غاية المرام في علم الكلام

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya سيف الدين الآمدي (w. 631 H).

Bagian 4 dari 11 378 halaman

— Bagian 4 · وَأَيْضًا فانه لَو كَانَ الْمُتَكَلّم من فعل الْ… —

Bagian 4

وَأَيْضًا فانه لَو كَانَ الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام لوَجَبَ أَن يكون المريد والقادر والعالم من فعل الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة وَالْعلم وَلَيْسَ كَذَلِك بالاجماع وَلَو طالبهم مطَالب بِجِهَة الْفرق لم يَجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا ثمَّ انه وَإِن تسومح فِي أَن حَقِيقَة مَدْلُول اسْم الْمُتَكَلّم بِالنّظرِ إِلَى الْوَضع من فعل الْكَلَام فَغير مُفِيد بعد التَّسْلِيم لما أوضحناه والموافقة لما قَرَّرْنَاهُ من أَن الْمَعْنى بِكَوْنِهِ متكلما قيام صفة نفسية بِهِ هِيَ غير الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وَهِي مَدْلُول الْعبارَات وَالْمعْنَى بالإشارات كَيفَ وَإِن ذَلِك مِمَّا يجب تَسْلِيمه على مُوجب أصولهم فَإِنَّهُم قَالُوا إِن الْكَلَام مركب من حُرُوف منتظمة وأصوات مقطعَة تتعاقب وتتجدد مِنْهَا تكون الْكَلِمَة وَمن تركب الْكَلِمَات الْكَلَام ومحلها الَّذِي تقوم بِهِ انما هُوَ اللِّسَان والمعانى المفهومة مِنْهَا محلهَا إِنَّمَا هُوَ الْقلب والجنان وَإِن من وجدت مِنْهُ الْأَصْوَات والحروف بِدُونِ أَن يكون لَهَا عِنْده معنى فِي فهمه كَانَ معتوها مَجْنُونا وَإِن سمى مَا يجرى على لِسَانه كلَاما فَلَيْسَ إِلَّا بطرِيق التَّجَوُّز والاستعارة وَعند ذَلِك فَلَو خلق الله تَعَالَى كلَاما مُرَتبا من حُرُوف منظومة وأصوات مقطعَة لم يخل إِمَّا أَن يكون لَهَا مَدْلُول عِنْده أَو لَيْسَ لَهَا مَدْلُول عِنْده لَا جَائِز أَن يُقَال بِأَنَّهُ لَا مَدْلُول لَهَا وَإِلَّا كَانَ ذَلِك جنونا وسفها وَإِن كَانَ لَهَا مدلولا فَيجب أَن يكون غير الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة لما أوضحناه وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنى بِكَلَام النَّفس ثمَّ نقُول إِذا قُلْتُمْ إِن الْكَلَام فعل من أَفعاله وَإِن معنى كَونه متكلما أَنه فَاعل الْكَلَام فَمَا طريقكم فِي إِثْبَات هَذِه الصّفة الفعلية وَمَا دليلكم فِيهَا فَإِن قَالُوا دَلِيل وُقُوعهَا كَونهَا مقدورة لَهُ تَعَالَى فَيلْزم أَن يكون كل مَقْدُور وَاقعا وَأَن لَا يتَأَخَّر مَقْدُور مَا عَن وجود الْقُدْرَة وَلَا يخفى مَا فِي طى ذَلِك من المحالات

مقدورة لَهُ تَعَالَى فَيلْزم أَن يكون كل مَقْدُور وَاقعا وَأَن لَا يتَأَخَّر مَقْدُور مَا عَن وجود الْقُدْرَة وَلَا يخفى مَا فِي طى ذَلِك من المحالات وَإِن قَالُوا طريقنا فِي ذَلِك لَيْسَ إِلَّا قَول الْأَنْبِيَاء الَّذين دلّت المعجزات على صدقهم وَقد قَالُوا إِن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِأَمْر وَنهى وَغَيره قُلْنَا فَلَو لم يبْعَث الله رَسُولا فعندكم أَنه يجب على الْعَاقِل معرفَة الله تَعَالَى معرفَة تتَعَلَّق بِالذَّاتِ وَالصِّفَات فَكيف يعرف كَونه متكلما وَذَلِكَ لَا يعرف إِلَّا بالرسول وَلَا رَسُول

وَهَذَا مِمَّا يلزمكم فِيهِ المناقضة فِي أحد أَمريْن إِمَّا فِي القَوْل بِإِيجَاب الْمعرفَة بِالْعقلِ وَإِمَّا فِي القَوْل بِأَن الْمعرفَة مناطة بالرسول كَيفَ وَأَن الرَّسُول على الْحَقِيقَة لَيْسَ إِلَّا الْمبلغ لكَلَام الْغَيْر كَمَا حققناه سالفا فَلَو لم يكن للبارى تَعَالَى كَلَام غير كَلَام الرَّسُول هُوَ مَدْلُول كَلَام الرَّسُول وَكَلَام الرَّسُول عبارَة عَنهُ لم يكن بذلك رَسُولا كَمَا تقرر وَهَذِه المحالات كلهَا إِنَّمَا لَزِمت من القَوْل بِأَن الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام لَا من قَامَ بِهِ الْكَلَام فقد بَطل مَا تخيلوه وَانْقطع دابر مَا توهموه وَظهر كَون البارى متكلما بِكَلَام قَائِم بِذَاتِهِ مُخْتَصًّا بِهِ كاختصاصه بباقى صِفَاته وَيلْزم من ذَلِك أَن يكون قَدِيما أزليا وَإِلَّا كَانَ البارى تَعَالَى محلا للحوادث وَقد أبطلناه

ئِم بِذَاتِهِ مُخْتَصًّا بِهِ كاختصاصه بباقى صِفَاته وَيلْزم من ذَلِك أَن يكون قَدِيما أزليا وَإِلَّا كَانَ البارى تَعَالَى محلا للحوادث وَقد أبطلناه وَمَا قيل من أَنه يلْزم مِنْهُ الْكَذِب فِيمَا يتضمنه من الْأَخْبَار فحاصله يرجع إِلَى مَحْض التشنيع وَمُجَرَّد التهول وَعند التَّحْقِيق تظهر مجانبته للذوق والتحصيل وَلَئِن سلكنا مَا ذكره بعض الْأَصْحَاب من ان الْكَلَام قَضِيَّة وَاحِدَة وَلَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ أمرا ونهيا وخبرا واستخبار إِلَّا عِنْد وجود الْمُخَاطب واستكماله شَرَائِط الْخطاب زَالَ الشغب واندفع الْإِشْكَال وَلَئِن توسعنا إِلَى مَا سلكه الإِمَام ابو الْحسن الأشعرى ﵀ من أَنه متصف فِيمَا لم يزل بِكَوْنِهِ امرا ونهيا وخبرا إِلَى غير ذَلِك فَغير بعيد أَن يكون فِي نَفسه معنى وَاحِدًا

وَالِاخْتِلَاف فِيهِ إِنَّمَا يرجع إِلَى التعبيرات عَنهُ بِسَبَب تعلقه بالمعلومات فَإِن كَانَ الْمَعْلُوم مَحْكُومًا بِفِعْلِهِ عبر عَنهُ بِالْأَمر وَإِن كَانَ بِالتّرْكِ عبر عَنهُ بالنهى وَأما إِن كَانَ لَهُ نِسْبَة إِلَى حَالَة مَا بِأَن كَانَ وجد بعد الْعَدَم أَو عدم بعد الْوُجُود اَوْ غير ذَلِك عبر عَنهُ بالْخبر وعَلى هَذَا النَّحْو يكون انقسام الْكَلَام الْقَائِم بِالنَّفسِ فَهُوَ وَاحِد وان كَانَت التعبيرات عَنهُ مُخْتَلفَة بِسَبَب اخْتِلَاف الاعتبارات

ْخبر وعَلى هَذَا النَّحْو يكون انقسام الْكَلَام الْقَائِم بِالنَّفسِ فَهُوَ وَاحِد وان كَانَت التعبيرات عَنهُ مُخْتَلفَة بِسَبَب اخْتِلَاف الاعتبارات وَمن فهم هَذَا التَّحْقِيق انْدفع عَنهُ الْإِشْكَال وَزَالَ عَنهُ الخيال فَإِنَّهُ غير بعيد أَن يقوم بِذَات الله تَعَالَى خبر عَن إرْسَال نوح مثلا وَيكون التَّعْبِير عَنهُ قبل الْإِرْسَال إِنَّا نرسله وَبعد الْإِرْسَال ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا﴾ فالمعبر عَنهُ يكون وَاحِدًا فِي نَفسه على ممر الدهور وَإِن اخْتلف الْمعبر بِهِ وَسَببه اخْتِلَاف الْأَحْوَال والأزمنة وَذَلِكَ لَا يفضى إِلَى الْكَذِب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الْمعبر عَنهُ وَهُوَ الْقَائِم بِالنَّفسِ أوليا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمعبر بِهِ أَيْضا فَإِن الْعَرَب قد تعبر بِلَفْظ الماضى عَن الْمُسْتَقْبل إِذا لم يكن بُد من وجوده حَيْثُ يعدونه بِأَنَّهُ وجد وَذَلِكَ مَحْض تجوز واستعارة وَلَا بعد فِيهِ وَكَذَلِكَ أَيْضا يجوز أَن يقوم بِذَاتِهِ طلب خلع النَّعْل من مُوسَى على جبل الطّور واقتضاؤه مِنْهُ على تَقْدِير وجوده وَيكون الْمعبر عَنهُ قبل الْوُجُود بِصِيغَة إِنَّا سنأمر وَعند الْوُجُود بِصِيغَة اخلع الدَّالَّة على الطّلب هُوَ الِاقْتِضَاء الْقَدِيم الأزلى وَلِهَذَا لَو قدر الْوَاحِد منا فِي نَفسه اقْتِضَاء فعل من شخص مَعْدُوم وَاسْتمرّ ذَلِك الِاقْتِضَاء إِلَى حِين وجود الْمُقْتَضى مِنْهُ فَإِنَّهُ إِذا علم بِهِ إِمَّا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة وَكَانَ الطَّالِب يجب الانقياد لَهُ والإذغان لَدَيْهِ كَانَ ذَلِك الِاقْتِضَاء بِعَيْنِه امرا لَهُ وموجبا لانقياده وطاعته من غير اسْتِئْنَاف طلب آخر واقتضاء آخر فعلى هَذَا النَّحْو هُوَ أَمر الله تَعَالَى للمعدوم وتعلقه بِهِ وَاشْتِرَاط فهم الْمَأْمُور إِنَّمَا يكون عِنْد تعلق الْخطاب بِهِ فِي حَال وجوده لَا غير وَمن فهم كَلَام النَّفس

وَرفع عَن وهمه الْأَزْمَان المتعاقبة والاحوال الْمُخْتَلفَة وحقق مَا قَرَّرْنَاهُ فِي مسألتى الْعلم والإرادة وجد الْأَمر مَا ذَكرْنَاهُ وَلم يخف عَلَيْهِ مَا مهدناه وَلَقَد استروح بعض الْأَصْحَاب فِي تَقْرِير هَذَا الْكَلَام إِلَى طَرِيق أوردهُ فِي معرض المناقضة والإلزام فَقَالَ كَيفَ يَصح استبعاد تعلق الْأَمر بمأمور مَعْدُوم وعندكم أَنه لَا يتَنَاوَل الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا قبل حُدُوثه وَمهما وجد خرج عَن أَن يكون مَأْمُورا بِهِ وَهُوَ أحد متعلقى الْأَمر فَإِذا لم يبعد تعلق الْأَمر بِالْفِعْلِ الْمَعْدُوم لم يبعد تعلقه بالفاعل الْمَعْدُوم وَأَيْضًا فَإِن الْأمة مجمعة على أننا فِي وقتنا هَذَا مأمورون وعندكم لَا أَمر إِذْ الامر قد تقضى وَمضى فَإِذا لم يبعد وجود مَأْمُور وَلَا أَمر فَلَا يبعد وجود أَمر بِلَا مَأْمُور وَلَو لزم من وجود الْأَمر وجود الْمَأْمُور للَزِمَ من وجود الْقُدْرَة وجود الْمَقْدُور وَذَلِكَ يفضى إِلَى قدم الْمَقْدُور إِذْ قد سلم قدم الْقُدْرَة وَذَلِكَ محَال على كلا المذهبين وَهَذَا مِمَّا فِيهِ نظر وَذَلِكَ أَن الْأَمر والنهى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْمُور والمنهى عِنْد الْخصم تَكْلِيف والتكليف يستدعى مُكَلّفا بِهِ والمكلف بِهِ يجب أَن يكون مَعْلُوما مفهوما ليَصِح قَصده من أجل الْإِتْيَان بِهِ والانتهاء عَنهُ إِذْ هُوَ مَقْصُود التَّكْلِيف فَإِذا الْفَهم شَرط فِي التَّكْلِيف ولهنا خرج من لَا فهم لَهُ عَن أَن يكون دَاخِلا فِي دَائِرَة التَّكْلِيف كَمَا فِي الجمادات وأنواع الْحَيَوَانَات وَالصبيان والمجانين وَنَحْو ذَلِك لعدم شَرط التَّكْلِيف فِي حَقهم وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم من تعلق الْأَمر بالمأمور بِهِ مَعَ عدم الْفَهم تعلقه بالمأمور مَعَ عدم اشْتِرَاط الْفَهم فَإِن تعلقه بالمأمور بِهِ لَيْسَ تعلق تَكْلِيف وَلَا كَذَلِك تعلقه بالمأمور

