— Bagian 34 · ا حَدِيثُ (حُسْنُ الْخُلُقِ نِصْفُ الدِّينِ) رَو… —
Bagian 34
ا حَدِيثُ (حُسْنُ الْخُلُقِ نِصْفُ الدِّينِ) رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ. وَمِنْهَا (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ الْعَارِفِينَ أَنَّ الْكَمَالَ فِي الْخُلُقِ هُوَ حَسْنُ الْخُلُقِ، وَهُوَ التَّخَلُّقُ بِالْأَخْلَاقِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَوْصَافِ الصَّمَدَانِيَّةِ مَا عَدَا اسْمَ الْجَلَالَةِ، فَإِنَّهُ لِلتَّعَلُّقِ لَا لِلتَّخَلُّقِ، قَالَ الْعَارِفُ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ) : رَمْزٌ غَامِضٌ وَإِيمَاءٌ خَفِيٌّ إِلَى الْأَخْلَاقِ الرَّبَّانِيَّةِ فَاحْتَشَمَتِ الْحَضْرَةُ الْإِلَهِيَّةُ أَنْ تَقُولَ: كَانَ مُتَخَلِّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَبَّرَتْ عَنْ هَذَا بِأَنَّ خُلُقَهُ الْقُرْآنُ اسْتِحْيَاءً مِنْ سَبَحَاتِ الْجَلَالِ وَسَتْرًا لِلْجَمَالِ بِلَطِيفِ الْمَقَالِ لِوُفُورِ عَقْلِهَا وَكَمَالِ أَدَبِهَا وَفَضْلِهَا انْتَهَى، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَوْصَافَ خُلُقِهِ الْعَظِيمِ لَا تَتَنَاهَى كَمَا أَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ لَا تَتَقَاضَى، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الِاتِّسَاعِ وَنِهَايَةٌ فِي الِابْتِدَاعِ لَا يُهْتَدَى لِانْتِهَائِهَا بَلْ كُلُّ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ انْتِهَاؤُهَا فَهُوَ مِنِ ابْتِدَائِهَا وَمِنْ ثَمَّةَ وَسِعَتْ أَخْلَاقُهُ أَخْلَاقَ أَفْرَادِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ بَلْ أَنْوَاعَ أَجْنَاسِ مَخْلُوقَاتِ الْعَالَمِ، وَلِذَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَسَائِرِ الْأُمَمِ بَلْ وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْجَمَادَاتِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (بُعِثْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً) .
الْجَمَادَاتِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (بُعِثْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً) .
(حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِقْرَاءِ، وَهُوَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ (حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ دَخَلَ نَفَرٌ) يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ (عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ قَالَ: مَاذَا أُحَدِّثُكُمْ)
أَيَّ شَيْءٍ أُحَدِّثُكُمْ، وَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ الْإِحَاطَةَ بِأَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ﷺ فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَنْكَرَ الْوُقُوفَ عَلَى مَا هُنَالِكَ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ أَفَادَهُمْ بَعْضُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يُشِيرُ إِلَى غَايَةِ ضَبْطِهِ وَيُشْعِرُ إِلَى نِهَايَةِ حِفْظِهِ حَيْثُ قَالَ: (كُنْتُ جَارَهُ) أَيْ: فَلِي خِبْرَةٌ بِهِ أَتَمُّ مِنْ غَيْرِي فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى قُرْبِهِ الصُّورِيِّ، وَأَمَّا الشَّاهِدُ عَلَى دُنُوِّهِ الْمَعْنَوِيِّ فَقَوْلُهُ (فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَى) أَيْ: أَرْسَلَ أَحَدًا إِلَيَّ يَطْلُبُنِي لِكِتَابَةِ الْوَحْيِ غَالِبًا فَإِنَّهُ مِنْ أَجَلِّ الْكَتَبَةِ وَأَكْثَرِهِمْ فِي الْمُبَاشَرَةِ (فَكَتَبْتُهُ لَهُ) أَيِ: الْوَحْيَ (فَكُنَّا) أَيْ: مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ (إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا) أَيْ: ذَمًّا أَوْ مَدْحًا لِكَوْنِهَا مَزْرَعَةَ الْآخِرَةِ وَمَحَلَّ الِاعْتِبَارِ لِأَرْبَابِ الْمَعْرِفَةِ (ذَكَرَهَا مَعَنَا) وَالْمُرَادُ: بِذِكْرِ الدُّنْيَا ذِكْرُ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيَا الْمُعِينَةِ عَلَى أَحْوَالِ الْعُقْبَى كَالْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ فِي أُمُورِهِ وَالتَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ مَصَالِحِهِ وَآلَاتِهِ وَسِلَاحِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ (وَإِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا) أَيْ: وَبَيَّنَ لَنَا تَفَاصِيلَ أَحْوَالِهَا أَوْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُرَغِّبَةِ وَالْمُرَهِّبَةِ وَغَيْرِهَا (وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ) أَيْ: ضَرَرَهُ وَنَفْعَهُ وَآدَابَ أَكْلِهِ وَبَيَانَ أَنْوَاعِهِ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْفَوَاكِهِ وَسَائِرِ الْمُسْتَلَذَّاتِ (ذَكَرَهُ مَعَنَا) وَأَفَادَ فِي كُلٍّ مِنَ الْحِكَمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ وَمَا يَتَحَصَّلُ بِهِ
ُوبَاتِ وَالْفَوَاكِهِ وَسَائِرِ الْمُسْتَلَذَّاتِ (ذَكَرَهُ مَعَنَا) وَأَفَادَ فِي كُلٍّ مِنَ الْحِكَمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ وَمَا يَتَحَصَّلُ بِهِ مِنْ مَنْفَعَتِهِ وَمَضَرَّتِهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنَ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ مِمَّا يَكَادُ يَعْجِزُ الْوَاحِدُ عَنْ بَيَانِ الْعِلْمِ الْمُصْطَفَوِيِّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَرَّرَ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا فِي أَحْوَالِهِ فِي مَجْلِسِهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الدُّنْيَا وَالطَّعَامِ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ فَوَائِدُ عِلْمِيَّةٌ وَأَدَبِيَّةٌ وَبِتَقْدِيرِ خُلُوِّهِ عَنْهُمَا فَفِيهِ بَيَانُ جَوَازِ تَحَدُّثِ الْكَبِيرِ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَمِثْلُ هَذَا الْبَيَانِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ﷺ (فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلَى مَا هُوَ الثَّابِتُ فِي الرِّوَايَةِ، وَالرَّابِطَةُ فِي خَبَرِهِ مَحْذُوفَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَالتَّقْدِيرُ أُحَدِّثُكُمْ إِيَّاهُ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِصِحَّةِ مَرْوِيِّهِ وَإِظْهَارٌ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.
