— Bagian 14 · َذَا، أَوْ بِمَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَي… —
Bagian 14
َذَا، أَوْ بِمَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَيْثُ جَعَلَ نَفْسَهُ فِدَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى شُلَّتْ يَدُهُ وَجُرِحَ بِبِضْعٍ وَثَمَانِينَ.
(حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ) بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ فَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) حَضَرَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ) أَيْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (دِرْعَانِ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَهُمَا) أَيْ أَوْقَعَ الْمُظَاهَرَةَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَبِسَ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهُ مِنَ التَّظَاهُرِ بِمَعْنَى التَّعَاوُنِ، قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَفِي الصِّحَاحِ: الظِّهَارَةُ خِلَافُ الْبِطَانَةِ، وَظَاهَرَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ أَيْ طَارَقَ بَيْنَهُمَا وَطَابَقَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَبِسَ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى، حَتَّى صَارَتْ كَالظِّهَارَةِ لَهَا اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْحَرْبِ، وَتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وَأَخْذًا لِلْحَذَرِ مِنَ الْحَذَرِ، وَفِرَارًا مِنَ الْقَضَاءِ إِلَى الْقَدْرِ، وَإِشْعَارًا بِأَنَّ الْحَزْمَ وَالتَّوَقِّيَ مِنَ الْأَعْدَاءِ لَا يُنَافِي
لِلْحَذَرِ مِنَ الْحَذَرِ، وَفِرَارًا مِنَ الْقَضَاءِ إِلَى الْقَدْرِ، وَإِشْعَارًا بِأَنَّ الْحَزْمَ وَالتَّوَقِّيَ مِنَ الْأَعْدَاءِ لَا يُنَافِي
التَّوَكُّلَ وَالتَّسْلِيمَ وَالرِّضَا، وَاحْتَرَزَ بِظَاهِرٍ عَمَّا يُتَوَهَّمُ عِنْدَ حَذْفِهِ مِنْ صِدْقِهِ بِلُبْسِ وَاحِدٍ إِلَى وَسَطِهِ، وَآخَرَ مِنْ وَسَطِهِ إِلَى رِجْلَيْهِ، كَالسَّرَاوِيلِ قَالَ مِيرَكُ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ السَّائِبَ هَذَا لَمْ يَشْهَدْ وَاقِعَةَ أُحُدٍ لِمَا سَبَقَ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَنِ السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، أَوْ لَبِسَ دِرْعَيْنِ، وَهَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَإِنَّهُ رَوَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الِاسْتِيعَابِ فِي تَرْجَمَةِ مُعَاذٍ التَّمِيمِيِّ، فَقَالَ: ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْوَحْدَانِ، وَذُكِرَ بِسَنَدٍ عَنِ السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ مُعَاذٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَاهَرَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الِاسْتِيعَابِ، وَأَظُنُّ أَنَّ قَوْلَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ سَهْوٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ، وَالصَّوَابُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ السِّلَاحَ يَوْمَئِذٍ، بَلْ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ، أَقُولُ أَمَّا كَوْنُهُ مُحْرِمًا، فَلَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ لُبْسِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَالْقَضِيَّةُ قَاضِيَةٌ بِوُقُوعِهِ لِمَا وَقَعَ مِنَ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُبَايَعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ طَلْحَةَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنِ السَّائِبِ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عَوْفٍ،
مُ بِحَقِيقَتِهِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ طَلْحَةَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنِ السَّائِبِ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عَوْفٍ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْمِقْدَادَ وَسَعْدًا فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِهِ: لَمْ يُبَيِّنْ مَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَوْ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ طَلْحَةَ أَنَّهُ ﷺ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مِغْفَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمِغْفَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، مَا يُلْبَسُ تَحْتَ الْبَيْضَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْبَيْضَةِ أَيْضًا، وَأَصْلُ الْغَفْرِ السَّتْرُ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَقِيلَ: هِيَ حَلْقَةٌ تُنْسَجُ مِنَ الدِّرْعِ عَلَى قَدْرِ الرَّأْسِ، وَفِي الْمُحْكَمِ هُوَ مَا يُجْعَلُ مِنْ فَضْلِ دِرْعِ الْحَدِيدِ عَلَى الرَّأْسِ كَالْقَلَنْسُوَةِ، وَقِيلَ: هُوَ رَفْرَفُ الْبَيْضَةِ
رِ الرَّأْسِ، وَفِي الْمُحْكَمِ هُوَ مَا يُجْعَلُ مِنْ فَضْلِ دِرْعِ الْحَدِيدِ عَلَى الرَّأْسِ كَالْقَلَنْسُوَةِ، وَقِيلَ: هُوَ رَفْرَفُ الْبَيْضَةِ (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) أَيْ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أَيِ الزُّهْرِيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ: مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَكَّةَ أُبِيحَتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ، فَلِذَا دَخَلَهَا مُتَهَيِّئًا لِلْقِتَالِ، وَقِيلَ: خُصِّصَ النَّهْيُ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةٌ فِي حَمْلِهِ ; وَلِذَا دَخَلَ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَمَعَهُ وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ السِّلَاحُ فِي الْقِرَابِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ حَمْلِهِ فَمَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ النَّهْيِ حَمْلُ السِّلَاحِ لِلْمُحَارَبَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ بَعْدَ فِعْلِهِ ﷺ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ نَزَعَ الْمِغْفَرَ (هَذَا ابْنُ خَطَلٍ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ اسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى، فَلَمَّا أَسْلَمَ سُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ (مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أَيْ خَوْفًا مِنْ قَتْلِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ الْوَحْيَ، وَقَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ يَخْدِمُهُ لَمَّا أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَاتَّخَذَ قَيْنَتَيْنِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، قَالَ الْعِصَامُ: وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ وَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِهَا مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا انْتَهَى.
لَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، قَالَ الْعِصَامُ: وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ وَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِهَا مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِ. وَالتَّمَسُّكُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا هُوَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ مَنْ تَمَسَّكَ بِذَيْلِ الْكَعْبَةِ فِي كُلِّ جَرِيمَةٍ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» ; لِأَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَثْنِينَ لِمَا
عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْحَاكِمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَرْبَعَةٌ لَا أُؤَمِّنُهُمْ لَا فِي حِلٍّ وَلَا فِي حَرَمٍ، الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْدٍ، وَهِلَالُ بْنُ خَطَلٍ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ، وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: أَرْبَعَةُ نَفَرٍ وَامْرَأَتَانِ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ (فَقَالَ اقْتُلُوهُ) وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ الْعَسْقَلَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَةِ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ رَأَى مِنْكُمُ ابْنَ خَطَلٍ فَلْيَقْتُلْهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، كَانَ ابْنُ خَطَلٍ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الشِّعْرِ انْتَهَى. يَعْنِي فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِهْدَارِ دَمِهِ، وَقِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّهُ ﷺ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى لَهُ يَخْدِمُهُ، وَكَانَ مُسْلِمًا فَنَزَلَ مَنْزِلًا، وَأَمَرَ مَوْلَاهُ أَنْ يَذْبَحَ تَيْسًا وَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، وَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَسَقَطَ عَنْهُمْ بِقَتْلِ وَاحِدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَوْ عَلَى فَرْضِ الْعَيْنِ فَيَلْزَمُ كُلًّا الْمُبَادَرَةُ إِلَى قَتْلِهِ، فَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ عِصْيَانُ الْبَاقِي بِمُبَادَرَةِ قَاتِلِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْحَضْرَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مُبَادَرَةِ قَتْلِهِ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَخْلِيَتُهُ ﷺ وَحْدَهُ،
فَظْ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْحَضْرَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مُبَادَرَةِ قَتْلِهِ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَخْلِيَتُهُ ﷺ وَحْدَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ أَنَّهُ أَمَرَ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِقَتْلِهِ لَا جَمْعًا، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إِسْنَادِ الْبَعْضِ إِلَى جَمْعٍ بَيْنَهُمْ كَمَالُ ارْتِبَاطٍ ; وَلِهَذَا أَقْدَمَ بِقَتْلِهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَحْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ مِنْ أَنَّهُ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مَعَ إِرْسَالِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي تَعْيِينِ قَاتِلِهِ، وَبِهِ جَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ أَخْبَارِ السِّيَرِ وَتُحْمَلُ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُمُ ابْتَدَرُوا قَتْلَهُ، فَكَانَ الْمُبَاشِرُ لَهُ مِنْهُمْ أَبَا بَرْزَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ شَارَكَهُ فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُرَيْثٍ وَأَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي رِوَايَةِ أَنَّهُ اسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا وَكَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ الْحَدِيثَ. قَالَ مِيرَكُ: وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ فِيهِ أَقْوَالًا مِنْهَا أَنَّ قَاتِلَهُ شَرِيكُ بْنُ عَبْدَةَ الْعَجْلَانِيُّ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ أَبُو بَرْزَةَ، وَقِيلَ: قَتَلَهُ الزُّبَيْرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مِنْهَا أَنَّ قَاتِلَهُ شَرِيكُ بْنُ عَبْدَةَ الْعَجْلَانِيُّ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ أَبُو بَرْزَةَ، وَقِيلَ: قَتَلَهُ الزُّبَيْرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: وَأُخِذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ مِنْ تَحْتِ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقُتِلَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ، قَالَ مِيرَكُ: وَرِجَالُهُ ثِقَاةٌ، إِلَّا أَنَّ فِي أَبِي مَعْشَرٍ مَقَالًا، قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِهِ، فَقِيلَ: سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقِيلَ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، وَقِيلَ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: أَثْبَتُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ مِنْهُمْ أَبُو بَرْزَةَ، ضَرَبَ عُنُقَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِتَحَتُّمِ قَتْلِ سَابِّهِ ﷺ الَّذِي قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ إِلَّا لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ فَقُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﷺ قَتَلَهُ قِصَاصًا بِذَلِكَ الْمُسْلِمِ الَّذِي قَتَلَهُ، فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قُلْتُهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ كَانَ مِمَّنْ نَصَّ ﷺ عَلَى قَتْلِهِ، لِمُشَابَهَتِهِ لِابْنِ خَطَلٍ فِيمَا مَرَّ عَنْهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَبِلَ مِنْهُ ﷺ الْإِسْلَامَ
نَ أَبِي سَرْحٍ كَانَ مِمَّنْ نَصَّ ﷺ عَلَى قَتْلِهِ، لِمُشَابَهَتِهِ لِابْنِ خَطَلٍ فِيمَا مَرَّ عَنْهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَبِلَ مِنْهُ ﷺ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يَقْتُلْهُ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ خَطَلٍ ارْتَدَّ ثُمَّ فِي حَالِ ارْتِدَادِهِ صَدَرَ عَنْهُ مَا صَدَرَ، فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الِارْتِدَادُ بِسَبِّهِ ﷺ. وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِتَابَتِهِ وَقَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَوْبَتَهُ بِشَرَائِطِهَا مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ سِيَاسَةً قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ حُجَّةٌ لِحِلِّ إِقَامَةِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ لَا يُنَجِّسُهُ انْتَهَى. وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَتْلَهُ لَا يُسَمَّى حَدًّا وَلَا قِصَاصًا ; لِأَنَّهُ كَانَ حَرْبِيًّا، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ قَتْلَهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَجَّسَ الْمَسْجِدُ، ثُمَّ أَطَالَ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ; وَلِذَا تَرَكْنَا بَحْثَهُ قَالَ الْحَنَفِيُّ: مَعَ أَنَّهُ حَنَفِيٌّ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْحَرَمَ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى مَنْ جَنَى خَارِجَهُ وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ انْتَهَى. وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ عِنْدَنَا فِي مَنْ جَنَى خَارِجَ الْحَرَمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ الْتَجَأَ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، بَلْ لَا يُطْعَمُ وَلَا يَشْرَبُ حَتَّى يُضْطَرَّ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، ثُمَّ يُقْتَصُّ وَمَكَّةُ حِينَئِذٍ كَانَتْ دَارَ حَرْبٍ، وَابْنُ خَطَلٍ مُرْتَدٌّ الْتَحَقَ بِالْمُشْرِكِينَ فَوَقَعَتِ الْمُصَالَحَةُ بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً. وَأَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ فَتْحَهَا كَانَ عَنْوَةً، فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ.
(حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ) ثِقَةٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تَقَدَّمَ (قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) وَهُوَ الزُّهْرِيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ) أَيْ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ (وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ) بِلَامِ التَّعْرِيفِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِ «مِغْفَرٌ» فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، ثُمَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْآتِي أَنَّهُ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ - الْمُخَرَّجُ فِي مُسْلِمٍ - أَنَّ عَقِبَ دُخُولِهِ نَزَعَ الْمِغْفَرَ، ثُمَّ لَبِسَ الْعِمَامَةَ السَّوْدَاءَ، فَخَطَبَ بِهَا لِرِوَايَةِ: «خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَالْخُطْبَةُ كَانَتْ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْفَتْحِ، وَهَذَا الْجَمْعُ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَاخْتَارَهُ الْعِرَاقِيُّ وَفِيهِ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِمَامَةَ كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ حِينَ دُخُولِهِ مَكَّةَ، لَا أَنَّهُ لَبِسَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ زَمَانَ الْحَالِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا مَعَ زَمَانِ عَامِلِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ الِاتِّسَاعُ فِي زَمَانِ دُخُولِ مَكَّةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ سَوَادَ عِمَامَتِهِ لَمْ يَكُنْ أَصْلِيًّا بَلْ لَمَّا كَانَ الْمِغْفَرُ فَوْقَ الْعِمَامَةِ فِي الْأَيَّامِ الْحَارَّةِ، وَكَانَتِ الْعِمَامَةُ مُتَّسِخَةً وَمُتَلَوِّنَةً بِسَبَبِهِ، وَلَمَّا رَفَعَ الْمِغْفَرَ عَنْهَا ظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهَا سَوْدَاءُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ، وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ مِنَ الْجَمِيعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
َاءُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ، وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ مِنَ الْجَمِيعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْمِغْفَرِ بَيَّنَ أَنَّهُ دَخَلَ مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْعِمَامَةِ بَيَّنَ أَنَّهُ دَخَلَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَجَمْعٌ غَرِيبٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لُبْسَ أَحَدِهِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِحْرَامِهِ ; لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالنِّيَّةِ وَاللُّبْسَ جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ، وَالثَّانِي أَنَّ لُبْسَ الْمِغْفَرِ يَكْفِي لِلدَّلَالَتَيْنِ عَلَى زَعْمِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الْعِمَامَةِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ بِفَرْضِ صِحَّةِ عَدَمِ إِحْرَامِهِ، أَنَّ سَبَبَهُ كَوْنُهُ ﷺ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ حُصُولِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ، وَبَيْنَ عَدَمِ الدُّخُولِ إِلَيْهِ بِسَبَبِ مَنْعِ الْأَعْدَاءِ، فَكَانَ قَصْدُهُ الْأَوَّلُ إِنَّمَا هُوَ قُرْبَ الْحَرَمِ ; لِيَنْظُرَ فِيهِ كَيْفَ الْأَمْرُ أَلَهُ الْغَلَبَةُ أَمْ لَا، فَحِينَئِذٍ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ نُسُكٍ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا مِنَ الْأَفَاقِي، إِذَا قَصَدَ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ لَهُ الْمُجَاوَزَةُ مِنَ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ثُمَّ دُخُولُهُ مَكَّةَ بِاخْتِيَارِهِ مُحْرِمًا أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ، قَالَ مِيرَكُ: وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِغْفَرَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْمُوَشَّحُ، وَلِلْآخَرِ لَسُوعٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لَهُ بَيْضَةٌ، وَكَانَ فِي رَأْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى مَالِكٍ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ، وَأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ
َوْمَ أُحُدٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى مَالِكٍ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ، وَأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ
وَالْمَحْفُوظُ فِي سَائِرِ الطُّرُقِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَتُعُقِبَّ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَجَدُوا بِضْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا غَيْرَ مَالِكٍ تَابَعُوهُ فِي ذِكْرِ الْمِغْفَرِ، وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (قَالَ) أَيْ أَنَسٌ، وَإِنَّمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ لِطُولِ كَلَامِهِ أَوْ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ مِنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَاعِلُ قَالَ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ لَا التِّرْمِذِيُّ حَتَّى يَحْكُمَ عَلَى الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ السِّيَاقَ الْمُطَابِقَ لِلسِّيَاقِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ يُحْكَمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ (فَلَمَّا نَزَعَهُ) أَيْ نَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِغْفَرَ وَنَحَّاهُ عَنْ رَأْسِهِ (جَاءَهُ رَجُلٌ) قِيلَ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ (فَقَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (اقْتُلُوهُ) أَيْ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّغْلِيبِ أَوِ الِالْتِفَاتِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ: «اقْتُلْهُ» (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) أَيِ الزُّهْرِيُّ قَالَ مِيرَكُ: هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ لِمَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا (وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا) أَيْ عَلَى صُورَةِ الْمُحْرِمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَابِسًا لُبْسَ الْحَلَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
لَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا) أَيْ عَلَى صُورَةِ الْمُحْرِمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَابِسًا لُبْسَ الْحَلَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. وَقَدْ خَالَفَ الْحَنَفِيُّ مَذْهَبَهُ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دُخُولِهَا إِذَا لَمْ يُرِدْ نُسُكًا انْتَهَى. قَالَ مِيرَكُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَفْظُهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ» الْحَدِيثَ، وَقَالَ: اقْتُلْهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُحْرِمًا، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَمَا هُنَا انْتَهَى. وَالْجَمْعُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ اقْتُلْهُ وَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ قَتْلَهُ وَحْدَهُ صَعْبٌ، قَالَ اقْتُلُوهُ ; وَلِهَذَا تَبَادَرُوا إِلَى قَتْلِهِ، ثُمَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا نَرَى مُحْرِمًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَدِلًّا بِلُبْسِ الْمِغْفَرِ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ جَابِرٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
هِ يُحْمَلُ قَوْلُ جَابِرٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ دُخُولَ الْحَرَمِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْخَائِفِ الْمُتَأَهِّبِ لِلْقِتَالِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ: الْإِحْرَامُ وَاجِبٌ إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ حَاجَتُهُ، وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ قَصْدِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ دَخَلَ لِحَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَحَطَّابٍ وَخَشَّاشٍ وَصَيَّادٍ وَنَحْوِهِمْ، أَوْ لَا تَتَكَرَّرُ كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ تَجِبُ مُطْلَقًا، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْوُجُوبُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ لَا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ، وَالْحَسَنِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِثْنَاءِ ذَوِي الْحَاجَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إِنَّ دُخُولَهُ ﷺ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَدَلِيلُهُ: قَوْلُهُ ﷺ أَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَوَازُ دُخُولِهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَا تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِيهَا ; لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ غَلَبُوا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَكَّةَ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ الْقِتَالُ مَعَهُمْ فِيهَا، فَقَدْ عَكَسَ اسْتِدْلَالَهُ النَّوَوِيُّ،
ْ غَلَبُوا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَكَّةَ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ الْقِتَالُ مَعَهُمْ فِيهَا، فَقَدْ عَكَسَ اسْتِدْلَالَهُ النَّوَوِيُّ، فَقَالَ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ تَبْقَى دَارَ إِسْلَامٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَبَطَلَ مَا صَوَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَنَّ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ نَظَرًا، فَإِنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ وَقَدْ حَكَاهُ الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا قُلْتُ: مَا صَوَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ فَرْضِيٌّ غَيْرُ لَازِمِ الْوُقُوعِ ; وَلِذَا خَالَفَ مَنْ خَالَفَ، وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَصَحِيحَةٌ، وَلَا يُنَافِيهَا مُخَالَفَةُ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ، فَبَطَلَ إِبْطَالُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِمَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ «صِفَةِ» ، وَالْعِمَامَةُ بِالْكَسْرِ: مَعْرُوفٌ، وَوَهِمَ الْعِصَامُ حَيْثُ قَالَ: بِالْفَتْحِ كَالْغَمَامَةِ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْمِغْفَرِ وَالْبَيْضَةِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْمُرَادُ بِهَا فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ عَلَى الرَّأْسِ سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَ الْمِغْفَرِ أَوْ فَوْقَهُ أَوْ مَا يُشَدُّ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَمَا يُشَدُّ عَلَى رَأْسِ الْمَرِيضِ أَيْضًا انْتَهَى. وَيُعَارِضُ الْعِصَامُ وَابْنُ حَجَرٍ هُنَا بِمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا فَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ كَلَامِهِمَا إِيرَادًا وَدَفْعًا (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُ حَدَّثَنَا أَخْبَرَنَا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ح) . تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ بِحْثِ الْحَاءِ وَأَنَّهُ عَلَامَةُ تَحْوِيلِ الْإِسْنَادِ (وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ (قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ السَّوَادِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَفْضَلَ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ خَيْرَ ثِيَابِكُمُ الْبِيضُ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا
دِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَفْضَلَ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ خَيْرَ ثِيَابِكُمُ الْبِيضُ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا
الدِّينَ لَا يَتَغَيَّرُ كَالسَّوَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَلْوَانِ، وَفِي شَرْحِ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ عُلَمَائِنَا الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُسَنُّ لُبْسُ السَّوَادِ لِحَدِيثٍ فِيهِ، وَقَدْ جَمَعَ السُّيُوطِيُّ جُزْءً فِي لُبْسِ السَّوَادِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ وَآثَارًا وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ أَنَّ تِلْكَ الْعِمَامَةَ وَهَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَهِيَ بَيْنَ الْخُلَفَاءِ يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ، وَيَجْعَلُونَهَا عَلَى رَأْسِ مَنْ تُقَرَّرُ لَهُ الْخِلَافَةُ، وَهِيَ الْآنَ بِمَحْرُوسَةِ مِصْرَ فِي أَيْدِي أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ، وَيَضَعُهَا الْخَلِيفَةُ عَلَى رَأْسِ السُّلْطَانِ يَوْمَ تَوْلِيَةِ السَّلْطَنَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ ﷺ كَانَتْ لَهُ عِمَامَةٌ تُسَمَّى السَّحَابُ، وَكَانَ يَلْبَسُ تَحْتَهَا الْقَلَانِسَ جَمْعُ قَلَنْسُوَةٍ، وَهِيَ غِشَاءٌ مُبَطَّنٌ يَسْتَتِرُ بِهِ الرَّأْسُ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ الشَّاشِيَّةُ وَالْعِرْقِيَّةُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً ذَاتَ آذَانٍ يَلْبَسُهَا فِي السَّفَرِ، وَرُبَّمَا وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا صَلَّى، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالْمُصَنِّفُ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَائِمِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ شَقَّةٌ سَوْدَاءُ، وَأَنَّ عِمَامَتَهُ كَانَتْ سَوْدَاءَ،
ادُهُ بِالْقَائِمِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ شَقَّةٌ سَوْدَاءُ، وَأَنَّ عِمَامَتَهُ كَانَتْ سَوْدَاءَ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ رَايَتَهُ سَوْدَاءُ تُسَمَّى الْعُقَابَ.
(حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أَيِ ابْنُ عُيَيْنَةَ (عَنْ مُسَاوِرٍ) بِضَمِّ مِيمٍ وَمُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ وَاوٍ وَرَاءٍ (الْوَرَّاقِ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَائِعُ الْوَرَقِ أَوْ صَانِعُهُ أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى وَرَقِ الشَّجَرِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) مُصَغَّرُ حَرْثٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُثَلَّثَةٍ، رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِمَامَةً سَوْدَاءَ) يُحْتَمَلُ عَامَ الْفَتْحِ وَغَيْرَهُ، وَحَالَ الْخُطْبَةِ وَغَيْرَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَيَجِيءُ مَا يُبَيِّنُهُ.
(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ) أَيْ عَلَى الْمِنْبَرِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ لُبْسَ السَّوَادِ إِنَّمَا كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ فَقَطْ ; لِأَنَّ خُطْبَتَهُ ﷺ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِنْبَرٍ بَلْ كَانَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
َا كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ فَقَطْ ; لِأَنَّ خُطْبَتَهُ ﷺ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِنْبَرٍ بَلْ كَانَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) أَيْ قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ عِصَابَةٌ سَوْدَاءُ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْعِمَامَةِ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ وَالْقَامُوسِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَصْبِ وَهُوَ الشَّدُّ لِمَا يُشَدُّ بِهِ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ تُسَاعِدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ الْعِمَامَةِ تَحْتَ الْمِغْفَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فِي مَعْنَى حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَزَادَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِي خَطَبَ النَّاسَ أَيْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ مُسَاوِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقَوْلُهُ: طَرَفَيْهَا بِالتَّثْنِيَةِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْإِفْرَادِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ انْتَهَى.
َيْهَا بِالتَّثْنِيَةِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْإِفْرَادِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ انْتَهَى. وَقَدْ لَبِسَ السَّوَادَ جَمَاعَةٌ كَعَلِيٍّ يَوْمَ قَتْلِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ، كَالْحَسَنِ كَانَ يَخْطُبُ بِثِيَابٍ سُودٍ وَعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، أَوْ عِصَابَةٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ يَخْطُبُ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَمُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ لَبِسَ عِمَامَةً سَوْدَاءَ وَجُبَّةً سَوْدَاءَ وَعِصَابَةً سَوْدَاءَ، وَأَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَذَّاءَ وَعَمَّارٍ كَانَ يَخْطُبُ كُلَّ جُمُعَةٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ أَمِيرُهَا وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَلْبَسُهَا فِي الْعِيدَيْنِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ يَعْتَمُّ بِهَا وَوَرَدَ بِسَنَدٍ وَاهٍ هَبَطَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ وَعَلَيْهِ قُبَاءٌ أَسْوَدُ وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ،
فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الصُّورَةُ لَمْ أَرَكَ هَبَطْتَ بِهَا عَلَيَّ، قَالَ هَذِهِ صُورَةُ الْمُلُوكِ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ عَمِّكَ، قُلْتُ: وَهُمْ عَلَى حَقٍّ، قَالَ جِبْرِيلُ: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ حَيْثُ كَانُوا، وَأَيْنَ كَانُوا، قَالَ جِبْرِيلُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِكَ زَمَانٌ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ بِهَذَا السَّوَادِ، فَقُلْتُ: رِيَاسَتُهُمْ مِمَّنْ؟ قَالَ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، قُلْتُ: وَمَنْ أَتْبَاعُهُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، قُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَمْلِكُونَ؟ قَالَ: الْأَخْضَرَ وَالْأَصْفَرَ وَالْحَجَرَ وَالْمَدَرَ وَالسَّرِيرَ وَالْمِنْبَرَ وَالدُّنْيَا إِلَى الْمَحْشَرِ، وَالْمُلْكَ إِلَى الْمَنْشَرِ، وَسَأَلَ الرَّشِيدُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْهُ، فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ يَكْرَهُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُجَلَّى فِيهِ عَرُوسٌ، وَلَا يُلَبِي فِيهِ مُحْرِمٌ، وَلَا يُكَفَّنُ فِيهِ مَيِّتٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ جَوَازِ لُبْسِ الْأَسْوَدِ فِي الْخُطْبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْيَضُ أَفْضَلَ مِنْهُ.
، وَلَا يُكَفَّنُ فِيهِ مَيِّتٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ جَوَازِ لُبْسِ الْأَسْوَدِ فِي الْخُطْبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْيَضُ أَفْضَلَ مِنْهُ. (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ) بِسُكُونِ الْمِيمِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ بِالْيَمَنِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَرْبَعَةُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ) نِسْبَةً إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: الْمَدَنِيُّ (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) نِسْبَةً إِلَى الْجَدِّ، إِذْ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخُو سَالِمٍ، مَاتَ قَبْلَ أَخِيهِ سَالِمٍ، كَذَا فِي الْكَاشِفِ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ لَفَّ عِمَامَتَهُ عَلَى رَأْسِهِ (سَدَلَ عِمَامَتَهُ) أَيْ أَرْخَى طَرَفَهَا الَّذِي يُسَمَّى الْعِلَاقَةَ، قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: سَدَلَ الثَّوْبَ سَدْلًا مِنْ بَابِ طَلَبَ إِذَا أَرْسَلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضُمَّ جَانِبَيْهِ، وَقِيلَ: فَهُوَ أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَيُرْخِيَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَأَسْدَلَ خَطَأٌ (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) بِالتَّثْنِيَةِ وَفِي رِوَايَةٍ أَرْسَلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَمُّ، قَالَ: يُدِيرُ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِسُهَا مِنْ وَرَائِهِ،
الَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَمُّ، قَالَ: يُدِيرُ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِسُهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَيُرْخِي لَهَا ذُؤَابَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ (قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) كَانَ هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِهِ وَقَوْلُهُ: (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْعَطْفِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ كَلَامَ أَبِي عِيسَى لَكَانَ مُنْقَطِعًا (وَرَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ إِسْدَالِ طَرَفِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ
الْكَتِفَيْنِ، عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: قَالَ نَافِعٌ: لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مِنْ كَلَامِ عُبَيْدِ اللَّهِ، كَذَا حَقَّقَهُ الْعِصَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي السِّيَرِ بِرِوَايَاتٍ صَحِيحَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرْخِي عَلَاقَتَهُ أَحْيَانًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَحْيَانًا يَلْبَسُ الْعِمَامَةَ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُصَنِّفُ فِي الْجَامِعِ بِسَنَدِهِمَا عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَقُولُ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ، وَسَدَلَ طَرَفَيْهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ مُعْتَمًّا، قَدْ أَرْسَلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، فَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ سُنَّةٌ، قَالَ مِيرَكُ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ، وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ بِغَيْرِ الْقَلَانِسِ،
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ، وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ بِغَيْرِ الْقَلَانِسِ، قَالَ الْجَوْزِيُّ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: السُّنَّةُ أَنْ يَلْبَسَ الْقَلَنْسُوَةَ وَالْعَمَائِمَ، فَأَمَّا لُبْسُ الْقَلَنْسُوَةِ وَحْدَهَا، فَهُوَ زِيُّ الْمُشْرِكِينَ، لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رُكَانَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: قَدْ تَتَبَّعْتُ الْكُتُبَ وَتَطَلَّبْتُ مِنَ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ لِأَقِفَ عَلَى قَدْرِ عِمَامَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ، ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ ﷺ عِمَامَةٌ قَصِيرَةٌ، وَعِمَامَةٌ طَوِيلَةٌ، وَأَنَّ الْقَصِيرَةَ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، وَالطَّوِيلَةَ كَانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَدْخَلِ أَنَّ عِمَامَتَهُ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَتْ سِيرَتُهُ فِي مَلْبَسِهِ أَتَمَّ، وَنَفْعُهُ لِلنَّاسِ أَعَمَّ، إِذْ تَكْبِيرُ الْعِمَامَةِ يُعَرِّضُ الرَّأْسَ لِلْآفَاتِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي الْفُقَهَاءِ الْمَكِّيَّةِ، وَالْقُضَاةِ الرُّومِيَّةِ، وَتَصْغِيرُهَا لَا يَقِي مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، فَكَانَ يَجْعَلُهَا وَسَطًا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: عَلَيْكَ أَنْ تَتَسَرْوَلَ قَاعِدًا وَتَتَعَمَّمَ قَائِمًا انْتَهَى.
