— Bagian 1 · ﷽ —
Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.
Bagian 1
﷽ خطْبَة الْكتاب
الْحَمد الله فالق الإصباح وخالق الْأَرْوَاح والأشباح فاطر الْعُقُول والحواس ومبدع الْأَنْوَاع والأجناس وَالَّذِي لَا بداية لقدمه وَلَا غَايَة لكرمه وَلَا أمد لسلطانه وَلَا عدد لإحسانه خلق الْأَشْيَاء كَمَا شَاءَ بِلَا معِين وَلَا ظهير وأبدع فِي الْإِنْشَاء بِلَا ترو وَلَا تفكير تحلت بعقود حكمته صُدُور الْأَشْيَاء وتجلت بنجوم نعْمَته وُجُوه الْأَحْيَاء جمع بَين الرّوح وَالْبدن بِأَحْسَن تأليف ومزج بقدرته اللَّطِيف بالكثيف قضى كل أَمر مُحكم وأبدع كل صنع مبرم عَجِيب تبصرة وذكرى لكل عبد منيب أَحْمَده وَلَا حمد إِلَّا دون نعمائه وأمجده بأكرم صِفَاته وأشرف أَسْمَائِهِ وأصلي على رَسُوله الدَّاعِي إِلَى الدّين القويم التَّالِي لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم المنتظر فِي دَعْوَة إِبْرَاهِيم نَبيا المبشر بِهِ عِيسَى قومه مَلِيًّا الْمُطَرز اسْمه على ألوية الدّين المقرب مَنْزِلَته وآدَم بَين المَاء والطين ذَلِك مُحَمَّد سيد الْأَوَّلين والآخرين وَخَاتم الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطيبين الطاهرين وعَلى أَصْحَابه الْأَنْصَار مِنْهُم والمهاجرين وَسلم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ أما بعد فَهَذَا مُخْتَصر يشْتَمل على علم أصُول الدّين وَهُوَ مُرَتّب على أَبْوَاب
الْبَاب الأول فِي المباحث الْمُتَعَلّقَة بِالْعلمِ وَالنَّظَر وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الْعلم إِمَّا تصور وَإِمَّا تَصْدِيق
على أَبْوَاب
الْبَاب الأول فِي المباحث الْمُتَعَلّقَة بِالْعلمِ وَالنَّظَر وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الْعلم إِمَّا تصور وَإِمَّا تَصْدِيق
فالتصور هُوَ إِدْرَاك الْمَاهِيّة من غير أَن تحكم عَلَيْهَا بِنَفْي أَو إِثْبَات كَقَوْلِك الْإِنْسَان فَإنَّك تفهم أَولا مَعْنَاهُ ثمَّ تحكم عَلَيْهِ إِمَّا بالثبوت وَإِمَّا بالانتفاء فَذَلِك الْفَهم السَّابِق هُوَ التَّصَوُّر والتصديق هُوَ أَن تحكم عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ أَو الْإِثْبَات وَهَهُنَا تقسيمان التَّقْسِيم الأول أَن كل وَاحِد من التَّصَوُّر والتصديق قد يكون بديهيا وَقد يكون كسبيا فالتصورات البديهية مثل تصورنا لِمَعْنى الْحَرَارَة والبرودة والتصورات الكسبية مثل تصورنا لِمَعْنى الْملك وَالْجِنّ والتصديقات البديهة كَقَوْلِنَا النَّفْي وَالْإِثْبَات لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان والتصديقات الكسبية كَقَوْلِنَا الْإِلَه وَاحِد والعالم مُحدث والتقسيم الثَّانِي التَّصْدِيق إِمَّا أَن يكون مَعَ الْجَزْم أَو لَا مَعَ الْجَزْم أما الْقسم الأول فَهُوَ على أَقسَام أَحدهَا التَّصْدِيق الْجَازِم الَّذِي لَا
يكون مطابقا وَهُوَ الْجَهْل وَثَانِيها التَّصْدِيق الْجَازِم المطابق لمحض التَّقْلِيد وَهُوَ كاعتقاد الْمُقَلّد وَثَالِثهَا التَّصْدِيق الْجَازِم الْمُسْتَفَاد من إِحْدَى الْحَواس الْخمس كعملنا بإحراق النَّار وإشراق الشَّمْس الرَّابِع التَّصْدِيق الْجَازِم الْمُسْتَفَاد ببديهة الْعقل كَقَوْلِنَا النَّفْي وَالْإِثْبَات لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان لَا التَّصْدِيق الْجَازِم الْمُسْتَفَاد من الدَّلِيل وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ التَّصْدِيق العاري عَن الْجَزْم فالراجح هُوَ الظَّن والمرجوح هُوَ الْوَهم والمساوي هُوَ الشَّك الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَا بُد من الِاعْتِرَاف بِوُجُود تصورات وتصديقات بديهية
