إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya المقريزي (w. 845 H).

Bagian 32 dari 128 6146 halaman

— Bagian 32 · ة، وتأذّن ربك أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من ي… —

Bagian 32

ة، وتأذّن ربك أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، وهذا حالهم، وهم في كل مكان تحت الصّغار والذّل، سواء كان أهل الأرض مسلمين أو نصارى.

فلحقها ثلاثة أمور [ (١) ] : أحدها: الزيادة والنقصان، والثاني: اختلاف الترجمة، والثالث: اختلاف التأويل والتفسير، ففيها: بالحبشة نهرا يقال له: جيحون محيط بجبالها، وليس بالحبشة نهر يقال له: جيحون أو جيحان، بل النهران أحدهما في أقصى بلاد العجم، والآخر ينزل من جبال الروم وينصب في بحر الروم، فالواقع والرواية متناقضان، والغلط في كتاب اللَّه ممتنع، فالتوراة مغيّرة. ومنها: أن نوحا أخبر أن حاما يكون عبدا لأخويه، ثم ذكروا أن نمروذ بن كنعان من أولاد حام كان ملكا جبارا، وهو أول ملك ضرب المثل بشدته وشجاعته، وأن مصر وقبطها من أولاده وأنهم استعبدوا بني إسرائيل مائتين من السنين، وهم من بني سام، وهذا تناقض. ومنها: أن إسحاق قال لولده عيص: قد صيرت يعقوب عليك سلطانا، وجعلت كل اخوته له عبيدا، ثم ذكر أن يعقوب لما انصرف من عند أخواله لقي عيص وسجد له سبع سجدات، وأسجد أهله له، وخاطبه يعقوب بالعبودية، وأهدى إليه، وهذا تناقض. ومنها: أن يعقوب قال عند وفاته: لا ينقطع من يهود القضيب ولا من نسله قائد، وقد انقطع القضيب والقائد من نسله مرة ست مرات وسنتين، ومرة سبعا وسبعين سنة، وهذه المرة الثالثة، وما اجتمع بعدها شملهم، ولا يجتمع لقوله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [ (٢) ] ، والمراد القدرة والسلطة. وعن لوط أنه خرج من المدينة وسكن كهف الجبل ومعه ابنتاه، فقالت الصغرى للكبرى: قد شاخ أبونا فارقدي بنا معه لنأخذ منه نسلا، فرقدت معه الكبرى ثم الصغرى- وهو سكران- ثم فعلتا ذلك في الليلة الثانية وحملتا منه

بولدين! فهل يستجير أحد من الناس [أن يصدق] أن يوقع نبيا كريما في مثل هذه الفاحشة العظيمة في آخر عمره ثم يذيعها عنه، ويجعل ذلك وحيا يتلى في المحاريب آلافا من السنين في أقطار الأرض؟ فهذا ما لا يجوّزه أحد له عقل.

في مثل هذه الفاحشة العظيمة في آخر عمره ثم يذيعها عنه، ويجعل ذلك وحيا يتلى في المحاريب آلافا من السنين في أقطار الأرض؟ فهذا ما لا يجوّزه أحد له عقل.

ومنها أن اللَّه تجلى لموسى في سيناء وقال له بعض كلام كثير: أدخل يدك في [حجرتك] وأخرجها مبروصة كالثلج! وهذا من النمط الأول، واللَّه لم يتجل لموسى، وإنما أمره أن يدخل يده في جيبه، وأخبره أنها تخرج بيضاء من غير سوء، أي برص. ومنها: أن هارون هو الّذي صاغ لهم العجل حتى عبدوه، وهذا إن لم يكن من افترائهم فهو اسم للسامري لا أخو موسى. ومنها: أن اللَّه رأى كثرة فساد الآدميين في الأرض فندم على خلقهم وقال كلاما في آخره: وإني نادم على خلقهم جدا! تعالى اللَّه وتنزه عن ذلك. ومنها: أن اللَّه- ﷾ علوا كبيرا- تصارع مع يعقوب فضرب به يعقوب الأرض، ومنها: أن يهوذا بن يعقوب زوج ابنه الأكبر من امرأة يقال لها: يا مارا، فكان يأتيها مستدبرا فغضب اللَّه من فعله فأماته، فزوج يهوذا ولده الآخر بها، فكان إذا دخل بها أمنى على الأرض، علما بأن [ولدها] كان أول أولاده مدعوا باسم أخيه ومنسوبا إلى أخيه، فكره اللَّه ذلك من فعله فأماته، فأمر بها يهوذا باللحاق ببيت أبيها إلى أن يكبر شيلا ولده ويتم عقله، ثم ماتت زوجة يهوذا وذهب إلى منزل له ليجز غنمه. فلما أخبرت يامارا ولبست زي الزواني وجلست له على طريقه، فلما مر بها خالها زانية فراودها عن نفسها فطالبته بالأجرة، فوعدها بجدي ورمى عندها عصاه وخاتمه، فدخل بها فعلقت منه، ومن ولده هذا داود النبي! فانظر كيف اشتمل هذا الافتراء القبيح على طامتين عظيمتين، إحداهما: أم يهوذا هذا أحد الأسباط الاثني عشر، وقد أثنى اللَّه تعالى عليهم، وذكرهم مع كرام الرسل، فقال اللَّه تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ (١) ] ، وقوله تعالى:

إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [ (١) ] ، فكيف يجوز أن يخبر اللَّه تعالى عن من أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليه وأخبر أنه أوحى إليه بأنه زنى ثم يفضحه أشد الفضيحة بأن يجعل الخبر عنه بزنائه وحيا يتلى آلافا من السنين؟ هذا ما لا يشك من له [أدنى] تأمل بأنه إفك مفترى. والثاني: أنهم جعلوا داود ﵇ ابن زنا، كما جعلوا المسيح [ابن] مريم- رسول اللَّه وكلمته- ابن زنا! ثم كفاهم ذلك حتى نسبوه إلى التوراة، وليس هذا ببدع من شأنهم فقد نسبوا إلى اللَّه العلي الكبير عظائم منها: أنه استراح في اليوم السابع من خلق السموات والأرض! فأنزل اللَّه تكذيبهم على لسان رسوله محمد ﷺ في قوله [تعالى] : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ (٢) ] . فقد تبين أن التوراة وقع فيها التحريف والتبديل، والزيادة والنقص في عدة مواضع.

َما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ (٢) ] . فقد تبين أن التوراة وقع فيها التحريف والتبديل، والزيادة والنقص في عدة مواضع.

وهذه نبذة من مقتضيات غضب اللَّه تعالى عليهم واعلم أن مقتضيات غضب اللَّه على اليهود كثيرة:

  • منها أن اللَّه تعالى فلق البحر لأسلافهم، وأغرق فرعون عدوّهم، وأنجاهم، فما جفّت أقدامهم حتى قالوا لموسى ﵇: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [ (١) ] .
  • ومنها أن موسى ﵇ لما ذهب لميقات ربه، لم يمهلوه حتى عبدوا العجل المصنوع بحضورهم.
  • ومنها أنهم مع مشاهدتهم الآيات والعجائب، كانوا يهمون برجم موسى وهارون- ﵉ في كثير من الأوقات، والوحي بين أظهرهم.
  • ومنها أن موسى لما ندبهم إلى الجهاد قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ (٢) ] .
  • ومنها أنهم آذوا موسى بأنواع الأذى، حتى قالوا: أنه آدر [ (٣) ] ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا [ (٤) ] .
  • ومنها أن هارون لما مات قالوا لموسى: أنت الّذي قتلته وغيبته، فرفعت الملائكة تابوته بين السماء والأرض حتى عاينوه ميتا.
  • ومنها أنهم آثروا العودة إلى مصر ليشبعوا من أكل اللحم والبصل، والقثاء والعدس [ (٥) ] ، هكذا عندهم، والّذي حكاه عنهم- وهو أصدق القائلين- أنهم آثروا ذلك على المن والسلوى.

عودة إلى مصر ليشبعوا من أكل اللحم والبصل، والقثاء والعدس [ (٥) ] ، هكذا عندهم، والّذي حكاه عنهم- وهو أصدق القائلين- أنهم آثروا ذلك على المن والسلوى.

  • ومنها انهماكهم على الزنا وموسى بين أظهرهم، وعدوهم بإزائهم حتى ضعفوا عنهم، ولم يظفروا بهم كما هو معروف عندهم.
  • ومنها أن يوشع تزوج زانية مشهورة بالزنا، وأن داود زنا بالمرأة، أو زنا وابنه سليمان منها وأن أمنون بن داود افتضّ أخته من أبيه فقتله شقيقها، وأنه أخذ سراري أبيه داود وفسق بهن، وأن سليمان بن داود بنى لنسائه بيوت الأوثان وأباح لهن عبادتها.
  • ومنها عبادتهم الأصنام بعد عصر يوشع بن نون ﵇.
  • ومنها تحايلهم على صيد الحيتان يوم السبت، حتى مسخوا قردة خاسئين، واقتدى بهم إلى الآن خلفهم في الوفود ليلة السبت، وغير ذلك من الأعمال المحرمة عليهم في السبت.
  • ومنها قتلهم كل يوم سبعين نبيا ثم يقيمون سوقهم كأنهم جزور وأغنام.
  • ومنها قتلهم يحيى بن زكريا ونشرهم أباه زكريا بالمنشار.
  • ومنها اتفاقهم على تغيير كثير من أحكام التوراة.
  • ومنها رميهم لوطا ﵇ بأنه زنا بابنتيه وهو سكران.
  • ومنها رميهم يوسف ﵇ بأنه حل سراويله وجلس من امرأة العزيز مجلس القابلة من المرأة، فقام وهرب، وهذا لعمري لو رآه أفسق الناس وأفجرهم لقام عن المرأة ولم يقض وطرا.
  • ومنها طاعتهم للخارج على ولد سليمان بن [داود] [ (١) ] ، لما وضع لهم كبشين من ذهب فعكفت جماعتهم على عبادتها إلى أن جرت حروب بينهم وبين المؤمنين الذين كانوا مع ولد سليمان، قتل منهم في معركة واحدة ألوف مؤلفة- كما ذكر في كتاب (المواعظ والاعتبار) [ (٢) ] ، وفي كتاب (عقد جواهر الأسفاط) [ (٢) ] . ثم هم مع ذلك يزرون على أهل الإسلام ويقولون: أنها ترى أكثر الفواحش تقع في المسلمين، إلا ممن هو أعلم وأفقه في دينكم، كالزنا واللواط، والخيانة والحسد، والقتل والغدر، والتكبر والخيلاء، وقلة الورع، وقلة اليقين، وقلة الرحمة والمروءة والحمية، وكثرة الهلع، والتكالب على الدنيا، والكسل في الحسنات، وهذا الحال يكذب لسان المقال.