يَجُوزُ النَّصْبُ وَالتَّقْدِيرُ أُحَدِّثُكُمْ إِيَّاهُ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِصِحَّةِ مَرْوِيِّهِ وَإِظْهَارٌ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ) نِسْبَةً إِلَى قُرَيْظَةَ مُصَغَّرًا قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ يَهُودِ الْمَدِينَةِ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بِلَا يَاءٍ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْجُمْهُورُ عَلَى كِتَابَتِهِ بِالْيَاءِ، وَحَذْفُهَا لُغَةٌ كَمَا قَرَأَ بِهِ السَّبْعُ فِي (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) انْتَهَى، وَالْمُرَادُ: بَعْضُ السَّبْعِ؛ لِأَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يُثْبِتُ الْيَاءَ فِيهِ وَصْلًا وَوَقْفًا، وَهَذَا مِنْهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَاصِيَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْمُعْتَلِّ اللَّامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْأَجْوَفُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ حَيْثُ قَالَ: وَالْأَعْيَاصُ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْلَادُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأَكْبَرِ وَهُمُ الْعَاصُ وَأَبُو الْعَاصِ وَالْعِيصُ وَأَبُو الْعِيصِ (قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ) قَالَ مِيرَكُ: أَشَرُّ جَاءَ عَلَى الْأَصْلِ وَمِنْهُ «صُغْرَاهَا شُرَّاهَا» ، وَيُقَالُ: خَيْرٌ وَأَخْيَرُ وَشَرٌّ وَأَشَرُّ لَكِنَّ الَّذِي بِالْأَلِفِ أَقَلُّ اسْتِعْمَالًا انْتَهَى، وَفِي الْقَامُوسِ أَشَرُّ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيَّةٌ، وَهِيَ شَرَّةٌ وَشُرَّى (يَتَأَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ) أَيْ: بِمَا ذَكَرَ مِنَ
الْإِقْبَالِ وَالْكَلَامِ، وَالتَّأَلُّفُ هُوَ الْمُدَارَاةُ وَالْإِينَاسُ لِيَثْبُتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبِينَةٌ وَلَيْسَ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَمَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالضَّمِيرُ فِي يَتَأَلَّفُهُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّهُ جُمِعَ مَعْنًى وَأَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى الْقَوْمِ؛ لِأَنَّ التَّأَلُّفَ كَانَ عَامًّا لَكِنَّهُ يَزِيدُ فِي الْأَشْرَارِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَتَأَلَّفُ الْقَوْمَ إِذْ أَرْبَابُ الْخَيْرِ مَائِلُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا تَأَلَّفَ الْأَشْرَارَ أَيْضًا تَأَلَّفَ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ، وَهَذَا أَظْهَرُ لِئَلَّا يَحْصُلَ الضَّرَرُ بِالتَّنَافُرِ الطَّبِيعِيِّ وَإِنَّمَا كَانَ يَقِلُّ التَّأَلُّفُ مَعَ الْأَبْرَارِ وَيَكْثُرُ مَعَ الْأَشْرَارِ؛ لِأَنَّ الصُّلَحَاءَ مُسْتَقِيمُونَ عَلَى الْجَادَّةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ الْآيَةَ (فَكَانَ) الْفَاءُ تَعْلِيلِيَّةً أَوْ تَفْرِيعِيَّةً أَيْ: فَكَانَ كَثِيرًا مَا (يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَيَّ حَتَّى ظَنَنْتُ) أَيْ: مِنْ كَثْرَةِ الْتِفَاتِهِ إِلَيَّ (أَنِّي خَيْرُ الْقَوْمِ) وَسَبَبُهُ أَنَّهُ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَمِنْ رُؤَسَاءِ قَوْمِهِ مِنَ الْأَنَامِ (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ وَتَرَدُّدِهِ فِي بَعْضِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (أَنَا خَيْرٌ أَوْ أَبُو بَكْرٍ) وَفِي نُسْخَةٍ أَمْ
يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ وَتَرَدُّدِهِ فِي بَعْضِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (أَنَا خَيْرٌ أَوْ أَبُو بَكْرٍ) وَفِي نُسْخَةٍ أَمْ أَبُو بَكْرٍ؟ كَمَا فِي الْبَقِيَّةِ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا خَيْرٌ أَمْ عُمَرُ؟ فَقَالَ عُمَرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا خَيْرٌ أَمْ عُثْمَانُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ فَلَمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَصَدَقَنِي) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ: أَجَابَ سُؤَالِي بِجَوَابِ صِدْقٍ وَقَوْلِ حَقٍّ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ وَمُدَارَاةِ خَلْقٍ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ الْمَعْنَى أَجَابَنِي بِسُؤَالِي وَلَمْ يَمْنَعْنِي عَنِ السُّؤَالِ، وَفِي النُّسَخِ صَدَقَنِي بِدُونِ الْفَاءِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ إِتْيَانَ الْفَاءِ فِي جَوَابِ لَمَّا غَيْرُ مَشْهُورٍ لَكِنَّهُ سَائِغٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ أَئِمَّةِ النَّحْوِ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ خِلَافَهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا زَائِدَةٌ، أَوِ الْجَوَابُ بَعْدَهَا مُقَدَّرٌ أَيْ: لَمَّا سَأَلْتُهُ فَصَدَقَنِي نَدِمْتُ حِينَئِذٍ أَوْ حَزِنْتُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فَلَوَدِدْتُ عَطْفًا عَلَى فَصَدَقَنِي عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى الْجَوَابِ الْمُقَدَّرِ عَلَى الثَّانِي قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَصَدَّقَنِي بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ انْتَهَى، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ صَدَّقَهُ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ خَيْرُ أَصْحَابِهِ لِجَهْلِهِ بِعَادَتِهِ ﷺ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعِنْهُ فِي تَطَلُّعِهِ إِلَى أَفْضَلِيَّتِهِ حَتَّى عَلَى الشَّيْخَيْنِ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ فَيُحْمَلُ التَّشْدِيدُ عَلَيْهِ،
فَلِذَلِكَ لَمْ يُعِنْهُ فِي تَطَلُّعِهِ إِلَى أَفْضَلِيَّتِهِ حَتَّى عَلَى الشَّيْخَيْنِ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ فَيُحْمَلُ التَّشْدِيدُ عَلَيْهِ، تَمَّ كَلَامُهُ وَلَا يَظْهَرُ مَرَامُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي ظَنِّهِ بَلْ كَذَّبَهُ وَخَطَّأَهُ فِي ظَنِّهِ بَلْ كَذَّبَهُ وَخَطَّأَهُ فِي وَهْمِهِ ثُمَّ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى كَثْرَةِ تَوَجُّهِهِ وَإِقْبَالِهِ غَفْلَةً عَنْ أَنَّ الْمَشَايِخَ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى الْمُرِيدِ الْغَرِيبِ الْمُبْتَدِئِ أَكْثَرَ مِنَ الْقَرِيبِ الْمُنْتَهِي ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا عَلَى نُسْخَةِ صَدَقَنِي بِلَا فَاءٍ فَيَكُونُ جُمْلَةً حَالِيَّةً بِتَقْدِيرِ «قَدْ» سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُخَفَّفُ وَالْمُشَدَّدُ انْتَهَى، وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ إِذْ يَبْقَى الْكَلَامُ بِدُونِ الْجَوَابِ، وَهُوَ خِلَافُ الصَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ جَوَابًا لَهُ كَيْفَ يَعْدِلُ عَنْهُ وَيَجْعَلُ حَالًا ثُمَّ يَجْعَلُ الْجَوَابَ مُقَدَّرًا أَوْ يَجُوزُ الْجَوَابُ مَعَ وُجُودِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ (فَلَوَدِدْتُ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: أَحْبَبْتُ وَتَمَنَّيْتُ (أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ) أَيْ: حَيَاءً لِظُهُورِ خَطَأِ ظَنِّهِ وَفَضِيحَةً مِنَ الشَّرِّ الْمُوجِبِ لِكَثْرَةِ إِقْبَالِهِ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ) بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ (عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تِسْعَ سِنِينَ، وَلَعَلَّهُ أَسَقَطَ السَّنَةَ الْمُبْتَدَأَةَ، وَكَانَ عُمْرُهُ حِينَئِذٍ عَشْرَ سِنِينَ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ (فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ فَاءٍ
مُشَدَّدَةٍ وَكَسْرِهَا بِلَا تَنْوِينٍ وَبِهِ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَقْرُوءٌ بِهَا فِي السَّبْعِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِيهَا عَشَرَةَ لُغَاتٍ: فَتْحُ الْفَاءِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا بِلَا تَنْوِينٍ وَبِالتَّنْوِينِ فَهَذِهِ سِتٌّ، وَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَأُفِّي وَأُفَّةٍ بِضَمِّ هَمْزَتِهِمَا. وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَتَضَجَّرُ وَأَتَكَرَّهُ قَالَ مِيرَكُ: وَأَصْلُ الْأُفِّ وَسَخُ الظُّفْرِ وَالْأُذُنِ وَيُقَالُ لِكُلِّ مَا يُتَضَجَّرُ أَوْ يُسْتَثْقَلُ: أُفٍّ لَهُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ قَالَ تَعَالَى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكِرْمَانِيُّ فِيهَا تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ لُغَةً وَزَادَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَاحِدَةً فَأَكْمَلَهَا أَرْبَعِينَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ مِيرَكُ فِي شَرْحِهِ (قَطُّ) بِفَتْحِ قَافٍ وَتَشْدِيدِ طَاءٍ مَضْمُومَةٍ كَذَا فِي الْأُصُولِ أَيْ: أَبَدًا أَوْ جَازَ فِيهِ
ينَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ مِيرَكُ فِي شَرْحِهِ (قَطُّ) بِفَتْحِ قَافٍ وَتَشْدِيدِ طَاءٍ مَضْمُومَةٍ كَذَا فِي الْأُصُولِ أَيْ: أَبَدًا أَوْ جَازَ فِيهِ ضَمُّ الطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ مَعَ فَتْحِ أَوَّلِهِ، وَضَمُّهُ وَفَتْحٌ فَسُكُونٌ أَوْ كَسْرٌ مَعَ التَّشْدِيدِ وَعَدَمِهِ، وَهِيَ لِتَوْكِيدِ نَفْيِ الْمَاضِي (وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ) أَيْ: مِمَّا لَا يَنْبَغِي صُنْعُهُ أَوْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلِيقُ فِعْلُهُ (لِمَ صَنَعْتَهُ) أَيْ: لِأَيِّ شَيْءٍ صَنَعْتَهُ (وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ كَذَا وَأَلَّا صَنَعْتَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بِمَعْنَى هَلَّا، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ لِشَيْءٍ مِمَّ يَصْنَعُهُ الْخَادِمُ وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِمَّا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَلِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ مَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا كَذَا وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا كَذَا أَوْ هَذَا مِنْ كَمَالِ خُلُقِهِ ﷺ وَتَفْوِيضِ أَمْرِهِ وَمُلَاحَظَةِ تَقْدِيرِ رَبِّهِ، وَأَمَّا تَجْوِيزُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْحَنَفِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مِنْ كَمَالِ أَدَبِ أَنَسٍ فَبَعِيدٌ جِدًّا مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَعُنْوَانِ الْبَابِ،
وِيزُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْحَنَفِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مِنْ كَمَالِ أَدَبِ أَنَسٍ فَبَعِيدٌ جِدًّا مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَعُنْوَانِ الْبَابِ، وَلِعَدَمِ تَصَوُّرِ وَلَدٍ عُمْرُهُ عَشْرُ سِنِينَ يَخْدُمُ عَشْرَ سِنِينَ لَا يَقَعُ مِنْهُ مَا يُوجِبُ تَأْفِيفَهُ وَلَا تَقْرِيعَهُ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي مِدْحَتُهُ ﵇ لَا مَدْحَ نَفْسِهِ فِي هَذَا الْكَلَامِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَرْكَ اعْتِرَاضِهِ ﵇ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَسٍ إِنَّمَا هُوَ لِغَرَضٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ خِدْمَتِهِ لَهُ ﷺ وَحُقُوقِ مُلَازَمَتِهِ بِنَاءً عَلَى حِلْمِهِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُقُوقِ الرَّبَّانِيَّةِ وَلَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِحُقُوقِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَفْرَادِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا) قِيلَ: «مِنْ» زَائِدَةٌ وَلَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ غَيْرِهِ أَحْسَنَ مِنْهُ؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: زَيْدٌ مِنْ أَفْضَلِ عُلَمَاءِ الْبَلَدِ لَمْ يُنَافِ ذَلِكَ كَوْنَهُ أَفْضَلَهُمْ إِذِ الْأَفْضَلُ الْمُعَدَّدُ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّ (كَانَ) لِلِاسْتِمْرَارِ وَالدَّوَامِ فَإِذَا كَانَ دَائِمًا مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا انْتَهَى، وَكَانَ مُرَادُهُمْ أَنَّ سَائِرَ الْخَلْقِ وَلَوْ حَسُنَ خُلُقُهُمْ أَحْيَانًا سَاءَ خُلُقُهُمْ زَمَانًا بِخِلَافِ حُسْنِ خُلُقِهِ ﵇ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى الدَّوَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَبَطَلَ تَعَقُّبُ ابْنِ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ تَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ مَا فِيهِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي ذَوْقٍ سَلِيمٍ. قَالَ
عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَبَطَلَ تَعَقُّبُ ابْنِ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ تَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ مَا فِيهِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي ذَوْقٍ سَلِيمٍ. قَالَ قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْخَاءِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِلْمَقَامِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ، قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّابِقِ دُونَ نِسْبَتِهَا إِلَى اللَّاحِقِ، وَلِهَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَحْسَنِ النَّاسِ حُسْنَ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ تَابِعٌ لِاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ الَّذِي يَتْبَعُهُ صَفَاءُ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ جَوْدَةُ الْقَرِيحَةِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْحِكْمَةُ، نَعَمِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِالضَّمِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ
الْوَجْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ مُخَالَطَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ اخْتِيَارُ الْفَضَائِلِ وَاجْتِنَابُ الرَّذَائِلِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْعُنْوَانِ مَا يَسْتَغْنِي عَنْ زِيَادَةِ الْبَيَانِ ثُمَّ هُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُهُ بِأُنْسٍ وَنَحْوِهِ (وَلَا مَسِسْتُ) بِكَسْرِ السِّينِ وَبِفَتْحٍ أَيْ مَا لَمَسْتُ (خَزًّا) بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ زَايٍ، قِيلَ: الْخَزُّ اسْمُ دَابَّةٍ ثُمَّ سُمِّيَ الْمُتَّخَذُ مِنْ وَبَرِهَا فَيَكُونُ فَرْوًا نَاعِمًا عَلَى مَا فِي مِنْهَاجِ اللُّغَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْخَزُّ: ثِيَابٌ يُعْمَلُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْخَزُّ مُرَكَّبٌ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مُبَاحٌ إِنْ لَمْ يَزِدِ الْحَرِيرُ وَزْنًا، وَلَا عِبْرَةَ بِزِيَادَةِ الظُّهُورِ فَقَطْ، انْتَهَى، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ السَّدَى حَرِيرًا وَاللُّحْمَةُ غَيْرَهُ فَهُوَ مُبَاحٌ وَعَكْسُهُ حَرَامٌ إِلَّا فِي الْحَرْبِ (وَلَا حَرِيرًا) أَيْ: خَالِصًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا لَفْظُ قَطُّ، وَفِي بَعْضِهَا بَعْدُ خَزًّا (وَلَا شَيْئًا) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (كَانَ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ أَوْ شَيْءٍ (أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا شَمَمْتُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا انْتَهَى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فَفِي الْقَامُوسِ: الشَّمُّ حُسْنُ الْأَنْفِ شَمِمْتُهُ بِالْكَسْرِ أَشَمُّهُ بِالْفَتْحِ وَشَمَمْتُهُ بِالْفَتْحِ أَشُمُّهُ بِالضَّمِّ (مِسْكًا) وَهُوَ طِيبٌ مَعْرُوفٌ (قَطُّ وَلَا عِطْرًا) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ: مُطْلَقُ الطِّيبِ فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) وَالْعَرَقُ بِفَتْحَتَيْنِ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ عَيْنٍ وَسُكُونِ رَاءٍ فَفَاءٍ،
َخْصِيصٍ (كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) وَالْعَرَقُ بِفَتْحَتَيْنِ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ عَيْنٍ وَسُكُونِ رَاءٍ فَفَاءٍ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. وَكَانَ طِيبُ عَرَقِهِ ﷺ مِمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَتَّى كَانَ بَعْضُ النِّسَاءِ يَأْخُذْنَهُ وَيَتَعَطَّرْنَ بِهِ وَكَانَ مِنْ أَطْيَبِ طِيبِهِنَّ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمَعَ كَوْنِ هَذِهِ الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ صِفَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّ طِيبًا كَانَ يَسْتَعْمِلُ الطِّيبَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مُبَالَغَةً فِي طِيبِ رِيحِهِ لِمُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَةِ وَأَخْذِ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ وَمُجَالَسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِفَوَائِدَ أُخْرَى مِنَ الِاقْتِدَاءِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ وَرَدَ (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَشْرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ (وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ) فَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَعَلَّ ابْتِدَاءَ خِدْمَةِ أَنَسٍ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَفِي رِوَايَةِ التِّسْعِ لَمْ يَجْبُرِ الْكَسْرَ وَاعْتَبَرَ السِّنِينَ الْكَوَامِلَ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَشْرِ جَبَرَهَا، وَاعْتَبَرَهَا سَنَةً كَامِلَةً، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ خِدْمَتِهِ لَهُ كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَبَعْدَ تَزْوِيجِ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَةَ. فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي. الْحَدِيثَ.
