جمع الوسائل في شرح الشمائل

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الملا على القاري (w. 1014 H).

Bagian 16 dari 41 494 halaman

— Bagian 16 · لَا يَخْفَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمُنَاسَبَةُ ه… —

Bagian 16

لَا يَخْفَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا قَبْلَهُ لِلتَّرْجَمَةِ بَيَانُ أَنَّ اتِّكَاءَهُ ﷺ كَانَ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ، فَفِيهِ نَوْعُ بَيَانٍ لِتُكَأَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ.

(حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (ابْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) صَحَابِيَّانِ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ أَبْصَرْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ (مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَا يُتَوَسَّدُ بِهِ مِنَ الْمِخَدَّةِ (قَالَ أَبُو عِيسَى) يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ جَامِعُ هَذَا الْكِتَابِ (لَمْ يَذْكُرْ) أَيْ فِيهِ كَمَا فِي النُّسَخِ، يَعْنِي مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (وَكِيعٌ: «عَنْ يَسَارِهِ» ) أَيْ هَذَا اللَّفْظَ، أَوْ هَذَا الْقَيْدَ، قَالَ السَّيِّدُ أَصِيلُ الدِّينِ: مُرَادُهُ أَنَّ وَكِيعًا رَاوِي ذَلِكَ الْخَبَرِ أَخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ الِاتِّكَاءِ مِنْهُ ﷺ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الِاتِّكَاءِ، وَقَوْلُهُ: (هَكَذَا) أَيْ بِهَذَا الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْكَيْفِيَّةِ (رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ نَحْوَ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى) وَفِي نُسْخَةٍ ذَكَرَ (فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (عَلَى يَسَارِهِ إِلَّا مَا رَوَى إِسْحَاقُ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: إِلَّا إِسْحَاقَ (بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ) قَالَ السَّيِّدُ أَصِيلُ الدِّينِ: فَتَبَيَّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ رِوَايَةَ إِسْحَاقَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى شَرْحِ كَيْفِيَّةِ اتِّكَائِهِ ﷺ فِي الْغَرَائِبِ، فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَ مِيرَكُ: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، أَنَّ وَكِيعًا وَغَيْرَهُ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ إِسْرَائِيلَ لَمْ يَذْكُرُوا قَوْلَهُ: عَلَى يَسَارِهِ،

َ مِيرَكُ: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، أَنَّ وَكِيعًا وَغَيْرَهُ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ إِسْرَائِيلَ لَمْ يَذْكُرُوا قَوْلَهُ: عَلَى يَسَارِهِ، إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ الرَّاوِي عَنْ إِسْرَائِيلَ، كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، فَعُلِمَ أَنَّ إِسْحَاقَ تَفَرَّدَ بِزِيَادَةِ: «عَلَى يَسَارِهِ» ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْلَى إِيرَادُ هَذَا الطَّرِيقِ عُقَيْبَ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ.

(بَابُ مَا جَاءَ فِي اتِّكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ مِيرَكُ: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَيَانُ اتِّكَائِهِ ﷺ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَالَةَ الْمَشْيِ لِعَارِضِ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمُورَدَيْنِ فِيهَا، وَلَمْ يَفْهَمْ مُرَادَهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَزَعَمَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْبَابَ وَالَّذِي قَبْلَهُ بَابًا وَاحِدًا، انْتَهَى. وَأَرَادَ بِبَعْضِ النَّاسِ مُلَّا حَنَفِي. (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَنَسٍ) قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ لِبَاسِهِ ﷺ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنَّ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ شَاكِيًا) أَيْ مَرِيضًا مِنَ الشَّكْوَى، وَالشِّكَايَةُ بِمَعْنَى الْمَرَضِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ مِيرَكَ: أَيْ مَرِيضًا ذَا شِكَايَةٍ، فَغَيْرُ مَرْضِيٍّ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ قِيلَ: وَهَذَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ (فَخَرَجَ) أَيْ مِنَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ (يَتَوَكَّأُ) مِنَ التَّوَكُّؤِ بِمَعْنَى الِاتِّكَاءِ عَلَى الشَّيْءِ، أَيْ يَتَحَامَلُ وَيَعْتَمِدُ (عَلَى أُسَامَةَ) أَيِ ابْنِ زَيْدٍ،

شَّرِيفَةِ (يَتَوَكَّأُ) مِنَ التَّوَكُّؤِ بِمَعْنَى الِاتِّكَاءِ عَلَى الشَّيْءِ، أَيْ يَتَحَامَلُ وَيَعْتَمِدُ (عَلَى أُسَامَةَ) أَيِ ابْنِ زَيْدٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَعَلَيْهِ) أَيْ وَفَوْقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (ثَوْبٌ قِطْرِيٌّ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ، نَوْعٌ مِنَ الْبُرُدِ غَلِيظٌ (قَدْ تَوَشَّحَ بِهِ) أَيْ أَدْخَلَهُ تَحْتَ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ (فَصَلَّى بِهِمْ) أَيْ إِمَامًا بِأَصْحَابِهِ.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَفَّافُ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْأُولَى صَانِعُ الْخُفِّ أَوْ بَايِعُهُ، (الْحَلَبِيُّ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) بِمُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَقَافٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. (عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ) أَيِ الْفَضْلِ (دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ) بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا أَيْ مَاتَ (فِيهِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِصَابَةٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، أَيْ خِرْقَةٌ أَوْ عِمَامَةٌ كَمَا مَرَّ، لَكِنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ اشْدُدْ بِهَذِهِ الْعِصَابَةِ رَأْسِي، يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ بَلْ يُعَيِّنُهُ، قَالَ مِيرَكُ: الْعَصْبُ الشَّدُّ، وَمِنْهُ الْعِصَابَةُ لِمَا يُشَدُّ بِهِ (صَفْرَاءُ) قَالَ: الْحَنَفِيُّ لَعَلَّ صُفْرَتَهَا لَمْ تَكُنْ أَصْلِيَّةً، بَلْ كَانَتْ عَارِضَةً فِي أَيَّامِ مَرَضِهِ ; لِأَجْلِ الْعَرَقِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَوْسَاخِ، قَالَ مِيرَكُ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عِصَابَةٍ فِي سَمَاءٍ فِي بَابِ الْعِمَامَةِ، قُلْتُ: إِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى هَذَا، إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْعِصَابَةِ الْعِمَامَةَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْخِرْقَةِ، فَلَا إِشْكَالَ (فَسَلَّمْتُ) أَيْ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ (فَقَالَ) أَيْ لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ (يَا فَضْلُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ أُجِيبُ لَكَ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (قَالَ: اشْدُدْ بِهَذِهِ الْعِصَابَةِ رَأْسِي) هُوَ لَا يُنَافِي الْكَمَالَ فِي التَّوَكُّلِ ; لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّدَاوِي،

يَوْمِ الْقِيَامَةِ (قَالَ: اشْدُدْ بِهَذِهِ الْعِصَابَةِ رَأْسِي) هُوَ لَا يُنَافِي الْكَمَالَ فِي التَّوَكُّلِ ; لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّدَاوِي، وَإِظْهَارُ الِافْتِقَارِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالتَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ (قَالَ) أَيِ الْفَضْلُ (فَفَعَلْتُ) أَيْ مَا أَمَرَنِي بِهِ (ثُمَّ قَعَدَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَا كَانَ مُضْطَجِعًا (فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَى مَنْكِبِي) بِسُكُونِ الْيَاءِ أَيْ عِنْدَ قَصْدِ الْقُعُودِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِيَامِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقَالَ مِيرَكُ: قَوْلُهُ: فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَى مَنْكِبِي، أَيْ فَاتَّكَأَ عَلَيَّ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: فَوَضَعَ كَفَّهُ وَكَانَ مُتَّكِئًا (ثُمَّ قَامَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَاعْتِمَادُهُ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ يُسَمَّى اتِّكَاءً، إِذْ قَدْ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الشَّيْءِ (وَدَخَلَ فِي الْمَسْجِدِ)

وَفِي نُسْخَةٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الشَّائِعُ حَذْفُ فِي، وَتَعْدِيَةُ دَخَلَ بِنَفْسِهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَفِي الْحَدِيثِ) أَيْ وَفِي آخِرِهِ (قِصَّةٌ) أَيْ طَوِيلَةٌ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَسَتَأْتِي فِي بَابِ الْوَفَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

َةٍ (وَفِي الْحَدِيثِ) أَيْ وَفِي آخِرِهِ (قِصَّةٌ) أَيْ طَوِيلَةٌ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَسَتَأْتِي فِي بَابِ الْوَفَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَكْلِ رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: «أَكْلِ النَّبِيِّ» ﷺ الْأَكْلُ إِدْخَالُ غَيْرِ الْمَائِعِ مِنَ الْفَمِ إِلَى الْمَعِدَةِ، وَالشُّرْبُ إِدْخَالُ الْمَائِعِ مِنْهُ إِلَيْهَا. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَفِي نُسْخَةٍ: «سَعِيدِ» ، وَهُوَ سَهْوٌ قَالَهُ مِيرَكُ (بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) قَالَ مِيرَكُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالشَّكِّ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُمَا ثِقَتَانِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَيُقَالُ لِعَبْدِ اللَّهِ رُؤْيَةٌ وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، وَيُقَالُ: وُلِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ السَّلَمِيِّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمَدَنِيِّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ يَلْعَقُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ يَلْحَسُ (أَصَابِعَهُ) أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَا فِي الْأَثْنَاءِ.

خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ يَلْعَقُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ يَلْحَسُ (أَصَابِعَهُ) أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَا فِي الْأَثْنَاءِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُسَنُّ قَبْلَ الْمَسْحِ أَوِ الْغَسْلِ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْأَكْلِ لَعْقُهَا ; لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا، مُحَافَظَةً عَلَى الْبَرَكَةِ، وَتَنْظِيفًا لَهَا، لَا فِي أَثْنَاءِ الْأَكْلِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَقْذِيرَ الطَّعَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَلْعَقُ أَوْ يُلْعِقُ أَيْ يُلْعِقُهَا غَيْرَهُ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ مَنْ لَا يَتَقَذَّرُهُ، مِنْ نَحْوِ وَلَدٍ وَخَادِمٍ، وَزَوْجَةٍ يُحِبُّونَهُ وَيَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ بَرَكَةً، لِحَدِيثِ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامَهُ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ» ، أَيْ لَا يَعْلَمُ الْبَرَكَةَ فِي أَيِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَلَيْسَ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ، خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ وَقَدَّرَهُ بِمَا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ، وَالتَّقْدِيرُ فِي أَيِّ طَعَامِهِنَّ الْبَرَكَةُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَحَلَّ الْبَرَكَةِ الطَّعَامُ، لَا مُجَرَّدُ الْإِصْبَعِ، فَتَأَمَّلْ (ثَلَاثًا) قَالَ

الْحَنَفِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ ثَلَاثًا قَيْدُ اللَّعْقِ، أَيْ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ ثَلَاثَ لَعَقَاتٍ، بِأَنْ يَلْعَقَ كُلًّا مِنْ أَصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، مُبَالَغَةً فِي التَّنْظِيفِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ جَعْلَهُ لِلْأَصَابِعِ بَعِيدٌ، وَإِنْ كَانَ تُلَائِمُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ تَثْلِيثُ اللَّعْقِ فِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ، كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ، وَإِنَّ اللَّعْقَ ثَلَاثٌ لِكُلٍّ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثِ، كَمَا بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَتَانِ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ لِلْأُولَى عَنْ ظَاهِرِهَا انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ مِيرَكُ، مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ ثَلَاثًا مِنَ الْأَصَابِعِ، لِيُوَافِقَ رِوَايَةَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، وَمَنْ جَعَلَهُ قَيْدًا لِيَلْعَقَ، وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَاهُ يَلْعَقُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ أَصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ أَبْعَدَ الْمَرَامَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ التَّصْرِيحُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعِقَ أَصَابِعَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِلَعْقِ أَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الطُّرُقِ، فَيَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَيْهَا جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَالْمُجْمَلِ عَلَى الْمُبَيِّنِ، لَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الرَّاوِي، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ، كَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَيَلْعَقُهُنَّ. فَكَانَتْ رِوَايَتُهُ مُفَسِّرَةً لِرِوَايَتِهِ الْأُولَى.

َيَأْتِي مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ، كَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَيَلْعَقُهُنَّ. فَكَانَتْ رِوَايَتُهُ مُفَسِّرَةً لِرِوَايَتِهِ الْأُولَى. قُلْتُ: فِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ، كَمَا سَيَأْتِي بِهِ تَصْرِيحًا وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُتَكَبِّرَ يَأْكُلُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ، وَالْحَرِيصَ يَأْكُلُ بِالْخَمْسِ، وَيَدْفَعُ بِالرَّاحَةِ، وَأَشْرَفُ مَا يَكُونُ الْأَكْلُ بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ وَلَعْقِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ وَمَا لَعِقَهَا ثَلَاثًا، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعَارَفٍ، فَفِيهِ شَائِبَةٌ مِنَ الشَّرَهِ وَالْخِسَّةِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ مِيرَكَ مَا فِي الْأَصْلِ (قَالَ أَبُو عِيسَى) يَعْنِي الْمُصَنِّفَ (وَرَوَى غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ: كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ) أَيِ الْإِبْهَامَ وَالْمُسَبِّحَةَ وَالْوُسْطَى. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: صِفَةُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ وَلَفْظُهُ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ: الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا، الْوُسْطَى ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا ثُمَّ الْإِبْهَامَ، وَكَأَنَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الْوُسْطَى أَكْثَرُ تَلْوِيثًا ; لِأَنَّهَا أَطْوَلُ فَيَبْقَى مِنَ الطَّعَامِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا ; وَلِأَنَّهَا لِطُولِهَا أَوَّلُ مَا يَقَعُ فِي الطَّعَامِ، أَوْ لِأَنَّ الَّذِي يَلْعَقُ الْأَصَابِعَ يَكُونُ بَطْنُ كَفِّهِ إِلَى جِهَةِ وَجْهِهِ، فَإِذَا ابْتَدَأَ بِالْوُسْطَى انْتَقَلَ إِلَى السَّبَّابَةِ، إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ، ثُمَّ إِلَى الْإِبْهَامِ كَذَلِكَ.

فِّهِ إِلَى جِهَةِ وَجْهِهِ، فَإِذَا ابْتَدَأَ بِالْوُسْطَى انْتَقَلَ إِلَى السَّبَّابَةِ، إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ، ثُمَّ إِلَى الْإِبْهَامِ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: جَاءَتْ عِلَّةُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ، وَقَدْ يُعَلَّلُ بِأَنَّ مَسْحَهَا قَبْلَ لَعْقِهَا فِيهِ زِيَادَةُ تَلْوِيثٍ، لِمَا يَمْسَحُ بِهِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالرِّيقِ، لَكِنْ إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ انْتَهَى. وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ تَعْلِيلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَنْقُولٌ وَالْآخَرُ مَعْقُولٌ، ثُمَّ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ مَا أَصَابَهَا مِنْ أَذًى، وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَمْسَحَ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ» . وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يَرْفَعُ الصَّحْفَةَ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ بِلَفْظِ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ يُبَارَكُ لَهُ» . وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، ثُمَّ رَأَيْتُ

الْعَسْقَلَانِيَّ قَالَ: وَالْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تَمْنَعُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، فَقَدْ يَكُونُ لِلْحُكْمِ عِلَّتَانِ فَأَكْثَرُ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى وَاحِدَةٍ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ، وَقَدْ أَبْدَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عِلَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِقَلِيلِ الطَّعَامِ. قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَفَادَ هَذِهِ الْعِلَّةُ مِنَ التَّعْلِيلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْقَلِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ الْبَرَكَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ يُرِيدُ أَنْ لَا يُتَهَاوَنَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ احْتِمَالِ كَوْنِهَا مَحَلَّ الْبَرَكَةِ الْكَثِيرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ، أَنَّ لِلطَّعَامِ الَّذِي يَحْضُرُ الْإِنْسَانَ فِيهِ بَرَكَةٌ لَا يَدْرِي أَنَّ تِلْكَ الْبَرَكَةَ فِيمَا أَكَلَ، أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصَابِعِهِ، أَوْ فِيمَا بَقِيَ بِأَسْفَلِ الْقَصْعَةِ، أَوْ فِي اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ ; لِتَحْصِيلِ الْبَرَكَةِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ وَقَعَ لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ. إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ بِهَا مَا كَانَ مِنْ أَذًى، ثُمَّ لْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعَهَا لِلشَّيْطَانِ. وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثٍ حَسَنٍ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَسْلِتَ الْقَصْعَةَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: السَّلْتُ تَتَبُّعُ مَا يَبْقَى فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغْذِيَةُ، وَتَسْلَمُ عَاقِبَتُهُ مِنَ الْأَذَى، وَيَقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ لَعْقَ الْأَصَابِعِ اسْتِقْذَارًا.

