقّ وَقَدْ سَبَقَكُمْ أَعْدَاؤُكُمْ إلَى الْمَاءِ وَأَنْتُمْ عِطَاشٌ وَتُصَلّونَ بِلَا وُضُوءٍ وَمَا يَنْتَظِرُ أَعْدَاؤُكُمْ إلّا أَنْ يَقْطَعَ الْعَطَشُ رِقَابَكُمْ وَيُذْهِبَ قُوَاكُمْ فَيَتَحَكّمُوا فِيكُمْ كَيْفَ شَاءُوا، فَأَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى السّمَاءَ فَحَلّتْ عَزَالِيهَا فَتَطَهّرُوا وَرَوَوْا وَتَلَبّدَتْ الْأَرْضُ لِأَقْدَامِهِمْ وَكَانَتْ رِمَالًا وَسَبَخَاتٍ فَثَبَتَتْ فِيهَا أَقْدَامُهُمْ وَذَهَبَ عَنْهُمْ رِجْزُ الشّيْطَانِ ثُمّ نَهَضُوا إلَى أَعْدَائِهِمْ فَغَلَبُوهُمْ عَلَى الْمَاءِ وَعَارُوا الْقُلُبَ الّتِي كَانَتْ تَلِي الْعَدُوّ فَعَطِشَ الْكُفّار، وَجَاءَ النّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَقَبَضَ النّبِيّ ﷺ قَبْضَةً مِنْ الْبَطْحَاءِ وَرَمَاهُمْ بِهَا،
ّتِي كَانَتْ تَلِي الْعَدُوّ فَعَطِشَ الْكُفّار، وَجَاءَ النّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَقَبَضَ النّبِيّ ﷺ قَبْضَةً مِنْ الْبَطْحَاءِ وَرَمَاهُمْ بِهَا، فَمَلَأَتْ عُيُونَ جَمِيعِ الْعَسْكَرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الْأَنْفَال:١٧] أَيْ عَمّ جَمِيعَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي قَبْضَتِك إلّا مَا يَبْلُغُ بَعْضَهُمْ فَاَللهُ هُوَ الّذِي رَمَى سَائِرَهُمْ إذْ رَمَيْت أَنْتَ الْقَلِيلَ مِنْهُمْ فَهَذَا قَوْلٌ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: مَعْنَاهُ وَمَا رَمَيْت قُلُوبَهُمْ بِالرّعْبِ حِينَ رَمَيْت الْحَصْبَاءَ وَلَكِنّ اللهَ رَمَى وَقَالَ هِبَةُ اللهِ بْنُ سَلَامَةَ الرّمْيُ أَخْذٌ وَإِرْسَالٌ وَإِصَابَةٌ وَتَبْلِيغٌ فَاَلّذِي أَثْبَتَ اللهُ لِنَبِيّهِ هُوَ الْأَخَذُ وَالْإِرْسَالُ وَاَلّذِي نَفَى عَنْهُ هُوَ الْإِصَابَةُ وَالتّبْلِيغُ وَأَثْبَتَهُمَا لِنَفْسِهِ.