َزْم فالراجح هُوَ الظَّن والمرجوح هُوَ الْوَهم والمساوي هُوَ الشَّك الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَا بُد من الِاعْتِرَاف بِوُجُود تصورات وتصديقات بديهية
إِذْ لَو كَانَت بأسرها كسبية لافتقر اكتسابها إِلَى تقدم تصورات وتصديقات أخر وَلزِمَ مِنْهُ التسلسل أَو الدّور وهما محالان فَإِذا عرفت هَذَا فَنَقُول اخْتلف النَّاس فِي حد الْعلم وَالْمُخْتَار عندنَا أَنه غَنِي عَن التَّعْرِيف لِأَن كل وَاحِد يعلم بِالضَّرُورَةِ كَونه عَالما بِكَوْن النَّار محرقة وَالشَّمْس مشرقة وَلَو لم يكن الْعلم بِحَقِيقَة الْعلم ضَرُورِيًّا وَإِلَّا لامتنع أَن يكون الْعلم بِهَذَا الْعلم الْمَخْصُوص ضَرُورِيًّا الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة النّظر والفكر عبارَة عَن تَرْتِيب مُقَدمَات علمية أَو ظنية ليتوصل بهَا إِلَى تَحْصِيل علم أَو ظن
مِثَاله إِذا حضر فِي عقلنا أَن هَذِه الْخَشَبَة قد مستها النَّار وَحضر أَيْضا أَن كل خَشَبَة مستها النَّار فَهِيَ محترقة حصل من مَجْمُوع العلمين الْأَوَّلين علم ثَالِث بِكَوْن هَذِه الْخَشَبَة محترقة فاستحضار العلمين الْأَوَّلين لأجل أَن يتَوَصَّل بهما إِلَى تَحْصِيل هَذَا الْعلم الثَّالِث وَهُوَ النّظر
٤
- الْبَاب الْخَامِس فِي بَقِيَّة الْكَلَام فِي الصِّفَات وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قد يُفِيد الْعلم
لِأَن من حضر فِي عقله أَن هَذَا الْعَالم متغير وَحضر أَيْضا أَن كل متغير مُمكن فمجموع هذَيْن العلمين يُفِيد الْعلم بِأَن الْعَالم مُمكن وَلَا معنى لقولنا النّظر يُفِيد الْعلم إِلَّا هَذَا دَلِيل آخر إبِْطَال النّظر إِمَّا أَن يكون بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ بَاطِل وَإِلَّا لما كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ بَين الْعُقَلَاء أَو يكون بِالنّظرِ فَيلْزم مِنْهُ إبِْطَال الشَّيْء بِنَفسِهِ وَهُوَ محَال وَاحْتج المنكرون فَقَالُوا إِذا تفكرنا وَحصل عقيب ذَلِك الْفِكر اعْتِقَاد فَعلمنَا يكون ذَلِك الِاعْتِقَاد حَقًا إِن كَانَ ضَرُورِيًّا وَجب أَن لَا تخْتَلف الْعلمَاء فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِن كَانَ نظريا افْتقر ذَلِك إِلَى نظر آخر وَلزِمَ التسلسل وَالْجَوَاب أَنه ضَرُورِيّ فَإِن كل مَا أَتَى بِالنّظرِ على الْوَجْه الصَّحِيح علم بِالضَّرُورَةِ كَون ذَلِك الِاعْتِقَاد حَقًا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة حَاصِل الْكَلَام فِي النّظر
هُوَ أَن يحصل فِي الذِّهْن علمَان وهما يوجبان علما آخر فالتوصل بذلك الْمُوجب إِلَى ذَلِك الْمُوجب الْمَطْلُوب هُوَ النّظر وَذَلِكَ الْمُوجب هُوَ الدَّلِيل فَنَقُول ذَلِك الدَّلِيل إِمَّا أَن يكون هُوَ الْعلَّة كالاستدلال بمماسة النَّار على الاحتراق أَو الْمَعْلُول الْمسَاوِي كالاستدلال بِحُصُول الاحتراق على مماسة النَّار وَالِاسْتِدْلَال بِأحد المعلومين على الآخر كالاستدلال بِحُصُول الْإِشْرَاق على حُصُول الإحراق فَإِنَّهُمَا معلولا عِلّة وَاحِدَة فِي الْأَجْسَام السفلية وَهِي الطبيعة النارية
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة لَا بُد فِي طلب كل مَجْهُول من معلومين متقدمين
َّهُمَا معلولا عِلّة وَاحِدَة فِي الْأَجْسَام السفلية وَهِي الطبيعة النارية
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة لَا بُد فِي طلب كل مَجْهُول من معلومين متقدمين