ي طَلْحَةَ. فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي. الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَيَخْدُمُكَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَأَشَارَ بِالسَّفَرِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَغَازِي مِنَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ مَنْ يَخْدُمُهُ فَأَحْضَرَ لَهُ أَنَسًا فَأَشْكَلَ هَذَا عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ بَيْنَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ وَبَيْنَ خُرُوجِهِ إِلَى خَيْبَرَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ مَنْ يَكُونُ أَسَنَّ مِنْ أَنَسٍ وَأَقْوَى عَلَى الْخِدْمَةِ فِي السَّفَرِ فَعَرَفَ أَبُو طَلْحَةَ مِنْ أَنَسٍ الْقُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَةَ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهَا بَادَرَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَوَالِدُ أَنَسٍ حَيٌّ فَعَرَفَ بِذَلِكَ فَلَمْ يُسْلِمْ، وَخَرَجَ فِي حَاجَتِهِ فَقَتَلَهُ عَدُوٌّ لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ قَدْ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ فَاتَّفَقَ أَنَّهُ خَطَبَهَا فَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِمَ فَأَسْلَمَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُدَّةُ خِدْمَةِ أَنَسٍ تِسْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ فَأَلْغَى الْكَسْرَ مَرَّةً وَجَبَرَهُ أُخْرَى كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَأَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا سَبَّنِي سَبَّةً قَطُّ وَلَا ضَرَبَنِي ضَرْبَةً قَطُّ وَلَا عَبَسَ فِي وَجْهِي وَلَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ قَطُّ فَتَوَانَيْتُ فَعَاتَبَنِي عَلَيْهِ فَإِنْ عَاتَبَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ دَعُوهُ فَلَوْ قُدِّرَ شَيْءٌ كَانَ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ هُوَ الضَّبِّيُّ، وَالْمَعْنَى) أَيْ: مُؤَدَّى التَّحْدِيثَيْنِ (وَاحِدٌ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَلْمٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (الْعَلَوِيِّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (كَانَ عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ النَّبِيِّ (﵇ رَجُلٌ بِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ) أَيْ: مِنْ طِيبٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: غَالِبًا مِنْ عَادَتِهِ (لَا يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَدًا) وَهَذَا لِتَضَمُّنِهِ نَفْيَ الْقُرْبِ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ أَبْلَغُ مِنْ «لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا» ، فَالْمَعْنَى: لَا يَقْرُبُ مِنْ أَنْ يُقَابِلَ أَحَدًا (بِشَيْءٍ) أَيْ: بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ (يَكْرَهُهُ) أَيْ: يَكْرَهُ أَحَدٌ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وَالْمُوَاجَهَةُ: الْمُقَابَلَةُ. وَقَيَّدْنَا بِغَالِبِ عَادَتِهِ؛ لِئَلَّا يُنَافِيَهُ مَا ثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ: قُلْتُ أَغْسِلُهُمَا قَالَ بَلِ احْرِقْهُمَا، وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِالْحَرْقِ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُعَصْفَرِ (فَلَمَّا قَالَ لِلْقَوْمِ) أَيْ: لِأَصْحَابِهِ الْحَاضِرِينَ فِي الْمَجْلِسِ (لَوْ قُلْتُمْ لَهُ يَدَعُ) أَيْ: يَتْرُكُ (هَذِهِ الصُّفْرَةَ) وَلَوْ لِلتَّمَنِّي أَوْ لِلشَّرْطِ، وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لَكَانَ أَحْسَنَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمْرِ الْمُحَرَّمِ، وَهَذَا عَلَى الشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ إِذْ وُجُودُ أَثَرِ صُفْرَةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ مَكْرُوهٌ،
لَى الْأَمْرِ الْمُحَرَّمِ، وَهَذَا عَلَى الشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ إِذْ وُجُودُ أَثَرِ صُفْرَةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ مَكْرُوهٌ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَمْ يُؤَخِّرْ ﷺ أَمْرَهُ بِتَرْكِهِ إِلَى مُفَارَقَتِهِ الْمَجْلِسَ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّمَا كَرِهَ الصُّفْرَةَ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلْيَهُودِ وَمَخْصُوصَةٌ بِهِمْ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ الصُّفْرَةِ عَلَامَةً لَهُمْ إِنَّمَا حَدَثَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ كَمِصْرَ مُنْذُ زَمَنٍ قَرِيبٍ فَفِي الْأَوَائِلِ لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ: أَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِتَغَيُّرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ زِيَّهُمْ إِمَامُ الْمُتَوَكِّلِ. وَفِي السِّكِرْدَانِ لِابْنِ أَبِي حَجْلَةَ: لَبِسَ النَّصَارَى الْعَمَائِمَ الزُّرْقَ، وَالْيَهُودُ الْعَمَائِمَ الصُّفْرَ، وَالسَّامِرَةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ الْعَمَائِمَ الْحُمْرَ سَنَةَ سَبْعِمِائَةٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَغْرِبِيًّا جَالِسًا بِبَابِ الْقَلْعَةِ عِنْدَ بِيبَرْسَ الْجَاشِنْكِيرِ فَحَضَرَ بَعْضُ كُتَّابِ النَّصَارَى بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ، فَقَامَ لَهُ الْمَغْرِبِيُّ وَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ فَدَخَلَ لِلسُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَفَاوَضَهُ فِي تَغْيِيرِ زِيِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِيَمْتَازَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ فَأَجَابَهُ لِذَلِكَ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ جَدَالَةَ (وَاسْمُهُ عَبْدُ بْنُ عَبْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا) أَيْ: ذَا فُحْشٍ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقَوْلِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْفِعْلِ وَالصِّفَةِ (وَلَا مُتَفَحِّشًا) أَيْ: وَلَا مُتَكَلِّفًا بِهِ أَيْ:
ْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقَوْلِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْفِعْلِ وَالصِّفَةِ (وَلَا مُتَفَحِّشًا) أَيْ: وَلَا مُتَكَلِّفًا بِهِ أَيْ:
لَمْ يَكُنِ الْفُحْشُ لَهُ خُلُقِيًّا وَلَا كَسْبِيًّا، قَالَ الْقَاضِي: الْفَاحِشُ مَا جَاوَزَ الْحَدَّ، وَالْفَوَاحِشُ الْمَقَابِحُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الزِّنَا فَاحِشَةً، وَالْمُرَادُ: بِالْفَاحِشِ فِي الْحَدِيثِ: ذُو الْفُحْشِ فِي كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ، وَالْمُتَفَحِّشُ الَّذِي يَتَكَلَّفُ الْفُحْشَ وَيَتَعَمَّدُهُ فَنَفَتْ عَنْهُ ﷺ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ بِهِ طَبْعًا وَتَكَلُّفًا ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَلَا صَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: صَيَّاحًا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ سَخَّابًا بِالسِّينِ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَعَّالٌ قَدْ يَكُونُ لِلنِّسْبَةِ كَتَمَّارٍ وَلَبَّانٍ وَبِهِ أُوِّلَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَقْصُودُ نَفْيُ الصَّخَبِ لَا نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ كَأَنَّهَا نَظَرَتْ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَادَ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فَنَفَتْهُ عَلَى صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمُرَادُ: نَفْيُهُ مُطْلَقًا، وَقَدْ يُقَالُ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي حَقِّهِ لَكَانَ كَامِلًا كَسَائِرِ أَوْصَافِهِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا الْكَلَامِ مُبَالَغَةُ النَّفْيِ لَا نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَقِيلَ فِي الْآيَةِ صَحَّ الْمُبَالَغَةُ بِاعْتِبَارِ الْمُقَابَلَةِ لِلْعَبِيدِ الْمَوْجُودِينَ بِوَصْفِ الْكَثْرَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْمُبَالَغَةِ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ أَصْلُ الْفِعْلِ،
تِبَارِ الْمُقَابَلَةِ لِلْعَبِيدِ الْمَوْجُودِينَ بِوَصْفِ الْكَثْرَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْمُبَالَغَةِ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ أَصْلُ الْفِعْلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْأَسْوَاقِ أَيْ: لَيْسَ مِمَّنْ يُنَافِسُ فِي الدُّنْيَا وَجَمْعِهَا حَتَّى يَحْضُرَ الْأَسْوَاقَ، لِذَلِكَ فَذِكْرُهَا إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ لِذَلِكَ لَا لِإِثْبَاتِ الصَّخَبِ فِي غَيْرِهَا أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى فِيهَا انْتَفَى فِي غَيْرِهَا انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ فَإِنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ فِي الْقِرَاءَةِ حَالَةَ الصَّلَاةِ وَيُبَالِغُ فِي إِعْلَانِهِ حَالَ الْخُطْبَةِ (وَلَا يَجْزِي) بِفَتْحِ الْيَاءِ فَكَسْرِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ مِنَ الْجَزَاءِ أَيْ: لَا يُكَافِئُ وَلَا يُجَازِي (بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ) وَالْبَاءُ لِلْمُبَادَلَةِ، وَإِطْلَاقُ السَّيِّئَةِ عَلَى الْأُولَى لِلْمُشَاكَلَةِ كَعَكْسِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَلِذَا قَالَتْ (وَلَكِنْ يَعْفُو) أَيْ: بِبَاطِنِهِ (وَيَصْفَحُ) أَيْ: يُعْرِضُ بِظَاهِرِهِ لِمَا سَبَقَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ وَالصَّفْحُ فِي الْأَصْلِ الْإِعْرَاضُ بِصَفْحَةِ الْوَجْهِ، وَالْمُرَادُ: هُنَا عَدَمُ الْمُقَابَلَةِ بِذِكْرِهِ وَظُهُورِ أَثَرِهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ مَا قَبْلَ لَكِنْ رُبَّمَا يُوهِمُ أَنَّهُ تَرَكَ الْجَزَاءَ عَجْزًا أَوْ مَعَ بَقَاءِ الْغَضَبِ فَاسْتَدْرَكَهُ بِذَلِكَ.
