إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya المقريزي (w. 845 H).

Bagian 96 dari 128 6146 halaman

— Bagian 96 · الركعتين، ولا في الست، ولم يجلس أيضا في الركعتين… —

Bagian 96

الركعتين، ولا في الست، ولم يجلس أيضا في الركعتين، كما لم يسلم فيهما، واللَّه- ﵎ أعلم. وقال ابن عبد البر: وأهل العلم يقولون: إن الاضطراب عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- في أحاديثها في الحج، وأحاديثها في الرضاع، وأحاديثها في صلاة النبي ﷺ بالليل، وأحاديثها في قصر صلاة المسافر، ولم يأت ذلك إلا منها، لأن الذين يروون ذلك عنها حفاظ أثبات: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، والأسود بن يزيد، ومسروق، ونظراؤهم، وقد أجمع العلماء على أن لا حد ولا شيئا مقدرا في صلاة الليل، وأنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام، وقلت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود، واللَّه- ﵎ أعلم.

المسألة السادسة: في السواك وكان واجبا عليه ﷺ على الصحيح واستدل له بحديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- المتقدم، وقد تبين ضعفه لكن خرّج أبو داود [ (١) ] والبيهقي [ (٢) ] في (سننهما) ، وابن خزيمة [ (٣) ] من حديث عبد اللَّه بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل، أن رسول اللَّه ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شقّ ذلك على رسول اللَّه ﷺ أمرنا بالسواك لكل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث.

ر الغسيل، أن رسول اللَّه ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شقّ ذلك على رسول اللَّه ﷺ أمرنا بالسواك لكل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث.

وأخرجه الحاكم [ (١) ] في (مستدركه) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه. وقد اختلف في هذا الحديث على ابن إسحاق، فقيل: عنه عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وقيل: عن محمد بن طلحة، عن محمد بن يحيى، عن بن إسحاق، فالظاهر من هذا الحديث أنه أوجب عليه السواك، وهو الصحيح عند الأصحاب قاله النووي: ومال إلى قوله ابن الصلاح، ويؤيده ما خرّجه البيهقيّ [ (٢) ] من حديث أم سلمة مرفوعا: ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت على أضراسي. قال البخاريّ: هذا حديث حسن [ (٣) ] . قال عبد اللَّه بن وهب: حدثنا يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن عمرو مولى المطلب، عن المطلب بن عبد اللَّه، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، أن رسول اللَّه ﷺ قال: لقد لزمت السواك حتى تخوفت يتدردني. رواه البيهقي [ (٤) ] وفيه انقطاع بين المطلب وعائشة. وقال محمد بن يوسف الفريابي: قال ابن عيينة: سمعت أبا الحويرث الدرقي يذكر عن نافع بن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللَّه ﷺ: لقد أمرت بالسواك حتى خفت أن يدردني. هكذا ذكره مرسلا، وحدثنا إسرائيل، وحدثنا

أبا الحويرث الدرقي يذكر عن نافع بن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللَّه ﷺ: لقد أمرت بالسواك حتى خفت أن يدردني. هكذا ذكره مرسلا، وحدثنا إسرائيل، وحدثنا

أبو إسحاق عن التميمي واسمه أربدة قال: قلت لابن عباس: أرأيت السواك؟ فقال: ما زال يذكر النبي ﷺ حتى ظن أنه سينزل عليه فيه شيء. وخرّج الإمام أحمد [ (١) ] من طريق ليث عن أبي بردة عن أبي المليح بن أسامة عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول اللَّه ﷺ أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ. وخرّجه الطبراني في (المعجم الكبير) من طريقين مدارهما على ليث بن أبي سليم بن زنيم أبي بكر القرشي مولاهم. ضعفه ابن معين والنسائي. وخرّجه ابن ماجة [ (٢) ] من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى خشيت أن يفرض عليّ وعلى أمتي، ولولا خشيت أن أشق على أمتي لفرضته عليهم، وإني لأستاك حتى أني تخشيت أن يدرد مقادم فمي إلا أن في سنده من تكلم فيه. وخرّج الإمام أحمد [ (٣) ] من طريق شريك عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس قال: قال: كان رسول اللَّه ﷺ يكثر السواك حتى رأينا أو خشينا أنه ينزل عليه. وخرّج الطبراني في (الأوسط) من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- بلفظ غير هذا. وخرّج البزار من طريق عمران بن خالد الخياط، عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: أمرت بالسواك حتى خشيت ادرادا وحتى خشيت على أمتي وأسناني.

واستدل من رأى أن السواك لم يكن واجبا على النبي ﷺ وإنما كان مستحبا برواية أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ، وطرقها كلها معلولة فتأملها.

ي وأسناني.

واستدل من رأى أن السواك لم يكن واجبا على النبي ﷺ وإنما كان مستحبا برواية أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ، وطرقها كلها معلولة فتأملها.

تنبيه هل المراد بوجوب السواك في حقه ﷺ بالنسبة إلى الصلاة المفروضة؟ أو في النافلة أيضا؟ أو في الأحوال التي أكدها في حقنا؟ أو ما هو أعم من ذلك؟ وساق حديث عبد اللَّه بن حنظلة المتقدم أولا، يقول بوجوبه عليه مطلقا، وقال ابن الرفعة في (الكفاية) : إنه لم يصح أنه ﷺ فعل السواك إلا عند القيام إلى الصلاة، وعند تغيير الفم، ثم قال: فإن قلت: قد روى مسلم عن شريح بن هانئ سألت عائشة عن أي شيء كان يبدأ به النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك [ (١) ] ولفظه كان يؤذن بالدوام، ثم أجاب يحتمل أن يكون فعل ذلك لأجل تغيير حصل في فمه، ثم استبعده بأن في رواية النسائي عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه-، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي ركعتين، ثم ينصرف فيستاك.

المسألة السابعة: مشاورة ذوي الأحلام في الأمور قال ابن سيده: وأشار عليه بأمر كذا، أمره به، وهي الشورى، والمشورة مفعلة، ولا تكون مفعولة لأنها مصدر، والمصادر لا تجيء على مثال مفعول، وإن جاءت على مثال مفعول، وكذلك المشورة، وشاور مشاورة وشوارا، واستشاره طلب منه المشورة. وقال الراغب [ (١) ] : والمشاورة واستخراج صائب الرأي عن الغير، واشتقاقه من شرت العسل وشورته إذا أظهرت ماله من الجري. قلت اختلف في مشاورة رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، هل كانت واجبة عليه، أو مستحبة؟ فالصحيح عند أصحابنا أنها كانت واجبة عليه لقوله- تعالى-: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ (٢) ] وظاهر الأمر الوجوب وذهب قوم إلى أنها كانت مستحبة، وقاسوا ذلك على غيره، وقالوا: الأمر للاستحباب من أجل استمالة قلوب أصحابه وحكى ذلك ابن القشيري عن نص الشافعيّ- ﵀، وأنه جعله كقوله ﷺ: والبكر تستأمر تطبيبا لقلبها، إلا أنه واجب، وهو قول الحسن، فإنه قال: قد [فعله حتى] يستن به من بعده. وفي رواية: لقد كان رسول اللَّه ﷺ غنيا عن المشاورة، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده. وقال الشافعيّ- ﵀: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهريّ، قال: قال أبو هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه-: ما رأيت أحدا أكثر

ة، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده. وقال الشافعيّ- ﵀: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهريّ، قال: قال أبو هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه-: ما رأيت أحدا أكثر

مشورة لأصحابه من رسول اللَّه ﷺ [ (١) ] . ورواه الإمام أحمد وعبد الرزاق، وفي (سنن البيهقيّ) ، وفي إسناده انقطاع. وروى أبو عبد الرحمن السلمي، من طريق محمد بن يزيد بن عبادة بن كثير، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-، قال: لما نزلت هذه الآية: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ (٢) ] ، قال النبي ﷺ: إن اللَّه ورسوله غنيان عنها، ولكن جعلها رحمة في أمتي، فمن شاور منهم لم يعدم رشدا، ومن ترك المشورة منهم لم يعدم غيا، فعلى هذا لا تبقى المشورة من الخصائص. وقال الراغب: وقيل: كان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، فأمر اللَّه رسوله ﷺ بمشاورة أصحابه لئلا يثقل عليهم استبداده بالرأي دونهم، قال- تعالى-: فَإِذا عَزَمْتَ [ (٣) ] أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى فتوكل على اللَّه في إمضاء أمرك وقرئ: فَإِذا عَزَمْتَ [ (٤) ] بضم التاء أي عزمت لك على شيء فتوكل عليّ ولا تشاور بعد ذلك أحدا، والعزم ثبات الرأي على الأمر، نحو اجتماع الرأي، والتوكل على اللَّه الثقة به، والوقوف حيثما وقف، ونبه- تعالى- بقوله: فَبِما رَحْمَةٍ [ (٥) ] على نعمته علي النبي ﷺ أولا، وعلى أمته ثانيا، وأمر بالعفو عن تقصيرهم فيما يلزمهم له، وأن يستغفر لهم من ذلك، ثم أمره بإجراء نفسه أحدهم في الرأي، الّذي هو خاص بالإنسان، وقال- تعالى-: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ (٦) ] أي فإن قاربتهم هذه المقاربة فليكن اعتمادك على اللَّه [وتوكلك عليه] ، ومشاورته ﷺ لأصحابه ليقتدي به غيره، وقيل: تطيبا لقلوبهم.