ر والخيلاء، وقلة الورع، وقلة اليقين، وقلة الرحمة والمروءة والحمية، وكثرة الهلع، والتكالب على الدنيا، والكسل في الحسنات، وهذا الحال يكذب لسان المقال.

فيقال لهم: ألا تستحيون من يقين المسلمين الموحدين بذنوبهم؟ أو لا تستحي ذرية قتلة الأنبياء من يقين المجاهدين لأعداء اللَّه وذريتهم؟ فأين ذريته من سيوف آبائهم تقطر من دماء أنبياء اللَّه إلى ذرية من سيوفهم تقطر من دماء أعداء اللَّه الذين كفروا باللَّه وأشركوا به؟. أولا يستحي من يقول لربه في صلاته: انتبه! كم تنام! استيقظ من رقدتك أن يعير من يقول في صلاته: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ (١) ] فيا اللَّه، لو بلغت ذنوب المسلمين عدد الحصا والرمال، والتراب والأنفاس، ما بلغت قتل نبي واحد، ولا بلغت قول اليهود: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [ (٢) ] ، وقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا [ (٣) ] ، وقولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [ (٤) ] ، وقولهم: إن اللَّه بكى على الطوفان حتى رقد من البكاء وعادته الملائكة!، وقولهم: إنه تعالى عضّ على أنامله على ذلك، وقولهم: أنه ندم على خلق البشر، وشقّ عليه لما رأى من معاصيهم وظلمهم. وأعظم من هذا كله نسبة هذه العظائم إلى التوراة التي أنزلها اللَّه تعالى على كليمه، وفيها هدى ونور، فو الّذي تقوم السماء بأمره، لو بلغت ذنوب المسلمين ما بلغت، ما كانت في جنب ذلك إلا كقطرة في بحر، أو ذرة في قفر. واللَّه الموفق بمنه.

بحث تاريخي عن الأناجيل التي بين يدي النصارى إن النصارى كلهم: أريوسييهم، وملكانييهم، ونسطورييهم، ويعقوبييهم، ومارونييهم، ويونانييهم، لا يختلفون في أن الأناجيل أربعة، ألفها أربعة رجال في أزمان مختلفة. فأولها: ألّفه متّى [ (١) ] اليوناني تلميذ المسيح ﵇، بعد ثماني سنين من رفع المسيح، وكتبه بالسريانية في بلد يهوذا بالشام، وهو نحو ثمان وعشرين ورقة بخط متوسط.

والثاني: [ (١) ] ألفه مارقس الهاروني، ويقال له: مرقس [ (٢) ] ، وهو من السبعين، وهو تلميذ شمعون بن يونا، بعد اثنتي عشرة سنة من رفع المسيح، وكتبه باليونانية في بلد إيطاليا من بلاد الروم، وهي أنطاكية، ويقال: كتبه بمدينة رومية، وزعموا أن شمعون هذا هو الّذي ألّفه، ثم محا اسمه من أوله، ونسبه إلى تلميذه مارقس، وهو نحو أربع عشرة ورقة بخط متوسط.

والثالث: ألفه لوقا [ (١) ]- الطبيب الأنطاكي، تلميذ شمعون المذكور- وكتبه باليونانية في بلد [] [ (٢) ] وهي الاسكندرية بعد تأليف مارقس، وهو نحو إنجيل متى. والرابع: ألفه يوحنا ابن زبدي [ (٣) ] تلميذ المسيح بعد رفعه بثلاثين سنة، وكتبه باليونانية في بلد آسية، وهو نحو أربع وعشرين ورقة، ويوحنا هذا هو الّذي ترجم إنجيل متى من العبرانية إلى اليونانية.

المسيح بعد رفعه بثلاثين سنة، وكتبه باليونانية في بلد آسية، وهو نحو أربع وعشرين ورقة، ويوحنا هذا هو الّذي ترجم إنجيل متى من العبرانية إلى اليونانية.

وعدة هذه الأناجيل الأربعة تسعة آلاف واثنان وستون آية، وليس أحد من النصارى يزعم أن هذه الأناجيل الأربعة منزلة من عند اللَّه على المسيح، ولا أن المسيح أتى بها، بل كلهم يرى فيها ما قلنا. ولا يستريب عالم في أن التبديل والتحريف تطرق إلى لفظها وإلى معناها، وهذه الأناجيل الأربعة يخالف بعضها بعضا ومتناقضة، كما ذكر فيها قصة صلب عيسى، وكيف تكون في الإنجيل الّذي أنزل اللَّه على المسيح قصة صلبه وما جرى له، وأنه أصابه كذا وكذا، وصلب يوم كذا وكذا، وقام من القبر، وغير ذلك مما هو من كلام شيوخ النصارى. والإنجيل على قولهم نزل على المسيح قبل صلبه بزعمهم، وغايته أن يكون من كلام الحواريين ثلاثة أناجيل، وسمّوا الجميع إنجيلا وفيها ذكر القول ونقيضه، فمنها أنه قال: إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق غير مقبولة، ولكن غيري يشهد لي. وقال في موضع آخر: إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين جئت، وإلى أين أذهب. ومنها أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال: جزعت نفسي الآن فماذا أقول يا أبتاه، سلمني من هذا الموقف. ومنها أنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحا عظيما وقال: يا إلهي! لم أسلمتني؟ فكيف تجمع هذا مع قولهم: إنه هو الّذي اختار نفسه إلى اليهود يصلبوه ويقتلوه، رحمة منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا، وأخرج بذلك آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وجميع الأنبياء ﵈، من جهنم بالحيلة التي دبرها على إبليس. وكيف يبتلى إله العالم بذلك، وكيف يسأل السلامة منه، وهو الّذي اختاره ورضيه، وكيف يشتد صياحه ويقول: يا إلهي! لم اسلمتني؟ وهو الّذي أسلم نفسه، وكيف لم يخلصه أبوه مع قدرته على تخليصه، وإنزال صاعقة على الصليب وأهله؟ أم كان ربا عاجزا مقهورا مع اليهود؟ جلّ اللَّه عن قولهم. ولو أتينا بما حرفوه في الإنجيل لأتينا به أو غالبة، غير أن اللَّه تعالى صرفهم عن بضع وثلاثين موضعا فيها بشارات بنبينا محمد ﷺ، وإنما إليه ليكون حجة عليهم.

أتينا بما حرفوه في الإنجيل لأتينا به أو غالبة، غير أن اللَّه تعالى صرفهم عن بضع وثلاثين موضعا فيها بشارات بنبينا محمد ﷺ، وإنما إليه ليكون حجة عليهم.

ولهم إنجيل خامس يسمى إنجيل الصبوة، فيه الأشياء التي صدرت من المسيح ﵇ في حال طفولته، وهو يحكي عن بطرس عن مريم ﵍، وفيه زيادات ونقصان، وذكر فيه قدوم المسيح وأمه، ويوسف النجار إلى صعيد مصر ثم عودتهم إلى الناصرة. فقد تبين أن الإنجيل إنما نقله أربعة رجال، منهم اثنان [فقط] [ (١) ] من أصحاب المسيح بل من التابعين لهم، ولا جرم لما نقل هذا الكتاب بلفظ الآحاد وقع فيه الغلط. واللَّه الموفق للصواب وإليه المرجع [والمآب] [ (١) ] .

[المعجزة في رأي المتكلمين] وأما المعجزة، فإنّها على طريقة المتكلمين أمر يظهر بخلاف العادة في دار التكليف، لإظهار صدق [مدعي النبوة] ، مع نكول من يتحدى به عن معارضته بمثله، وقيد بدار التكليف، لأن ما كان في الآخرة من خلاف العادة لا يكون معجزة، وبإظهار صدق مدّعى النبوة احترازا عما يظهر على يد الولي والمتألّه، إذ في ظهور إخلاف العادة على يد المتأله جائز دون المتنبي، والفرق أن ظهوره على يد المتنبي يوجب انسداد باب معرفة النبي، وأما ظهوره على يد المتأله [لا يوجب] [ (١) ] انسداد باب معرفة الإله، لأن كل عاقل يعرف أن الآدمي لاشتماله على أمارات القصور، لا يكون إلها، ولو رئي منه [أيّ خارق] [ (١) ] للعادة. وقيد بإظهار صدقه لأنه لو ظهر لإظهار كذبه لا يكون معجزة، كما لو ادعى المتنبي أن معجزتي نطق هذه الشجرة فأنطقها اللَّه تعالى بتكذيبه لا تكون معجزة، وقيد بنكول من يتحدى به عن معارضته، لأنها تخرج عند المعارضة عن الدلالة، ووجه دلالة المعجزة ما سبق من العلم، فإن اللَّه سامع لدعواه، وأن ما ظهر على يده لا يقدر عليه إلا اللَّه ... إلى آخره. وقال بعضهم: المعجز هو الأمر الممكن الخارق للعادة المقرون بالتحدي الخالي عن المعارض، وقال آخر: المعجزة فعل يظهر على يد من يدعي النبوة بخلاف العادة في زمان التكليف موافقا لدعواه، وهو يدعو الخلق إلى معارضته ويتحداهم أن يأتوا بمثله فيعجزون عنه، فيتبين به صدق من ظهر على يده.