ذِيَةُ، وَتَسْلَمُ عَاقِبَتُهُ مِنَ الْأَذَى، وَيَقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ لَعْقَ الْأَصَابِعِ اسْتِقْذَارًا. نَعَمْ. يَحْصُلُ ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَكْلِ ; لِأَنَّهُ يُعِيدُ أَصَابِعَهُ فِي الطَّعَامِ، وَعَلَيْهَا أَثَرُ رِيقِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: عَابَ قَوْمٌ أَفْسَدَ عَقْلَهُمُ التَّرَفُّهُ، أَنَّ لَعْقَ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبَحٌ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي عَلِقَ بِالْأَصَابِعِ أَوِ الصَّحْفَةِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ مَا أَكَلُوهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَائِرُ أَجْزَائِهِ مُسْتَقْذَرًا، لَمْ يَكُنِ الْجُزْءُ الْبَاقِي مِنْهُ مُسْتَقْذَرًا، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ مَصِّهِ أَصَابِعَهُ بِبَطْنِ شَفَتَيْهِ، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَقَدْ يَتَمَضْمَضُ الْإِنْسَانُ فَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فِي فِيهِ فَيُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ وَبَاطِنَ فِيهِ، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ ذَلِكَ قَذَارَةٌ، أَوْ سُوءُ أَدَبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنِ اسْتَقْذَرَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا مَعَ نِسْبَتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِلَّا خُشِيَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إِذْ مَنِ اسْتَقْذَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ ﷺ كَفَرَ، وَيُسَنُّ لَعْقُ الْإِنَاءِ لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَالْمُصَنِّفِ، وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ شَاهِينَ، وَالدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِمْ: «مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ لَحَسَهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ» . وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ: «مَنْ أَكَلَ مَا يَسْقُطُ مِنَ الْخِوَانِ أَوِ الْقَصْعَةِ أَمِنَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ، وَصُرِفَ عَنْ وَلَدِهِ الْحُمْقُ» .

ّيْخِ: «مَنْ أَكَلَ مَا يَسْقُطُ مِنَ الْخِوَانِ أَوِ الْقَصْعَةِ أَمِنَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ، وَصُرِفَ عَنْ وَلَدِهِ الْحُمْقُ» . وَلِلدَّيْلَمِيِّ: «مَنْ أَكَلَ مَا يَسْقُطُ مِنَ الْمَائِدَةِ خَرَجَ وَلَدُهُ صِبَاحَ الْوُجُوِهِ، وَنُفِيَ عَنْهُ الْفَقْرُ» ، وَأَوْرَدَهُ فِي الْإِحْيَاءِ بِلَفْظِ عَاشَ فِي سَعَةٍ، وَعُوفِيَ فِي وَلَدِهِ، وَالثَّلَاثَةُ مَنَاكِيرٌ، قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ، مَنْ لَعِقَ الصَّحْفَةَ، وَلَعِقَ أَصَابِعَهُ أَشْبَعَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ الْعِرْبَاضِ، وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ جَائِزٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْكَمَالِ.

(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنَ الْخَلِّ أَوِ الْخِلَالِ (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) بِلَا صَرْفٍ، وَقَدْ يُصْرَفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِعْلَانُ مِنَ الْعِفَّةِ، أَوْ فَعَّالٌ مِنَ الْعُفُونَةِ (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ) بِكَسْرِ عَيْنِهِ أَيْ لَحِسَ (أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ.

(حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ) بِالْيَاءِ فِي أَوَّلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: «زَيْدٍ» ، وَهُوَ سَهْوٌ (الصُّدَائِيُّ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إِلَى صُدَاءٍ مَمْدُودَةٌ قَبِيلَةٌ (الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ يَعْنِي الْحَضْرَمِيَّ) وَهُوَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْعَشَرَةِ (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، وَفَسَّرَ الْأَكْثَرُونَ،

الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ; لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْآكِلِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مَجْرَى الطَّعَامِ الطَّبِيعِيِّ عَنْ هَيْئَتِهِ، وَيَعُوقُهُ عَنْ سُرْعَةِ نُفُوذِهِ إِلَى الْمَعِدَةِ، وَيَضْغَطُ الْمَعِدَةَ فَلَا يَسْتَحْكِمُ فَتْحُهَا لِلْغِذَاءِ. وَنُقِلَ فِي الشِّفَاءِ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهُ بِالتَّمَكُّنِ لِلْأَكْلِ، وَالْقُعُودِ فِي الْجُلُوسِ، كَالْمُتَرَبِّعِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى وَطَاءٍ تَحْتَهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ تَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْأَكْلِ، وَتَقْتَضِي الْكِبْرَ. وَوَرَدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ زَجْرُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ النَّخَعِيِّ، كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مُتَّكِئِينَ، مَخَافَةَ أَنْ يُعَظِّمَ بُطُونَهُمْ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلْأَكْلِ مُتَوَرِّكًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَضَعُ بَطْنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى تَوَاضُعًا لِلَّهِ ﷿ وَأَدَبًا بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَهَذِهِ الْهَيْئَةُ أَنْفَعُ هَيْئَاتِ الْأَكْلِ وَأَفْضَلُهَا ; لِأَنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَكُونُ عَلَى وَضْعِهَا الطَّبِيعِيِّ الَّذِي خَلَقَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاتِّكَاءِ زِيَادَةُ التَّحْقِيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ رَفْعُهُ (نَحْوَهُ) أَيْ مِثْلَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ مَعْنًى مَعَ اخْتِلَافِهِ لَفْظًا هَذَا، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ أَوَّلَ الْبَابِ أَوْ آخِرَهُ، لِئَلَّا يَقَعَ فَصْلٌ بِالْأَجْنَبِيِّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْأَكْلِ بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ وَلَعْقِهِنَّ.

ْنَادِهِ أَوَّلَ الْبَابِ أَوْ آخِرَهُ، لِئَلَّا يَقَعَ فَصْلٌ بِالْأَجْنَبِيِّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْأَكْلِ بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ وَلَعْقِهِنَّ.

(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ) بِسُكُونِ الْمِيمِ (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بِسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ (بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنِ ابْنٍ) بِالتَّنْوِينِ لِلتَّنْكِيرِ (لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ كَعْبٍ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَيَلْعَقُهُنَّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ يَلْحَسُهُنَّ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَلَا يَضُمُّ إِلَيْهَا الرَّابِعَةَ وَالْخَامِسَةَ، إِلَّا لِضَرُورَةٍ، فَقَدْ قِيلَ: أَنَّهُ ﷺ، رُبَّمَا يَسْتَعِينُ فِي الْأَكْلِ بِرَابِعِ أَصَابِعِهِ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ بِإِصْبَعَيْنِ، وَقَالَ: الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ بِهِمَا. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ أَكَلَ بِخَمْسٍ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْقَلِيلِ النَّادِرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ عَلَى الْمَائِعِ، فَإِنَّ عَادَتَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ هُوَ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَلَعْقُهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ، قِيلَ: وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ ﷺ عَلَى الثَّلَاثِ ; لِأَنَّهُ الْأَنْفَعُ إِذِ الْأَكْلُ بِإِصْبَعٍ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ لَا يَسْتَلِذُّ بِهِ الْآكِلُ، وَلَا يَسْتَمْرِي بِهِ لِضَعْفِ مَا يَنَالُهُ مِنْهُ كُلَّ مَرَّةٍ، فَهُوَ كَمَنْ أَخَذَ حَقَّهُ حَبَّةً حَبَّةً، وَبِالْإِصْبَعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ، لَيْسَ فِيهِ اسْتِلْذَاذٌ كَامِلٌ مَعَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ الْفَرْدِيَّةَ، وَاللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وَبِالْخَمْسِ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الْحَرِيصِينَ وَالْمُنْتَجِعِينَ يُوجِبُ ازْدِحَامَ الطَّعَامِ عَلَى مَجْرَاهُ، مِنَ الْمَعِدَةِ، فَرُبَّمَا انْسَدَّ مَجْرَاهُ، فَأَوْجَبَ الْمَوْتَ فَوْرًا وَفَجْأَةً.