مَا نَزَلَ فِي تَبْشِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسَاعَدَةِ وَالنّصْرِ وَتَحْرِيضِهِمْ: ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ آزِرُوا الّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ شَاقّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الْأَنْفَال:١٣] ثُمّ قَالَ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّا مُتَحَرّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الْأَنْفَال:١٥-١٦] أَيْ تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى عَدُوّهِمْ لِئَلّا يَنْكُلُوا عَنْهُمْ إذَا لَقُوهُمْ وَقَدْ وَعَدَهُمْ اللهُ فِيهِمْ مَا وَعَدَهُمْ. مَا نَزَلَ فِي رَمْيِ الرّسُولِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ
لّا يَنْكُلُوا عَنْهُمْ إذَا لَقُوهُمْ وَقَدْ وَعَدَهُمْ اللهُ فِيهِمْ مَا وَعَدَهُمْ. مَا نَزَلَ فِي رَمْيِ الرّسُولِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ ثُمّ قَالَ تَعَالَى فِي رَمْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إيّاهُمْ بِالْحَصْبَاءِ مِنْ يَدِهِ حِينَ رَمَاهُمْ ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللهَ رَمَى﴾ أَيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيِك، لَوْلَا الّذِي جَعَلَ اللهُ فِيهَا مِنْ نَصْرِك، وَمَا أَلْقَى فِي صُدُورِ عَدُوّك مَعَهَا حِينَ هَزَمَهُمْ اللهُ ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً﴾ [الْأَنْفَال:١٧] أَيْ لِيَعْرِفَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ فِي إظْهَارِهِمْ عَلَى عَدُوّهِمْ وَقِلّةِ عَدَدِهِمْ لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقّهُ وَيَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ. ــ حَوْلَ التّوَلّي يَوْمَ الزّحْفِ وَالِانْتِصَارَاتِ الْإِسْلَامِيّةِ الْبَاهِرَةِ وَقَوْلُهُ ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الْأَنْفَال:١٥] الْآيَةَ قَالَ الْحَسَنُ لَيْسَ الْفِرَارُ مِنْ الزّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ وَفِي الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى الّتِي تَأْتِي آخِرَ الزّمَانِ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ إذَا حَضَرَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَتَحَيّزْ إلَى فِئَةٍ فَأَمّا إذَا كَانَ الْفِرَارُ إلَى الْإِمَامِ فَهُوَ مُتَحَيّزٌ إلَى فِئَةٍ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمَا أَوْقَعَ الْفُرْسُ بِالْمُسْلِمِينَ: هَلّا تَحَيّزَ إلَيّ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ فَإِنّي فِئَةٌ لِكُلّ مُسْلِمٍ وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ الّذِينَ رَجَعُوا
مَا نَزَلَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ ثُمّ قَالَ ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ أَيْ لِقَوْلِ أَبِي جَهْلٍ اللهُمّ أَقْطَعَنَا لِلرّحِمِ وَآتَانَا بِمَا لَا يَعْرِفُ فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ. وَالِاسْتِفْتَاحُ الْإِنْصَافُ فِي الدّعَاءِ. يَقُولُ اللهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ أَيْ لِقُرَيْشِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ أَيْ بِمِثْلِ الْوَقْعَةِ الّتِي أَصَبْنَاكُمْ بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَنْفَال:١٩] أَيْ أَنّ عَدَدَكُمْ وَكَثْرَتَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ شَيْئًا، وَإِنّي مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْصُرُهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ. مَا نَزَلَ فِي حَضّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَاعَةِ الرّسُولِ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أَيْ لَا تُخَالِفُوا أَمْرَهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ لِقَوْلِهِ وَتَزْعُمُونَ أَنّكُمْ مِنْهُ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أَيْ كَالْمُنَافِقِينَ الّذِي يُظْهِرُونَ لَهُ الطّاعَةَ وَيُسِرّونَ لَهُ الْمَعْصِيَةَ ﴿إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِنْدَ اللهِ الصّمّ الْبُكْمُ الّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أَيْ الْمُنَافِقُونَ الّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ بُكْمٌ عَنْ الْخَيْرِ صُمّ عَنْ الْحَقّ لَا يَعْقِلُونَ لَا يَعْرِفُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ النّقْمَةِ وَالتّبَاعَةِ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا ــ