ْ عَلَى اللَّهِ [ (٦) ] أي فإن قاربتهم هذه المقاربة فليكن اعتمادك على اللَّه [وتوكلك عليه] ، ومشاورته ﷺ لأصحابه ليقتدي به غيره، وقيل: تطيبا لقلوبهم.

وأما ما استشار فيه فهو الأمور الممكنات المتقاربة باختيار الفاعل قال جامعه: قال الماورديّ: واختلف فيما يشاور فيه، فقال قوم: في الحروب ومكايدة العدوّ خاصة، وقال آخرون: في أمور الدنيا دون الدين، وقال آخرون: في أمور الدين بينها لهم على علل الأحكام، وطريق الاجتهاد، وقال الثعلبي: اختلف في المعنى الّذي أمر اللَّه- تعالى- نبيه ﷺ بالمشاورة لهم فيه، مع كمال عقله، وجزالة رأيه، وتتابع الوحي عليه، ووجوب طاعته على أمته، فيما أحبوا أو كرهوا. فقيل: هو خاص في المعنى، وإن كان عاما في اللفظ، ومعنى الآية: ومشاورتهم فيما ليس عندك فيه من اللَّه- تعالى- عهد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: «وشاورهم في بعض الأمر» ، وقال ابن الكلبي: ناظرهم لقاء العدو، ومكايد الحروب عند الغزو، وقال الراغب: وأما القصد بالاستشارة فتارة لاستضاءة المستشير برأي المستشار، أو لئلا يلزم إن استبد فيتفق وقوعه بخلاف إيراده، ولهذا قيل: الاستشارة حصن من الندامة، وأمن من الملامة، وتارة طلبا لهداية المستشار، إما لأن يبين له خطأ رأيه إن كان له رأي خطأ في ذلك الأمر، وإما أن لا يعتقد هو أو غيره أن الاستبداد فضيلة فيستبد رأيه فيما ربما يؤدي إلى فساد، وإما لإكرامه وتعظيمه، فإذا تقرر هذا فأمور النبي ﷺ لا تنفعك من أن يكون شيئا دنياويا، أو كان دينيا فمعلوم أن النبي ﷺ غير محتاج إلى الاستضاءة برأي غيره من البشر، لما أمده اللَّه- تعالى- به من النور الإلهي، وما كان ﷺ يستشيرهم في شيء من أصول الشريعة، ولكن ربما كان يستشيرهم في بعض فروعها، التي هي مسائل الاجتهاد، نحو ما روي أنه ﷺ استشارهم في شعار يرفع للصلاة، ومثل ذلك تشريف لهم أولا، وتنبيه على أن ما سبيله الاجتهاد فحقه الاستعانة فيه بالآراء الكثيرة الصحيحة، لينقدح منها الصواب.

وأما ما كان من الأمور الدنياوية كالمساحة، والكتاب، والحساب فمعلوم أنه ﷺ كان مستعينا بغيره في كثير منها، بل صرح في ذلك بكونهم أعرف بها منه، فيما روى أنه لما ورد المدينة وجد أهلها يأبرون نخيلهم فقال: ما أرى أن ذلك ينفع فتركوه، فتبين نقص ثمارهم في تركه، فعاودوه، فقال: ما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به، وأنا أعلم بأمور آخرتكم [ (١) ] . واعترض العلامة شرف الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن محمد المرسي، على الراغب في هذا المثال، فقال: هذا الأمر من الأمور التي لا يستشار فيها، لأنها راجعة إلى ما أجرى اللَّه- تعالى- العادة فيها، فمن لم يعلم جري العادة في أن الثمار إذ لم تؤبر يسقط ثمرها، فإن الإبار لا ينفع، ومن علم جري العادة فيها قال: إن ذلك نافع، وإذا كان كذلك فلا معنى للاستشارة في ذلك، وإنما ﷺ لما لم يعلم جري العادة في ذلك قال: ما أرى أن ذلك ينفع، ثم قال لهم: أنتم أعلم بأمر دنياكم، قلت: والراغب يبعد من الصواب، فإن منعه لهم من الثابت، إن لم يكن رأيا أشار به فإنه في معناه، بدليل أنه ﷺ رجع عن قوله الأول في المنع، وأقرهم على التأبير ولو لم يكن منعه لهم أشار به، لما رجع عنه. قال الراغب: وعلى هذا ما يتعلق بأمر الحرب، مثل تهييجها تارة، وتليينها أخرى، والمن والافتداء تارة [ (٢) ] ، ولذلك لما هم ﷺ بمصالحة عيينة بن حصن على ثلث ثمار المدينة، قيل له: إن كان ذلك بوحي فسمعا وطاعة، وإن

رة، وتليينها أخرى، والمن والافتداء تارة [ (٢) ] ، ولذلك لما هم ﷺ بمصالحة عيينة بن حصن على ثلث ثمار المدينة، قيل له: إن كان ذلك بوحي فسمعا وطاعة، وإن

كان برأي رأيته فليس ذلك بصواب، فترك رأيه لرأيهم، فثبت أن ما يتعلق بالأمور الدنيوية، فحال الرسول ﷺ وغيره فيه، سواء، والمشاورة فيه مستحسنة له ولغيره. قال المرسي: الأمور الممكنة على ضربين، منها ما جعل اللَّه- تعالى- فيه عادة مطردة تنخرم، فهذا مما لا يستشار فيه، بل من علم العادة كان أعلم ممن لا يعلمها. والضرب الثاني: ما كانت العادة فيه أكثر، ورأيه فيها أصوب، ألا ترى أن من حاول التجارة علم وقت رخصها، وغلائها، وما يصلح، فيستشار فيها لعلمه بالأكثر وقوعا من الصلاح فيها، ولهذا ينبغي أن يستشار أرباب كل فن في فنهم، والاستشارة لا تعدو هذا، واللَّه- ﵎ أعلم. قلت: صحيح ما أورده المرسيّ، ومع صحته فلا يمنع كون مصالحة النبي ﷺ عيينة أو همّه بمصالحته، كان رأيا من عند نفسه، بحسب ما رآه من مصلحة الناس، وهو مأخوذ من المشورة، فكأنه أشاد بهذا، بل الحديث مصرح به فتأمله [ (١) ] .

المسألة الثامنة: كان يجب عليه ﷺ مصابرة العدو وإن كثر عددهم، والأمة إنما يلزمهم الثبات إذا لم يزد عدد الكفار على الضعف ولم يبوب البيهقيّ- ﵀ على هذه الخصوصية في (سننه) ، ولكن يستدل لذلك بقوله ﷺ لعروة في جملة كلامه لما خرج إليه يوم الحديبيّة: فإن أبوا فو اللَّه لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي، يريد ﷺ قريشا. ويستدل أيضا بما وقع في يوم أحد فإنه ﷺ أفرد في اثنى عشر رجلا أو نحوهم، والعدو إذ ذاك نحو ثلاثة آلاف، ومثل ذلك أنه ﷺ أفرد يوم حنين كما هو مشهور في السير ومرّ ذكره، وسيمر إن شاء اللَّه- تعالى-. ومن ذلك ما ذكره الماورديّ في كتاب (الحاوي) أنه ﷺ كان إذا بارز رجلا في الحرب لم يكفّ عنه قبل قتله. ومنه أنه ﷺ لم ينفر من الزحف وثبت بإزاء عدوّه وإن كثروا، ويمكن أن يستدل لذلك بأن الفرار والتولي من الزحف إنما هو تخوف القتل، وهو ﷺ معصوم من ذلك.

تله. ومنه أنه ﷺ لم ينفر من الزحف وثبت بإزاء عدوّه وإن كثروا، ويمكن أن يستدل لذلك بأن الفرار والتولي من الزحف إنما هو تخوف القتل، وهو ﷺ معصوم من ذلك.

المسألة التاسعة: كان يجب عليه ﷺ إذا رأى منكرا أن ينكره ويغيّره إنما يلزمه ذلك عند الإمكان ووجهه أن اللَّه- تعالى- وعده بالعصمة والحفظ، فقال- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ (١) ] الآية. وقد ثبت في (الصحيحين) [ (٢) ] وغيرهما من حديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- أنها قالت: ما خيّر رسول اللَّه ﷺ في أمرين إلا أحب أيسرهما ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول اللَّه ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة اللَّه، فينتقم للَّه بها. ووجوب تغيير المنكر سببه أنه ﷺ إذا مرّ عليه يظن جوازه، وقد قرر الآمديّ ذلك، فقال: وفرق ما إذا كان الفعل الصادر من كافر أو مسلم، فإن كان من كافر لم يدل على الجواز لما تقرر من كفره، وإن كان من مسلم فإن كان سبق منه تحريم ذلك الفعل، فسكوته يدل على النسخ، وإن لم يسبق، فيدلّ على الجواز، وأورد النووي في (الروضة) [ (٣) ] سؤالا، فقال: قد يقال: هذا ليس من الخصائص، بل كل مكلف يتمكن من إزالة المنكر يلزمه تغييره، ثم أجاب

بأن المراد أنه لا يسقط عنه ﷺ للخوف، فإن معصوم بخلاف غيره، واللَّه- تعالى- أعلم.