يدعي النبوة بخلاف العادة في زمان التكليف موافقا لدعواه، وهو يدعو الخلق إلى معارضته ويتحداهم أن يأتوا بمثله فيعجزون عنه، فيتبين به صدق من ظهر على يده. وقال آخر: المعجزة أفعال تعجز البشر عن مثلها فسميت بذلك معجزة، وليست من جنس مقدور العباد، وإنما تقع في غير محل قدرتهم. وللناس في كيفية وقوعها ودلالتها على تصديق الأنبياء خلاف: فقال المتكلمون بناء على القول بالفاعل المختار: هي واقعة بقدرة اللَّه [تعالى] [ (١) ]

لا بفعل النبي، وإن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم، إلا أن المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم، وليس للنّبيّ فيها عند الجميع إلا التحدي بها بإذن اللَّه، وهو أن يستدل بها النبي قبل وقوعها على صدقة في مدعاه، فتنزل منزلة القول الصريح من اللَّه بأنه صادق، وتكون دلالتها على الصدق قطعية، فالمعجزة الدالة مجموع الخارق والتحدي، ولذلك كان التحدي جزءا منها، والتحدي هو الفارق بينهما وبين الكرامة والسحر، إذ لا حاجة إلى التصديق، ولا وجود للتحدي، إلا أن وجد اتفاقا. وإن وقع التحدي في الكرامة عند من يجيزها وكانت لها دلالة، فإنما هي على الولاية، وهي غير النبوة، ومن هنا منع الأستاذ أبو إسحاق وغيره وقوع الخوارق كرامة فرارا من الالتباس بالنّبوّة عند التحدي بالولاية. ومنع المعتزلة أيضا من وقوع الكرامة، لأن الخوارق عندهم ليست من أفعال العباد، وأفعالهم لهم معادة، ولا خارق. وعند الحكماء: أن الخارق من فعل النبي، ولو كان في غير محل القدرة، وبنوا ذلك على مذهبهم في الإنجاب الذاتي، ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف على الشروط والأسباب الحادثة، مستندة أخيرا إلى الواجب بالذات [الفاعل] [ (١) ] لا بالاختيار، وأن النفس النبويّة عندهم لها خواص ذاتية، منها: صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة العناصر له في التكوين، والنبي عندهم مجبول على التصريف في الأكوان، متى توجه إليها واستجمع لها بما جعل اللَّه له من ذلك. والخارق عندهم يقع للنّبيّ، كان التحدي أو لم يكن، وهو شاهد بصدقة من حيث دلالته على تصرف النبي في الأكوان، الّذي هو من خواص النفس النبويّة عندهم، لا تنزل منزلة القول الصريح بالتصديق، فلذلك لا تكون دلالتها قطعية كما هي عند المتكلمين، ولا يكون التحدي جزءا من المعجزة، ولم يصبح فارقا لها عن السحر والكرامة. وفارقها عندهم عن السحر: أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر، ولا يلم الشر بخوارقه.

من المعجزة، ولم يصبح فارقا لها عن السحر والكرامة. وفارقها عندهم عن السحر: أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر، ولا يلم الشر بخوارقه.

والساحر أفعاله كلها شر، وفي مقاصد الشر، وفارقها عن الكرامة: أن خوارق النبي مخصوصة كصعود السماء، والنفوذ في الأجسام الكثيفة، وإحياء الموتى، وتكليم الملائكة، والطيران في الهواء. وخوارق الولي دون ذلك، كتكثير القليل والحديث عن بعض المستقبل، ونحو ذلك مما هو قاصر عن تصريف الأنبياء، ويأتي النبي بمثل خوارقه، ولا يقدر هو على مثل خوارق الأنبياء. وقد قرر ذلك المتصوفة، فيما كتبوه في طريقهم وفعلوه عن مواجدهم.

[الآية] وأما الآية: فإنّها العلامة، والمعجبة، والخارقة للعادة، فهي أعم من المعجزة، لأن من شرط المعجزة التحدي بها، بخلاف الآية، فقد لا يتحدى بها، بل تظهر خارقة للعادة على يد النبي، وإن لم يتحد بها في الحال، فعلى هذا يقال لما تقدم من ذلك البعثة النبويّة، بل وجوده ﵇ آية، ولا تقال له: معجزة، إلا بنوع من المجاز بنا، على أن المعجزة بمعنى الخارقة في الجملة، ولذلك لما وقع من ذلك بعد وفاته ﵇ آية، لأن الآية تشمل المعجزة وغيرها. وقد تغلغل بنا الكلام في هذه المهمات، وفيها فوائد تعود بخير لمن وفقه اللَّه إلى سواء السبيل، وهذا حين أشرع في إيراد ما أمكن من معجزات رسول اللَّه ﷺ فأقول: اعلم أن معجزات الرسول ﷺ كثيرة جدا، وقد ذكر بعض أهل العلم أن أعلام نبوته تبلغ ألفا [ (١) ] ، وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ [ (٢) ] : والنبي إذا عظم قدره عظمت أسماؤه، وأما معجزاته فقد بينا في كتاب- (الأصول والإملاء لأنوار الفجر) [ (٣) ] ألف معجزة جمعناها للنّبيّ ﷺ، منها ما هو في القرآن قد تواتر، ومنها ما نقل آحادا، ومجموعها خرق للعادة على يديه ﷺ. وكانت صورة رسول اللَّه ﷺ وهيئته وسمته وشمائله، تدل العقلاء على صدقه، ولهذا قال عبد اللَّه بن سلام: فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، ولذا كان من سمع كلامه، ورأى آدابه، لم يدخله شك، وقد كان في صغر سنه وبدء [ (٤) ] أمره، يعرف بالأمانة والصدق وجميل الأخلاق، كما تقدم ذكره.

بوجه كذاب، ولذا كان من سمع كلامه، ورأى آدابه، لم يدخله شك، وقد كان في صغر سنه وبدء [ (٤) ] أمره، يعرف بالأمانة والصدق وجميل الأخلاق، كما تقدم ذكره.

وما أحسن فهم قيصر ملك الروم حيث يقول: ما كان ليترك الكذب على الخلق ويكذب على اللَّه. ومع ذلك فقد أيده اللَّه تعالى بالآيات المعجزات، وما يمتنع عن قدر المخلوقين من براهين النبوة وأعلامها، كسجود الإبل له، وتسليم الصخور عليه، وسعي الأشجار إليه، وكلام الذئاب إياه، وحنين الخشب الموات إلى قربه، وانشقاق القمر حتى رئي الجبل بين فلقتيه، وإخباره بالأمور قبل وقوعها، إلى غير ذلك مما سنورده إن شاء اللَّه من الأحاديث التي تولّاها أهل العدالة والصدق على روايتها، خلفا عن سلف، حتى ينتهي إلى من عاين المعجزات وشاهدها. فجرت عندنا لذلك معجزات رسول الرسول ﷺ مجرى ما شاهدناه ورأيناه، لتوفر دواعي الكافة ننقلها، وكان من أجل أعلام نبوته ﷺ ما قصم به أعداءه في حياته، وأبقاه اللَّه حجة على معاندي الحق بعد وفاته، وهو القرآن الّذي تحدى العرب بأن يعارضوه في سورة أو سور فعجزوا. وذلك أن اللَّه تعالى لما بعث موسى ﵇ إلى قوم جل علمهم السحر، أعطاه من جنس ما يدعون الحذق به: إلقاء العصا حتى تصير ثعبانا، وإخراجه يده من جيبه بيضاء من غير برص، فعارضوا ذلك بسحرهم فبطل عليهم، ولم يصلوا به إلى إقامة الحجة على موسى. ولما بعث بعيسى ﵇ إلى قوم عظم عملهم الطب، أعطاه من جنس ما يدعون الحذق به: إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، فانقطعوا عن مقاومته. ولما بعث محمدا ﷺ إلى العرب، كان جل علمهم الشعر والسجع والرجز والنثر، والافتنان في القول، أعطاه من جنس ما يدعون الحذق به، القرآن، وقال لهم ﷺ بلسان الإشارة: أنتم أرباب الفصاحة والبيان، وأعلم الناس بأفانين المنطق، وأجناس القول: شعره وسجعه، ورجزه ونثره، فعارضوني بمثل سورة من القرآن الّذي نزل بألفاظكم، موفقا للسانكم، لا يخالف لغتكم، ولا يخرج عن معنى

من كلامكم، فرموه بحزوق شعرهم، ومؤلف سجعهم، وبديع نثرهم، فما أحاطوا به تشبيها، ولا قاربوه تأليفا، حتى إنهم جعلوا يستروحون إلى أن يقولوا لصغارهم وأغبيائهم: هذا القرآن شعر! وتقول طائفة أخرى: هو سحر! ليعذروا في تأخرهم عن الجواب والمعارضة. هذا وقد علموا بأنه مخالف للسحر، ومباين للشعر، كما سنورده إن شاء اللَّه بالأسانيد، فهم ورسول اللَّه ﷺ لم يزل يقرعهم ويوبخهم بانقطاعهم وعجزهم، فيقرأ عليهم قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ (١) ] ، وقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ (٢) ] ، وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ (٣) ] ، وقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ (٤) ] . وهم يألمون لما يسمعون من التوبيخ، وقلقون لما يعلمون من وقوع الحجة بهم عند الاعتراف بالعجز، فلما أبوا إلا عناد الحق، دعاهم ذلك إلى القتال، ولو وصلوا إلى أن يعارضوا لخصموا الرسول ﷺ وظهروا عليه، واستغنوا عن قتاله، فلما صبروا للحروب وبذل النفوس، والجلاء عن الديار، وذهاب الأموال والأولاد، كان في ذلك أعظم دليل وأوضح برهان على إعجاز القرآن للعالمين، وامتناعه عن قدر المخلوقين.

لحروب وبذل النفوس، والجلاء عن الديار، وذهاب الأموال والأولاد، كان في ذلك أعظم دليل وأوضح برهان على إعجاز القرآن للعالمين، وامتناعه عن قدر المخلوقين.