فَإِن من أَرَادَ أَن يعلم أَن الْعَالم مُمكن فطريقه أَن يَقُول الْعَالم متغير وكل متغير مُمكن وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ ثُبُوت ذَلِك الْمَحْمُول لذَلِك الْمَوْضُوع مَجْهُولا فَلَا بُد من شَيْء يتوسطهما بِحَيْثُ يكون ثُبُوت ذَلِك الْمَحْمُول لَهُ مَعْلُوما وَيكون ثُبُوته لذَلِك الْمَوْضُوع مَعْلُوما فَحِينَئِذٍ يلْزم من حُصُولهَا حُصُول ذَلِك الْمَطْلُوب فَثَبت أَن كل مَطْلُوب مَجْهُول لَا بُد لَهُ من معلومين متقدمين ثمَّ نقُول إِن كَانَا معلومين على الْقطع كَانَت النتيجة قَطْعِيَّة وَإِن كَانَ أَحدهمَا مظنونا أَو كِلَاهُمَا كَانَت النتيجة ظنية لِأَن الْفَرْع لَا يكون أقوى من الأَصْل الْمَسْأَلَة السَّابِعَة النّظر فِي الشَّيْء يُنَافِي الْعلم بِهِ
لِأَن النّظر طلب والطلب حل حُصُول الْمَطْلُوب محَال وينافي الْجَهْل بِهِ لِأَن الْجَاهِل يعْتَقد كَونه عَالما بِهِ وَذَلِكَ لاعتقاد يصرفهُ عَن الطّلب الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة الصَّحِيح أَن النّظر يسْتَلْزم الْعلم اليقيني
لما ذكرنَا أَنه مَعَ حُصُول تينك المقدمتين يمْتَنع أَن لَا يحصل الْعلم بالمطلوب إِلَّا انه غير مُؤثر فِيهِ لأَنا سنقيم الْأَدِلَّة على أَن الْمُؤثر لَيْسَ إِلَّا الْوَاحِد وَهُوَ الله تَعَالَى
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة الدَّلِيل إِمَّا أَن يكون مركبا من مُقَدمَات كلهَا عقلية وَهُوَ مَوْجُود أَو كلهَا نقلية وَهَذَا محَال
َهُوَ الله تَعَالَى
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة الدَّلِيل إِمَّا أَن يكون مركبا من مُقَدمَات كلهَا عقلية وَهُوَ مَوْجُود أَو كلهَا نقلية وَهَذَا محَال
لِأَن إِحْدَى مُقَدمَات ذَلِك الدَّلِيل هُوَ كَون ذَلِك النَّقْل حجَّة وَلَا يُمكن إِثْبَات النَّقْل بِالنَّقْلِ أَو بَعْضهَا عَقْلِي وَبَعضهَا نقلي وَذَلِكَ مَوْجُود ثمَّ الضَّابِط أَن كل مُقَدّمَة لَا يُمكن إِثْبَات النَّقْل إِلَّا بعد ثُبُوتهَا فَإِنَّهُ لَا يُمكن إِثْبَاتهَا بِالنَّقْلِ وكل مَا كَانَ إِخْبَارًا عَن وُقُوع مَا جَازَ وُقُوعه وَجَاز عَدمه فَإِنَّهُ لَا يُمكن مَعْرفَته إِلَّا بالحس أَو بِالنَّقْلِ وَمَا سوى هذَيْن الْقسمَيْنِ فَإِنَّهُ يُمكن إثْبَاته بالدلائل الْعَقْلِيَّة والنقلية الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة قيل الدَّلَائِل النقلية لَا تفِيد الْيَقِين
لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة على نقل اللُّغَات وَنقل النَّحْو والتصريف وَعدم الِاشْتِرَاك وَعدم الْمجَاز وَعدم الْإِضْمَار وَعدم النَّقْل وَعدم التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَعدم التَّخْصِيص وَعدم النّسخ وَعدم الْمعَارض الْعقلِيّ وَعدم هَذِه الْأَشْيَاء مظنون لَا مَعْلُوم وَالْمَوْقُوف على المظنون مظنون وَإِنَّمَا ثَبت هَذَا ظهر أَن الدَّلَائِل النقلية ظنية وَأَن الْعَقْلِيَّة قَطْعِيَّة وَالظَّن لَا يُعَارض الْقطع
الْبَاب الثَّانِي فِي أَحْكَام المعلومات وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى صَرِيح الْعقل حَاكم بِأَن الْمَعْلُوم إِمَّا مَوْجُود وَإِمَّا مَعْدُوم
وَهَذَا يدل على أَمريْن الأول أَن تصور مَاهِيَّة الْوُجُود تصور بديهي لِأَن ذَلِك التَّصْدِيق البديهي مَوْقُوف على ذَلِك التَّصَوُّر وَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ البديهي أولى أَن يكون بديهيا وَالثَّانِي أَن الْمَعْدُوم مَعْلُوم لِأَن ذَلِك التَّصْدِيق البديهي مُتَوَقف على هَذَا التَّصَوُّر فَلَو لم يكن هَذَا التَّصَوُّر حَاصِلا لامتنع حُصُول ذَلِك التَّصْدِيق الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مُسَمّى الْوُجُود مُشْتَرك فِيهِ بَين كل الموجودات