نْتَجِعِينَ يُوجِبُ ازْدِحَامَ الطَّعَامِ عَلَى مَجْرَاهُ، مِنَ الْمَعِدَةِ، فَرُبَّمَا انْسَدَّ مَجْرَاهُ، فَأَوْجَبَ الْمَوْتَ فَوْرًا وَفَجْأَةً.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ (حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سُلَيْمٍ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ جِيءَ (بِتَمْرٍ فَرَأَيْتُهُ يَأْكُلُ) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (وَهُوَ مُقْعٍ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِقْعَاءِ، أَيْ جَالِسٌ عَلَى وَرِكَيْهِ، وَهُوَ

الِاحْتِبَاءُ الَّذِي هُوَ جِلْسَةُ الْأَنْبِيَاءِ، (مِنَ الْجُوعِ) أَيْ لِأَجْلِهِ يَعْنِي أَنَّ إِقْعَاءَهُ كَانَ لِأَجْلِ جُوعِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَأْكُلُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْإِقْعَاءُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يُلْصِقَ الرَّجُلُ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ، وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَتَسَانِدَ ظَهْرَهُ، قَالَ: وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْإِقْعَاءُ الْمَنْهِيُّ لِلصَّلَاةِ هُوَ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِي النِّهَايَةِ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ مُقْعِيًا، أَيْ كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَ الْأَكْلِ عَلَى وَرِكَيْهِ مُسْتَوْفِزًا غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وَتَبِعَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ جَالِسًا عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، وَالِاسْتِيفَازُ الِاسْتِعْجَالُ مِنَ اسْتَفَزَّهُ، إِذَا حَرَّكَهُ وَأَزْعَجَهُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِفْعَالِ. وَأَمَّا قَوْلُ مِيرَكَ: افْتِعَالٌ فَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ مِنَ الِاسْتِعْجَالِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَكَرِهَ الْإِقْعَاءَ: الْأَظْهَرُ فِي تَفْسِيرِ الْإِقْعَاءِ أَنَّهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْوَرِكَيْنِ وَنَصْبُ الْفَخِذَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْكَلْبَ هَكَذَا يُقْعِي، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَزَادَ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ، وَهُوَ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ رِجْلَيْهِ وَيَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَثَالِثٍ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ وَيَقْعُدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ.

ثَانٍ، وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ رِجْلَيْهِ وَيَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَثَالِثٍ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ وَيَقْعُدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَغَلَطٌ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْإِقْعَاءَ سُنَّةُ نَبِيِّنَا، وَفَسَّرَ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا قَالَ: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، فَالْإِقْعَاءُ ضَرْبَانِ مَكْرُوهٌ، وَغَيْرُ مَكْرُوهٍ انْتَهَى. وَمَحَلُّهُ بَابُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ جَالِسٌ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبٌ سَاقَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِقْعَاءُ الْمَكْرُوهُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ هُنَا ; لِأَنَّ ثَمَّةَ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْكِلَابِ، وَهُنَا تَشَبُّهٌ بِالْأَرِقَّاءِ فَفِيهِ غَايَةُ التَّوَاضُعِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ، وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ هَيْئَتَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ، غَيْرُ مُتَكَلِّفٍ وَلَا مُعْتَنٍ بِشَأْنِ الْأَكْلِ، وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ الْإِقْعَاءُ لَهُ مَعَانٍ فَيُحْمَلُ إِقْعَاؤُهُ ﷺ عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْ جُلُوسِهِ عِنْدَ أَكْلِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ الِاحْتِبَاءُ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وَفِي الْقَامُوسِ أَقْعَى فِي جُلُوسِهِ، أَيْ تَسَانَدَ إِلَى مَا وَرَائَهُ، وَحِينَئِذٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَنَقَلَ الْجَوْهَرِيُّ عَنِ اللُّغَوِيِّينَ بِالْجَمْعِ، بَيْنَ هَيْئَةِ الِاحْتِبَاءِ، وَالتَّسَانُدِ إِلَى الْوَرَاءِ، فَمَعْنَى مُقْعٍ مِنَ الْجُوعِ مُحْتَبِيًا، مُسْتَنِدًا لِمَا وَرَائَهُ مِنَ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ بِسَبَبِ الْجُوعِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ، تَحَرَّرَ أَنَّ الِاسْتِنَادَ لَيْسَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الْأَكْلِ، بَلْ هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ إِلَّا لِذَلِكَ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ، الْحَامِلِ عَلَيْهِ.

نْ مَنْدُوبَاتِ الْأَكْلِ، بَلْ هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ إِلَّا لِذَلِكَ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ، الْحَامِلِ عَلَيْهِ.

(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خُبْزِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَزَعَمَ أَنَّ فِي التَّرْجَمَةِ حَذْفًا، أَيْ خُبْزِ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُطَابِقَ الْحَدِيثَ - بَاطِلٌ عَلَى أَنَّا وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ ﷺ دَاخِلًا فِيهِمْ، فَالتَّرْجَمَةُ لَا حَذْفَ فِيهَا ; لِأَنَّ مَا يَأْكُلُهُ عِيَالُهُ يُسَمَّى خُبْزَهُ، وَيَكُونُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) أَيِ ابْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ أَبُو بَكْرٍ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ الثَّالِثَةِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّقْرِيبِ (يُحَدِّثُ عَنِ الِأَسْوَدِ) هُوَ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْهُ (بْنِ يَزِيدَ) أَيِ ابْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ أَبُو عُمَرَ أَوْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ، مُكْثِرٌ فَقِيهٌ مِنَ الثَّانِيَةِ، عَلَى مَا فِي التَّقْرِيبِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ) أَيْ أَهْلُ بَيْتِهِ ﷺ يَعْنِي عِيَالَهُ الَّذِينَ كَانُوا فِي مُؤْنَتِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، قَالَ مِيرَكُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَفْظَ الْآلِ مُقْحَمٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ; لِإِسْنَادِهِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَبَيْنَ التَّرْجَمَةِ أَيْضًا (مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ) وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا التَّقْيِيدُ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، لَكِنْ فِيهَا: «مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ» ، فَلَا تَنَافِيَ،

َ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا التَّقْيِيدُ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، لَكِنْ فِيهَا: «مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ» ، فَلَا تَنَافِيَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ الْأَيَّامُ بِلَيَالِيهَا، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّيَالِي

هُنَاكَ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا، وَنَظِيرُهُ فِي التَّنْزِيلِ: ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، (مُتَتَابِعِينَ) وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَشْبَعُ يَوْمَيْنِ، لَكِنْ غَيْرَ مُتَوَالِيَيْنِ (حَتَّى قُبِضَ) أَيْ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَمَاتَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِمْرَارِ تِلْكَ الْحَالَةِ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ بِمَا فِيهَا مِنْ أَيَّامِ الْأَسْفَارِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْغَزْوِ، فَإِنَّ عَائِشَةَ تَشَرَّفَتْ بِمُلَازَمَتِهِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ صَرَّحَتِ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ عَنْهَا بِلَفْظِ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَوْلُهَا: الْمَدِينَةَ، يُخْرِجُ مَا كَانُوا فِيهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَقَوْلُهَا: مِنْ طَعَامِ بُرٍّ، يُخْرِجُ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ. وَقَوْلُهَا: تِبَاعًا، يُخْرِجُ التَّفَارِيقَ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ: «مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا وَإِحْدَاهُمَا تَمْرٌ» . قَالَ الشَّيْخُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّمْرَ كَانَ أَيْسَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ رُبَّمَا لَمْ يَجِدُوا فِي الْيَوْمِ إِلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ وَجَدُوا أَكْلَتَيْنِ، فَإِحْدَاهُمَا تَمْرٌ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظِ، مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ، إِلَّا وَإِحْدَاهُمَا تَمْرٌ.

عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظِ، مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ، إِلَّا وَإِحْدَاهُمَا تَمْرٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: «خَرَجَ - تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَمْلَأْ بَطْنَهُ فِي يَوْمٍ مِنْ طَعَامَيْنِ، كَانَ إِذَا شَبِعَ مِنَ التَّمْرِ، لَمْ يَشْبَعْ مِنَ الشَّعِيرِ، وَإِذَا شَبِعَ مِنَ الشَّعِيرِ، لَمْ يَشْبَعْ مِنَ التَّمْرِ» . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَدْ يُنَافِيهِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدَّخِرُ قُوتَ عِيَالِهِ سَنَةً. وَيُجَابُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَوَاخِرَ حَيَاتِهِ، لَكِنْ تَعْرِضُ عَلَيْهِ حَوَائِجُ الْمُحْتَاجِينَ، فَيُخْرِجُهُ فِيهَا، فَصَدَقَ عَلَيْهِ، أَنَّهُ ادَّخَرَ قُوتَ سَنَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَشْبَعُوا كَمَا ذُكِرَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مَا ادَّخَرَ لَهُمْ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ تَضْيِيقَ الْحَالِ إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ تَعُمُّ الْأَحْوَالَ، فَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَدَّخِرُ قُوتَهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الشِّبَعِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ فَمَا كَانُوا يَشْبَعُونَ مَعَهُ ﷺ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، مَعَ أَنَّهُ لَا تَصْرِيحَ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَشْبَعُونَ مِنَ الْقِلَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَادَتُهُمْ عَدَمَ الشِّبَعِ، نَعَمْ. مَا كَانُوا يَجِدُونَ مِنْ لَذِيذِ الْأَطْعِمَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الشِّبَعِ غَالِبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرَ شَعِيرٍ فِي زِقٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ.

ﷺ، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرَ شَعِيرٍ فِي زِقٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ.

(حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَفَتْحِ كَافٍ، وَفِي نُسْخَةٍ أَبِي بَكْرَةَ (حَدَّثَنَا حَرِيزُ) بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَكَسْرِ رَاءٍ، وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَزَايٍ (بْنُ عُثْمَانَ عَنْ سُلَيْمِ) بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْبَاهِلِيُّ (يَقُولُ: مَا كَانَ يَفْضُلُ) بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَزِيدُ (عَنْ) وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى (أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزُ الشَّعِيرِ) كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ شِبَعِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمَعْنَى لَمْ يَكْثُرْ مَا يَجِدُونَهُ، وَلَا يَخْبِزُونَهُ مِنَ الشَّعِيرِ عِنْدَهُمْ، حَتَّى يَفْضُلَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، بَلْ كَانُوا مَا يَجِدُونَهُ لَا يُشْبِعُهُمْ فِي الْأَكْثَرِ. قَالَ مِيرَكُ: أَيْ كَانَ لَا يَبْقَى فِي سُفْرَتِهِمْ فَاضِلًا عَنْ مَأْكُولِهِمْ. وَعَنِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَفَعَ عَنْ مَائِدَتِهِ كِسْرَةَ خُبْزٍ فَضْلًا حَتَّى قُبِضَ. قَالَ: وَلَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ، أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَشْبَعُونَ مِنْ ذَلِكَ الْخُبْزِ، بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. قُلْتُ: لَمَّا كَانَ مُحْتَمَلًا فَحَمَلْنَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْحَالُ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ،

فَتَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ الْأَجْمَلُ.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ) بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ مِيمٍ، (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا أَيْ يَسْتَمِرُّ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي عَلَى نَعْتِ التَّوَالِي (طَاوِيًا) أَيْ خَالِيَ الْبَطْنِ جَائِعًا، قَالَ مِيرَكُ: الطَّوَى الْجُوعُ، طَوِيَ بِالْكَسْرِ يَطْوِي، طَوَى إِذَا جَاعَ فَهُوَ طَاوٍ وَطَيَّانٌ أَيْ: جَائِعٌ، وَطَوَى بِالْفَتْحِ يَطْوِي طَيًّا إِذَا جَوَّعَ نَفْسَهُ قَصْدًا، يُقَالُ: فُلَانٌ يَطْوِي لَيَالِيَ وَأَيَّامًا (هُوَ وَأَهْلُهُ) أَيْ عِيَالُهُ، وَيُكْنَى عَنِ الزَّوْجَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَارَ بِأَهْلِهِ وَتَأَهَّلَ: تَزَوَّجَ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ: سُكَّانُهُ، كَمَا فِي الْمُغْرِبِ (لَا يَجِدُونَ) أَيْ لَا يَجِدُ الرَّسُولُ وَأَهْلُهُ (عَشَاءً) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ عِنْدَ الْعِشَاءِ بِالْكَسْرِ، وَالْمَعْنَى لَا يَجِدُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي اللَّيْلِ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ (وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ) .

ْمَعْنَى لَا يَجِدُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي اللَّيْلِ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ (وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ) .

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ (بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (قِيلَ لَهُ) أَيْ لِسَهْلٍ (أَكَلَ) قَالَ مِيرَكُ: هُوَ اسْتِفْهَامٌ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ انْتَهَى. وَفِي نُسْخَةٍ أَكَلَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّقِيَّ) بِفَتْحِ نُونٍ وَكَسْرِ قَافٍ، وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ: الدَّرْمَكَةُ، وَهُوَ الْخُبْزُ النَّقِيُّ عَنِ النُّخَالَةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: مَيْدَهْ (يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ سُهِّلَ بِالنَّقْيِ (الْحُوَّارَى) تَفْسِيرٌ لِلنَّقِيِّ أَدْرَجَهُ الرَّاوِي فِي الْخُبْزِ، وَالْحُوَّارَى بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وَزَعْمُ تَشْدِيدِ الْيَاءِ خَطَأٌ، الَّذِي نُخِلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، مِنَ التَّحْوِيرِ وَهُوَ التَّبْيِيضُ (فَقَالَ سَهْلٌ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّقِيَّ) أَيْ مَا رَآهُ فَضْلًا عَنْ أَكْلِهِ، فَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى (حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ﷿ كِنَايَةً عَنْ مَوْتِهِ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ رُوحِهِ تَأَهَّلَ لِلِقَاءِ رَبِّهِ وَرُؤْيَتِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْغَايَةِ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ

َبِّهِ وَرُؤْيَتِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْغَايَةِ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ

مِنْ نَفْيِ رُؤْيَتِهِ عَدَمُ وُجُودِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ لِسَهْلٍ (هَلْ كَانَتْ لَكُمْ) لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ قُطَّانُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ (مَنَاخِلُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، جَمْعُ مُنْخُلٍ بِضَمَّتَيْنِ آلَةُ النَّخْلِ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، وَفَتْحُ الْخَاءِ لُغَةٌ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ فِي زَمَانِهِ (قَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ) فِيهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْجَمْعِ نَفْيُ الْمُفْرَدِ، وَالْمُرَادُ مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ فِي عَهْدِهِ ; لِيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ، وَلِيُوَافِقَ مَا فِي الْوَاقِعِ، إِذْ بَعْدَهُ ﷺ كَانَتْ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مَنَاخِلُ، مِمَّنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى حَالِهِ ; وَلِذَا قِيلَ: الْمُنْخُلُ أَوَّلُ بِدْعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ.

عْدَهُ ﷺ كَانَتْ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مَنَاخِلُ، مِمَّنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى حَالِهِ ; وَلِذَا قِيلَ: الْمُنْخُلُ أَوَّلُ بِدْعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ، إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ (فَقِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ) أَيْ بِدَقِيقِهِ مَعَ كَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ النُّخَالَةِ (قَالَ: كُنَّا نَنْفُخُهُ) بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ نُطَيِّرُهُ إِلَى الْهَوَاءِ بِالْيَدِ، أَوْ بِغَيْرِهَا (فَيَطِيرُ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الشَّعِيرِ مَا طَارَ، مِمَّا فِيهِ خِفَّةٌ كَالتِّبْنِ، وَيَبْقَى مَا فِيهِ رَزَانَةٌ كَالدَّقِيقِ (ثُمَّ نَعْجِنُهُ) بِفَتْحِ النُّونِ فَكَسْرِ الْجِيمِ. وَفِي هَذَا بَيَانُ تَرْكِهِ ﷺ التَّكَلُّفَ وَالِاهْتِمَامَ بِشَأْنِ الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَنِي بِهِ إِلَّا أَهْلُ الْحَمَاقَةِ وَالْغَفْلَةِ وَالْبِطَالَةِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَهْلٍ نَحْوَ رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَرُوِيَ عَنْ سَهْلٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْخُلًا مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ.