تنبيه وإرشاد لأهل التوفيق والرشاد اعلم أن اللَّه جلت قدرته، خص كل نبي من أنبيائه، ورسول من رسله، بما شاء من فضله، وأيدهم بمعجزات تدل على صدقهم فيما ادعوه من رسالة ربهم، وما من فضيلة كانت لنبي، أو معجزة أيد اللَّه تعالى بها رسولا من رسله، إلا وقد أعطى سبحانه نبيه ورسوله محمدا ﷺ مثلها وشبهها، ونحوا منها وأفضل وأجلّ منها، يعرف ذلك من منحه اللَّه تعالى العلم، وورثه التوفيق في الفهم، فكان أول الأنبياء بعثه اللَّه تعالى إلى أهل الأرض، نوح ﵇، وكانت آيته التي أوتيها، شفاء غيظه، وإجابة دعوته، في تعجيل نقمة اللَّه تعالى لمن كذبه، حتى هلك من على وجه الأرض من صامت وناطق، إلا من آمن به وركب معه السفينة.

فصل في [ذكر موازاة الأنبياء في فضائلهم بفضائل نبينا ﷺ ومقابلة ما أوتوا من الآيات بما أوتي ﵇] وقد أتى اللَّه تعالى نبينا محمدا ﷺ مثل ذلك، فإن قريشا لما كذبوه وبالغوا في أذاه وإهانته، دعا عليهم، فاستجاب ربه دعاءه فيهم وقبله، كما خرجه عبد الرزاق، أخبرنا إسرائيل عن إسحاق عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: بينما رسول اللَّه ﷺ يصلي عند الكعبة وجمع قريش ينظرون، فقال قائل منهم: ألا ترون إلى هذا المرائي، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلائها، حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانطلق أشقاهم فجاء به، حتى إذا سجد رسول اللَّه ﷺ وضعه بين كتفيه، وثبت رسول اللَّه ﷺ ساجدا، وضحكوا حتى مال بعضهم على بعض، فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵂ وهي جويرية- فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ ساجدا حتى نحّت عنه، وأقبلت عليهم تسبّهم. فلما قضى النبي ﷺ صلاته استقبل الكعبة فقال: اللَّهمّ عليك بقريش، ثم سماهم فقال: اللَّهمّ عليك بعمرو بن هشام، وشيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد، قال عبد اللَّه: والّذي توفّى نفسه، لقد رأيتهم صرعى يسحبون إلى القليب قليب بدر، قال رسول اللَّه ﷺ: اللَّهمّ أتبع أهل هذا القليب لعنة:

عمارة بن الوليد، قال عبد اللَّه: والّذي توفّى نفسه، لقد رأيتهم صرعى يسحبون إلى القليب قليب بدر، قال رسول اللَّه ﷺ: اللَّهمّ أتبع أهل هذا القليب لعنة: وسيأتي هذا بطرقه. فانظر لمشابهة هذا الخبر ما أوتيه نوح من إجابة دعائه في هلاك قومه، وتأمل ما ميز اللَّه تعالى به محمدا ﷺ من ذلك، فإن نوحا ﵇ لما امتلأ غيظا من أذى المكذبين له، وعيل صبره، ابتهل إلى ربه تعالى يسأله أن ينصره، فقال: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [ (١) ] ، فهطلت السماء بماء منهمر، فكانت دعوته دعوة انتقام وانتصار.

ومحمد ﷺ دعا ربه لما قحطت الأرض فهطلت السماء بدعائه بما منهمر، أغاث اللَّه به العباد والبلاد، فكانت دعوته رحمة وغوثا للأنام، كما كان ﷺ رحمة للعالمين وسيأتي خبر استسقائه بطرقه. وقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم ليلا ونهارا، فلم يؤمن به إلا دون المائة، ما بين رجل وامرأة [ (١) ] ، وهم الذين ركبوا معه السفينة، ونبينا محمد ﷺ كانت مدة دعائه الناس عشرين سنة، فآمن به أمم لا يحصون، ودانت له جبابرة [الأرض] ، خافت ملوكها ككسرى ملك فارس، وقيصر ملك الروم، والنجاشيّ ملك الحبشة، والمقوقس ملك مصر، وإقبال اليمن وملوك البحرين، وحضر موت، وهجر، وعمان، وغيرهم. ودانت له بحمل الإتاوة والجزية: أهل نجران، وهجر، وأيلة، وأكيدر، ودومة، لما أيده اللَّه تعالى به من الرعب الّذي ينزله بقلوب أعدائه، حتى فتح الفتوح الجليلة، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجا، فأتوا طائعين راغبين، مصدقين له، مؤمنين بما جاء به، فأي كرامة أعظم، وأي منزلة أرفع من هذا؟ وقد خصّ نوحا ﵇ بأن نحلة اسما من أسمائه تعالى فقال: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [ (٢) ] ، وخصّ محمدا ﷺ باسمين من أسمائه الحسنى، جمعهما له، ولم يشركه فيهما [ (٣) ] أحد، قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ (٤) ] .

أحد، قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ (٤) ] . هذا مع ما خصه به تعالى من مزيد التشريف والتكريم، حيث خاطبه بصفة من صفات الرفعة والشرف، تقوم مقام الكنية، إذا يقول تعالى مخاطبا له ﷺ في كتابه العزيز: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [ (٥) ] ، يا أَيُّهَا الرَّسُولُ [ (٦) ] ، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ (٧) ] ،

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [ (١) ] . ولم يخاطب سبحانه غيره من الرسل إلا باسمه، فقال تعالى: يا آدَمُ [ (٢) ] ، يا نُوحُ [ (٣) ] ، يا إِبْراهِيمُ [ (٤) ] ، يا مُوسى [ (٥) ] ، يا يَحْيى [ (٦) ] ، يا داوُدُ [ (٧) ] ، يا عِيسى [ (٨) ] ، وكل ذي عقل سليم يرى أن الخطاب للرجل بكنية أجل وأعظم من دعائه وخطابه به [من] [ (٩) ] ندائه باسمه. ولما رماه ﷺ المشركون بما رموا به من قبله من رسل اللَّه تعالى منذ عهد نوح فقالوا: مجنون، وساحر، وشاعر، ونحو ذلك من افترائهم الّذي نزه اللَّه عنه رسله ﵈، احتمل ﷺ أذاهم، وصبر على تكذيبهم له، ثقة منه بأن اللَّه تعالى تولى نصرته، وأنه وليه وظهيره، ولم يسلك مسلك من تقدمه من الرسل، في انتصارهم لأنفسهم، كقول نوح لما قال له قومه: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ (١٠) ] ، فقال مجيبا عن نفسه: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ [ (١١) ] ، وكقول هود لما قال له قومه: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ [ (١٢) ] فقال دفعا عن نفسه: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ [ (١٣) ] ، [و] [ (١٤) ] كما قال [فرعون] [ (١٥) ] لموسى: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً [ (١٦) ] ، فنصر نفسه بنفسه فقال: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [ (١٧) ] ، ولما قال المشركون لمحمد ﷺ: أَإِنَّا لَتارِكُوا [ (١٨) ] آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ [ (١٩) ] ، وقالوا: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ (٢٠) ] ، سكت ﷺ صابرا محتسبا. فتولى اللَّه تعالى نصرته بوحي يتلى على مر الأيام إذا يقول: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ

ِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ (٢٠) ] ، سكت ﷺ صابرا محتسبا. فتولى اللَّه تعالى نصرته بوحي يتلى على مر الأيام إذا يقول: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ

وَما يَنْبَغِي لَهُ [ (١) ] ، وإذ يقول اللَّه تعالى: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [ (٢) ] ، وكذلك لما قالت قريش: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ (٣) ] ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [ (٤) ] ، أعرض عنهم امتثالا لأمر ربه تعالى، إذ قال: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا [ (٥) ] ، فأنزل اللَّه تعالى براءته من ذلك، ودافع عنه ونصره، إذ يقول سبحانه: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ (٦) ] ، وإذ يقول: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ (٧) ] ، في آيات أخر، ولهذا المعنى مزيد بيان فيما يأتي.

وأما إبراهيم ﵇ فإن اللَّه تعالى اختصه بمقام الخلّة، فقال تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ (١) ] ، وكسّر ﵇ أصنام قومه التي كانت آلهتم التي يعبدونها من دون اللَّه غضبا لربه تعالى، وحجبه من نمروذ بحجب ثلاثة، وقصم ﵇ نمروذ ببرهان نبوته فبهته، وبنى ﵇ البيت. وقد آتى اللَّه تعالى نبينا محمدا ﷺ ذلك كله بمزيد شرف وأجل تكريم، فالخلة مقامه ﷺ، فيها أكمل مقام، ثبت من طرق عديدة عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل اللَّه.

، فيها أكمل مقام، ثبت من طرق عديدة عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل اللَّه. وقد ثبت في صحيح مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة، ومن طريق أبي مالك عن ربعي بن خراش، عن حذيفة قالا: قال رسول اللَّه ﷺ يجمع اللَّه الناس فيقوم المؤمنون حتى يزلف لهم الجنة، فيأتون آدم ﵇ فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى أبيكم إبراهيم خليل اللَّه، قال: فيقول إبراهيم ﵇: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الّذي كلمه اللَّه تكليما، فيأتون موسى ﵇، فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة اللَّه وروحه، فيقول عيسى ﵇: لست [بصاحب] [ (٢) ] ذلك، فيأتون محمدا ﷺ فيقوم، فيؤذن له [ (٣) ] ... وهذا يدل على أنه ﷺ أعطى [أعلى من] مقام الخلة، لأنه رفع له الحجاب، وكشف له الغطاء، ولو كان خليلا من وراء وراء، لاعتذر كما اعتذر إبراهيم ﵇، فإذا منصب المصطفى ﷺ هو [الأعلى] ، من مفهوم قول إبراهيم ﵇: إنما كنت خليلا من وراء وراء ولم يشفع، فدلّ [على] أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء، مع الكشف والعيان، وقرب المكانة من حضرة القدس لا المكان، وذلك مقام المصطفى ﷺ.

ء وراء ولم يشفع، فدلّ [على] أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء، مع الكشف والعيان، وقرب المكانة من حضرة القدس لا المكان، وذلك مقام المصطفى ﷺ.