جْهُ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ مَا قَبْلَ لَكِنْ رُبَّمَا يُوهِمُ أَنَّهُ تَرَكَ الْجَزَاءَ عَجْزًا أَوْ مَعَ بَقَاءِ الْغَضَبِ فَاسْتَدْرَكَهُ بِذَلِكَ. وَمِنْ عَظِيمِ عَفْوِهِ حَتَّى عَنْ أَعْدَائِهِ الْمُحَارِبِينَ لَهُ حَتَّى كَسَرُوا رُبَاعِيَّتَهُ وَشَجُّوا وَجْهَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَلَكِنْ بُعِثْتُ دَاعِيًا وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي أَوِ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَيِ اغْفِرْ لَهُمْ ذَنْبَ الْكَسْرَةِ وَالشَّجَّةِ لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا لَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ اللَّهُمَّ امْلَأْ بُطُونَهُمْ نَارًا) فَلِأَنَّهُ كَانَ حَقَّ اللَّهِ فَلَمْ يَعْفُ عَنْهُ وَمَا سَبَقَ مِنْ حَقِّهِ فَسَامَحَهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَجَلِّ أَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا مِنْهُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: لَمْ أَمْتَحِنْهُمَا: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ أَيْ: لَوْ تُصُوِّرَ مِنْهُ جَهْلٌ أَوْ مُرَادُهُ بِالْجَهْلِ الْغَضَبُ وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا فَكُنْتُ أَتَلَطَّفُ لَهُ؛ لِأَنْ أُخَالِطَهُ فَأَعْرِفَ حِلْمَهُ وَجَهْلَهُ فَابْتَعْتُ مِنْهُ تَمْرًا إِلَى أَجَلٍ فَأَعْطَيْتُهُ الثَّمَنَ؛ فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ ثُمَّ قُلْتُ: أَلَا تَقْضِينِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مُطْلٌ،
وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ ثُمَّ قُلْتُ: أَلَا تَقْضِينِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مُطْلٌ، فَقَالَ عُمَرُ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَسْمَعُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا مَا أُحَاذِرُ
قُرْبَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ وَتَبَسُّمٍ ثُمَّ قَالَ: أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التَّقَاضِي اذْهَبْ بِهِ فَاقْضِهِ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مَكَانَ مُنَازَعَتِهِ فَقُلْتُ يَا عُمَرُ كُلُّ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ قَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَظَرْتُ إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا فَقَدْ أُخْبِرْتُهُمَا؛ أُشْهِدُكَ أَنِّي رَضِيتُ بِاللَّهِ رِبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَذَبَهُ بِرِدَائِهِ حَتَّى أَثَّرَ فِي رَقَبَتِهِ الشَّرِيفَةِ لِخُشُونَتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ احْمِلْنِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ أَيْ: حَمِّلْهُمَا لِي طَعَامًا فَإِنَّكَ لَا تُحَمِّلُنِي مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ فَقَالَ ﷺ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا أَحْمِلُكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِنْ جَذْبَتِكَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَهَا ثُمَّ دَعَا رَجُلًا فَقَالَ لَهُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هَذَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا وَعَلَى الْآخَرِ شَعِيرًا) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا جَبَذَهُ تِلْكَ الْجَبْذَةَ الشَّدِيدَةَ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ، وَفِي هَذَا عَظِيمُ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ
َّهُ لَمَّا جَبَذَهُ تِلْكَ الْجَبْذَةَ الشَّدِيدَةَ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ، وَفِي هَذَا عَظِيمُ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى الْأَذَى نَفْسًا وَمَالًا وَتَجَاوُزِهِ عَنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ لَهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ كَالْوَحْشِ الشَّارِدِ وَالطَّبْعِ الْمُتَنَافِرِ وَالْمُتَبَاعِدِ وَالْحُمُرِ الْمُسْتَنْفِرَةِ الَّتِي فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ فَمَعَ ذَلِكَ سَاسَهُمْ وَاحْتَمَلَ جَفَاهُمْ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ إِلَى أَنِ انْقَادُوا إِلَيْهِ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَقَاتَلُوا دُونَهُ أَهْلِيهِمْ وَآبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَاخْتَارُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ فَظَهَرَ صِدْقُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وَفِي قَوْلِهِ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ الْآيَةَ.
(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ) بِسُكُونِ الْمِيمِ (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ شَيْئًا) أَيْ: آدَمِيًّا؛ لِأَنَّهُ ﷺ رُبَّمَا ضَرَبَ مَرْكُوبَهُ، وَقَدْ ضَرَبَ بَعِيرَ جَابِرٍ كَمَا فِي الصَّحِيحِ (قَطُّ) أَيْ: فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْمَاضِيَةِ (إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ) وَفِي رِوَايَةٍ إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حَتَّى إِنَّهُ قَتَلَ اللَّعِينَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِأُحُدٍ، وَقِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِهَادَ مَعَ الْكُفَّارِ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْحُدُودُ وَالتَّعَازِيرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ (وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً) هَذَا مُنْدَرِجٌ تَحْتَ نَفْيِ الْعَامِّ لَكِنْ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمَا أَوْ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ضَرْبِ هَذَيْنِ فِي الْعَادَةِ، وَالِاحْتِيَاجِ إِلَى ضَرْبِهِمَا تَأْدِيبًا،
َصَّهُمَا بِالذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمَا أَوْ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ضَرْبِ هَذَيْنِ فِي الْعَادَةِ، وَالِاحْتِيَاجِ إِلَى ضَرْبِهِمَا تَأْدِيبًا، فَضَرْبُهُمَا وَإِنْ جَازَ بِشَرْطِهِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ قَالُوا بِخِلَافِ الْوَلَدِ فَالْأَوْلَى تَأْدِيبُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ ضَرْبَهُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُنْدَبِ الْعَفْوُ بِخِلَافِ ضَرْبِهِمَا فَإِنَّهُ لِحَظِّ النَّفْسِ، فَنُدِبَ الْعَفْوُ عَنْهُمَا مُخَالَفَةً لِهَوَى النَّفْسِ وَكَظْمًا لِغَيْظِهَا.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ) أَيْ: مَا عَلِمْتُ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ مَا أَبْصَرْتُ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْتَصِرًا) أَيْ: مُنْتَقِمًا (مِنْ مَظْلِمَةٍ) وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ اسْمٌ لِمَا تَطْلُبُهُ عَنِ الظَّالِمِ، وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْكَ وَبِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرُ ظَلَمَهُ يَظْلِمُهُ ظُلْمًا وَمَظْلَمَةً، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الظُّلْمُ، وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ أَيْ: مِنْ أَجْلِ مَا أُخِذَ وَنِيلَ مِنْ مَعْصُومٍ عُدْوَانًا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْبَدَنِ أَمِ الْعِرْضِ أَمِ الْمَالِ أَمِ الِاخْتِصَاصِ (ظُلِمَهَا قَطُّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي ظُلِمَ رَاجِعٌ إِلَى الرَّسُولِ ﵇ وَالظُّلْمُ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ فَلَا
يَظْهَرُ تَعَدِّي ظُلِمَ هَاهُنَا بِالضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: ظُلِمَ بِهَا وَيُقَالُ إِنَّهُ لِكَوْنِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَظْلِمَةِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ كَذَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مَصْدَرٌ وَبِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ ضَمِّهَا اسْمٌ فَالْمَنْصُوبُ فِي ظُلِمَهَا عَلَى الْأَوَّلِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَعَلَى الثَّانِي مَفْعُولٌ بِهِ وَظُلِمَ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ قَصْرَهُ عَلَى وَاحِدٍ فَقُدِّرَ ظُلِمَ بِهَا، قُلْتُ: عِبَارَةُ الْقَامُوسِ ظَلَمَهُ حَقَّهُ وَالْمَظْلِمَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْمَصْدَرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ: أَوْ ضَمِّهَا سَهْوٌ وَوَهْمٌ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا لَمْ يَنْتَقِمْ لِمَظْلِمَةٍ يَنْتَقِمُ مَعَ أَنَّ مُرْتَكِبَهَا قَدْ بَاءَ بِإِثْمٍ عَظِيمٍ لَا سِيَّمَا لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الَّذِي سَحَرَهُ وَالْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي ذَكَرَتْهَا بِقَوْلِهَا (مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ) وَهِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: مَا لَمْ يُرْتَكَبْ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ قَالَ الْحَنَفِيُّ: الْمَحَارِمُ جَمْعُ الْمَحْرَمِ، وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْحُرْمَةُ وَحَقِيقَتُهُ مَوْضِعُ الْحُرْمَةِ انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَمَا لَا يَخْفَى (فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا) وَقَدْ سَبَقَ أَنْ قَوْلَهُ مِنْ أَشَدِّهِمْ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ أَشَدَّهُمْ، لَكِنْ قِيلَ مِنْ هَاهُنَا زَائِدَةٌ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ،