بالمأمور بِهِ مَعَ عدم الْفَهم تعلقه بالمأمور مَعَ عدم اشْتِرَاط الْفَهم فَإِن تعلقه بالمأمور بِهِ لَيْسَ تعلق تَكْلِيف وَلَا كَذَلِك تعلقه بالمأمور

وَأما القَوْل بِأَنَّهُ إِذا جَازَ وجود مَأْمُور وَلَا أَمر جَازَ وجود أَمر لَا مَأْمُور فَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق أَن لَو صَحَّ وجود مَأْمُور وَلَا أَمر والخصم رُبمَا لَا يسلم ذَلِك بل لَهُ أَن يَقُول كل مَأْمُور فَلَا بُد لَهُ من امْر يتَعَلَّق بِهِ لَكِن ذَلِك الْأَمر قد يكون وجوده تَقْديرا بالنسة إِلَيْهِ كَمَا يقدر وجود العقد فِي البيع وَالنِّكَاح بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْقِيق ثمراته وَأَحْكَامه أما أَن يكون مَأْمُور من غير أَمر فَلَا وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم من تَقْدِير وجود الْأَمر عِنْد وجود الْمَأْمُور وتعلقه بِهِ تَقْدِير وجود الْمَأْمُور لِأَن يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر فَإِنَّهُ غير مُفِيد إِلَّا مَعَ وجود شَرطه وَهُوَ الْعلم والفهم وَذَلِكَ مُتَعَذر فِي حق الْمَعْدُوم وعَلى هَذَا يخرج الْإِلْزَام بِالْقُدْرَةِ إِذْ الْقُدْرَة لَيست عبارَة إِلَّا عَن معنى يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد فِيمَا هُوَ مُمكن أَن يُوجد وَذَلِكَ مُتَحَقق بِدُونِ وجود الْمَقْدُور فلئن رَجَعَ فِي تقديرة جَوَاز تعلق الْأَمر بالمعدوم وَمن لَا فهم لَهُ إِلَى مَا أسلفناه كَانَ ذَلِك كَافِيا وَوَجَب الاعتناء بِهِ

نِ وجود الْمَقْدُور فلئن رَجَعَ فِي تقديرة جَوَاز تعلق الْأَمر بالمعدوم وَمن لَا فهم لَهُ إِلَى مَا أسلفناه كَانَ ذَلِك كَافِيا وَوَجَب الاعتناء بِهِ وَأما مَا قيل من أَن الْقُرْآن معْجزَة الرَّسُول فَيمْتَنع أَن يكون قَدِيما فتهويل لَا حَاصِل لَهُ فَإنَّا مجمعون على أَن الْقُرْآن الحقيقى لَيْسَ بمعجزة الرَّسُول وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي أَمر وَرَاءه وَهُوَ أَن ذَلِك الْقُرْآن الحقيقى مَاذَا هُوَ فَنحْن نقُول إِنَّه الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ والخصم يَقُول إِنَّه حُرُوف وأصوات أوجدها الله تَعَالَى وَعند وجودهَا انعدمت وَانْقَضَت وَأَن مَا أَتَى بِهِ الرَّسُول وَمَا نتلوه نَحن لَيْسَ هُوَ ذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مِثَال لَهُ على نَحْو قراءتنا لشعر المتنبى وامرئ الْقَيْس فَإِنَّهُ لَيْسَ مَا يجرى على ألسنتنا هُوَ كَلَام امْرِئ الْقَيْس وَإِنَّمَا هُوَ مثله فَمن الْوَجْه الَّذِي لزمنا القَوْل بمخالفة الْإِجْمَاع هُوَ أَيْضا لَازم لَهُم وَلأَجل ذَلِك فر الجبائي إِلَى مَذْهَب خرق بِهِ حجاب الْعقل وارتكب فِيهِ جحد الضرورات وَالْتزم بِهِ القَوْل بالمحالات فَقَالَ إِن الله تَعَالَى يخلق كَلَامه عِنْد قِرَاءَة

ي إِلَى مَذْهَب خرق بِهِ حجاب الْعقل وارتكب فِيهِ جحد الضرورات وَالْتزم بِهِ القَوْل بالمحالات فَقَالَ إِن الله تَعَالَى يخلق كَلَامه عِنْد قِرَاءَة

كل قَارِئ وَكِتَابَة كل كَاتب وَزعم أَن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ حُرُوف منظومة تقارن الْأَصْوَات المتقطعة وَلَيْسَت الْحُرُوف نفس الْأَصْوَات المتقطعة وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك من مُخَالفَة الْمَعْقُول فَإِن عَاقِلا مَا لَا يمارى فِي أَن مَا نَسْمَعهُ من الأفواه إِنَّمَا هُوَ أصوات متقطعة منسقة منتظمة نوعا من الانتظام تخرج من مخارج مَخْصُوصَة وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يعقل مَعهَا مُقَارنَة غَيرهَا غَيرهَا أصلا على ان لَا تنَازع فِي أَن مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول من الْحُرُوف المنتظمة والأصوات الْمُقطعَة معْجزَة لَهُ وَأَنه يُسمى قُرْآنًا وكلاما وَأَن ذَلِك لَيْسَ بقديم وَإِنَّمَا النزاع فِي مَدْلُول تِلْكَ الْعبارَات هَل هُوَ صفة قديمَة أزلية أم لَا وعَلى التَّحْقِيق فالخبط إِنَّمَا نَشأ لأهل الضلال هَهُنَا من جِهَة اشْتِرَاك لفظ الْقُرْآن فَإِنَّهُ قد يُطلق على المقروء وَقد يُطلق على الْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ حُرُوف وأصوات ودلالات وعبارات وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ مَا أذن الله لشئ إِذْنه لنبى حسن الترنم بِالْقُرْآنِ أَي الْقِرَاءَة وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... ضحوا بأشمط عنوان السُّجُود بِهِ ... يقطع اللَّيْل تسبيحا وقراءنا ...

مَعْنَاهُ قِرَاءَة وَذَلِكَ كَمَا قد تطلق الْعَرَب اسْم الْكَلَام على الْمَعْنى تَارَة وعَلى الْعبارَات أُخْرَى وَلذَلِك يَقُولُونَ كَلَام صَحِيح حسن إِذا كَانَ مُسْتَقِيمًا وَإِن كَانَت الْعبارَة غير مُسْتَقِيمَة بِأَن كَانَت ركيكة أَو ملحونه أَو مخبطة وَقد يطلقونه على الْعبارَة عِنْد كَونهَا معبرة صَحِيحَة وَإِن كَانَ الْمَعْنى فِي نَفسه فَاسِدا لَا حَاصِل لَهُ فَلَمَّا وَقع الِاشْتِرَاك فِي الِاسْم ارْتَفع التوارد بالنفى وَالْإِثْبَات على محز وَاحِد فَإِن مَا أثبتوه معْجزَة لَا نثبت لَهُ الْقدَم وَمَا أثبتنا لَهُ الْقدَم لَا يثبتونه معْجزَة

وَمَا أوردوه من الظَّوَاهِر فِي معرض إِثْبَات الْحَدث والأولية فظنية غير يقينية كَيفَ وَإِن قَوْله ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ الْوَعْظ والتذكير الْخَارِج عَن الْقُرْآن وَهُوَ الْأَقْرَب فَإِن الْقُرْآن لم يحدث عِنْدهم لعبا وضحكا بل إفحاما وإشداها ثمَّ القَوْل بِمُوجب الْآيَة مُتَّجه لَا محَالة فَإِنَّهَا دلّت على الضحك واللعب عِنْد وُرُود الذّكر الْحَادِث وَلَيْسَ فِيهَا دلَالَة على حدث كل مَا يرد من الْأَذْكَار فَلَا يلْزم أَن يكون الْقُرْآن حَادِثا ثمَّ إِن المُرَاد إِنَّمَا هُوَ الْعبارَات والدلالات دون المدلولات كَمَا حققناه وَأما قَوْله ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ فَيصح أَن يُقَال المُرَاد بِهِ فعله من الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَنَحْوه فَإِن الْأَمر قد يُطلق بِإِزَاءِ الْفِعْل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أمرنَا إِلَّا وَاحِدَة﴾ أَي فعلنَا وَقَوله ﴿وَمَا أَمر فِرْعَوْن﴾ يعْنى فعله وَالْمرَاد بقوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ أَي سميناه فَإِن الْجعل قد يُطلق بِمَعْنى التَّسْمِيَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ أَي سموهُ كذبا وَقَوله ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ سموهم بذلك كَيفَ وَأَنه يحْتَمل أَنه اراد بِهِ الْقُرْآن بِمَعْنى الْقِرَاءَة كَمَا بَيناهُ وَذَلِكَ لَا يقْدَح فِي الْمَقْصُود ثمَّ إِن هَذِه الْآيَات مُعَارضَة بِمِثْلِهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ فقد أثبت لَهُ خلقا وأمرا فَلَو كَانَ الْأَمر مخلوقا لَكَانَ معنى الْكَلَام أَلا لَهُ الْخلق والخلق وَأَيْضًا قَوْله ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾

كَانَ الْأَمر مخلوقا لَكَانَ معنى الْكَلَام أَلا لَهُ الْخلق والخلق وَأَيْضًا قَوْله ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾

فَلَو كَانَ الْأَمر مخلوقا لاستدعى ذَلِك سَابِقَة أَمر آخر وَذَلِكَ يفضى إِلَى التسلسل وَهُوَ محَال وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ينْدَفع قَوْلهم أَيْضا إِن الْأمة من السّلف مجمعة على ان الْقُرْآن مؤلف من الْحُرُوف والأصوات فَإِن الْإِجْمَاع إِنَّمَا انْعَقَد على ذَلِك بِمَعْنى الْقِرَاءَة لَا بِمَعْنى المقروء وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه﴾ وَقَوْلهمْ لَو لم يكن كَذَلِك لما سَمعه مُوسَى قُلْنَا الدَّلِيل إِنَّمَا لزم الْمُعَطل هَهُنَا من حَيْثُ إِنَّه لم يفهم معنى السماع وَإنَّهُ بأى اعْتِبَار يُسمى سَمَاعا وَعند تَحْقِيقه ينْدَفع الْإِشْكَال فَنَقُول السماع قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْإِدْرَاك كَمَا فِي الْإِدْرَاك بحاسة الْأذن وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الانقياد وَالطَّاعَة وَقد يُطلق بِمَعْنى الْفَهم والإحاطة وَمِنْه يُقَال سَمِعت فلَانا وَإِن كَانَ ذَلِك مبلغا على لِسَان غَيره وَلَا يكون المُرَاد بِهِ غير الْفَهم لما هُوَ قَائِم بِنَفسِهِ وَالَّذِي هُوَ مَدْلُول عبارَة ذَلِك الْمبلغ وَإِذا عرف ذَلِك فَمن الْجَائِز أَن يكون قد سمع مُوسَى كَلَام الله تَعَالَى الْقَدِيم بِمَعْنى أَنه خلق لَهُ فهمه والإحاطة بِهِ إِمَّا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة وَالسَّمَاع بِهَذَا الِاعْتِبَار لَا يستدعى صَوتا وَلَا حرفا

قَدِيم بِمَعْنى أَنه خلق لَهُ فهمه والإحاطة بِهِ إِمَّا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة وَالسَّمَاع بِهَذَا الِاعْتِبَار لَا يستدعى صَوتا وَلَا حرفا