الَ مِيرَكُ: وَرُوِيَ عَنْ سَهْلٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْخُلًا مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَظُنُّ أَنَّ سَهْلًا احْتَرَزَ عَمَّا كَانَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ ; لِأَنَّهُ ﷺ تَوَجَّهَ فِي أَيَّامِ الْفَتْرَةِ مَرَّتَيْنِ إِلَى جَانِبِ الشَّامِ، تَاجِرًا وَوَصَلَ إِلَى بُصْرَى وَحَضَرَ فِي ضِيَافَةِ بَحِيرَا الرَّاهِبِ، وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ مَعَ الرُّومِ، وَالْخُبْزُ النَّقِيُّ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ رَأَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا بَعْدَ ظُهُورِ النُّبُوَّةِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْمَدِينَةِ، وَقَدِ اشْتَهَرَ أَنَّ سَبِيلَ الْعَيْشِ صَارَ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ، وَعَلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، اضْطِرَارًا وَاخْتِيَارًا. وَلَوْ قِيلَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَجَّهَ فِي أَوَاخِرِ سِنِيِّ الْهِجْرَةِ إِلَى غَزْوِ بَنِي الْأَصْفَرِ، وَوَصَلَ إِلَى تَبُوكَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ الشَّامِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَأَى النَّقِيَّ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ أَيْضًا. أُجِيبَ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْتَحْ تِلْكَ الْكُورَةَ، وَلَا طَالَتْ إِقَامَتُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَنْقُلْ أَرْبَابُ السِّيَرِ أَنَّ قَافِلَةَ الشَّامِ جَاءَتْ إِلَى تَبُوكَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ ﷺ نَازِلًا فِيهَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ نَفْيَ سَهْلٍ رُؤْيَتَهُ ﷺ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَمَلِهِ، لَا إِلَى مَا فِي الْوَاقِعِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ وَارِدٌ أَصْلًا، وَرَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: «قُوتُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» ، وَحَكَى الْبَزَّارُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَصَاحِبِ النِّهَايَةِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُ تَصْغِيرُ الْأَرْغِفَةِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الدَّيْلَمِيِّ: «صَغِّرُوا الْخُبْزَ وَأَكْثِرُوا عَدَدَهُ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» .

يِّ، أَنَّهُ تَصْغِيرُ الْأَرْغِفَةِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الدَّيْلَمِيِّ: «صَغِّرُوا الْخُبْزَ وَأَكْثِرُوا عَدَدَهُ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» . فَإِنَّهُ وَاهٍ وَمِنْ ثَمَّةَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَمِنْ خَبَرِ: «الْبَرَكَةُ فِي صِغَرِ الْقُرْصِ» فَإِنَّهُ كَذِبٌ. كَمَا نُقِلَ عَنِ النَّسَائِيِّ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي) قَالَ مِيرَكُ: هُوَ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ (عَنْ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْفُرَاتِ عُبَيْدٌ الْبَصْرِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْإِسْكَافِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي (عَنْ قَتَادَةَ) اعْلَمُ أَنَّ رِوَايَةَ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ مِنْ قَبِيلِ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِشَامٌ مِنَ الْمُكْثِرِينَ عَنْ قَتَادَةَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ، وَسَمِعَهُ

مِنْ يُونُسَ عَنْهُ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَا أَكَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَلَى خِوَانٍ) الْمَشْهُورُ فِيهِ كَسْرُ الْمُعْجَمَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، وَهُوَ الْمَائِدَةُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا طَعَامٌ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ إِخْوَانٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَعَلَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ الْإِخْوَانِ وَالْأَصْحَابِ عِنْدَهَا، وَحَوْلَهَا وَقِيلَ: سُمِّيَ خِوَانًا ; لِأَنَّهُ يُتَخَوَّنُ مَا عَلَيْهِ أَيْ يُنْتَقَصُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْخِوَانُ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُطْلَقُ الْخِوَانُ فِي الْمُتَعَارَفِ عَلَى مَا لَهُ أَرْجُلٌ، وَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ وَاسْتِعْمَالُهُ لَمْ يَزَلْ مِنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ، وَصَنِيعِ الْجَبَّارِينَ لِئَلَّا يَفْتَقِرُوا إِلَى خَفْضِ الرَّأْسِ عِنْدَ الْأَكْلِ، فَالْأَكْلُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ، لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ (وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَقَدْ تُفْتَحُ الرَّاءُ، إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُؤْكَلُ فِيهِ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ مِنَ الْإِدَامِ، وَهِيَ فَارِسِيَّةُ وَأَكْثَرُ مَا يُوضَعُ فِيهَا الْكَوَامِيخُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَشْتَهِي وَيَهْضِمُ، وَقِيلَ: الصَّوَابُ فَتْحُ رَائِهِ ; لِأَنَّهُ مُعَرَّبٌ عَنْ مَفْتُوحِهَا، قَالَ مِيرَكُ: جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الرَّاءَ فِي سُكُرُّجَةٍ مَضْمُومَةٌ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ مَكِّيٍّ أَنَّهُ صَوَّبَ فَتْحَ الرَّاءِ، وَالْعَرَبُ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي الْكَوَامِيخِ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْجُوَارِشَاتِ، وَالْمُخَلَّلَاتِ عَلَى الْمَوَائِدِ، حَوْلَ الْأَطْعِمَةِ لِلتَّشَهِّي وَالْهَضْمِ، قِيلَ: لَمْ يَأْكُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ السُّكُرُّجَةِ ; لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْهَا مُعْتَادُ أَهْلِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْبُخْلِ،

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ السُّكُرُّجَةِ ; لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْهَا مُعْتَادُ أَهْلِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْبُخْلِ، انْتَهَى. وَالْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ مِنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ وَعَادَةِ الْحَرِيصِينَ عَلَى الْأَكْلِ الْمُفْرِطِينَ (وَلَا خُبِزَ) مَاضٍ مَجْهُولٍ (لَهُ) أَيْ لِأَجْلِهِ ﷺ (مُرَقَّقٌ) مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مُرَقَّقًا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، فَالْجَارُّ هُوَ النَّائِبُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُلَيَّنٌ مُحَسَّنٌ، كَخُبْزِ الْحُوَّارَى وَشَبَهِهِ، وَقِيلَ: الْخُبْزُ الْمُرَقَّقُ هُوَ الرَّغِيفُ الْوَاسِعُ الرَّقِيقُ، وَيُقَالُ لَهُ الرُّقَاقُ، بِالضَّمِّ كَطَوِيلٍ وَطُوَالٍ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، هُوَ الْخَفِيفُ، وَقِيلَ: هُوَ السَّمِيدُ، وَمَا يُصْنَعُ مِنْهُ الْكَعْكُ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ غَرِيبٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرْقِيقَ الْخُبْزِ دَأْبُ أَرْبَابِ التَّكَلُّفِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ بَرِيئًا مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّنَعُّمِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَلَا بَعْدَهَا، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُهُ إِذَا خُبِزَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْآتِي آخِرَ الْبَابِ

الْبَعْثَةِ، وَلَا بَعْدَهَا، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُهُ إِذَا خُبِزَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْآتِي آخِرَ الْبَابِ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهُ مُطْلَقًا، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ، مَا أَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَشَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَالسَّمِيطُ مَا أُزِيلَ شَعْرُهُ، بِمَاءٍ سُخْنٍ وَشُوِيَ بِجِلْدِهِ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِصَغِيرِ السِّنِّ، كَالسَّخْلَةِ وَهِيَ مِنْ فِعْلِ الْمُتْرَفِينَ، وَفِي مَعْنَاهَا الدَّجَاجَةُ، لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ أَكَلَ الدَّجَاجَةَ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَلَعَلَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ السَّمِيطَ فِي مَأْكُولِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ غَيْرَ مَعْهُودٍ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَمَدُّحٌ، انْتَهَى. وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلتَّقْيِيدِ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ ذَهَبَ إِلَى الشَّامِ، وَفِيهِ الْمُرَقَّقُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَكَلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ (قَالَ) أَيْ يُونُسُ (فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ

فَعَلَى مَا) كَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الشَّمَائِلِ بِإِشْبَاعِ فَتْحَةِ الْمِيمِ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَعِنْدَ أَكْثَرِهِمْ فَعَلَى مَ بِمِيمٍ مُفْرَدَةٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَاعْلَمْ أَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ حُذِفَ الْأَلِفُ ; لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، لَكِنْ قَدْ تُرَدُّ فِي الِاسْتِعْمَالَاتِ الْقَلِيلَةِ عَلَى الْأَصْلِ، نَحْوَ قَوْلِ حَسَّانَ: عَلَى مَا قَالَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا اتَّصَلَ الْجَارُّ بِمَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْمَحْذُوفَةِ الْأَلْفِ نَحْوَ: حَتَّامَ، وَإِلَامَ وَعَلَامَ، كُتِبَ مَعَهَا بِالْأَلِفَاتِ لِشِدَّةِ الِاتِّصَالِ بِالْحُرُوفِ، هَذَا وَالْمَعْنَى فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ (كَانُوا يَأْكُلُونَ) إِنْ جُعِلَتِ الْوَاوُ لِلتَّعْظِيمِ، كَمَا فِي رَبِّ ارْجِعُونِ، أَوْ لَهُ ﷺ، وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ فَظَاهِرٌ أَوْ لِلصَّحَابَةِ، فَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّهُمْ يَتَأَسَّوْنَ بِأَحْوَالِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَكَانَ السُّؤَالُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ فِي مَالِهِ، كَالسُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ ﷺ وَآلِهِ، (قَالَ) أَيْ قَتَادَةُ مَوْقُوفًا (عَلَى هَذِهِ السُّفَرِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ سُفْرَةٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ فِي الْأَصْلِ طَعَامٌ يَتَّخِذُهُ الْمُسَافِرُ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ فِي جِلْدٍ مُسْتَدِيرٍ، فَنُقِلَ اسْمُهُ إِلَى ذَلِكَ الْجِلْدِ، وَسُمِّي كَمَا سُمِّيَتِ الْمَزَادَةُ رَاوِيَةً، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولَةِ، وَاشْتُهِرَتْ لِمَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ، جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، مَا عَدَا الْمَائِدَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا شِعَارُ الْمُتَكَبِّرِينَ غَالِبًا (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: يُونُسُ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْ قَتَادَةَ، هُوَ يُونُسُ الْإِسْكَافُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ صَانِعُ الْقَفْشِ وَفِي نُسْخَةٍ بِجَرِّ الْإِسْكَافِ.

ُونُسُ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْ قَتَادَةَ، هُوَ يُونُسُ الْإِسْكَافُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ صَانِعُ الْقَفْشِ وَفِي نُسْخَةٍ بِجَرِّ الْإِسْكَافِ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ (عَنْ مُجَالِدٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، هُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الْكُوفِيُّ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ مِنَ التَّابِعِينَ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، قَالَ: أَدْرَكْتُ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ قَطُّ، وَلَا حَدَّثْتُ بِحَدِيثٍ إِلَّا حَفِظْتُهُ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَلَهُ ثَنْتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً، كَذَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، لِمُؤَلِّفِ الْمِشْكَاةِ (عَنْ مَسْرُوقٍ) يُقَالُ: أَنَّهُ سُرِقَ صَغِيرًا، ثُمَّ وُجِدَ، فَسُمِّيَ مَسْرُوقًا، أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَدْرَكَ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ ﵃، شَهِدَ فِي حَرْبِ الْخَوَارِجِ، وَمَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَمِائَةٍ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَدَعَتْ لِي بِطَعَامٍ) أَيْ أَمَرَتْ خَادِمَهَا أَنْ يُقَدِّمَهُ إِلَيَّ، قَالَ مِيرَكُ: أَيْ أَضَافَتْنِي (وَقَالَتْ: مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ) أَيْ مِمَّا حَضَرَ عِنْدِي، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ (مَرَّتَيْنِ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي الْمُدَّعَى (فَأَشَاءُ) أَيْ أُرِيدُ (أَنْ أَبْكِيَ) بِأَنْ لَا أَدْفَعَ الْبُكَاءَ عَنْ نَفْسِي (إِلَّا بَكَيْتُ) أَيْ تَحَزُّنًا لِتِلْكَ الشِّدَّةِ الَّتِي قَاسَتْهَا الْحَضْرَةُ النَّبَوِيَّةُ، أَوْ

ِأَنْ لَا أَدْفَعَ الْبُكَاءَ عَنْ نَفْسِي (إِلَّا بَكَيْتُ) أَيْ تَحَزُّنًا لِتِلْكَ الشِّدَّةِ الَّتِي قَاسَتْهَا الْحَضْرَةُ النَّبَوِيَّةُ، أَوْ

تَأَسُّفًا عَلَى فَوْتِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ الْعَلِيَّةِ الْمَرْضِيَّةِ. قِيلَ: عَبَّرَتْ بِأَبْكِي لِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِسَدِيدٍ ; لِأَنَّ أَبْكِي مَعْمُولٌ لِأَشَاءُ الْمُسْتَقْبَلُ فَلَزِمَ كَوْنُهُ مُسْتَقْبَلًا، بِخِلَافِ بَكَيْتُ بَعْدَ إِلَّا ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا وُجِدَ، وَقِيلَ: الْفَاءُ فِي «فَأَشَاءُ» لِلتَّعْلِيلِ، وَالْمَعْنَى مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ إِلَّا بَكَيْتُ ; لِأَنِّي أَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ فَالْعِلَّةُ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْمَعْلُولِ، لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا ; وَلِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ بِهِمَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْفَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ ; لِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهَا أَنَّ مُرَادَهَا أَنَّهُ مَا يَحْصُلُ لِي مِنْ شِبَعٍ، وَلَا تَسَبَّبَ عَنْهُ مَشِيئَتِي لِلْبُكَاءِ إِلَّا يُوجَدُ مِنِّي فَوْرًا، مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ، وَقِيلَ: الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ لَازِمٌ لِلشِّبَعِ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْمَشِيئَةُ، وَلَيْسَتِ الْمَشِيئَةُ لَازِمَةً لِلشِّبَعِ، وَلِذَا قَالَتْ: فَأَشَاءُ وَلَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى: «مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ إِلَّا بَكَيْتُ» (قَالَ) أَيْ: مَسْرُوقٌ (قُلْتُ: لِمَ) أَيْ لِمَ تَشَائِينَ أَنْ تَبْكِي، وَفِي التَّحْقِيقِ لِمَ تَتَسَبَّبُ عَنِ الشِّبَعِ تِلْكَ الْمَشِيئَةُ الْمُسَبَّبُ عَنْهَا وُجُودُ الْبُكَاءِ فَوْرًا؟ (قَالَتْ: أَذْكُرُ) أَيْ أَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ لِأَنِّي أَذْكُرُ (الْحَالَ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدُّنْيَا) وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيْنَا، وَهِيَ أَصْلُ السَّيِّدِ، قَالَ مِيرَكْ شَاهْ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَيْ فَارَقَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنَ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ أَنْسَبُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى،

رُ يَرْجِعُ إِلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَيْ فَارَقَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنَ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ أَنْسَبُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي أَصْلِ الْكِتَابِ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْجِيهٍ وَتَكَلُّفٍ وَتَقْدِيرٍ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ أَوِ التَّقْدِيرُ مُتَعَدِّيًا، وَمَا رَأَى عَلَيْنَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كُلَّمَا شَبِعْتُ بَكَيْتُ، لِتَذَكُّرِ الْحَالِ الَّتِي فَارَقَتْ عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَبَيَّنَتْ تِلْكَ الْحَالَةَ بِقَوْلِهَا: (وَاللَّهِ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ) تَنْوِينُهُمَا لِلتَّنْكِيرِ قَصْدًا لِلْعُمُومِ، وَلَا زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَإِذَا لَمْ يَشْبَعْ مِنْهُمَا فَبِالْأَوْلَى أَنْ لَا يَشْبَعَ مِنْ غَيْرِهِمَا، مِنَ الْأَعْلَى كَمَا لَا يَخْفَى (مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) أَيْ مِنْ أَيَّامِ عُمْرِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ يَوْمٌ قَطُّ شَبِعَ فِيهِ مَرَّتَيْنِ مِنْهُمَا، وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ شَبِعَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَرَّةً فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، قِيلَ: كَلِمَةُ لَا فِي: «وَلَا لَحْمٍ» ، تُفِيدُ أَنَّهُ ﷺ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ مَا شَبِعَ مِنْ لَحْمٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَعَلَى هَذَا: الْمَقْصُودُ نَفْيُ شِبَعِهِ مِنْ خُبْزٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ مَا شَبِعَ مَنْ لَحْمٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، لَا نَفْيُ شِبَعِهِ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا مَعًا مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ آكَدُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَأَنْسَبُ فِي مَزِيَّةِ الْمَرْتَبَةِ.