وقد تقدم في بعض طرق الإسراء، أنه ﷺ لما بلغ سدرة المنتهى قيل له: اسأل، فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلا، إلى أن قال له ربه ﷿: قد اتخذتك حبيبا، ولذلك كسّر الأصنام، فإن الّذي أعطاه اللَّه تعالى نبينا محمدا ﷺ من ذلك، أفضل مما أعطاه إبراهيم ﵇، وذلك أنه ﷺ رمى هبل من [أعلى] الكعبة، وأشار يوم فتح مكة إلى ثلاثمائة وستين صنما فوقعت وكسرت بأسرها بمحضر أهل نصرها، وذلك بإشارته ﷺ بقضيب ليس مما يكسر مثله عادة، وكان كسر إبراهيم ﵇ للأصنام بمعول يكسر مثله عادة. وكان كسره ﵇ لتلك الأصنام التي كسرها بمعوله عند غيبة قومه عن أصنامهم، ونبينا ﷺ إنما كسرها وقريش الحماة الأبطال، تراها وهي تتساقط على وجوهها، وقد كانوا أمس يرونها آلهة تجلب لهم النفع وتردّ عنهم الضّرّ، فما انتطح في كسرها عنزان، ولا نطق بنصرها ذو لسان. قال عبد اللَّه بن عمر العمري، عن نافع [عن ابن] عمر رضي اللَّه [عنهما] قال: وقف رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما قد ألزمها الشيطان بالرصاص والنحاس، فكان كلما دنا منها مخصرته، تهوى من غير أن يمسها ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [ (١) ] فتساقط لوجوهها، ثم أمر بهن فأخرجن إلى المسبل. وقد حجب اللَّه تعالى نبينا محمدا ﷺ عمن أرادوا قتله بخمسة حجب: ثلاثة منها في قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ (٢) ] ، وواحد في قوله تعالى: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [ (٣) ] ، والخامس في قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [ (٤) ] ، ويتبين لك معنى كون هذه الحجب إذا نظرت في الهجرة النبويّة، ومكر الذين كفروا به ﷺ وخروجه من منزله وهم قيام يريدونه فلم يروه.

وقد قصم ﷺ ببرهان نبوته الّذي أتاه مكذبا بالبعث بعد الموت- وهو أبي ابن خلف- وقد حمل عظاما باليا، وفركه ثم قال: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ فأنزل اللَّه تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ (١) ] ، فانصرف عدو اللَّه مبهورا. كما بهت الّذي كفر- وهو نمروذ- إذ يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [ (٢) ] . وقد اختلف في هذا القائل، فقال مجاهد وقتادة: هو أبي بن خلف، وقال سعيد بن جبير [عن ابن] [ (٣) ] عباس: هو العاص بن وائل، وصححه الحاكم، وروى [عن أبيه] عباس: أنه عبد اللَّه بن أبي [ابن] [ (٤) ] سلول. وإبراهيم ﵇، وإن كان له في بناية البيت الحرام شرفا يميز به على من عداه، فإن أعظم ما في البيت: الحجر الأسود، وقد أعطى اللَّه تعالى نبينا محمدا ﷺ مثل ذلك، فإن قريشا لما بنت البيت في جاهليتها، اختلفت فيمن يضع الحجر، حتى أشير عليهم بتحكيم أول من يطلع عليهم، فطلع رسول اللَّه ﷺ فحكموه، فوضع الحجر في رداء، وأمر كل قبيلة أن ترفع منه شيئا، ثم وضعه ﷺ بيده، كما تقدم ذلك بطرقه. ثم انظر قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ (٥) ] ، يظهر لك أن الخليل ﵇ كان وصوله بواسطة، وأين ذلك من قوله تعالى في حق محمد ﷺ: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [ (٦) ] . وانظر قوله تعالى عن الخليل [﵇] : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [ (٧) ] ، تجد بينه وبين قوله تعالى لنبينا محمد [ﷺ] :

انظر قوله تعالى عن الخليل [﵇] : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [ (٧) ] ، تجد بينه وبين قوله تعالى لنبينا محمد [ﷺ] :

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ (١) ] بونا كبيرا: ذلك طمع في المغفرة، وهذا غفر له بيقين. وكذا قوله [تعالى عن الخليل ﵇] [ (٢) ] : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [ (٣) ] ، مع قوله [تعالى عن نبينا محمد ﷺ] [ (٢) ] : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [ (٤) ] ، تجده ابتدأ محمدا [ﷺ] بالبشارة قبل السؤال. وكذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [ (٥) ] والخليل قال: حَسْبِيَ اللَّهُ [ (٦) ] ، تجد بين المقامين بونا كبيرا. وكذلك قول الخليل: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [ (٧) ] ، مع قوله تعالى لمحمد [ﷺ] : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [ (٨) ] ، يظهر لك شرف مقامه، لأنه أعطي بلا سؤال. [وكذا] [ (٩) ] قول الخليل: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [ (١٠) ] ، ومحمد ﷺ قيل له: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (١١) ] وفي ذلك تنبيه على علوّ مقام المصطفى ورفيع مكانته ﷺ. وأما الذبيح: فإن الرسول ﷺ حصل له من شق صدره المقدس ما هو من جنس ما أوتيه الذبيح، فإن الذبيح إسماعيل ﵇، صبر على مقدمات الذبح: شد وثاقه، وتله للجبين، وإهواء أبيه بالمدية إلى منحره، [فوفى] [ (١٢) ] بما وعد به من قوله: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ (١٣) ] . وكان لنبينا محمد ﷺ من ذلك أوفى مقام من الصبر وأجلّ، لأن الّذي حصل من الذبيح إنما هو الصبر على مقدمات الذبح فقط، والمصطفى [ﷺ صبر] [ (١٤) ] على شق صدره، واستخراج قلبه، ثم شقه، ثم استخراج العلقة، ثم غسله، ثم إطباقه، ثم وضعه، ثم إحاطة صدره.

ر على مقدمات الذبح فقط، والمصطفى [ﷺ صبر] [ (١٤) ] على شق صدره، واستخراج قلبه، ثم شقه، ثم استخراج العلقة، ثم غسله، ثم إطباقه، ثم وضعه، ثم إحاطة صدره.

وأين الصبر على مقدمات جز المنحر بالمدية، من الصبر على شق الصدر وإخراج القلب وشقه، فإن صبر الذبيح إنما كان على ما أصابه من صورة القتل لا على فعله، وصبر المصطفى ﷺ إنما كان على مقاتل عدوه، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، وأدل دليل على مقاساته ﷺ الألم في شق صدره قوله: فأقبل وهو ممتقع اللون أو منتقع اللون، ومعناه أنه صار كلون النقع، وهو الغبار، وهو شبيه بلون الأموات، هذا يدل على غاية المشقة، فكان ابتلاؤه ﷺ بشق الصدر وما معه أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر عنه باعتبارين: أحدهما: أنه ابتلي بذلك فصبر عليه وهو طفل صغير منفرد عن أمه ويتيم من أبيه. والآخر: مقاساة حقيقة الشق للصدر والقلب، وغاية ما ابتلى به الذبيح التعريض بذبحه وبين المقامين في الصبر بون بعيد فتأمله. وأمر آخر: وهو أن الذبيح توطنت نفسه على ما انتابه بقوله أبيه: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [ (١) ] ، والرسول ﷺ فجئه ذلك البلاء العظيم على غفلة، فإنه أختطف من الأطفال وفعل به ما فعل، وأين حال من هو مع أبيه وقد أنذره بما يفعل به، ممن يختطفه من لا يعرفه، وينزل به ذلك البلاء العظيم، فإن البغتة أشد على النفس، والفجاءة أقوى رعبا.

وأما هود ﵇ فإن اللَّه تعالى نصره على قومه الذين عادوه إذ كذبوه بالريح العقيم، وقد أعطى اللَّه سبحانه نبينا محمدا ﷺ أفضل من ذلك، فانتصر من أعدائه بالريح يوم الخندق، قال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [ (١) ] ، فكانت ريح هود ريح سخط وانتقام: ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [ (٢) ] ، وريح محمد ﷺ ريح رحمة، قال تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [ (٣) ] ، وقال حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه [عنهما] [ (٤) ] ، قال: لما كان يوم الأحزاب، انطلقت الجنوب إلى الشمال، فقالت: انطلقي بنا ننصر محمدا رسول اللَّه، فقالت الشمال للجنوب: إن الحرة لا تسري بليل، فأرسل اللَّه عليهم الصّبا، فذلك قوله تعالى: [فَأَرْسَلْنا] [ (٤) ] عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [ (٥) ] .

وأما صالح ﵇ فإن اللَّه تعالى أخرج له ناقة لتكون حجة له على قومه، وآية لنبوته، لها شرب ولقومه شرب يوم معلوم، وقد أعطى اللَّه سبحانه نبينا محمدا ﷺ من ذلك ما لم يؤت صالحا، وذلك أن ناقة صالح ﵇ لم تكلمه ولا شهدت له بالنّبوّة، ومحمد ﷺ أتاه البعير الناد شاكيا إليه ما همّ به صاحبه من نحره. خرج أبو بكر بن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبيري عن جابر ﵁ قال: سرنا ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا كأن على رءوسنا الطير، فأتاه جمل ناد، حتى إذا كان بين السماطين خرّ ساجدا لرسول اللَّه ﷺ، فجلس رسول اللَّه ﷺ فقال: من صاحب هذا الجمل؟ فإذا فتية من الأنصار قالوا: هو لنا يا رسول اللَّه، قال فما شأنه؟ قالوا: سقينا عليه منذ عشرين سنة وكانت به مشيخة، فأردنا أن ننحره فنقسمه بين علمائنا فانفلت منا، قال: تبيعونه؟ قالوا: لا، بل هو لك يا رسول اللَّه، قال: أما فأحسنوا إليه حتى يأتي أجله. وسيأتي هذا الحديث بطرقه إن شاء اللَّه تعالى.

ائنا فانفلت منا، قال: تبيعونه؟ قالوا: لا، بل هو لك يا رسول اللَّه، قال: أما فأحسنوا إليه حتى يأتي أجله. وسيأتي هذا الحديث بطرقه إن شاء اللَّه تعالى.