المسألة العاشرة: كان يجب عليه ﷺ قضاء دين من مات من المسلمين معسرا عند اتساع المال [ (١) ] خرّج البخاريّ في آخر كتاب الكفالة [ (٢) ] ، وفي آخر كتاب النفقات [ (٣) ] ، من طريق يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب. وخرّج مسلم في آخر كتاب الفرائض [ (٤) ] من طريق ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة

  • رضي اللَّه ﵎ عنه-، أن رسول اللَّه ﷺ كان يؤتى بالرجل عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدّث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح اللَّه- تعالى- الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلى قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته، قال البخاريّ: فمن توفى من المؤمنين فترك دينا فعليّ قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته. وخرّج البخاريّ في كتاب الفرائض [ (١) ] من طريق يونس عن ابن شهاب، حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته. وخرّجه في باب الاستقراض [ (٢) ] ، ولفظه: ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ (٣) ] فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا

فليأتني فأنا مولاه. وخرّجاه من طريق آخر، وحكى الإمام وجها أنه لم يكن واجبا عليه، بل كان يفعله تكرما. وبه جزم الماورديّ. وقال النووي في (شرح مسلم) [ (١) ] كان يقضيه من مال المصالح وقيل: من خالص ماله، وقال الإمام في (النهاية) : أشعر قوله ﷺ: من ترك ضياعا، أو دينا فعليّ بالوجوب عليه، ومن قال: كان ذلك تكرما فهو غير سديد، لأن وعده ﷺ حق وصدق، فلا يجوز تقدير خلافه. انتهى، على القول الأول: هل يجب ذلك على الأئمة بعده فيقومون به من مال المصالح؟ وجهان، وقد جاء في رواية قيل: يا رسول اللَّه وعلى كل إمام بعدك؟ قال: وعلى كل إمام بعدي حكاية الوجهين وفي الإطلاق نظر، لأن من استدان وبقي معسرا حتى مات، لم يقض دينه من بيت المال. واللَّه- تعالى- أعلم.

ل إمام بعدك؟ قال: وعلى كل إمام بعدي حكاية الوجهين وفي الإطلاق نظر، لأن من استدان وبقي معسرا حتى مات، لم يقض دينه من بيت المال. واللَّه- تعالى- أعلم.

المسألة الحادية عشر: كان يجب عليه ﷺ إذا رأى شيئا يعجبه أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة [ (٢) ] ذكره الرافعي بصيغة قيل، وجزم به ابن القاصّ في (تلخيصه) لكن لفظه فيه: كان إذا رأى شيئا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة. وقال البيهقيّ في كتاب (السنن) [ (٣) ] كان إذا رأى شيئا يعجبه، ثم قال: هذه كلمة صدرت من رسول اللَّه ﷺ في أنعم حاله يوم حجه بعرفة، ثم ساقه بإسناده، وفي أشد حاله يوم الخندق، ثم ساقه بإسناده.

خرّج البخاريّ من طريق قتيبة، حدثنا عبد العزيز، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كنا مع النبي ﷺ في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب على أكتافنا، فقال رسول اللَّه ﷺ: لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار. ذكره في غزوة الخندق [ (١) ] كذلك، وذكره في كتاب المناقب [ (٢) ] ، وفي أول كتاب الرقاق [ (٣) ] ، ولفظه فيهما: اللَّهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة. وخرّجه مسلم [ (٤) ] من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعيد قال: جاءنا النبي ﷺ ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا، فقال رسول اللَّه ﷺ: اللَّهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار. وأخرجاه من حديث أنس، وفيه زيادة. وقال الشافعيّ: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، أخبرني حميد الأعرج، عن مجاهد أنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يظهر التلبية: لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال: حتى إذا كان ذات يوم والناس منصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة. قال ابن جريج: وأحسب أن ذلك كان يوم عرفة. قال مؤلفه: ليس في هذين الحديثين ما يقتضي الوجوب، وغاية ما فيهما استحباب مثل ذلك، وقد قيل به في حق المكلفين، ومع هذا الحديث فقول مجاهد مرسل، وقول ابن جريج منقطع.

المسألة الثانية عشر: كان يجب عليه ﷺ إذا فرض الصلاة [صلاها] كاملة لا خلل فيها قاله القاضي الماوردي.

هذا الحديث فقول مجاهد مرسل، وقول ابن جريج منقطع.

المسألة الثانية عشر: كان يجب عليه ﷺ إذا فرض الصلاة [صلاها] كاملة لا خلل فيها قاله القاضي الماوردي.

المسألة الثالثة عشر: كان يلزمه ﷺ إتمام كل تطوع يبتدأ به حكاه البغوي عن بعضهم.

المسألة الرابعة عشر: أنه كان يجب عليه ﷺ أن يدفع بالتي هي أحسن قاله ابن القاصّ، ودليله قوله- تعالى-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ (١) ] قال ابن عطية: آية جمعت مكارم الأخلاق، وأنواع الحلم، والمعنى: ادفع أمورك وما يعرضك مع الناس ومخالطتك لهم بالفعلة، أو باليسيرة التي هي أحسن السير والفعلات. فمن ذلك السلام، وحسن الأدب، وكظم الغيظ، والسماحة في العطاء، والاقتضاء وغير ذلك. قال ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما-: إذا فعل المؤمن هذه الفضائل عصمه اللَّه من الشيطان، وخضع له عدوه. وفسر مجاهد وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء، ولا شك أن السلام مبدأ الدفع بالتي هي أحسن، وهو جزء منه.

المسألة الخامسة عشر: أنه ﷺ كلف وحده من العلم ما كلف الناس بأجمعهم ذكره ابن القاصّ، واستشهد له بما خرّجه البيهقيّ من طريق يونس، عن الزهريّ قال: أخبرني حمزة بن عمر، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت منه، حتى أني لأرى الريّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي يعني عمر قال: فما أولته يا رسول اللَّه؟ قال: العلم [ (١) ] ، وسيأتي بطرقه إن شاء اللَّه- تعالى- في المنامات النبويّه.

المسألة السادسة عشر: أنه ﷺ كان يغان على قلبه فيستغفر اللَّه ويتوب إليه في اليوم سبعين مرة خرّج مسلم [ (٢) ] من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي بردة، عن الأغر، وكانت له صحبة- أن رسول اللَّه ﷺ قال: إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مائة مرة.

قال أبو زكريا النووي: والمراد به هنا ما يتغشى القلب. قال القاضي يعني أبا الفضل عياض-: قيل: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الّذي شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عدّ ذلك ذنبا واستغفر منه، قال: وقيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته، وأمورهم، ومحاربة العدوّ ومداراته، وتألف المؤلفة، ونحو ذلك، فيشتغل بذلك عن عظيم مقامه، فيراه ذنبا بالنسبة إلى عظيم منزلته، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال، فهي نزول عن عالي درجته، ورفيع مقامه، في حضوره مع اللَّه- تعالى-، ومشاهدته، ومراقبته وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك. وقيل: إن هذا الغين هي السكينة التي تغشي قلبه لقوله- تعالى-: فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ [ (١) ] ويكون استغفاره إظهارا للعبودية والانقياد، وملازمة الخضوع، وشكرا لما أولاه، وقد قال المحاسبي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام، وإن كانوا آمنين من عذاب اللَّه. وقيل: يحتمل أن هذا الغين حال خشية وإعظام، تغشي القلب، ويكون استغفاره شكرا كما سبق، وهو شيء يعتري القلوب الصافية، كما تتحدث به النفس فهو يشبهها.

المسألة السابعة عشر: أنه ﷺ كان يؤخذ عن الدنيا عند تلقى الوحي وهو مطالب بأحكامها عند الأخذ عنها [ (١) ] وقد تقدم الكلام في كيفية تلقي الوحي.

يشبهها.

المسألة السابعة عشر: أنه ﷺ كان يؤخذ عن الدنيا عند تلقى الوحي وهو مطالب بأحكامها عند الأخذ عنها [ (١) ] وقد تقدم الكلام في كيفية تلقي الوحي.

