— Bagian 1 · الشفا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى —
Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.
Bagian 1
الشفا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى للعلامة القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي ٥٤٤ هـ مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للعلامة أحمد بن محمد بن محمد الشمنى ٨٧٣
دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع
جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م دار الفكر بيروت لبنان المكاتب: البناية المركزية - هاتف: ٢٤٤٧٣٩ - ص ب: ٧٠٦١ / ١١ المطابع والمعمل: حارة حريك - شارع عبد النور - هاتف: ٣٩٠٦٦٣ (٨٣٨٢٠٢ - ٨٣٧٨٩٨) برقيا: فكسى. تلكس: ٤١٣٩٢ فكر ٤١٣٩٢ LE FIKR
كلمة الناشر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم وَالْحَمْد لله رَبّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فلما كان نشر العلم فضيلة وكانت السنة الشريفة من أجل علوم الشريعة وأرفعها قدرا) وكان على المسلم أن يتخذ من أقوال وأفعال رسول الله ﷺ نورا وضياء ينير له الطريق لفهم دينه وأحكامه، ومحركا لسلوكه في عاجلته وذخرا لآخرته، فقد اهتمت دار الفكر منذ تأسيسها بطبع كتب السنة المحمدية والحديث الشريف، مثل: صحيح البخاري وشرحه فتح الباري وصحيح مسلم وشروحاته وتصنيفاته، والموطأ وكافة كتب الصحاح وشروحا إلى جانب أعظم تفاسير القرآن الكريم وأنفعها مثل: الدر المنثور في التفسير بالمأثور ومعالم التنزيل في التفسير والتأويل للبغوي، والتفسير الكبير للفخر الرازي، وجامع اليبان عن تأويل آي القرآن للطبري وغير ذلك من أمهات الكتب في التفسير وعلوم القرآن والحديث والفقه على مختلف المذاهب والتاريخ واللغة وسائر العلوم والفنون الاسلامية. وتقدم اليوم احياء للسنة المحمدية كتاب: شفاء القاضي عياض المسمى: الشفا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى في طبعة جديدة ومصححة ومتقنة، واتماما للفائدة أضفنا للكتاب كحاشية له. درة مفيدة هي: حاشية العلامة الشمنى المسماة: مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء التي لم تطبع قبل الآن. وفيما يلي نبذة يسيرة للتعريف بمؤلفي الكتاب والحاشية:
درة مفيدة هي: حاشية العلامة الشمنى المسماة: مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء التي لم تطبع قبل الآن. وفيما يلي نبذة يسيرة للتعريف بمؤلفي الكتاب والحاشية:
ترجمة القاضى عياض (١) هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عِيَاضِ بن عمرون بن موسى بن عِيَاضِ بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي، الإمام العلامة، يكنى أبا الفضل، ستى الدار والميلاد: أندلسى الأصل. قال ولده محمد: كان أجدادنا في القديم بالأندلس، ثم انتقلوا إلى مدينة فاس وكان لهم استقرار بالقيروان لا أدرى قبل حلولهم بالأندلس أو بعد ذلك. وانتقل عمرون إلى سبتة بعد سكنى فاس. وَكَان الْقَاضِي أَبُو الفضل إمام وقته في الحديث وعلومه، عالما بالتفسير وجميع علومه، فقيها أصوليا عالما بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، بصيرا بالأحكام، عاقدا للشروط، بصيرا حافظ لمذهب مَالِك رَحِمَه اللَّه تعالى، شاعرا مجيدا ويا نا من علم الأدب، خطيبا بليغا صبورا حليما جميل العشرة، جوادا سمحا كثير الصدقة، دؤوبا على العمل، صلبا في الحق. رحل إلى الأندلس سنة تسع وخمسمائة طالبا العلم، فأخذ بقرطبة عَنِ الْقَاضِي أَبِي عبد الله محمد بن علي بن حمدين، وأبى الحسين بن سراج، وَعَن أَبِي مُحَمَّد بن عتاب وغيرهم وأجاز له أبو علي الغساني، وأخذ بالمشرق عَنِ الْقَاضِي أَبِي على حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصدفى وغيره، وعنى بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وأخذ عن أَبِي عَبْد اللَّه المازينى: كتب إليه يستجيزه، وأجاز له الشَّيْخ أَبُو بَكْر الطرطوشى. ومن شيوخه. القاضي أبو الوليد بن رشد. قال صاحب الصلة البشكوالية: وأظنه سمع عن أبى زيد، وقد إجتمع له من الشيوخ بين من سمع منه وبين من أجاز له مائة شيخ وذكر ولده محمد منهم: أَحْمَدُ بن بَقِيٍّ، وأحمد بن محمد بن محمد ابن مكحول، وأبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي، والحسن بن محمد بن سكره، والقاضى أبو بكر بن العربي، والحسن بن علي بن طريف، وخلف بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ النحاس، ومحمد بن أحمد بن الحاج القرطبى، وعبد الله بن محمد الخشنى وغيرهم ممن يطول ذكرهم.
بن العربي، والحسن بن علي بن طريف، وخلف بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ النحاس، ومحمد بن أحمد بن الحاج القرطبى، وعبد الله بن محمد الخشنى وغيرهم ممن يطول ذكرهم.
قال صاحب الصلة: وجمع من الحديث كثيرا وله عناية كبيرة به واهتمام بجمعه وتقييده وهو من أهل التفنن في العلم واليقظة والفهم، وبعد عودته من الأندلس أجله أهل سبتة للناظرة عليه في المدونة وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عنها، ثم أجلس للشورى ثم ولى قضاء بلده مدة طويلة حمدت سيرته فيها، ثم نقل إلى قضاء غرناطة في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ولم يطل أمره بها، ثم ولى قضاء سبتة ثانيا. قال صاحب الصلة: وقدم علينا قرطبة فأخذنا عنه بعض ما عنده. قال الخطيب: وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم وبنى في جانب المينا الراتبة الشهيرة وعظم صيته. ولما ظهر أمر الموحدين بادر إلى المسابقة بالدخول في طاعتهم ورحل إلى لقاء أميرهم بمدينة سلا، فأجزل صلته، وأوجب بره، إلى أن اضطربت أمور الموحدين عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة فتلاشت حاله، ولحق بمراكش مشردا به عن وطنه فكانت بها وفاته. وله التصانيف المفيدة البديعة منها كمال المعلم: في شرح صحيح مسلم، ومنها كتاب الشفا: بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى ﷺ أبدع فيه كل الإبداع، وسلم له أكفاؤه كفاءته فيه ولم ينازعه أحد في الانفراد به ولا أنكروا مزية السبق إليه بل تشوفوا للوقوف عليه، وأنصفوا في الاستفادة منه، وحمله الناس عنه، وطارت نسخه شرقا وغربا، وكتاب مشارق الأنوار فِي تَفْسِيرِ غَرِيبِ حديث الموطأ والبخاري ومسلم وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات وضبط أسماء الرجال وهو كتاب لو كتب بالذهب أو وزن بالجوهر لكان قليلا في حقه، وفيه أنشد بعضهم: مشارق أنوار تبدت بسبتة * ومن عجب كون المشارق بالغرب وكتاب التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة: جمع فيه غرائب من ضبط الألفاظ وتحرير المسائل، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك وكتاب الإعلام بحدود قواعد الإسلام، وكتاب الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع، وكتاب بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد، وكتاب الغنيمة في شيوخه،
الإعلام بحدود قواعد الإسلام، وكتاب الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع، وكتاب بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد، وكتاب الغنيمة في شيوخه، وكتاب المعجم في شيوخ ابن سكره، وكتاب نظم البرهان على حجة جزم الأذان، وكتاب مسألة الأهل المشروط بينهم التزاور، ومما لم يكمله: المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان، وكتاب العيون الستة في أخبار سبتة، وكتاب غنية الكاتب وبغية الطالب في الصدور
والترسل، وكتاب الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة، وكتاب أجوبة القرطبيين، وكتاب أجوبته عما نزلت في أيام قضائه من نوازل الأحكام في سفر، وكتاب سر السراة في أدب القضاة، وكتاب خطبه وكان لا يخطب إلا بإنشائه، وله شعر كثير حسن رائق فمنه قوله: يا من تحمل عنى غير مكترث * لكنه للضنى والسقم أوصى بى تركتني مسهام القلب ذا حرق * أخا جوى وتباريح وأوصاب أراقب النجم في جنح الدجى سمرا * كأننى راصد للنجم أو صابى وله رحمه الله تعالى: الله يعلم أنى منذ لم أركم * كطائر خانه ريش الجناحين ولو قدرت ركبت الريح نحوكم * فإن بعدكم عنى جنى حينى وله من أبيات: إن البخيل بلحظه أو لفظه * أو عطفه أو رفقه لبخيل وله في خامات الزرع بينها شقائق النعمان هبت عليها أرياح: انظر إلى الزرع وخاماته * تحكى وقد ماست أمام الرياح كتيبة خضراء مهزومة * شقائق النعمان فيها جراح وله غير ذلك. كان مولد القاضى عياض بسبتة في شهر شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة، وتوفى بمراكش في شهر جمادى الأخيرة وقيل فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقيل إنه مات مسموما سمه يهودى. ودفن رحمه الله تعالى بباب إيلان داخل المدينة. و (عياض) بكسر العين المهملة وفتح الياء المثناة التحتية وبعد الألف ضاد معجمة و (اليحصبى) بفتح الياء المثناة التحتية وسكون الحاء المهملة وضم الصاد المهملة وفتحها وكسرها وبعدها ياء موحدة نسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من حمير، وسبتة مدينة مشهورة، وغرناطة: مدينة بالأندلس وهى بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة ثم نون مفتوحة بعدها ألف وبعد الألف طاء مهملة ثم هاء ويقال فيها أغرناطة بألف قبل الغين.