وأما إدريس ﵇ فإن اللَّه تعالى قال في حقه: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا، والعلوّ من الأمور النسبية، فتارة يكون علوّ مكان، وتارة وتارة يكون علوّ مكانة، فعلوّ المكان: مقام إدريس ﵇، وهو على ما روى الفلك الرابع، رفعه اللَّه إليه. وأما علو المكانة: فهو الّذي خص اللَّه تعالى به المقام المحمدي، قال تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [ (١) ] ، فهو ﷾ [منّزه] عن المكان لا عن المكانة، وعلو المكانة أجلّ من علو [المكان] [ (٢) ] ، وقد خصّ اللَّه سبحانه نبينا محمدا ﷺ من علو المكانة بما لم ينله أحد غيره، قال تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [ (٣) ] ، فرفع اللَّه تعالى ذكره ﷺ في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا صاحب صلاة إلا ينادي: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فقرن تعالى اسمه الكريم باسمه ﷺ في توحيده والشهادة بربوبيته، في مشارق الأرض ومغاربها، وجعل ذلك مفتاحا للصلوات المفروضات. روى [عن] [ (٤) ] ابن لهيعة، عن دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ في قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [ (٥) ] قال: قال لي جبريل ﵇: قال اللَّه: إذا ذكرت ذكرت معي. وقال عثمان بن عطاء الزهري، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لما فرغت مما أمرني اللَّه به من أمر السموات والأرض قلت: يا رب، إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد كرّمته، جعلت إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟ أن لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون ظاهرا، ولم أعطها أمة، وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي (لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم) .

لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون ظاهرا، ولم أعطها أمة، وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي (لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم) .

وأما يعقوب ﵇ فإن اللَّه تعالى قال: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [ (١) ] ، فكانت الأسباط من سلالة يعقوب ومريم ابنة عمران من ذريته، والهداة منه كانوا، فعظم من الخير نصيبه، حتى قال تعالى في أولاده: وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ [ (٢) ] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ* وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [ (٣) ] . وقد أعطى اللَّه نبينا محمدا ﷺ من الخير أوفر الحظّ وأرفع الذكر، وأجزل النصيب، فجعل ابنته فاطمة سيدة نساء العالمين، وجعل من ذريته الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، روي عن محمد بن حجادة عن عمران بن كثير عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: حسبك من نساء العالمين أربع: فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم. وجاء من عدة طرق عن ابن عباس وأبي سعيد الخدريّ مرفوعا: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة. وعن الشعبي عن أبي جحيفة عن علي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجنة غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد، فتمر وعليها ريطتان خضراوان. وقال حفص بن غياث عن العرزميّ عن عطاء عن أبي هريرة ﵁: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إذا كان يوم القيامة [نادى] [ (٤) ] مناد من وراء الحجب: يا أيها الناس غضوا أبصاركم ونكسوا، فإن فاطمة بنت محمد تجوز الصراط إلى الجنة [ (٥) ] .

وقال بشر بن إبراهيم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إنما سميت فاطمة لأن اللَّه فطم من أحبها من النار. وقال علي بن عمر بن علي: إن اللَّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك- وقال عمر ابن غياث عن عاصم عن عبد اللَّه يرفعه: أن فاطمة أحصنت فرجها، فحرمها اللَّه وذريتها على النار.

وأما ذرية يعقوب ﵇ الذين هم بنو إسرائيل فإن اللَّه تعالى سخط عليهم بسوء أعمالهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، وأنزل فيهم الكتاب، وجعل منهم القردة والخنازير، وقطعهم في الأرض أمما، وجعل الذين اتبعوا الحق فوقهم إلى يوم القيامة، فبان بهذا أن الّذي آتاه اللَّه تعالى من الخير لنبيا محمد ﷺ أجل وأعظم مما أوتيه يعقوب ﵇، وكذلك تميز نبينا ﷺ على يعقوب في محنته، وذلك أن كلا منهما ابتلى بفقد ولده. فأما يعقوب فإنه حزن على فقد يوسف حتى كاد يكون حرضا من الحزن، فإن حزنه كان حزن إيلاف ومضض واشتياق ووجد، بدليل قوله: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [ (١) ] ، فأصابه بفقد ولد واحد من جملة اثنى عشر ولدا هذا الأسف، ونبينا محمد ﷺ فجع بوحيده من الدنيا، وقرّة عينه في حياته، فلم يجزع بل صبر واحتسب، ووفى بصدق الاختيار، مسلّما إلى ما سبقت به الأقدار، فقال ﷺ وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون. فكان سلوكه ﷺ في ذلك وفي جميع أحواله منهج الرضا عن اللَّه تعالى، والاستسلام له فيما يقضي ويحكم، ولم يتأسف، بل رضى واستسلم، ففاق صبره ﷺ على صبر يعقوب ﵇، لفضل قوته وعلو مقداره ومكانته ﷺ.

منهج الرضا عن اللَّه تعالى، والاستسلام له فيما يقضي ويحكم، ولم يتأسف، بل رضى واستسلم، ففاق صبره ﷺ على صبر يعقوب ﵇، لفضل قوته وعلو مقداره ومكانته ﷺ.

وأما يوسف ﵇ فإنه فاق في الحسن على جميع الخلق، وقد بلغ نبينا ﷺ من ذلك ما لا غاية فوقه، وذلك أن يوسف ﵇ قد ثبت أنه أوتي شطر الحسن، فزعم زاعم أنه ﵇ اختص بالشطر من الحسن، واشترك الناس جميعا في [الشطر] الآخر، وليس كذلك، بل إنما أوتي شطر الحسن الّذي أوتيه المصطفى ﷺ، لأن الرسول ﷺ بلغ الغاية، وهو ﵇ بلغ شطر الغاية، بدليل ما خرجه الترمذي من طريق قتادة، عن أنس ﵁ قال: ما بعث اللَّه نبيا إلا حسن الوجه وحسن الصّوت، وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا. ويؤيد ذلك أنه ﷺ وصف بأنه كالشمس الطالعة، وكالقمر ليلة البدر، وأحسن من القمر، ووجهه كأن مذهبة يستنير كاستنارة القمر، وكان عرقه ﷺ له رائحة كرائحة المسك الإذخر، وقد تقدم ذلك بطرقه. وقد قاسي يوسف ﵇ مرارة الغربة، وامتحن بمفارقة أبويه، والخروج عن وطنه، وكان الّذي قاسي نبينا محمد ﷺ من ذلك أعظم، فإنه اغترب وفارق أهله وولده، وعشيرته وأحبته، كما هاجر من حرم اللَّه وأمنه، حيث مسقط رأسه مضطرا لا مختارا، فاستقبل البيت مستعبرا متلهفا حزينا، وقال: إني أعلم أنك أحب البلاد إلى اللَّه، ولولا أني أخرجت منك ما [خرجت] [ (١) ] ، وخرج ليتأوّلها، فلما بلغ الجحفة أنزل اللَّه عليه: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [ (٢) ] وأراه اللَّه تعالى رؤيا أزال بها الحزن عنه، كما أري يوسف ﵇ رؤيا صدق تأويلها. قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ [ (٣) ] ، فدخل ﷺ مكة آمنا، وصدق وعد اللَّه له، كما جاء تعالى بأبوي يوسف تأويلا لرؤياه من قبل. وقد ابتلى يوسف ﵇ بالسجن توقيا للمعصية، إذ قال: رب

ِينَ [ (٣) ] ، فدخل ﷺ مكة آمنا، وصدق وعد اللَّه له، كما جاء تعالى بأبوي يوسف تأويلا لرؤياه من قبل. وقد ابتلى يوسف ﵇ بالسجن توقيا للمعصية، إذ قال: رب

السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [ (١) ] ، وكذلك ابتلى نبينا محمد ﷺ بالسجن في الشّعب وضيق عليه فيه أشد الضيق مدة ثلاث سنين، حتى صنع اللَّه بكيد أضعف خلقه وتسليطها على صحيفة مكر قريش التي عقدوها في قطيعته ﷺ، فكان لنبينا من ذلك ما لم يكن ليوسف ﵇، لأن يوسف كانت محنته بالسجن من أجل أن امرأة العزيز دعته إلى نفسها فاستعصم، وكانت محنة رسول اللَّه ﷺ بالإلجاء إلى الشّعب قطيعة من ذوي رحمه، لأنه دعاهم إلى توحيد اللَّه تعالى، وترك عبادتهم الأصنام، وشتان بين هذين المقامين من البون. وعلّم اللَّه يوسف من تأويل الأحاديث- يعني عبارة الرؤيا- ولم يقص تعالى عنه سوى تعبير ثلاث منامات، ونقل عن نبينا من ذلك شيء كثير جدا، مما رآه ومما عبّره لغيره فجاء كفلق الصبح. ومكن تعالى ليوسف في الأرض- يعني أرض مصر خاصة- ونبينا مكّن اللَّه له ولأمته في الأرض كلها، وملك يوسف أهل مصر في زمن الغلاء، وقد ملك نبينا [ﷺ] يوم الفتح جلة العرب وصناديد الحجاز وسمّاهم الطلقاء، فأحرز ﷺ خصائص يوسف ﵇ وزاد عليها، ولهذا ترقى عليه ليلة الإسراء ما شاء اللَّه.