وَمَا يُطلق عَلَيْهِ من الْحُرُوف والأصوات أَنه كَلَام الله تَعَالَى فَلَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنه دَال على مَا فِي نَفسه وَذَلِكَ كَمَا يُقَال نَادَى الْأَمِير فِي الْبَلَد وَإِن كَانَ المنادى غَيره وَيُقَال لمن أنْشد شعر الحطيئة إِنَّه مُتَكَلم بِكَلَام الحطيئة وشعره وَمن ذَلِك سمى الوحى كلَاما لله تَعَالَى حَتَّى يُقَال تكلم الله بالوحى والوحى كَلَامه وَلَا ننكر أَن الْقُرْآن الْقَدِيم مَكْتُوب ومحفوظ ومسموع ومتلو لَكِن لَيْسَ معنى كَونه مَكْتُوبًا اَوْ مَحْفُوظًا أَنه حَال فِي الْمَصَاحِف أَو الصُّدُور بل مَعْنَاهُ أَنه قد حصل فِيهَا مَا هُوَ دَال عَلَيْهِ وَهُوَ مَفْهُوم مِنْهُ وَمَعْلُوم وَلَيْسَ معنى كَونه منزلا أَنه منتقل من مَكَان إِلَى مَكَان فَإِن ذَلِك غير مُتَصَوّر على كلا المذهبين بل مَعْنَاهُ أَن مَا فهمه جِبْرِيل من كَلَام الله تَعَالَى فَوق سبع سموات عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى ينزل بتفهيمه للأنبياء إِلَى بسيط الغبراء وَكَذَلِكَ لَيْسَ معنى كَونه مسموعا إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى وَمن حقق مَا مهدناه واحاط بِمَا قَرَّرْنَاهُ هان عَلَيْهِ التفضى عَن كل مَا أوردوه من الظَّاهِر الظنية واعتمدوه من الْآثَار النَّبَوِيَّة وَلَعَلَّ مُعْتَمد المعطلة فِي إِثْبَات الْحُرُوف والأصوات هُوَ مَا قاد الحشوية لعدم فهمهم كَلَام النَّفس إِلَى إِثْبَاتهَا صفة للذات فَإِنَّهُ لما لم يسعهم القَوْل بالتعطيل وَلم يقدروا على التَّأْوِيل لهَذَا التهويل جمعُوا بَين الطريقتين وانتحلوا مذهبا ثَالِثا بَين الذهبين وَلم يعلمُوا مَا فِي طى ذَلِك من السفاهة وَفِي ضمنه من الفهاهة لما فِيهِ من الْهَرَب إِلَى التجسيم خوف الْوُقُوع فِي التعطيل إِذْ الْحُرُوف والأصوات إِنَّمَا تتَصَوَّر بمخارج وأدوات وتزاحم أجرام واصطكاكات وَذَلِكَ فِي حق البارى محَال كَمَا سلف

فَانْظُر إِلَى هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ كَيفَ الْتزم بَعضهم التعطيل خوف التجسيم وَالْتزم بَعضهم بَعضهم التجسيم خوف التعطيل ولسان الْحَال ينشد على لِسَان الْفَرِيقَيْنِ ويعبر عَن حَال الجمعين ﴿وَقَالَت الْيَهُود لَيست النَّصَارَى على شَيْء وَقَالَت النَّصَارَى لَيست الْيَهُود على شَيْء﴾ نعم لَو قيل إِن كَلَامه بحروف وأصوات لَا كحروفنا وأصواتنا كَمَا أَن ذَاته وَصِفَاته لَيست كذاتنا وصفاتنا كَمَا قَالَ بعض السّلف فَالْحق أَن ذَلِك غير مستبعد عقلا لكنه مِمَّا لم يدل الدَّلِيل الْقَاطِع على إثْبَاته من جِهَة الْمَعْقُول أَو من جِهَة الْمَنْقُول فَالْقَوْل بِهِ تحكم غير مَقْبُول وَعند ظُهُور الْحَقَائِق وانكشاف الدقائق فَلَا مبالاة بتلويق المتحذلق المتعمق الَّذِي لَا تَحْصِيل لَدَيْهِ وَلَا معول فِي تَحْقِيق الْحَقَائِق عَلَيْهِ إِذْ هُوَ فِي حيّز الْجُهَّال وداخل فِي زمرة أهل الضلال وَإِذا ثبتَتْ الصّفة الكلامية فَهِيَ متحدة لَا كَثْرَة فِيهَا وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي إِثْبَات وحدة الْإِرَادَة وَالْعلم من المزيف وَالْمُخْتَار والاعتراض والانفصال فَهُوَ بِعَيْنِه يتَّجه هَهُنَا لَكِن رُبمَا زَاد الْخصم هَهُنَا تشكيكا وخيالا وَهُوَ قَوْله مَا ذكرتموه وَإِن دلّ على عدم لُزُوم صِفَات خَارِجَة فَالْقَوْل بِإِثْبَات أصل الْكَلَام مفض إِلَيْهَا أَيْضا وَذَلِكَ أَن من

ا وخيالا وَهُوَ قَوْله مَا ذكرتموه وَإِن دلّ على عدم لُزُوم صِفَات خَارِجَة فَالْقَوْل بِإِثْبَات أصل الْكَلَام مفض إِلَيْهَا أَيْضا وَذَلِكَ أَن من

ضَرُورَة وجود حَقِيقَة الْكَلَام أَن يكون أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا وَنَحْوه من أَقسَام الْكَلَام وَإِلَّا فَمَعَ قطع النّظر عَن هَذِه الْأَقْسَام لَا سَبِيل إِلَى تعلق وجود الْكَلَام وَإِذا كَانَ الْأَمر على هَذِه المثابة فَلَا محَالة أَن هَذِه الْأَقْسَام مُخْتَلفَة الصِّفَات متباينة فِي الْخَواص والمميزات وَعند هَذَا فإمَّا أَن تكون هَذِه الْخَواص المتمايزة وَالصِّفَات الْمُخْتَلفَة دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الْكَلَام أَو خَارِجَة عَنهُ فَإِن كَانَت دَاخِلَة فِيهِ فَهُوَ محَال وَإِلَّا كَانَت الْحَقِيقَة الْوَاحِدَة لَهَا ذاتيات مُخْتَلفَة متنافرة إِذْ خَاصَّة الْأَمر يتَعَذَّر القَوْل بمجامعتها لخاصة النهى وَكَذَا فِي سَائِر خَواص أقسامه وَإِن كَانَت خَارِجَة عَن حَقِيقَة الْكَلَام فقد لزم القَوْل بِثُبُوت صِفَات زَائِدَة على مَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل ولزمكم الْمَحْذُور ثمَّ إِن هَذِه الصِّفَات الزَّائِدَة لَا جَائِز أَن تكون لحقيقة وَاحِدَة لَا تعدد فِيهَا على نَحْو ثُبُوت الضحك والبكاء للْإنْسَان لكَونهَا متنافرة متعاندة على مَا سلف فبقى أَن تكون معتددة لَا محَالة وَسَوَاء كَانَ تعددها تعدد الْأَشْخَاص أَو الْأَجْنَاس فَإِن ذَلِك يُوجب نقض مَا ذكرتموه وَإِبْطَال مَا سلكتموه ولربما استندوا فِي بَيَان التَّعَدُّد إِلَى مَا أوردوه فِي نفى الْكَلَام عَن الذَّات من الإجماعات والظواهر من السّنَن والآيات الدَّالَّة على كَون الْقُرْآن مؤلفا من حُرُوف وأصوات وَأَنه مُرَتّب من سور وآيات ومجموع من كَلِمَات وَالْجَوَاب أَنا نقُول تعدد أَقسَام الْكَلَام وَاخْتِلَاف أَسْمَائِهِ من الْأَمر والنهى وَغير ذَلِك لَيْسَ هُوَ لَهُ بِاعْتِبَار تعدد فِي نَفسه أَو اخْتِلَاف صِفَات فِي ذَاته أَو لذاته

الْكَلَام وَاخْتِلَاف أَسْمَائِهِ من الْأَمر والنهى وَغير ذَلِك لَيْسَ هُوَ لَهُ بِاعْتِبَار تعدد فِي نَفسه أَو اخْتِلَاف صِفَات فِي ذَاته أَو لذاته

بل هُوَ النّظر إِلَى نَفسه من حَيْثُ هُوَ كَلَام وَاحِد وَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا بِاعْتِبَار إضافات مُتعَدِّدَة وتعلقات متكثرة لَا توجب للمتعلق فِي ذَاته صفة زَائِدَة وَلَا تعددا كَمَا أسلفنا فِي الطّرف الأول من التَّحْقِيق وَهُوَ على نَحْو قَول الفيلسوف فِي المبدأ الأول حَيْثُ قضى بوحدته وَإِن تكثرت أسماؤه بِسَبَب سلوب وإضافات وَأُمُور لَا توجب صِفَات زَائِدَة على الذَّات هَذَا كُله إِن سلكنا فِي التكثر مَذْهَب الإِمَام أَبى الْحسن الأشعرى وَإِلَّا إِن سلكنا مَذْهَب عبد الله ابْن سعيد فِي أَن الْأَمر والنهى وَغير ذَلِك لَا يكون إِلَّا عِنْد تحقق المتعلقات وَأَن الْكَلَام خَارج عَنْهَا أَو مَا نقل عَن بعض الْأَصْحَاب من أَنه إثبت لله تَعَالَى من الْكَلَام خمس كَلِمَات هِيَ خمس صِفَات وهى الْأَمر والنهى وَالْخَبَر والإستخبار والنداء فالإشكال يكون مندفعا وعَلى مَا ذَكرْنَاهُ من التَّحْقِيق يتَبَيَّن أَن من قَالَ من الْأَصْحَاب الْقَائِلين بنفى التكثر إِن الْأَوَامِر والنواهى وَغَيرهَا صِفَات خَارِجَة عَن الْكَلَام وَلم يرد بِهِ مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فقد أَخطَأ وَأما مَا اعتمدوه من الظَّوَاهِر الظنية والأدلة السمعية فقد سبق وَجه الِانْفِصَال عَنْهَا فَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل وبإعادة فَإِن قيل عَاقل مَا لَا تمارى نَفسه فِي انقسام الْكَلَام إِلَى أَمر وَنهى وَغَيره وَأَن مَا انقسم إِلَيْهِ حقائق مُخْتَلفَة وَأُمُور متنافرة متمايزة وَأَنَّهَا من أخص أَوْصَاف الْكَلَام لَا أَن الأختلاف رَاجع إِلَى نفس الْعبارَات والاعتبارات الحارجة فَإنَّا لَو قَطعنَا النّظر عَن

الاعتبارات الْخَارِجَة والمتعلقات ورفعناها وهما لم يخرج عَن كَونه منقسما وَمَعَ هَذَا التَّحْقِيق كَيفَ يسوغ القَوْل بالاتحاد ثمَّ ان مَا اخبر عَنهُ من الْقَصَص الْمَاضِيَة والأمور السالفة مُخْتَلفَة متمايزة فَإِن مَا جرى لكل نبى من الانبياء غير مَا جرى لغيره من الانبياء وَكَذَلِكَ المأمورات والمنهيات الْمُكَلف بهَا مُخْتَلفَة مُتَغَايِرَة فَكيف يكون نفس الْخَبَر عَمَّا جرى لآدَم وَإِبْرَاهِيم هُوَ نفس الْخَبَر عَمَّا جرى لمُوسَى اَوْ عِيسَى أم كَيفَ يكون نفس الامر بِالْحَجِّ هُوَ نفس الْأَمر بِالصَّلَاةِ وَأَن مَا توجه لزيد هُوَ نفس مَا توجه لعَمْرو وَكَيف هَذَا التَّدَاخُل أم كَيفَ يَجْعَل الْخَبَر أَو مَا سمى خَبرا هُوَ عين الْأَمر أَو مَا سمى أمرا هُوَ عين مَا سمى خَبرا مَعَ أَن الْأَمر هُوَ الطّلب والاقتضاء وَالْخَبَر لَا يشْتَمل على شئ من ذَلِك وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْخَبَر فَالْأَمْر أَيْضا غير مُشْتَمل عَلَيْهِ فَهَل هَذَا إِلَّا مَحْض تحكم غير مَعْقُول وَمَا لَيْسَ بمعقول لَا سَبِيل إِلَى إثْبَاته فَلم يبْق إِلَّا أَنه أَنْوَاع متمايزة الْخَواص مُخْتَلفَة الذوات مُشْتَركَة فِي الْجُمْلَة وَالْكَلَام كالجنس لَهَا والتمثيل بالمبدأ الأول مِمَّا لَا إِلَيْهِ سَبِيل فَإِن اتِّحَاد الذَّات مَعَ اخْتِلَاف اسمائها بِاعْتِبَار أُمُور إضافية أَو سلبية مِمَّا لَا امْتنَاع فِيهِ أما إِثْبَات صِفَات متضادة وخواص متنافرة وأقسام مُتعَدِّدَة لذات وَاحِدَة لَا تعدد فِيهَا وَلَا تغاير فَمن أمحل المحالات وأشنع المقالات وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ قُلْنَا قد بَينا فِيمَا سلف أَن الْكَلَام قَضِيَّة وَاحِدَة وَمَعْلُوم وَاحِد قَائِم بِالنَّفسِ وَأَن اخْتِلَاف الْعبارَات والتعبيرات عَنهُ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب اخْتِلَاف المتعلقات وَالنّسب والإضافات كَمَا حققناه فَمَا يَقع بِهِ التضاد أَو الِاخْتِلَاف أَو التَّعَدُّد فَلَيْسَ إِلَّا فِي