لأَنا نقسم الْمَوْجُود إِلَى الْوَاجِب والممكن ومورد التَّقْسِيم مُشْتَرك بَين الْقسمَيْنِ أَلا ترى أَنه لَا يَصح أَن يُقَال الْإِنْسَان إِمَّا أَن يكون تركيا أَو يكون حجرا وَلِأَن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِصِحَّة هَذَا الْحصْر وَأَنه لَا وَاسِطَة بَينهمَا وَلَوْلَا أَن الْمَفْهُوم من الْوُجُود وَاحِد وَإِلَّا لما حكم الْعقل بِكَوْن المتناقضين طرفين فَقَط
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الْوُجُود زايد على الماهيات
لأَنا ندرك التَّفْرِقَة بَين قَوْلنَا السوَاد سَواد وَبَين قَوْلنَا السوَاد مَوْجُود وَلَوْلَا أَن الْمَفْهُوم من كَونه مَوْجُودا زايد على كَونه سوادا وَإِلَّا لما بَقِي هَذَا الْفرق وَلِأَن الْعقل يُمكنهُ أَن يَقُول الْعَالم يُمكن أَن يكون مَوْجُودا وَأَن يكون مَعْدُوما وَلَا يُمكنهُ أَن يَقُول الْمَوْجُود إِمَّا أَن يكون مَوْجُودا أَو مَعْدُوما وَلَوْلَا أَن الْوُجُود مُغَاير للماهية وَإِلَّا لما صَحَّ هَذَا الْفرق الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء
مَوْجُودا أَو مَعْدُوما وَلَوْلَا أَن الْوُجُود مُغَاير للماهية وَإِلَّا لما صَحَّ هَذَا الْفرق الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء
وَالْمرَاد مِنْهُ أَن لَا يُمكن تقرر الماهيات منفكة عَن صفة الْوُجُود وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الماهيات لَو كَانَت متقررة فِي نَفسهَا لكَانَتْ متشاركة فِي كَونهَا متقررة خَارج الذِّهْن ومتخالفة بخصوصياتها وَمَا بِهِ الْمُشَاركَة غير مَا بِهِ الْمُخَالفَة فَكَأَن كَونهَا متقررة خَارج الذِّهْن أمرا مُشْتَركا فِيهِ زَائِدا على خصوصياتها وَلَا معنى للوجود إِلَّا ذَلِك فَيلْزم أَن يُقَال إِنَّهَا حَال عرائها عَن الْوُجُود كَانَت مَوْصُوفَة بالوجود وَهَذَا محَال وَأَيْضًا فَإنَّا ندرك التَّفْرِقَة بَين قَوْلنَا السوَاد سَواد وَبَين قَوْلنَا إِن السوَاد متقرر فِي الْخَارِج وَهَذَا يدل على أَن كَونه متقررا فِي الْخَارِج صفة زَائِدَة على الْمَاهِيّة وَاحْتَجُّوا بِأَن الْمَعْدُوم متميز وكل متميز ثَابت فالمعدوم ثَابت بَيَان الأول من وُجُوه الأول أَنا نميز بَين طُلُوع الشَّمْس غَدا من مشرقها وَبَين طُلُوعهَا غَدا من مغْرِبهَا وَهَذَانِ الطلوعان معدومان فقد حصل الامتياز بَين المعدومات
وَالثَّانِي أَنا نقدر على الْحَرَكَة يمنة ويسرة وَلَا نقدر على الطيران إِلَى السَّمَاء فَهَذِهِ الْأَشْيَاء مَعْدُومَة مَعَ أَنَّهَا متميزة وَالثَّالِث أَنا نحب حُصُول اللَّذَّات ونكره حُصُول الآلام فقد وَقع حُصُول الامتياز فِي هَذِه المعدومات وَبَيَان أَن كل متميز ثَابت فَهُوَ أَن المتميز هُوَ الْمَوْصُوف بِصفة لأَجلهَا امتاز عَن الآخر وَمَا لم تكن حَقِيقَته متقررة امْتنع كَونهَا مَوْصُوفَة بِالصّفةِ الْمُوجبَة للامتياز وَالْجَوَاب أَن مَا ذكرْتُمْ منقوض بتصور المتنعات وبتصور المركبات كجبل من ياقوت وبحر من زيبق وبتصور الإضافيات ككون الشي حَاصِلا فِي الحيز وَحَالا ومحلا فَإِن هَذِه الْأُمُور متمايزة فِي الْعلم مَعَ إِنَّهَا نفي مَحْض بالِاتِّفَاقِ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة حكم صَرِيح الْعقل بِأَن كل مَوْجُود فَهُوَ إِمَّا وَاجِد لذاته أَو مُمكن لذاته
الْعلم مَعَ إِنَّهَا نفي مَحْض بالِاتِّفَاقِ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة حكم صَرِيح الْعقل بِأَن كل مَوْجُود فَهُوَ إِمَّا وَاجِد لذاته أَو مُمكن لذاته