الْبَرْدِ، فَكَانَ يَجْعَلُهَا وَسَطًا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: عَلَيْكَ أَنْ تَتَسَرْوَلَ قَاعِدًا وَتَتَعَمَّمَ قَائِمًا انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَةَ: أَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئًا بَدِيعًا، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا رَأَى رَبَّهُ وَاضِعًا يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ أَكْرَمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِالْعَذَبَةِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ نَجِدْ لِذَلِكَ أَصْلًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَلْ هَذَا مِنْ قَبِيحِ رَأْيِهِمَا وَضَلَالِهِمَا إِذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ، وَأَطَالَا فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ، وَالْحَطِّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَفْيِهِمْ لَهُ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْجِهَةِ وَالْجِسْمِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَهُمَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الْقَبَائِحِ، وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ مَا تُصَمُّ عَنْهُ الْآذَانُ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، قَبَّحَهُمَا اللَّهُ وَقَبَّحَ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَجِلَّاءُ مَذْهَبِهِ مُبَرَّؤُنَ عَنْ هَذِهِ الْوَصْمَةِ الْقَبِيحَةِ كَيْفَ وَهِيَ كُفْرٌ عِنْدَ كَثِيرِينَ أَقُولُ صَانَهُمَا اللَّهُ مِنْ هَذِهِ السِّمَةِ الشَّنِيعَةِ، وَالنِّسْبَةِ الْفَظِيعَةِ، وَمَنْ طَالَعَ شَرْحَ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمِنْ أَوْلِيَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ: عَلَى مَا نَصَّهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يَعْنِي الشَّيْخَ عَبْدَ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ الْحَنْبَلِيَّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ الْجَلِيَّ، تُبَيِّنُ مَرْتَبَتَهُ مِنَ السُّنَّةِ
ْإِسْلَامِ يَعْنِي الشَّيْخَ عَبْدَ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ الْحَنْبَلِيَّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ الْجَلِيَّ، تُبَيِّنُ مَرْتَبَتَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَمِقْدَارَهُ فِي الْعِلْمِ وَأَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا رَمَاهُ بِهِ أَعْدَاؤُهُ الْجَهْمِيَّةُ مِنَ التَّشَبُّهِ وَالتَّمْثِيلِ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي رَمْيِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ بِذَلِكَ، كَرَمْيِ الرَّافِضَةِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ نَوَاصِبُ، وَالنَّاصِبَةُ بِأَنَّهُمْ رَوَافِضُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ بِأَنَّهُمْ نَوَائِبُ حَشْوِيَّةٍ، وَذَلِكَ مِيرَاثٌ مِنْ أَعْدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمْيِهِ وَرَمْيِ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُمْ صَبَأَةٌ، قَدِ ابْتَدَعُوا دِينًا مُحْدَثًا، وَهَذَا مِيرَاثٌ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ نَبِيِّهِمْ بِتَلْقِيبِ أَهْلِ الْبَاطِلِ لَهُمْ بِالْأَلْقَابِ الْمَذْمُومَةِ. وَقَدَّسَ اللَّهُ رُوحَ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: وَقَدْ نُسِبَ إِلَى الرَّفْضِ: شِعْرٌ: إِنْ كَانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّيَ رَافِضِي وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَيْمِيَةَ حَيْثُ يَقُولُ: شِعْرٌ: إِنْ كَانَ نَصْبًا حُبُّ صَحْبِ مُحَمَّدٍ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّيَ نَاصِبِي وَعَفَى اللَّهُ عَنِ الثَّالِثِ حَيْثُ يَقُولُ: شِعْرٌ: فَإِنْ كَانَ تَجْسِيمًا ثُبُوتُ صِفَاتِهِ وَتَنْزِيهُهَا عَنْ كُلِّ تَأْوِيلِ مُفْتَرِ فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي مُجَسِّمٌ هَلُمُّوا شُهُودًا وَامْلَأُوا كُلَّ مَحْضَرِ
بُوتُ صِفَاتِهِ وَتَنْزِيهُهَا عَنْ كُلِّ تَأْوِيلِ مُفْتَرِ فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي مُجَسِّمٌ هَلُمُّوا شُهُودًا وَامْلَأُوا كُلَّ مَحْضَرِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنَ التَّشْنِيعِ الْمَسْطُورِ، وَهُوَ أَنْ حَفِظَ حُرْمَةَ نُصُوصِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِإِجْرَاءِ أَخْبَارِهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَهُوَ اعْتِقَادُ مَفْهُومِهَا الْمُتَبَادَرِ إِلَى أَفْهَامِ الْعَامَّةِ، وَلَا نَعْنِي بِالْعَامَّةِ الْجُهَّالَ، بَلْ عَامَّةَ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَيْفَ اسْتَوَى فَأَطْرَقَ
مَالِكٌ حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ، ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَعْنَى الْمَعْلُومِ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَبَيْنَ الْكَيْفِ الَّذِي لَا يَعْقِلُهُ الْبَشَرُ، وَهَذَا الْجَوَابُ مِنْ مَالِكٍ ﵀ شَافٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ، مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالنُّزُولِ وَالْغَضَبِ وَالرَّحْمَةِ وَالضَّحِكِ، فَمَعَانِيهَا كُلُّهَا مَعْلُومَةٌ، وَأَمَّا كَيْفِيَّاتُهَا فَغَيْرُ مَعْقُولَةٍ، إِذْ تَعَقُّلُ الْكَيْفِ فَرْعُ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ الذَّاتِ وَكُنْهِهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَكَيْفَ تُعْقَلُ لَهُمْ كَيْفِيَّةُ الصِّفَاتِ. وَالْعِصْمَةُ النَّافِعَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، أَنْ يَصِفَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ، بَلْ يُثْبِتُ لَهُ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، وَيَنْفِي عَنْهُ مُشَابَهَةَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَيَكُونُ إِثْبَاتُكَ مُنَزِّهًا عَنِ التَّشْبِيهِ، وَنَفْيُكَ مُنَزِّهًا عَنِ التَّعْطِيلِ، فَمَنْ نَفَى حَقِيقَةَ الِاسْتِوَاءِ، فَهُوَ مُعَطِّلٌ، وَمَنْ شَبَّهَ بِاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَهُوَ مُمَثِّلٌ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ اسْتِوَاءٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَهُوَ الْمُوَحِّدُ الْمُنَزِّهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ وَتَبَيَّنَ مَرَامُهُ وَظَهَرَ أَنَّ مُعْتَقَدَهُ مُوَافِقٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ مِنَ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ، فَالطَّعْنُ الشَّنِيعُ وَالتَّقْبِيحُ الْفَظِيعُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ عَلَيْهِ، وَلَا مُتَوَجِّهٍ إِلَيْهِ، فَإِنَّ كَلَامَهُ بِعَيْنِهِ مُطَابِقٌ لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَالْمُجْتَهِدُ الْأَقْدَمُ، فِي فِقْهِهِ الْأَكْبَرِ مَا نَصُّهُ: وَلَهُ تَعَالَى يَدٌ وَوَجْهٌ وَنَفْسٌ،