ِنَّمَا هُوَ بِسَبَب اخْتِلَاف المتعلقات وَالنّسب والإضافات كَمَا حققناه فَمَا يَقع بِهِ التضاد أَو الِاخْتِلَاف أَو التَّعَدُّد فَلَيْسَ إِلَّا فِي

المتعلقات والتعلقات لَا فِي نفس الْمُتَعَلّق وَلَا أَن مَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف أَو التضاد بَين الْأَمر والنهى وَغَيره من أخص صِفَات الْكَلَام بل كل ذَلِك خَارج عَنهُ وعَلى هَذَا نقُول لَو قطع النّظر عَن المتعلقات الْخَارِجَة وَرفعت عَن الْوَهم فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهَذِهِ الْعبارَات والتعبيرات أصلا وَلَا يلْزم من ذَلِك رفع فهم الْكَلَام وَأَن تَزُول حَقِيقَته عَن الْوُجُود ايضا وَقَوْلهمْ كَيفَ يجوز أَن يكون الْمخبر عَنهُ مُتَعَددًا مُخْتَلفا وَالْخَبَر عَنهُ وَاحِدًا أم كَيفَ يكون الْمَأْمُور بِهِ مُخْتَلفا وَالْأَمر بِهِ وَاحِدًا وَكَيف تكون حَقِيقَة وَاحِدَة هى أَمر وَنهى وَخبر مَعَ أَن هَذِه الامور مُخْتَلفَة قُلْنَا هَل هَذَا إِلَّا مَحْض استبعاد وَخُرُوج عَن سَبِيل الرشاد فَإِنَّهُ إِذا عرف أَن اخْتِلَاف الْعبارَات والتعبيرات قد يكون بِاعْتِبَار اخْتِلَاف التعلقات وَالنّسب إِلَى الْأُمُور الْخَارِجَة والإطلاقات لم يمْتَنع أَن يكون الْمُتَعَلّق لَهُ حَقِيقَة وَاحِدَة وَوُجُود وَاحِد وَله متعلقات مُخْتَلفَة ويعبر عَنهُ بِسَبَب تعلقة بِكُل وَاحِد مِنْهَا بِعِبَارَة مَخْصُوصَة ولقب مَخْصُوص وَإِن كَانَ هُوَ فِي نَفسه وَاحِدًا وَذَلِكَ على نَحْو مَا ذكره الفيلسوف فِي المبذأ الأول وعَلى نَحْو مَا ينعكس على الأَرْض من الألوان الْمُخْتَلفَة من زجاجات مُخْتَلفَة الألوان بِسَبَب شروق الشَّمْس عَلَيْهَا ومقابلتها لَهَا فَإِن التأثيرات مُخْتَلفَة بِسَبَب المتعلقات لَا غير وَإِن كَانَ الْمُتَعَلّق فِي نَفسه وَاحِدًا وَقد يعبر عَنْهَا بِسَبَب هَذَا التقلق وَاخْتِلَاف المتقلقات والتأثيرت بأسماء مُخْتَلفَة حَتَّى يُقَال إِنَّهَا مسودة ومصفرة وَغير ذَلِك وَإِن كَانَت الشَّمْس فِي نَفسهَا وَاحِدَة فَكَذَلِك ينبغى أَن يفهم مثله فِي الْكَلَام فَإِن اخْتِلَاف هَذِه التعبيرات عَنهُ لَيْسَ لتَعَدد فِي نَفسه بل لتَعَدد

ت الشَّمْس فِي نَفسهَا وَاحِدَة فَكَذَلِك ينبغى أَن يفهم مثله فِي الْكَلَام فَإِن اخْتِلَاف هَذِه التعبيرات عَنهُ لَيْسَ لتَعَدد فِي نَفسه بل لتَعَدد المتعلقات وَاخْتِلَاف

الإضافات وَذَلِكَ لَيْسَ محالا نعم لَو عبر عَنهُ بالنهى من جِهَة مَا عبر عَنهُ بِالْأَمر وَمن جِهَة مَا عبر عَنهُ بالْخبر أَو بِالْعَكْسِ كَانَ ذَلِك متناقضا وَمن حقق مَا مهدناه زَالَ عَنهُ الخيال واندفع عَنهُ الْإِشْكَال كَيفَ وَأَن مَا ذَكرُوهُ من أَقسَام الْكَلَام وهى الْخَبَر والاستخبار وَالْأَمر والنهى والوعد والوعيد أمكن أَن ترد إِلَى قسمَيْنِ وهما الطّلب وَالْخَبَر فَإِن الْوَعيد والوعد داخلان فِي الْخَبَر لَكِن تعلق بِأَحَدِهِمَا ثَوَاب فَسمى وَعدا وَتعلق بِالْآخرِ عِقَاب فَسمى وعيدا وَأما الْأَمر والنهى فداخلان تَحت الطّلب والاقتضاء لَكِن إِن تعلق بِالْفِعْلِ سمى امرا وَإِن تعلق بِالتّرْكِ سمى نهيا وَأما الاستخبار على الْحَقِيقَة فَغير مُتَصَوّر فِي حق الله تَعَالَى بل حَاصله يرجع إِلَى التَّقْرِير وَهُوَ نوع من الْإِخْبَار وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وكما أمكن رد هَذِه الْأَقْسَام إِلَى قسمَيْنِ أمكن ردهَا إِلَى قسم وَاحِد فِي حق الله تَعَالَى حَتَّى يكون على مَا ذَكرْنَاهُ بِأَن يكون معنى وَاحِدًا وَقَضِيَّة متحدة إِن تعلق بِمَا حكم بِفِعْلِهِ أَو تَركه سمى طلبا وَإِن تعلق بِغَيْرِهِ سمى خَبرا فَإِذا المتعلقات مُتعَدِّدَة والمتعلق فِي نَفسه وَاحِدًا لَا تعدد فِيهِ وَهَذَا كُله إِنَّمَا هُوَ فِي مُتَصَوّر الْبَقَاء والديمومة كَمَا فِي كَلَام الله تعإلى وَإِلَّا فَالْكَلَام فِي الشَّاهِد إعنى كَلَام اللِّسَان والنطق النفسانى لَيْسَ كَذَلِك إِذْ هُوَ من قبيل الْأَعْرَاض المتجددة والأغراض المتغيرة وَذَلِكَ مِمَّا ينافى القَوْل باتحاده وَنفى أعداده فَإِن قيل إِذا قُلْتُمْ بِأَن الْكَلَام فِي نَفسه قَضِيَّة وَاحِدَة وَأَن اخْتِلَاف التعبيرات عَنهُ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب المتعلقات الْخَارِجَة فَلم لَا جوزتم أَن تكون الْإِرَادَة وَالْعلم وَالْقُدْرَة

وباقى الصِّفَات رَاجِعَة إِلَى معنى وَاحِد وَيكون اخْتِلَاف التعبيرات عَنهُ بِسَبَب اخْتِلَاف متعلقاته لَا بِسَبَب اختلافه فِي ذَاته وَذَلِكَ بِأَن يُسمى إِرَادَة عِنْد تعلقه بالتخصيص فِي الزَّمَان وقدرة عِنْد تعلقه بالتخصيص فِي الْوُجُود وَهَكَذَا سَائِر الصِّفَات وَإِن كَانَ ذَلِك فَلم لَا يجوز أَن يعود ذَلِك كُله إِلَى نفس الذَّات من غير احْتِيَاج إِلَى الصِّفَات قُلْنَا تمويه هَذَا الْإِشْكَال والتهويل بِهَذَا الخيال هُوَ مَا اوقع جمَاعَة من الْأَصْحَاب فِي دَائِرَة الِاضْطِرَاب وكبع حذاقهم عَن تَحْقِيق الْجَواب وَالَّذِي يقطع دابره ويكشف عَن الْحق سرائره أَن يُقَال إِذا ثَبت القَوْل بِكَوْنِهِ محيطا بالموجودات وعالما بهَا ومخصصا لَهَا فِي وجودهَا وحدوثها وَثَبت لَهُ غير ذَلِك من الكمالات الْمعبر عَنْهَا بِالصِّفَاتِ فَهُوَ مَا طلبناه وَغَايَة مَا رمناه وَأما إِثْبَات كَونهَا مُتَغَايِرَة الذوات متباينة الذاتيات أَو أَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى معنى وَاحِد هُوَ نفس الذَّات والتخصيص وَالِاخْتِلَاف فِيهَا إِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى المتعلقات والتغاير بالعرضيات الخارجيات كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض الْأَصْحَاب فَمَا لم أر فِي مَا ذَكرُوهُ لإفحام الْخصم كلَاما مخلصا عَن مغالطات ومصادرات وأقاويل منحرفات وَمَا يظْهر مَأْخَذ المعتقد من الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّمَا ينْتَفع بِهِ النَّاظر مَعَ نَفسه لَا بِالنّظرِ إِلَى غَيره وَأظْهر مَا قيل فِي بَيَان الِاخْتِلَاف أَن تَأْثِير الْقُدْرَة فِي الإيجاد وتأثير الْإِرَادَة

فع بِهِ النَّاظر مَعَ نَفسه لَا بِالنّظرِ إِلَى غَيره وَأظْهر مَا قيل فِي بَيَان الِاخْتِلَاف أَن تَأْثِير الْقُدْرَة فِي الإيجاد وتأثير الْإِرَادَة

فِي التَّخْصِيص بالأحوال والأقات وَمَعَ اخْتِلَاف التأثيرات لَا بُد مِمَّن اخْتِلَاف المؤثرات وَإِلَّا كَانَ صُدُور أحد الْمُخْتَلِفين من جِهَة مَا صدر الْمُخَالف الآخر وَهُوَ محَال وَهَذَا خلاف الْكَلَام فَإِن تعلقه بمتعلقاته لَا يُوجب تَأْثِيرا مُخْتَلفا وَكَذَا كل صفة على انفرادها وَهُوَ غير سديد فَإِنَّهُ لَو وَجب القَوْل بمخالفة الْقُدْرَة للإرادة لاخْتِلَاف التأثيرات فَذَلِك يُوجب الِاخْتِلَاف فِي نفس الْإِرَادَة وَنَفس الْقُدْرَة وكل صفة من الصِّفَات وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك من جِهَة أَن تأثيرات الْإِرَادَة مُتعَدِّدَة فَإِن تَخْصِيص الْحَادِث فِي الأمس غير تَخْصِيصه فِي الْيَوْم أَو الْغَد وَكَذَلِكَ مَا يخص بِالْقُدْرَةِ فَإِن إِيجَاد زيد لَيْسَ هُوَ نفس إِيجَاد عَمْرو لَا سِيمَا إِذا قُلْنَا إِن الْوُجُود لَيْسَ بزائد على الْمَوْجُود وَإِذا كَانَت التأثيرات مُتَغَايِرَة فإمَّا أَن تتحد من كل وَجه اَوْ تخْتَلف من كل وَجه أَو تتحد فِي وَجه وتختلف فِي وَجه اخر فَإِن اتّحدت من كل وَجه فَلَا تعدد وَقد فرضت مُتعَدِّدَة فبقى أَن تكون مُخْتَلفَة إِمَّا من كل وَجه أَو من وَجه وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فهى مُخْتَلفَة فَيجب أَن يكون الْمُؤثر لَهَا مُخْتَلفا فَإِن لم يجب أَن يكون مُخْتَلفا فَلَا أقل من أَن يكون معتددا فَإِن قيل تاثير الْقُدْرَة وَاحِد قي حقيقتة وَمَعْنَاهُ وَاحِد فِي ماهيته فَإِن الإيجاد من حَيْثُ هُوَ إِيجَاد لَا يخْتَلف وَكَذَلِكَ تَخْصِيص الْإِرَادَة بِالْوَقْتِ وَاحِد لَا يخْتَلف من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك وَمَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف فِي تأثيرات الْقُدْرَة اَوْ الْإِرَادَة فَلَيْسَ اخْتِلَافا ذاتيا دَاخِلا فِي التَّأْثِير من حَيْثُ هُوَ تَأْثِير تِلْكَ الصّفة الْمَخْصُوصَة وَإِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى أُمُور خَارِجَة عرضية وَكَذَا فِي كل صفة على حِدة وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب الِاخْتِلَاف فِي نفس التَّعَلُّق أصلا