أما الْوَاجِب لذاته فَلهُ خَواص الأول أَن الشَّيْء الوحيد الَّذِي يُمكن أَن يكون وَاجِبا لذاته وَلغيره مَعًا لِأَن الْوَاجِب لذاته هُوَ الَّذِي لَا يتَوَقَّف على الْغَيْر وَالْوَاجِب لغيره هُوَ الَّذِي يتَوَقَّف على الْغَيْر فكونه وَاجِبا لذاته وَلغيره مَعًا يُوجب الْجمع بَين النقيضين الثَّانِي أَن الْوَاجِب لذاته لَا يكون مركبا لِأَن كل مركب فَإِنَّهُ يفْتَقر إِلَى جزئه وجزؤه غَيره فَكل مركب فَهُوَ مفتقر إِلَى غَيره المفتقر إِلَى الْغَيْر لَا يكون وَاجِبا لذاته على مَا ثَبت تَقْرِيره الثَّالِث الْوُجُوب بِالذَّاتِ لَا يكون مفهوما ثبوتيا وَإِلَّا لَكَانَ إِمَّا تَمام الْمَاهِيّة أَو جُزْءا مِنْهَا أَو خَارِجا عَنْهَا وَالْأول بَاطِل لِأَن صَرِيح الْعقل
نَاطِق بِالْفرقِ بَين الْوَاجِب لذاته وَبَين نفس الْوُجُوب بِالذَّاتِ وَأَيْضًا فكله حَقِيقَة الله تَعَالَى غير مَعْلُوم ووجوبه بِالذَّاتِ مَعْلُوم وَالثَّانِي بَاطِل وَإِلَّا لزم كَون الْوَاجِب لذاته مركبا وَالثَّالِث أَيْضا بَاطِل لِأَن كل صفة خَارِجَة عَن الْمَاهِيّة لاحقة بهَا فَهِيَ مفتقرة إِلَيْهَا وكل مفتقر إِلَى الْغَيْر مُمكن لذاته فَيكون وَاجِبا بِغَيْرِهِ فَيلْزم أَن يكون الْوُجُوب بِالذَّاتِ مُمكنا لذاته وَاجِبا لغيره وَهُوَ محَال وَأما الْمُمكن لذاته فَلهُ خَواص الأول الْمُمكن لذاته لَا بُد وَأَن يكون نِسْبَة الْوُجُود والعدم إِلَيْهِ على السوية إِذْ لَو كَانَ أحد الطَّرفَيْنِ أولى بِهِ فَإِن كَانَ حُصُول تِلْكَ الْأَوْلَوِيَّة يمْنَع من طريان الْعَدَم عَلَيْهِ فَهُوَ وَاجِب لذاته وَإِن كَانَ لَا يمْنَع فليفرض مَعَ حُصُول ذَلِك الْقدر من الْأَوْلَوِيَّة تَارَة مَوْجُودا وَأُخْرَى مَعْدُوما فامتياز أحد الْوَقْتَيْنِ عَن الآخر بالوقوع إِن لم يتَوَقَّف على انضمام مُرَجّح إِلَيْهِ لزم رُجْحَان الْمُمكن المتساوي لَا لمرجح وَإِن توقف على انضمامه إِلَيْهِ لم يكن الْحَاصِل أَولا كَافِيا فِي حُصُول الْأَوْلَوِيَّة وَقد فرضناه كَافِيا هَذَا خلف فَثَبت أَن الشَّيْء مَتى كَانَ قَابلا للوجود والعدم كَانَ نسبتهما إِلَيْهِ على السوية الثَّانِي الْمُمكن المتساوي لَا يتَرَجَّح أحد طَرفَيْهِ على الآخر إِلَّا بمرجح وَالْعلم بِهِ مركوز فِي فطْرَة الْعُقَلَاء بل فِي فطْرَة طباع الصّبيان فَإنَّك لَو لطمت وَجه الصَّبِي وَقلت حصلت هَذِه اللَّطْمَة من غير فَاعل الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ لَا يصدقك فِيهِ الْبَتَّةَ بل فِي فطْرَة الْبَهَائِم فَإِن الْحمار إِذا أحس بِصَوْت الْخَشَبَة فزع لِأَنَّهُ تقرر فِي فطرته أَن حُصُول صَوت الْخَشَبَة بِدُونِ الْخَشَبَة محَال وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ الطرفان بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ على السوية وَجب أَن لَا يحصل الرجحان بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَّا لزم التَّنَاقُض الثَّالِث احْتِيَاج الْمُمكن إِلَى الْمُؤثر لإمكانه لَا لحدوثه لِأَن
لسوية وَجب أَن لَا يحصل الرجحان بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَّا لزم التَّنَاقُض الثَّالِث احْتِيَاج الْمُمكن إِلَى الْمُؤثر لإمكانه لَا لحدوثه لِأَن
الْحُدُوث كَيْفيَّة لذَلِك الْوُجُود فَهِيَ مُتَأَخِّرَة عَن ذَلِك الْوُجُود بالرتبة والوجود مُتَأَخّر عَن الإيجاد الْمُتَأَخر عَن احْتِيَاج الْأَثر إِلَى الموجد الْمُتَأَخر عَن عِلّة تِلْكَ الْحَاجة عَن جزئها وَعَن شَرطهَا فَلَو كَانَ الْحُدُوث عِلّة لتِلْك الْحَاجة أَو جُزْءا لتِلْك الْعلَّة أَو شرطا لَهَا لزم تَأْخِير الشَّيْء عَن نَفسه بمراتب وَهُوَ محَال الْمَسْأَلَة السَّادِسَة الْمُمكن أما أَن يكون قَائِما بِنَفسِهِ أَو قَائِما بِغَيْرِهِ
