جمع الوسائل في شرح الشمائل

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الملا على القاري (w. 1014 H).

Bagian 24 dari 41 494 halaman

— Bagian 24 · ِيِّ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْ عَنْ زَوْجِهَ… —

Bagian 24

ِيِّ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْ عَنْ زَوْجِهَا أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الشِّفَاءِ مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ.

(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشِّعْرِ) الشِّعْرُ مَعْرُوفٌ، وَشَعَرْتُ أَصَبْتُ الشِّعْرَ، وَمِنْهُ شَعَرْتُ كَذَا أَيْ: أَصَبْتُ عِلْمًا دَقِيقًا كَإِصَابَةِ الشِّعْرِ قِيلَ، وَأَصْلُهُ الشَّعَرُ بِفَتْحَتَيْنِ، وَسُمِّيَ الشَّاعِرُ شَاعِرًا لِفِطْنَتِهِ وَدِقَّةِ مَعْرِفَتِهِ فَالشِّعْرُ فِي الْأَصْلِ عَلَمٌ لِلْعِلْمِ الدَّقِيقِ فِي قَوْلِهِمْ لَيْتَ شِعْرِي أَيْ: لَيْتَ عِلْمِي، وَأَمَّا مَا فِي الصِّحَاحِ أَيْ: لَيْتَنِي عَلِمْتُ، فَحَاصِلُ الْمَعْنَى، وَصَارَ فِي التَّعَارُفِ اسْمًا لِلْمَوْزُونِ الْمُقَفَّى مِنَ الْكَلَامِ، وَالشَّاعِرُ الْمُخْتَصُّ بِصِنَاعَتِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ بَعْضُ الْكُفَّارِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ شَاعِرٌ، فَقِيلَ لِمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْوَارِدَةِ الْمَوْزُونَةِ مَعَ الْقَوَافِي يَعْنِي نَحْوَ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ وَنَحْوُ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا، نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَقِيلَ أَرَادُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ لِأَنَّ مَا فِي الشِّعْرِ أَكْثَرُهُ كَذِبٌ، وَمِنْ ثَمَّةَ سَمَّوُا الْأَدِلَّةَ الْكَاذِبَةَ شِعْرًا، وَقِيلَ فِي الشِّعْرِ: أَكْذَبُهُ أَحْسَنُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا ذُكِرَ فِي حَدِّ الشِّعْرِ أَنَّ شَرْطَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا وَقَّعَ مَوْزُونًا اتِّفَاقًا ; فَلَا يُسَمَّى شِعْرًا كَذَا كَرَّرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ.

َنَّ شَرْطَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا وَقَّعَ مَوْزُونًا اتِّفَاقًا ; فَلَا يُسَمَّى شِعْرًا كَذَا كَرَّرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ. وَأَقُولُ هَذَا الْقَيْدُ يُخْرِجُ مَا صَدَرَ مِنْهُ ﷺ مِنَ الْكَلَامِ الْمَوْزُونِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ ; فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالْإِرَادَةِ، وَالْمَشِيئَةِ الَّتِي هِيَ مَعْنَى الْقَصْدِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ شَيْءٌ دُونَ الْمَشِيئَةِ، وَلَعَلَّ الْجَوَابَ أَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ، وَأَنَّهُ وَقَعَ تَبَعًا كَمَا حُقِّقَ فِي بَحْثِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ شُرَيْحٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ الْحَارِثِيِّ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَنَّى ﵇ أَبَاهُ هَانِئَ بْنَ زَيْدٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ، وَشُرَيْحٌ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَهُوَ مَنْ ظَهَرَتْ فَتْوَاهُ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْمِقْدَامُ (عَنْ عَائِشَةَ قَالَ:) كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ، وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ أَيْ: شُرَيْحٌ وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ «قَالَتْ» وَعَكَسَ الْحَنَفِيُّ فَقَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «قَالَ» ، تَأَمَّلْ. قُلْتُ لَيْسَ فِيهِ إِشْكَالٌ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ، غَايَتُهُ أَنَّ عَلَى نُسْخَةِ «قَالَ» ، ظَاهِرُهُ أَنَّ شُرَيْحًا سَمِعَ الْقِيلَ بِلَا نَقْلٍ بِخِلَافٍ «قَالَتْ» ، (قِيلَ لَهَا هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَمَثَّلُ) أَيْ: يَسْتَشْهِدُ (بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ)

وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ أَيْ: يَتَمَسَّكُ، وَيَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ فَخِلَافُ الْمَقْصُودِ بَلْ يُوهِمُ الْمَعْنَى الْمَرْدُودَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُطَابِقًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَلَا لِلْقَصْدِ الْعُرْفِيِّ، فَفِي الْقَامُوسِ تَمَثَّلَ: أَنْشَدَ بَيْتًا، وَتَمَثَّلَ بِشَيْءٍ ضَرَبَهُ مَثَلًا (قَالَتْ كَانَ) أَيْ: أَحْيَانًا (يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ أَحَدُ النُّقَبَاءِ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا إِلَّا الْفَتْحَ، وَمَا بَعْدَهَا ; فَإِنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ شَهِيدًا أَمِيرًا فِيهَا سَنَةَ ثَمَانٍ، وَهُوَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ الْمُحْسِنِينَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ. (وَيَتَمَثَّلُ) أَيْ: بِشِعْرِ غَيْرِهِ أَيْضًا (وَيَقُولُ) أَيْ: مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ أَخِي قَيْسٍ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ قَالَ ذَلِكَ فِي قَصِيدَتِهِ الْمُعَلَّقَةِ، وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْوَاوِ، وَإِشْبَاعِ كَسْرَةِ الدَّالِ مِنَ التَّزْوِيدِ، وَهُوَ إِعْطَاءُ الزَّادِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَصَدْرُ الْبَيْتِ. سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا. مِنَ الْإِبْدَاءِ: وَهُوَ الْإِظْهَارُ هَذَا. وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي بُسْتَانِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ قِيلَ لَهَا أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَمَثَّلُ بِالشِّعْرِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَبْغَضَ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ الشِّعْرُ غَيْرَ أَنَّهُ تَمَثَّلَ مَرَّةً بِبَيْتِ أَخِي قَيْسٍ طَرَفَةَ، فَجَعَلَ آخِرَهُ أَوَّلَهُ مِنْ قَوْلِهِ. سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا ... وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَزَوَّدِ ، فَقَالَ: وَيَأْتِيكَ مَنْ تَزَوَّدَ بِالْأَخْبَارِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَكَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا أَنَا بِشَاعِرٍ انْتَهَى.

ِ ، فَقَالَ: وَيَأْتِيكَ مَنْ تَزَوَّدَ بِالْأَخْبَارِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَكَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا أَنَا بِشَاعِرٍ انْتَهَى. وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ ; فَكَأَنَّهُ ﷺ تَمَثَّلَ بِمَعْنَاهُ، وَأَتَى فِيهِ بِحَقِّ لَفْظِهِ، وَمَبْنَاهُ ; فَإِنَّ الْعُمْدَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَضْلَةِ، وَالشَّاعِرُ لِضِيقِ النَّظْمِ قَدَّمَ وَأَخَّرَ، فَلَمَّا اسْتَفْهَمَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ قَالَ: «مَا أَنَا بِشَاعِرٍ» أَيْ: حَقِيقَةً وَلَا قَاصِدِ وَزْنَهُ قِرَاءَةً، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادَ مِنْهُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي قَالَبِ وَزْنٍ أَوْ بِدُونِهِ، وَلَكِنْ يُشْكِلُ رِوَايَةُ الْكِتَابِ ; فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُعَارِضُ رِوَايَةَ الشَّيْخِ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ بِأَنْ يُقَالَ تَمَثَّلَ بِمَادَّتِهِ، وَجَوْهَرِ حُرُوفِهِ دُونَ تَرْتِيبِهِ الْمَوْزُونِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ التَّأْوِيلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ عَلَى الصَّحِيحِ. بَقِيَ إِشْكَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رَوَاحَةَ لَا سِيَّمَا عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ: «وَيَتَمَثَّلُ بِقَوْلِهِ» ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ شِعْرِ طَرَفَةَ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَلَامٌ بِرَأْسِهِ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِقَائِلٍ أَوْ لِشَاعِرٍ مَشْهُورٍ بِهِ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا تَمَثَّلَ بِالْمِصْرَاعِ الْأَخِيرِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِإِتْيَانِ الْأَخْبَارِ مِنْ غَيْرِ التَّزْوِيدِ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ كَمَا تُشِيرُ إِلَيْهِ الْآيَةُ الْمَنْفِيَّةُ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْمُتَّفِقُ عَلَيْهَا جُمْلَةُ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمَةِ (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ُتَّفِقُ عَلَيْهَا جُمْلَةُ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمَةِ (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّعْرِ قَالَ: هُوَ كَلَامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الشِّعْرَ كَالنَّثْرِ لَكِنَّ التَّجْرِيدَ لَهُ، وَالِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ مَذْمُومٌ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ. لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ كَمَرْمِيٍّ (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ) الْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ هُنَا الْقِطْعَةُ مِنَ الْكَلَامِ (كَلِمَةُ لَبِيدٍ) أَيْ: ابْنِ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيِّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَنَةَ وَفْدِ قَوْمِهِ كَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْإِسْلَامِ نَزَلَ الْكُوفَةَ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً،

وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَشُعَرَائِهِمْ، وَلَمَّا أَسْلَمَ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا، وَقَالَ يَكْفِينِي الْقُرْآنُ، وَكَأَنَّهُ ﵁ اسْتَحْيَى مِنْ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا بَعْدَ سَمَاعِهِ كَلَامَهُ تَعَالَى، وَحَقَّقَ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ، وَصِدْقَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ أَوْ خَاضَ فِي لُجَجِ أَمْوَاجِ بِحَارِ الْعُلُومِ بِحَيْثُ أَنَّهُ مَا بَقِيَ لَهُ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَمِيعُ الْعِلْمِ فِي الْقُرْآنِ لَكِنْ تَقَاصَرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الرِّجَالِ. وَلَعَلَّهُ ﷺ كَانَ يَتَمَثَّلُ بِالشِّعْرِ وَيَمْدَحُهُ أَحْيَانًا تَأَلُّفًا لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَدَرُّجًا بِأَقْوَالِ الْعَارِفِينَ إِلَى كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِلْمُنَاسَبَةِ الْبَشَرِيَّةِ الْعَاجِزَةِ غَالِبًا عَنْ فَهْمِ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ. وَهَذَا وَجْهُ مَا حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ قَرَأَ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَرَقَةً بَعْدَ وَرَقَةٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ وَجْدٌ وَذَوْقٌ وَرِقَّةٌ ثُمَّ حَضَرَ قَوَّالٌ، وَأَنْشَدَ لَهُ شِعْرًا فَحَصَلَ لَهُ سَمَاعٌ، وَتَوَاجُدٌ عَظِيمٌ بِحَسْبِ التَّوْفِيقِ، وَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَمَا تَعْذُرُونَ الْقَائِلِينَ فِي حَقِّي أَنَّهُ الزِّنْدِيقُ وَعَلَى الْجُمْلَةِ ; فَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ شَرِيفَةٌ لِلَبِيدٍ وَكَلِمَتِهِ ( أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ

َنَّهُ الزِّنْدِيقُ وَعَلَى الْجُمْلَةِ ; فَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ شَرِيفَةٌ لِلَبِيدٍ وَكَلِمَتِهِ ( أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ) فَأَلَا لِلتَّنْبِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَاطِلِ: الْفَانِي الْمُضْمَحِلُّ، وَإِنَّمَا كَانَ كَلَامُهُ أَصْدَقَ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَ أَصْدَقَ الْكَلَامِ فِي أَحَقِّ الْمَرَامِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وَهُوَ زُبْدَةُ مَسْأَلَةِ التَّوْحِيدِ، وَعُمْدَةُ كَلِمَةِ أَهْلِ التَّفْرِيدِ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُهُ دَيَّارٌ. وَقَوْلُ آخَرَ سِوَى اللَّهِ وَاللَّهِ مَا فِي الْوُجُودِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ هَذَا الْمَعْنَى فِي شَرْحِ حِزْبِ مَوْلَانَا الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السِّرِّيَّ عِنْدَ قَوْلِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا سِوَى اللَّهِ. وَمُجْمَلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَلَاكِ فِي الْآيَةِ وَالْبُطْلَانِ فِي الْبَيْتِ إِمَّا بِالْفِعْلِ ; فَيَنْعَدِمُ كُلُّ مَخْلُوقٍ ; فَيُوجَدُ فِي كُلِّ آنٍ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَأَتْبَاعِهِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّ الْجَوَاهِرَ كَالْأَعْرَاضِ لَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ أَوِ الْمُرَادُ قَبُولُهُ لِلْبُطْلَانِ وَالْهَلَاكِ، إِذِ الْمُتَعَقَّلُ إِمَّا ثَابِتُ الْعَدَمِ كَالْمُحَالِ أَوْ وَاجَبُ الْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ كَذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ نُعُوتِ الْكَمَالِ، أَوْ مُحْتَمَلٌ كَالْعَالَمِ وَهُوَ مَا سِوَاهُ، وَكُلُّهُ مِمَّا فِي صَدَدِ الزَّوَالِ فِي نَظَرِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ. ثُمَّ الْمِصْرَاعُ الثَّانِي. وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ.

وَاهُ، وَكُلُّهُ مِمَّا فِي صَدَدِ الزَّوَالِ فِي نَظَرِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ. ثُمَّ الْمِصْرَاعُ الثَّانِي. وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ. أَيْ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ نَعِيمُكَ فِي الدُّنْيَا غُرُورٌ وَحْسَرَةٌ قَالَ الْحَنَفِيُّ: لِكِنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ قُلْتُ لَا يَجُوزُ الْجَزْمُ بِذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ أَصْدَقَ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ أَصْدَقَ بَيْتٍ قَالَتْهُ الشُّعَرَاءُ» ، وَالْبَيْتُ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْمِصْرَاعَيْنِ، وَكَثِيرٌ مَا يُذْكَرُ أَحَدُ الْمِصْرَاعَيْنِ لِلِاكْتِفَاءِ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، فَتَارَةً يُؤْتَى بِالْمِصْرَاعِ الْأَوَّلِ كَمَا هُنَا، وَتَارَةً بِالْمِصْرَاعِ الثَّانِي كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. (وَكَادَ) أَيْ: قَارَبَ (أُمَيَّةُ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ أَبِي الصَّلْتِ) بِفَتْحٍ، فَسُكُونٍ أَيْ: ابْنُ رَبِيعَةَ الثَّقَفِيُّ (أَنْ يُسْلِمَ) ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي شِعْرِهِ يَنْطِقُ بِالْحَقَائِقِ وَقَدْ كَانَ مُتَعَبِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ، وَيَتَدَيَّنُ وَيُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ لَكِنَّهُ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ، وَلَمْ يُسْلِمْ.

نَ مُتَعَبِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ، وَيَتَدَيَّنُ وَيُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ لَكِنَّهُ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ، وَلَمْ يُسْلِمْ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ) بِضَمِّ جِيمٍ، وَدَالٍ وَيُفْتَحُ (بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ) بِفَتْحَتَيْنِ أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَنُسِبَ إِلَى جَدِّهِ سُفْيَانَ (قَالَ أَصَابَ حَجَرٌ: إِصْبَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) بِكَسْرِ هَمْزَةٍ، وَفَتْحِ بَاءٍ وَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ مُثَلَّثُ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ (فَدَمِيَتْ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، فَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ دَمِيَتْ يَدُهُ، وَأَدْمَيْتُهَا أَنَا أَوْ دَمَيْتُهَا، قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِوَانَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ، فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ إِلَخْ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قِيلَ كَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَارٍ ; فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: لَعَلَّهُ غَازِيًا فَتُصُحِّفَ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ، وَكَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَعْنِي فِي

كِتَابِ الْأَدَبِ. بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ ; فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ يُرَادُ بِالْغَارِ الْجَيْشُ وَالْجَمْعُ، لَا الْغَارُ الَّذِي هُوَ الْكَهْفُ لِيُوَافِقَ رِوَايَةَ بَعْضِ الْمَشَاهِدِ. وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مَا ظَنُّكَ بِامْرِئٍ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَارَيْنِ أَيِ: الْعَسْكَرَيْنِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ: خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ قُلْتُ أَمَّا الْقَوْلُ بِالتَّصْحِيفِ ; فَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعٍ مِنَ التَّحْرِيفِ ; فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لَفْظًا، وَلَا مَعْنًى وَمِثْلُ هَذَا الطَّعْنِ لَا يَجُوزُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَمَّا اللَّفْظُ فَظَاهِرٌ وَهُوَ زِيَادَةُ يَاءٍ، وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّهُ لَا يُقَالُ كَانَ فِي غَارٍ، مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ: بَيْنَمَا يَمْشِي، لَا تُنَافِي كَوْنَهُ أَوَّلًا فِي الْغَارِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ: خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ ; فَإِنَّ جَيْشَ كُلِّ أَمِيرٍ بِمَنْزِلَةِ كَهْفِهِ الْمُتَقَوِّي بِهِ الْمُلْتَجِئِ إِلَيْهِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ كَانَ فِي غَارٍ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ أَوْ كَهْفٍ فِي بَعْضِ أَمَاكِنِهِ يَحْتَرِسُ فِيهِ مِنَ الْأَعْدَاءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صُعُودُهُ، وَظُهُورُهُ بِمُعَاوَنَةِ طَلْحَةَ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ

مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صُعُودُهُ، وَظُهُورُهُ بِمُعَاوَنَةِ طَلْحَةَ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَهُوَ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنَ الطَّعْنِ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ بَلْ كَالْمُتَعَيَّنِ لِلدَّلَالَاتِ الصَّرِيحَةِ، وَلِبَعْضِ الشُّرَّاحِ هُنَا كَلِمَاتٌ مُتَنَاقِضَاتٌ أَعْرَضْنَا عَنْ ذِكْرِهَا حَيْثُ يَشْغَلُ الْبَالَ فِكْرُهَا (فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ) يَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالتَّحْقِيقِ، وَالنَّقْلِ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ النَّفْيُ أَيْ: مَا أَنْتِ (إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ) بِفَتْحِ الدَّالِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَإِشْبَاعِ التَّاءِ وَهُوَ صِفَةٌ لِإِصْبَعٍ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَعَمُّ، عَامُّ الصِّفَةِ أَيْ: مَا أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ مَوْصُوفَةٌ بِشَيْءٍ إِلَّا بِأَنْ دَمِيتِ، وَقِيلَ بِضَمِيرِ الْغَائِبَةِ فِي دَمِيَتْ، وَلَقِيَتْ وَعَلَيْهِ ; فَهُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ أَصْلًا لَكِنَّ الْمَشْهُورَ بَلِ الصَّوَابُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى كَأَنَّهَا لَمَّا تَوَجَّعَتْ خَاطَبَهَا مُمْلِئًا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ، وَالتَّشْبِيهِ مُسَلِّيًا أَيْ: تَسَلِّي فَإِنَّكِ مَا ابْتُلِيتِ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَلَاكِ، وَالْقَطْعِ وَالْجُرْحِ سِوَى أَنَّكِ دَمِيتِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ دَمُكِ هَدَرًا بَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ قَدَرًا، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ) وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ أَوِ الْحَالِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَمَا مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ خَبَرُهُ أَيِ: الَّذِي لَقِيتِهِ حَاصِلٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; فَلَا تُبَالِي بَلِ افْرَحِي ; فَإِنَّ مِحْنَتَهَا قَلِيلَةٌ، وَمِنْحَتَهَا جَزِيلَةٌ ; فَهِيَ صِبْغَةٌ وَسِيمَةٌ وَصَنْعَةٌ جَسِيمَةٌ. وَقَضِيَّةُ كَسْرِ لَيْلَى قَدَحَ الْمَجْنُونِ شَهِيرَةٌ. وَأَمْثَالُهَا فِي سِيَرِ الْمُحِبِّ، وَالْمَحْبُوبِ كَثِيرَةٌ.

يمَةٌ وَصَنْعَةٌ جَسِيمَةٌ. وَقَضِيَّةُ كَسْرِ لَيْلَى قَدَحَ الْمَجْنُونِ شَهِيرَةٌ. وَأَمْثَالُهَا فِي سِيَرِ الْمُحِبِّ، وَالْمَحْبُوبِ كَثِيرَةٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ بِالرَّجَزِ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَوْقَاتِهِ، وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ الشِّعْرَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ; فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ وَإِنِ اسْتَوَى عَلَى وَزْنِ الشِّعْرِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّعْرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ صُدُورُهُ عَنْ نِيَّةٍ لَهُ وَرَوِيَّةٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقُ كَلَامٍ يَقَعُ أَحْيَانًا فَيَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ عَلَى بَعْضِ أَعَارِيضِ الشِّعْرِ، وَقَدْ وُجِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِمْ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ، وَالْبَيْتُ الْوَاحِدُ مِنَ الشِّعْرِ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا الِاسْمُ ; فَيُخَالِفُ مَعْنَى الْآيَةِ. هَذَا مَعَ قَوْلِهِ إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً، وَإِنَّمَا الشَّاعِرُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ الشِّعْرَ، وَيُشَبِّبُهُ وَيُصَفِّيِهِ، وَيَمْدَحُهُ وَيَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الشُّعَرَاءِ فِي هَذِهِ الْأَفَانِينَ وَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، وَصَانَ قَدْرَهُ

عَنْهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الشِّعْرَ لَا يَنْبَغِي، وَإِذَا كَانَ مُرَادُ الْآيَةِ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَضُرَّ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْمُ الْمَنْفِيُّ عَنْهُ. (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: ابْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ (نَحْوَهُ) أَيْ: بِمَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ (قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ) جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قِيسٌ لَكِنْ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ (أَفَرَرْتُمْ) أَيْ: يَوْمَ حُنَيْنٍ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: مُعْرِضِينَ عَنْهُ، وَتَارِكِينَ لَهُ وَإِلَّا فَالْفِرَارُ مِنَ الْكُفَّارِ (يَا أَبَا عُمَارَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ كُنْيَةُ الْبَرَاءِ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ أَوْ لِلِاسْتِعْلَامِ (فَقَالَ لَا) أَيْ: مَا فَرَرْنَا جَمِيعًا (وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: أَوَائِلُهُمْ فَفِي النِّهَايَةِ: السَّرَعَانُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ: أَوَائِلُ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَسَارَعُونَ عَلَى الشَّيْءِ، وَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الرَّاءِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ حُنَيْنٍ خَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، وَإِخَاؤُهُمْ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ فِي قَوْلِهِ سَرَعَانُ بِفَتْحِ السِّينِ، وَكَسْرِهَا جَمْعُ سَرِيعٍ، وَبِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ أَوَائِلُهُمْ.

الْكِرْمَانِيُّ فِي قَوْلِهِ سَرَعَانُ بِفَتْحِ السِّينِ، وَكَسْرِهَا جَمْعُ سَرِيعٍ، وَبِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ أَوَائِلُهُمْ. قَالَ مِيرَكُ: هَذَا الْجَوَابُ مِنَ الْبَرَاءِ ظَاهِرٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْكَلَامِ فِي السُّؤَالِ هَكَذَا أَفَرَرْتُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَعَلَى رِوَايَةِ أَفَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَأَمَّا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهِيَ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَخْلُوا عَنْ تَكَلُّفٍ، وَيُمْكِنْ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ الْبَرَاءَ أَشَارَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ فَلَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ الْبَرَاءَ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفِرَّ، وَأَظْهَرَ الشَّجَاعَةَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فَحِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ فِرَارُ الصَّحَابَةِ عَنْهُ لِشِدَّةِ مُوَافَقَتِهِمْ لَهُ، وَعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِالتَّأْيِيدَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ; وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ فِرَارُهُمْ عَنْهُ إِذَا فَرَّ هُوَ وَتَوَلَّى، وَهُوَ مُحَالٌ عَنْهُ ﷺ انْتَهَى.

مُؤَيَّدٌ بِالتَّأْيِيدَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ; وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ فِرَارُهُمْ عَنْهُ إِذَا فَرَّ هُوَ وَتَوَلَّى، وَهُوَ مُحَالٌ عَنْهُ ﷺ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ كَوْنِهِ مَعْصُومًا مِنَ النَّاسِ عَدَمُ تَصَوُّرِ فِرَارِ أَصْحَابِهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقِيلَ هَذَا الْجَوَابُ الَّذِي أَجَابَهُ الْبَرَاءُ مِنْ بَدِيعِ أَدَبِ الْفُضَلَاءِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ أَفَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَافَقَهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْبَرَاءُ: لَا وَاللَّهِ مَا فَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَرَى لَهُمْ كَذَا وَكَذَا انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ إِذْ لَيْسَ فِيهَا: «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فَقَوْلُ السَّائِلِ: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَدُلُّ إِلَى أَنَّهُ ﷺ فَرَّ، بَلْ عَلَى أَنَّهُمْ فَرُّوا، وَبَقِيَ هُوَ مُنْفَرِدًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ تَقْدِيرُ

نْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَدُلُّ إِلَى أَنَّهُ ﷺ فَرَّ، بَلْ عَلَى أَنَّهُمْ فَرُّوا، وَبَقِيَ هُوَ مُنْفَرِدًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ تَقْدِيرُ

الْكَلَامِ أَفَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الْبَرَاءُ: لَا نَفْيًا لِفِرَارِ الْكُلِّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِدْرَاكُ، وَصَرَّحَ بِنَفْيِ تَوْلِيَتِهِ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ فِرَارِ الْعَسْكَرِ تَوْلِيَةُ الْأَمِيرِ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ الْمُتَعَارَفُ، وَقِيلَ قَوْلُ الْبَرَاءِ: «لَا» . رَفَعَ الْإِيجَابَ الْكُلِّيَّ الَّذِي تَوَهَّمَهُ السَّائِلُ، وَقَوْلُهُ: «مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ الرَّفْعِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَسَمُ لِتَأْكِيدِ هَذَا النَّفْيِ أَوْ لِلرَّفْعِ السَّابِقِ يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَفِرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يَفِرُّ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، نَعَمْ سَرَعَانُ النَّاسِ جَرَى لَهُمْ ذَلِكَ كَذَا وَكَذَا انْتَهَى. وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ، وَأَطْنَبَ فِي

َمِيعُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، نَعَمْ سَرَعَانُ النَّاسِ جَرَى لَهُمْ ذَلِكَ كَذَا وَكَذَا انْتَهَى. وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ، وَأَطْنَبَ فِي تَوْضِيحِهِ حَيْثُ قَالَ: وَقَوْلُهُ (لَا) أَيْ: لَمْ نَفِرَّ بِأَجْمَعِنَا بَلْ فَرَّ بَعْضُنَا، وَبَقِيَ بَعْضُنَا وَأَكَّدَ بَقَاءَ الْبَعْضِ بِقَوْلِهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَلْزَمُ مِنْ بَقَائِهِ بَقَاءُ طَائِفَةٍ مَعَهُ لِمَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ إِيثَارِهِمْ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ أَدَبِ الْبَرَاءِ ﵁، وَبَلَاغَتِهِ ; لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ، وَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ تَعْبِيرُ السَّائِلِ: «بِعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» أَنَّهُ فَرَّ مَعَهُمْ، وَزَادَ فِي التَّأَدُّبِ نَفْيُ التَّوَلِّي دُونَ الْفِرَارِ نَزَاهَةً لِمَقَامِهِ الرَّفِيعِ عَنْ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ لَفْظَ الْفِرَارِ فِي النَّفْيِ فَضْلًا عَنِ الْإِثْبَاتِ ; لِأَنَّهُ أَشْنَعُ مِنْ لَفْظِ التَّوَلِّي إِذْ هُوَ قَدْ يَكُونُ لِتَحَيُّزٍ أَوِ انْحِرَافٍ بِخِلَافِ الْفِرَارِ ; فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْخَوْفِ، وَالْجُبْنِ أَيْ: غَالِبًا وَإِلَّا فِرَارَ الصَّحَابَةِ هُنَا لَمْ يَتَمَحَّضْ لِذَلِكَ قَطْعًا، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: هَذَا الِانْهِزَامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَا وَقَعَ عَلَى غَيْرِ نِيَّةِ الْعَوْدِ، وَأَمَّا الِاسْتِعْدَادُ لِلْكَرَّةِ، فَهُوَ كَالتَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْبَرَاءَ أَشَارَ إِلَى قِيَامِ الْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَالْبَيِّنَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى عَدَمِ فِرَارِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَوَلٍّ فَهُمْ كَذَلِكَ لِمُثَابَرَتِهِمْ عَلَى بَذْلِهِمْ نُفُوسَهُمْ دُونَهُ، وَعِلْمِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَخْذُلُهُ، وَأَنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النَّاسِ،

ِكَ لِمُثَابَرَتِهِمْ عَلَى بَذْلِهِمْ نُفُوسَهُمْ دُونَهُ، وَعِلْمِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَخْذُلُهُ، وَأَنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَرْجِعُ مُنْهَزِمًا، إِلَى قَوْلِهِ: دُرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا فَقَالَ: لَقَدْ رَأَى ابْنَ الْأَكْوَعِ فَزِعًا فَقَالَ الْعُلَمَاءُ: قَوْلُهُ مُنْهَزِمًا حَالٌ مِنَ ابْنِ الْأَكْوَعِ كَمَا صَرَّحَ أَوَّلًا بِانْهِزَامِهِ، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ ﷺ انْهَزَمَ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ ﷺ انْهَزَمَ فِي مَوْطِنٍ مِنْ مَوَاطِنِ الْحَرْبِ. وَمِنْ ثَمَّةَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْهِزَامُ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ انْهَزَمَ فِي مَوْطِنٍ مِنْ مَوَاطِنِ الْحَرْبِ أُدِّبَ تَأْدِيبًا عَظِيمًا لَائِقًا بِعَظِيمِ جَرِيمَتِهِ إِلَّا أَنْ يَقُولَهُ عَلَى جِهَةِ التَّنْقِيصِ ; فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ، فَيُقْتَلُ مَا لَمْ يَتُبْ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَنَا، وَمُطْلَقًا عِنْدَ مَالِكٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ بَلْ لَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ قُتِلَ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ مُحَقِّقِيهِمُ انْتَهَى.

بَالَغَ بَعْضُهُمْ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ بَلْ لَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ قُتِلَ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ مُحَقِّقِيهِمُ انْتَهَى. فَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ سَلَاطِينِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَهُوَ عُبَيْدُ خَانْ فِي بَيْتِهِ الْمَشْهُورِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْمَلَاجَامِيِّ حَيْثُ جَعَلَ هِجْرَتَهُ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِرَارًا أَقْبَحَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ التَّلَفُّظِ بِبَيْتِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ ; فَإِنَّهُ كُفْرٌ صَرِيحٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْأَعْيَانِ الْعَارِفِينَ بِالْمَعَانِي، وَالْبَيَانِ ثُمَّ مِمَّا رَسَخَ بِالْبَالِ، وَخَطَرَ فِي الْحَالِ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ كَانَ وَرَاءَهُ ; وَإِنَّمَا وَلَّى مُقَدِّمَةُ الْعَسْكَرِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ أَيْ: أَوَائِلُهُمُ الْمُسْرِعِينَ فِي السَّيْرِ أَوِ الْمُسْتَعْجِلِينَ فِي الْأَمْرِ لِعَدَمِ رُسُوخِهِمْ، وَوُقُوفِهِمْ بِحَالِهِ ﷺ ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ فِرَارِهِمْ بِقَوْلِهِ (تَلَقَّتْهُمْ) تَفَعَّلَ مِنَ اللُّقْيِ أَيْ: قَابَلَتْهُمْ وَوَاجَهَتْهُمْ (هَوَازِنُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ بِشِدَّةِ السَّهْمِ لَا يَكَادُ تُخْطِئُ سِهَامُهُمْ (بِالنَّبْلِ) ، الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: بِرَمْيِهِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يُرَادُ بِهِ السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَقِيلَ أَنَّهُ جَمْعُ نَبْلَةٍ، وَيُجْمَعُ عَلَى نِبَالٍ بِالْكَسْرِ، وَأَنْبَالٍ (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ)

وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَقِيلَ أَنَّهُ جَمْعُ نَبْلَةٍ، وَيُجْمَعُ عَلَى نِبَالٍ بِالْكَسْرِ، وَأَنْبَالٍ (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ) أَيِ: الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ شَجَاعَتِهِ الْمُشْعِرَةِ بِعَدَمِ التَّوْلِيَةِ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْفِرَارُ بِهَا أَصْلًا لَا نَقْلًا، وَلَا عَقْلًا، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَبِمَا ذَكَرْنَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ بَعْدَمَا صَاحَ بِهِمُ الْعَبَّاسُ، وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا، وَفِي رِوَايَةٍ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَقِبِهِمْ فَقَالَ: يَا أَنْصَارَ اللَّهِ، وَأَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: إِلَى أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَكَانَ الْأَصْحَابُ مَشْغُولِينَ بِالْفِرَارِ بِحَيْثُ لَمْ يَنْظُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى خَلْفٍ أَصْلًا. وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْفَرِدًا فِيمَا بَيْنَ الْكُفَّارِ، فَقَدْ يُقَالُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكِنَايَةِ عَنْ قِلَّةِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْأَصْحَابِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ جُمِعُوا عِنْدَهُ، وَيُؤَيِّدُ الْحَمْلَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ (

وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا) وَقَدْ سَبَقَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبَّاسَ مِمَّنْ صَاحَ عَلَى النَّاسِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا فَرَّ مَنْ فَرَّ لَمَّا تَوَهَّمَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ قُتِلَ أَوْ مَا لَحِقَ أَوْ رَجَعَ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَمَّا سَمِعُوا صِيَاحَ عَبَّاسٍ يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ أَوْ كَلَامَهُ ﷺ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ إِلَيَّ ; فَرَجَعُوا مُسْرِعِينَ قَائِلِينَ يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَلَّا تُسْرِعَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَالْجَمْعُ بِأَنَّهُ كَانَ آخِذٌ اللِّجَامَ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَاوَبَةِ فِي خِدْمَةِ الْمَقَامِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَحْقِيقِ الْمَرَامِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ، وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْفِرَارَ لَمْ يَكُنْ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ مِمَّنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَمُؤَلَّفَتِهِمْ وَأَخْلَاطِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَكَنِ الْإِسْلَامُ فِي قُلُوبِهِمْ، بَلْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَتَرَبَّصُ بِالْمُسْلِمِينَ الدَّوَائِرَ، وَجَمَاعَةٌ خَرَجُوا لِلْغَنِيمَةِ ; فَلَمَّا انْكَشَفُوا مِنَ الْعَدُوِّ، وَظَنَّ مَنْ فَرَّ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ غَنَاءٌ فَكَدُّوا لِيَعْرِفُوا الْخَبَرَ، فَأُطْلِقَ عَلَى فِعْلِهِمُ الْفِرَارُ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَخْذًا بِالظَّاهِرِ هَذَا وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ الْبَغْلَةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُغَاثَةَ،

عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ الْبَغْلَةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُغَاثَةَ، هَذَا هَوُ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّ الْبَغْلَةَ الَّتِي رَكِبَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ هِيَ دُلْدُلٌ، وَكَانَتْ شَهْبَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ وَأَمَّا الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ يُقَالُ لَهَا فِضَّةُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ وَذُكِرَ عَكْسُهُ، وَالصَّحِيحُ مَا فِي مُسْلِمٍ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ، وَقَالَ الْعُلَمَاءُ رُكُوبُهُ ﷺ الْبَغْلَةَ فِي مَوَاطِنِ الْحَرْبِ هُوَ النِّهَايَةُ فِي الشَّجَاعَةِ، وَلِيَكُونَ أَيْضًا مُعْتَمَدًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَتَطْمَئِنُ قُلُوبُهُمْ بِهِ، وَبِمَكَانِهِ وَلِيَكُونَ مُمْتَازًا عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا فِعْلُهُ هَذَا عَمْدًا، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَتْ لَهُ أَفْرَاسٌ مَعْرُوفَةٌ (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ) أَيْ: وَبِحَوْلِ رَبِّهِ يَحُولُ، وَعَلَى عَدُوِّهِ يَصُولُ مُظْهِرًا نَسَبَهُ وَحَسَبَهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا وَعَدَهُ مِنَ الْعِصْمَةِ عَنِ النَّاسِ رَبُّهُ ( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ ) أَيْ: حَقًّا وَصِدْقًا، فَلَا أَفِرُّ، وَلَا أَزُولُ عَمَّا أَقِرُّ إِذْ صِفَةُ النُّبُوَّةِ يَسْتَحِيلُ مَعَهَا الْكَذِبُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا يَكْذِبُ فَلَسْتُ بِكَاذِبٍ فِيمَا أَقُولُ حَتَّى أَنْهَزِمَ، وَلَا أَجُولُ بَلْ أَنَا مُتَيَقِّنٌ أَنَّ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ حَقٌّ، وَإِنَّ خِذْلَانَ أَعْدَائِي صِدْقٌ (أَنَا ابْنُ ... عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) انْتَسَبَ بِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دُونَ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ إِمَّا مُرَاعَاةً لِلْوَزْنِ وَالْقَافِيَةِ، أَوْ لِأَنَّ أَبَاهُ تُوَفِّيَ شَابًّا فِي حَيَاةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَمْ يَشْتَهِرْ كَاشْتِهَارِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ ; فَإِنَّهُ كَانَ سَيِّدَ

أَوْ لِأَنَّ أَبَاهُ تُوَفِّيَ شَابًّا فِي حَيَاةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَمْ يَشْتَهِرْ كَاشْتِهَارِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ ; فَإِنَّهُ كَانَ سَيِّدَ

قُرَيْشٍ، وَرَئِيسَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ النَّاسُ يَدْعُونَ النَّبِيَّ ﷺ بِابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَيْضًا فَاشْتُهِرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بُشِّرَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَظْهَرُ، وَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ لَمَّا أَخْبَرَهُ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ. وَقِيلَ ; لِأَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا تَدُلُّ عَلَى ظُهُورِهِ وَكَمَالِ جَمَالِ نُورِهِ ﷺ فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ. وَبِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ لِتَقْوَى نُفُوسُ الْمُؤَلَّفَةِ، وَنَحْوُهُمْ عَلَى رَجَاءِ الْإِعْلَاءِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ قَوْلِ الْإِنْسَانِ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁. أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ. أَيْ: أَسَدًا وَقَوْلُ سَلَمَةَ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَوْلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِافْتِخَارِ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ مِنَ الْكُفَّارِ ثُمَّ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ فِي الْبَيْتِ سُكُونُ الْبَاءِ فِي الْمِصْرَاعَيْنِ، وَشَذَّ مَا قِيلَ مِنْ فَتْحِ الْبَاءِ الْأُولَى، وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ: الرِّوَايَةُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِالْخَفْضِ، وَكَذَا قَوْلُهُ دَمِيَتْ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ حِرْصًا عَلَى أَنْ يُغَيِّرَ الرِّوَايَةَ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ الِاعْتِذَارِ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالْمَدِّ انْتَهَى.

مَدٍّ حِرْصًا عَلَى أَنْ يُغَيِّرَ الرِّوَايَةَ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ الِاعْتِذَارِ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالْمَدِّ انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ مُجْمَلَ قِصَّةِ حُنَيْنٍ، وَهُوَ وَادٍ وَرَاءَ عَرَفَةَ دُونَ الطَّائِفِ قِيلَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ لَيَالٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْآثَارِ، وَأَحْبَارُ الْأَخْيَارِ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ وَتَمْهِيدِهَا وَأَسْلَمَ عَامَّةُ أَهْلِهَا اجْتَمَعَتْ أَشْرَافُ هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ، وَقَصَدُوا حَرْبَ الْمُسْلِمِينَ فَسَارَ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَلْفَانِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَهُمُ الطُّلَقَاءُ أَيْ: عَنِ الِاسْتِرْقَاقِ، وَخَرَجَ مَعَهُ ثَمَانُونَ مُشْرِكًا مِنْهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَوَرَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ رَجُلًا أُطْلِعَ عَلَى جَبَلٍ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأَنَّ هَوَازِنَ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ بِظُعْنِهِمْ وَغَنَمِهِمُ اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «تِلْكَ غَنِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .

ْنِهِمْ وَغَنَمِهِمُ اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «تِلْكَ غَنِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» . وَقَوْلُهُ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَتِهِمْ وَإِرِدَةِ جَمِيعِهِمْ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، حَتَّى كَانَ بَكْرَةُ أَبِيهِمْ أَيْضًا مَعَهُمْ، وَهِيَ مَا يُسْتَقَى عَلَيْهَا الْمَاءُ، وَالْمُرَادُ بِالظُّعُنِ: النِّسَاءُ، وَاحِدَتُهَا ظَعِينَةٌ ثُمَّ لِأَجْلِ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَزَعْمُ أَنَّهُ الصِّدِّيقُ كَذِبٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قُلْتُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ نَقْلِهِ، فَلَا مَحْذُورَ فِي قَوْلِهِ: «لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ» ، لِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا: «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَى عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» إِذْ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْعَسْكَرِ يَقْدِرُ أَنْ يُقَاوِمَ أُلُوفًا كَثِيرَةً، وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْغَلَبَةِ، فَهِيَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا مِنْ كَثْرَةٍ، وَلَا مِنْ قِلَّةٍ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ نَوْعُ عُجْبٍ، وَتَوَهُّمُ غُرُورٍ مِمَّا قَدْ يُفْضِي إِلَى عَدَمِ التَّضَرُّعِ، وَالِابْتِهَالِ إِلَى الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ الْآيَةَ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَكِبَ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَلَبِسَ دِرْعَيْنِ وَالْمِغْفَرَ وَالْبَيْضَةَ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ مَا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ مِنَ السَّوَادِ، وَالْكَثْرَةِ، وَذَلِكَ فِي غَبَشِ الصُّبْحِ، وَخَرَجَتِ الْكَتَائِبُ مِنْ مَضِيقِ الْوَادِي حَمْلَةً وَاحِدَةً فَانْكَشَفَتْ خَيْلُ بَنِي سُلَيْمٍ مُوَلِّيَةً، وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَالنَّاسُ.

َجَتِ الْكَتَائِبُ مِنْ مَضِيقِ الْوَادِي حَمْلَةً وَاحِدَةً فَانْكَشَفَتْ خَيْلُ بَنِي سُلَيْمٍ مُوَلِّيَةً، وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَالنَّاسُ. وَقِيلَ وَلَمْ يَثْبُتْ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، وَأَبُو سُفْيَانَ ابْنُ عَمِّهِ الْحَارِثِ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَأُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ أَكُفُّهَا مَخَافَةَ أَنْ تَصِلَ إِلَى الْعَدُوِّ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي نَحْرِهِمْ وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ وَجَعَلَ ﷺ يَأْمُرُ الْعَبَّاسَ بِمُنَادَاةِ الْأَنْصَارِ، وَأَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَيْ: شَجَرَةِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَنَادَاهُمْ، وَكَانَ صَيِّتًا يُسْمَعُ صَوْتُهُ نَحْوَ ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ فَلَمَّا سَمِعُوهُ أَقْبَلُوا كَأَنَّهُمُ الْإِبِلُ حَنَّتْ عَلَى أَوْلَادِهَا يَقُولُونَ: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، فَتَرَاجَعُوا حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يُطَاوِعْهُ بَعِيرُهُ نَزَلَ عَنْهُ وَرَجَعَ مَاشِيًا فَأَمَرَهُمْ ﷺ أَنْ يَصْدُقُوا الْحَمْلَةَ فَاقْتَتَلُوا مَعَ الْكُفَّارِ، وَلَمَّا نَظَرَ ﷺ إِلَى قِتَالِهِمْ قَالَ: الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ أَيْ: تَنُّورُ الْخُبْزِ ضَرَبَهُ مَثَلًا لِشِدَّةِ الْحَرْبِ الَّتِي يُشْبِهُ حَرُّهَا حَرَّهُ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَتَنَاوَلَ ﷺ حَصَيَاتٍ مِنَ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ أَيْ: قَبُحَتْ ثُمَّ رَمَى فَامْتَلَأَتْ عَيْنَا كُلٍّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيِّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا وَلَّوْا نَزَلَ ﷺ عَنْ فَرَسِهِ وَضَرَبَ وُجُوهَهُمْ بِكَفٍّ مِنْ تُرَابٍ فَحَدَّثَ أَبْنَاؤُهُمْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمُهُ تُرَابًا، وَسَمِعْنَا صَلْصَلَةً مِنَ السَّمَاءِ كَإِمْرَارِ الْحَدِيدِ عَلَى الطَّشْتِ الْجَدِيدِ بِالْجِيمِ. .

ِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمُهُ تُرَابًا، وَسَمِعْنَا صَلْصَلَةً مِنَ السَّمَاءِ كَإِمْرَارِ الْحَدِيدِ عَلَى الطَّشْتِ الْجَدِيدِ بِالْجِيمِ. . وَلِأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ سَرْجَ بَغْلَتِهِ ﷺ مَالَ، فَقُلْتُ ارْتَفِعْ رَفَعَكَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: نَاوِلْنِي كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَضَرَبَ وَجُوهَهُمْ، وَامْتَلَأَتْ أَعْيُنُهُمْ تُرَابًا، وَجَاءَ الْمُهَاجِرُونَ، وَالْأَنْصَارُ بِسُيُوفِهِمْ بِأَيْمَانِهِمْ كَأَنَّهَا الشُّهُبُ فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ الْأَدْبَارَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ رَجُلٍ كَانَ مِنْهُمْ

أَيْ: مِنَ الْكُفَّارِ لَمَّا لَقِينَاهُمْ أَيِ: الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقِفُوا لَنَا حَلْبَ شَاةٍ فَجَعَلْنَا نَسُوقُهُمْ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى صَاحِبِ الْبَغْلَةِ الْبَيْضَاءِ ; فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقَّانَا عِدَّةُ رِجَالٍ بِيضُ الْوُجُوهِ حِسَانٌ فَقَالُوا: لَنَا شَاهَتِ الْوُجُوهُ ارْجِعُوا قَالَ: فَانْهَزَمْنَا وَرَكِبُوا أَكْتَافَنَا. وَفِي سِيرَةِ الدِّمْيَاطِيِّ كَانَ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَمَائِمُ حَمْرَاءُ أَرْخَوْهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ، وَأَمَرَ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ فَأَفْضَوْا فِيهِ إِلَى الذُّرِّيَّةِ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، وَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» ، وَاسْتَلَبَ أَبُو طَلْحَةَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَكَانَ فِي إِمْسَاكِهِ تَعَالَى لِقُلُوبِ هَوَازِنَ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْفَتْحِ الْمَجْعُولِ عَلَامَةً عَلَى دُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا إِتْمَامٌ لِإِعْزَازِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَزِيدٌ لِنُصْرَتِهِ بِقَهْرِ هَذِهِ الشَّوْكَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَلْقَوْا قَبْلَهَا مِثْلَهَا، وَأُذِيقُوا أَوَّلًا مَرَارَةَ الْهَزِيمَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ لِتَتَوَاضَعَ رُءُوسٌ رُفِعَتْ بِالْفَتْحِ وَلَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ وَحَرَمَهُ عَلَى هَيْئَةِ تَوَاضُعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلِيَتَبَيَّنَ لِمَنْ قَالَ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، أَنَّ النَّصْرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الْمُتَوَلِّي لِنَصْرِ دِينِهِ وَرَسُولِهِ دُونَ كَثْرَتِهِمُ الَّتِي أَعْجَبَتْهُمْ بِأَنَّهَا

لنَّصْرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الْمُتَوَلِّي لِنَصْرِ دِينِهِ وَرَسُولِهِ دُونَ كَثْرَتِهِمُ الَّتِي أَعْجَبَتْهُمْ بِأَنَّهَا لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ شَيْئًا فَلَمَّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ جَبَرَهَا اللَّهُ بِأَنْ أَنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَيْهِمْ، وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا، وَلَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ مَعَهُ إِلَّا هُنَا وَفِي بَدْرٍ، وَاخْتَصَّتَا أَيْضًا بِرَمْيِهِ ﷺ وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُمَا لِأَنَّ الْقِصَّةَ الْأُولَى كَانَتْ فِي أَوَّلِ أَمْرِ الدِّينِ، وَقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ. وَالْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ بَعْدَ كَثْرَتِهِمْ وَإِعْزَازِهِمْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ مُعَاوَنَةِ الرَّبِّ فِي كُلِّ حَالٍ، ثُمَّ أَمَرَ ﷺ بِطَلَبِ الْعَدُوِّ، فَانْتَهَى بَعْضُهُمْ إِلَى الطَّائِفِ، وَبَعْضُهُمْ نَحْوَ نَخْلَةَ، وَقَوْمٌ مِنْهُمْ فَرُّوا إِلَى أَوَطَاسٍ، وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةٌ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ.

ى أَوَطَاسٍ، وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةٌ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ) أَيْ: قَضَاءِ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ صَرِيحٌ لِمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَنَّ الْمُحْصَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، سَوَاءٌ كَانَ حَجُّهُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَوْ كَانَ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ إِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ لَا غَيْرَ قَضَاهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إِذَا أُحْصِرَ فِي حَجَّةِ الْفَرْضِ، وَحَلَّ مِنْهَا الْقَضَاءُ عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ كَمَا فِي التَّطَوُّعِ عِنْدَنَا ; فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَنَا دَلِيلٌ إِلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ التَّامَّةِ، وَالْمُقَارَنَةِ فِي الْآيَةِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ لَكَانَ كَافِيًا.

مَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ التَّامَّةِ، وَالْمُقَارَنَةِ فِي الْآيَةِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ لَكَانَ كَافِيًا. وَأَمَّا مَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْفَرْقَ هُوَ أَنَّ النَّفْلَ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَتْبَاعِهِمْ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ اسْتُثْنِيَ لَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ، فَمَنْ شَرَعَ فِي حَجِّ نَفْلٍ أَوْ عُمْرَةٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِتْمَامُهَا إِجْمَاعًا لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، وَنَحْنُ قِسْنَا سَائِرَ الْأَعْمَالِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهِمَا مَعَ دَلَالَةِ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ وَمَنْعِ قُبْحِ الْمُلَاعَبَةِ فِي أَمْرِ الدِّينِ بِأَنْ يَشْرَعَ فِي عِبَادَةٍ ثُمَّ يَتْرُكُهَا ثُمَّ يَفْعَلُهَا ثُمَّ يُبْطِلُهَا وَهَلُمَّ جَرَّا وَقَالَ بْنُ حَجَرٍ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ هُنَا الْقَضِيَّةُ أَيِ: الْمُقَاضَاةُ وَالْمُصَالَحَةُ لَا الْقَضَاءُ الشَّرْعِيُّ لِأَنَّ عُمْرَتَهُمُ الَّتِي تَحَلَّلُوا مِنْهَا بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ قَضَاؤُهَا كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُحْصَرِ عِنْدَنَا انْتَهَى.

يُّ لِأَنَّ عُمْرَتَهُمُ الَّتِي تَحَلَّلُوا مِنْهَا بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ قَضَاؤُهَا كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُحْصَرِ عِنْدَنَا انْتَهَى. وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى (وَابْنُ رَوَاحَةَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ، وَهُوَ أَحَدُ شُعَرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ (وَهُوَ) أَيِ: ابْنُ رَوَاحَةَ (يَقُولُ خَلُّوا) أَيْ: دُومُوا عَلَى التَّخْلِيَةِ ; لِأَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ تَرَكُوا مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ (بَنِي الْكُفَّارِ) بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ أَيْ: يَا أَوْلَادَ الْكَفَرَةِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (عَنْ سَبِيلِهِ) بِإِشْبَاعِ كَسْرَةِ الْهَاءِ عَلَى مَا فِي الْأَصْلِ الْأَصِيلِ، وَسَائِرِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِسُكُونِ الْهَاءِ، وَالْمَعْنَى اتْرُكُوا سَبِيلَهُ فِي دُخُولِ الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ، وَادْخُلُوا فِي سَبِيلِهِ مِنَ الدِّينِ الْأَقْوَمِ (الْيَوْمَ) أَيْ: هَذَا الْوَقْتَ الَّذِي لَنَا الْغَلَبَةُ عَلَيْكُمْ بِمُقْتَضَى قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ (نَضْرِبْكُمْ) بِسُكُونِ الْبَاءِ لِلضَّرُورَةِ أَيْ: نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَقْدِيرِ نَقْضِ عَهْدِكُمْ، وَقَصْدِ مَنْعِكُمْ (عَلَى تَنْزِيلِهِ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ ﷺ رَسُولًا مُنَزَّلًا عَلَيْهِ الْوَحْيُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ بِنَاءً عَلَى تَنْزِيلِكُمْ إِيَّاهُ وَإِعْطَاءِ الْعَهْدِ وَالْأَمَانَ لَهُ فِي دُخُولِ حَرَمِ اللَّهِ، وَعَلَى كُلٍّ فَالضَّمِيرُ فِي كِلَا الْمِصْرَاعَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ، سَوَاءٌ لَاحَظْنَا الْفَاعِلَ الْمُقَدَّرَ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ أَوْلَى بِالْحَقِيقَةِ، أَوْ رَاعَيْنَا الْمَجَازَ، فَأَضَفْنَا التَّنْزِيلَ إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمُ السَّبَبَ فِي نُزُولِهِ حَيْثُ جَوَّزُوا لَهُ فِي قَصْدِ وُصُولِهِ وَغَرَضِ حُصُولِهِ، وَلَا شَكَّ فِي ظُهُورِ هَذَا الْمَحَلِّ لَفْظًا

وَمَعْنًى. وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ جَعَلَ الضَّمِيرَ رَاجِعًا إِلَى الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ مَا يَفْهَمُهُ نَحْوَ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (ضَرْبًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: ضَرْبًا عَظِيمًا (يُزِيلُ) أَيِ: الضَّرْبُ، وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ (الْهَامَ) أَيْ: جِنْسَ الرَّأْسِ مُبَالَغَةً ; فَإِنَّ مُفْرَدَهُ هَامَةٌ، وَهِيَ الرَّأْسُ أَوْ وَسَطُهُ، وَالْمُرَادُ رُءُوسُ الْكُفَّارِ، وَرُؤَسَاءُ أَهْلِ النَّارِ (عَنْ مَقِيلِهِ) أَيْ: عَنْ مَكَانِهِ، وَمَحَلِّ رُوحِهِ، وَمَوْضِعِ اسْتِرَاحَتِهِ فَأُرِيدَ بِهِ التَّجْرِيدُ أَوِ التَّشْبِيهُ وَالتَّقْيِيدُ. وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَقِيلَ مَكَانُ الْقَيْلُولَةِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الِاسْتِرَاحَةِ فَجُرِّدَ وَأُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الْمَكَانِ أَوْ شُبِّهَ بِهِ الْعُنُقُ بِجَامِعِ مَحَلِّ اسْتِرَاحَةِ الرَّأْسِ، وَبَقَائِهِ وَعَلَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَصِيرُ الْمَعْنَى يُزِيلُ الرَّأْسَ عَنِ الْعُنُقِ أَوِ الْمَقِيلِ كِنَايَةً عَنِ النَّوْمِ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِرَاحَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي النَّوْمِ أَيْ: يَمْنَعُ الرَّأْسَ عَنِ النَّوْمِ، وَالِاسْتِرَاحَةُ بِهِ لِشِدَّةِ مَا يُقَاسِيهِ عَلَى مُلَاحَظَةِ نَوْعِ قَلْبٍ مِنَ الْكَلَامِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ضَرْبًا يَطْرُدُ النَّوْمَ عَنِ الرَّأْسِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا عِنْدَ كَمَالِ الْأَمْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَى هَذَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا مِنَ الْوَجْهَيْنِ لَكِنَّهُ أَبْدَلَ عَجُزَ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ. قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ ... (وَزَادَ عُقْبَةُ) بِأَنَّ خَيْرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهِ. نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ ... كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ الْمُصَنِّفِ لَكِنَّهُ ابْتَدَأَ بِعَجُزِ الْأَوَّلِ، وَجَعَلَ عَجُزَ الثَّانِي.

َى تَنْزِيلِهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ الْمُصَنِّفِ لَكِنَّهُ ابْتَدَأَ بِعَجُزِ الْأَوَّلِ، وَجَعَلَ عَجُزَ الثَّانِي. يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ. وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَلَى هَذَا. إِنِّي رَأَيْتُ الْحَقَّ فِي قَبُولِهِ. (وَيَذْهَلُ) وَفِي نُسْخَةٍ، وَيَذْهَبُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مُنَاسَبَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَالْمَعْنَى وَضَرْبًا يُبْعِدُ وَيُشْغِلُ (الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ) أَيْ: فَيَصِيرُ الْيَوْمَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلًّا يَخْشَى فَوَاتَ نَفْسِهِ، وَذَهَابَ نَفْسِهِ كَيَوْمِ الْقِيَامَةِ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَلَا تَسْأَلُ عَمَّنْ كَانَ بِهِ جَمِيعُ أَنْسَابِهَا، وَلِكُلِّ امْرِئٍ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: أَقُدَّامَ رَسُولِ اللَّهِ (وَفِي حَرَمِ اللَّهِ تَقُولُ شِعْرًا) أَيْ: وَقَدْ ذُمَّ الشِّعْرُ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ أَيْضًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ خَلِّ عَنْهُ) أَيِ: اتْرُكْهُ مَعَ شِعْرِهِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ ذَمُّ الشِّعْرِ عَلَى إِطْلَاقِهِ (يَا عُمَرُ) فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْفَارُوقُ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ أَفْرَادِهِ ; فَإِنَّ الشِّعْرَ كَسَائِرِ الْكَلَامِ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ ذَمُّهُ عَلَى إِرَادَةِ التَّجْرِيدِ لَهُ، وَتَرْكِ مَا يَجِبُ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ وَإِلَّا فَالْكَلَامُ لَهُ تَأْثِيرٌ بَلِيغٌ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَنْظُومًا عَلَى طَرِيقَةِ الْبُلَغَاءِ، وَخُطَبَاءِ الْفُصَحَاءِ (فَلَهِيَ) اللَّامُ لِلِابْتِدَاءِ تَأْكِيدًا، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْأَبْيَاتِ أَوِ الْكَلِمَاتِ أَوْ إِلَى الْقَصِيدَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ شِعْرًا،

ُ لِلِابْتِدَاءِ تَأْكِيدًا، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْأَبْيَاتِ أَوِ الْكَلِمَاتِ أَوْ إِلَى الْقَصِيدَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ شِعْرًا، وَقِيلَ رَاجِعٌ إِلَى الشِّعْرِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْقَصِيدَةُ أَيْ: فَلَتَأْثِيرُهَا (أَسْرَعُ فِيهِمْ) أَيْ: أَعْجَلُ وَأَنْفَعُ فِي قُلُوبِهِمْ أَوْ فِي إِيذَائِهِمْ (مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ) أَيْ: مِنْ رَمْيِهِ مُسْتَعَارٌ مِنْ نَضْحِ الْمَاءِ، وَاخْتِيرَ لِكَوْنِهِ أَسْرَعَ نُفُوذًا وَأَعْجَلَ سِرَايَةً، وَالْمَعْنَى أَنَّ هِجَاءَهُمْ أَثَّرَ فِيهِمْ تَأْثِيرَ النَّبْلِ، وَقَامَ مَقَامَ الرَّمْيِ فِي النِّكَايَةِ بِهِمْ بَلْ هُوَ أَقْوَى عَلَيْهِمْ لَا سِيَّمَا مَعَ الْمُشَافَهَةِ بِهِ كَمَا قِيلَ شِعْرٌ: جِرَاحَاتُ السِّنَّانِ لَهَا الْتِئَامٌ. وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ أَيِ: الْكَلَامُ وَلَوْ قِيلَ الْكَلَامُ مَكَانَ اللِّسَانِ لَكَانَ الْبَيْتُ مُطْلَقًا فِي غَايَةٍ مِنَ الْبَيَانِ، وَالنَّبْلُ هُوَ السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهِ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ النَّبْلِ عَلَى الرُّمْحِ، وَالسَّيْفِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا، وَأَسْرَعُ تَنْفِيذًا مَعَ إِمْكَانِ إِيقَاعِهِ مِنْ بُعْدٍ إِرْسَالًا، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمَا دَفْعًا وَعِلَاجًا. رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ مَا أَنْزَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ. «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ، وَلِسَانِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ بِنَضْحِ النَّبْلِ» . قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَشِعْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بَيَانُ هَجْوِ الْكُفَّارِ، وَأَذَاهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمَانٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْجِهَادِ فِيهِمْ، وَالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ فِي الْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ بَيَانًا لِنَقْصِهِمْ،

وَالِاقْتِصَارِ مِنْهُمْ بِهِجَائِهِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.

(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ سِمَاكِ) بِكَسْرٍ فَتَخْفِيفٍ (بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) بِفَتْحٍ وَضَمٍّ (قَالَ جَالَسْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ وَكَانَ) بِالْوَاوِ وَفِي نُسْخَةٍ فَكَانَ (أَصْحَابُهُ) أَيْ: فِي جَمِيعِ الْمَجَالِسِ أَوْ فِي بَعْضِهَا (يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ) أَيْ: يَطْلُبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَنْ يُنْشِدَ الشِّعْرَ الْمَحْمُودَ، وَالْإِنْشَادُ هُوَ أَنْ يَقْرَأَ شِعْرَ الْغَيْرِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُنَاشِدُونَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ (وَيَتَذَاكَرُونَ) أَيْ: فِي مَجَالِسِهِمْ دَائِمًا أَوْ أَحْيَانًا (أَشْيَاءَ) أَيْ: مَنْظُومَةً أَوْ مَنْثُورَةً (مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي بَعْضِهَا: مِنْ أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ (وَهُوَ سَاكِتٌ) أَيْ: غَالِبًا لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّحَيُّرِ فِي اللَّهِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ، وَعُقْبَاهُ، أَوِ الْمَعْنَى سَاكِتٌ عَنْهُمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ إِنْشَادِ الشِّعْرِ، وَذِكْرِ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لِحُسْنِ خُلُقِهِ فِي عِشْرَتِهِمْ وَزِيَادَةِ أُلْفَتِهِمْ، وَمَحَبَّتِهِمْ بِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ مُبَاحَاتِهِمْ بِنَاءً عَلَى حُسْنِ نِيَّاتِهِمْ، وَأَخْذِ الْفَوَائِدِ، وَالْحِكَمِ مِنْ حِكَايَاتِهِمْ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْعَارِفِينَ فِي مُشَاهَدَاتِهِمْ. فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَاهِدُ ... دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

الْحِكَمِ مِنْ حِكَايَاتِهِمْ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْعَارِفِينَ فِي مُشَاهَدَاتِهِمْ. فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَاهِدُ ... دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (وَرُبَّمَا تَبَسَّمَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَتَبَسَّمُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ (مَعَهُمْ) أَيْ: مَعَ أَصْحَابِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَتَبَسَّمُ عَلَى رِوَايَاتِهِمْ، وَبَيَانِ حَالَاتِهِمْ، وَتَحْسِينِ مَقَالَاتِهِمْ مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِمَّنْ صَارَ مِنْ جُمْلَةِ أَحْبَابِهِ: مَا نَفَعَ صَنَمٌ أَحَدًا ... مِثْلَ مَا نَفَعَنِي صَنَمِي فَإِنِّي جَعَلْتُهُ مِنَ الْحَيْسِ ... لِمَا كَانَ لِي مِنَ الْكَيْسِ. فَنَفَعَنِي فِي زَمَنِ الْقَحْطِ ... وَمَنْ كَانَ مَعِيَ مِنَ الرَّهْطِ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ الْآخَرُ رَأَيْتُ ثَعْلَبًا صَعِدَ فَوْقَ صَنَمِي، وَبَالَ عَلَى رَأْسِهِ وَعَيْنَيْهِ حَتَّى عَمِيَ. فَقُلْتُ أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ، فَتَرَكْتُ طَرِيقَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَدَخَلْتُ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ هَذّا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ حِلُّ اسْتِمَاعِ الشِّعْرِ، وَإِنْشَادِهِ مِمَّا لَا فُحْشَ، وَلَا خَنَأَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَوَقَائِعِهِمْ فِي حُرُوبِهِمْ، وَمَكَارِمِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ أَشْعَارَهَمُ الَّتِي كَانُوا يَتَنَاشَدُونَهَا فِيهَا الْحَثُّ عَلَى الطَّاعَةِ، وَذِكْرُهُمْ أُمُورَ الْجَاهِلِيَّةِ لِلنَّدَمِ عَلَى فِعْلِهَا، فَيَكُونُ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ لَا مُبَاحٌ فَقَطْ لِأَنَّ قَاعِدَةَ أَنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ تُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْإِبَاحَةُ، وَثَمَّةَ السُّنَّةُ كَمَا قَرَّرْتُهُ خِلَافًا لِشَارِحٍ.

أَنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ تُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْإِبَاحَةُ، وَثَمَّةَ السُّنَّةُ كَمَا قَرَّرْتُهُ خِلَافًا لِشَارِحٍ. قُلْتُ الصَّوَابُ مَا شَرَحَ اللَّهُ لِصَدْرِ ذَلِكَ الشَّارِحِ حَيْثُ حَرَّرَ فِعْلَ أَصْحَابِهِ، وَقَرَّرَ سُكُوتَهُ ﷺ عَلَى مُرَادِ الشَّارِعِ الْفَاتِحِ لَا عَلَى الْمُبَاحِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي يُسَمَّى لَغْوًا بِلَا فَائِدَةٍ دِينِيَّةٍ، وَدُنْيَوِيَّةٍ وَعَائِدَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالَ ﷺ. «إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرَكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» . وَمَا الْمُوجِبُ لِحَمْلِ مَا ذُكِرَ عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِي حُسْنُ الظَّنِّ بِأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ ﵃، بَعْدَ تَشَرُّفِهِمْ بِالْإِسْلَامِ لَا سِيَّمَا وَهُمْ فِي صُحْبَةِ سَيِّدِ الْأَنَامِ مَعَ تَعَدُّدِ مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي الْأَيَّامِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْقَاعِدَةِ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْقَضِيَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا الْقَضِيَّةُ الْوَاقِعَةُ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ زَمَانًا وَمَكَانًا وَرَاوِيًا، فَمَا بَعْدَهُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِهَا، وَجَعْلِ الْكَلَامِ مُؤَسَّسًا بِسَبَبِهَا عَلَى أَنَّ التَّأْسِيسَ إِذَا بَنَيْنَا عَلَى الْأَسَاسِ النَّفِيسِ يُوجَدُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ فِي شِعْرٍ لِلشَّاعِرِ، وَالثَّانِي فِي إِنْشَادِ شِعْرِ الْغَيْرِ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ مُخْتَصٌّ بِالنَّظْمِ، وَالثَّانِيَ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنَ النَّثْرِ مَعَ أَنَّ الْفِعْلَ إِذَا تَعَدَّدَ، وَحَصَلَتْ فِيهِ الْمُوَاظَبَةُ وَالْمُدَاوَمَةُ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِعِدَّةٍ مِنْ أَنْوَاعِ السُّنَّةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنْ وُقُوعِ الْعَمَلِ مَرَّةً أَوْ نَادِرًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِإِطْلَاقِ الْإِبَاحَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ،

لثَّانِي، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنْ وُقُوعِ الْعَمَلِ مَرَّةً أَوْ نَادِرًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِإِطْلَاقِ الْإِبَاحَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَكَ انْعِكَاسَ الْقَضِيَّةِ ; فَتَأَمَّلْ.

(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ حَدَّثَنَا (شَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) مُصَغَّرًا (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَشْعَرُ كَلِمَةٍ) أَيْ: أَحْسَنُهَا وَأَدَقُّهَا وَأَجْوَدُهَا وَأَحَقُّهَا، وَالْمَعْنَى أَفْضَلُ قَصِيدَةٍ أَوْ جُمْلَةٍ (تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ) أَيْ: شُعَرَاؤُهُمْ وَبُلَغَاؤُهُمْ وَفُصَحَاؤُهُمْ (كَلِمَةُ لَبِيدٍ) وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا، وَقَالَ: يَكْفِينِي الْقُرْآنُ، مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ فِي كَمَالِ الْعِرْفَانِ، وَالْإِيقَانِ (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ) قِيلَ لَمَّا سَمِعَ عُثْمَانُ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ. وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ.

اعْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: كَذِبَ لَبِيدٌ ; فَإِنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ فَلَمَّا عَقَّبَ لَبِيدُ ذَلِكَ مُبَيِّنًا لِمُرَادِهِ أَنَّهُ نَعِيمُ الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ. نَعِيمُكَ فِي الدُّنْيَا غُرُورٌ وَحَسْرَةٌ. الْبَيْتَ، وَسَمِعَهُ عُثْمَانُ ﵁ قَالَ: صَدَقَ لَبِيدٌ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ) وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ (قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: رَدِيفَهُ وَزَادَ فِي مُسْلِمٍ يَوْمًا (فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ: هِيهِ، فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: هِيهِ، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: هِيهِ حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ) . فَفِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ (فَأَنْشَدْتُهُ مِائَةَ قَافِيَةٍ) إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ تَنَاشُدِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَافِيَّةِ الْبَيْتُ، وَأَطْلَقَ الْجُزْءَ وَأَرَادَ الْكُلَّ مَجَازًا (مِنْ قَوْلِ أُمَيَّةَ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ أَبِي الصَّلْتِ) قَالَ مِيرَكُ: هُوَ ثَقَفِيٌّ مِنْ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ أَدْرَكَ مَبَادِئَ الْإِسْلَامِ، وَبَلَغَهُ خَبَرُ مَبْعَثِ سَيِّدِ الْأَنَامِ لَكِنَّهُ لَمْ يُوَفَّقْ بِالْإِيمَانِ، وَكَانَ غَوَّاصًا فِي الْمَعَانِي، وَلِذَا قَالَ ﷺ فِي شَأْنِهِ: «آمَنَ لِسَانُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ» .

Bagian 24 dari 41