طة: مدينة بالأندلس وهى بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة ثم نون مفتوحة بعدها ألف وبعد الألف طاء مهملة ثم هاء ويقال فيها أغرناطة بألف قبل الغين.
ترجمة العلامة الشمني (١) صاحب الحاشية هو أحمد بن محمد بن محمد حسن بن علي بن يحيى بن محمد التقى السكندرى المولد القاهرى المنشأ الحنفي ويعرف بالشمنى بضم المعجمة والميم ثم نون مشددة نسبة لمزرعة ببلاد المغرب أو لقرية بها ولد في العشر الأخير من رمضان سنة إحدى وثمانمائة واشتغل أولا مالكيا ثم تحول حنفيا لكون البساطى فيما قيل قدم عليه بعض من هو دونه من رفقائه وبرع في الفقه والأصلين والعربية والمعاني والبيان والمنطق والصرف والهندسة والهيئة والحساب وسمع الحديث على جماعة وبحث على شيخنا دروسا من شرح ألفية العراقى ولازمه بعد والده فأحسن إليه وساعده في استخلاص مبلغ ممن وثب عليه في بعض وظائف أبيه وزاد إقبالا عليه حين وقع السؤال عن حكمة الترقي من الذرة إلى الحبة إلى الشعيرة في حديث ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلق فليخلقوا ذرة الحديث. وأجاب التقى بديهة بأن صنع الأشياء الدقيقة فيه صعبوة والأمر بمعنى التعجيز فناسب التدلى من الأعلى إلى الأدنى فاستحسنه شيخنا فزاد في إكرامه والتعريف بفضيلة وتصدى للإقراء، وصنف حاشية على المغنى لخصها من حاشية الدماميني وزاد عليها أشياء نفيسة سماها المنصف من الكلام على مغنى ابن هشام،
إكرامه والتعريف بفضيلة وتصدى للإقراء، وصنف حاشية على المغنى لخصها من حاشية الدماميني وزاد عليها أشياء نفيسة سماها المنصف من الكلام على مغنى ابن هشام، وتعليقا لطيفا في ضبط ألفاظ الشفاء لخصه من شرح البرهان الحلبي وأتى بتتمات يسيرة فيها تحقيقات دقيقة سماه (مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء) وغير ذلك وأقراء في العقليات بدون ملاحظة كراس ولا حاشية وقد اتفق دخول اثنين من فضلاء العجم الجمالية فوجداه يقرئ في المطول بدون كراس فجلسا عنده وبحثا معه واستشكلا عليه فلم ينقطع منهما بل أفحمهما بحيث امتلأت أعينهما من جلالته وصرحا بعد انفصالهما عنه لبعض أخصائه بأنهما لم يظنا أن في أبناء العرب من ينهض فحكاه للشيخ فتبسم وقال بذلك قد أقرأته اثنى عشر مرة بغير مطالعة وكان إماما علامة سنيا متين الديانة ممن ينسب إلى التصوف لم يتدنس بما يحط مقداره وقد عم النفع به حتى بقى جل الفضلاء من سائر المذاهب من اهل مصر بل وغيرها من تلامذته
واشتدت رغبتهم في الأخذ عنه وتزاحموا عليه وهرعوا صباحا ومساء إليه، وامتدحه من الشعراء: الشهاب المنصوري وغيره كل ذلك من الشهامة وحسن الشكالة والأبهة وبشاشة الوجه ومحبة الحديث وأهله وقد حضرت كثيرا من دروسه وتقنعه بخلوة في الجمالية يسكنها وأمة سوداء لقضاء وطره وغير ذلك وقد استقر به قانباى الجركسى في خطابة تربته ومشيخة الصوفية بها وتحول إليها ولم يكن يحابى في الدين أحدا بحيث التمس منه بعض الشبان من ذوى البيوت إذنه له في التدريس بعد أن أهدى إليه شيئا فبادر لرد الهدية وامتنع من الإذن وربما كتب فيما لا يرتضيه لقصد جميل ككتابته على كراس من تفسير البقاعي الذى سماه المناسبات فإنه قال لى حين عاتبتة على ذلك إنما كتبت لصونه عما رام تمريغا أن يوقعه به ووالله ما طالعته وليس هو عندي في زمرة العلماء ولم تَكُن لَه رغبة في الكتابة على الفتوى مع سؤالهم له ولا في حضور عقود المجالس وقد خطبه الشهاب ابن العينى أيام ضخامته للحضور عنده وأح عليه وكان قرره متصدرا فيما جده بمدرسة جده فلم يجد بدا من إجابته وجاء العبادي ليجلس فوقه بينه وبين الحنفي فما مكنه الشهاب وحول العبادي إلى جهة يمينه،
عليه وكان قرره متصدرا فيما جده بمدرسة جده فلم يجد بدا من إجابته وجاء العبادي ليجلس فوقه بينه وبين الحنفي فما مكنه الشهاب وحول العبادي إلى جهة يمينه، بل خطب لقضاء الحنفية فأبى بعد مجئ كاتب السر إليه وإخباره بأنه إن لم يجب نزل إليه السلطان فصمم وقال الاختفاء ممكن فقال له كاتب السر فبماذا تجيب إذا سألك الله تعالى عن امتناعك بعد تعينه عليك فقال يفتح الله تعالى حينئذ بالجواب ولم يزل على وجاهته إلى أن تعلل ومات في ليلة الأحد سابع عشر ذى الحجة سنة اثنين وسبعين وثمانمائة بمنزل سكنه من التربة المشار إليها وصلى عليه عند بابها ودفن بها وخلف ذكرين وأنثى من جارية وألف دينار وحفظت جهاته لولديه رحمه الله تعالى وإيانا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم اللهم صلى على محمد وآله وسلم. قال الفقيه القاضي الإمام الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبى رحمة الله عليه: الْحَمْدُ لِلَّهِ المُنْفَرِدِ بِاسْمِهِ الأَسْمَى، المُخْتَصِّ بِالْعِزِّ الأَحْمَى، الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ مُنْتَهًى وَلَا وَرَاءَهُ مَرْمًى، الظَّاهِرِ لَا تَخَيُّلا وَلَا وَهْمًا، الْبَاطِنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم أما بعد حمد الله على إفضاله. وصلواته عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد وآله، فيقول الفقير إلى الله تعالى: أحمد بن محمد بن محمد بن حسن الشمنى، ختم الله بالسعادة أغماله، وجعل الجنة منقلبه ومآله: قد يسر اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ إقرائي للشفاء شيئا من تفسير مفرداته، ونبذا من فتح مغلقاته، وحل مشكلاته، فجمعت ذلك نفعا لطالبيه، وإعانة لمحصليه وقارئيه، وسميته بمزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء ومن الله أطلب التوفيق، والهداية إلى سواء الطريق. (قوله المختص) أي المنفرد والممتاز (قوله لَيْسَ دُونَهُ مُنْتَهًى) في الصحاح دون نقيض فوق وهو تقصير عن الغاية، ويقال هذا دون ذاك أي أقرب منه انتهى. والمعنى هنا أنه تعالى ليس في جهة وحيز، ولا على مسافة وامتداد لأن كل ذى جهة ومسافة للقرب منه نهاية، وليس للقرب منه تعالى نهاية، فليس في جهة، فهو من باب نفى الشئ بنفى لازمه (قوله ولا ورائه مرمى) قال ابن الأثير في النهاية: أي ليس بعد الله لطالب مطلب، فإليه انتهت العقول فليس وراء معرفته والإيمان به غاية تقصد. والمرمى في الأصل: الغرض الذى ينتهى إليه سهم الرامى (قوله الظاهر) أي بالدلالة الدالة على وجوده قطعا ويقينا لا تخيلا ووهما (قوله الباطن) أي بحقيقته فلا تدرك كنهه العقول. (*)
تَقَدُّسًا لا عُدْمًا، وسع كل شئ رَحْمَةً وَعِلْمًا، وَأَسْبَغَ عَلَى أَوْلِيَائِهِ نِعَمًا عُمًّا، وَبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنْفُسِهِمْ عَرَبًا وَعَجَمًا، وَأَزْكَاهُمْ مَحْتِدًا وَمَنْمًى، وَأَرْجَحِهِمْ عَقْلا وَحِلْمًا، وَأَوْفَرِهِمْ عِلْمًا وَفَهْمًا، وَأَقْوَاهُمْ يَقِينًا وَعَزْمًا، وَأَشَدِّهِمْ بِهِمْ رَأْفَةً وَرُحْمًا، زَكَّاهُ رُوحًا وَجِسْمًا، وَحَاشَاهُ عَيْبًا وَوَصْمًا وَآتَاهُ حِكْمَةً وَحُكْمًا، وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَقُلُوبًا غُلْفًا وآذَانًا صُمًّا، فَآمَنَ بِهِ وَعَزَّرَهُ وَنَصَرَهُ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فِي مَغْنَمِ السَّعَادَةِ قَسْمًا، وَكَذَّبَ بِهِ وَصَدَفَ عَنْ آيَاتِهِ مَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشقاء حتما،