وأما موسى ﵇ فإن اللَّه تعالى أيده بالعصا، واليد البيضاء، وتفجير الماء من الحجر، وقال تعالى: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا [ (١) ] ، ومقام المصطفى ﷺ في المناجاة أرفع، فإن موسى ﵇، إنما سمع الكلام والمناجاة على الطور، ومحمد ﷺ سمع الكلام وقد أسرى به، والملأ الأعلى فضله على الأرض. فأما العصي الخشب الموات فإنّها تصير بإذن اللَّه تعالى ثعبانا تتلقف إفك سحرة فرعون، ثم تعود إلى معناها، وخاصتها من مآرب موسى ﵇، وقد أتى اللَّه تعالى نبينا محمدا ﷺ أعجب من ذلك، فإنه أشار بقضيب في يده يوم الفتح إلى الأصنام المشدودة بالرصاص شدا محكما إلى الكعبة فيما حولها، وعدتها ثلاثمائة وستون صنما، فكان إذا أشار إليها بالقضيب وقال: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [ (٢) ] سقط الصنم وتكسر جذاذا، فكانت عصا موسى مسلطة على آلة آل فرعون، وقضيب محمد ﷺ سلّط على ما اتخذته قريش آلهة، وأين التسليط على الآلة، من التسلط على الآلهة؟ وأيضا فإن اللَّه تعالى قال عن موسى ﵇: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ (٣) ] فسلط عصاه على ذلك التخيل، وقضيب رسول اللَّه ﷺ تسلط على أمر حقيقي، وأين الخيال من الحقيقة؟ وقد حنّ لنبينا [محمد] [ (٤) ] ﷺ الجذع اليابس، وخار، وهذا أعجب من حالات عصا موسى ﵇، فإن موسى إنما جعل النّبات حيوانا غير ناطق، ونبينا [محمد] [ (٤) ] ﷺ جعل النبات حيوانا ناطقا، فشارك موسى في قلب الأعيان على وجه أتم، لأن الناطق أتم من غير الناطق، وأبلغ في الأعجوبة إجابة الأشجار واجتماعها لدعوة رسول اللَّه ﷺ لما دعاها، ورجوعها إلى أمكنتها بعد أن أمرها. وكان من معجزات موسى ﵇، أن يضرب بعصاه الحجر فينفجر منها اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط الاثنا عشر، وقد أيد اللَّه نبينا محمدا ﷺ من ذلك

ها بعد أن أمرها. وكان من معجزات موسى ﵇، أن يضرب بعصاه الحجر فينفجر منها اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط الاثنا عشر، وقد أيد اللَّه نبينا محمدا ﷺ من ذلك

بأعجب وأبدع وأغرب، فإنه بعث سهما ليوضع في عين كانت تبض بماء قليل، فلما وضع السهم فيها استخرج الماء بإذن اللَّه تعالى من تخوم الأرض، وصارت معينا غرس عليها جنان، واشتق منها أنهار. ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ، وهذا أعجب من العجب، فإن نبع الماء من الحجر لم يزل معهودا مشهورا في العالم، بخلاف نبع الماء من بين أنامل ركبت من عظم ولحم ودم، فإن هذا لم يعط قط مثله إلا لنبينا محمد ﷺ، فإنه كان يفرج بين أصابعه في مخضب فينبع من بين أصابعه الماء، فيشرب منها الناس ويستقون، وهم يعاينون ماء عذبا جاريا، يروي الأعداد الكثيرة من النّاس والخيل والإبل، ويملئون منه قربهم وأدواتهم، كما سيرد بطرقه إن شاء اللَّه.

وأما ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق وجازه بأصحابه فقد ورد أن بين السماء والأرض بحرا مكفوفا، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة بالنسبة إلى البحر المحيط، فعلى هذا يكون ذلك البحر قد انفلق لنبينا ﷺ حتى جاوزه ليلة الإسراء، وذلك أعظم وأفخم من انفلاق بحر القلزم لموسى ﵇. وقد أوتي نظير ما أوتى موسى من ذلك: أن العلاء بن الحضرميّ ﵁، لما كان بالبحرين واضطر إلى عبور البحر، فعبر هو ومن معه من المسلمين، ولم يبتل لهم ثوب ببركة اتباعهم رسول اللَّه ﷺ، كما سيأتي ذكره إن شاء اللَّه بطرقه. وأما بياض يد موسى ﵇ من غير سوء- وهو النور- فنظيره لنبينا محمد ﷺ أنه نور ينقل في الأصلاب، كما مرّ أنه كان نورا في جبهة أبيه عبد اللَّه ابن عبد المطلب. ولما بعث رسول اللَّه ﷺ الطفيل بن عمرو الدوسيّ يدعو قومه إلى الإسلام، دعي له فسطع نور بين عينيه فقال: يا رسول اللَّه! أخاف أن يقولوا مثله؟ فتحول النور إلى رأس سوطه، وكان كأنه شمعة [مضيئة] [ (١) ] آية للمصطفى ﷺ، فكانت كاليد البيضاء، وصارت كعصا موسى التي ذكر في الأخبار أنها كانت تضيء. وأما تفجير الماء من يده ﷺ فهو بياض معنوي، فأيّ يد بيضاء أغنى غناء وأبيض ماء من يد كان البحر في الإحسان دونها، والسحب تضاهي معينها؟

ار أنها كانت تضيء. وأما تفجير الماء من يده ﷺ فهو بياض معنوي، فأيّ يد بيضاء أغنى غناء وأبيض ماء من يد كان البحر في الإحسان دونها، والسحب تضاهي معينها؟ وقد ذكر أيضا أن عصا موسى ﵇ هزم بها الألوف من قوم فرعون، وقد أتى اللَّه تعالى نبينا ﷺ أعجب من ذلك، إذ تناول يوم حنين كفا من تراب أو حصى، ورمى به في وجوه هوازن، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق أحد منهم إلا أصاب عينه شيء من ذلك، وولوا منهزمين. وكان من كرامة موسى المناجاة، ولكنها عن ميعاد واستعداد، وكرامة المصطفى ﷺ بالمناجاة كانت على سبيل المفاجأة، بدليل قوله ﷺ: (بينا أنا) [ (٢) ] . وأما

قوله: فرج سقف بيتي، ولا أبلغ في المناجاة من ذلك، فقد حمل عنه ﷺ ألم الانتظار كما حمل عنه ألم الاعتذار في قول موسى ﵇: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [ (١) ] . ولا شك أن في منحه هاتين الكرامتين مزيد اختصاص وأجل كرامة. وقد أتى موسى إلى فرعون بالعذاب الأليم، من الجراد والقمل والضفادع والدم، فقد أرسل اللَّه سبحانه على قريش بتكذيبهم رسول اللَّه ﷺ الدخان، فكان آية بينة، ونعمة بالغة، قال تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ [ (٢) ] . ودعا رسول اللَّه على قريش فابتلوا بالسنين، وسيأتي ذلك إن شاء اللَّه بطرقه. وقد أنزل اللَّه تعالى على موسى وقومه المن والسلوى، وظلل عليهم الغمام، وقد أتى اللَّه نبينا ﷺ أعظم من ذلك، فإن المن والسلوى رزق رزقهم اللَّه كفاهم به السعي والاكتساب له، وقد أحل اللَّه لنبينا وأمته الغنائم التي [كانت] [ (٣) ] محرمة على من قبلهم، وجعلها منة باقية لهم إلى يوم القيامة، وأي قدر للمنّ والسلوى في جنب غنائم كسرى وقيصر، والجلالقة والقوط والقبط وغيرهم ممن غنم المسلمون أموالهم وديارهم، وسبوا نساءهم وذراريهم، ومع هذا كله فإن اللَّه تعالى أعطى أصحاب محمد ﷺ من جنس ما أعطى موسى وقومه من ذلك، فقذف لهم البحر لما كانوا مع أبي عبيدة في سرية- وقد أصابتهم المجاعة- حوتا يقال له: العنبر، أكلوا منه، وائتدموه نصف شهر بلا سعي ولا طلب.

وقومه من ذلك، فقذف لهم البحر لما كانوا مع أبي عبيدة في سرية- وقد أصابتهم المجاعة- حوتا يقال له: العنبر، أكلوا منه، وائتدموه نصف شهر بلا سعي ولا طلب. وكان ﷺ يشبع النّفر الكثير من الطعام القليل واللبن اليسير، حتى يصيرون شباعا رواء. وكان موسى ﵇ تنقلب له عصاه ثعبانا تتلقف ما صنعت السحرة، حتى استغاث فرعون بموسى وأخيه رهبة منه وفرقا. وقد أعطى نبينا ﷺ أخت هذه الآية بعينها، [وهي] [ (٤) ] أن جعل أبا جهل فرعون هذه الأمة احتمل حجرا، وأقبل يريد أن يرضخ به النبي ﷺ وهو ساجد عند الكعبة، وقد عدت قريش ينتظرون ما يصنع، فلما سجد ﷺ، احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه،

حتى إذا دنا منه رجع مبهوتا منتقعا لونه من [هول] ما قد يبست يداه على حجره، فلما سأله قومه ما له قال: لما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل. لا واللَّه ما رأيت مثل هامته ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط، فهم أن يأكلني. وقد اختار موسى ﵇ سبعين رجلا من قومه لينفذوا معه إلى ربه تعالى، فلما صاروا في البرية غلب عليه- ﵇ روح القرب، فأسرع إلى ربه وترك قومه، فقال له تعالى: وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى * قالَ هُمْ [أُولاءِ] [ (١) ] عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [ (٢) ] ، فعبّر ﵇ عن قصده في العجلة بطلب رضى اللَّه تعالى. ونبينا محمد ﷺ، أعظم اللَّه شأنه في آيتين، أعلمه فيهما رضاه عنه، وأعطاه سؤله ومناه من غير سؤال منه في ذلك ولا رغبة تقدمت منه، فقال تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [ (٣) ] ، وقال تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [ (٤) ] ، فمنحه اللَّه رضاه، وأعطاه مناه، في جميع ما يهواه ويتمناه، وغيره من الأنبياء سألوا وطلبوا رضا مولاهم، ومع ذلك فقد خصه اللَّه تعالى مع الرضا بالرحمة والرأفة، فقال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ (٥) ] ، وكان رقيق القلب ﷺ فأمر اللَّه تعالى موسى بالملاينة لفرعون لما كان عليه من الغلظة، فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [ (٦) ] ، فذكر تعالى الملاينة، وأمر محمدا ﷺ بضدّ ذلك فقال تعالى: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [ (٧) ] ، لما خصّه به من الرحمة والرأفة واللين، كما قال تعالى: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ (٨) ] . وقد أكرم اللَّه تعالى موسى بأن قال له: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [ (٩) ] ، قال بعضهم: أحببت إليك عبادتي. وقال آخر: جعل اللَّه بين عينيه نورا لا ينظر إليه أحد إلا أحبه. وقيل: أسكنت بين عينيك ملاحة تسبى بها من رأيته. وقد أوتي نبينا ﷺ من نظائر هذه الكرامة أشياء منها: أن اللَّه تعالى أقسم بالضحى والليل إذا سجى، أنه ما ودعه وما قلاه.