والقائم بِنَفسِهِ إِمَّا أَن يكون متحيزا أَو لَا يكون متحيزا والمتحيز إِمَّا أَن لَا يكون قَابلا للْقِسْمَة وَهُوَ الْجَوْهَر الْفَرد أَو يكون قَابلا للْقِسْمَة وَهُوَ الْجِسْم والقائم بِالنَّفسِ الَّذِي لَا يكون متحيزا وَلَا حَال فِي المتحيز هُوَ الْجَوْهَر الروحاني وَمِنْهُم من أبْطلهُ فَقَالَ لَو فَرضنَا مَوْجُودا كَذَلِك لَكَانَ مشاركا للباري تَعَالَى فِي كَونه غير متحيز وَغير حَال فِي المتحيز فَوَجَبَ أَن يكون مثلا للباري وَهُوَ ضَعِيف لِأَن الِاشْتِرَاك فِي السلوب لَا يُوجب الِاشْتِرَاك فِي الْمَاهِيّة لِأَن كل ماهيتين مختلفتين بسيطتين فَلَا بُد أَن تشتركا فِي سلب كل مَا عداهما عَنْهُمَا وَأما الْقَائِم بِالْغَيْر فَهُوَ الْعرض فَإِن كَانَ قَائِما بالمتحيزات فَهُوَ الْأَعْرَاض الجسمانية وَإِن كَانَ قَائِما بالمفارقات فَهُوَ الْأَعْرَاض الروحانية الْمَسْأَلَة السَّابِعَة الْأَعْرَاض إِمَّا أَن تكون بِحَيْثُ يلْزم من حُصُولهَا صدق النِّسْبَة أَو صدق قبُول الْقِسْمَة أَو لَا ذَاك وَلَا هَذَا
وَالْقسم الأول هُوَ الْأَعْرَاض النسبية وَهِي أَنْوَاع
بِحَيْثُ يلْزم من حُصُولهَا صدق النِّسْبَة أَو صدق قبُول الْقِسْمَة أَو لَا ذَاك وَلَا هَذَا
وَالْقسم الأول هُوَ الْأَعْرَاض النسبية وَهِي أَنْوَاع
الأول حُصُول الشَّيْء فِي مَكَانَهُ وَهُوَ الْمُسَمّى بالكون ثمَّ إِن حُصُول الأول فِي الحيز الثَّانِي هُوَ الْحَرَكَة والحصول الثَّانِي فِي الحيز الأول هُوَ السّكُون وَحُصُول الجوهرين فِي حيزين يتخللهما ثَالِث هُوَ الِافْتِرَاق وحصولهما فِي حيزين لَا يتخللهما ثَالِث هُوَ الِاجْتِمَاع الثَّانِي حُصُول الشَّيْء فِي الزَّمَان وَهُوَ المتبع الثَّالِث النِّسْبَة المتكررة كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية وَهِي الْإِضَافَة الرَّابِع تَأْثِير الشَّيْء فِي غَيره وَهُوَ الْفِعْل الْخَامِس اتصاف الشَّيْء بتأثيره عَن غَيره وَهُوَ الانفعال السَّادِس كَون الشَّيْء محاطا بِشَيْء آخر بِحَيْثُ ينْتَقل الْمُحِيط بانتقال المحاطة بِهِ وَهُوَ الْملك السَّابِع الْهَيْئَة الْحَاصِلَة لمجموع الْجِسْم بِسَبَب حُصُول النِّسْبَة بَين أَجْزَائِهِ وبسبب حُصُول النِّسْبَة بَين تِلْكَ الْأَجْزَاء وَبَين الْأُمُور الْخَارِجَة عَنْهَا كالقيام وَالْقعُود وَهُوَ الْوَضع وَمِنْهُم من قَالَ إِن هَذِه النِّسْبَة لَا وجود لَهَا فِي الْأَعْيَان وَإِلَّا لَكَانَ اتصاف محالها بهَا نِسْبَة أُخْرَى مُغَايرَة لَهَا فَيلْزم التسلسل وَالْقسم الثَّانِي من الْأَعْرَاض هِيَ الْأَعْرَاض الْمُوجبَة لقبُول الْقِسْمَة وَهِي إِمَّا أَن تكون بِحَيْثُ يحصل بَين الْأَجْزَاء حد مُشْتَرك وَهُوَ الْعدَد وَإِمَّا أَن لَا يحصل وَهُوَ الْمِقْدَار وَهُوَ إِمَّا أَن يقبل الْقِسْمَة فِي جِهَة وَاحِدَة وَهُوَ الْخط أَو فِي جِهَتَيْنِ وَهُوَ السَّطْح أَو فِي الْجِهَات الثَّلَاث وَهُوَ الْجِسْم وَالْقسم الثَّالِث وَهُوَ الْعرض الَّذِي لَا يُوجب الْقِسْمَة وَلَا النِّسْبَة فَنَقُول إِنَّهَا إِمَّا أَن تكون مَشْرُوطَة بِالْحَيَاةِ وَإِمَّا أَن لَا تكون أما الأول
وَهُوَ الْعرض الْمَشْرُوط بِالْحَيَاةِ فَهُوَ إِمَّا الْإِدْرَاك وَإِمَّا التحرك أما الْإِدْرَاك فَهُوَ إِمَّا إِدْرَاك الجزئيات وَهُوَ الْحَواس الْخمس وَإِمَّا إِدْرَاك الكليات وَهُوَ الْعُلُوم والظنون والجهالات وَيدخل فِيهِ النّظر وَأما التحريك فَهُوَ إِنَّمَا يتم بالإرادة وَالْقُدْرَة والشهوة والنفرة وَأما الْعرض الَّذِي لَا يكون مَشْرُوطًا بِالْحَيَاةِ فَهِيَ الْأَعْرَاض المحسوسة بِإِحْدَى الْحَواس الْخمس أما المحسوسة بِالْقُوَّةِ الباصرة فالأضواء والألوان وَأما المحسوسة بِالْقُوَّةِ السامعة فالأصوات والحروف وَأما المحسوسة بِالْقُوَّةِ الذائقة فالطعوم التِّسْعَة وَهِي المرارة والحلاوة والحرافة والملوحة والدسومة والحموضة والعفوصة وَالْقَبْض والتفاهة وَأما المحسوسة بِالْقُوَّةِ الشامة فالطيب وَالنَّتن وَأما المحسوسة بِالْقُوَّةِ الأمسة فالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والخفة والثقل والصلابة واللين فَهَذِهِ جملَة أَقسَام الممكنات الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة القَوْل بالجوهر الْفَرد حق
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْحَرَكَة وَالزَّمَان كل وَاحِد مِنْهُمَا مركب من أَجزَاء متعاقبة كل وَاحِد مِنْهَا لَا يقبل الْقِسْمَة بِحَسب الزَّمَان فَوَجَبَ أَن يكون الْجِسْم مركبا من أَجزَاء لَا تتجزأ بَيَان الْمقَام الأول فِي الْحَرَكَة وَهُوَ أَنه لَا بُد أَن يحصل من الْحَرَكَة فِي الْحَال بِشَيْء وَإِلَّا لامتنع أَن يصير مَاضِيا ومستقبلا لِأَن الْحَاضِر هُوَ الَّذِي يتَوَقَّع حُضُوره وَلم يحصل فَلَو لم يكن شَيْء مِنْهُ حَاصِلا فِي الْحَال لامتنع كَونه مَاضِيا ومستقبلا فَيلْزم نفي الْحَرَكَة أصلا وَهُوَ محَال ثمَّ نقُول الَّذِي وجد مِنْهَا فِي الْحَال غير منقسم انقساما مَا يكون أحد نصفيه قبل الآخر وَإِلَّا لم يكن كل الْحَاضِر حَاضرا وَهَذَا خلف وَإِذا ثَبت هَذَا فَعِنْدَ انْقِضَاء ذَلِك الْجُزْء الَّذِي لَا يقبل الْقِسْمَة يحصل جُزْء آخر لَا يقبل
ِلَّا لم يكن كل الْحَاضِر حَاضرا وَهَذَا خلف وَإِذا ثَبت هَذَا فَعِنْدَ انْقِضَاء ذَلِك الْجُزْء الَّذِي لَا يقبل الْقِسْمَة يحصل جُزْء آخر لَا يقبل
الْقِسْمَة وَكَذَا الثَّالِث وَالرَّابِع فَثَبت أَن الْحَرَكَة مركبة من أُمُور كل وَاحِد مِنْهَا لَا يقبل الْقِسْمَة الَّتِي يكون أحد جزءيها سَابِقًا على الآخر وَأما بَيَان أَن الْأَمر كَذَلِك فِي الزَّمَان فَالْآن الْآن الْحَاضِر الَّذِي هُوَ نِهَايَة الْمَاضِي وبداية الْمُسْتَقْبل لَا يقبل الْقِسْمَة وَإِلَّا لم يكن حَاضرا وَإِذا عدم يكون عَدمه دفْعَة أَيْضا فَإِن الْعَدَم مُتَّصِل بِأَن الْوُجُود وَكَذَا القَوْل فِي الثَّانِي وَالثَّالِث فالزمان مركب من آنات متتالية كل وَاحِد مِنْهَا لَا يقبل الْقِسْمَة وَإِذا ثَبت هَذَا فالقدر الَّذِي يَتَحَرَّك المتحرك عَلَيْهِ بالجزء الَّذِي لَا يتجزء من الْحَرَكَة فِي الْآن الَّذِي لَا يَنْقَسِم إِن كَانَ منقسما كَانَت الْحَرَكَة إِلَى نصفهَا سَابِقَة على الْحَرَكَة من نصفهَا إِلَى آخرهَا فَيكون ذَلِك الْجُزْء من الْحَرَكَة منقسما وَذَلِكَ الْآن من الزَّمَان منقسما وَهُوَ محَال وَإِن لم يكن منقسما فَهُوَ الْجَوْهَر الْفَرد احْتَجُّوا بِأَن قَالُوا إِذا وَضعنَا جَوْهَرَة بَين جوهرين فَالْوَجْه الَّذِي من الْمُتَوَسّط يلاقي الْيَمين غير الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ يلاقي الْيَسَار فَيكون منقسما فَنَقُول لم لَا يجوز أَن يُقَال الذَّات وَاحِدَة والوجهان عرضان قائمان بهَا وَهَذَا قَول نَفَاهُ الْجَوْهَر الْفَرد فَإِنَّهُم قَالُوا الْجِسْم إِنَّمَا يلاقي جسما آخر بسطحه ثمَّ يُقَابل سطحه عرض قَائِم بِهِ فَكَذَا هَاهُنَا الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة حُصُول الْجَوْهَر فِي الحيز صفة قَائِمَة بِهِ
َّمَا يلاقي جسما آخر بسطحه ثمَّ يُقَابل سطحه عرض قَائِم بِهِ فَكَذَا هَاهُنَا الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة حُصُول الْجَوْهَر فِي الحيز صفة قَائِمَة بِهِ