المسألة الثامنة عشر: أنه ﷺ كان مطالبا برؤية مشاهدة الحق مع معاشرة الناس بالنفس والكلام [ (٢) ]

وأما الواجب المتعلق بالنكاح وهو القسم الأول من الواجبات فكان يجب عليه ﷺ تخيير زوجاته بين اختيار زينة الدنيا ومفارقته وبين اختيار الآخرة والبقاء في عصمته ولا يجب ذلك على غيره قال اللَّه- ﷻ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ (١) ] . ومعنى الآية: أن اللَّه- تعالى- يقول لنبيه محمد ﷺ: يا محمد قل لأزواجك: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن، يقول: فإنّي أمتعكن ما أوجب اللَّه على الرجال لنسائهم، من المتعة عند فراقهم إياهن بالطلاق، بقوله- تعالى-: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ (٢) ] وقوله- تعالى-: وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ (٣) ] يقول: وأطلقكن على ما أذن اللَّه به، وأدّب به عباده بقوله- تعالى-: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ (٤) ] ، إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ (٥) ] ، وإن كنتن تردن طاعة اللَّه وطاعة رسوله، ورضى اللَّه، ورضى رسوله، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ (٦) ] .

وقد اختلف سلف الأمة في سبب نزول هذه الآية على أقوال تسعة:

، ورضى رسوله، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ (٦) ] .

وقد اختلف سلف الأمة في سبب نزول هذه الآية على أقوال تسعة:

إحداها: أن عائشة رضي اللَّه ﵎ عنها قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ شيئا من عرض الدنيا إما زيادة في النفقة أو غير ذلك فاعتزل رسول اللَّه ﷺ نساءه شهرا فيما ذكر ثم أخبره اللَّه تعالى أن يخيرهن بين الصبر عليه والرضي بما قسم لهن، والعمل بطاعة اللَّه تعالى وبين أن يمتعهن ويفارقهن إن لم يرضين بالذي يقسم لهن خرّج محمد بن جرير الطبريّ من طريق ابن علية عن أيوب عن أبي الزبير أن رسول اللَّه ﷺ لم يخرج صلوات فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: إن شئتم لأعلمن لكم ما شأنه، فأتى النبي ﷺ فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أي شيء أكلم به رسول اللَّه ﷺ لعله ينبسط أو كلمة نحوها؟ فقلت: يا رسول اللَّه! لو رأيت فلانة وسألتني النفقة وصككتها صكة، فقال: ذاك حبسني عنكم، قال: فأتى حفصة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فقال: لا تسألي رسول اللَّه شيئا، ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثم تتبع نساء النبي ﷺ فجعل يكلمهن، فقال لعائشة: أيغرك أنك امرأة حسناء وأن زوجك يحبك؟ لتنتهينّ أو لينزلنّ اللَّه فيكنّ القرآن. قال: فقالت له أم سلمة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: يا ابن الخطاب: أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول اللَّه ﷺ وبين نسائه؟ فمن تسأل المرأة إلا زوجها؟ قال: ونزل القرآن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ (١) ]

إلى قوله- تعالى-: أَجْراً عَظِيماً قال: فبدأ بعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- فخيرها وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدأت بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإنّي أختار اللَّه ورسول والدار الآخرة، ولا تخيرهن بذلك، قال: ثم تتبعهن، فجعل يخبرهن ويقرأ عليهنّ القرآن، ويخبرهن بما صنعت عائشة، فتتابعن على ذلك. وخرّج من طريق سعيد عن قتادة قال: قال الحسن وقتادة: خيرهن بين الدنيا والآخرة، والجنة والنار، في كل شيء كن أردنه من الدنيا.

ثانيها: في غيرة كانت غارتها عائشة رضي اللَّه ﵎ عنها قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنه-، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة ابنة أبي سفيان، وسودة ابنة زمعة، وأم سلمة ابنة أبي أمية، وكانت تحته صفية ابنة حيي الخيبرية، وميمونة ابنة الحارث الهلالية، وزينب ابنة جحش الأسدية، وجويرية ابنة الحارث، فاختارت عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنه- اللَّه ورسوله والدار الآخرة، رئي الفرج في وجهه، فتتابعن كلهن على ذلك، واخترن اللَّه ورسوله والدار الآخرة. وخرّج من طريق عبد الأعلى قال: حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن وهو قول قتادة قالا: أمره أن يخيرهن بين الدنيا، والآخرة، والجنة، والنار قال قتادة: وهي غيرة من عائشة في شيء أرادته من الدنيا وكانت تحته تسع نسوة، فذكرهن. قال: فبدأ بعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- وكانت أحبهن إليه، فلما اختارت اللَّه ورسوله والدار الآخرة، رئي الفرج في وجهه فتتابعن على ذلك.

تسع نسوة، فذكرهن. قال: فبدأ بعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- وكانت أحبهن إليه، فلما اختارت اللَّه ورسوله والدار الآخرة، رئي الفرج في وجهه فتتابعن على ذلك.

ثالثها: أن نسائه يغايرن عليه خرّج أبو جعفر من طريق ابن وهب، قال: قال ابن زيد كان أزواجه ﷺ قد تغايرن عليه [ (١) ] فهجرهن شهرا، ثم نزل التخيير من اللَّه فيهن، فخيرهن بين أن يخترن أن يخلي سبيلهن ويسرحهن، وبين أن يخترن إن أردن اللَّه ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين لا نتكحن [بعده] أبدا، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن لمن وهبت نفسها له، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويرجي من يشاء حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل، فلا جناح عليه، ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ [ (٢) ] . قال: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ [ (٣) ] من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه، فخيرهن بين أن يرضين بهذا أو يفارقهن، فاخترن اللَّه ورسوله، إلا امرأة. شرط اللَّه له هذا الشرط ما زال يعدل بينهن حتى لقي اللَّه، قال الغزالي: لأن الغيرة توغر الصدور، وتنفر القلب، وتوهن الاعتقاد.

رابعها: أنهن أجمعن وقلن: نريد كما تريد النساء من الحلي والثياب فطالبنه بذلك، وليس عنده فتأذى، والزامهنّ الصبر على الفقر يؤذيهن، ومطالبتهن له بذلك يؤذيه، فأمر ﷺ بإلقاء زمام الأمر إليهن ليفعلن ما يخترنه، ونزه اللَّه- تعالى- منصبه العالي عن التأذي والإيذاء.

خامسها: أن بعض نسائه التمست منه خاتما من ذهب فاتخذ لها خاتم فضة وصفّره بالزعفران فتسخّطت

سادسها: أن اللَّه سبحانه امتحنهن بالتخيير ليكون لرسول ﷺ خير النساء

أن بعض نسائه التمست منه خاتما من ذهب فاتخذ لها خاتم فضة وصفّره بالزعفران فتسخّطت

سادسها: أن اللَّه سبحانه امتحنهن بالتخيير ليكون لرسول ﷺ خير النساء

سابعها: أن اللَّه تعالى خيره ﷺ بين الغنى والفقر فأمره تعالى بتخيير نسائه لتكون من اختارته موافقة لاختياره وعبارة الرافعي أنه ﷺ آثر لنفسه الفقر والصبر عليه، فأمر بتخييرهن لئلا يكون مكرها لهن على الفقر والصبر. وقال الشافعيّ [ (١) ] : إن من ملك زوجة فليس عليه تخييرها، وأمر رسول اللَّه ﷺ أن يخير نساءه فاخترنه، وحمله ذلك أن اللَّه- تعالى- خير النبي ﷺ بين أن يكون نبيا ملكا، وعرض عليه مفاتيح خزائن الدنيا، وبين أن يكون نبيا مسكينا، فشاور جبرئيل، فأشار عليه بالمسكنة، فاختارها فلما اختارها وهي أعلى المنزلتين، وأمره اللَّه- تعالى- أن يخير زوجاته فربما كان فيهن من يكره المقام معه على الشدة تنزيها له.

ثامنها: أن سبب نزول الآية قصة مارية في بيت حفصة

تاسعها: أن سبب شربه ﷺ العسل في بيت زينب بنت جحش وتواطؤ عائشة وحفصة رضي اللَّه ﵎ عنهما على أن يقولا له: إنا نجد منك ريح مغافير ونزل فيهما إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [ (١) ] ويترجح من هذه الأقوال ما خرّجه مسلم [ (٢) ] من طريق روح بن عبادة قال: حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه ﵎ عنه-، قال: دخل أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يستأذن على رسول اللَّه ﷺ، فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-، فدخل، ثم أقبل عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فأستأذن، فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسا حوله نساؤه، واجما، ساكنا، فقال: لأقولن شيئا أضحك النبي ﷺ، فقال: يا رسول اللَّه لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة: فقمت إليها فوجأت عنقها!! فضحك رسول اللَّه ﷺ، وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة.