بِقٌ لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَالْمُجْتَهِدُ الْأَقْدَمُ، فِي فِقْهِهِ الْأَكْبَرِ مَا نَصُّهُ: وَلَهُ تَعَالَى يَدٌ وَوَجْهٌ وَنَفْسٌ، فَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْيَدِ وَالْوَجْهِ وَالنَّفْسِ، فَهُوَ لَهُ صِفَاتٌ بِلَا كَيْفٍ، وَلَا يُقَالُ أَنَّ يَدَهُ قُدْرَتُهُ، أَوْ نِعْمَتُهُ ; لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ الصِّفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْقَدَرِ وَالِاعْتِزَالِ، وَلَكِنَّ يَدَهُ صِفَتُهُ بِلَا كَيْفٍ. وَغَضَبُهُ وَرِضَاهُ صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِهِ بِلَا كَيْفٍ، انْتَهَى. فَإِذَا انْتَفَى عَنْهُ التَّجْسِيمُ فَالْمَعْنَى الْبَدِيعُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ الْكَرِيمِ لَهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ، وَتَوْجِيهٌ بَاهِرٌ، سَوَاءٌ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ، أَوْ تَجَلَّى اللَّهُ ﷾ عَلَيْهِ بِالتَّجَلِّي الصُّورِيِّ الْمَعْرُوفِ، عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ وَالْمَقَامِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُذَكِّرًا بِهَيْئَتِهِ وَمُفَكِّرَا بِرُؤْيَتِهِ الْحَاصِلَةِ مِنْ كَمَالِ تَجْلِيَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ أَنْبِيَائِهِ، وَأَصْفِيَائِهِ الَّذِينَ رَبَّاهُمْ بِحُسْنِ تَرْبِيَتِهِ، وَجَلَى مِرْآةَ قُلُوبِهِمْ بِحُسْنِ تَجْلِيَتِهِ، حَتَّى شَهِدُوا مَقَامَ الْحُضُورِ وَالْبَقَاءِ، وَتَخَلَّصُوا عَنْ صَدَأِ الْحُظُورِ وَالْفَنَاءِ، رَزَقَنَا اللَّهُ أَشْوَاقَهُمْ، وَأَذَاقَنَا أَحْوَالَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ، وَأَمَاتَنَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ.
َنَاءِ، رَزَقَنَا اللَّهُ أَشْوَاقَهُمْ، وَأَذَاقَنَا أَحْوَالَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ، وَأَمَاتَنَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ.
(حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (وَهُوَ) أَيْ أَبُو سُلَيْمَانَ هُوَ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ) فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، مِنَ الْغَسْلِ لُقِّبَ بِهِ حَنْظَلَةُ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ. قَالَ مِيرَكُ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْمَدَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْغَسِيلِ، وَالْغَسِيلُ جَدُّ أَبِيهِ حَنْظَلَةَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حِينَ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ جُنُبًا حِينَ سَمِعَ نَفِيرَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ، فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ (عَنْ عِكْرِمَةَ) أَيْ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ) قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الْخُطْبَةُ وَقَعَتْ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَفِيهَا الْوَصِيَّةُ بِشَأْنِ الْأَنْصَارِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنِ ابْنِ الْغَسِيلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ، حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا وَيَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ،
ِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا وَيَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِهِ (عِصَابَةٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: عِمَامَةٌ بَدَلَ عِصَابَةٍ، عَكْسُ مَا سَبَقَ عَلَى أَنَّ الْعِصَابَةَ تَأْتِي بِمَعْنَى الْعِمَامَةِ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ (دَسْمَاءُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى، وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ، أَيْ: سَوْدَاءُ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَمِنْهُ
قَوْلُ عُثْمَانَ ﵁ وَقَدْ رَأَى غُلَامًا مَلِيحًا: دَسِّمُوا - بِالتَّشْدِيدِ - نُونَتَهُ، أَيْ سَوِّدُوا النَّقْرَةَ الَّتِي فِي ذَقَنِهِ ; لِئَلَّا تُصِيبَهُ الْعَيْنُ، وَقِيلَ: مَعْنَى دَسْمَاءَ أَنَّهَا مُتَلَطِّخَةٌ بِدُسُومَةِ شَعْرِهِ ﷺ، إِذَا كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَهُ، كَمَا مَرَّ، وَالدُّسُومَةُ غَيَّرَتْهُ إِلَى السَّوَادِ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اسْوَدَّتْ مِنَ الْعَرَقِ، وَالدَّسْمَاءُ فِي الْأَصْلِ الْوَسِخَةُ، وَهِيَ ضِدُّ النَّظِيفَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لَوْنُهَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا حَاشِيَةُ بُرْدٍ، وَالْحَاشِيَةُ غَالِبًا تَكُونُ مِنْ لَوْنٍ غَيْرِ لَوْنِ الْأَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِزَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْإِزَارُ بِالْكَسْرِ الْمِلْحَفَةُ، وَيُؤَنَّثُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَسْتُرُ أَسْفَلَ الْبَدَنِ، وَيُقَابِلُهُ الرِّدَاءُ، وَهُوَ مَا يَسْتُرُ أَعْلَى الْبَدَنِ، وَلَعَلَّ حَذْفَهُ فِي الْعُنْوَانِ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أَيْ: وَالْبَرْدَ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ طُولُ رِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ، وَعَرْضُهُ ذِرَاعَيْنِ وَنِصْفًا، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ رِدَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُرْدٌ طُولُهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَشِبْرٍ، وَإِزَارُهُ مِنْ نَسْجِ عُمَانَ طُولُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَشِبْرٌ فِي ذِرَاعَيْنِ.