(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) ﷺ صَلاةً تَنْمُو وَتُنْمَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. (أَمَّا بَعْدُ) أَشْرَقَ اللَّهُ قَلْبِي وَقَلْبَكَ بِأَنْوَارِ الْيَقِينِ، وَلَطَفَ لي وَلَكَ بِما لَطَفَ بأَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ: الَّذِينَ شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِنُزُلِ قُدْسِهِ، وَأَوْحَشَهُمْ من الخليفة بِأُنْسِهِ، وَخَصَّهُمْ مِنْ مَعْرفَتِهِ، وَمُشَاهَدَةِ عَجَائِبِ
ّقِينَ: الَّذِينَ شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِنُزُلِ قُدْسِهِ، وَأَوْحَشَهُمْ من الخليفة بِأُنْسِهِ، وَخَصَّهُمْ مِنْ مَعْرفَتِهِ، وَمُشَاهَدَةِ عَجَائِبِ
مَلَكُوتِهِ وَآثَارِ قُدْرَتِهِ: بِمَا مَلَأَ قُلُوبَهُمْ حَبْرَةً، وَوَلَّهَ عُقُولَهُمْ فِي عَظَمَتِهِ حَيْرَةً، فَجَعَلُوا هَمَّهُمْ بِهِ وَاحِدًا، وَلَمْ يَرَوْا فِي الدَّارَيْنِ غَيْرَهُ مُشَاهَدًا، فَهُمْ بِمُشَاهَدَةِ جَمَالِهِ وَجَلَالِهِ يَتَنَعَّمُونَ، وَبَيْنَ آثاري قُدْرَتِهِ وَعَجَائِبِ عَظَمَتِهِ يَتَرَدَّدُونَ، وَبالانْقِطَاعِ إِلَيْهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ يَتَعَزَّزُونَ، لَهِجِينَ بِصَادِقِ قَوْلِهِ قل اللهم ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خوضهم يلعبون، فَإِنَّكَ كَرَّرْتَ عَلَيَّ السُّؤَالَ فِي مَجْمُوعٍ يَتَضَمَّنُ التَّعْرِيفَ بِقَدْرِ الْمُصْطَفَى ﵊، وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ تَوْقِيرٍ وَإكْرَامٍ، وَمَا حُكْمُ مَنْ لَمْ يُوَفِّ وَاجِبَ عَظِيمِ ذَلِكَ الْقَدْرِ، أوْ قَصَّرَ فِي حَقِّ مَنْصِبِهِ الْجَلِيلِ قُلَامَةَ ظُفْرٍ، وَأنْ أَجْمَعَ لَكَ مَا لأَسْلافِنَا وَأَئِمَّتِنَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَقَالٍ، وَأُبَيِّنَهُ بِتَنْزِيلِ صُوَرٍ وَأَمْثَالٍ، فَاعْلَمْ أكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّكَ حَمَّلْتَنِي مِنْ ذَلِكَ أمْرًا إِمْرًا، وَأَرْهَقْتَنِي فِيمَا نَدَبْتَنِي إِلَيْهِ عُسْرًا، وَأَرْقَيْتَنِي بِمَا كلفتني مر تقى صعبا، ملأ قلى رُعْبًا، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ
فِيمَا نَدَبْتَنِي إِلَيْهِ عُسْرًا، وَأَرْقَيْتَنِي بِمَا كلفتني مر تقى صعبا، ملأ قلى رُعْبًا، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ
أُصُولٍ، وَتَحْرِيرَ فُصُولٍ، وَالْكَشْفَ عَنْ غَوَامِضَ وَدَقَائَقَ، مِنْ عِلْمِ الْحَقَائِقِ، مِمَّا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ وَيُضَافُ إِلَيْهِ، أوْ يَمْتَنِعُ أَوْ يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَمَعْرِفَةَ النَّبِيِّ والرَّسُولِ وَالرّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَالْمَحَبَّةِ وَالْخِلَّةِ وَخَصَائِصِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ الْعَلِيَّةِ، وَهَهُنَا مَهَامِهُ فِيحٌ تَحَارُ فِيهَا الْقَطَا، وَتَقْصُرُ بِهَا الخطا، وَمَجَاهِلُ تَضِلُّ فِيهَا الأَحْلَامُ إنْ لَمْ تَهْتَدِ بِعَلَمِ عِلْمٍ وَنَظَرٍ سَدِيدٍ) وَمَداحِضُ تَزِلُّ بِهَا الْأَقْدَامُ إنْ لَمْ تَعْتَمِدْ عَلَى تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ وَتَأْيِيدٍ، لَكِنِّي لِمَا رَجَوْتُهُ لِي وَلَكَ فِي هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، مِنْ نَوَالٍ وثَوَابٍ، بِتَعْرِيفِ قَدْرِهِ الْجَسِيمِ، وَخُلُقِهِ الْعَظِيمِ، وَبَيَانِ خَصَائِصِهِ الَّتِي لَمْ تَجْتَمِعْ قَبْلُ فِي مَخْلُوقٍ، وَمَا يُدَانُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ حَقَّهِ الَّذِي هُوَ أرْفَعُ الْحُقُوقِ (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانا)
للَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ حَقَّهِ الَّذِي هُوَ أرْفَعُ الْحُقُوقِ (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانا)
وَلِمَا أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، وَلِمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ ﵀ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ حَدَّثَنَا أبو محمد بن عبد المؤمن حدثنا أبو بكر محمد بن بَكْرٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابن الأَشْعَثِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ أخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَبَادَرْتُ إِلَى نُكَتٍ سَافِرَةٍ عَنْ وَجْهِ الْغَرَضِ، مُؤَدِّيًا مِنْ ذَلِكَ الْحَقَّ الْمُفْتَرَضَ، اخْتَلَسْتُهَا عَلَى اسْتِعْجَالٍ، لِمَا الْمَرْءُ بِصَدَدِهِ مِنْ شُغْلِ الْبَدَنِ وَالْبَالِ، بِمَا قُلَّدَهُ مِنْ مَقَالِيدِ الْمِحْنَةِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا
فَكَادَتْ تَشْغَلُ عَنْ كُلِّ فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَتَرُدُّ بَعْدَ حُسْنِ التَّقْوِيمِ إِلَى أسْفَلِ سَفْلٍ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِالْإِنْسَانِ خَيْرًا لَجَعَلَ شُغْلَهُ وَهَمَّهُ كُلَّهُ، فِيمَا يُحْمَدُ غَدًا وَلَا يُذَمُّ مَحَلُّهُ، فَلَيْسَ ثَمَّ سِوَى نَضْرَةِ النَّعِيمِ أوْ عَذَابِ الْجَحِيمِ، وَلَكَانَ عَلَيْهِ بِخُوَيْصَتِهِ، وَاسْتِنْقَاذِ مُهْجَتِهِ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ يَسْتَزِيدُهُ، وَعِلْمٍ نَافِعٍ يُفِيدُهُ أوْ يستفيد، جَبَرَ اللَّهُ تَعَالَى صَدْعَ قُلُوبِنَا، وَغَفَرَ عَظِيمَ ذُنُوبِنَا، وَجَعَلَ جَمِيعَ اسْتِعْدَادِنَا لِمَعَادِنَا، وَتَوَفُّرِ دَوَاعِينَا فِيمَا يُنْجِينَا وَيُقَرِّبُنَا إِلَيْهِ زُلْفَى، وَيُحْظِينَا بِمَنِّهِ وَرَحْمَتِهِ. وَلَمَّا نَوَيْتُ تقريبه، ودجت تَبْوِيبَهُ، وَمَهَّدْتُ تَأْصِيلَهُ وَخَلَّصْتُ تَفْصِيلَهُ، وَانْتَحَيْتُ حَصْرَهُ
وَتَحْصِيلَهُ. تَرْجَمْتُهُ (بِالشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى) وَحَصَرْتُ الْكَلَامَ فِيهِ فِي أرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الأَوَّلُ) فِي تَعْظِيمِ الْعَلِيِّ الأَعْلَى، لِقَدْرِ هَذَا النَّبِيِّ قَوْلًا وَفِعْلًا وَتَوَجَّهَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي أرْبَعَةِ أبْوَابٍ: الْبَابُ الأَوَّلُ: فِي ثَنَائِهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَإظْهَارِهِ عَظِيمَ قَدْرِهِ لَدَيْهِ، وَفِيهِ عَشَرَةُ فُصُولٍ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي تَكْمِيلِهِ تَعَالَى لَهُ الْمَحَاسِنَ خَلْقًا وَخُلُقًا وقرانه جميع الفضائل الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فِيهِ نَسَقًا، وَفيهِ سَبْعَةٌ وعشرين فَصْلًا. الْبَابُ الثَّالِثُ: فِيمَا وَرَدَ مِنْ صَحِيحِ الأخبار ومشهورها بِعَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ ربه ومنزلته وَمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كرامته، وَفِيهِ اثْنَا عَشَرَ فَصْلًا. الْبَابُ الرَّابعُ: فِيمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ وَشَرَّفَهُ بِهِ منَ الْخَصَائِصِ وَالْكَرَامَاتِ، وَفِيهِ ثَلاثُونَ فَصْلًا.
ْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ وَشَرَّفَهُ بِهِ منَ الْخَصَائِصِ وَالْكَرَامَاتِ، وَفِيهِ ثَلاثُونَ فَصْلًا.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَنَامِ مِنْ حُقُوقِهِ ﵊ وَيَتَرَتَّبُ الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ: الْبَابُ الأَوَّلُ: في فرض الإيمان به ووجوب طاعته وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَفِيهِ خَمْسَةُ فَصُولٍ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي لُزُومِ مَحَبَّتِهِ وَمُنَاصَحَتِهِ، وَفِيهِ سِتَّةُ فُصُولٍ. الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَلُزُومِ تَوْقِيرِهِ وَبِرِّهِ، وَفِيهِ سَبْعَةُ فَصُولٍ
الباب الرابع: في حكم الصلاة عليه والتسليم وَفَرْضِ ذَلِكَ وَفَضِيلَتِهِ، وَفِيهِ عَشَرَةُ فُصُولٍ.
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) فِيمَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ ﷺ وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا يَمْتَنِعُ وَيَصِحُّ مِنَ الْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ أنْ يُضَافَ إِلَيْهِ وَهَذَا القِسْمُ - أَكْرَمَكَ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ سِرُّ الْكِتَابِ، وَلُبَابُ ثَمَرَةِ هَذِهِ الْأَبْوَابِ، وَمَا قَبْلَهُ لَهُ كَالْقَوَاعِدِ وَالتَّمْهِيدَاتِ، وَالدَّلَائِلِ عَلَى مَا نُورِدُهُ فِيهِ مِنَ النُّكَتِ البَيِّنَاتِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَالْمُنْجِزُ مِنْ غَرَضِ هَذَا التَّأْلِيفِ وَعْدَهُ، وَعِنْدَ التقصى لموهدته، وَالتَّفَصِّي عَنْ عُهْدَتِهِ، يَشْرَقُ صَدْرُ العَدُوِّ اللَّعِينِ، وَيُشْرِقُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بِالْيَقِينِ، وَتَمْلأُ أنواره جوانح صَدْرِهِ، وَيَقْدُرُ الْعَاقِلُ النَّبِيَّ حَقَّ قَدْرِهِ، وَيَتحَرَّرُ الْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابَيْنِ: الْبَابُ الأَوَّلُ: فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَيَتشَبَّثُ بِهِ الْقَوْلُ فِي الْعِصْمَةِ وَفِيهِ سِتَّةَ عشر فصلا.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي أَحْوَالِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَمَا يَجُوزُ طُرُوُّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ، وَفِيهِ تِسْعَةُ فُصُولٍ.
.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي أَحْوَالِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَمَا يَجُوزُ طُرُوُّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ، وَفِيهِ تِسْعَةُ فُصُولٍ.
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ) فِي تَصَرُّفِ وُجُوهِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَنْ تَنَقَّصَهُ أَوْ سَبَّهُ ﷺ، وَيَنْقَسِمُ الْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابَيْنِ: الْبَابُ الأول: في بيان ما هو في حقه سب وَنَقْصٌ مِنْ تَعْرِيضٍ أوْ نَصٍّ وَفِيهِ عَشَرَةُ فُصُولٍ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي حُكْمِ شَانِئِهِ وَمُؤْذِيهِ وَمُنْتَقِصِهِ وَعُقُوبَتِهِ وَذِكْرِ اسْتِتَابَتِهِ وَالصَّلاةِ عَلَيْهِ ووِرَاثَتِهِ، وَفِيهِ عَشَرَةُ فُصُولٍ وَخَتَمْنَاهُ بِبَابٍ ثَالِثٍ جَعَلْنَاهُ تكْمِلَةً لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَوُصْلَةً لِلْبَابَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ فِي حُكْمِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرسُلَهُ وَمَلائِكَتَهُ وَكُتُبَهُ وَآلَ النَّبِيِّ ﷺ وَصَحْبَهُ، وَاخْتُصِرَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي خَمْسَةِ فُصُولٍ وَبِتَمَامِهَا يَنْتَجِزُ الْكِتَابُ، وَتَتِمُّ الْأَقْسَامُ وَالْأَبْوَابُ، وَيَلُوحُ فِي غُرَّةِ الإيمان لمعة
منيرة أو في تَاجِ التَّرَاجِمِ دُرَّةٌ خَطِيرَةٌ، تُزِيحُ كُلَّ لَبْسٍ، وَتُوَضِّحُ كُلَّ تَخْمِينٍ وَحَدْسٍ: وَتَشْفِي صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَتَصْدَعُ بِالْحَقِّ وَتُعْرِضُ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى - لَا إِلَهَ سِوَاهُ - أَسْتَعِينُ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ (فِي تَعْظِيمِ الْعَلِيِّ الأَعْلَى لِقَدْرِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ﷺ قَوْلًا وَفِعْلًا)
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وسَدَّدَهُ: لاخفاء عَلَى مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أوْ خُصَّ بِأَدْنَى لَمْحَةٍ مِنَ الْفَهْمِ: بِتَعْظِيمِ اللَّهِ قَدْرَ نَبِيِّنَا ﷺ وخُصُوصِهِ إيَّاهُ بِفَضَائِلَ وَمَحَاسِنَ وَمَنَاقِبَ لَا تَنْضَبِطُ لِزِمَامٍ: وَتَنويِهِهِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ بِمَا تَكِلُّ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَقْلَامُ، فَمِنْهَا مَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى في كتاب: وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى جليل
نِصَابِهِ، وَأَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَآَدَابِهِ، وَحَضَّ الْعِبَادَ عَلَى الْتِزَامِهِ وَتَقَلُّدِ إِيجَابِهِ: فَكَانَ ﷻ هُوَ الَّذِي تَفَضَّلَ وَأَوْلَى.
بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَآَدَابِهِ، وَحَضَّ الْعِبَادَ عَلَى الْتِزَامِهِ وَتَقَلُّدِ إِيجَابِهِ: فَكَانَ ﷻ هُوَ الَّذِي تَفَضَّلَ وَأَوْلَى. ثُمَّ طَهَّرَ وَزَكَّى، ثُمَّ مَدَحَ بِذَلِكَ وَأَثْنَى، ثُمَّ أَثَابَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى، فَلَهُ الفضل بدأ وَعَوْدًا، وَالْحَمْدُ أُولَى وأُخْرَى، وَمِنْهَا مَا أَبْرَزَهُ لِلْعَيَانِ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَتَخْصِيصِهِ بِالْمَحَاسِنِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخلَاقِ الْحمِيدَةِ وَالْمَذَاهِبِ الْكَرِيمَةِ وَالْفَضَائِلِ الْعَدِيدَةِ وَتَأْيِيدِهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ وَالْكَرَامَاتِ البَيِّنَةِ: الَّتِي شَاهَدَهَا مَنْ عَاصَرَهُ، وَرَآهَا مَنْ أَدْرَكَهُ، وَعَلِمَهَا عِلْمَ يَقِينٍ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، حَتَى انْتَهَى عِلْمُ حَقِيقَةِ ذَلِكَ إِلَيْنَا، وَفَاضَتْ أَنْوَارُهُ عَلَيْنَا: ﷺ كَثِيرًا * حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ، قَالَ حَدَّثَنَا أبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ خَيْرُونَ، قَالا حَدَّثَنَا أبُو يَعْلَى الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أبُو عِيسَى بْنُ سَوْرَةَ الْحَافِظُ. قَالَ حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَنْبَأنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أتى بانبراق لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جبرئيل: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذا، فَمَا رَكِبَكَ أحَدٌ أَكْرَمُ على الله منه؟ قال فافرض عَرَقًا.