ضحك النبي ﷺ، فقال: يا رسول اللَّه لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة: فقمت إليها فوجأت عنقها!! فضحك رسول اللَّه ﷺ، وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- يجأ عنقها، وقام عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إلى حفصة- رضي اللَّه ﵎ عنها- يجأ عنقها، يقول: تسألن رسول اللَّه ما ليس عنده؟ قلن: لا واللَّه لا نسأل رسول اللَّه شيئا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرا، أو تسعا وعشرين يوما، ثم نزلت عليه هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَ

تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ (١) ] . قال: فبدأ بعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا، أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول اللَّه؟ فتلا عليها الآية، فقالت: أفيك يا رسول اللَّه أستشير أبوي؟ بل اختار اللَّه ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبره امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن اللَّه- ﷿ لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا. قال مؤلفه: في هذا الحديث دليل على أن نساء رسول اللَّه ﷺ طلبن منه عرض الدنيا وإن تغير عليهنّ لذلك، فنزلت آية التخيير [ (٢) ] ، وحكى الحناطيّ وجها: أن التخيير لم يكن واجبا عليه ﷺ وإنما كان مندوبا. وفي آية التخيير [ (١) ] فوائد: وهي أن الزوج إن اعتبر بالنفقة، كان لها خيار الفسخ، وأن المتعة تجب للمدخول بها إذا طلقت، وجواز تعجيلها قبل الطلاق، وأن السراح صريح في الطلاق، وأن المتعة غير مقدرة شرعا، حكى هذه القواعد الخمس الماوردي، وزاد أبو بكر الخفاف في كتاب (الأقسام والخصال) : أن التخيير ليس بطلاق، وأنها متى اختارت فراقه وجب عليه الطلاق، وأن الخيار على النبي ﷺ دون سائر أمته، وأنه غير جائز أن يتزوج ﷺ كافرة، وأن أزواجه محرمات على التأبيد، إلا أن تكون مطلقة غير مدخول بها.

وهنا فوائد أخر:

ن الخيار على النبي ﷺ دون سائر أمته، وأنه غير جائز أن يتزوج ﷺ كافرة، وأن أزواجه محرمات على التأبيد، إلا أن تكون مطلقة غير مدخول بها.

وهنا فوائد أخر:

أحدها: من اختارت من أزواج النبي ﷺ الحياة الدنيا هل كان يحصل الفراق بنفس الاختيار ؟ وفيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: يحصل، كما لو خير غيره زوجته، ونوى تفويض الطلاق إليها، فاختارت نفسها، وأصحهما: لا يحصل، لقوله- تعالى-: فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ (١) ] ولو حصل الفراق باختيارها لما كان للتسريج معنى، لأنه تخيير بين الدنيا والآخرة، فلا يحصل الفراق باختيار الدنيا، كما لو خير واحد من الأمة زوجته فاختارت الفراق. وفي السراح الجميل تأويلات: أحدها: أن تطلق دون الثلاث، والثاني: أن يوفي فيه المهر والمتعة، والثالث: أنه الصريح من الطلاق دون الكناية، والرابع: حكاه ابن القشيري في (تفسيره) ، وهو أن يكون في مستقبل العدة في طهر لم يجامع فيه. قال الماوردي: هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة؟ أو بين الطلاق والمقام؟ فيه قولان للعلماء، أشبههما بقول الشافعيّ الثاني، ثم قال: إنه الصحيح، فعلى الأول لا شيء حتى تطلق، وعلى الثاني فيه وجهان: أحدهما: أن تخييره كتخيير غيره، يرجع فيه إلى نيته ونيتها، وثانيها: أنه صريح في الطلاق لخروجه مخرج التغليظ. وعن أبي عباس الروياني حكاية وجهين، في أن قولها: اخترت نفسي، هل يكون صريحا في الطلاق؟ حكاهما الرافعي عنه، والظاهر أنه ما حكاه الماوردي، فإن قلنا: تحصل الفرقة بالاختيار أو بوقوع الطلاق فطلقها دون الثلاث، ففي كونه رجعيا كما في حق غيره، أو بائنا تغليظا، لأن اللَّه- تعالى- غلظ عليه في التخيير، فيغلظ عليه الطلاق، وجهان: أحدهما: لا يكون السراح جميلا، وثانيهما: نعم لاختيارها الدنيا على الآخرة، فلم تكن من

أزواجه في الآخرة، حكاهما الرافعي عن أبي العباس الروياني أيضا، وهما في (الحاوي) لأبي الحسن الماوردي.

ما: نعم لاختيارها الدنيا على الآخرة، فلم تكن من

أزواجه في الآخرة، حكاهما الرافعي عن أبي العباس الروياني أيضا، وهما في (الحاوي) لأبي الحسن الماوردي.

ثانيهما: هل يعتبر أن يكون جوابهن على الفور ؟ فيه وجهان: أصحهما في أصل (الروضة) [ (١) ] ، لا يجوز فيه التراخي، وبه قطع القاضي ابن كج، ونقل ابن الرفعة في (المطلب) تصحيحه عن (النهاية) ولم يتردد فيه، ودليل ذلك قوله ﷺ لعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، واعترض الشيخ أبو حامد بأنه ﷺ صرح بتراخي خيارها إلى مراجعة أبويها، والكلام في التخيير المطلق. قال الرافعي: وحكاه الإمام عن الأصحاب وهما مبنيان على الوجهين في حصول الفراق، وبنفس الاختيار، فإن قلنا به، وجب على الفور، وإن قلنا: لا، جاز فيه التراخي. قال الإمام: لا يجوز كما لو قال الواحد منا لزوجته: طلقي نفسك، ففي كون جوابها على الفور أو على التراخي قولان. قال الإمام: وبناء هذا الخلاف السابق عندنا في غاية الضعف، لأجل الخبر، وإن قال متكلف: ما جرى من النبي ﷺ لعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- تخييرا ناجزا في حقها، قلنا: نعم، فلم اكتفي النبي ﷺ باختيارها اللَّه ورسوله، ورآه جوابا عن التخيير، فلا حاصل فيه لذكر الخلاف. وحكى النوراني، والماورديّ، الخلاف في اعتبار الفور وعدمه مع جزمه بحصول الفراق بالاختيار، لكنه بناه على أن الفرقة فرقة طلاق أو فسخ، فيه وجهان، فإن قلنا: فرقة طلاق فهو على الفور، وإلا فعلى التراخي، فإن

فعلناه على الفور فيمتد بامتداد المجلس، أو يعتبر فيه الفورية المعتبرة في الإيجاب والقبول؟ فيه وجهان، حكاهما الرافعي عن الهرويّ.

ثالثها: هل كان يحرم عليه ﷺ طلاق من اختارته ؟ فيه وجهان لأصحابنا، أحدهما: وبه قطع الماوردي ونص عليه الشافعيّ في (الأم) نعم، كما يحرم إمساكها لو رغبت عنه، ومكافأة لهن على صبرهن، وبه يشعر قوله- تعالى-: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [ (١) ] فإن التبدل فراقهن، وتزوج غيرهن، ففي تحريمه تحريم مفارقتهن، وأظهرها ما عند الإمام والرافعي في (الشرح الصغير) ، والنووي في (أصل الروضة) [ (٢) ] ، لا كما لو أراد واحد من الأمة طلاق زوجته لا يمنع منه، وإن رغبت فيه، ولأن التبدل معناه مفارقتهن أولا، والتزويج بأمثالهن بدلا عنهن، وذلك مجموع أمرين، فلا يقتضي المنع من أولهما. قال الإمام: وادعاء الحجر على الشارع في الطلاق بعيد، وفيه وجه ثالث، أنه يحرم عقب اختيارهن، ولا يحرم إذا انفصل عنه. فإن قلت: يستدل للوجه الأظهر بأنه ﷺ طلق حفصة وراجعها، وعزم على طلاق سودة، فوهبت يومها لعائشة، قلنا: ذكر الماورديّ أن ذلك كان قبل التخيير، وكذا قصة الإفك، وقول عليّ- رضي اللَّه ﵎ عنه- لما استشاره النبي ﷺ في فراق أهله: لم يضيق اللَّه عليك، النساء كثير سواها، لعله كان قبل نزول آية التخيير. وقد قال ابن الجوزي: كان إيلاؤه ﷺ منهن سنة تسع، والتخيير بعدها، لكن اصطفى ﷺ صفية بنت حيي من سبي خيبر سنة سبع وتزوجها.

لعله كان قبل نزول آية التخيير. وقد قال ابن الجوزي: كان إيلاؤه ﷺ منهن سنة تسع، والتخيير بعدها، لكن اصطفى ﷺ صفية بنت حيي من سبي خيبر سنة سبع وتزوجها.

ونقل الماوردي أن تزويجها كان بعد نزول آية التخيير ولا يصح ذلك، لأن التخيير كان بعد الفتح، ففي (صحيح البخاريّ) من طريق مروان بن معاوية قال: حدثنا أبو يعفور، قال: تذكرنا عند أبي الضحى، قال: حدثنا عبد اللَّه بن عباس، قال: أصبحنا يوما ونساء النبي ﷺ يبكين وعند كل امرأة منهن أهلها، فخرجت إلى المسجد فإذا هو ملآن من الناس، فجاء عمر بن الخطاب فصعد إلى النبي ﷺ وهو في غرفة له، فسلم، فلم يجبه أحد، ثم سلم، فلم يجبه أحد، ثم سلم، فلم يجبه أحد، فناداه، فدخل على النبي ﷺ، فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: لا، ولكن آليت منهن شهرا، فمكث تسعا وعشرين [ليلة] ، ثم دخل على نسائه. ترجم عليه باب هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن [ (١) ] .