مَخْصُوصَة وَإِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى أُمُور خَارِجَة عرضية وَكَذَا فِي كل صفة على حِدة وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب الِاخْتِلَاف فِي نفس التَّعَلُّق أصلا

وَهَذَا أَيْضا مِمَّا لَا حَاصِل لَهُ فَإِنَّهُ إِن صدر مِمَّن لَا يعْتَرف بِكَوْن الْوُجُود زَائِدا على الْمَوْجُود كَانَ بُطْلَانه ظَاهرا وَإِن كَانَ مِمَّن يعْتَرف بِهِ فالذوات عِنْده إِمَّا أَن تكون مُتَعَلق الْقُدْرَة مَعَ كَون الْوُجُود والحدوث مُتَعَلقا لَهَا أَيْضا أَو أَنَّهَا لَا تعلق للقدرة بهَا فَإِن كَانَ الأول فقد لزمَه اخْتِلَاف التأثيرات وَإِن كَانَ الثانى لزم أَن تكون الذوات ثَابِتَة فِي الْقدَم ومتحققة فِي الْعَدَم وَسَيَأْتِي إِبْطَاله كَيفَ وان ذَلِك لَو صَحَّ فِي الْقُدْرَة والأرادة فَهُوَ مِمَّا لَا يأتى فِي غَيرهمَا من الصِّفَات وَلَا يتَحَقَّق فِي باقى الكمالات بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَالهَا من المتعلقات وَإِذا لاحت الْحَقَائِق وَظَهَرت الدقائق فَلَا الْتِفَات إِلَى شغب المشنع المتحذلق فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا ينْهض دَلِيلا وَلَا يشفى غليلا وَهُوَ آخر مَا أردناه من مَسْأَلَة الْكَلَام وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان

الطّرف الْخَامِس فِي اثبات الادراكات مَذْهَب أهل الْحق أَن البارى تَعَالَى سميع بسمع بَصِير ببصر وَذهب الكعبى إِلَى أَن معنى كَونه سميعا بَصيرًا أَنه لَا آفَة بِهِ عَالم بالمسموعات والمبصرات لَا غير وَمن الْمُعْتَزلَة من زَاد عَلَيْهِ وَقَالَ معنى كَونه سميعا بَصيرًا أَنه مدرك للمسمسوعات والمبصرات والإدراك يزِيد على الْعلم وَذهب الجبائى وَمن تَابعه إِلَى أَن معنى كَونه سميعا بَصيرًا أَنه حى لَا آفه بِهِ وَقد استروح بعض الْأَصْحَاب فِي الِاسْتِدْلَال على أهل الضلال إِلَى مَسْلَك ضَعِيف وَهُوَ أَن قَالَ البارى تَعَالَى حى والحى إِذا قبل معنى وَله ضد وَلَا وَاسِطَة بَينهمَا لم يخل عَنهُ أَو عَن ضِدّه وَلَا محَالة أَن كَونه حَيا مِمَّا يُوجب قبُوله للسمح وَالْبَصَر فَلَو لم يَتَّصِف بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر لَا تصف تضدها وَذَلِكَ نقص فِي حق البارى تعإلى

قَالَ وَالدَّلِيل على أَن الْمُوجب لقبوله السّمع وَالْبَصَر كَونه حَيا مَا نرَاهُ فِي الشَّاهِد فَإِن الْمُوجب لقبوليه الْإِنْسَان وَغَيره من الْحَيَوَان للسمع وَالْبَصَر كَونه حَيا إِذْ لَو قدر أَن الْمُوجب لذَلِك غير الْحَيَاة من الْأَوْصَاف لَكَانَ منتقضا وَإِذا كَانَ الْمُوجب للقبول إِنَّمَا هُوَ الْحَيَاة فالبارى حَيّ فَيجب أَن يكون متصفا بهما وَإِلَّا كَانَ متصفا بأضدادهما وَذَلِكَ نقص فِي حق الله تَعَالَى فَيمْتَنع وَمن نظر فِيمَا أسلفناه وأحاط بِمَا مهدناه علم أَن ذَلِك مِمَّا لَا يقوى وَالَّذِي نزيده هَهُنَا أَنا نقُول

ذَلِكَ نقص فِي حق الله تَعَالَى فَيمْتَنع وَمن نظر فِيمَا أسلفناه وأحاط بِمَا مهدناه علم أَن ذَلِك مِمَّا لَا يقوى وَالَّذِي نزيده هَهُنَا أَنا نقُول حَاصِل الطَّرِيقَة آيل إِلَى قِيَاس التَّمْثِيل وَهُوَ الحكم على جزئى بِمَا حكم بِهِ على غَيره لاشْتِرَاكهمَا فِي معنى عَام لَهما وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو لم يتَبَيَّن أَن الحكم فِي الأَصْل الممثل بِهِ ثَابت لِمَعْنى لَا أَنه ثَابت لنَفسِهِ أَو بِخلق الله لَهُ فِي ذَلِك الامر الجزئى من غير افتقار إِلَى أَمر خَارج ثمَّ لَو ثَبت أَنه ثَبت لِمَعْنى لَكِن لَا بُد من حصر جَمِيع الْأَوْصَاف وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بالسبر وَهُوَ غير مُفِيد لليقين بل حالصه انى بحثت فَلم أطلع على غير الْمَذْكُور وَغَايَة فَائِدَة الْبَحْث الظَّن بِانْتِفَاء غير الْمعِين لَا الْعلم بِهِ ثمَّ وَإِن أَفَادَ علما للساير فَذَلِك لَيْسَ بِحجَّة على غَيره إِذْ بحث زيد لَا يُؤثر علما فِي حق عَمْرو وَإِن أَفَادَهُ ذَلِك ظنا وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يُقَال إِن من كَانَ بَين يَدَيْهِ قيل وَلَيْسَ بَينه وَبَينه حَائِل وَآلَة الْإِدْرَاك لَدَيْهِ حَاضِرَة سليمَة فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل أَلا يبصره فَكَذَلِك هَهُنَا فَإِنَّهُ لَو قدر وصف آخر فَإِنَّهُ إِمَّا مَعْقُول أَو محسوس وَأي الْأَمريْنِ قدر فأسباب مداركه عِنْد النَّاظر عتيدة فيستحيل ان لَا يظفر بِهِ إِذا طلبه وَهَذَا وَإِن كَانَ مخيلا لكنه مِمَّا لَا يقوى فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكره لما وَقع لأحد فِي نظره خبط وَلَا فِي فكره تنَاقض وَلما وَقع الْخلاف بَين الْعُقَلَاء فِي وجود شئ ونفيه إِذْ القواطع

ُ لَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكره لما وَقع لأحد فِي نظره خبط وَلَا فِي فكره تنَاقض وَلما وَقع الْخلاف بَين الْعُقَلَاء فِي وجود شئ ونفيه إِذْ القواطع

لَا تتوارد على شئ ونقيضه وَكم من وَقع لَهُ التَّنَاقُض فِي نظره حَتَّى انه حكم بشئ بعد مَا حكم بمقابله وَكَذَلِكَ كم من شئ اخْتلف الْعُقَلَاء فِيهِ وَلم يظفر وَلَا وَاحِد مِنْهُم بمقصود اَوْ ظفر بِهِ وَاحِد دون البَاقِينَ وَلَا كَذَلِك مَا ذَكرُوهُ من الْمِثَال فَإِن وُقُوع مثل ذَلِك فِيهِ مِمَّا يَسْتَحِيل بِالنّظرِ إِلَى حكم جرى الْعَادة بِهِ ثمَّ وَلَو سلم الْحصْر فلابد وَأَن يتَعَرَّض لابطال تَأْثِير كل وَاحِد وَاحِد على الْخُصُوص وابطال تَأْثِيره فِي كل رُتْبَة تحصل لَهُ من إِضَافَته إِلَى غَيره وَذَلِكَ مِمَّا يعز ويشق لَا محَالة وَمَا وَقعت الْإِشَارَة بِهِ فِي إبِْطَال غير المستبقى فَهُوَ بِعَيْنِه لَازم فِي المستبقى فَإِنَّهُ منتقض بباقى اعضاء الأنسان واعضاء غَيره من الْحَيَوَان فَإِنَّهَا حَيَّة مَعَ انتقاء السّمع وَالْبَصَر وَانْتِفَاء أضدادها أَيْضا ثمَّ إِنَّه وَإِن لم يكن الحكم لغير مَا عين من الْأَوْصَاف لَكِن من الْجَائِز أَن يكون ذَلِك بِاعْتِبَار الشئ الْمَوْصُوف بِهِ وَمهما لم يتَبَيَّن أَن الْمَوْصُوف بِهِ فِي مَحل النزاع هُوَ الْمَوْصُوف بِهِ فِي مَحل الْوِفَاق لم يلْزم الحكم وَهَذَا كُله لَا محيص عَنهُ فقد بَان أَن مَا استروح إِلَيْهِ غير يقينى وَإِن كُنَّا لَا ننكر كَونه ظنيا فالمطلوب لَيْسَ إِلَّا الْيَقِين ولربما اسْتندَ بعض الْأَصْحَاب هَهُنَا إِلَى السمعيات دون العقليات والمحصل يعلم أَن كل مَا يتمحل من ذَلِك فَغير خَارج عَن قبيل الظنيات والتخمنيات وَذَلِكَ لَا مدْخل لَهُ فِي اليقينيات وسيأتى إشباع القَوْل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى

فَإِذا السَّبِيل فِي الدَّلِيل هَهُنَا لَيْسَ إِلَّا مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي مَسْأَلَة الْإِرَادَة وَقد عرفت وَجه تَحْقِيقه وَمَا يلْزم عَلَيْهِ لَكِن رُبمَا زَاد الْخصم هَهُنَا تشكيكات وخيالات لابد من الْإِشَارَة إِلَيْهَا والتنبيه على وَجه الِانْفِصَال عَنْهَا فَمن ذَلِك قَوْله إِن مَا ذكرتموه إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو ثَبت أَن السّمع وَالْبَصَر إدراكان زائدان على نفس الْعلم وَإِلَّا فَلَا نقص إِدْرَاك وَلَا قُصُور لكَون البارى تَعَالَى عَالما وَبِمَ الْإِنْكَار على الكعبى حَيْثُ ذهب إِلَى ان السّمع وَالْبَصَر ليسَا بزائدين على نفس الْعلم لَا شَاهدا وَلَا غَائِبا بل الْمدْرك المسموع والمبصر هُوَ السَّامع المبصر بِعِلْمِهِ لَا بحاسته الَّتِى كَانَ حُصُول هَذَا الْعلم بواسطتها وهى الْمعبر عَنْهَا بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر كَيفَ وَأَنه لَو كَانَ الْمدْرك مدْركا بِإِدْرَاك زَائِد على الْعلم لجَاز أَن يكون بَين يدى الْإِنْسَان سليم الْبَصَر والسمع مرئيات وأصوات وَهُوَ لَا يَرَاهَا وَلَا يسْمعهَا لجَوَاز أَن لَا يخلق لَهُ ادراكها وَالْأَمر بِخِلَافِهِ ثمَّ لَو سلم أَن الْإِدْرَاك لَيْسَ هُوَ نفس الْعلم فَبِمَ الانكار على الجبائى فِي قَوْله إِن الْمدْرك هُوَ الحى الذى لَا آفَة بِهِ وَلَا نقص وَأَنه لَا معنى لَهُ إِلَّا هَذَا السَّلب ثمَّ لَو سلم أَنه معنى إيجابى وَأمر إثباتى لكنه مِمَّا يمْتَنع ثُبُوته فِي حق البارى تَعَالَى من حَيْثُ إِنَّه لَا يَخْلُو أَن يكون قَدِيما أَو حَادِثا لَا جَائِز أَن يكون حَادِثا وَإِلَّا كَانَ البارى محلا للحوادث وَهُوَ مُمْتَنع وَلَا جَائِز أَن يكون قَدِيما وَإِلَّا للَزِمَ أَن يكون لَهُ مسموع ومبصر فِي الْعَدَم إِذْ السّمع وَالْبَصَر من غير مسموع ومبصر محَال وَذَلِكَ يفضى إِلَى القَوْل الْعَالم أَو أَن يكون مَا فِيهِ مسموعا ومبصرا فِي الْعَدَم وكلا الْأَمريْنِ

ْ السّمع وَالْبَصَر من غير مسموع ومبصر محَال وَذَلِكَ يفضى إِلَى القَوْل الْعَالم أَو أَن يكون مَا فِيهِ مسموعا ومبصرا فِي الْعَدَم وكلا الْأَمريْنِ