ِنْ أَشَدِّهِمْ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ أَشَدَّهُمْ، لَكِنْ قِيلَ مِنْ هَاهُنَا زَائِدَةٌ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ زِيَادَةَ مِنْ فِي الْكَلَامِ الْمُوجَبِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ثُمَّ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ الَّتِي يَنْتَقِمُ لَهَا وَلَا يَعْفُو عَنْهَا حَقُّ الْآدَمِيِّ إِذَا صَمَّمَ فِي طَلَبِهِ وَلَا يُنَافِي الْحَدِيثَ أَمْرُهُ ﷺ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَاتِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ عَفْوَهُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَنْبٍ لَمْ يَكْفُرْ بِهِ فَاعِلُهُ قِيلَ ظُلْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلْزِمُ انْتِهَاكَ شَيْءٍ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّ ظُلْمَهُ إِيذَاؤُهُ وَإِيذَاؤُهُ إِيذَاءٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِيذَاءَ مُطْلَقًا لَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأَنَّ إِيذَاءَهُ قَدْ يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ جَافٍ، وَهَذَا لَهُ نَوْعُ عُذْرٍ فَلَمْ يُكَفِّرْهُ وَعَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَجَاوُزُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فَلِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ وَلَمْ يَتَحَدَّثُوا عَنْهُ أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ وَكَانَ يُسَامِحُ عَنْ كَافِرٍ مُعَاهِدٍ لِيَتَأَلَّفَهُ أَوْ عَنْ حَرْبِيٍّ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُلْتَزِمٍ لِلْأَحْكَامِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ (مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْلِمًا بِذِكْرِهِ أَيْ: بِصَرِيحِ اسْمِهِ وَمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ قَطُّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَمَنَعَهُ إِلَّا أَنْ يُسْأَلَ مَأْثَمًا وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونَ لِلَّهِ يَنْتَقِمُ) (وَمَا خُيِّرَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (
َمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونَ لِلَّهِ يَنْتَقِمُ) (وَمَا خُيِّرَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (
بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ) أَيِ: الْأَيْسَرُ (مَأْثَمًا) أَيْ: إِثْمًا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ مَوْضِعَ إِثْمٍ ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: إِثْمًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهَا أَيْضًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ (مَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ سَخَطٌ فَالْإِثْمُ الْمَعْصِيَةُ وَزَعَمَ أَنَّهُ يَشْمَلُ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ إِنَّمَا نَشَأَ عَنِ الْجَهْلِ بِكَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَبَعًا لِشَارِحِ التَّخْيِيرِ إِمَّا بِأَنْ يُخَيِّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا فِيهِ عُقُوبَتَانِ فَيَخْتَارُ الْأَخَفَّ أَوْ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ فَيَخْتَارُ أَخْذَهَا أَوْ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ فِي الْمُجَاهَدَةِ فِي الْعِبَادَةِ وَالِاقْتِصَادِ فَيَخْتَارُ الِاقْتِصَادَ، وَإِمَّا بِأَنْ يُخَيِّرَهُ الْمُنَافِقُونَ وَالْكُفَّارُ فَعَلَى الْأَخِيرِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا وَعَلَى مَا سَبَقَ مُنْقَطِعًا إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَخْيِيرُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بَيْنَ جَائِزَيْنِ قُلْتُ بَقِيَ تَخْيِيرٌ آخَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ أُمَّتِهِ بَيْنَ وُجُوبِ الشَّيْءِ وَنَدْبِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَتَخْيِيرٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ فِي أَمْرَيْنِ فَيَخْتَارُ الْأَيْسَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهِمْ.
َنَدْبِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَتَخْيِيرٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ فِي أَمْرَيْنِ فَيَخْتَارُ الْأَيْسَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهِمْ. (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَهُ) قِيلَ: اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، وَقِيلَ هُوَ مَخْرَمَةُ وَلَا يَبْعُدُ تَعَدُّدُ الْقَضِيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ ظَاهِرًا (فَقَالَ بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ) كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَالْعَشِيرَةُ الْقَبِيلَةُ أَيْ: بِئْسَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ فَإِضَافَةُ الِابْنِ أَوِ الْأَخِ إِلَيْهَا كَإِضَافَةِ الْأَخِ لِلْعَرَبِ فِي يَا أَخَا الْعَرَبِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا وَأَوْ لِلشَّكِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ فَإِنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ الْمُنْكَدِرِ رَوَوْهُ عَنْهُ بِدُونِ الشَّكِّ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ) مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فَقِيلَ الْمَقْصُودُ إِظْهَارُ حَالِهِ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ وَلَا يَغْتَرُّوا بِهِ فَلَا يَكُونُ غَيْبَةً، وَقِيلَ كَانَ مُجَاهِرًا بِسُوءٍ فَقَالَهُ وَلَا غِيبَةَ لِلْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ
وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِحَالِهِ (ثُمَّ أَذِنَ لَهُ) أَيْ: بِالدُّخُولِ (فَأَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ) أَيْ: بَعْدَ دُخُولِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَطَلَّقَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ (فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ) أَيْ: فِي غَيْبَتِهِ (ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ) أَيْ: عِنْدَ مُعَايَنَتِهِ (فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ» (مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ) شَكٌّ مِنْ سُفْيَانَ وَالدَّالُ مُخَفَّفَةٌ كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ شَاذًّا فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الصَّرْفِيِّينَ وَأَمَاتَ الْعَرَبُ مَاضِيَ يَدَعُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِمَاتَتِهِ نُدْرَتُهُ فَهُوَ شَاذٌّ اسْتِعْمَالًا صَحِيحٌ قِيَاسًا، وَقَوْلُهُ (اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) نُصِبَ عَلَى الْعِلَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّنِي إِنَّمَا تَرَكْتُ الِانْقِبَاضَ فِي وَجْهِهِ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُدَارَاةِ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ) ، وَلِذَا قِيلَ (وَدَارِهِمْ مَا دُمْتَ فِي دَارِهِمْ وَأَرْضِهِمْ مَا دُمْتَ فِي أَرْضِهِمْ) .
ِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُدَارَاةِ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ) ، وَلِذَا قِيلَ (وَدَارِهِمْ مَا دُمْتَ فِي دَارِهِمْ وَأَرْضِهِمْ مَا دُمْتَ فِي أَرْضِهِمْ) . ، وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ أَنَّ الرَّجُلَ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ، كَذَا فَسَّرَهُ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْغَنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَسْتَأْذِنُ فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ قَالَ: (بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ) الْحَدِيثَ وَإِنَّمَا تَطَلَّقَ ﷺ فِي وَجْهِهِ تَأَلُّفًا لَهُ لِيُسْلِمَ قَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَئِيسَهُمْ، وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ عِلْمًا وَأَدَبًا وَلَيْسَ قَوْلُهُ ﵇ فِي أُمَّتِهِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يُسَمِّيهِمْ بِهَا وَيُضِيفُهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَكْرُوهِ غَيْبَةً، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِهِمْ بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيُعَرِّفَ النَّاسَ أُمُورَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ
الْوَاجِبُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيُعَرِّفَ النَّاسَ أُمُورَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ
النَّصِيحَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ وَلَكِنْ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَمِ وَأُعْطِيَهُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ أَظْهَرَ لَهُ الْبَشَاشَةَ وَلَمْ يُجِبْهُ بِالْمَكْرُوهِ وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ فِي اتِّقَاءِ شَرِّ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ، وَفِي مُدَارَتِهِ لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرِّهِ وَغَائِلَتِهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي جَوَازِ غَيْبَةِ الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ وَالْفُحْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَعَ جَوَازِ مُدَارَاتِهِمُ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ فِي دِينِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ تَبَعًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ أَنَّ الْمُدَارَاةَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَوْ هُمَا مَعًا، وَهِيَ مُبَاحَةٌ وَرُبَّمَا تَكُونُ مُسْتَحْسَنَةً، وَالْمُدَاهَنَةُ بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْنَ عِشْرَتِهِ وَالرِّفْقَ فِي مُكَالَمَتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلِهِ فَلَمْ يُنَاقِضْ فِيهِ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ قَوْلُ حَقٍّ وَفِعْلَهُ مَعَهُ حُسْنُ مُعَاشَرَةٍ فَيَزُولُ مَعَ هَذَا التَّقْرِيرِ الْإِشْكَالُ بِحَمْدِ اللَّهِ الْمُتَعَالِ.
َإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ قَوْلُ حَقٍّ وَفِعْلَهُ مَعَهُ حُسْنُ مُعَاشَرَةٍ فَيَزُولُ مَعَ هَذَا التَّقْرِيرِ الْإِشْكَالُ بِحَمْدِ اللَّهِ الْمُتَعَالِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَمْ يَكُنْ عُيَيْنَةُ حِينَئِذٍ أَسْلَمَ فَلَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ فِيهِ غَيْبَةً أَوْ كَانَ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُ خَالِصًا فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِظَاهِرِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بَاطِنَهُ، وَقَدْ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَهُ أُمُورٌ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ فَيَكُونُ مَا وَصَفَ بِهِ ﷺ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَفِي فَتْحِ الْبَارِئِ أَنَّ عُيَيْنَةَ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ ﵁ وَحَارَبَ، ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ وَحَضَرَ بَعْضَ الْفُتُوحِ فِي عَصْرِ عُمَرَ ﵁ قَالَ مِيرَكُ: وَلَهُ مَعَ عُمَرَ قِصَّةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى جَفَائِهِ انْتَهَى، وَأَخْطَأَ الْحَنَفِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَزَلَّتْ قَدَمُ قَلَمِهِ فِي بَيَانِ الْمَرَامِ حَيْثُ قَالَ: الْمَعْنَى إِنَّمَا أَلَنْتُ لَهُ الْقَوْلَ لِأَنِّي لَوْ قُلْتُ لَهُ فِي حُضُورِهِ مَا قُلْتُهُ فِي غَيْبَتِهِ لَتَرَكَنِي اتِّقَاءَ فُحْشِي فَأَكُونُ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ انْتَهَى. وَقَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي جَوَازِ غَيْبَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ بَلْ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْمُجَاهِرَ بِالْفِسْقِ وَالشَّرِّ لَا يَكُونُ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَرَائِهِ مِنَ الْغَيْبَةِ الْمَذْمُومَةِ.
لْ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْمُجَاهِرَ بِالْفِسْقِ وَالشَّرِّ لَا يَكُونُ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَرَائِهِ مِنَ الْغَيْبَةِ الْمَذْمُومَةِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: تُبَاحُ الْغَيْبَةُ فِي كُلِّ غَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعًا حَيْثُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقٌ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِهَا كَالتَّظَلُّمِ وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَالِاسْتِفْتَاءِ وَالْمُحَاكَمَةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ تَجْرِيحُ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ، وَإِعْلَامُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ بِسِيرَةِ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَجَوَابُ الِاسْتِشَارَةِ فِي نِكَاحٍ أَوْ عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ وَكَذَا مَنْ رَأَى فَقِيهًا تَرَدَّدَ إِلَى مُبْتَدِعٍ أَوْ فَاسِقٍ فَيَخَافُ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ.
(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ) صَوَابُهُ (عُمَيْرٌ) بِالتَّصْغِيرِ أَيْضًا (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيِّ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ) أَيْ: أَوَّلًا (يُكْنَى) بِالتَّخْفِيفِ وَجُوِّزَ التَّشْدِيدُ (أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ سَأَلْتُ أَبِي عَنْ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: عَنْ طَرِيقَتِهِ (فِي جُلَسَائِهِ) أَيْ: فِي حَقِّ مُجَالِسِيهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَحْبَابِهِ (فَقَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَائِمَ الْبِشْرِ) بِالْكَسْرِ، وَهُوَ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَالْبَشَاشَةُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِكَانَ وَدَوَامِ الْبِشْرِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ حُسْنَ خُلُقِهِ كَانَ عَامًّا غَيْرَ خَاصٍّ بِجُلَسَائِهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ بِأَنَّهُ كَانَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (سَهْلَ الْخُلُقِ) بِالضَّمِّ، وَالسَّهْلُ ضِدُّ الصُّعُوبَةِ أَوِ الْخُشُونَةِ أَمَّا ضِدُّ صُعُوبَتِهِ فَمَعْنَاهَا أَنَّ خُلُقَهُ الْحَسَنُ يَنْقَادُ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَادَهُ،
َّهْلُ ضِدُّ الصُّعُوبَةِ أَوِ الْخُشُونَةِ أَمَّا ضِدُّ صُعُوبَتِهِ فَمَعْنَاهَا أَنَّ خُلُقَهُ الْحَسَنُ يَنْقَادُ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَادَهُ، وَأَمَّا ضِدُّ خُشُونَتِهِ فَمَعْنَاهَا أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ مِنْ خُلُقِهِ مَا يَكُونُ سَبَبَ الْأَذَى بِغَيْرِ حَقِّهِ وَلَا يُنَافِيهِ مَا سَبَقَ مِنْ تَوَاصُلِ أَحْزَانِهِ فَإِنَّ حُزْنَهُ ﷺ كَانَ بِسَبَبِ أُمُورِ الْآخِرَةِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَكَيْفِيَّةِ نَجَاةِ الْأُمَّةِ لَا عَلَى فَوْتِ مَطْلُوبٍ أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ، فَدَوَامُ بِشْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مُلَاحَظَةِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْأَخْلَاقِ النَّبَوِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ الدِّينِيَّةِ (لَيِّنَ الْجَانِبِ) بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: سَرِيعَ الْعَطْفِ كَثِيرَ اللُّطْفِ جَمِيلَ الصَّفْحِ، وَقِيلَ قَلِيلَ الْخِلَافِ، وَقِيلَ: كِنَايَةً عَنِ السُّكُونِ وَالْوَقَارِ وَالْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ (لَيْسَ بِفَظٍّ) بِفَتْحِ فَاءٍ وَتَشْدِيدِ ظَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَهُوَ مِنَ الرِّجَالِ سَيِّئُ الْخُلُقِ قَالَهُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ
هُوَ الْغَلِيظُ وَلَكِنَّهُ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ (وَلَا غَلِيظٍ) اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى فَظَاظَةِ اللِّسَانِ وَالْآخَرُ عَلَى فَظَاظَةِ الْقَلْبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أَيْ لَتَفَرَّقُوا مِنْ عِنْدِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُمَا فَانْدَفَعَ مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْ أَنَّ الْفَظَّ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ذُكِرَ تَأْكِيدًا أَوْ مُبَالَغَةً فِي الْمَدْحِ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ سَهْلِ الْخُلُقِ إِذْ هُوَ ضِدُّهُ؛ لِأَنَّهُ السَّيِّئُ الْخُلُقِ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي غَلِيظٍ إِذْ هُوَ الْجَافِي الطَّبْعِ الْقَاسِي الْقَلْبِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ هُنَا أَرَادَ بِالْغَلِيظِ الضَّخْمَ الْكَبِيرَ الْخَلْقِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَمْرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْآيَةِ، أَوِ النَّفْيُ مَحْمُولٌ عَلَى طَبْعِهِ وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعَالَجَةِ قُلْتُ: وَفِيهِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ كَانَتْ صِفَةُ الْجَمَالِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَاللِّينِ غَالِبَةً عَلَيْهِ حَتَّى احْتَاجَ بِمُعَالَجَةِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ (وَلَا صَخَّابٍ) مَرَّ ذِكْرُهُ (وَلَا فَحَّاشٍ) سَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
ِ وَاللِّينِ غَالِبَةً عَلَيْهِ حَتَّى احْتَاجَ بِمُعَالَجَةِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ (وَلَا صَخَّابٍ) مَرَّ ذِكْرُهُ (وَلَا فَحَّاشٍ) سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. وَقَدْ قَالَ ﷺ لَا تَقُولُوا ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَاحُشَ (وَلَا عَيَّابٍ) الرِّوَايَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِنْ كَانَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا مَسْلُوبًا عَنْهُ ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تُوِهِّمَ مِنْ أَنَّ (غَيَّابٍ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مُبَالَغَةُ غَائِبٍ مِنْ غَابَ بِمَعْنَى اغْتَابَ وَلَا وَجْهَ لَهُ لُغَةً وَعُرْفًا، نَعَمِ الْمُبَالَغَةُ فِي الصِّيغَةِ بِالْمُهْمَلَةِ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى النَّفْيِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَا عَيْبٍ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِذِي تَعْيِيبٍ لِشَيْءٍ لَا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَاحِبِ عَيْبٍ فَهُوَ مُبَالَغَةُ عَائِبٍ، وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْهُ فِي التَّفْسِيرِ إِلَى ذِي عَيْبٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ فِي صَخَّابٍ نَعَمْ إِنْ أُرِيدَ بِالْعَيْبِ مَصْدَرُ عَابَهُ الْمُتَعَدِّي وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْفَاعِلِيَّ صَحَّ الْكَلَامُ وَتَمَّ النِّظَامُ لَكِنَّهُ مُوهِمٌ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ هَذَا، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَالِغًا فِي عَيْبِ أَحَدٍ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَالِغًا فِي مَدْحِ شَيْءٍ.