ْرِ صُمّ عَنْ الْحَقّ لَا يَعْقِلُونَ لَا يَعْرِفُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ النّقْمَةِ وَالتّبَاعَةِ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا ــ مِنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، ذَلِكَ أَنّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ الْفَرّارُونَ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ "بَلْ أَنْتُمْ الْعَكّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ" وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ اخْتَصَرْته، وَالْقَدْرُ الّذِي يَحْرُمُ مَعَهُ الْفِرَارُ الْوَاحِدُ مَعَ الْوَاحِدِ وَالْوَاحِدُ مَعَ الِاثْنَيْنِ فَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ لِلثّلَاثَةِ لَمْ يُعَبْ عَلَى الْفَارّ فِرَارُهُ كَانَ مُتَحَيّزًا إلَى فِئَةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي
لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أَيْ لَأَنْفَذَ لَهُمْ الّذِينَ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَكِنّ الْقُلُوبَ خَالَفَتْ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَوْ خَرَجُوا مَعَكُمْ ﴿لَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ مَا وَفَوْا لَكُمْ بِشَيْءِ مِمّا خَرَجُوا عَلَيْهِ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الْأَنْفَال:٢٤] أَيْ لِلْحَرْبِ الّتِي أَعَزّكُمْ اللهُ بِهَا بَعْدَ الذّلّ وَقَوّاكُمْ بِهَا بَعْدَ الضّعْفِ وَمَنَعَكُمْ بِهَا مِنْ عَدُوّكُمْ بَعْدَ الْقَهْرِ مِنْهُمْ لَكُمْ ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ النّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطّيّبَاتِ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَنْفَال:٢٦-٢٧] أَيْ لَا تُظْهِرُوا لَهُ مِنْ الْحَقّ مَا يَرْضَى بِهِ مِنْكُمْ ثُمّ تُخَالِفُوهُ فِي السّرّ إلَى غَيْرِهِ فَإِنّ ذَلِكَ هَلَاكٌ لِأَمَانَاتِكُمْ وَخِيَانَةٌ لِأَنْفُسِكُمْ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الْأَنْفَال:٢٩] أَيْ فَصْلًا
اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الْأَنْفَال:٢٩] أَيْ فَصْلًا بَيْنَ الْحَقّ وَالْبَاطِلِ لِيُظْهِرَ اللهُ بِهِ حَقّكُمْ وَيُطْفِئَ بِهِ بَاطِلَ مَنْ خَالَفَكُمْ. مَا نَزَلَ فِي ذِكْرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى الرّسُولِ ثُمّ ذَكّرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ حِينَ مَكَرَ بِهِ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ أَوْ يُثْبِتُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الْأَنْفَال:٣٠] أَيْ فَمَكَرْت بِهِمْ بِكَيْدِي الْمَتِينِ حَتّى خَلّصْتُك مِنْهُمْ. مَا نَزَلَ فِي غِرّةِ قُرَيْشٍ وَاسْتِفْتَاحِهِمْ ثُمّ ذَكَرَ غِرّةَ قُرَيْشٍ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إذْ قَالُوا: ﴿اللهُمّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السّمَاءِ﴾ كَمَا أَمْطَرْتهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أَيْ بَعْضَ مَا عَذّبْت بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَكَانُوا يَقُولُونَ إنّ اللهَ لَا يُعَذّبُنَا وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُهُ وَلَمْ يُعَذّبْ أُمّةً وَنَبِيّهَا مَعَهَا حَتّى يُخْرِجَهُ ــ مُقَدّمَاتِهِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ قَالَ إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ الْفِرَارُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْثَالِهِمْ وَلَا مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇ " لَنْ تُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلّةٍ" وَقَدْ كَانَ وُقُوفُ الْوَاحِدِ إلَى الْعَشَرَةِ حَتْمًا فِي أَوّلِ الْأَمْرِ ثُمّ