الْبَابُ الأَوَّلُ فِي ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَإِظْهَارِهِ عَظِيمَ قَدْرِهِ لَدَيْهِ
اعْلَمْ أَنَّ فِي كتاب الله العزيز آيات كثيرة مفصخة بجميل ذكر
أَوَّلُ فِي ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَإِظْهَارِهِ عَظِيمَ قَدْرِهِ لَدَيْهِ
اعْلَمْ أَنَّ فِي كتاب الله العزيز آيات كثيرة مفصخة بجميل ذكر
الْمُصْطَفَى ﷺ وَعَدِّ مَحَاسِنِهِ وَتَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَتَنْوِيهِ قَدْرِهِ، اعْتَمَدْنَا مِنْهَا عَلَى مَا ظَهَرَ مَعْنَاهُ وَبَانَ فَحْوَاهُ، وَجَمَعْنَا ذَلِكَ فِي عَشَرَةِ فُصُولٍ:
(الْفَصْلُ الأَوَّلُ) فِيمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مجئ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ وَتَعْدَادِ الْمَحَاسِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ من أنفسكم) الآية. قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ (مِنْ أَنْفَسِكُمْ) بِفَتْحِ الْفَاءِ. وَقِراءَةُ الْجُمْهُورِ بِالضَّمِّ، قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَوِ الْعَرَبَ أَوْ أَهْلَ مَكَّةَ أَوْ جَمِيعَ النَّاسِ عَلَى اخْتِلافِ الْمُفَسِّرينَ مَنِ الْمُوَاجَهُ بِهَذَا الْخِطَابِ: أَنَّهُ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ وَيَتَحَقَّقُونَ مَكَانَهُ وَيَعْلَمُونَ صِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ فَلَا يَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ وَتَرْكِ النَّصِيحَةِ لَهُمْ: لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِي الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ إِلا وَلَهَا على رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِلَادَةٌ أَوْ قَرَابَةٌ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى (إِلا الْمَوَدَّةَ في القربى) وَكَوْنِهِ مِنْ أَشْرَفِهِمْ وَأَرْفَعِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَتْحِ هَذِهِ نِهَايَةُ الْمَدْحِ، ثُمَّ وَصَفَهُ بَعْدُ بِأَوْصَافٍ حَمِيدَةٍ، وَأثْنَى عَلَيْهِ بمحامد كثيرة:
مِنْ حِرْصِهِ عَلَى هِدَايَتِهمْ وَرُشْدِهِمْ وَإسْلَامِهِمْ وَشِدَّةِ مَا يُعْنِتُهُمْ وَيَضُرُّ بِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ وَعِزَّتِهِ عَلَيْهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمتِهِ بِمُؤْمِنِيهِمْ، قَالَ بَعْضُهُمْ أَعْطَاهُ اسْمَيْنِ مِنْ أسمائه رؤف رَحِيمٌ وَمِثْلُهُ فِي الآيَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ تَعَالى (لفد مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أنفسهم) الآية وَفِي الآيَةِ الْأُخْرَى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا منهم) الآية وَقَوْلُهُ تَعَالى (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ) الآية، وَرُوي عَن عَلِيّ بن أبي طالب ﵁ عَنْهُ ﷺ فِي قوله تعالى (من أنفسكم) قَالَ نَسَبًا وَصِهْرًا وَحَسَبًا لَيْسَ فِي آبَائِي مِنْ لَدُنْ آدَمَ سِفَاحٌ كُلُّهَا نِكَاحٌ قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خمسمائة أُمٍّ فَمَا وَجَدْتُ فيهم سِفَاحًا وَلَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِليَّةُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين) قَالَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ حَتَّى
ّا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِليَّةُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين) قَالَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ حَتَّى
أَخْرَجْتُكَ نَبِيًّا، وَقَالَ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى عَجْزَ خَلْقِهِ عَنْ طَاعَتِهِ فَعَرَّفَهُمْ ذَلِكَ لِكَيْ يَعْلَمُوا أنَّهُمْ لَا يَنَالُونَ الصَّفْوَ مِنْ خِدْمَتِهِ، فأَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَخْلُوقًا مِنْ جلسهم فِي الصُّورَةِ، أَلْبَسَهُ مِنْ نَعْتِهِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْخَلْقِ سَفِيرًا صَادِقًا، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ، ومَوَافَقَتَهُ مَوَافَقَتَهُ فَقَالَ تَعَالَى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وَقَالَ اللَّه تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: زَيَّنَ اللَّه تَعَالَى مُحَمَّدٌ ﷺ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ فَكَانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً وَجَمِيعُ شَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ، فمن أصابه شئ مَنْ رَحْمَتِهِ فَهُوَ النَّاجِي فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كُلَّ مَكْرُوهٍ وَالْوَاصِلُ فِيهِمَا إِلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً للعالمين) فَكَانَتْ حَيَاتُهُ رَحْمَةً وَممَاتُهُ رَحْمَةً كَمَا قَالَ ﷺ (حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَوْتِي خَيْرٌ لَكُمْ) وَكَمَا قَالَ ﵊ (إِذَا أرَادَ اللَّهُ رَحْمَةً بِأُمَّةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا) وقَالَ
وْتِي خَيْرٌ لَكُمْ) وَكَمَا قَالَ ﵊ (إِذَا أرَادَ اللَّهُ رَحْمَةً بِأُمَّةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا) وقَالَ
السَّمَرْقَنْدِيُّ (رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) يَعْنِي لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ، قِيلَ لِجَميعِ الْخَلْقِ: لِلْمُؤْمِنِ رَحْمَةً بِالْهِدَايَةِ، وَرَحْمَةً لِلْمُنَافِقِ بِالْأَمَانِ مِنَ الْقَتْلِ، وَرَحَمةً لِلْكَافِرِ بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هُوَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، إذْ عُوفُوا مِمَّا أصَابَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، وَحُكِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇ (هَلْ أَصَابَكَ مِنْ هَذِهِ الرحمة شئ) قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَخْشَى الْعَاقِبَةَ فَأَمِنْتُ لِثَنَاءِ اللَّهِ ﷿ عَلَيَّ بِقَوْلِهِ (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) أَيْ بِكَ إِنَّما وَقَعَتْ سَلَامَتُهُمْ مِنْ أَجْلِ كَرَامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَالَ الله تَعَالَى (اللَّهُ نُورُ السماوات والأرض) - الآية قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَابْنُ جُبَيْرٍ: الْمُرادُ بِالنُّورِ الثَّانِي هُنَا: مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى (مَثَلُ نُورِهِ) أَيْ نُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَالَ سَهْلُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْمَعْنَى اللَّهُ هَادِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَ قَالَ مَثَلُ نور
ُورِهِ) أَيْ نُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَالَ سَهْلُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْمَعْنَى اللَّهُ هَادِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَ قَالَ مَثَلُ نور
مُحَمَّدٍ إذْ كَانَ مُسْتَوْدَعًا فِي الأَصْلابِ كَمِشْكَاةٍ صِفَتُهَا كَذَا، وَأَرَادَ بِالْمِصْبَاحِ قَلْبَهُ، وَالزُّجَاجَةِ صَدْرَهُ: أيْ كَأنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ: أَيْ مِنْ نُورِ إبْرَاهِيمَ ﵊، وَضُرِبَ الْمَثَلُ بِالشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَقَوْلُهُ: يَكَادُ زَيْتُهَا يضئ: أَيْ تَكَادُ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَبِينُ لِلنَّاسِ قَبْلَ كَلامِهِ كَهَذا الزَّيْتِ، وَقَد قِيل فِي هَذِه الآيَة غَيْر هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ نُورًا وَسِرَاجًا مُنِيرًا فَقَالَ تَعَالَى (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) وَقَالَ تَعَالَى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا منيرا) وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صدرك) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، شَرَحَ: وَسَّعَ، وَالمُرَادُ بِالصَّدْرِ هُنَا: الْقَلْبُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: شَرَحَهُ بِنُورِ الْإِسلَامِ، وَقَالَ سَهْلٌ: بِنُورِ الرِّسَالَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَلأَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَلَمْ يُطَهِّرْ قَلْبَكَ حَتَّى لَا يَقْبَلَ الْوَسْوَاسَ؟ (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ، الذى أنقض