فتأمل هذا الحديث تجده دليلا على أن هجره ﵇ نساءه وإيلاءه منهن كان بعد الفتح، وبيان ذلك أن ابن عباس لم يقدم المدينة إلا مع أبيه بعد الفتح، وقد صرح في هذا الحديث بحضوره القصة.

يلا على أن هجره ﵇ نساءه وإيلاءه منهن كان بعد الفتح، وبيان ذلك أن ابن عباس لم يقدم المدينة إلا مع أبيه بعد الفتح، وقد صرح في هذا الحديث بحضوره القصة.

رابعها: لما خير ﷺ زوجاته فاخترنه كافأهن اللَّه تعالى على حسن صنيعهن بالجنة فقال: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ (١) ] أي في الجنة، وبأن حرم على رسول اللَّه ﷺ التزويج عليهنّ، والاستبدال بهن، فقال- تعالى-: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ لكن نسخ ذلك لتكون المنّة لرسوله ﷺ بترك التزويج عليهنّ بقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ (٢) ] . الآية. وذهب محمد بن جرير الطبريّ إلى أنه كان لرسول اللَّه أن يتزوج من شاء من النساء اللاتي أحلهن اللَّه له على نسائه اللاتي كنّ عنده، ثم نزلت عليه لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [ (٣) ] فلم ينهه فيها، إلا أن يفارق من كان عنده منهن بطلاق، إرادة استبدال غيرها لها، ولإعجاب بحسن المستبدلة بها إياه، إذ كان اللَّه- تعالى- قد جعلهن أمهات المؤمنين، وخيرهن فاخترن اللَّه ورسوله، فحرمن على غيره، ومنع من فراقهن بطلاق.

، ولإعجاب بحسن المستبدلة بها إياه، إذ كان اللَّه- تعالى- قد جعلهن أمهات المؤمنين، وخيرهن فاخترن اللَّه ورسوله، فحرمن على غيره، ومنع من فراقهن بطلاق.

وأما نكاح غيرهن: فلم يمنع منه بل أحله اللَّه له على ما بيّن في كتابه وقد روى أبو عاصم عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى أحل له النساء، يعنى أهل الأرض. وقال سفيان: عن عمرو عن عطاء، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى أحل له النساء [ (١) ] . وقال وهيب: عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد اللَّه بن عمير الليثي، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: ما توفي رسول اللَّه ﷺ حتى أحلّ اللَّه له أن يتزوج من النساء ما شاء [ (٢) ] . وقال عمر بن شيبة: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أحسب عبيد بن عمير حدثني، قال أبو زيد عمر بن شبة، وقال أبو عاصم مرة: عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: ما مات

رسول اللَّه ﷺ حتى أحلّ له النساء [ (١) ] ، قال: وقال أبو الزبير: شهدت رجلا يحدثه عن عطاء، وقال: الآية، ولأن قوله- تعالى-: إِنَّا أَحْلَلْنا يقتضي تقدم لحظر، والثاني أنه قال فيها: وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ ولم يكن في المخيرات أحد من هؤلاء، كما قاله الشافعيّ- ﵀ في الآية. وأجيب بأن الإحلال يقتضي تقدم حظر، وزوجاته اللاتي اخترنه لم يكنّ محرمات عليه، وإنما كان حرم عليه أن يتزوج بالأجنبيات، فانصرف الإحلال إليهن، ولأنه قال في سياق الآية: وَبَناتِ عَمِّكَ الآية، ومعلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه، ولا بنات عماته، ولا من بنات خاله، ولا من بنات خالاته، فثبت أنه أحل له التزويج بهذا ابتداء.

خامسها: إذا ثبت أنه ﷺ أحل له التزويج فهل ذلك عام في جميع النساء ؟ فيه وجهان، حكاهما الماورديّ وغيره: أحدهما: أن ذلك يختص ببنات الأعمام والعمات، وبنات الأخوال والخالات، المهاجرات معه لظاهر الآية. وقد روى البيهقي [ (٢) ] وغيره من طريق السدي، عن أبي صالح، عن أم هانئ قالت: خطبني رسول اللَّه ﷺ فاعتذرت إليه، فعذرني، ثم أنزل اللَّه- تعالى- عليه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَ

إلى قوله- تعالى-: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ [ (١) ] ، قالت: فلم أكن أحلّ له، لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. وخرّجه الترمذيّ [ (٢) ] وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وخرّجه الحاكم [ (٣) ] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: وبنات خالاتك واللاتي هاجرن معك بواو. وقال الضحاك في هذه القراءة: يعنى بذلك كل شيء هاجر معه، ليس من بنات العم والعمة، ولا من بنات الخال والخالة، وردّ ذلك بأن السدي ضعيف. وقال ابن [العربيّ] : هو ضعيف جدا، ولم يأت هذا الحديث من طريق صحيح.

معه، ليس من بنات العم والعمة، ولا من بنات الخال والخالة، وردّ ذلك بأن السدي ضعيف. وقال ابن [العربيّ] : هو ضعيف جدا، ولم يأت هذا الحديث من طريق صحيح.

وقراءة ابن مسعود لا تعارض ما ثبت بالتواتر، ومع هذا فإنه جائز أن يكون بمعنى القراءة المتواترة، فإن العرب تدخل الواو في نعت من تقدم ذكره أحيانا، كما قال الشاعر: فإن رشيدا وابن مروان لم يكن ... يفعل حتى يصدر الأمر مصدرا ورشيد هو ابن مروان. والثاني: وهو الأظهر، أنه عام في جميع النساء لأن الإباحة رفعت ما تقدم في الحظر، فاستباح ما كان يستبيح قبلها، ولأنه في استباحة النساء أوسع من أمته، فلم يجز أن ينقص عنهم. وقال القاضي حسين: إن تحريم النسوة عليه، هل بقي مؤبدا أم ارتفع؟ فيه وجهان.

سادسها: قال الماوردي: تحريم طلاق من اختارته ﷺ منهن إذا قلنا به كما سلف لم ينسخ بل بقي إلى الموت وبه استدل أبو حنيفة- ﵀ على بقاء تحريم نكاح غيرهن أيضا، وكلام الإمام يشير إلى خلافه.

سابعها: هل كان يجوز له ﷺ أن يجعل الاختيار لهن قبل المشاورة معهن ؟ فيه وجهان، حكاهما الرافعي في (الجرجانيات) لأبي العباس الروياني، ولم يذكرهما في (الروضة) .

النوع الثاني: ما اختص به الرسول ﷺ من المحرمات وذلك تكرمة له ﷺ فإن تأخير ترك المحرم، أكثر من تأخير ترك المكروه، وفعل المندوب، إذ الحرام في المنهيات كالواجب في المأمورات، وهو أيضا قسمان:

القسم الأول: المحرمات في غير النكاح وفيه مسائل:

الأولى: الزكاة، فإنّها حرام عليه ﷺ لا تحل له بإجماع العلماء على ذلك وشاركه في ذلك ذو القربى بسببه أيضا، فالخاصة عائدة عليه ﷺ فإنّها أوساخ الناس، وتحريم ذلك عليه وعلى آله، أشهر عند أهل العلم من أن يحتاج فيه إلى إكثار. كما خرّجه مسلم من طريق مالك، عن الزهريّ أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، حدثه فذكر الحديث إلى أن قال: ثم قال: - يعنى النبي ﷺ إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس [ (١) ] وذكره أيضا من طريق

بن ربيعة بن الحارث، حدثه فذكر الحديث إلى أن قال: ثم قال: - يعنى النبي ﷺ إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس [ (١) ] وذكره أيضا من طريق

يونس بن يزيد، عن ابن شهاب ولفظه: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لا لمحمد، ولا آل محمد [ (١) ] . وخرّج ابن أبي شيبة [ (٢) ] من طريق سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن موسى بن أبي رزين، عن عليّ قال: قلت للعباس- رضي اللَّه ﵎ عنه-: سل النبي ﷺ يستعملك على الصدقة، فسأله، فقال: ما كنت لأستعملك على غسالات ذنوب الناس. واعلم أن منصب رسول اللَّه ﷺ منزه عن ذلك، وأيضا فإن الزكاة تعطى على سبيل التكرم، المبني على ذلّ الآخذ، فأبدلوا عنها بالغنيمة المأخوذة بطريق العز والشرف، والمبني على عزّ الآخذ وذلّ المأخوذ منه. وقد اختلف علماء السلف، هل الأنبياء ﵈ تشارك النبي ﷺ في ذلك؟ أم يختص به ﷺ دونهم؟ فذهب الحسن إلى أن الأنبياء تشاركه في ذلك، وذهب سفيان بن عيينة إلى اختصاصه ﷺ بذلك دونهم.