محَال وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يشْتَرط البنية الْمَخْصُوصَة للإدراك أَو لَيْسَ فَإِن اشْترط فإثبات الْإِدْرَاك للبارى يُوجب لَهُ البنية الْمَخْصُوصَة وَهُوَ مُتَعَذر وَالْقَوْل بِعَدَمِ الِاشْتِرَاط مُمْتَنع أَيْضا إِذْ يلْزم مِنْهُ الالتباس بَين الإدراكات وَأَن تكون حاسة وَاحِدَة مدركة بإدراكات مُخْتَلفَة وَهُوَ مُمْتَنع فَإِن البنية الْمَخْصُوصَة لَا بُد مِنْهَا فالسمع هُوَ قُوَّة مرئية فِي الْعصبَة المنبسطة فِي السَّطْح الْبَاطِن من صماخ الْأذن من شَأْنهَا أَن تدْرك الصَّوْت المحرك للهواء الراكد فِي مقعر صماخ الْأذن عِنْد وُصُوله إِلَيْهِ بِسَبَب مَا وَالْبَصَر هُوَ عبارَة عَن قوه مرتبَة فِي عصبَة مجوفة من شَأْنهَا أَن تدْرك مَا ينطبع فِي الرُّطُوبَة الجليدية من أشباح صور الْأَجْسَام بتوسط المشف والشم عبارَة عَن قُوَّة مرتبَة فِي زائدتى مقدم الدِّمَاغ من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يتَأَدَّى إِلَيْهَا بتوسط الْهَوَاء من الأراييح والذوق عبارَة عَن قُوَّة مرتبَة فِي الْعصبَة البسيطة على السَّطْح الظَّاهِر من اللِّسَان من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يرد عَلَيْهَا من الطعوم يتوسط مَا فِيهِ من الرُّطُوبَة الغذائية واللمس عبارَة عَن قُوَّة منبثة فِي كل الْبدن من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يرد عَلَيْهِ من خَارج من الكيفيات الملموسة وهى الْحَرَارَة والبرودة واليبوسة

ة واللمس عبارَة عَن قُوَّة منبثة فِي كل الْبدن من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يرد عَلَيْهِ من خَارج من الكيفيات الملموسة وهى الْحَرَارَة والبرودة واليبوسة

وَإِذا لم يكن فِي الْإِدْرَاك بُد من الْآلَات والأدوات امْتنع القَوْل بثبوتها فِي حق البارى تَعَالَى كَيفَ وَأَن مَا ذكرتموه ينْتَقض عَلَيْكُم بباقى الادراكات وَغَيرهَا من الكمالات كَمَا سلف وَالْجَوَاب أما مَا قيل من أَن السّمع وَالْبَصَر ليسَا بزائدين على نفس الْعلم فقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب فِي الْجَواب هَهُنَا إِنَّه لَو لم يكن كَذَلِك وَإِلَّا لما وَقعت التَّفْرِقَة بَين مَا علم بالبرهان أَو الْخَبَر وَبَين مَا حصل بِالْعينِ وَالْبَصَر وَلَا محَالة أَن هَذِه التَّفْرِقَة مِمَّا يشْهد بصفدقها نظر ذوى الْأَلْبَاب فإنكارها مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا عَن جحد أَو عناد لكنه مِمَّا لَا ثُبُوت لَهُ على محك النّظر إِذْ الْخصم يَقُول وَإِن سلم التَّفْرِقَة بِمَنْع عودهَا إِلَى الْعلم والإدراك بل مَا تشعر بِهِ النَّفس عِنْد الْخَبَر اليقينى بِأَن زيدا مثلا على صُورَة كَذَا أَو كَذَا لَيْسَ يخْتَلف عِنْد النّظر والمشاهدة بالبصر وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف والتفرقة عائدان إِلَى نفس الْمحل الذى هُوَ وَاسِطَة حُصُول الْعلم من الْبَصَر وَغَيره أَو إِلَى الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل أَو الاطلاق وَالتَّقْيِيد أَو الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَبِالْجُمْلَةِ إِلَى الْمحل الذى هُوَ مُتَعَلق الْعلم فِي الْحَالَتَيْنِ وَذَلِكَ بِأَن يكون مَا حصل بالبصر أَو السّمع مفصلا أَو مُقَيّدا أَو خَاصّا وَمَا حصل بالبرهان وَالْخَبَر لم يكن إِلَّا مُجملا أَو مُطلقًا أَو غير ذَلِك وَذَلِكَ مِمَّا لَا يدل على أَن مَا حصل بالبصر أَو السّمع خَارج عَن جنس الْعلم أَو نَوعه وَهُوَ كَمَا لَو علم بطرِيق خَاص إِمَّا بِالدَّلِيلِ أَو غَيره أَن كل منقسم بمتساويين فَهُوَ زوج وَاتفقَ أَن مَا فِي يَد زيد مثلا منقسم بمتساويين فَأَنَّهُ من جِهَة الْعُمُوم مَعْلُوم

أَنه زوج لضَرُورَة الْعلم بِأَن كل منقسم بمتساويين زوج وَمَا علم بالبصر بعد ذَلِك لَيْسَ هُوَ مَا كَانَ مَعْلُوما أَولا وَإِنَّمَا الْحَاصِل ثَانِيًا هُوَ نفس الْعلم بِخُصُوصِهِ وبكونه منقسما بمتساويين وَاخْتِلَاف متعلقات الْعلم وَاخْتِلَاف طرق تَحْصِيلهَا مِمَّا لَا يُؤثر اخْتِلَافا فِي نفس الْعلم الْمُتَعَلّق بهَا فالطريق فِي الأنفصال أَن يُقَال الْإِنْسَان قد يجد من نَفسه معنى زَائِدا عِنْد السّمع وَالْبَصَر على مَا كَانَ قد علمه بِالدَّلِيلِ أَو الْخَبَر وَذَلِكَ مِمَّا لَا مراء فِيهِ كَمَا سبق فَالْمَعْنى بالإدراك لَيْسَ إِلَّا هَذَا الْمَعْنى وَسَوَاء سمى ذَلِك علما أَو إدراكا وَسَوَاء كَانَ مُتَعَلّقه أمرا تقييديا أَو تفصيليا أَو معنى خَاصّا أَو غير ذَلِك من المتعلقات فَإِن حَاصِل ذَلِك لَيْسَ يرجع إِلَّا إِلَى مَحْض الاطلاقات وَمُجَرَّد الْعبارَات فَلَا مشاحة فِيهَا بعد فهم مَعَانِيهَا فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يقْدَح فِي الْغَرَض بإبطاله أَو تَصْحِيحه وَعند ذَلِك فَلَا مبالاة بِمن اعتاص على فهمه قبُول هَذَا الِاعْتِقَاد وشمخ أَنفه عَن أَن ينقاد بعد ظُهُور الْحَقَائِق وانكشاف غور الدقائق وَمن رام فِي الِانْفِصَال عَن هَذَا الخيال غير مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فقد كلف نَفسه شططا وَذَلِكَ على النبيه مِمَّا لَا يخفى وَمَا قيل من أَنه لَو كَانَ الْإِدْرَاك زَائِدا على نفس الْعلم لجَاز أَن يكون بَين يدى إِنْسَان سليم الْبَصَر فيل لَا يُدْرِكهُ لجَوَاز أَن لَا يخلق لَهُ الْإِدْرَاك بِهِ وَهُوَ محَال قُلْنَا ادِّعَاء كَونه محَال إِمَّا أَن ينظر فِيهِ إِلَى الإحالة الْعَقْلِيَّة أَو العادية فَإِن كَانَ الأول

يخلق لَهُ الْإِدْرَاك بِهِ وَهُوَ محَال قُلْنَا ادِّعَاء كَونه محَال إِمَّا أَن ينظر فِيهِ إِلَى الإحالة الْعَقْلِيَّة أَو العادية فَإِن كَانَ الأول

فَهُوَ استرسال لما هُوَ غير مُسلم وَإِن كَانَ الثانى فَهُوَ بِعَيْنِه لَا محَالة لَازم فِي خلق الادراك فَإِنَّهُ كَمَا يَسْتَحِيل عَادَة انْتِفَاء الْإِدْرَاك للفيل عِنْد حُضُوره بَين يدى ذى الْبَصَر السَّلِيم كَذَا يَسْتَحِيل القَوْل بِانْتِفَاء خلق الادراك فِي مثل تِلْكَ الْحَالة ايضا وان نظر فِي ذَلِك الى جِهَة الْجَوَاز العقلى فَهُوَ ايضا مَا نقُوله فِي الأدراك فَإِنَّهُ كَمَا يجوز أَن لَا يخلق لَهُ الأدراك عقلا يجوز أَن لَا يُدْرِكهُ عقلا كَيفَ وَأَن هَذَا لَازم على الْخصم فِي الْعلم أَيْضا فَمَا هُوَ عذره فِي الْعلم هُوَ عذرنا فِي الْإِدْرَاك وَأما تَفْسِير الْإِدْرَاك بنفى الآفة عَمَّن لَهُ الْحَيَاة فمما لَا يَسْتَقِيم إِذْ قد بَينا أَن الْإِنْسَان يجد من نَفسه تَفْرِقَة بَين الإدراكات وَذَلِكَ لَا بُد وَأَن يكون بِأَمْر زَائِد على الْحَيَاة وَانْتِفَاء الآفة وَألا لما وَقع الْفرق ثمَّ كَيفَ يَصح أَن يُقَال السَّمِيع والبصير هُوَ الَّذِي لَا آفَة بِهِ وَيُقَال لمن يسمع وبصر وَهُوَ مئوف نَاقص فَإِن قيل لَيْسَ السَّمِيع هُوَ من سلبت عَنهُ الآفة مُطلقًا بل من سلبت عَنهُ الآفة فِي مَحل السّمع وَكَذَا فِي كل إِدْرَاك على حَسبه فَهُوَ متهافت شنيع فَإِن من قَالَ السّمع هُوَ نفى الآفة فِي مَحل السّمع فَكَأَنَّهُ قَالَ السَّمِيع هُوَ من لَهُ السّمع فِي مَحل السّمع وَلَو قَالَ السَّمِيع هُوَ من لَهُ السّمع لقد كَانَ ذَلِك كَافِيا عَن ذكر الْمحل وَإِذا كَانَ كَافِيا فَكَأَنَّهُ قَالَ السَّمِيع هُوَ الَّذِي لَا آفَة بِهِ إِذْ ذَاك فَرجع الْكَلَام الأول بِعَيْنِه ثمَّ ان الْعقل السَّلِيم يقْضى بوهاء قَول من فسر السّمع وَالْبَصَر بنفى الآفة دون الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا

ذَاك فَرجع الْكَلَام الأول بِعَيْنِه ثمَّ ان الْعقل السَّلِيم يقْضى بوهاء قَول من فسر السّمع وَالْبَصَر بنفى الآفة دون الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا

من الصِّفَات مَعَ أَنه لَو سُئِلَ عَن الْفرق لم يجد عَنهُ مخلصا بل كل مَا تخيل من منع تَفْسِير الْعلم وَالْقُدْرَة بِانْتِفَاء الآفة فَهُوَ بِعَيْنِه فِي الْإِدْرَاك حجَّة لنا وَأما القَوْل بِأَن ذَلِك يفضى إِلَى قدم المبصرات والمسموعات فَمن عرف كَيْفيَّة تعلق الْعلم بهَا فِي الْقدَم كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ لم يخف عَلَيْهِ دفع هَذَا الْإِشْكَال هَهُنَا فَإِن تعلق السّمع وَالْبَصَر بمتعلقاتهما الْحَادِثَة لَا يتقاصر عَن تعلق الْعلم بمتعلقاته الْحَادِثَة فَمَا بِهِ دفع الْإِشْكَال ثمَّ بِهِ دَفعه هَهُنَا وَأما إشتراط البنية الْمَخْصُوصَة فمما لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِذْ الْقَائِل بِهِ معترف أَن الْإِدْرَاك قَائِم بِجُزْء وَاحِد من جملَة الْمدْرك وَعند ذَلِك فَلَا يخفى أَنه لَا أثر لاتصال مَحَله بِمَا جاوره إِذْ الاجسام لَا يُؤثر بَعْضهَا فِي بعض فِيمَا يرجع إِلَى مَا يقوم بهَا من الْأَعْرَاض بل الْجَوْهَر الْفَرد يكون على صفته عِنْد الْمُجَاورَة بِهِ لغيره فِي حَال انْفِرَاده وَإِذا جَازَ قيام الْإِدْرَاك بِجُزْء وَاحِد فِي حَال انْفِرَاده واتصاله لزم أَن لَا تكون البنية الْمَخْصُوصَة شرطا وَلَا يلْزم على مَا ذَكرْنَاهُ الِاجْتِمَاع وَسَائِر الْأَعْرَاض الإضافية حَيْثُ إِنَّهَا تقوم بالجوهر عِنْد إِضَافَته وضمه إِلَى غَيره وَلَا تقوم بِهِ عِنْد أنفراده لأَنا نقُول الْكَوْن الْقَائِم بِكُل جرم فِي حَالَة الِاجْتِمَاع هُوَ بِعَيْنِه قَائِم فِي حَالَة الِافْتِرَاق مُطلقًا والمختلف إِنَّمَا هُوَ الْأَسْمَاء فَإِن مَا هُوَ قَائِم عِنْد ضميمة غَيره إِلَيْهِ يُسمى اجتماعا وَبعد الِافْتِرَاق لَا يُسمى كَذَلِك وَإِن سلم أَنه لَا يبْقى لكنه غير لَازم وَذَلِكَ أَن الصِّفَات العرضية مِنْهَا مَا يقتضى لذاته الضَّم والاجتماع بَين الْمحَال كبعض الْأُمُور الإضافية وَمِنْهَا مَا لَا يقتضى ذَلِك كَمَا

فِي السوَاد وَالْبَيَاض وَنَحْوهَا مِمَّا لَيْسَ بِصفة إضافية وَلَا يلْزم من كَون الصِّفَات الإضافية على مَا ذكر أَن يكون غَيرهَا مثلهَا وَلَا يخفى أَن الْإِدْرَاك لَيْسَ من ذَلِك الْقَبِيل المفتقر إِلَى الْجمع وَالضَّم فِي الأجرام وَمِمَّا يدل على أَن الْإِدْرَاك غير مفتقر إِلَى البنية ويخص الْبَصرِيين الْقَائِلين بِكَوْن البارى مدْركا أَن يُقَال لَو كَانَت البنية شرطا لوَجَبَ طردها شَاهدا وغائبا كَمَا ذَهَبُوا اليه واعتمدوا عَلَيْهِ فِي الِاشْتِرَاط وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ كَون البارى ذَا بنية مَخْصُوصَة لضَرُورَة الأعتراف بِكَوْنِهِ مدْركا وَإِذا ذَاك فينقلب الْإِلْزَام وتتساوى فِيهِ الْأَقْدَام فَإِن قيل اشْتِرَاط البنية إِنَّمَا هُوَ فِي حق الْمدْرك بادراك فَلَا يلْزم البنية فِي حَقه تَعَالَى فَانْظُر إِلَى هَؤُلَاءِ كَيفَ ساقهم الغى إِلَى كشف عَوْرَاتهمْ وإبداء زلاتهم ومناقضة أصولهم وَمُخَالفَة رسومهم وتحملهم بالجهالة فِيمَا لَا يعلمُونَ وإصرارهم على الْبَاطِل فِيمَا يَقُولُونَ حَيْثُ إِنَّهُم جعلُوا الْحَيَاة شرطا فِي الشَّاهِد لكَون الْعَالم عَالما بِعلم ثمَّ طردوا ذَلِك فِي حق الْغَائِب حَتَّى قَالُوا إِن الْحَيَاة شَرط كَونه عَالما وَإِن لم يكن عَالما بِعلم وَلم يجْعَلُوا البنية شرطا لكَون الْمدْرك مدْركا مَتى لم يكن مدْركا بِإِدْرَاك لضَرُورَة كَونهَا شرطا لكَون الْمدْرك بِإِدْرَاك وَلم يعلمُوا أَنهم فِي ذَلِك متحكمون وبدعواه متجاهلون وَأَنَّهُمْ لَو سئلوا عَن الْفرق لم يَجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا وَأما القَوْل بِأَن ذَلِك يفضى إِلَى الالتباس بَين الإدراكات غير مُسْتَقِيم وَذَلِكَ من جِهَة أَن الالتباس فِيهَا لَا يكون بِسَبَب اتِّحَاد محلهَا وَإِلَّا لما تصور قيام عرضين

فضى إِلَى الالتباس بَين الإدراكات غير مُسْتَقِيم وَذَلِكَ من جِهَة أَن الالتباس فِيهَا لَا يكون بِسَبَب اتِّحَاد محلهَا وَإِلَّا لما تصور قيام عرضين

متغايرين بِمحل وَاحِد وَإِلَّا وهما متشابهان وَلَا يخفى أَن قيام الطول مثلا والسواد وَغَيره من الكيفيات بِمحل وَاحِد جَائِز وَإِن قرر أَنه لاشتباه فعلى هَذَا لَيْسَ الالتباس بَين الْأَشْيَاء إِلَّا لما يَقع بَينهَا من التشابه فِي أَنْفسهَا وَلَا يخفى انْتِفَاء التشابه بَين الإدراكات فِي أَنْفسهَا وَأَن الْحَاصِل من كل وَاحِد غير مَا حصل من الآخر وعَلى مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من التَّحْقِيق يتَبَيَّن أَن مَا ذَكرُوهُ فِي السّمع وَالْبَصَر وَغَيرهمَا من الإدراكات لم يخل إِمَّا أَن يكون إِدْرَاكهَا لشئ بِخُرُوج شئ مِنْهَا إِلَيْهِ أَو بإتصال شئ مِنْهُ بهَا فَإِن قيل بِالْأولِ فالخارج اما جَوْهَر وَإِمَّا عرض لَا جَائِز أَن يكون جوهرا وَإِلَّا فَهُوَ إِمَّا مُتَّصِل أَو مُنْفَصِل لَا جَائِز أَن يكون مُتَّصِلا وَإِلَّا لزم أَن يكون قد خرج من الجرم الصَّغِير جرم مَلأ نصف كرة الْعَالم واتصل بالثوابت وَهُوَ مُتَعَذر وَإِن كَانَ مُنْفَصِلا فَهُوَ بَاطِل أَيْضا وَإِلَّا لأحس بِهِ الْخَارِج مِنْهُ وللزم أَلا يدْرك الْمدْرك بِسَبَب أَن مَا بِهِ الْإِدْرَاك خَارج عَنهُ وَأَن لَا يخْتَلف الشئ الْمدْرك أَو المسموع بِسَبَب الْقرب والبعد لكَون مَا بِهِ الْإِدْرَاك قد أحَاط بهما هَذَا إِن كَانَ جوهرا وَإِن كَانَ عرضا فَهُوَ مُمْتَنع أَيْضا إِذْ الْعرض لَا تحرّك لَهُ بِنَفسِهِ وان تحرّك بمحله أوجب المحالات السَّابِق ذكرهَا فَإِن قيل إِن مَا بَين الْبَصَر والمبصر من الْهَوَاء المشف يَسْتَحِيل آلَة دراكه قُلْنَا فَيلْزم أَن تكون استحالته عِنْد اجْتِمَاع المبصرين أَشد وَإِذ ذَاك فَيجب أَن يكون إِدْرَاك الْوَاحِد للشئ عِنْد الِاجْتِمَاع

حِيل آلَة دراكه قُلْنَا فَيلْزم أَن تكون استحالته عِنْد اجْتِمَاع المبصرين أَشد وَإِذ ذَاك فَيجب أَن يكون إِدْرَاك الْوَاحِد للشئ عِنْد الِاجْتِمَاع

أَشد من حَالَة الِانْفِرَاد لكَون الاستحالة فِي الْآلَة الدراكة أَشد وللزم أَن يضطرب الشئ المبصر عِنْد تشويش الجو واضطراب الرِّيَاح بِسَبَب تجدّد الْآلَة الدراكة وَهُوَ مُمْتَنع هَذَا إِن قيل بِخُرُوج شئ من الْبَصَر إِلَى المبصر وَإِن قيل إِن شَيْئا من المبصر يتَّصل بالبصر بِحَيْثُ ينطبع فِيهِ ويدركه فإمَّا أَن يكون ذَلِك على جِهَة الِانْتِقَال والانفصال أَو على الانطباع والتمثيل من غير انْفِصَال شئ من المبصر وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ بَاطِل وَإِلَّا للَزِمَ ان لَا يدْرك الشئ المرئى إِلَّا على نَحْو مَا انطبع مِنْهُ فِي الْبَصَر من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَلَو كَانَ كَذَلِك لما رؤى الْحمل أَو الْجَبَل على هَيئته بل على نَحْو مَا ينطبع مِنْهُ فِي الْبَصَر وَهُوَ هوس ثمَّ إِنَّه لَا جَائِز أَن يكون المنطبع منتقلا وَلَا فَهُوَ إِمَّا جَوْهَر وَإِمَّا عرض لَا جَائِز ان يكون جوهرا لما أسلفناه وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن تحترق الْعين عِنْد كَون المرئى نَارا وَهُوَ مُمْتَنع وَإِن كَانَ عرضا فَهُوَ أَيْضا بَاطِل لما سلف فَتبين من هَذَا أَن الادراك لَيْسَ إِلَّا معنى يخلقه الله تَعَالَى للمدرك مَعَ قطع النطر عَن الِانْتِقَال والانطباع فِي الْآلَات والأدوات وَحَيْثُ لم يكن للعين أَو الْيَد وَغير ذَلِك من الْجَوَارِح قُوَّة الْإِدْرَاك فَلَيْسَ لعدم صلاحيته للإدراك بل لِأَن الله تعإلى لم يخلق لَهُ الْإِدْرَاك وَهَذَا الأصلا عَظِيم مطرد عِنْد الْمُحَقِّقين من أهل الْحق فِي سَائِر الإدراكات

وَأما مَا أُشير إِلَيْهِ من النَّقْض بِسَائِر الإدراكات فقد سبق وَجه الِانْفِصَال عَنهُ فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته وَعند هَذَا فَيجب أَن يعلم أَن الْمُسْتَند فِي إِثْبَات صفة الْحَيَاة مَا هُوَ الْمُسْتَند فِي الإدراكات وباقى الصِّفَات

خَاتِمَة جَامِعَة لهَذَا القانون إِن قيل فَهَل للبارى تَعَالَى أخص وصف يتَمَيَّز بِهِ عَن الْمَخْلُوقَات وَهل يجوز أَن يكون لَهُ صفة زَائِدَة على مَا أثبتموه من الصِّفَات وَهل الصّفة نفس الْوَصْف أم غَيره وَإِن كَانَت غَيره فَهَل هى عين الْمَوْصُوف أم غَيره أم لَا هى هُوَ وَلَا هى غَيره قُلْنَا أما السُّؤَال الأول فقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب فِيهِ إِنَّه لَا بُد من صفة وجودية إِذْ التَّمْيِيز بَين الذوات غير حَاصِل بِمَا يتخيل من الْأُمُور السلبية النفيية كَمَا فِي قَوْلنَا إِنَّه لَا حد لَهُ وَلَا نِهَايَة وَلَيْسَ بجسم وَلَا عرض وَنَحْو ذَلِك لَكِن هَل يجوز ان يدْرك أم لَا اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم إِن استدعاء التَّمْيِيز بِالْوَصْفِ الْأَخَص إِنَّمَا يكون عِنْد الِاشْتِرَاك بَين الذوات والبارى تَعَالَى مباين بِذَاتِهِ لجَمِيع مخلوقاته وَأَنه لَيْسَ بمجانس لَهَا وَإِلَّا للَزِمَ أَن يشاركها فِي كَونهَا جَوَاهِر وأعراضا وكل ذَلِك محَال كَمَا سيأتى وَهُوَ الأغوص

تِهِ لجَمِيع مخلوقاته وَأَنه لَيْسَ بمجانس لَهَا وَإِلَّا للَزِمَ أَن يشاركها فِي كَونهَا جَوَاهِر وأعراضا وكل ذَلِك محَال كَمَا سيأتى وَهُوَ الأغوص

وَأما السُّؤَال الثانى فمما اخْتلف فِيهِ ايضا فَقَالَ بَعضهم لَا يجوز أَن يكون لَهُ صفة زَائِدَة على مَا أَثْبَتْنَاهُ من جِهَة أَن الدَّلِيل الذى دلّ عَلَيْهَا لم يدل على غَيرهَا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو جَازَ أَن يكون لَهُ صفة أُخْرَى لم يخل إِمَّا أَن تكون صفة كَمَال أَو نُقْصَان فَإِن كَانَت صفة كَمَال فعدمها فِي الْحَال نُقْصَان وان كَانَت صفة نُقْصَان فثبوتها لَهُ مُمْتَنع وَهَذَا فِيهِ نظر فَإِن غَايَة مَا يلْزم من انْتِفَاء دلَالَة الدَّلِيل على الْوَصْف انْتِفَاء الْعلم بِوُجُودِهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يلازمه القو ل بنفى تجويزه وَلَيْسَ يلْزم من كَونه جَائِزا أَن يكون مَعْدُوما حَتَّى يُقَال إِن عَدمه يكون نقصا نعم لَو قيل إِن لَهُ صفة جَائِزَة لَهُ وَلَيْسَت فِي الْحَال ثَابِتَة لَهُ لقد كَانَ ذَلِك مُمْتَنعا فَإِذا الْأَقْرَب مَا ذكره بعض الْأَصْحَاب وَهُوَ أَن ذَلِك جَائِز عقلا وان لم نقض بِثُبُوتِهِ لعدم الْعلم بِوُقُوعِهِ عقلا معلا وَانْتِفَاء الْإِطْلَاق بِهِ شرعا وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب لواجب الْوُجُود فِي ذَاته نقصا إِلَّا أَن يكون مَا هُوَ جَائِز لَهُ غير ثَابت وَمن الْأَصْحَاب من زَاد على هَذَا وَأثبت الْعلم بِوُجُود صِفَات زَائِدَة على مَا أَثْبَتْنَاهُ وَذَلِكَ مثل الْبَقَاء وَالْوَجْه والعينين وَالْيَدَيْنِ وَمن الحشوية من زَاد على ذَلِك حَتَّى

الْعلم بِوُجُود صِفَات زَائِدَة على مَا أَثْبَتْنَاهُ وَذَلِكَ مثل الْبَقَاء وَالْوَجْه والعينين وَالْيَدَيْنِ وَمن الحشوية من زَاد على ذَلِك حَتَّى

أثبت لَهُ نورا وجنبا وقدما والاستواء على الْعَرْش وَالنُّزُول إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَعند التَّحْقِيق فَهَذِهِ الصِّفَات مِمَّا لَا دَلِيل على ثُبُوتهَا أما الْبَقَاء فَلَيْسَ زَائِدا على معنى اسْتِمْرَار الْوُجُود فَمَعْنَى قَوْلنَا إِن الشئ بَاقٍ أَنه مُسْتَمر الْوُجُود وَإنَّهُ لَيْسَ بباق أَنه غير مُسْتَمر الْوُجُود وَذَلِكَ لَا يزِيد على نفس الْوُجُود فِيمَا يعرض من الْأَحْوَال المعددة والمدد المسرمدة ثمَّ وَلَو كَانَ الْبَقَاء صفة زَائِدَة على نفس الْوُجُود فإمَّا أَن يكون مَوْجُودا اَوْ مَعْدُوما فَإِن كَانَ مَعْدُوما فَلَا صفة وان كَانَ مَوْجُودا لزم ان يكون لَهُ بَقَاء وَإِلَّا فَلَا يكون مستمرا وَذَلِكَ فِي صِفَات البارى تَعَالَى محَال وَإِن كَانَ لَهُ بَقَاء فَالْكَلَام فِي ذَلِك الْبَقَاء كَالْكَلَامِ فِي الاول وهلم جرا وَذَلِكَ يفضى إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَهُوَ محَال ثمَّ يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْبَقَاء قَائِما بِالْبَقَاءِ وَذَلِكَ مُمْتَنع إِذْ لَيْسَ قيام أَحدهمَا بِالْآخرِ بِأولى من الْعَكْس لاشْتِرَاكهمَا فِي الْحَقِيقَة واتحادهما فِي الْمَاهِيّة وَهَذَا الذى ذَكرْنَاهُ مِمَّا لَا يفرق فِيهِ بَين مَوْجُود وموجود لَا شَاهدا وَلَا غَائِبا فَإِذا لَيْسَ الْبَقَاء صفة زَائِدَة على نفس الباقى وَأما مَا قيل بِثُبُوتِهِ من باقى الصِّفَات فالمستند فِيهَا لَيْسَ إِلَّا المسموع الْمَنْقُول دون قضيات الْعُقُول والمستند فِي الْوَجْه

ى نفس الباقى وَأما مَا قيل بِثُبُوتِهِ من باقى الصِّفَات فالمستند فِيهَا لَيْسَ إِلَّا المسموع الْمَنْقُول دون قضيات الْعُقُول والمستند فِي الْوَجْه

قَوْله ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ وَفِي الْيَدَيْنِ قَوْله تَعَالَى موبخا لإبليس ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ وَفِي الْعَينَيْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ وَقَوله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ وَفِي النُّور قَوْله تَعَالَى ﴿نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَفِي الْجنب قَوْله تَعَالَى ﴿يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ وَفِي السَّاق قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ وَفِي الْقدَم قَوْله ﵇ وَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وَاسْتقر أهل الْجنان فِي نعيمهم وَأهل النيرَان فِي حميمهم قَالَت النَّار هَل من مزِيد فَيَضَع الْجَبَّار قدمه فِيهَا فَتَقول قطّ قطّ أَي حسبى حسبى وَفِي النُّزُول قَوْله ﵇ إِن الله ينزل فِي كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ وَفِي الاسْتوَاء قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَإِلَى غير ذَلِك من الْآيَات

وَاعْلَم أَن هَذِه الظَّوَاهِر وَإِن وَقع الاغترار بهَا بِحَيْثُ يُقَال بمدلولاتها ظَاهر من جِهَة الْوَضع اللغوى وَالْعرْف الاصطلاحى فَذَلِك لَا محَالة انخراط فِي سلك نظام التجسيم وَدخُول فِي طرف دَائِرَة التَّشْبِيه وسنبين مَا فِي ذَلِك من الضلال وَفِي طيه من الْمحَال إِن شَاءَ الله بل الْوَاجِب أَن يُقَال ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَإِن قيل بِأَن مَا دلّت عَلَيْهِ هَذِه الظَّوَاهِر من المدلولات وَأَثْبَتْنَاهُ بهَا من الصِّفَات لَيست على نَحْو صفاتنا وَلَا على مَا نتخيل من احوال ذواتنا بل مُخَالفَة لصفاتنا كَمَا ان ذَاته مُخَالفَة لذواتنا وَهَذَا مِمَّا لَا يَقُود إِلَى التَّشْبِيه وَلَا يَسُوق إِلَى التجسيم فَهَذَا وَإِن كَانَ فِي نَفسه جَائِزا لَكِن القَوْل باثباته من جملَة الصِّفَات يستدعى دَلِيلا قَطْعِيا وَهَذِه الظَّوَاهِر وَإِن أمكن حملهَا على مثل هَذِه المدلولات فقد أمكن حملهَا على غَيرهَا أَيْضا وَمَعَ تعَارض الِاحْتِمَالَات وتعدد المدلولات فَلَا قطع وَمَا لَا قطع عَلَيْهِ من الصِّفَات لَا يَصح إثْبَاته للذات فَإِن قيل وَمَا هَذِه الِاحْتِمَالَات الَّتِى بتدونها الَّتِى تعنونها قُلْنَا

فَلَا قطع وَمَا لَا قطع عَلَيْهِ من الصِّفَات لَا يَصح إثْبَاته للذات فَإِن قيل وَمَا هَذِه الِاحْتِمَالَات الَّتِى بتدونها الَّتِى تعنونها قُلْنَا

أما لفظ الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ يحْتَمل الْقُدْرَة وَهَذَا يَصح أَن يُقَال فلَان فِي يدى فلَان إِذا كَانَ مُتَعَلق قدرته وَتَحْت حكمه وقبضته وَإِن لم يكن فِي يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ هما بِمَعْنى الجارحتين أصلا وعَلى هَذَا يحمل قَوْله ﵇ قلب الْمُؤمن بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن فَإِن قيل يلْزم من ذَلِك إبِْطَال فَائِدَة التَّخْصِيص بِذكر خلق آدم باليدين من حَيْثُ إِن سَائِر الْمَخْلُوقَات إِنَّمَا هى مخلوقة بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة فَإِذا قَالَ ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ أَي بِقُدْرَتِي لم يكن لَهُ معنى قُلْنَا لَا يبعد أَن تكون قائدة التَّخْصِيص بِالذكر التشريف والاكرام كَمَا خصص الْمُؤمنِينَ بِلَفْظ الْعباد واضافهم بالعبودية إِلَى نَفسه وكما أضَاف عِيسَى والكعبة إِلَى نَفسه وَلم تكن فَائِدَة التَّخْصِيص بِالذكر اخْتِصَاص مَا أَضَافَهُ إِلَى نَفسه بِالْإِضَافَة بل التشريف والاكرام لَا غير ثمَّ إِنَّا قد بَينا ان للبارى تَعَالَى قدرَة وهى معنى يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد وَالْيَدَانِ اما ان يَتَأَتَّى بهما الايجاد والخلق اَوْ لَيْسَ فَإِن تأتى بهما الايجاد فهى نفس الْقُدْرَة لَا زَائِدا عَلَيْهَا وَإِن اخْتلفت الْعبارَات الدَّالَّة عَلَيْهَا وَالْقَوْل بالتعدد فِي صفة الْقُدْرَة مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ لما أَشَرنَا إِلَيْهِ وَأما إِن كَانَت مِمَّا لَا يَتَأَتَّى بهَا الإيجاد والخلق

َا وَالْقَوْل بالتعدد فِي صفة الْقُدْرَة مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ لما أَشَرنَا إِلَيْهِ وَأما إِن كَانَت مِمَّا لَا يَتَأَتَّى بهَا الإيجاد والخلق

فَلَا محَالة أَن فِي حمل الْيَدَيْنِ إِلَى غير الْقُدْرَة مَا يفضى إِلَى الْكَذِب فِي الْآيَة حَيْثُ أضَاف الْخلق والإيجاد إِلَيْهِمَا وَلَا محَالة أَن مَحْذُور إبِْطَال فَائِدَة التَّخْصِيص أدنى من الْمَحْذُور اللَّازِم من الْكَذِب وعَلى تَقْدِير التساوى فالاحتمال قَائِم وَالْقطع مُنْتَفٍ وَأما قَوْله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل الْحِفْظ وَالرِّعَايَة وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب فلَان بمرأى من فلَان ومسمع إِذا كَانَ مِمَّن يحوط بِهِ حفظه ورعايته ويشمله رفده ورعايته وَقد قيل إِنَّه يحْتَمل أَن يُرَاد بالأعين هَهُنَا على الخص مَا انفجر من الأَرْض من الْمِيَاه وأضافها إِلَى نَفسه إِضَافَة التَّمَلُّك وَقَوله ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى بِالْوَجْهِ الذَّات ومجموع الصِّفَات وَحمله عَلَيْهِ أولى من جِهَة أَنه خصصه بِالْبَقَاءِ وَذَلِكَ لَا يخْتَص بِصفة دون صفة بل هُوَ بِذَاتِهِ ومجموع صِفَاته بَاقٍ وَقَوله ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ أَنه هادى أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيكون اطلاق اسْم النُّور عَلَيْهِ بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى

ْأَرْض﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ أَنه هادى أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيكون اطلاق اسْم النُّور عَلَيْهِ بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى

وَقَوله ﴿يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ أَمر الله ونهية فَيكون تَقْدِير ذَلِك يَا حسرتا على مَا فرطت فِي امْتِثَال أوَامِر الله ونواهيه وَيحْتَمل ان يكون المُرَاد بِهِ الجناب وَمِنْه يُقَال فلَان لائذ بِجنب فلَان اى بجنابه وَحرمه واما قَوْله ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْكَشْف عَن مَا فِي الْقِيَامَة من الْأَهْوَال وَمَا أعد للْكفَّار من السلَاسِل والأغلال وَلِهَذَا يُقَال قَامَت الْحَرْب على سَاق عِنْد التحامها وتصادم أبطالها واشتداد اهوالها وَقَوله ﵇ فَيَضَع الْجَبَّار قدمه فى النَّار فقد قيل يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ بعض الامم المستوجبين النَّار وَتَكون إِضَافَته الْقدَم إِلَى الْجَبَّار تَعَالَى إِضَافَة التَّمْلِيك وَقد قيل يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ قدم بعض الجبارين الْمُسْتَحقّين للعذاب الْأَلِيم بِأَن يكون قد ألهم الله النَّار الاستزاده إِلَى حِين اسْتِقْرَار قدمه فِيهَا وَأما آيَة الاسْتوَاء فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد التسخير والوقوع فِي قَبْضَة الْقُدْرَة وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب اسْتَوَى الْأَمِير على مَمْلَكَته عِنْد دُخُول الْعباد تَحت طوعه فِي مراداته وتسخيرهم فِي مأموراته ومنهياته وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقول الشَّاعِر ... قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق ... من غير سيف وَدم مهراق ...

Bagian 4 dari 11