ظهرك) : قِيلَ مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِكَ يَعْنِي قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَقِيلَ أَرَادَ ثِقَلَ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيلَ أَرَادَ مَا أثْقَلَ ظَهْرَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ حَتَى بَلَّغَهَا. حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالسُّلَمِيُّ، وَقِيلَ عَصَمْنَاكَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأثْقَلَتِ الذُّنُوبُ ظَهْرَكَ. حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ، (وَرَفَعْنَا لَكَ ذكرك) : قالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ: بِالنُّبُوَّةِ، وَقِيلَ إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي فِي قَوْلِ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَقِيلَ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: هَذَا تَقْرِيرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ عَلَى عَظِيمِ نِعَمِهِ لَدَيْهِ وَشَرِيفِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ بِأَنْ شَرَحَ قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ وَوَسَّعَهُ لِوَعْيِ الْعِلْمِ وَحَمْلِ الْحِكْمَةِ وَرَفَعَ عَنْهُ ثِقَلَ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ وَبَغَّضَهُ لِسَيْرِهَا وَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِظُهُورِ دِينِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَحَطَّ عَنْهُ عُهْدَةَ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ لِتَبْلِيغِهِ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَتَنْوِيهِهِ بِعَظِيمِ مَكَانِهِ وَجَليلِ رُتْبَتِهِ وَرِفْعَةِ ذِكْرِهِ وَقِرَانِهِ مَعَ اسْمِهِ اسْمَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ الله تعالى ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتَشَهِّدٌ وَلَا صَاحِبُ صَلَاةٍ إِلا يَقُولُ أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدا رَسُولُ اللَّهِ: وَرَوَى أبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أن النبي صلى
تَشَهِّدٌ وَلَا صَاحِبُ صَلَاةٍ إِلا يَقُولُ أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدا رَسُولُ اللَّهِ: وَرَوَى أبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أن النبي صلى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ إنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: تَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي) قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: جَعَلْتُ تَمَامَ الْإِيمَانِ بِذِكْرِكَ مَعِي، وَقَالَ أَيْضًا: جَعَلْتُكَ ذِكْرًا مِنْ ذِكْرِي فَمَنْ ذَكَرَكَ ذَكَرَنِي. وَقَالَ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ: لَا يَذْكُرُكَ أحَدٌ بِالرِّسَالَةِ إِلا ذَكَرَنِي بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَأشَارَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى مَقَامِ الشَّفَاعَةِ، وَمِنْ ذِكْرِهِ مَعَهَ تَعَالَى أَنْ قَرَنَ طَاعَتَهُ بطَاعَتِهِ وَاسْمَهُ بِاسْمِهِ فَقَالَ تَعَالَى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) ، (وآمنوا بالله ورسوله) فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوَاوِ الْعَطْفِ الْمُشْرِكَةِ، وَلَا يَجُوزُ جَمْعُ هَذَا الْكَلَامِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ ﷺ. حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَيَّانِيُّ الْحَافِظُ فِيمَا أَجَازَنِيهِ وَقَرَأْتُهُ عَلَى الثِّقَةِ عَنْهُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجْزِيُّ حَدَّثَنَا أبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الله ابن يَسَارٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قال
ْزِيُّ حَدَّثَنَا أبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الله ابن يَسَارٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قال
لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكنْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرْشَدَهُمْ ﷺ إِلَى الأَدَبِ فِي تَقْدِيمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَشِيئَةِ مَنْ سِوَاهُ، وَاخْتَارَهَا بِثُمَّ الَّتِي هِيَ لِلنَّسَقِ وَالتَّرَاخِي بِخِلافِ الْوَاوِ الَّتِي هِيَ لِلاشْتِرَاكِ، وَمِثلُهُ الْحَدِيثُ الآخَرُ: أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رشد ومن يعصمها، فقال له النبي ﷺ (بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ، قُمْ - أَوْ قَالَ - اذْهَبْ) قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: كَرِهَ مِنْهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الاسْمَيْنِ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ لِمَا فِيهِ منَ التَّسْوِيَةِ، وَذَهبَ غَيْرُهُ إِلَى أنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ لَهُ الْوُقُوفَ عَلَى يَعْصِهِمَا. وَقَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَصَحُّ لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، وَلَمْ يَذْكُرِ الوُقُوفَ عَلَى يَعْصِهِمَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَصْحَابُ الْمَعَانِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) هَلْ يُصَلُّونَ رَاجِعَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالمَلَائِكَةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ لِعِلَّةِ التَّشْرِيكِ وَخَصُّوا الضَّمِيرَ بَالمَلَائِكَةِ وَقَدَّرُوا الآيَةَ: إِنَّ اللَّهَ يُصَلِّي ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ عُمَرَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ جَعَلَ طَاعَتَكَ طَاعَتَهُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقد قال تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يحببكم الله) الآيَتَيْنِ، وَرُوِيَ أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ نتخذه حنابا كما اتخذت النصارى عِيسَى، فَأنْزَل اللَّهُ تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ والرسول) فَقَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ رَغْمًا لَهُمْ، وَقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي أُمِّ الكِتَابِ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهم) قفال أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخِيَارُ أهْلِ بَيْتِهِ وَأصْحَابِهِ، حَكَاهُ عَنْهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَحَكَى مَكِّيٌّ عَنْهُمَا نَحْوَهُ وَقَالَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَاهُ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تعالى
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَاهُ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تعالى
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهم) قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ فَقَالَ صَدَقَ وَاللَّهِ وَنَصَحَ. وَحكَى الْمَاوَرْدِيُّ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ (صِرَاطَ الَّذِينَ أنعمت عليهم) عن عبد الرحمان بْنِ زَيْدٍ. وَحَكى أبو عبد الرحمان السُّلَمِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بالعروة الوثقى) أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقِيلَ الْإِسْلَامُ، وَقِيلَ شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ، وَقَالَ سَهْلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَإِنْ تَعُدُّوا نعمت اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) قَالَ نِعَمَتُهُ بمُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَالَ تَعَالَى (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون) الآيتين: أَكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الَّذِي صَدَّقَ بِهِ، وَقُرِئَ صَدَقَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ الَّذِي صَدَقَ بِهِ المُؤمِنُونَ، وَقِيلَ أَبُو بكر، وقيل على، وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا مِنَ الْأَقْوَالِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) قال بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصْحَابِهِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي (فِي وَصْفِهِ تَعَالَى لَهُ بِالشَّهَادَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الثَّنَاءِ وَالْكَرَامَةِ) قَالَ اللَّهُ تعالى (يا أيها النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) الآية، جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ ضُرُوبًا مِنْ رُتَبِ
ا أيها النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) الآية، جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ ضُرُوبًا مِنْ رُتَبِ
الأُثَرَةِ، وَجُمْلَةَ أَوْصَافٍ مِنَ الْمِدْحَةِ، فَجَعَلَهَ شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِهِ لِنَفْسِهِ بِإِبْلاغِهِمُ الرِّسَالَةَ، وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ، وَمُبَشِّرًا لِأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَنَذِيرًا لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ، وَدَاعِيًا إِلَى تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا يُهْتَدَى بِهِ لِلْحَقِّ * حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَتَّابٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلالٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ في القرآن: يا أيها النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ
الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ، وَلا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ: بأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَيَفْتَحَ بِهِ أعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا) وَذُكِرَ مِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَلَا صَخِبٍ فِي الْأَسْوَاقِ ولا متزيل بِالْفُحْشِ: وَلَا قَوَّالٍ لِلْخَنَا، أُسَدِّدُهُ لِكُلِّ جَمِيلٍ، وَأهَبُ لَهُ كُلَّ خُلُقٍ كَرِيمٍ، وَأَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، وَالصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ طَبِيَعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، والْهُدَى إمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أُهْدِيَ بِهِ بَعْدَ الضَّلالَةِ، وَأُعْلِمَ به
سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، والْهُدَى إمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أُهْدِيَ بِهِ بَعْدَ الضَّلالَةِ، وَأُعْلِمَ به
بعد الجهالة، ورفع بِهِ بَعْدَ الْخَمَالَةِ، وَأُسْمِيَ بِهِ بَعْدَ النُّكْرَةِ، وَأُكْثِرَ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وأُغْنِيَ بِهِ بَعْدَ الْعَيْلَةِ، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ قُلُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَهْوَاءٍ مُتَشَتِّتَةٍ وأُمَمٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَأَجْعلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِفَتِهِ فِي التَّوْرَاةِ: (عَبْدِي أَحْمَدُ الْمُخْتَارُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِالْمَدينَةِ - أَوْ قَالَ طَيْبَةُ - أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ تَعَالَى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمي) الآيتين، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) الآية، قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: ذَكَّرَهُمِ اللَّهُ تَعَالَى مِنَّتَهُ أنَّهُ جعل رَسُولَهُ ﷺ رَحِيمًا بالمؤمنين، رئوفا، لين الجانت، وَلَوْ كَانَ فَظًّا خَشِنًا فِي الْقَوْلِ: لَتفَرَّقُوا مِنْ حَوْلِهِ، وَلَكِنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى: سَمْحًا، سَهْلًا، طَلْقًا، بَرًّا، لَطِيفًا: هَكَذَا قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَقَالَ تَعَالَى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) قال
َّاكُ. وَقَالَ تَعَالَى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) قال
أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: أبَانَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَ نَبيِّنَا ﷺ وَفَضْلَ أُمَّتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وفِي قَوْلِهِ فِي الآيَةِ الْأَخْرَى (وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ على الناس) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بشهيد) الآية، وقوله تعالى (وسطا) أَيْ عَدُولًا خِيَارًا، وَمَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ: وكَمَا هَدَيْنَاكُمْ فَكَذَلِكَ خصَّصْنَاكُمْ وَفَضَّلْنَاكُمْ بِأَنْ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً خِيَارًا عُدُولًا لِتَشْهَدُوا لِلأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى أُمَمِهِمْ وَيَشْهَدَ لَكُمُ الرَّسُولُ بِالصِّدْقِ، قِيلَ إنَّ اللَّهَ ﷻ إِذَا سَأَلَ الْأَنْبِيَاءَ: هَلْ بَلَّغْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَتَقُولُ أُمَمُهُمْ: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَتَشْهَدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلأَنْبِيَاءِ، وَيُزَكِّيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقِيلَ مَعنَى الآيَةِ: إِنَّكُمْ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَكُمْ، وَالرَّسُولُ ﷺ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَقَالَ تَعَالَى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) قَالَ قَتَادَةُ والْحَسَنُ وَزَيْدُ بنُ أسْلَمَ: قَدَمَ صِدْقٍ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَشْفَعُ لَهُمْ، وَعَنِ الْحَسَنِ أيْضًا: هِيَ مُصِيبَتُهُمْ بِنَبِيِّهِمْ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ هِيَ شَفَاعَةُ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، هُوَ شَفِيعُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: هِيَ سَابِقَةُ رَحْمَةٍ أَوْدَعَهَا فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ
شَفِيعُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: هِيَ سَابِقَةُ رَحْمَةٍ أَوْدَعَهَا فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ إِمَامُ الصَّادِقِينَ وَالصِّدِّيقِينَ: الشَّفِيعُ الْمُطَاعُ، وَالسَّائِلُ المُجَابُ: مُحَمَّدٌ ﷺ. حَكَاهُ عَنْهُ السُّلَمِيُّ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا وَرَدَ مِنْ خِطَابِهِ إِيَّاهُ مَوْرِدَ الْمُلاطَفَةِ وَالْمَبَرَّةِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لهم) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ قِيلَ هَذَا افْتِتَاحُ كَلَامٍ بِمَنْزِلَةٍ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، وَأَعَزَّكَ اللَّهُ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَخْبَرَهُ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالذَّنْبِ، حَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ: عافاك الله با سَلِيمَ الْقَلْبِ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، قَالَ وَلَوْ بَدَأَ النَّبِيَّ ﷺ بِقَوْلِهِ: لِمَ أذنت لهم، لَخِيفَ عَلَيْهِ أنْ يَنْشَقَّ قَلْبُهُ مِنْ هَيْبَةِ هَذَا الْكَلَامِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ أَخْبَرَهُ بِالْعَفْوِ حَتَّى سَكَنَ قَلْبُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بِالتَّخَلُّفِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الصَّادِقُ فِي عُذْرِهِ مِنَ الْكَاذِبِ؟ وفِي هَذَا مِنْ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ، وَمِنْ إِكْرَامِهِ إيَّاهُ وَبِرِّهِ بِهِ ما يَنْقَطِعُ دُونَ مَعْرِفَةِ غَايَتِهِ نِيَاطُ الْقَلْبِ، قَالَ
نِفْطُوَيْهِ: ذَهَبَ نَاسٌ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعَاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ مُخَيَّرًا، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُمْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ لَقَعَدُوا لِنِفَاقِهِمْ، وَأنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الإِذْنِ لَهُمْ. قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ الْمُجَاهِدِ نفسه ارائض بِزَمامِ الشَّرِيعَةِ خُلُقَهُ أنْ يَتَأدَّبَ بِآدَابِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَمُعَاطَاتِهِ وَمُحَاوَرَاتِهِ، فَهُوَ عُنْصُرُ الْمَعَارِفِ الحقيقة وَرَوْضَةُ الآدَابِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَلْيَتَأَمَّلْ هَذِهِ المُلاطَفَةَ الْعَجِيبَةَ فِي السُّؤَالِ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ: الْمُنْعِمِ عَلَى الْكُلِّ، الْمُسْتَغْنِي عَنِ الجميع ويستشير مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ وَكَيْفَ ابْتَدَأَ بِالْإِكْرَامِ قَبْلَ الْعَتَبِ، وَآنَسَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ الذَّنْبِ إِنْ كَانَ ثَمَّ ذَنْبٌ. وَقَالَ تَعَالَى (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
وَآنَسَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ الذَّنْبِ إِنْ كَانَ ثَمَّ ذَنْبٌ. وَقَالَ تَعَالَى (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
شيئا قليلا) قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: عاتل اللَّهُ الأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهم عَلَيْهمْ بَعْدَ الزَّلاتِ، وَعَاتَبَ نَبِيَّنَا ﷺ قَبْلَ وُقُوعِهِ، لِيَكُونَ بِذَلِكَ أَشَدَّ انْتِهَاءً وَمُحَافَظَةً لِشَرَائِطِ المَحَبَّةِ، وَهَذِهِ غَايَةُ الْعِنَايَةِ، ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ بَدَأَ بِثَبَاتِهِ وَسَلَامَتِهِ قَبْلَ ذِكْرِ مَا عَتَبَهُ عَلَيْهِ وَخِيفَ أنْ يَرْكَنَ إِلَيْهِ. فَفِي أَثْنَاءِ عَتْبِهِ بَرَاءَتُهُ، وَفِي طَيّ تَخْوِيفِهِ تَأْمِينُهُ وَكَرَامَتُهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) الآية. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّا لَا نُكَذِّبُكَ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ مِمَّا جِئْتَ بِهِ، فأنزل الله تعالى (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) الآيَةَ. وَرُوِيَ أَنَّ النبي ﷺ لما كَذَّبَهُ قَوْمُهُ: حَزِنَ، فجاءه جبرئيل ﵇ فَقَالَ: مَا يُحْزِنُكَ؟ قَالَ: كَذَّبَنِي قَوْمِي، فَقَالَ إِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ صَادِقٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الآيَةَ، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ مَنْزَعٌ لَطِيفُ المَأْخَذِ مِنْ تَسْلِيَتِهِ تَعَالَى لَهُ ﷺ، وَإِلْطَافِهِ فِي الْقَوْلِ: بأَنْ قَرَّرَ عِنْدَهُ أنَّهُ صَادِقٌ عِنْدَهُمْ، وَأنَّهُمْ غَيْرُ مُكَذِّبِينَ لَهُ، مُعْتَرِفُونَ بِصِدْقِهِ قَوْلًا وَاعْتِقَادًا، وَقَدْ كَانُوا يُسَمُّونَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ الْأَمِينَ، فَدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ ارْتِمَاضَ نَفْسِهِ بِسِمَةِ الْكَذِبِ، ثُمَّ جَعَلَ
ادًا، وَقَدْ كَانُوا يُسَمُّونَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ الْأَمِينَ، فَدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ ارْتِمَاضَ نَفْسِهِ بِسِمَةِ الْكَذِبِ، ثُمَّ جَعَلَ