بَعِهِ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا مَعًا مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ آكَدُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَأَنْسَبُ فِي مَزِيَّةِ الْمَرْتَبَةِ.

(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنِ الِأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ) أَيْ فَضْلًا عَنْ خُبْزِ بُرٍّ (يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ) أَيْ تُوُفِّيَ وَفَاءً بِقَوْلِهِ: حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَالْغِنَى، وَاخْتَارَ الْفَقْرَ وَالْفَنَاءَ. «أُرِيدُ أَنْ أَجُوعَ يَوْمًا فَأَصْبِرُ، وَأَشْبَعُ يَوْمًا فَأَشْكُرُ» . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَمَالَ هُوَ الْحَالُ الْمُتَضَمِّنُ بَيْنَ صِفَتَيِ الْجَلَالِ، وَالْجَمَالِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِمَا الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ وَالْفَنَاءُ وَالْبَقَاءُ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَحْوَالِ.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، كَمَا يُعْلَمُ مِنَ الْكَاشِفِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، فَهُوَ عَطْفُ بَيَانٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخَ الشَّمَائِلِ، وَأَبُو مَعْمَرٍ بِوَاوِ الْعَطْفِ بَعْدَ وَاوِ عَمْرٍو، وَقَالَا: بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَهُوَ سَهْوٌ مِنَ النَّاسِخِ حَيْثُ قَرَأَ الْوَاوَ مُكَرَّرًا، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ (قَالَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى

خِوَانٍ، وَلَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا) فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ ﷺ، لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا مُرَقَّقًا قَطُّ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ، (حَتَّى مَاتَ) قَالَ مِيرَكُ: فَائِدَةُ تَكْرَارِ الْحَدِيثِ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي السَّنَدِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَتَفَاوُتٍ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ بِالتَّطْوِيلِ وَالِاقْتِصَارِ لِلتَّقْوِيَةِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ. (بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِدَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي النِّهَايَةِ الْإِدَامُ بِالْكَسْرِ، وَالْأُدَامُ بِالضَّمِّ، مَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ يَعْنِي مَائِعًا أَوْ غَيْرَهُ، وَمِنْهُ مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ. «سَيِّدُ الْإِدَامِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ، وَسَيِّدُ الشَّرَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْمَاءُ، وَسَيِّدُ الرَّيَاحِينِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْفَاغِيَةُ» ، يَعْنِي وَرَقَ الْحِنَّاءِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُ عَنْ أَنَسٍ. خَيْرُ الْإِدَامِ اللَّحْمُ، وَهُوَ سَيِّدُ الْإِدَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ جُعِلَ اللَّحْمُ إِدَامًا، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَا يَجْعَلُهُ إِدَامًا، وَيَقُولُ: لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ ثُمَّ أَكَلَ لَحْمًا لَا يَحْنَثُ. قَالَ الْعِصَامُ: وَلَا يُنَافِيهِ عَدَمُ حِنْثِ مَنْ حَلِفَ لَا يَأْتَدِمُ بِهِ ; لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ، وَأَهْلُهُ لَا يُعِدُّونَ اللَّحْمَ إِدَامًا ; لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقْصِدُونَهُ لِذَاتِهِ لَا لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إِلَى إِسَاغَةِ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَيْسَ كَمَا زَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ، بَلْ يَحْنَثُ ; لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ اللَّحْمَ إِدَامٌ، قُلْتُ: الْمَسْأَلَةُ إِذَا كَانَتْ خِلَافِيَّةً فِي الْمَذْهَبِ، فَلَا اعْتِرَاضَ، مَعَ أَنَّ الْعُرْفَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ هَذَا.

ْمَسْأَلَةُ إِذَا كَانَتْ خِلَافِيَّةً فِي الْمَذْهَبِ، فَلَا اعْتِرَاضَ، مَعَ أَنَّ الْعُرْفَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ هَذَا. وَقَالَ مِيرَكُ: الْإِدَامُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، كَالْأُدْمِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَيُقَالُ: بِضَمِّهَا أَيْضًا، مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ، وَيُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ، وَجَمْعُهُمَا أُدُمٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَالدَّالِ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ، وَيُقَالُ: أَدَمَ الْخُبْزَ بِاللَّحْمِ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ إِذَا أَكَلَهُمَا مَعًا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ يَعْنِي الْعَسْقَلَانِيَّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، أَنَّ الْأُدْمَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الدَّالِ جَمْعُ إِدَامٍ، وَفِي الْمُغْرِبِ الْإِدَامُ هُوَ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ، وَجَمْعُهُ أُدُمٌ بِضَمَّتَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَعْنَاهُ الَّذِي يُطَيِّبُ الْخُبْزَ وَيَلْتَذُّ بِهِ الْآكِلُ وَالْأُدْمُ مِثْلُهُ، وَالْجَمْعُ آدَامٌ كَحُلْمٍ وَأَحْلَامٍ، وَمَدَارُ التَّرْكِيبِ عَلَى الْمُوَافَقَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِإِصْلَاحِهِ الْخُبْزَ وَجَعْلِهِ مُلَائِمًا لِحِفْظِ الصِّحَّةِ فِي الْجِسْمِ، وَالَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ الْأَدِيمُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ (وَمَا أُكِلَ مِنَ الْأَلْوَانِ) أَيْ أَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ، وَأَصْنَافِهَا جَمْعًا وَفُرَادَى وَاعْلَمْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ حَبْسُ نَفْسِهِ النَّفِيسَةِ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَغْذِيَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ غَالِبًا بِالطَّبِيعَةِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ الْأَطْعِمَةِ بَلْ كَانَ يَأْكُلُ مَا اعْتِيدَ مِنْ لَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ وَتَمْرٍ وَغَيْرِهَا، مِمَّا سَيَأْتِي.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

لَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ وَتَمْرٍ وَغَيْرِهَا، مِمَّا سَيَأْتِي.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

قَالَا: أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَنْبَأَنَا (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي حَدِيثِهِ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (نِعْمَ الْأُدْمُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِضَمَّتَيْنِ (أَوِ الْإِدَامُ) وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ (الْخَلُّ) يَعْنِي وَقَعَ الشَّكُّ فِي حَدِيثِهِ دُونَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ، عَلَى الْإِبْهَامِ لَا يُلَائِمُ الْمَقَامَ، وَقَوْلُ الْحَنَفِيِّ: أَوْ لِلتَّخْيِيرِ بَعِيدٌ عَنِ الْمَرَامِ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ مَدْحُ الِاقْتِصَادِ فِي الْمَأْكَلِ، وَمَنْعُ النَّفْسِ مِنْ مَلَاذِّ الْأَطْعِمَةِ، وَالتَّقْدِيرُ ائْتَدِمُوا بِالْخَلِّ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا تَخِفُّ مُؤْنَتُهُ، وَلَا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَلَا تَتَأَنَّقُوا فِي الشَّهَوَاتِ، فَإِنَّهَا مَفْسَدَةٌ فِي الدِّينِ، مَقْصَمَةٌ لِلْبَدَنِ، هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَالصَّوَابُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِهِ أَنَّهُ مَدْحٌ لِلْخَلِّ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الِاقْتِصَادُ فِي الْمَطْعَمِ، وَتَرْكُ الشَّهَوَاتِ، فَمَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدَ أُخَرَ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لَدَى أُولِي الْأَلْبَابِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّوَابُ، إِذْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَمْدَحُ طَعَامًا، وَلَا يَذُمُّهُ، فَإِنَّ فِي الْأَوَّلِ شَائِبَةُ الشَّهْوَةِ، وَفِي الثَّانِي احْتِقَارُ النِّعْمَةِ.

Bagian 16 dari 41