عَنْهَا. وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ يَذْكُرُ جَهَالَتَهُمْ وَغِرّتَهُمْ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ حِينَ نَعَى سُوءَ أَعْمَالِهِمْ ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أَيْ لِقَوْلِهِمْ إنّا نَسْتَغْفِرُ وَمُحَمّدٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، ثُمّ قَالَ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلّا يُعَذّبَهُمُ اللهُ﴾ وَإِنْ كُنْت بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَإِنْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ كَمَا يَقُولُونَ ﴿وَهُمْ يَصُدّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أَيْ مَنْ آمَنَ بِاَللهِ وَعَبَدَهُ أَيْ أَنْتَ وَمَنْ اتّبَعَك، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلّا الْمُتّقُونَ﴾ الّذِينَ يُحَرّمُونَ حُرْمَتَهُ وَيُقِيمُونَ الصّلَاةَ عِنْدَهُ أَيْ أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ بِك " وَلَكِنّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ الّتِي يَزْعُمُونَ أَنّهُ يُدْفَعُ بِهَا عَنْهُمْ ﴿إِلّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الْأَنْفَال:٣٢-٣٥] تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُكَاءُ الصّفِيرُ. وَالتّصْدِيَةُ التّصْفِيقُ. قَالَ عَنْتَرَةُ بْنُ عَمْرِو "بْنِ شَدّادٍ الْعَبْسِيّ: وَلَرُبّ قَرْنٍ قَدْ تَرَكْت مُجَدّلًا ... تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الْأَعْلَمِ يَعْنِي: صَوْتَ خُرُوجِ الدّمِ مِنْ الطّعْنَةِ كَأَنّهُ الصّفِيرُ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الطّرِمّاحُ بْنُ حَكِيمٍ الطّائِيّ: لَهَا كُلّمَا رِيعَتْ صُدَاةٌ وَرَكْدَةٌ ... بِمُصْدَانِ أَعْلَى ابْنَيْ شَمّامٍ الْبَوَئِنِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَعْنِي الْأُرْوِيّةَ يَقُولُ إذَا فَزِعَتْ قَرَعَتْ بِيَدِهَا الصّفَاةَ ثُمّ رَكَدَتْ تَسْمَعُ صَدَى قَرْعِهَا بِيَدِهَا الصّفَاةُ مِثْلُ التّصْفِيقِ وَالْمُصْدَانُ الْحِرْزُ. وَابْنَا شَمّامٍ جَبَلَانِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ مَا لَا يُرْضِي اللهَ ﷿ وَلَا يُحِبّهُ وَلَا مَا افْتَرَضَ
فِيقِ وَالْمُصْدَانُ الْحِرْزُ. وَابْنَا شَمّامٍ جَبَلَانِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ مَا لَا يُرْضِي اللهَ ﷿ وَلَا يُحِبّهُ وَلَا مَا افْتَرَضَ ــ خَفّفَ اللهُ وَنَسَخَهُ بِقَوْلِهِ ﴿الْآنَ خَفّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ [الْأَنْفَال:٦٦] الْآيَةَ كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ وَلَكِنْ لَا يَتَبَيّنُ فِيهِ النّسْخُ لِأَنّ قَوْلَهُ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الْأَنْفَال:٦٥] إلَى
عَلَيْهِمْ وَلَا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمرَان:١٠٦] أَيْ لِمَا أَوْقَعَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْقَتْلِ. الْمُدّةُ بَيْنَ ﴿يَا أَيّهَا الْمُزّمّلُ﴾ وَبَدْرٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاق: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا كَانَ بَيْنَ نُزُولِ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [الْمُزّمّلُ:١) ] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذّبِينَ أُولِي النّعْمَةِ وَمَهّلْهُمْ قَلِيلًا إِنّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٣] إلّا يَسِيرٌ حَتّى أَصَابَ اللهُ قُرَيْشًا بِالْوَقْعَةِ يَوْمَ بَدْرٍ. تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَنْكَالُ الْقُيُودُ وَاحِدُهَا: نِكْلٌ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ: يَكْفِيك نِكْلِي بَغْيَ كُلّ نِكْلٍ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. مَا نَزَلَ فِيمَنْ عَاوَنُوا أَبَا سُفْيَانَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ اللهُ ﷿ ﴿إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمّ يُغْلَبُونَ وَالّذِينَ كَفَرُوا إِلَى ــ
فِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمّ يُغْلَبُونَ وَالّذِينَ كَفَرُوا إِلَى ــ آخِرِ الْآيَةِ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ لَا يَدْخُلُهُ النّسْخُ وَقَوْلُهُ ﴿الْآنَ خَفّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ يَدُلّ عَلَى أَنّ ثَمّ حُكْمًا مَنْسُوخًا، وَهُوَ الثّبُوتُ لِلْعَشَرَةِ فَإِذًا الْآيَةُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ فَظَاهِرُهَا خَبَرٌ وَوَعْدٌ مِنْ اللهِ تَعَالَى أَنْ تَغْلِبَ الْعَشَرَةُ الْمِائَةَ وَبَاطِنُهَا وُجُوبُ الثّبُوتِ لِلْمِائَةِ وَيَدُلّ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ قَوْلُهُ ﴿حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الْأَنْفَال:٦٥] فَتَعَلّقَ النّسْخُ بِهَذَا الْحُكْمِ الْبَاطِنِ وَبَقِيَ الْخَبَرُ وَعْدًا حَقّا قَدْ أَبْصَرَهُ الْمُؤْمِنُونَ - عِيَانًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَفِي بَقِيّةِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي مُحَارَبَةِ الرّومِ وَفَارِسٍ بِالْعِرَاقِ وَالشّامِ، فَفِي تِلْكَ الْمَلَاحِمِ هَزَمَتْ الْمِئُونُ الْآلَافَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ هَزَمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِائَةَ أَلْفٍ حِينَ إقْبَالِهِ مِنْ الْعِرَاقِ إلَى الشّامِ وَلَمْ يَبْلُغْ عَسْكَرُهُ خَمْسَةَ
جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الْأَنْفَال:٣٦] يَعْنِي النّفَرَ الّذِينَ مَشَوْا إلَى أَبِي سُفْيَانَ وَإِلَى مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تِلْكَ التّجَارَةِ فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُقَوّوهُمْ بِهَا عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَفَعَلُوا. ثُمّ قَالَ ﴿قُلْ لِلّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لِحَرْبِك ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الْأَنْفَال:٣٨] أَيْ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. الْأَمْرُ بِقِتَالِ الْكُفّارِ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لِلّهِ﴾ :أَيْ حَتّى لَا يُفْتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ وَيَكُونُ التّوْحِيدُ لِلّهِ خَالِصًا لَيْسَ لَهُ فِيهِ شَرِيكٌ وَيَخْلَعُ مَا دُونَهُ مِنْ الْأَنْدَادِ ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ,وَإِنْ تَوَلّوْا﴾ عَنْ أَمْرِك إلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ ﴿فَاعْلَمُوا أَنّ اللهَ مَوْلَاكُمْ﴾ الّذِي أَعَزّكُمْ وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فِي كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَقِلّةِ عَدَدِكُمْ ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الْأَنْفَال:٤٠] . مَا نَزَلَ فِي تَقْسِيمِ الْفَيْءِ ثُمّ أَعْلَمَهُمْ مَقَاسِمَ الْفَيْءِ وَحُكْمَهُ فِيهِ حِينَ أَحَلّهُ لَهُمْ فَقَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلّ ــ
نِ السّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلّ ــ آلَافٍ بَلْ قَدْ رَأَيْت فِي بَعْضِ فُتُوحِ الشّامِ أَنّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، وَكَانَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ الْعِرَاقِ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ الّذِينَ بِالشّامِ وَكَانَ الرّومُ فِي أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ فَلَقِيَ مِنْهُمْ خَالِدٌ مِائَةَ أَلْفٍ فَفَضّ جَمْعَهُمْ وَهَزَمَهُمْ وَقَدْ هَزَمَ أَهْلُ الْقَادِسِيّةِ جُيُوشَ رُسْتُمَ وَقَتَلُوهُ وَكَانَ رُسْتُمُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ وَلَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُونَ فِي عُشْرِ ذَلِكَ الْعَدَدِ وَجَاءُوا مَعَهُمْ بِالْفِيَلَةِ أَمْثَالَ الْحُصُونِ عَلَيْهَا الرّجَالُ فَفَرّتْ الْفِيَلَةُ
شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ يَوْمَ فَرّقْت فِيهِ بَيْنَ الْحَقّ وَالْبَاطِلِ بِقُدْرَتِي ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدّنْيَا﴾ مِنْ الْوَادِي ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ مِنْ الْوَادِي إلَى مَكّةَ " ﴿وَالرّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أَيْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ الّتِي خَرَجْتُمْ لِتَأْخُذُوهَا وَخَرَجُوا لِيَمْنَعُوهَا مِنْ غَيْرِ مِيعَادٍ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ مِيعَادٍ مَعَكُمْ وَمَعَهُمْ ثُمّ بَلَغَكُمْ كَثْرَةُ عَدَدِهِمْ وَقِلّةُ عَدَدِكُمْ مَا لَقِيتُمُوهُمْ ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أَيْ لِيَقْضِيَ مَا أَرَادَ بِقُدْرَتِهِ مِنْ إعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَنْ غَيْرِ بَلَاءٍ مِنْكُمْ.