الذَّمَّ لَهُمْ بِتَسْمِيَتِهِمْ جَاحِدِينَ ظَالِمِينَ فَقَالَ تَعَالَى (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) وَحَاشَاهُ مِنَ الْوَصْمِ، وَطَرَّقَهُمْ بِالْمُعَانَدَةِ بِتَكْذِيبِ الْآيَاتِ حَقِيقَةَ الظُّلْمِ، إِذِ الْجَحْدُ إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ عَلِمَ الشئ ثُمَّ أَنْكَرَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وعلوا) ثُمَّ عَزَّاهُ وَآنَسَهُ بِمَا ذَكَرَهُ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَوَعَدَهُ بِالنَّصْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قبلك) الآيَةُ، فَمَنْ قَرَأَ لَا يَكْذِبُونَكَ بِالتَّخْفِيفِ فمعاه لَا يَجِدُونَكَ كَاذِبًا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ: لَا يَقُولُونَ إِنَّكَ كَاذِبٌ، وَقِيلَ لَا يَحْتَجُّونَ عَلَى كَذِبِكَ وَلَا يُثْبِتُونَهُ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ فَمَعْنَاهُ لَا يَنْسِبُونَكَ إِلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ لَا يتعقدون كَذِبَكَ. وَمِمَّا ذُكِرَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَبِرِّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ بِأَسْمَائِهمْ، فَقَالَ: يَا آدَمُ يَا نُوحُ يَا إبْرَاهِيمُ يَا مُوسَى يَا دَاوُدُ يَا عِيسَى يَا زَكَرِيِّا يَا يَحْيَى، وَلَمْ يُخَاطَبْ هُوَ إلا: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي قَسَمِهِ تَعَالَى بِعَظِيمِ قَدْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي هَذَا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ ﷻ بِمُدَّةِ حَيَاةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْه
وَسَلَّمَ، وَأَصْلُهُ ضَمُّ الْعَيْنِ مِنَ الْعُمُرِ وَلَكِنَّهَا فُتِحَتْ لِكَثْرَةِ الاسْتِعْمَالِ، وَمَعْنَاهُ: وَبَقَائُكَ يَا مُحَمَّدُ، وَقِيلَ وعيشك، وقيل: وحياتك، وَهَذِهِ نِهَايَةُ التَّعْظِيمِ وَغَايَةُ الْبِّرِ وَالتَّشْرِيفِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا ذَرَأَ وَمَا بَرَأَ نَفْسًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَمَا سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرَهُ، وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ: مَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ لأَنَّهُ أَكْرَمُ الْبَرِيَّةِ عِنْدَهُ، وقال تعالى (يس والقرآن الحكيم) الآيَاتُ، اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى (يس) عَلَى أَقْوَالٍ، فَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ لِي عِنْدَ رَبِّي عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ ذكر منها منها أن طَه وَيس اسْمَانِ لَهُ، وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرحمان السُّلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أنَّهُ أرَادَ يَا سَيَّدُ مُخَاطَبَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ (يس) يَا إِنْسَانُ أرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ، وَقَالَ هُوَ قَسَمٌ وَهُوَ مِنْ أسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ الزَّجَّاجُ قِيلَ مَعْنَاهُ يَا مُحَمَّدُ وَقِيلَ يَا رَجُلُ وَقِيلَ يَا إِنْسَانُ، وَعَنِ ابْنِ الحنفية يس يَا مُحَمَّدُ وَعَنْ كَعْبٍ يس قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالأرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ لمن المرسلين،
َعَنْ كَعْبٍ يس قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالأرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ لمن المرسلين،
ثم قال (والقرآن الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين) فَإِنْ قُدِّرَ أنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ وَصَحَّ فِيهِ أنَّهُ قَسَمٌ كَانَ فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا تَقَدَّمَ وَيُؤَكِّدُ فِيهِ الْقَسَمَ عَطْفُ الْقَسَمِ الآخَرِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنى النِّدَاءِ فَقَدْ جَاءَ قَسَمٌ آخَرُ بَعْدَهُ لِتَحْقِيقِ رِسَالَتِهِ وَالشَّهَادَةِ بِهِدَايَتِهِ أقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى باسْمِهِ وَكِتَابِهِ أنَّهُ لَمِنَ المُرْسِلِينَ بِوَحْيِهِ إِلَى عِبَادِهِ وَعَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ مِنْ إِيمَانِهِ أَيْ طَرِيقٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ ولا عُدُولَ عَنِ الْحَقَّ، قَالَ النَّقَّاشُ: لَمْ يُقْسِمِ اللَّهُ تَعَالَى لأَحَدٍ مِنَ أَنْبِيَائِهِ بِالرِّسَالَةِ فِي كِتَابِهِ إلَّا لَهُ. وفِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَمْجِيدِهِ عَلَى تَأْوِيلِ مِنْ قَالَ أنَّهُ يَا سَيِّدُ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ (أنَا سيد وَلَدِ آدَمَ وَلَا فخر) وَقَالَ تَعَالَى (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البلد) قِيلَ لَا أُقْسِمُ بِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَعْدَ خُرُوجِكَ مِنْهُ حكَاهُ مَكِّيٌّ، وَقِيلَ لَا زَائِدَةٌ أَيْ أُقْسِمُ بِهِ وَأَنْتَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ حَلالٌ أَوْ حِلٌّ لَكَ مَا فَعَلْتَ فِيهِ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَلَدِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَكَّةُ، وَقَالَ الواسى أي يحلف لَكَ بِهَذَا الْبَلَدِ الَّذِي شَرَّفْتَهُ بِمَكَانِكَ فِيهِ حَيًّا وَبِبَرَكَتِكَ مَيِّتًا يَعْنِي الْمَدِينَةَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لأَنَّ السُّورَةَ مَكِيَّةٌ وَمَا بَعْدَهُ يُصَحِّحُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (حِلٌّ بِهَذَا البلد) وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَطَاءٍ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ) قَالَ أَمَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَقَامِهِ فِيهَا وَكَوْنِهِ بِهَا فَإِنَّ كَوْنُهُ أَمَانٌ حَيْثُ كان
ِ قوله تعالى (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ) قَالَ أَمَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَقَامِهِ فِيهَا وَكَوْنِهِ بِهَا فَإِنَّ كَوْنُهُ أَمَانٌ حَيْثُ كان
ثم قال تعالى (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) مَنْ قَالَ أَرَادَ آدَمَ فَهُوَ عَامٌّ وَمَنْ قَالَ هُوَ إبْرَاهِيمُ وَمَا وَلَدَ فَهِيَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِشَارَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَتَضَمَّنُ السُّورَةُ الْقَسَمَ بِهِ ﷺ فِي مَوْضِعَيْنِ * وَقَالَ تَعَالَى (الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) قال ابن عباس هذه الحروف أقسام أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَعَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: الْأَلِفُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللامُ جبرئيل وَالْمِيمُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إِلَى سَهْلٍ وَجَعَلَ مَعْنَاهُ اللَّهُ أَنْزَلَ جِبْرِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْقُرْآنِ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَعَلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ ثُمَّ فِيهِ مِنْ فَضِيلَةِ قِرَانِ اسْمِهِ بِاسْمِهِ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ ابن عطاء في قوله تعالى (ق والقرآن المجيد) أَقْسَمَ بِقُوَّةِ قَلْبِ حَبِيبِه مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ حَمَلَ الْخِطَابَ وَالمُشَاهَدَةَ وَلَمْ يُؤْثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ لِعُلُوِّ حَالِهِ وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلْقُرْآنِ وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي تَفْسِيرِ (وَالنَّجْمِ إذا هوى) أنه محمد ﷺ وَقَالَ: النَّجْمُ قَلْبُ مُحَمَّدٍ ﷺ، هَوَى انْشَرَحَ مِنَ الْأَنْوَارِ وَقَالَ انْقَطَعَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ) الْفَجْرُ مُحَمَّدٌ ﷺ لأَنَّ مِنْهُ تَفَجَّرَ الْإِيمَانُ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي قَسَمِهِ تَعَالَى جَدُّهُ لَهُ لِتَحْقُقِّ مَكَانَتِهِ عِنْدَهُ قَالَ جلَّ اسْمُهُ (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذا سجى) السورة، اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقِيلَ كَانَ تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ قِيَامَ اللَّيْلِ لِعُذْرٍ نَزَلَ بِهِ فَتَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ فِي ذَلِكَ بِكَلَامٍ وَقِيلَ بَلْ تَكَلَّمَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ عِنْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَنَزَلَتِ السُّورَةُ. قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ وَتَنْوِيههِ بِهِ وَتَعظِيمِهِ إيَّاهُ سِتَّةَ وُجُوهٍ: الأَوَّلُ الْقَسَمُ لَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ حَالِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذا سجى) أَيْ وَرَبِّ الضُّحَى وَهَذَا مِنْ أعْظَمِ دَرَجَاتِ المَبَرَّةِ، الثَّانِي بَيَانُ مَكَانَتِهِ عِنْدَهُ وَحُظْوَتِهِ لَدَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) أَيْ مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ وَقِيلَ مَا أَهْمَلَكَ بَعْدَ أَنِ اصْطَفَاكَ، الثَّالِثُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولى) قال ابن إسحق أَيْ مَالَكَ فِي مَرْجِعِكَ عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ مِمَّا أعْطَاكَ مِنْ كَرَامَةِ الدُّنْيَا، وَقَالَ سَهْلٌ: أَيْ مَا ادَّخَرْتُ لَكَ مِنَ الشَّفَاعَةِ وَالْمَقَامِ المَحْمُودِ خَيْرٌ لَكَ