ُرْدٌ طُولُهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَشِبْرٍ، وَإِزَارُهُ مِنْ نَسْجِ عُمَانَ طُولُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَشِبْرٌ فِي ذِرَاعَيْنِ. (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) أَيِ: السِّخْتِيَانِيُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) قِيلَ: اسْمُهُ عَامِرٌ وَهُوَ تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ، كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ، فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ وَهُوَ جَدُّ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ الْإِمَامِ فِي الْكَلَامِ، وَفِي أَصْلِ الْعِصَامِ عَنْ أَبِيهِ أَيْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ، قَالَ: وَفِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ لَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ وَبِذَلِكَ لَا يَصِيرُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا لِأَنَّ أَبَا بُرْدَةَ كَمَا أَنَّهُ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَصْلِنَا الْمُقَابَلِ بِأَصْلِ السَّيِّدِ مِيرَكْ شَاهْ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، مَعَ أَنَّ وُجُودَهُ لَوْ صَحَّ لَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا إِلَّا إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ أَيْضًا، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ رِوَايَتِهِ عَنْهَا لَا يَجْعَلُ الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا، كَمَا حُقِّقَ فِي الْأُصُولِ (قَالَ) أَيْ أَبُو بُرْدَةَ (أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ) أَيْ إِمَّا بِنَفْسِهَا أَوْ بِأَمْرِهَا (كِسَاءً) بِكَسْرِ الْكَافِ ثَوْبٌ مَعْرُوفٌ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا رِدَاءٌ (مُلَبَّدًا) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ مُرَقَّعًا، يُقَالُ: لَبَّدْتُ الثَّوْبَ إِذَا رَقَعْتَهُ وَقِيلَ: التَّلْبِيدُ جَعْلُ بَعْضِهِ مُلْتَزِقًا بِبَعْضٍ كَأَنَّهُ زَالَ وَطَاءَتُهُ وَلِينُهُ، لِتَرَاكُمِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ ; وَلِذَا قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَعْنَاهُ أَيْ مُرَقَّعًا صَارَ كَاللُّبْدِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْعِصَامُ،
وَلِينُهُ، لِتَرَاكُمِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ ; وَلِذَا قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَعْنَاهُ أَيْ مُرَقَّعًا صَارَ كَاللُّبْدِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْعِصَامُ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَبْعَدُ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ أَقْرَبُ، فَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: الْمُلَبَّدُ الْمُرَقَّعُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي ثَخُنَ وَسَطُهُ حَتَّى صَارَ كَاللُّبَدِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَالَ ثَعْلَبٌ: يُقَالُ لِلرُّقْعَةِ الَّتِي يُرَقَّعُ بِهَا الْقَمِيصُ لُبْدَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ الَّتِي يُضْرَبُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ حَتَّى يَتَرَاكَبَ وَيَجْتَمِعَ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّبَدِ هُنَا الَّذِي ثَخُنَ وَسَطُهُ، وَصُفِقَ لِكَوْنِهِ كِسَاءً، لَمْ يَكُنْ قَمِيصًا كَذَا
ذَكَرَهُ مِيرَكْ شَاهْ (وَإِزَارًا غَلِيظًا) أَيْ خَشِنًا (فَقَالَتْ) أَيْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ هَذَا اللُّبْسَ كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُوَسِّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِفَتْحِهِ وَنَصْرِهِ (قُبِضَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْقَابِضُ مَعْلُومٌ أَيْ أُخِذَ (رُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَيْنِ) أَيْ تَوَاضُعًا وَانْكِسَارًا وَعُبُودِيَّةً وَافْتِقَارًا، وَإِجَابَةً لِدُعَائِهِ مِرَارًا اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ «إِزَارًا غَلِيظًا» ، مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَكِسَاءً مِنْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَهُ الْمُلَبَّدَةَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُفِيدُ مَعْنًى ثَالِثًا لِـ «مُلَبَّدًا» ، وَهُوَ أَنَّهُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِكِسَاءٍ، وَأَنَّ التَّلْبِيدَ فِي أَصْلِ النَّسْجِ دُونَ التَّرْقِيعِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ يُبَيِّنُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ أَعْرَاضِهَا وَشَهَوَاتِهَا، حَيْثُ اخْتَارَ لُبْسَهُمَا، وَاجْتَزَأَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ أَدْنَى الْكِفَايَةِ بِهِمَا، انْتَهَى. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ أَنَّهُ ﷺ صَارَ غَنِيًّا فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَنِهَايَةِ أَمْرِهِ، نَعَمْ. ظَهَرَ لَهُ الْمُلْكُ وَالْغِنَى، وَلَكِنِ اخْتَارَ الْفَقْرَ وَالْفَنَاءَ ; لِيَكُونَ مُتَّبِعًا لِجُمْهُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمُتَّبِعًا لِخُلَاصَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ.
َلَكِنِ اخْتَارَ الْفَقْرَ وَالْفَنَاءَ ; لِيَكُونَ مُتَّبِعًا لِجُمْهُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمُتَّبِعًا لِخُلَاصَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ.
(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ) بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّتِي) اسْمُهَا رُهْمٌ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْهَاءِ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ خَالِدٍ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَقِيلَ: بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَنْظَلَةَ (تُحَدِّثُ عَنْ عَمِّهَا) أَيْ عَمِّ عَمَّةِ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، اسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْمُحَارِبِيُّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَأَمَّا مَا قَالَ الْعِصَامُ أَنَّ الْأَصَحَّ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ عَمِّ أَبِيهَا، أَيْ عَمِّ ابْنِ حَنْظَلَةَ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي أَصْلِنَا، وَلَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ أَصْلًا، نَعَمْ. ذَكَرَ مِيرَكْ شَاهْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كِتَابِ تَهْذِيبِ الْكَمَالِ عَنْ عَمِّ أَبِيهِ وَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ إِلَى الْأَشْعَثِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَمَّ عَمَّةِ الشَّخْصِ هُوَ عَمُّ أَبِيهِ (قَالَ بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي) أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِلْحَالِ الْمَاضِيَةِ (بِالْمَدِينَةِ) أَيْ فِي الْمَدِينَةِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بَيْنَا بِحَذْفِ الْمِيمِ، وَأَصْلُهُ بَيْنَ وَهُوَ الْوَسَطُ، وَقَدْ تُشْبَعُ فَتْحَتُهَا فَتَتَوَلَّدُ أَلِفًا، وَقَدْ تُزَادُ فِيهَا مِيمٌ، وَهُمَا مُضَافَانِ إِلَى مَا بَعْدَهُمَا، وَقِيلَ: مَا وَالْأَلِفُ عِوَضَانِ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ وَفِي الْمُغْرِبِ
دُ فِيهَا مِيمٌ، وَهُمَا مُضَافَانِ إِلَى مَا بَعْدَهُمَا، وَقِيلَ: مَا وَالْأَلِفُ عِوَضَانِ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ وَفِي الْمُغْرِبِ بَيْنَ مِنَ الظُّرُوفِ اللَّازِمَةِ، وَلَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَقَدْ يُحْذَفُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ، وَيُعَوَّضُ عَنْهُ مَا أَوِ الْأَلِفُ، وَفِي النِّهَايَةِ هُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ، وَيُضَافَانِ إِلَى الْجُمْلَةِ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ أَوْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ، وَيَحْتَاجَانِ إِلَى جَوَابٍ يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى، وَالْأَفْصَحُ فِي جَوَابِهِمَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ إِذْ، وَإِذَا. وَقَدْ جَلَا فِي الْجَوَابِ كَثِيرًا، يُقَالُ: بَيْنَا زَيْدٌ جَالِسٌ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو، وَإِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ (إِذَا) بِالْأَلِفِ لِلْمُفَاجَأَةِ (إِنْسَانٌ خَلْفِي) قَالَ
صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ الْعَامِلُ فِي إِذَا مَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ، تَقْدِيرُهُ وَقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ فَاجَئُوا وَقْتَ الِاسْتِبْشَارِ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَقْتَ مَشْيِي بِالْمَدِينَةِ، فَاجَأْتُ قَوْلَ إِنْسَانٍ خَلْفِي، فَحِينَئِذٍ بَيْنَمَا ظَرْفٌ لِهَذَا الْمُقَدَّرِ، وَإِذَا مَفْعُولٌ بِمَعْنَى الْوَقْتِ، فَلَا يَلْزَمُ تَقَدُّمُ مَعْمُولِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ، كَذَا حَقَّقَهُ الْحَنَفِيُّ (يَقُولُ) أَيْ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ بَلْ عَيْنُ الْأَعْيَانِ وَإِنْسَانُ الْعَيْنِ عَيْنُ الْإِنْسَانِ، حِينَ رَآنِي مُسْبِلًا إِزَارِي، وَغَافِلًا عَنْ حُسْنِ شِعَارِي، ثُمَّ قَوْلُهُ يَقُولُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْمَوْصُوفِ،
يْنِ عَيْنُ الْإِنْسَانِ، حِينَ رَآنِي مُسْبِلًا إِزَارِي، وَغَافِلًا عَنْ حُسْنِ شِعَارِي، ثُمَّ قَوْلُهُ يَقُولُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْمَوْصُوفِ، وَالْمَقُولُ قَوْلُهُ: (ارْفَعْ إِزَارَكَ) أَيْ عَنِ الْأَرْضِ (فَإِنَّهُ) أَيِ: الرَّفْعَ (أَتْقَى) مِنَ التَّقْوَى أَيْ أَقْرَبُ إِلَيْهَا وَأَدَلُّ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ غَالِبًا عَلَى انْتِفَاءِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَالتَّاءُ مُبْدَلَةٌ عَنِ الْوَاوِ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا مِنَ الْوِقَايَةِ، فَلَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ تَوَهَّمُوا أَنَّ التَّاءَ مِنْ أَصْلِ الْحُرُوفِ، فَقَالُوا: تَقَى يَتَّقِي مِثْلَ رَمَى يَرْمِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنْقَى بِالنُّونِ مِنَ النَّقَاءِ، أَيْ أَنْظَفُ مِنَ الْوَسَخِ (وَأَبْقَى) بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ أَكْثَرُ دَوَامًا لِلثَّوْبِ، فَعَلَّلَ النَّبِيُّ ﷺ أَمْرَهُ بِالْمَصْلَحَةِ الدِّينِيَّةِ، وَهِيَ طَهَارَةُ الْقَلْبِ أَوِ الْقَالَبِ أَوَّلًا ; لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ، وَثَانِيًا بِالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإِنَّهَا التَّابِعَةُ لِلْأُخْرَى، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمَصَالِحَ الْأُخْرَوِيَّةَ لَا تَخْلُو عَنِ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَأَنْقَى مِنَ الدَّنَسِ وَفِي نُسْخَةٍ أَبْقَى، أَيْ أَكْثَرُ بَقَاءً فَغَيْرُ مُوَافِقٍ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ؛ مَعَ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ الْمَعْنَوِيَّةَ تَقْتَضِيهَا بَلِ النَّقَاوَةُ هِيَ عَيْنُ التَّقْوَى أَوْ بَعْضُهَا فِي الْمَعْنَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اخْتِلَافَ النُّسَخِ فِي أَتْقَى لَا فِي أَبْقَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ بِتَعَدُّدِ النُّقْطَةِ الْفَوْقِيَّةِ، أَوْ بِوَحْدَتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَخِيرَ التَّصْحِيفُ ; لِأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ وَجْهُ الْمُعَوَّلِ (فَالْتَفَتُّ) كَذَا بِخَطِّ مِيرَكَ فِي الْهَامِشِ وَاقِعًا عَلَيْهِ عَلَامَةُ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ،
لِ، فَتَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ وَجْهُ الْمُعَوَّلِ (فَالْتَفَتُّ) كَذَا بِخَطِّ مِيرَكَ فِي الْهَامِشِ وَاقِعًا عَلَيْهِ عَلَامَةُ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، أَيْ نَظَرْتُ إِلَى وَرَائِي (فَإِذَا هُوَ) أَيِ الْإِنْسَانُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ فَاعْتَذَرْتُ عَنْ فِعْلِي (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ) أَيِ الْإِزَارُ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (بُرْدَةٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ كِسَاءٌ يَلْبَسُهُ الْأَعْرَابُ (مَلْحَاءُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ تَأْنِيثُ أَمْلَحَ، وَالْمُلْحَةُ بِالضَّمِّ بَيَاضٌ يُخَالِطُهُ سَوَادٌ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَقِيلَ: الْمَلْحَاءُ الَّتِي فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَيَاضٍ، وَقِيلَ: مَا فِيهِ الْبَيَاضُ أَغْلَبُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مُلْحَاءُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ فَهُوَ سَهْوُ قَلَمِهِ، وَكَأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَرَادَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ لَا خُيَلَاءَ فِيهَا، وَأَنَّ أَمْرَ بَقَائِهَا وَنَقَائِهَا سَهْلٌ لَا كُلْفَةَ مَعَهُمَا، فَأَجَابَهُ ﷺ بِطَلَبِ الْإِقْتِدَاءِ بِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى كَمَالِ الْحِكَمِ الشَّامِلَةِ لِعُمُومِ الْأُمَمِ بِسَبَبِهِ، وَحِينَئِذٍ (قَالَ أَمَا لَكَ) بِاسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ وَمَا نَافِيَةٌ (فِيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ أَلَيْسَ لَكَ فِي فِعْلِي الْمُحْتَوِي عَلَى قَوْلِي وَحَالِي (أُسْوَةٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ قُدْوَةٌ وَمُتَابَعَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ أَيْ فِي قَوْلِي فَلَا يُلَائِمُهُ، قَوْلُهُ: (
فَنَظَرْتُ) أَيْ إِلَى لُبَاسِهِ (فَإِذَا إِزَارُهُ) بِاعْتِبَارِ طَرَفَيْهِ (إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْكَامِلِ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ; لِيَكْمُلَ هَذَا، وَقَدْ أَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ، حَيْثُ قَالَ: كَانَ الصَّحَابِيُّ تَوَهَّمَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ارْفَعْ إِزَارَكَ، الْأَمْرَ بِالْقَطْعِ فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهَا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ لَا يُنَاسِبُ قَطْعُهَا، انْتَهَى. وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَمَّا لَفْظًا فَإِنَّ إِرَادَةَ الْقَطْعِ مِنَ الرَّفْعِ لَا تُتَصَوَّرُ مِنْ عَجَمِيٍّ فَكَيْفَ تَجُوزُ مِنْ صَحَابِيٍّ عَرَبِيٍّ، وَأَمَّا مَعْنًى، فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ اعْتِذَارُهُ اعْتِرَاضًا مَعَ أَنَّ الْبُرْدَةَ الْمَلْحَاءَ مِمَّا يَلْبَسُهُ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ قَوْلُ الْعِصَامِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: أَرَادَ إِنَّهَا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ وَالْعَادَةُ فِي الِاكْتِسَاءِ بِهَا هُوَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ أَرْفَعُهَا انْتَهَى. وَفَسَادُهُ لَا يَخْفَى ; وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلِبَعْضِهِمْ هُنَا تَخْلِيطٌ فَاجْتَنِبْهُ، ثُمَّ بِمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا انْدَفَعَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، مِنْ أَنَّ هَذَا الِاعْتِذَارَ إِنَّمَا يَتِمُّ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: أَتْقَى بِالْفَوْقِيَّةِ ; لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ وَالْأَحْرَى بِالِاعْتِنَاءِ بِهِ إِذِ اخْتِلَالُهُ لَهُ يَقْدَحُ نُقْصَانًا فِي الدِّينِ، وَهُوَ التَّكَبُّرُ وَالْخُيَلَاءُ، وَلَمْ يَعْتَذِرْ عَنِ الْأَخِيرَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِمَا أَسْهَلُ وَأَخَفُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.