وأما صدقة التطوع ففي تحريمها على النبي ﷺ وتحريمها على آله أربعة أقوال: أحدها: تحرم، حكاه الشيخ أبو حامد، والقفال، قال ابن الصلاح: وخفي على إمام الحرمين، والغزاليّ، والصحيح الأول. والثاني: لا تحرم، إنما كان ﷺ يمتنع منها ترفعا. والثالث: تحرم عليه دونهم، وهذا القول أصحهما، قال ابن عبد البر: الّذي عليه جمهور أهل العلم وهو الصحيح عندنا: أن صدقة التطوع لا بأس بها لبني هاشم ومواليهم، ومما يدل على صحة ذلك، أن عليا والعباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- وغيرهما تصدقوا، وأوقفوا أوقافا على جماعة من بني هاشم، وصدقاتهم الموقوفة معروفة مشهورة، لا خلاف بين العلماء، أن بني هاشم وغيرهم، في قبول الهدايا والمعروف سواء، وقد قال ﷺ: كل معروف صدقة. والرابع: محرم عليهم الجهة الخاصة دون العامة، كالمساجد، ومياه الآبار، وأبدى الماوردي وجها آخر اختاره: أن ما كان منها أموالا متقومة كانت محرمة عليه ﷺ دون ما كان منها غير متقوم، فتخرج صلاته في المساجد، وشربه ماء زمزم، وبئر رومة، ويخرج من هذا الوجه أنه كان يحرم عليه أن يوقف عليه معينا، لأن الوقف صدقة تطوع. وحكى الرافعي في هذا الخلاف وجهين، فقال: وفي المحرمات الصدقة في أظهر الوجهين على ما سبق في قسم الصدقات، وتبع في حكاية الخلاف لذلك الإمام هنا، والطبري صاحب (العدة) وكذا حكاه العجليّ في شرح (الوسيط) والجرجاني في (الشافي) .

ولكن الّذي سبق في كلام الرافعي: أن في الخلاف قولان، وهو الصواب في بعض نسخ الرافعي، و (الروضة) [ (١) ] ، أيضا فقد قال الماوردي في كتاب (الوقف) : إنها منصوصة في (الأم) [ (٢) ] . وقد ثبت ما يقوي تحريم الصدقة عليه ﷺ مطلقا، زكاة مفروضة كانت أو تطوعا، وهو قول أكثر أهل العلم. خرّج البخاريّ في آخر كتاب الجهاد [ (٣) ] ، في باب من تكلم بالفارسية والرطانة من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة- رضي اللَّه

أكثر أهل العلم. خرّج البخاريّ في آخر كتاب الجهاد [ (٣) ] ، في باب من تكلم بالفارسية والرطانة من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة- رضي اللَّه

تبارك وتعالى عنه- أن الحسن بن عليّ- رضي اللَّه ﵎ عنهما- أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ: كخ، كخ! أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة؟ وخرّجه في كتاب الزكاة [ (١) ] ، وترجم عليه باب ما يذكر في الصدقة للنّبيّ وآله. وخرّجه مسلم في آخر كتاب الزكاة به، ولفظه عن محمد- وهو ابن زياد، سمع أبا هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- يقول: أخذ الحسن بن عليّ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ: كخ، كخ! ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة [ (٢) ] ؟ وفي لفظ له قال: إنا لا تحل لنا الصدقة [ (٣) ] ، وفي لفظ البخاريّ: إن آل محمد لا يأكلون الصدقة. وخرّجاه أيضا من حديث معمر عن همام بن أمية، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها، ذكره البخاريّ في كتاب اللقطة في باب إذا وجد تمرة في الطريق [ (٤) ] .

وخرّجه مسلم في الزكاة [ (١) ] ، وخرجاه من حديث سفيان، عن منصور، عن طلحة، عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: لولا أنني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها. ذكره البخاريّ في البيوع [ (٢) ] ولفظة، عن أنس قال: مرّ النبي ﷺ بتمرة مسقوطة، فقال: لولا أن تكون صدقة لأكلتها، وقال همام عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- عن النبي ﷺ، قال: أجد تمرة ساقطة على فراشي، هكذا ذكر هذا متصلا بحديث أنس، وترجم عليهما باب ما يتنزه عنه من الشبهات. وخرّجه مسلم [ (٣) ] وأبو داود [ (٤) ] وخرّج البخاريّ [ (٥) ] في كتاب الهبة في باب قبول الهدية من طريق معن قال: حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أتى بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، فإن قيل: هدية ضرب بيده ﷺ فأكل معهم.

هريرة، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أتى بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، فإن قيل: هدية ضرب بيده ﷺ فأكل معهم.

وخرّجه مسلم [ (١) ] في كتاب (الزكاة) من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن النبي ﷺ كان إذا أتي بطعام سأل عنه، فإن قيل: هدية أكل منها، وإن قيل: صدقة لم يأكل منها. وخرّجه النسائي [ (٢) ] من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أتي بشيء سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة لم يأكل، وإن قيل هديه بسط يده. ذكره في آخر كتاب الزكاة. وفي حديث سليمان: إنها لا تحل لنا الصدقة. وترجم عليه الهدية للنّبيّ ﷺ. واستبعد إمام الحرمين ثبوت الخلافة في جواز أخذه ﷺ صدقة التطوع لنفسه، وحكى ابن الصلاح عن (أمالي أبي الفرج السرخسي) ، أن في صرف الكفارة والنذر إلى الهاشمي قولين، والظاهر جريانهما في المطلبيّ أيضا لأنه في معناه.

الثانية: كان رسول اللَّه ﷺ لا يأكل البصل، والثوم، والكراث، وما له رائحة كريهة من البقول خرّج البخاري [ (١) ] من طريق يونس عن ابن شهاب، زعم عطاء أن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه ﵎ عنه-، زعم أن النبي ﷺ قال: من أكل ثوما، أو بصلا، فليعتزلنا، أو فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته، وأن النبي ﷺ أتى بقدر فيه خضروات من بقول فوجد لها ريحا، فسأل، فأخبر بما فيه من البقول، فقال: قربوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه أكلها، وقال: كل، فإنّي أناجي من لا تناجي.

وخرّجه مسلم [ (١) ] وأبو داود [ (٢) ] ، وقال مالك: عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار قال: كان رسول اللَّه ﷺ لا يأكل الثوم، ولا الكراث، ولا البصل، من أجل الملائكة، ومن أجل أنه يكلم جبريل- ﵇. قال ابن عبد البر: في هذا الحديث من الفقه إباحة أكل الثوم لسائر الناس، لأن رسول اللَّه ﷺ إنما امتنع من أكل الثوم والبصل والكراث لعلة ليست موجودة في غيره، فصار ذلك خصوصا له. وقد اختلف هل كان ذلك حراما عليه ﷺ؟ فيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: يحرم، وبه جزم الماوردي كيلا يتأذى به الملك، وأشبههما لا يحرم عليه، بل كان أكل ذلك مكروها في حقه ﷺ وإنما كان يمتنع منه ترفعا. والدليل على ذلك ما خرّجه مسلم من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، عن أبي أيوب الأنصاريّ- رضي اللَّه ﵎ عنه-، قال كان رسول اللَّه ﷺ إذا أتى بطعام أكل منه، وبعث بفضلة إليّ، وأنه بعث إليّ يوما بفضلة لم يأكل منها، لأن فيها ثوما فسألته: أحرام هو؟ قال: لا، ولكني أكرهه من أجل ريحه، قال: فإنّي أكره ما كرهت. وخرّجه الترمذيّ [ (٣) ] وقال: هذا حديث حسن صحيح. وخرّجه مسلم [ (٤) ] أيضا من طريق عاصم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب، وفيه قصة، وفي آخره: وكان

قال: هذا حديث حسن صحيح. وخرّجه مسلم [ (٤) ] أيضا من طريق عاصم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب، وفيه قصة، وفي آخره: وكان

النبي ﷺ يؤتي- يعني مجيء الملك

  • وهذا صريح في نفي التحريم، وإثبات الكراهة، وعلى هذا الجادة، قال ابن الصلاح: وهذا يبطل وجه التحريم. وخرّج أبو داود [ (١) ] من حديث بقية عن بجير، عن خالد، عن أبي زياد، عن خيار بن سلمة أنه سأل عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- عن البصل، فقالت: إن آخر طعام أكله رسول اللَّه ﷺ طعام فيه بصل. وخرّجه أحمد [ (٢) ] أيضا وهو سند صالح واعترض صاحب (المطلب) بأن حديث أبي أيوب كان في ابتداء الهجرة، والنهي عن أكل الثوم كان عام خيبر كما رواه البخاريّ في (صحيحه) . وأجيب بما خرّجه مسلم [ (٣) ] من طريق إسماعيل بن علية، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول اللَّه ﷺ في تلك البقلة، الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلا شديدا، ثم رحنا إلى المسجد، فوجد رسول اللَّه ﷺ الريح فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئا فلا يقربنا في المسجد، فقال الناس: حرمت! حرمت! فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: يا أيها الناس! إنه ليس لي تحريم ما أحل اللَّه لي، ولكنها شجرة أكره ريحها.

شيئا فلا يقربنا في المسجد، فقال الناس: حرمت! حرمت! فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: يا أيها الناس! إنه ليس لي تحريم ما أحل اللَّه لي، ولكنها شجرة أكره ريحها.