ن عينيك ملاحة تسبى بها من رأيته. وقد أوتي نبينا ﷺ من نظائر هذه الكرامة أشياء منها: أن اللَّه تعالى أقسم بالضحى والليل إذا سجى، أنه ما ودعه وما قلاه.

ومنها أنه تعالى افترض على خلقه اعتقاد محبته ﷺ حتى جعل ذلك منهاجا إلى طاعته تعالى، ومفتاحا للقربة إليه، وسبيلا إلى الفوز بغفرانه ورحمته. قال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ (١) ] ، وقال تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [ (٢) ] ، وكيف لا يكون معظما مفضلا على جميع أنبياء اللَّه ورسله، وقد أقسم تعالى بحياته فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [ (٣) ] . قال أبو نعيم: حدثنا سفيان الثوري عن الأسود بن قيس عن جندب قال: «اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل اللَّه تعالى: وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [ (٤) ] ، أي لم أتركك ولم أبغضك، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [ (٥) ] . وقال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني هارون قال: حدثنا جعفر، حدثنا ثابت قال: قال رسول اللَّه ﷺ: موسى صفيّ اللَّه وأنا حبيب اللَّه.

بُّكَ فَتَرْضى [ (٥) ] . وقال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني هارون قال: حدثنا جعفر، حدثنا ثابت قال: قال رسول اللَّه ﷺ: موسى صفيّ اللَّه وأنا حبيب اللَّه.

وأما هارون ﵇ فإن اللَّه تعالى وصفه بفصاحة اللسان فقال: هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً [ (١) ] ، وقد علم أن لغة العرب أفصح اللغات، ولنبينا محمد ﷺ من الفصاحة ما يعرف من مارس كلامه، أنه أوتي فيها [أعلى] مقام، لم يصل إليه أحد من قبله وقد شارك هارون مع ذلك فيما ناله من بني إسرائيل، فإنه لما خلف موسى ﵇ فيهم عند ما توجه لميقات ربه، افترقوا وتحزّبوا ونقضوا العهد، واستضعفوه وهمّوا بقتله، وعبدوا العجل فلم يقبل توبتهم حتى قتلوا بعضهم بعضا، كما قصّ اللَّه تعالى ذلك في كتابه العزيز [ (٢) ] ، فلقى نبينا ﷺ نظير ذلك من بني قريظة والنضير وقينقاع، فإنّهم نقضوا العهد وحزّبوا الأحزاب، وجمعوا وحشدوا، وأظهروا له العداوة بعد ما هموا بإلقاء الرحى عليه، لما أتاهم يستعين بهم في دية بعض أصحابه، فقام ﷺ بحربهم، وقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم، وقسم أموالهم، فكان نظير استضعافهم لهارون استضعافهم للنّبيّ ﷺ يوم الأحزاب، حتى لقد قال قائلهم: محمد يخندق على نفسه وأصحابه، ولا يستطيع أحدهم الخروج إلى الغائط، وهو يعدهم بملك كسرى وقيصر، فكان المسلمون كما قال تعالى: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [ (٣) ] ، حتى أيده اللَّه بجنوده، وجعل العاقبة له على اليهود والأحزاب، كما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب [ (٤) ] .

وأما داود ﵇ فخصه اللَّه تعالى بتسبيح الجبال معه، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [ (١) ] ، وقال تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ* إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ* وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [ (٢) ] ، فسخر اللَّه تعالى الجبال والطير له بالتسبيح، وقد أعطى اللَّه نبينا محمدا ﷺ مثل ذلك من جنسه وزيادة، فسبّح الحصا في كفه، وفي يد من صدّقه واتبعه رفعة لشأنه وشأن مصدقيه، وقد سخرت الطير والبهائم العظيمة كالإبل والسباع العادية الضارية لنبينا ﷺ، كسجود البعير الشارد له، والذئب الّذي نطق بنبوته، وقد همهم الأسد لسفينة مولاه لما مرّ به ودله على الطريق، وأخذ الطائر خفه ﷺ وارتفع به ثم ألقاه، فخرج منه أسود سالخ!! وقد أوردت ذلك كله بطرقه. وألين لداود ﵇ الحديد، حتى سرد منه الدروع السوابغ، وقد لانت الحجارة وصمّ الصخور للمصطفى ﷺ، فعادت له غارا استتر به من المشركين يوم أحد [و] [ (٣) ] ، مال برأسه إلى الجبل ليخفي شخصه عنهم، فليّن اللَّه تعالى له الجبل حتى أدخل [رأسه] [ (٣) ] ، وهذا أعجب، لأن الحديد تلينه النار، ولم نر النار تلين الحجر. قال أبو نعيم: وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس، وكذلك في بعض شعاب مكة حجر أصم استروح ﷺ في صلاته إليه، فلان له الحجر حتى أثّر فيه بذراعيه وساعديه، قال أبو نعيم: وذلك مشهور يقصده الحجاج ويرونه، ولانت الصخرة ببيت المقدس ليله أسري به كهيئة العجين، فربط [بها] [ (٣) ] دابته البراق، ويلمسونه الناس إلى يومنا هذا باق. قاله أبو نعيم. وكان داود ﵇ حسن الصوت، بحيث بات عدة ممن سمعه وهو يقرأ الزبور على ذكر، وقد شبه نبينا ﷺ صوت أبي موسى الأشعري رضي اللَّه تعالى

هذا باق. قاله أبو نعيم. وكان داود ﵇ حسن الصوت، بحيث بات عدة ممن سمعه وهو يقرأ الزبور على ذكر، وقد شبه نبينا ﷺ صوت أبي موسى الأشعري رضي اللَّه تعالى

عنه بمزامير داود، فقال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود، هذا، وما بلغ أبو موسى الحد، فإنه قال: لو علمت أنك تسمع لحبرته تحبيرا، فدل على أنه كان يقدر أن يتلو بنجي من ذلك. وأما الموت من موعظة داود ﵇، فإن القوة في الأمة المحمدية أعظم منها في بني إسرائيل، فلهذا تفاوت حالها عند سماع الموعظة وعند تركها، ولذلك لم يمت داود لأنه كان قويا وهو الواعظ. وقد قال بعض الأمة المحمدية: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا [أعلى] [ (١) ] ما بقوة مقامه. وأمر آخر، وهو أن خلقا من هذه الأمة ماتوا في مجالس الوعظ كما هو معروف في كتب الأخبار، وقد تقرر أن كل كرامة لولي في علم أو عمل، فهي بالنسبة إليه كرامة، وإلى الرسول معجزة، وقد جاء في الحديث: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل.

وأما سليمان ﵇ فإن اللَّه تعالى وهب له ملكا لا ينبغي لأحد من [بعده] [ (١) ] ، وقد أعطى اللَّه نبيّنا ﷺ خزائن الأرض، فأباها وردّها اختيارا للنقل من الدنيا، واستصغارا لها بحذافيرها، وآثر مرتبته ورفعته عند ربه تعالى على ما يغني، ورضي بالقوت اليسير، فكان له من ذلك أعظم ما لسليمان لعلوّ مقامه. وقد سخر اللَّه تعالى لسليمان الريح، فسارت به في بلاد اللَّه، وكان غدوّها شهرا ورواحها شهرا، فأعطى اللَّه سبحانه نبينا محمدا ﷺ أعظم من ذلك فأكثر، لأنه سار في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر، وخرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة في أقل من ثلث ليلة، فدخل السموات سماء سماء، ورأى عجائبها ووقف على الجنة والنار، وعرض عليه أعمال أمته ﷺ، وصلّى بالأنبياء وبملائكة السموات، وخرق الحجب، ودلى له الرفرف الأخضر، وأوحى إليه ربه تعالى ما أوحى، وأعطاه خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، وعهد إليه أن يظهر دينه على الأديان، حتى لا يبقى في شرق الأرض وغربها إلا دينه، أو يؤدون إليه وإلى أهل دينه الجزية عن صغار، وفرض عليه الصلوات الخمس.

ش، وعهد إليه أن يظهر دينه على الأديان، حتى لا يبقى في شرق الأرض وغربها إلا دينه، أو يؤدون إليه وإلى أهل دينه الجزية عن صغار، وفرض عليه الصلوات الخمس. ولقي موسى ﵇ وما له [من] [ (١) ] مراجعة ربه في التخفيف عن أمته، وهذا كله في ليلة واحدة، فأيما أعجب وأكثر من هذا، أو الريح غدوها شهر ورواحها شهر، ومع ذلك فإن الصّبا سخّرت للنّبيّ ﷺ وكانت من جملة أجناده، ولهذا قال: نصرت بالصّبا، ومع ذلك فإن سليمان سأل ذلك فقال: رَبِّ [اغْفِرْ لِي وَ] [ (٢) ] هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ (٣) ] ، ونبينا ﷺ حباه اللَّه تعالى بذلك من غير تعرض منه له، وأين مقام من [يعطي] [ (١) ] حسب سؤاله، من مقام من تأتيه المنح الإلهية مخطوبا لها ومسئولا بها؟

وقد خص اللَّه المصطفى ﷺ بأن جعل الرعب يسير بين يديه مسيرة شهر، وأين غدو الريح بسليمان شهرا من تقدم الرعب بين يدي المصطفى شهرا، وقد سخر اللَّه تعالى لسليمان الجن، لكنها كانت تعتاص عليه حتى يصفدها ويعذبها بالأعمال الشاقة وغيرها، ونبينا ﷺ أتته الجن راغبة فيه، طائعة له، معظّمة لشأنه، مصدقة بما جاءه من ربه، مؤمنة به، متبعة له، ضارعة خاضعة، مستمدة مستمنحة منه زادها ومأكلها، فجعل لها كل روثة تصيبها تعود علفا لدوابها، وكل عظم يعود طعاما لها. وسخرت له ﷺ عظماء الجن وأشرافها التسعة، الذين قال تعالى فيهم: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [ (١) ] ، وقال: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [ (٢) ] ، وأقبلت إليه ﷺ ليلة الجن الألوف منها مبايعين له على الصوم والصلاة والنصح للمسلمين، واعتذروا بأنهم قالوا على اللَّه شططا.

Bagian 32 dari 128