َامِ هَذَا، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَالِغًا فِي عَيْبِ أَحَدٍ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَالِغًا فِي مَدْحِ شَيْءٍ. نَعَمْ رَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ ﷺ مَا عَابَ ذَوَّاقًا قَطُّ وَلَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ إِنِ اشْتَهَى أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ مَا مَدَحَ طَعَامًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَدْحَهُ وَعَيْبَهُ يُشْعِرَانِ إِلَى حَظِّ النَّفْسِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا فِي الْمُبَاحِ، وَأَمَّا الْحَرَامُ فَكَانَ يَعِيبُهُ وَيَذُمُّهُ وَأَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا أَنَّ مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ أَنْ لَا يُعَابَ كَمَالِحٍ حَامِضٍ قَلِيلِ الْمِلْحِ غَيْرِ نَاضِجٍ وَمِنَ التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَيْبِهِ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ وَمِنْ جِهَةِ الصَّنْعَةِ وَلِلْفَرْقِ وَجْهٌ، وَهُوَ كَسْرُ قَلْبِ الصَّانِعِ اللَّهُمَّ إِنْ قَصَدَ تَأْدِيبَهُ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّمَا يُكْرَهُ ذَمُّهُ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الصَّنْعَةِ؛ لِأَنَّ صَنْعَةَ اللَّهِ لَا تُعَابُ وَصَنْعَةَ الْآدَمِيِّينَ تُعَابُ (وَلَا مُشَاحٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ مِنَ الشُّحِّ، وَهُوَ الْبُخْلُ، وَقِيلَ أَشَدُّهُ، وَقِيلَ هُوَ الْبُخْلُ مَعَ الْحِرْصِ، وَقِيلَ الْبُخْلُ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَالشُّحُّ عَامٌّ، وَقِيلَ الْبُخْلُ بِالْمَالِ وَالشُّحُّ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبُخْلَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ مَنْفِيٌّ عَنْهُ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْكَرَمِ وَالْجُودِ بِتَوْفِيقِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَقَالَ مِيرَكُ: أَيْ: لَا مُجَادِلَ وَلَا مُنَاقِشَ يُقَالُ تَشَاحَّ عَلَيَّ فُلَانٌ أَيْ: تَضَيَّقَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَهْلُ الْغَرِيبِ، قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ،
َ يُقَالُ تَشَاحَّ عَلَيَّ فُلَانٌ أَيْ: تَضَيَّقَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَهْلُ الْغَرِيبِ، قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بَدَلَهُ وَلَا مَدَّاحٍ أَيْ: لَمْ يَكُنْ مُبَالِغًا فِي مَدْحِ شَيْءٍ، وَفِي أُخْرَى وَلَا مَزَّاحٍ، وَالْمُرَادُ: نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ لِوُقُوعِ أَصْلِهِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْيَانًا (يَتَغَافَلُ عَمَّا يَشْتَهِي) التَّغَافُلُ إِرَادَةُ الْغَفْلَةِ مَعَ عَدَمِ الْغَفْلَةِ أَيْ: يَتَكَلَّفُ الْغَفْلَةَ وَالْإِعْرَاضَ عَمَّا لَا يَسْتَحْسِنُهُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (وَلَا يُؤْيِسُ مِنْهُ) بِضَمِّ يَاءٍ وَسُكُونِ هَمْزٍ فَيَاءٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ: لَا يَجْعَلُ غَيْرَهُ آيِسًا مِمَّا لَا يَشْتَهِي،
وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ فَسُكُونِ وَاوٍ فَهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ: لَا يَجْعَلُ غَيْرَهُ يَائِسًا مِمَّا لَا يَشْتَهِيهِ فَهُوَ مِنَ الْإِيئَاسِ وَالْمَاضِي آيَسَ أَوِ أَيْأَسَ عَلَى مَا فِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وَالْيَأْسُ انْقِطَاعُ الرَّجَاءِ، يُقَالُ: يَئِسَ مِنْهُ فَهُوَ يَائِسٌ وَذَلِكَ مَيْئُوسٌ مِنْهُ وَأَيْأَسْتُهُ أَنَا إِيئَاسًا جَعَلْتُهُ يَائِسًا، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى آيَسَ وَآيَسَهُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ فَعَلَى يُويِسُ إِنْ كَانَ مِنْ إِيَاسَتِهِ فَهُوَ مُعْتَلُّ الْفَاءِ مَهْمُوزُ الْعَيْنِ وَإِنْ كَانَ مِنْ آيَسْتُهُ فَبِالْعَكْسِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَالضَّمِيرُ مِنْهُ رَاجِعٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: لَا يَجْعَلُ رَاجِيَهُ آيِسًا مِنْ كَرَمِهِ وَجَعَلَ ابْنُ حَجَرٍ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةً حَيْثُ قَالَ: وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُؤْيِسُ مِنْهُ رَاجِيَهُ أَيْ: لَا يُصَيِّرَهُ آيِسًا مِنْ بِرِّهِ وَخَيْرِهِ انْتَهَى. وَالتَّحْقِيقُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (وَلَا يُجِيبُ فِيهِ) بِالْجِيمِ مِنَ الْإِجَابَةِ وَضَمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى مَا لَا يَشْتَهِي، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُجِيبُ أَحَدًا فِيمَا لَا يَشْتَهِي بَلْ يَسْكُتُ عَنْهُ عَفْوًا وَتَكَرُّمًا، وَفِي نُسْخَةٍ وَلَا يُخَيِّبُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: وَلَا يَجْعَلُهُ مَحْرُومًا بِالْكُلِّيَّةِ فَقِيلَ ضَمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَيْهِ ﷺ أَيْ: لَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ كُلَّ مَا ارْتَجَاهُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ أَيْضًا إِلَى مَا لَا يَشْتَهِي كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بِمَعْنَاهُ، وَفِي أُخْرَى عَلَى وَزْنِ يَبِيعُ مِنَ الْخَيْبَةِ بِمَعْنَى الْحِرْمَانِ، وَقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ النُّسْخَةُ لِعَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ لَهُ فَاعِلٌ أَيْ: لَا يَخِيبُ رَاجِيهِ،
نَى الْحِرْمَانِ، وَقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ النُّسْخَةُ لِعَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ لَهُ فَاعِلٌ أَيْ: لَا يَخِيبُ رَاجِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَنَّهَا تَرْجِعُ لِلَّتِي قَبْلَهَا فَوَهْمٌ مِنْهُ فِي الْمَبْنَى وَسَهْوٌ فِي الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي النُّهَى، ثُمَّ رَأَيْتُ كَلَامَ مِيرَكَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ صُحِّحَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنَ الْمُجَرَّدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الْخَيْبَةَ لَازِمٌ وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ (قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ) أَيْ: مَنَعَهَا فَامْتَنَعَ (مِنْ ثَلَاثٍ) أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَرَكَ يُضَمَّنُ مَعْنَى الْمَنْعِ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ بِزِيَادَةِ مِنْ فِي التَّمْيِيزِ أَيْ: تَرَكَ ثَلَاثَةَ نَفْسِهِ إِلَى آخِرِ مَا تُكُلِّفَ وَتُعُسِّفَ (الْمِرَاءِ) أَيِ: الْجِدَالِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ (مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ، وَهُوَ مُحِقٌّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ) فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيِ: الْجِدَالَ الْبَاطِلَ مُخِلٌّ بِالْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ الْعُمُومُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَدْحِ كَمَا هُوَ الْمَعْلُومُ لَا سِيَّمَا وَالْقَائِلُ مَذْهَبُهُ اعْتِبَارُ الْمَفْهُومِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ هَذَا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَكَأَنَّهُ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ فَهْمِ مَعْنَى الْآيَةِ فَتَفْسِيرُهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي: جَادِلْ مُعَانِدِيهِمْ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ طُرُقِ الْمُجَادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ وَاللِّينِ وَإِيثَارِ الْوَجْهِ الْأَيْسَرِ وَالْمُقَدِّمَاتِ الْأَشْهَرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ فِي تَسْكِينِ لَهِيبِهِمْ وَتَلْيِينِ شَغْبِهِمْ،