الثالثة: أنه ﷺ كان لا يأكل متكئا خرّج البخاريّ [ (١) ] من طريق مسعر عن عليّ بن الأقمر، سمعت أبا جحيفه قال: كنت عند النبي ﷺ، فقال لرجل: لا آكل متكئا. وخرّجه ابن أبي خيثمة بهذا الإسناد مثله، وخرّجه أبو داود [ (٢) ] من طريق سفيان، عن عليّ بن الأقمر بهذا الإسناد مثله سواء. وخرّج البخاريّ [ (٣) ] من طريق جرير بن منصور، عن عليّ بن الأقمر، عن أبي جحيفة، قال: كنت عند النبي ﷺ، فقال لرجل عنده: لا آكل وأنا متكئ. وخرّجه النسائي من طريق شريك عن عليّ بن الأقمر، عن أبي جحيفة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: أما أنا فلا آكل متكئا. وخرّج عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، أن النبي ﷺ قال: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد، وخرّجه البيهقي في (شعب الإيمان) [ (٤) ] وفي (دلائل النبوة) . وخرّج ابن سعد [ (٥) ] ، عن أبي النضر، عن أبي معشر، عن سعيد [المقبري] ، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-، أن النبي ﷺ قال لها: يا عائشة إن شئت لسارت معي جبال الذهب، أتاني ملك وإن حجزته لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت

عنها-، أن النبي ﷺ قال لها: يا عائشة إن شئت لسارت معي جبال الذهب، أتاني ملك وإن حجزته لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت

[كنت] [ (١) ] نبيا [مليكا] [ (٢) ] ، وإن شئت [نبيا] عبدا، فأشار إليّ جبريل [أن] ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا، فكان بعد ذلك لا يأكل متكئا، ويقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد. وخرّج النسائي من طريق بقية الزبيدي قال: حدثني الزهريّ، عن محمد بن عبد اللَّه بن عباس قال: كان ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- يحدث أن اللَّه- تعالى- أرسل إلى بيته ﷺ ملكا من الملائكة، ومعه جبريل- ﵇، فقال له الملك: إن اللَّه يخيّرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون ملكا فالتفت رسول اللَّه ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول اللَّه ﷺ: لا بل أكون عبدا نبيا، فما أكل بعد هذه الكلمة طعاما متكئا. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: جاء النبي ﷺ ملك لم يأته قبلها ولا بعدها، فقال: إن اللَّه يخيرك بين أن تكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا ... الحديث بنحوه. وعن ابن عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد. خرّجه البزار وقال: لا نعلمه يروي بإسناد متصل إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن ابن عمر إلا نافعا، ولا عنه إلا عبيد اللَّه، ولا عنه إلا مبارك، تفرد به حفص وقال: ومبارك كان مدلسا، وقد اختلف في ذلك، هل كان حراما عليه ﷺ أو مكروها؟ فيه وجهان: أشبههما كما قال الرافعي وغيره: أنه كان مكروها فإنه لم يثبت فيه ما يقتضي

التحريم واجتناب رسول اللَّه ﷺ الشيء واختياره غيره، لا يدل على كونه محرما عنده. وقال النووي [ (١) ] : والصحيح أنه كان مكروها في حقه ﷺ، لا حراما، وقال ابن شاهين: لم يكن محرما عليه وإنما هو أدب من الآداب. والثاني: أنه كان حراما عليه وجزم به صاحب (التلخيص) لما فيه من الكبر والعجب، فعلى أنه ليس بحرام لا يبقى من باب الخصائص، فإنه يكره لغيره أيضا الأكل متكئا على كل من تفسيريه، وإذا تقرر ذلك فما المراد بالمتكئ؟ فيه خلاف، قال ابن سيده: توكأ على الشيء واتكأ تحمل واعتمد، والتكأة العصا يتكأ عليها في المشي، واتكأ الرجل جعل له متكأ، وضربه فاتكأه، ألقاه على جانبه الأيسر [ (٢) ] ، وفسر الخطّابيّ المتكئ هنا بالمتمكن في جلوسه من التربع، وشبهه المعتمد على الوطاء تحته، قال: وكل من استوى

قاعدا على وطئ فهو متكئ، ومعناه لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام ويقعد له متكئا بل أقعد مستوفزا [ (١) ] ، وآكل قليلا، فيكون الاتكاء على هذا التفسير التربع، ورجحه جماعة لما فيه من التجبّر والتعاظم، وأنكر ابن الجوزي هذا التفسير، وقال: المراد به المائل على جنب، فيكون الاتكاء على هذا التفسير الاضطجاع، وهو المتبادر إلى أفهام كثيرين، لما قد يحصل به من الأذى كما نهى عن الشرب قائما. وقال القاضي عياض [ (٢) ] : وليس هو الميل على شق عند المحققين، واختيار ما فسره الخطابي وإليه ذهب ابن دحية أيضا فقال: الاتكاء في اللغة هو التمكن في الأكل.

القاضي عياض [ (٢) ] : وليس هو الميل على شق عند المحققين، واختيار ما فسره الخطابي وإليه ذهب ابن دحية أيضا فقال: الاتكاء في اللغة هو التمكن في الأكل.

الرابعة: تعليم الشّعر قال اللَّه تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ (٣) ] يقول- تعالى-: وما علمنا محمدا الشعر وما ينبغي له أن يكون شاعرا، فجعل اللَّه- تعالى- ذلك علما من أعلام نبوة محمد ﷺ لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليهم، فيظن به أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر. قال سعيد: عن قتادة، قيل لعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- هل كان رسول اللَّه ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه غير أنه كان يتمثل بيت أخي بني قيس فيجعل آخره أوله، وأوله آخره، فقال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إنه ليس هكذا، فقال نبي اللَّه ﷺ إني واللَّه ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي.

وقال الزجّاج: معنى وَما يَنْبَغِي لَهُ [ (١) ] أي ما يتسهل له. وخرّج أبو داود [ (٢) ] من حديث ابن عمرو- رضي اللَّه ﵎ عنهما- قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي. فلهذا قال أصحابنا: إنه كان يحرم عليه ﷺ تعلم الشعر. قال الرافعي: وإنما يتجه القول بتحريمهما- يعنى الشعر والخط- ممن يقول: إنه كان ﷺ يحسنها، وقد اختلف فيه، فقيل: يحسنهما ويمتنع منهما، والأصحّ أنه ﷺ كان لا يحسنهما. قال النووي في (الروضة) [ (٣) ] : ولا يمتنع تحريمهما وإن لم

يحسنهما، ويكون المراد تحريم التوصل إليهما، ودليل التحريم أن اللَّه- تعالى- أخبر عن حال نبيه ﷺ وردّ قول من قال من الكفار: إنه شاعر، وأن القرآن شعر بقوله- تعالى-: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ (١) ] . ولذلك كان النبي ﷺ لا يقول الشعر، ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاء بيت قديم متمثلا به كسر وزنه، وإنما كان يحرر المعاني فقط، من ذلك أنه انشد بيت طرفة [ (٢) ] :

كان النبي ﷺ لا يقول الشعر، ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاء بيت قديم متمثلا به كسر وزنه، وإنما كان يحرر المعاني فقط، من ذلك أنه انشد بيت طرفة [ (٢) ] :

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك من لم تزوره بالأخبار وأنشد يوما، وقد قيل له: من أشعر الناس؟ فقال: الّذي يقول: ألم ترياني كلما جئت طارقا* وجدت بها وإن لم تطبني طبيبا وأنشد يوما: أتجعل نهبي ونهب العب ... يد بين الأقرع وعيينة [ (١) ] وربما أنشد ﷺ البيت المستقيم في النادر.

وروى البيهقيّ من طريق عليّ بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: ما سمعت من النبي ﷺ بيت شعر قط إلا بيتا واحدا: تفاءل بما تهوى يكن ... فلقل ما يقال بشيء كان ألّا يحقق وثبت في الصحيح أنه ﷺ يوم الخندق تمثل شعر عبد الله بن رواحة: اللَّهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا الشعر بتمامه لكن قال أبو الحجاج المزني في حديث عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها-: هذا حديث منكر. وأما بشعر ابن رواحة فإنه تارة يروى برحاف، وتارة بغير رحاف، فاللَّه أعلم كيف قاله ﷺ. وذكر الأمويّ في (مغازيه) أنه ﷺ جعل يوم بدر يدور بين القتلى يقول: فعلق هاما من رجال أعزّة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما وقال الحربي: ولم يبلغني أنه ﷺ أنشد بيتا تاما على وزنه، بل الصدر، كقول لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل أو العجز كقوله طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود فإن أنشد بيتا كاملا غيّره، قال يوما: أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين الأقرع وعيينة [ (١) ] فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول اللَّه، ثم قرأ: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ (٢) ] : الآية، وقال عمر بن شبّة [ (٣) ] في كتاب (أخبار مكة) : حدثنا أبو داود، حدثنا

Bagian 96 dari 128