عُولًا﴾ أَيْ لِيَقْضِيَ مَا أَرَادَ بِقُدْرَتِهِ مِنْ إعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَنْ غَيْرِ بَلَاءٍ مِنْكُمْ. فَفَعَلَ مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ ثُمّ قَالَ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيّ عَنْ بَيّنَةٍ وَإِنّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْأَنْفَال:٤٢] أَيْ لِيَكْفُرَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ الْحُجّةِ لِمَا رَأَى مِنْ الْآيَةِ وَالْعِبْرَةِ وَيُؤْمِنُ مَنْ آمَنَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. مَا نَزَلَ فِي لُطْفِ اللهِ بِالرّسُولِ ثُمّ ذَكَرَ لُطْفَهُ بِهِ وَكَيْدَهُ لَهُ ثُمّ قَالَ ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنّ اللهَ سَلّمَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ﴾ فَكَانَ مَا أَرَاك مِنْ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ شَجّعَهُمْ بِهَا عَلَى عَدُوّهِمْ وَكَفّ بِهَا عَنْهُمْ مَا تُخُوّفَ عَلَيْهِمْ مِنْ ضَعْفِهِمْ لِعِلْمِهِ بِمَا فِيهِمْ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تُخُوّفَ مُبْدَلَةٌ مِنْ كَلِمَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ وَلَمْ أَذْكُرْهَا ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ ــ وَأَطَاحَتْ مَا عَلَيْهَا، وَلَمْ يَرُدّهَا شَيْءٌ دُونَ الْبَلَدِ الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ وَكَذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنْ فَتْحِ اللهِ وَنَصْرِهِ عَلَى يَدَيْ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِإِفْرِيقِيّةَ وَالْأَنْدَلُسِ فَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ الْعَجَبِ فَكَانَ وَعْدُ اللهِ مَفْعُولًا وَنَصْرُهُ الْمُسْلِمِينَ نَاجِزًا، وَالْحَمْدُ لِلّهِ. وَقَالَ النّقّاشُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا
مَفْعُولاً﴾ [الْأَنْفَال:٤٤] أَيْ لِيُؤَلّفَ بَيْنَهُمْ عَلَى الْحَرْبِ لِلنّقْمَةِ مِمّنْ أَرَادَ الِانْتِقَامَ مِنْهُ وَالْإِنْعَامَ عَلَى مَنْ أَرَادَ إتْمَامَ النّعْمَةِ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ. مَا نَزَلَ فِي وَعْظِ الْمُسْلِمِينَ وَتَعْلِيمِهِمْ خُطَطَ الْحَرْبِ ثُمّ وَعَظَهُمْ وَفَهّمَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ الّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا بِهِ فِي حَرْبِهِمْ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ تُقَاتِلُونَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ الّذِي لَهُ بَذَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَالْوَفَاءَ لَهُ بِمَا أَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ بَيْعَتِكُمْ ﴿لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ أَيْ لَا تَخْتَلِفُوا فَيَتَفَرّقُ أَمْرُكُمْ ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أَيْ وَتَذْهَبَ حِدّتُكُمْ ﴿وَاصْبِرُوا إِنّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أَيْ إنّي مَعَكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النّاسِ﴾ أَيْ لَا تَكُونُوا كَأَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ الّذِينَ قَالُوا: لَا نَرْجِعُ حَتّى نَأْتِيَ بَدْرًا فَنَنْحَرَ بِهَا الْجُزُرَ وَتُسْقَى بِهَا الْخَمْرُ وَتُعْزَفُ عَلَيْنَا فِيهَا الْقِيَانُ وَتَسْمَعُ الْعَرَبُ: أَيْ لَا يَكُونُ أَمْرُكُمْ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَلَا الْتِمَاسَ مَا عِنْدَ النّاسِ وَأَخْلِصُوا لِلّهِ النّيّةَ وَالْحِسْبَةَ فِي نَصْرِ دِينِكُمْ وَمُوَازَرَةِ نَبِيّكُمْ لَا تَعْمَلُوا إلّا لِذَلِكَ وَلَا تَطْلُبُوا غَيْرَهُ. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ ــ
لِذَلِكَ وَلَا تَطْلُبُوا غَيْرَهُ. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ ــ مِائَتَيْنِ﴾ [الْأَنْفَال:٦٥] مَعْنَاهُ إنْ يَصْبِرُوا يَغْلِبُوا، وَغَلَبَتُهُمْ لَيْسَ بِأَنْ يُسْلِمُوا كُلّهُمْ وَلَكِنْ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ رَأَى غَلَبَةَ أَهْلِ دِينِهِ وَظُهُورَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَلَا يَقْدَحُ فِي وَعْدِ اللهِ أَنْ يَسْتَشْهِدَ جُمْلَةٌ مِنْ الصّابِرِينَ وَإِنّمَا هَذَا كَقَوْلِهِ ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فَقَدْ نُجِزَ الْمَوْعُودُ وَغَلَبُوا كَمَا وُعِدُوا. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ وَاَلّذِي قَدّمْنَاهُ أَبْيَنُ. الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فِي بَدْرٍ وَفِي هَذِهِ السّورَةِ قَوْلُهُ ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، ثُمّ خَرَجُوا مَعَ
ِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، ثُمّ خَرَجُوا مَعَ
النّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الْأَنْفَال: ٤٦-٤٨] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الْكُفْرِ وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ وَوَصَفَهُمْ بِصِفَتِهِمْ وَأَخْبَرَ نَبِيّهُ ﷺ عَنْهُمْ حَتّى انْتَهَى إلَى أَنْ قَالَ ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الْأَنْفَال:٥٧] أَيْ فَنَكّلْ بِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ لَعَلّهُمْ يَعْقِلُونَ ﴿وَأَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللهِ وَعَدُوّكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ أَيْ لَا يَضِيعُ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ وَعَاجِلُ خَلَفِهِ فِي الدّنْيَا. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أَيْ إنْ دَعَوْك إلَى السّلْمِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَصَالِحْهُمْ عَلَيْهِ ﴿وَتَوَكّلْ عَلَى اللهِ﴾ إنّ اللهَ كَافِيك ﴿إِنّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الْأَنْفَال:٦٠-٦١] . ــ الْمُشْرِكِينَ إلَى بَدْرٍ فَلَمّا رَأَوْا قِلّةَ الْمُسْلِمِينَ شَكّوا، وَقَالُوا: غَرّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ، مِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَيْسُ بْنُ الْفَاكِهِ وَجَمَاعَةٌ سَمّاهُمْ أَبُو بَكْرٍ النّقّاشُ وَهُمْ الّذِينَ قُتِلُوا فَضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ. رَأْيُ الْأَخْنَسِ وَأَبِي جَهْلٍ فِي النّبِيّ ﷺ:



