جمع الوسائل في شرح الشمائل

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الملا على القاري (w. 1014 H).

Bagian 27 dari 41 494 halaman

— Bagian 27 · ثُمَّ رَقَدَ (حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ) … —

Bagian 27

ثُمَّ رَقَدَ (حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ) أَيْ: تَخْمِينًا وَتَقْرِيبًا (أَوْ قَبْلَهُ) أَيْ: أَوْ كَانَ قَبْلَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ (بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ أَوْ كَانَ بَعْدَهُ (بِقَلِيلٍ فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ ﷺ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ) أَيْ: أَثَرَهُ مِمَّا يَعْتَرِي النَّفْسَ مِنَ الْفُتُورِ (عَنْ وَجْهِهِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْدِيدَ الْمَذْكُورَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَاءً عَلَى تَرَدُّدِهِ بِأَنَّ غَايَةَ النَّوْمِ نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَ النِّصْفِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُ مِنَ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ: فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ أَوْ نِصْفُهُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ (ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ) أَيْ: مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ حِلُّ الْقِرَاءَةِ لِلْمُحْدِثِينَ حَدَثًا أَصْغَرَ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ بَلْ نَدَبَهَا لَهُ انْتَهَى.

َّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ حِلُّ الْقِرَاءَةِ لِلْمُحْدِثِينَ حَدَثًا أَصْغَرَ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ بَلْ نَدَبَهَا لَهُ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ نَوْمُهُ ﷺ لَيْسَ بِنَاقِضٍ إِجْمَاعًا فَكَيْفَ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَرَأَ الْآيَاتِ مُحْدِثًا مَعَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ التَّيَمُّمِ لِرَدِّ السَّلَامِ فَكَيْفَ لِكَلَامِ الْمَلِكَ الْعَلَّامِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ قِرَاءَتُهُ مُحْدِثًا لَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، فَقَوْلُهُ بَلْ نَدَبَهَا لَهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ، وَلَا دَلَالَةَ لِقَوْلِهِ: «فَتَوَضَّأَ» عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مُجَرَّدًا (الْخَوَاتِيمَ) جَمْعُ الْخَاتِمَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِ الْيَاءِ، وَفِيهِ نَدْبُ قِرَاءَةِ خُصُوصِ هَذِهِ الْآيَاتِ عَقِبَ الِاسْتِيقَاظِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَى الْفَوَائِدِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْإِيقَاظُ (مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) فِيهِ إِبَاحَةُ قَوْلِ ذَلِكَ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ السَّلَفِ، وَقَالَ: بَلْ يُقَالُ السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ وَكَذَا الْبَقَرَةُ وَأَمْثَالُهَا كَرَاهَةَ ظَاهِرِ الْإِضَافَةِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ.

الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ وَكَذَا الْبَقَرَةُ وَأَمْثَالُهَا كَرَاهَةَ ظَاهِرِ الْإِضَافَةِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ. لَيْسَ عَلَى الْأَصْلِ، فَإِنَّ كَرَاهَةَ السَّلَفِ لَا تَخْلُو عَنْ أَصْلٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ فَصْلٍ (ثُمَّ قَامَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (إِلَى شَنٍّ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ الْقِرْبَةُ الْخَلِقَةُ (مُعَلَّقٌ) أَيْ: لِتَبْرِيدِ الْمَاءِ أَوْ لِحِفْظِهِ (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الشَّنِّ وَتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقِرْبَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْهُ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أَيْ: وُضُوءَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ وَالْمَعْنَى أَسْبَغَهُ وَأَكْمَلَهُ، وَهُوَ مَعْنَى رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوأَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ، وَقَدْ أَبْلَغَ أَيْ: لَمْ يُكْثِرْ صَبَّ الْمَاءِ، وَلَمْ يُسْرِفْ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَوِ الْكَمِّيَّةِ، وَقَدْ أَبْلَغَ الْوُضُوءَ أَمَاكِنَهُ، وَاسْتَوْفَى عَدَدَهُ الْمَسْنُونَ (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) حَالٌ وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ: فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: فَتَوَضَّأَ وَاسْتَاكَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَاكَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَوْتَرَ بِثَلَاثٍ. وَلِمُسْلِمٍ: فَاسْتَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ ; فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ، وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.

لَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ، وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ. قِيلَ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ; لِأَنَّ فِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ فَيُعْمَلُ بِهَا وَإِنْ سَكَتَتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهَا لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَلَيْسَتِ الْوَاقِعَةُ مُتَعَدِّدَةً حَتَّى يُحْمَلَ الِاخْتِلَافُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هِيَ

وَاحِدَةٌ، فَيَجِبُ عِنْدَ عَدَمِ التَّعَارُضِ الْعَمَلُ بِالْأَصَحِّ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ إِحْدَاهُمَا (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) أَيْ: فَقُمْتُ وَتَوَضَّأْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ (فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى) قِيلَ وَضَعَهَا عَلَيْهِ أَوَّلًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِ الْأُذُنِ أَوْ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ إِلَّا عَلَيْهِ، أَوْ لِيُنْزِلْ بَرَكَتَهَا بِهِ لِيَحْفَظَ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ وَغَيْرِهِ (فَفَتَلَهَا) بِالْفَاءِ الْعَاطِفَةِ عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي، وَفِي نُسْخَةٍ يَفْتِلُهَا عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، فَحِينَئِذٍ هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَخَذَ وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فَأَخَذَ بِأُذُنِي، فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ قِيلَ، وَفَتَلَهَا إِمَّا لِيُنَبِّهَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ أَوْ لِيَزْدَادَ تَيَقُّظُهُ لِحِفْظِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ أَوْ لِيُزِيلَ مَا عِنْدَهُ مِنَ النُّعَاسِ لِرِوَايَةِ: فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ.

أْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ مَعْنٌ: سِتُّ مَرَّاتٍ) أَيْ: قَوْلُهُ رَكْعَتَيْنِ سِتُّ مَرَّاتٍ فَتَكُونُ صَلَاتُهُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً (ثُمَّ أَوْتَرَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يَعْنِي فَالْوَتْرُ وَاحِدَةٌ، وَيُدْفَعُ بِأَنَّ الْمَعْنَى ثُمَّ أَوْتَرَ الشَّفْعَ الْأَخِيرَ بِرَكْعَةٍ مُنْضَمَّةٍ إِلَيْهِ لِرِوَايَةِ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، قِيلَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ صَحِيحَةٌ، وَأَنَّ لَهُ مَوْقِفًا مِنَ الْإِمَامِ كَالْبَالِغِ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَاتِ جَائِزَةٌ، أَقُولُ: وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْفُرُوعِ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ بِكَرَاهِيَةِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّوَافِلِ إِذَا كَانَ سِوَى الْإِمَامِ أَرْبَعَةٌ، قَالَ فِي الْكَافِي: أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالْجَمَاعَةِ إِنَّمَا يُكْرَهُ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي، وَأَمَّا لَوِ اقْتَدَى وَاحِدٌ بِوَاحِدٍ أَوِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يُكْرَهُ، وَإِنِ اقْتَدَى ثَلَاثَةٌ بِوَاحِدٍ اخْتُلِفَ فِيهِ وَإِنِ اقْتَدَى أَرْبَعَةٌ بِوَاحِدٍ كُرِهَ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ النِّقَايَةِ مِنْ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّوَافِلِ مُطْلَقًا نَقْلًا عَنِ الْمُحِيطِ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ، وَنَحْوِهِمَا فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ الصِّحَّةُ، وَهِيَ لَا تُنَافِي الْكَرَاهَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (ثُمَّ اضْطَجَعَ) قَالَ مِيرَكُ: الْمُرَادُ بِالِاضْطِجَاعِ مِنْهُ ﷺ بَعْدَ التَّهَجُّدِ لِلِاسْتِرَاحَةِ لِيَزُولَ عَنْهُ تَعَبُ قِيَامِ اللَّيْلِ، فَيُصَلِّي فَرِيضَةَ الصُّبْحِ بِنَشَاطٍ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مَلَالَةٌ.

عْدَ التَّهَجُّدِ لِلِاسْتِرَاحَةِ لِيَزُولَ عَنْهُ تَعَبُ قِيَامِ اللَّيْلِ، فَيُصَلِّي فَرِيضَةَ الصُّبْحِ بِنَشَاطٍ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مَلَالَةٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِجَاعُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَيْضًا يَعْنِي لِحَدِيثٍ وَرَدَ بِذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ تَكْرَارِ الِاضْطِجَاعِ ; فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ قَبْلُ يُسْتَدْرَكْ فِيمَا بَعْدُ (ثُمَّ جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ) أَيْ: بِلَالٌ أَوْ غَيْرُهُ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ (فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) أَيْ: سُنَّةَ الصُّبْحِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِهَا لَا عَلَى جَوَازِهِ كَمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ، وَسَيَأْتِي تَحَقُّقُهُ (ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ) أَيْ: فَرْضَهُ،

وَرِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ: ثُمَّ اضْطَجَعَ ; فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. هَذَا وَوِتْرُهُ ﷺ آخِرَ اللَّيْلِ هُوَ الْأَغْلَبُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْأَفْضَلُ الْأَكْمَلُ، وَإِلَّا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَوْتَرَ مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ مِنْ أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ، وَالْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَلَعَلَّ اخْتِلَافَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ عَلَى مَا دُوِّنَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَعْذَارِ فَإِيتَارُهُ أَوَّلَهُ لَعَلَّهُ كَانَ لِمَرَضٍ، وَأَوْسَطَهُ لَعَلَّهُ كَانَ لِسَفَرٍ.

بِهِ الرِّوَايَاتُ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَعْذَارِ فَإِيتَارُهُ أَوَّلَهُ لَعَلَّهُ كَانَ لِمَرَضٍ، وَأَوْسَطَهُ لَعَلَّهُ كَانَ لِسَفَرٍ.

(حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ، وَاسْمُهُ نَضْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضَّبِّيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ: فِيهِ فَفِي الْقَامُوسِ (مِنْ) تَأَتِي بِمَعْنَى (فِي) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ كَلِمَةُ «مِنْ» فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ ابْتِدَائِيَّةٌ عَلَى نَحْوِ مَا قَالُوهُ فِي نَحْوِ صُمْتُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَفِي نَحْوِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) بِسُكُونِ الشِّينِ، وَيُكْسَرُ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَكْثَرُ الْوَتْرِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَعَمُّ مِنَ الْوَتْرِ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: أَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ مِنْهَا سُنَّةَ الصُّبْحِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَأَمَّا رِوَايَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَمَعَ هَاتَيْنِ، وَرِوَايَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ حُوسِبَ فِيهَا سُنَّةُ الْعِشَاءِ وَكَانَ ﷺ رُبَّمَا صَلَّى تِسْعًا أَوْ سَبْعًا أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا ثَلَاثُ الْوَتْرِ.

رِوَايَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ حُوسِبَ فِيهَا سُنَّةُ الْعِشَاءِ وَكَانَ ﷺ رُبَّمَا صَلَّى تِسْعًا أَوْ سَبْعًا أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا ثَلَاثُ الْوَتْرِ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ) بِضَمِّ الزَّايِ أَوَّلَهُ (ابْنِ أَوْفَى) لَهُ صُحْبَةٌ مَاتَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ (عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ مَنَعَهُ) ، الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (مِنْ ذَلِكَ) أَيِ: الْفِعْلِ وَهُوَ الصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ (النَّوْمَ) فَاعِلُ مَنَعَهُ (أَوْ غَلَبَتْهُ) أَيِ: النَّبِيَّ ﵇ (عَيْنَاهُ) أَيْ: كَثْرَةُ نُعَاسِهِ فِيهِمَا فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَقِيلَ أَنَّهُ شَكٌ مِنَ الرَّاوِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ غَلَبَةِ الْعَيْنَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَغْلِبُ النَّوْمَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ لَا يَنَامَ، وَمِنْ مَنْعِ النَّوْمِ قُوَّةُ الرَّغْبَةِ فِيهِ لَا أَنَّهُ يَصِيرُ مَغْلُوبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالْعَكْسِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ مَنْعِ النَّوْمِ أَنَّهُ يَمْنَعُهُ عَنِ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ، وَمِنْ غَلَبَةِ الْعَيْنِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى مَثَلًا يُمْكِنُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْخُشُوعَ الَّذِي هُوَ دَأْبُهُ وَهِجِّيرَاهُ، فَلَا يَكُونُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي انْتَهَى.

َلًا يُمْكِنُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْخُشُوعَ الَّذِي هُوَ دَأْبُهُ وَهِجِّيرَاهُ، فَلَا يَكُونُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي انْتَهَى. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلتَّقْسِيمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهٌ آخَرُ بِأَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى عَدَمِ التَّنَبُّهِ، وَالْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ يَنْتَبِهُ وَلَمْ يَتَنَشَّطْ لِلْقِيَامِ، أَوْ يَقُومُ وَيُصَلِّي بَعْضَ صَلَاةٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ تَمَامُ الْقِيَامِ (صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أَيْ: تَدَارُكًا لِمَا فَاتَهُ مِنَ التَّهَجُّدِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ؛ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ مِنَ اللَّيْلِ» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَضَاءِ النَّافِلَةِ بَلْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِئَلَّا تَعْتَادَ النَّفْسُ بِالتَّرْكِ، وَعَلَى أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ عَنْهَا بِلَفْظِ: كَانَ ﷺ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَقُمْ مِنَ اللَّيْلِ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَهَذَا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ وِتْرَهُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ سَكَتَتْ عَنْ ذِكْرِ الْوَتْرِ ; لِأَنَّ تَدَارُكَهُ مَعْلُومٌ بِالْأَوْلَى لِكَوْنِهِ وَاجِبًا عِنْدَنَا، وَآكَدُ مِنَ التَّهَجُّدِ عِنْدَ غَيْرِنَا عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى

التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَتْرَ يُقْضَى قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِ الْفَجْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَرَدَ عَنْهَا أَيْضًا: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى النِّسْيَانِ أَوْ ضِيقِ الْوَقْتِ لِأَدَاءِ قَضَاءِ الْوَتْرِ، وَبِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ ﷺ قَضَى الْوَتْرَ وَلَوْ سَلِمَ فَقَضَاءُ التَّهَجُّدِ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ قَضَاءَ الْوَتْرِ بِالْأَوْلَى عَلَى أَنَّهُ مَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ فَاتَهُ الْوَتْرُ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ أَوْسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ رِوَايَةِ عَائِشَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَنَّهُ ﷺ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ فِي اللَّيْلِ أَنْ يُصَلِّيَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً مَعَ الْوَتْرِ، فَإِذَا نَامَ عَنِ التَّهَجُّدِ دُونَ الْوَتْرِ كَمَّلَ فِي النَّهَارِ هَذَا الْعَدَدَ الْفَائِتَ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ رِوَايَةِ: ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَبَيْنَ رِوَايَةِ: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

َائِتَ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ رِوَايَةِ: ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَبَيْنَ رِوَايَةِ: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ مَصْرُوفًا وَغَيْرَ مَصْرُوفٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) بِلَا صَرْفٍ، وَتَقَدَّمَ وَجْهُهُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَلِكَ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ: فِيهَا أَوْ مِنْ أَجْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ أَوْ صَلَاتِهِ (فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ) أَيِ: الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بَعْدَ النَّوْمِ الْمُسَمَّاةَ بِالتَّهَجُّدِ أَوْ صَلَاةَ اللَّيْلِ (بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) وَالْحِكْمَةُ فِيهِ تَهْوِينُ الْأَمْرِ عَلَى النَّفْسِ ابْتِدَاءً لِحُصُولِ النَّشَاطِ، وَالْإِرْشَادُ إِلَى أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي شَيْءٍ فَلْيَكُنْ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَتَعَوَّدَ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ عَلَى التَّدْرِيجِ، فَيَكُونُ الشُّرُوعُ فِي بَقِيَّةِ عَمَلِهِ بِالنَّشَاطِ، وَإِتْمَامِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَصَرَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.

أَكْمَلِ ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَصَرَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا مَعْنٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ: ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ) أَيْ: أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) بِضَمِّ جِيمٍ، وَفَتْحِ هَاءٍ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ جُهَيْنَةَ (أَنَّهُ قَالَ) أَيْ: زَيْدٌ (لِأَرْمُقَنَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ الرُّمُوقِ: وَهُوَ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الْمُرَاقَبَةِ، وَالْمُحَافَظَةِ وَالْمَعْنَى لَأَنْظُرَنَّ وَأَحْفَظَنَّ (صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَتَّى أَرَى كَمْ يُصَلِّي كَذَا فِي شَرْحِ الْمُظْهِرِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: عَدَلَ عَنِ الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ الْمَاضِيَةِ لِتَقْرِيرِهَا فِي ذِهْنِ السَّامِعِ أَبْلَغَ تَقْرِيرٍ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ عِنَايَتُهُ بِالْمُؤَكِّدَاتِ (قَالَ) أَيْ: زَيْدٌ (فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ) الْعَتَبَةُ أُسْكُفَّةُ الْبَابِ، وَالْمَعْنَى جَعَلْتُ عَتَبَتَهُ الْعَالِيَةَ وِسَادَةً لِي (أَوْ فُسْطَاطَهُ) وَهُوَ بَيْتٌ مِنْ شَعْرٍ بِضَمِّ فَائِهِ وَيُكْسَرُ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ تَوَسُّدِهِ عَتَبَتَهُ ; فَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ تَوَسَّدَ عَتَبَةَ بَيْتِهِ أَوْ عَتَبَةَ فُسْطَاطِهِ ﷺ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي ; لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى صَلَاتِهِ ﷺ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْخَيْمَةِ فِي زَمَانِ السَّفَرِ الْخَالِي عَنِ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ، فَالتَّرْدِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي عِبَارَتِهِ،

صَوَّرُ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْخَيْمَةِ فِي زَمَانِ السَّفَرِ الْخَالِي عَنِ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ، فَالتَّرْدِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي عِبَارَتِهِ، وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ مِنْ عَتَبَتِهِ أَيْضًا عَتَبَةُ فُسْطَاطِهِ فَفِي الْحَقِيقَةِ لَا شَكَّ (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) أَيْ: لِمَا سَبَقَ (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) ذَكَرَ طَوِيلَتَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِغَايَةِ التَّطْوِيلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَإِنَّمَا طَوَّلَهُمَا ; لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ قُوَّةِ الْعِبَادِ، فَقَامَ بِأَقْصَى الطَّاقَةِ ثُمَّ نَزَلَ بِالتَّدْرِيجِ كَمَا قَالَ: (

ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ) قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ قَوْلُهُ: «ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا» أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْمُوَطَّأِ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَأَفْرَادِ الْحُمَيْدِيِّ لِمُسْلِمٍ، وَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ الرَّكْعَتَانِ الْخَفِيفَتَانِ تَحْتَ مَا أَجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ (فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) ، وَيَكُونُ الْوَتْرُ رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوَتْرَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، وَحَمَلَ قَوْلَهُ: ثُمَّ أَوْتَرَ، عَلَى ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ مِنَ الْبَيْنِ قُلْتُ لَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَرَ التَّهَجُّدِ عِنْدَهُمُ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَيَكُونُ الْوَتْرُ ثَلَاثًا، وَالْمَجْمُوعُ خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَقَدْ أَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي شَرْحِهِ حَيْثُ قَرَّرَ كَوْنَ الْوَتْرِ رَكْعَةً وَاحِدَةً مَعَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى خِلَافِهِ بِلَا خِلَافٍ قَالَ: وَوَقَعَ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ قَوْلُهُ: ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ شَارِحُوهُ، وَقَالُوا: الْوَتْرُ هُنَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ ; لِأَنَّهُ عَدَّ مَا قَبْلَ الْوَتْرِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ لِقَوْلِهِ: رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أُخَرَ انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَصْوَبُ رِوَايَةً، وَدِرَايَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أُخَرَ انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَصْوَبُ رِوَايَةً، وَدِرَايَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَاهُ مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَيُفْتَحُ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ) أَيْ: أَبَا سَلَمَةَ (أَخْبَرَهُ) أَيْ: سَعِيدًا (أَنَّهُ) أَيْ: أَبَا سَلَمَةَ (سَأَلَ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟) أَيْ: فِي لَيَالِيهِ وَقْتَ التَّهَجُّدِ، فَلَا يُنَافِيهِ زِيَادَةُ مَا صَلَّاهُ بَعْدَ الْعِشَاءِ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ: «خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَخَرَجَ فِي الثَّانِيَةِ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ فَكَثُرُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ، فَمَا خَرَجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ تَشَهَّدَ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، قُلْتُ: وَفِيهِ دَلِيلٌ لِأَصْحَابِنَا حَيْثُ جَعَلُوا الْمُوَاظَبَةَ مِنْ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ ; لِأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهَا مَعَهُمُ افْتُرِضَتْ عَلَيْهِمْ فَأَحَبَّ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ: «حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ،

عَلَيْهَا مَعَهُمُ افْتُرِضَتْ عَلَيْهِمْ فَأَحَبَّ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ: «حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ» ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ الصَّارِفَ مِنْ حَمْلِ الْأَثَرِ عَلَى الْوُجُوبِ تَقْيِيدُهُ بِالْبُيُوتِ ; لِأَنَّ مَبْنَى الْفَرَائِضِ عَلَى الْإِعْلَانِ كَمَا أَنَّ مَبْنَى النَّوَافِلِ عَلَى الْإِخْفَاءِ، وَلِهَذَا قِيلَ النَّوَافِلُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ حَتَّى مِنْ جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ قِيَامُ هَذَا الشَّهْرِ» (فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) مَا نَافِيةٌ وَقَوْلُهُ (لِيَزِيدَ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَنْ بَعْدَ لَامِ الْجُحُودِ، وَهُوَ لَامُ التَّأْكِيدِ بَعْدَ النَّفْيِ لَكَانَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ فَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ ضَبْطِهِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الدَّالِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ﷺ يَزِيدُ (فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ) أَيْ: مِنَ اللَّيَالِي الْمُتَبَرَّكَةِ (عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) أَيْ: عِنْدَهَا فَلَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ مِنَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ غَيْرِهَا ; لِأَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَكُلٌّ يُخْبِرُ عَنْ عَمَلِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ

ةٌ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَكُلٌّ يُخْبِرُ عَنْ عَمَلِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ الْوَتْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَكْثَرَ الْوَتْرِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ضَعِيفٌ، هَذَا وَقَدْ سَبَقَ عَنْهَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، فَكَأَنَّهَا اقْتَصَرَتِ الْحَدِيثَ هُنَا، وَحَذَفَتِ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهِمَا أَوْ لِعَدِّهِمَا شُكْرًا لِلْوُضُوءِ عَلَى مَا قِيلَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهَا ابْتِدَاءً (يُصَلِّي أَرْبَعًا) أَيْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ (لَا تَسْأَلْ) أَيْ: أَيُّهَا السَّائِلُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ خِطَابٌ عَامٌّ، وَأَنَّهُ نَهْيٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا مَعْنَاهُ نَهْيٌ (عَنْ

حُسْنِهِنَّ) أَيْ: كَيْفِيَّةً (وَطُولِهِنَّ) أَيْ: كَمِّيَّةً فَقَوْلُ: «لَا تَسْأَلْ» كِنَايَةٌ عَنْ غَايَةِ الطُّولِ، وَالْحُسْنِ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: لَا تَسْأَلْ عَنْهُنَّ مِنْ كَمَالِ الطُّولِ، وَالْحُسْنِ فِي غَايَةٍ ظَاهِرَةٍ مُغْنِيَةٍ عَنِ السُّؤَالِ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَزْمِ بِالنَّهْيِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ تَطْوِيلِ الْقِيَامِ عَلَى تَكْثِيرِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» ، وَقِيلَ الْأَفْضَلُ تَكْثِيرُ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ لِخَبَرِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ، وَقِيلَ تَطْوِيلُ الْقِيَامِ لَيْلًا أَفْضَلُ، وَتَكْثِيرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ نَهَارًا أَفْضَلُ (ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا لَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْأَرْبَعِ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَلَوَيْنِ، وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ السَّالِكُ أَرْبَعًا بِسَلَامٍ مَرَّةً وَسَلَامَيْنِ أُخْرَى جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرِعَايَةً لِلْمَذْهَبَيْنِ (ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا) ، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّاهَا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ مُسْلِمٍ بَعْدَ إِيرَادِ صَلَاةِ اللَّيْلِ ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْهَا (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ) تَعْنِي وَرُبَّمَا يَفُوتُ بِعَدَمِ الْقِيَامِ بَعْدَ الْمَنَامِ،

خَارِيُّ أَيْضًا عَنْهَا (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ) تَعْنِي وَرُبَّمَا يَفُوتُ بِعَدَمِ الْقِيَامِ بَعْدَ الْمَنَامِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى وُجُوبِهِ ; فَإِنَّهُ لَا يَخَافُ إِلَّا عَلَى فَوْتِ الْوَاجِبِ (قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) وَالْمَعْنَى أَنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَنِّي لَا أَخْشَى فَوْتَ الْوَتْرِ، وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ لِحَيَاةِ قُلُوبِهِمْ، وَاسْتِغْرَاقِ شُهُودِ جَمَالِ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ، وَجَعَلَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الْأَنْبِيَاءِ مَنْ يَثِقُ بِالِانْتِبَاهِ، وَلَا يَخْشَى فَوْتَهُ، حَيْثُ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّهِمْ تَأْخِيرُ الْوَتْرِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا» ، عَلَى مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِنَّمَا فَاتَتْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ ; لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْفَجْرِ مِنْ وَظَائِفِ الْبَصَرِ، أَوْ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَسْهُو يَقَظَةً لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ فَكَذَا نَوْمًا.

الصُّبْحِ ; لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْفَجْرِ مِنْ وَظَائِفِ الْبَصَرِ، أَوْ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَسْهُو يَقَظَةً لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ فَكَذَا نَوْمًا.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ) أَيْ: غَالِبًا أَوْ عِنْدَهَا (يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) ، فَلَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهَا وَعَنْ غَيْرِهَا وَلَعَلَّ الِاخْتِلَافَ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْحَالَاتِ، أَوْ طُولِ الْقِرَاءَةِ وَقِصَرِهَا، أَوْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ وَقُوَّةٍ وَفَتْرَةٍ أَوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى سَعَةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ (يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ) أَيْ: يَضُمُّ الشَّفْعَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَقِيلَ كَوْنُ الْوَتْرِ وَاحِدَةً مَنْسُوخٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ أَوْ مِنْ صَلَاةِ الْوَتْرِ (اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) أَيْ: لِلِاسْتِرَاحَةِ إِنْ كَانَ الصُّبْحُ قَرِيبًا أَوْ لِلنَّوْمِ إِنْ كَانَ وَقْتَ السَّحَرِ، وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ) أَيْ: نَحْوَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلَفْظُ (نَحْوَهُ) غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (ح) إِشَارَةٌ لِلتَّحْوِيلِ، قَالَ السَّيِّدُ لَيْسَ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي «ح» لَفْظُ (نَحْوَهُ) وَقَالَ عَفِيفُ الدِّينِ فِي نُسْخَةٍ. ح. فَقَطْ وَفِي نُسْخَةٍ (نَحْوَهُ) فَقَطْ وَفِي نُسْخَةِ أَصْلِنَا كِلَاهُمَا مَوْجُودٌ قَالَ عِصَامُ الدِّينِ: فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَاءُ التَّحْوِيلِ مَعَ نَحْوِهِ، وَفِي بَعْضِهَا بِدُونِ نَحْوِهِ، وَفِي بَعْضِهَا لَيْسَ حَاءُ التَّحْوِيلِ، وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ النُّسْخَةَ

أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِعَدَمِ التَّحَوُّلِ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَإِيرَادِ التَّحْوِيلِ، قُلْتُ: إِجْمَاعُ النُّسَخِ عَلَى قَوْلِهِ (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ) بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ التَّحْوِيلِ سَوَاءٌ ضَمَّ مَعَهُ لَفْظَةَ «نَحْوَهُ» لِلتَّأَكِيدِ أَوْ حَذَفَ وَاكْتَفَى بِنَحْوِهِ الْأَخِيرِ الْمَوْجُودِ اتِّفَاقًا نَعَمْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِحَاءِ التَّحْوِيلِ فَقَطْ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَمْعَنَ فِي النَّظَرِ فَتَدَبَّرْ.

(حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ) أَيْ: أَحْيَانًا لِمَا سَبَقَ (رَسُولُ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ النَّبِيُّ (ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ) فَالتَّهَجُّدُ سِتُّ رَكَعَاتٍ بِسَلَامَيْنِ أَوْ بِثَلَاثٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ؟ قَالَتْ: يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ، وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ، وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَثَلَاثٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بَأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشْرَةَ. وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ سَأَلَهَا عَنْ صَلَاتِهِ فَقَالَتْ: سَبْعًا وَتِسْعًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أُشْكِلَ حَدِيثُهَا عَلَى كَثِيرٍ حَتَّى نُسِبَ إِلَى الِاضْطِرَابِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ لَوِ اتَّحَدَ الرَّاوِي عَنْهَا، وَالْوَقْتُ وَالصَّوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسْبِ النَّشَاطِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ انْتَهَى.

أَنَّ مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسْبِ النَّشَاطِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ انْتَهَى. وَسَيُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي أَنَّهُ كَانَ تَارَةً يُصَلِّي قَائِمًا وَهُوَ الْأَغْلَبُ وَتَارَةً جَالِسًا ثُمَّ قَبْلَ الرُّكُوعِ يَقُومُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَبَّا حَنِيفَةَ قَالَ يَتَعَيَّنُ الْوَتْرُ ثَلَاثًا مَوْصُولَةً مُحْتَجًّا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا حَسَنٌ جَائِزٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ وَنَقَصَ، فَأَخَذَ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَتَرَكَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَرَدَ: بِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَرِهَ الثَّلَاثَ الْمَوْصُولَةَ فِي الْوَتْرِ فَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ سُلَيْمَانَ مِنَ التَّابِعِينَ، وَالْكَلَامُ فِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَمُخَالَفَتُهُ تَضُرُّ نَفْسَهُ لَا غَيْرَهُ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: مَكْرُوهٌ، يُحْمَلُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى عِنْدَهُ، فَلَا يُنَافِي مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْحُسْنِ، وَالْجَوَازِ، هَذَا وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ هُوَ بِظَاهِرِهِ يَعُمُّ الرَّكْعَةَ الْمُفْرَدَةَ الَّتِي لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ، وَتَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ بِكَرَاهَتِهَا، وَالَّتِي قَبْلَهَا شَفْعٌ أَوْ أَكْثَرُ كَمَا قَالُوا بِاسْتِحْبَابِهَا، وَلِابْنِ حَجَرٍ هُنَا أَبْحَاثٌ سَاقِطَةُ الِاعْتِبَارِ أَعْرَضْنَا عَنْ ذِكْرِهَا لِلِاخْتِصَارِ. (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ نَحْوَهُ) أَيْ: فِي بَقِيَّةِ الْإِسْنَادِ وَلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَحْوَهُ هَذَا بِمَعْنًى أَيْ: فِي بَقِيَّةِ الْإِسْنَادِ، وَلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَحْوَهُ هَذَا بِمَعْنَى مِثْلِهِ بِلَا تَفَاوُتٍ.

َحْوَهُ هَذَا بِمَعْنًى أَيْ: فِي بَقِيَّةِ الْإِسْنَادِ، وَلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَحْوَهُ هَذَا بِمَعْنَى مِثْلِهِ بِلَا تَفَاوُتٍ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بِضَمِّ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) بِالْجَرِّ وَلَوْ رُفِعَ لَهُ وَجْهٌ (عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: فِي جَامِعِهِ أَبُو حَمْزَةَ عِنْدَنَا طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ انْتَهَى. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَبُو حَمْزَةَ عِنْدَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: طَلْحَةُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو حَمْزَةَ الْأَنْصَارِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَالرَّجُلُ شَيْخُهُ هُوَ صِلَةُ بْنُ زُفَرَ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ) وَرَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مَعَ تَخَالُفٍ فِي بَعْضِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ) مِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَوْ بِمَعْنَى فِي، وَلَفْظُ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَهُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ بِالصَّلَاةِ (قَالَ) أَيْ: حُذَيْفَةُ (فَلَمَّا دَخَلَ) الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: أَرَادَ الدُّخُولَ (فِي الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ) إِلَخْ.

َّا دَخَلَ) الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: أَرَادَ الدُّخُولَ (فِي الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ) إِلَخْ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا بَعْدَ تَكْبِيرَةِ التَّحْرِيمَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ الْكَلِمَاتِ الْآتِيَةِ، وَكَذَا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَمَا دَرَجُوا عَلَيْهِ، وَتَفْسِيرُ بَعْضِهِمْ إِيَّاهُ بِالْكَبِيرِ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ كُنْهُ كِبْرِيَائِهِ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَفْعَلُ فَعْلَى يَلْزَمُهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، أَوِ الْإِضَافَةُ كَالْأَكْبَرِ وَأَكْبَرِ الْقَوْمِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَجْرِيدِهِ عَنِ الْمُتَعَلِّقَاتِ لِاتِّصَافِهِ سُبْحَانَهُ بِالْأَكْبَرِيَّةِ أَيْضًا قِيلَ حُدُوثُ الْمَوْجُودَاتِ، وَظُهُورُ الْمَخْلُوقَاتِ،

أَوِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى جَوَازِ كُلٍّ مِنَ الِاسْتِعْمَالَاتِ (ذُو الْمَلَكُوتِ) أَيْ: مَالِكُ الْمُلْكِ وَصِيغَةُ «فَعَلُوتَ» لِلْمُبَالَغَةِ وَالْكَثْرَةِ كَمَا فِي رَحَمُوتٍ وَرَهَبُوتٍ وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ: ذُو الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأَوَّلِ ظَاهِرُ الْمُلْكِ، وَمِنَ الثَّانِي بَاطِنُهُ كَمَا يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِعَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ (وَالْجَبَرُوتِ) فَعَلُوتٌ مِنَ الْجَبْرِ وَهُوَ الْقَهْرُ قَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ فَسُبْحَانَ مَنْ قَهَرَ الْعِبَادَ بِالْمَوْتِ، وَغَيْرِهِ مِمَّا قَضَى عَلَيْهِمْ، فَهُوَ الْجَبَّارُ الَّذِي يَقْهَرُ عِبَادَهُ عَلَى مَا أَرَادَهُ (وَالْكِبْرِيَاءِ) أَيِ: التَّرَفُّعِ، وَالتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ (وَالْعَظَمَةِ) أَيْ: تَجَاوُزِ الْقَدْرِ عَنِ الْإِحَاطَةِ، وَالْكِبْرِيَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الذَّاتِ، وَالْعَظْمَةُ إِشَارَةٌ إِلَى جَمَالِ الصِّفَاتِ (قَالَ) أَيْ: حُذَيْفَةُ (ثُمَّ قَرَأَ الْبَقَرَةَ) أَيْ: مَعَ فَاتِحَتِهَا وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: ثُمَّ اسْتَفْتَحَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، أَوْ بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ افْتَتَحَ بِالْبَقَرَةِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ; فَإِنَّ مِنْ عَادَتْهِ دَوَامَ مُوَاظَبَتِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَقَدْ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» عَلَى خِلَافٍ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ أَوِ الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا الرَّاوِي لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ ﷺ (ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا) أَيْ: قَرِيبًا (مِنْ قِيَامِهِ) وَالْمُرَادُ أَنَّ رُكُوعَهُ كَانَ مُتَجَاوِزًا عَنِ الْمَعْهُودِ كَالْقِيَامِ،

مَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا) أَيْ: قَرِيبًا (مِنْ قِيَامِهِ) وَالْمُرَادُ أَنَّ رُكُوعَهُ كَانَ مُتَجَاوِزًا عَنِ الْمَعْهُودِ كَالْقِيَامِ، وَأَغْرَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ (مِنْ) هَذِهِ لِلْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ: هَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ نَحْوًا أَيْ: مَثَلًا، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ مِنْ قِيَامِهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ (وَكَانَ يَقُولُ) قِيلَ هُوَ حِكَايَةٌ لِلْحَالِ الْمَاضِيَةِ اسْتِحْضَارًا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ أَنَّ «كَانَ» يُحَوِّلُ «يَقُولُ» مِنْ مَعْنَى الْحَالِ إِلَى الْمُضِيِّ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ لِيَدُلَّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ الْمُشْعِرِ بِالْكَثْرَةِ، فَهُوَ فِي قُوَّةِ وَقَالَ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ) بِفَتْحِ يَاءِ الْإِضَافَةِ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ) كَرَّرَهُ لِإِفَادَةِ التَّكْثِيرِ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَانَ قِيَامُهُ) أَيْ: بَعْدَ الرُّكُوعِ (نَحْوًا مِنْ رُكُوعِهِ، وَكَانَ يَقُولُ لِرَبِّيَ الْحَمْدُ) بِتَقْدِيمِ الْجَارِّ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ وَالِاخْتِصَاصِ (لِرَبِّيَ الْحَمْدُ) التَّكْرَارُ لِبَيَانِ الْإِكْثَارِ (ثُمَّ سَجَدَ فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ) أَيِ: اعْتِدَالِهِ مِنَ الرُّكُوعِ (وَكَانَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى) اخْتِيرَ التَّسْبِيحَاتُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

ْتِدَالِهِ مِنَ الرُّكُوعِ (وَكَانَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى) اخْتِيرَ التَّسْبِيحَاتُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ اخْتَارَهُمَا بَعْدَ نُزُولِهِمَا، وَلَا يَخْفَى وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الْعَظَمَةِ لِلرُّكُوعِ الْمُشِيرِ إِلَى نِهَايَةِ الْخُضُوعِ، وَالْأَعْلَى لِلْخَفْضِ الدَّالِ عَلَى كَمَالِ الْخُشُوعِ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَانَ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنَ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقُولُ) أَيْ: فِي جُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي) وَهَذَا إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا فِي النَّوَافِلِ، وَقَوْلُهُ (حَتَّى) غَايَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: لَا يَزَالُ يُطَوِّلُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ حَتَّى (قَرَأَ) فِيهِنَّ (الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ وَالْأَنْعَامَ. شُعْبَةُ) أَيْ: مِنْ بَيْنِ الرُّوَاةِ هُوَ (الَّذِي شَكَّ فِي الْمَائِدَةِ وَالْأَنْعَامِ) وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ أَوِ الْأَنْعَامِ، قَالَ مِيرَكُ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي رَكْعَةٍ لَكِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ قَرَأَ آلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ هَلْ هُنَّ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أُخَرَ؟ قُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي

لَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ هَلْ هُنَّ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أُخَرَ؟ قُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي لِئَلَّا يَلْزَمَ إِطَالَةُ الثَّانِيَةِ قَالَ: وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ ; فَإِنَّهُ قَالَ: بَعْدَ قَوْلِهِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ، وَالْأَنْعَامَ شَكَّ شُعْبَةُ فَيُحْمَلُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ عَلَيْهَا بِأَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ حَتَّى قَرَأَ الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ، وَالْمَائِدَةَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِقَرِينَةِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قُلْتُ: رِوَايَتُهُ غَيْرُ صَرِيحَةٍ فِي الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَتْ نَصًّا فِي الْمَعْدُودِ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ أَوْ سُؤَالٌ سَأَلَ اللَّهَ أَوْ تَعْوِيذٌ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ قَامَ نَحْوًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، قُلْتُ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَرَأَ الْمَائِدَةَ أَوِ الْأَنْعَامَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى، أَوْ فِي ثَلَاثٍ أُخَرَ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةِ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ فَمَضَى، فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَتَيْنِ، فَمَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ،

حَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ فَمَضَى، فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَتَيْنِ، فَمَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى فَافْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ، الْحَدِيثَ. قُلْتُ: تَقْدِيمُ النِّسَاءِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْمُسْتَقِرُّ مِنْ أَحْوَالِهِ ﷺ وَمَا اسْتَقَرَّ عِنْدَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَرْتِيبِ السُّوَرِ عَلَى خِلَافٍ فِي أَنَّهُ تَوْقِيفِيٌّ بِخِلَافِ تَرْتِيبِ الْآيِ ; فَإِنَّهُ قَطْعِيٌّ قَالَ مِيرَكُ: فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ صَرِيحَتَانِ فِي قِرَاءَةِ السُّوَرِ الثَّلَاثِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ مِيرَكُ: وَأَظُنُّ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَالصَّوَابُ ثُمَّ قَرَأَ الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ، وَالْمَائِدَةَ ثُمَّ رَكَعَ، وَلِذَلِكَ حَذَفَ التِّرْمِذِيُّ قَوْلَهُ: فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ الْبَقَرَةَ إِلَى آخِرِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ، وَتَكُونُ صَلَاةُ حُذَيْفَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَعَتْ فِي لَيْلَتَيْنِ فِي إِحْدَاهُمَا قَرَأَ السُّوَرَ الثَّلَاثَ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي الْأُخْرَى قَرَأَ السُّوَرَ الْأَرْبَعَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوْ يُقَالُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَهْمًا وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ ; فَإِنَّ فِيهِمَا التَّفْصِيلُ وَالتَّبْيِينُ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِمَا، «فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ» حَتَّى قَالَ: «يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ» فَمَضَى إِلَى آخِرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ اتِّحَادُ الْمُخْرِجِ، وَهُوَ صِلَةُ بْنُ زُفَرَ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ لِأَجْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ،

َكْعَةٍ» فَمَضَى إِلَى آخِرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ اتِّحَادُ الْمُخْرِجِ، وَهُوَ صِلَةُ بْنُ زُفَرَ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ لِأَجْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَالِاضْطِرَابِ لَمْ يُخْرِجْهُ فِي صَحِيحِهِ أَصْلًا انْتَهَى. وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ لَكِنَّ رِوَايَةَ الشَّيْخَيْنِ: «فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ» إِلَى آخِرِهِ ظَاهِرُهُمَا أَنَّهُ قَرَأَ الْكُلَّ فِي رَكْعَةٍ خَطَأٌ مِنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَمَّا أَوَّلًا، فَلِمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: «فَافْتَتَحَ» إِنَّمَا هُوَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ لَا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ مَفْهُومَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ السُّوَرَ الثَّلَاثَ الْأُوَلَ فِي رَكْعَةٍ لَا أَنَّهُ قَرَأَ الْكُلَّ فِي رَكْعَةٍ.

(حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ الْبَصْرِيُّ) قِيلَ هَذَا مَجْهُولٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِ الرِّجَالِ، فَلَعَلَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ الْبَصْرِيُّ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ،

أَوْ عَلِيُّ بْنُ دُؤَادٍ بِضَمِّ الدَّالِ بَعْدَهُ وَاوٌ بِهَمْزَةٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَيْلَةً) أَيْ: لَيْلَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَقَرَأَ آيَةً وَاحِدَةً اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتَّى أَصْبَحَ بِهَا يَقُومُ، وَبِهَا يَرْكَعُ وَبِهَا يَسْجُدُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: لِأَبِي ذَرٍّ أَيَّةَ آيَةٍ هِيَ فَقَالَ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَقَوْلُهُ بِآيَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَامَ أَيْ: أَحَيَى بِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا، وَالْمُرَادُ قِرَاءَتُهَا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِهَا يَقُومُ وَبِهَا يَرْكَعُ، وَبِهَا يَسْجُدُ ; فَإِنْ قُلْتَ لَا يُلَائِمُهُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، وَكَذَا مَا وَرَدَ فِيهِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِلَّا أَنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أُجِيبَ بِأَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ تَنْزِيهِيٌّ، أَوْ لَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى كَانَ يَرْكَعُ، وَيَسْجُدُ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْآيَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَبْنَاهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى مَعْنَاهَا بِأَنْ يَقُولَ فِيهِمَا سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَا تُعَذِّبْنَا، وَارْحَمْ أُمَّتِي، وَلَا تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَاغْفِرْ لَهُمْ ; فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ْ أُمَّتِي، وَلَا تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَاغْفِرْ لَهُمْ ; فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ ضَعْفُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنَ احْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ يُكَرِّرُهَا فِي قِيَامِ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا اخْتَلَفَ فِي جَوَازِهِ الْعُلَمَاءُ، وَكَذَا احْتِمَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ بَلْ قَرَأَهَا خَارِجَهَا فَاسْتَمَرَّ يُكَرِّرُهَا إِلَى الْفَجْرِ، وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَامَ مِنْ قَامَ بِالْأَمْرِ أَخَذَهُ بِقُوَّةٍ وَعَزْمٍ مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ ; فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَ قِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَبَعْضَهَا خَارِجُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا دَاوَمَ عَلَى تَكْرِيرِ مَبَانِيهَا، وَالتَّفْكِيرِ فِي كَثْرَةِ مَعَانِيهَا لِمَا أَنَّهُ ﷺ غَشِيَتْهُ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا، وَحَالَةِ تِلَاوَتِهَا مِنْ هَيْبَةِ مَا ابْتُدِئَتْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ مَا أَوْجَبَ اشْتِعَالَ نَارِ خَوْفِ الْحِجَابِ، وَمِنْ حَلَاوَةِ مَا اخْتُتِمَتْ بِهِ مِنَ الْغُفْرَانِ مَا اقْتَضَى الطَّرَبَ وَالسُّرُورَ فِي الْجِنَانِ رَجَاءً لِغُرُفَاتِ الْجِنَانِ، وَلَذَّةِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَفِي الْآيَةِ مِنَ الْأَسْرَارِ الْمُوجِبَةِ لِلْإِسْرَارِ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْعُقُوبَةَ عَلَّلَهَا بِوَصْفِ الْعُبُودِيَّةِ إِشَارَةً إِلَى عِظَمِ تَجَلِّيهِ بِوَصْفِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْعَدْلِ الَّذِي هُوَ بَعْضُ تَجَلِّيهِ إِذْ لَمْ يَتَصَرَّفْ إِلَّا فِي مُلْكِهِ، وَلَمْ يَحْكُمْ إِلَّا فِي مُلْكِهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْمَغْفِرَةَ رَتَّبَ عَلَيْهَا صِفَةَ الْعِزَّةِ، وَالْحِكْمَةِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ بَاهِرَ تَجَلِّيهِ بِوَصْفِ التَّفَضُّلِ وَالْإِنْعَامِ عَلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ،

عَلَيْهَا صِفَةَ الْعِزَّةِ، وَالْحِكْمَةِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ بَاهِرَ تَجَلِّيهِ بِوَصْفِ التَّفَضُّلِ وَالْإِنْعَامِ عَلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، الْمُقْتَرِنِ بِالْعِزَّةِ الدَّامِغَةِ وَالْحِكْمَةِ السَّابِغَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ.

(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: ابْنِ مَسْعُودٍ (قَالَ: صَلَّيْتُ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ النَّبِيِّ (ﷺ فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ) بِالْإِضَافَةِ وَرُوِيَ بِقَطْعِهَا عَلَى الصِّفَةِ،

وَالسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ، وَرُوِيَ بِضَمِّهَا فَقِيلَ إِلَّا أَنَّ الْمَفْتُوحَةَ غَلَبَتْ فِي أَنْ يُضَافَ إِلَيْهَا مَا يُرَادُ ذَمُّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَمَّا الْمَضْمُومَةُ فَجَارٍ مَجْرَى الشَّرِّ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْخَيْرِ وَقَدْ قُرِئَ قِرَاءَةً مُتَوَاتِرَةً بِالْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ قَالَ مِيرَكُ: الرِّوَايَةُ بِإِضَافَةِ أَمْرٍ إِلَى سَوْءٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ، وَجَوَّزَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَالْمَعْنَى قَصَدْتُ أَمْرًا سَيِّئًا (قِيلَ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ) أَيْ: مُصَلِّيًا (وَأَدَعَ النَّبِيَّ ﷺ) أَيْ: أَتْرُكَهُ يُصَلِّي قَائِمًا أَوْ مَعْنَى «أَقْعُدُ» أَنْ لَا أُصَلِيَ مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّفْعَ، وَأَتْرُكُهُ يُصَلِّي، وَكِلَاهُمَا أَمْرُ سُوءٍ فِي الْجُمْلَةِ لِظُهُورِ صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ. وَأَمَّا مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ أَرْبَابِ الْوَهْمِ أَنَّ مُرَادَهُ إِبْطَالَ الصَّلَاةِ لِلْإِطَالَةِ، وَقُعُودَهُ لِلْمَلَالَةِ، فَبَاطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ وَلِمُقْتَضَى قَوَاعِدِ عُلَمَائِنَا مِنْ أَنَّ النَّفْلَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَيَجِبُ إِتْمَامُهُ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ فِعْلِ صَحَابِيٍّ جَلِيلٍ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ مِنْ وُصُولِ مَرَامِهِ. قَالَ مِيرَكُ: فَإِنْ قُلْتَ: الْقُعُودُ جَائِزٌ فِي النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ فَمَا مَعْنَى السُّوءِ. قُلْتُ: سُوءٌ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْأَدَبِ، وَصُورَةِ الْمُخَالَفَةِ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ.

َعْنَى السُّوءِ. قُلْتُ: سُوءٌ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْأَدَبِ، وَصُورَةِ الْمُخَالَفَةِ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ. أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ هَمَّ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُطْلَقًا لَا تَرْكِ الْقِيَامِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «وَأَدَعَ النَّبِيَّ» وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَهُوَ أَمْرٌ قَبِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ نَحْوَهُ) أَيْ: إِسْنَادًا وَحَدِيثًا.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ) أَيْ: مِنْ مَقْرُوئِهِ (قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ) أَيْ: مِقْدَارُ ثَلَاثِينَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَكْثَرَ ; لِأَنَّ الْبَقِيَّةَ تُطْلَقُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الْأَقَلِّ (أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَا ذَكَرَتْهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْمِينِ تَحَرُّزًا عَنِ الْكَذِبِ أَوْ إِشَارَةً إِلَى التَّنْوِيعِ ; بِأَنْ يَكُونَ تَارَةً إِذَا بَقِيَ ثَلَاثُونَ، وَتَارَةً إِذَا بَقِيَ أَرْبَعُونَ (قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْقِيَامِ، فَالْقِيَامُ مُقَدَّمٌ فِي الْحُدُوثِ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَمُقَارِنٌ لَهَا فِي الْبَقَاءِ (ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ

نِهِ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْقِيَامِ، فَالْقِيَامُ مُقَدَّمٌ فِي الْحُدُوثِ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَمُقَارِنٌ لَهَا فِي الْبَقَاءِ (ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) قَالَ مِيرَكُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنِ اشْتَرَطَ عَلَى مَنِ افْتَتَحَ النَّافِلَةَ قَاعِدًا أَنْ يَرْكَعَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا أَنْ يَرْكَعَ قَائِمًا، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَشْهَبَ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَحُجَّتُهُمْ فِيهِ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ

رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ; بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ بِحَسْبِ النَّشَاطِ، وَعَدَمِهِ وَقَدْ أَنْكَرَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ هُوَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا أَخْرَجَهُ بْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهَا ثُمَّ قَالَ: لَا مُخَالَفَةَ عِنْدِي بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ ; لِأَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا قَرَأَ بَعْضَهَا جَالِسًا، وَبَعْضَهَا قَائِمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

يْنِ ; لِأَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا قَرَأَ بَعْضَهَا جَالِسًا، وَبَعْضَهَا قَائِمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بِالتَّصْغِيرِ (أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ) أَيْ: كَيْفِيَّتِهِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا عَلَيْهِ حِينَئِذٍ ; فَإِنَّ التَّطَوُّعَ تَنَفُّلٌ مِنَ الطَّاعَةِ وَهُوَ الْتِزَامُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّعًا مِنَ النَّفْسِ (فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا) أَيْ: يُصَلِّي فِي لَيْلَةٍ صَلَاةً طَوِيلَةً حَالَ كَوْنِهِ (قَائِمًا) فَطَوِيلًا صِفَةُ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مَحْذُوفٍ، وَلَمَّا حَذَفَ الْمَوْصُوفَ حَذَفَ تَاءَ التَّأْنِيثِ عَنِ الصِّفَةِ (وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا) ثُمَّ مَنْ عُدِمَ الْفَهْمَ نَسَبَ مَا تَقَدَّمَ إِلَى الْوَهْمِ، وَمَنْ جَعَلَ الطَّوِيلَ صِفَةَ اللَّيْلِ، وَأَرَادَ بَعْضَهُ أَيْ: زَمَنًا طَوِيلًا مِنَ اللَّيْلِ فَقَدْ أَبْعَدَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا يُصَلِّيهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ بَعْضُهُ أَطْوَلُ، وَبَعْضُهُ طَوِيلٌ وَبَعْدَهُ قَصِيرٌ، فَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ أَصْلًا (فَإِذَا قَرَأَ) الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ (وَهُوَ قَائِمٌ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ فِي حَالِ الْقِيَامِ (رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ) أَيْ: مُنْتَقِلٌ إِلَيْهِمَا فِي حَالِ الْقِيَامِ (وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ جَالِسٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ جَالِسٌ) مَبْنَاهُ وَمَعْنَاهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.

مُنْتَقِلٌ إِلَيْهِمَا فِي حَالِ الْقِيَامِ (وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ جَالِسٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ جَالِسٌ) مَبْنَاهُ وَمَعْنَاهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّنَفُّلِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ، لَكِنَّ الْقَاعِدَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ إِلَّا أَنَّهُ ﷺ اسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى طَرِيقَةِ الْخُصُوصِيَّةِ بِهِ.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أَيِ: الزُّهْرِيِّ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْمُطَّلِبِ

بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ (السَّهْمِيِّ، عَنْ حَفْصَةَ) أَيْ: بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ عَنْهَا (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهَا أَيْضًا (قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ) بِضَمِّ سِينٍ، وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: فِي نَافِلَتِهِ (قَاعِدًا) وَسُمِّيَتِ النَّافِلَةُ سُبْحَةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى التَّسْبِيحِ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنَّمَا خُصَّتِ النَّافِلَةُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي فِي الْفَرِيضَةِ نَافِلَةٌ فَقِيلَ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ سُبْحَةٌ ; لِأَنَّهَا كَالتَّسْبِيحِ فِي الْفَرِيضَةِ. قَالَ مِيرَكُ: وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي أَوَّلِهِ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سُبْحَتِهِ جَالِسًا حَتَّى إِذَا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ جَالِسًا الْحَدِيثَ (وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ) أَيِ: الْقَصِيرَةِ كَالْأَنْفَالِ مَثَلًا (وَيُرَتِّلُهَا) أَيْ: بِتَبْيِينِ حُرُوفِهَا، وَحَرَكَاتِهَا وَسَكَنَاتِهَا، وَتَمْيِيزِ مَخَارِجِهَا وَصِفَاتِهَا وَبِالتَّأَنِّي فِي مَبَانِيهَا، وَالتَّأَمُّلِ فِي مَعَانِيهَا، وَقِيلَ التَّرْتِيلُ أَدَاءُ الْحُرُوفِ، وَمُحَافَظَةُ الْوُقُوفِ (حَتَّى تَكُونَ) أَيْ: تَصِيرَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى التَّرْتِيلِ (أَطْوَلَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ طَوِيلَةٍ خَالِيَةٍ عَنِ التَّرْتِيلِ كَالْأَعْرَافِ مَثَلًا كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ حَتَّى تَكُونَ أَيِ: السُّورَةُ الَّتِي يُرَتِّلُهَا أَطْوَلَ مِنْ سُورَةٍ هِيَ أَطْوَلُ مِنْ تِلْكَ السُّورَةِ الْمُرَتَّلَةِ حَالَ كَوْنِهَا غَيْرَ مُرَتَّلَةٍ.

Bagian 27 dari 41