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْوَاحِد منا يقدر على تَحْصِيل الْجِسْم فِي الحيز وَغير قَادر على ذَات الْجِسْم والمقدور غير مَا هُوَ غير مَقْدُور وَلِأَنَّهُ لَو انْتقل ذَلِك الحيز إِلَى حيّز آخر فحصوله فِي الحيز الأول غير بَاقٍ وذاته بَاقِيَة وَغير الْبَاقِي غير مَا هُوَ بَاقِي وَلِأَن ذَات الْجَوْهَر ذَات قَائِمَة بِالنَّفسِ وحصولها فِي الحيز نِسْبَة بَين ذَاته وَبَين الحيز فَوَجَبَ القَوْل بتغايرهما
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة الْحق عِنْدِي أَن الْأَعْرَاض يجوز الْبَقَاء عَلَيْهَا
بِدَلِيل أَنه كَانَ مُمكن الْوُجُود فِي الزَّمَان الأول فلولا انْتقل إِلَى الِامْتِنَاع الذاتي فِي الزَّمَان الثَّانِي لجَاز أَيْضا أَن ينْتَقل الشَّيْء من الْعَدَم الذاتي إِلَى الْوُجُود الذاتي وَذَلِكَ يلْزم مِنْهُ نفي احْتِيَاج الْمُحدث فِي الْمُؤثر وَأَنه محَال
الْبَاب الثَّالِث فِي إِثْبَات الْعلم بالصانع وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الْأَجْسَام محدثة خلافًا للفلاسفة
لنا وُجُوه الْحجَّة الأولى لَو كَانَ الْجِسْم أزليا لَكَانَ فِي الْأَزَل إِمَّا أَن يكون سَاكِنا أَو متحركا والقسمان باطلان فيعلل القَوْل بِكَوْنِهِ أزليا أما الْحصْر فَظَاهر لِأَن الْجِسْم لَا بُد وَأَن يكون حَاصِلا فِي حيّز فَإِن كَانَ مُسْتَقرًّا فِيهِ فَهُوَ السَّاكِن وَإِن كَانَ متنقلا إِلَى حيّز آخر فَهُوَ المتحرك وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه يمْتَنع كَونه متحركا كالوجوه أَحدهَا أَن مَاهِيَّة الْحَرَكَة الِانْتِقَال من حَالَة إِلَى حَالَة وَهَذِه الْمَاهِيّة تَقْتَضِي كَونهَا مسبوقة بِالْغَيْر وَالْأَزَلُ عبارَة عَن نفي المسبوقة بِالْغَيْر وَالْجمع بَينهمَا محَال وَثَانِيها أَنه إِن لم يحصل فِي الْأَزَل شَيْء من الحركات فَكلهَا أول وَإِن حصل فَإِن لم يكن مَسْبُوقا بِشَيْء آخر فَهُوَ أول الحركات وَإِن كَانَ مَسْبُوقا بِشَيْء آخر كَانَ الأزلي مَسْبُوقا بِغَيْرِهِ وَهُوَ محَال وَثَالِثهَا إِن كل وَاحِد من تِلْكَ الحركات إِذا كَانَ حَادِثا كَانَ مَسْبُوقا
مَسْبُوقا بِشَيْء آخر كَانَ الأزلي مَسْبُوقا بِغَيْرِهِ وَهُوَ محَال وَثَالِثهَا إِن كل وَاحِد من تِلْكَ الحركات إِذا كَانَ حَادِثا كَانَ مَسْبُوقا
بِعَدَمِ لَا أول لَهُ فَتلك العدمات بأسرها مجتمعة فِي الْأَزَل فَإِن حصل مَعهَا شَيْء من الموجودات لزم كَون السَّابِق مُقَارنًا للمسبوق وَهُوَ محَال وَإِن لم يحصل مَعهَا شَيْء من الموجودات كَانَت تِلْكَ الحركات أول وَهُوَ الْمَطْلُوب وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه يمْتَنع كَون الْأَجْسَام سَاكِنة فِي الْأَزَل لأَنا قد دللنا على أَن السّكُون صفة مَوْجُودَة فَنَقُول هَذَا السّكُون لَو كَانَ أزليا امْتنع زَوَاله وَلَا يمْتَنع زَوَاله فَلَا يكون أزليا بَيَان الْمُلَازمَة أَن الأزلي إِن كَانَ وَاجِبا لذاته وَجب أَن يمْتَنع عَدمه وَإِن كَانَ مُمكنا لذاته افْتقر إِلَى الْمُؤثر الْوَاجِب لذاته قطعا للدور والتسلسل وَذَلِكَ الْمُؤثر يمْتَنع أَن يكون فَاعِلا مُخْتَارًا لِأَن الْفَاعِل الْمُخْتَار إِنَّمَا يفعل بِوَاسِطَة الْقَصْد وَالِاخْتِيَار وكل من كَانَ كَذَلِك كَانَ فعله مُحدثا فالأزلي يمْتَنع أَن يكون فعلا للْفَاعِل الْمُخْتَار وَإِن كَانَ ذَلِك الْمُؤثر مُوجبا فَإِن كَانَ تَأْثِيره غير مَوْقُوف على شَرط لزم من وجوب دوَام تِلْكَ الْعلَّة وجوب دوَام ذَلِك الْأَثر وَإِن كَانَ مَوْقُوفا على شَرط فَذَلِك الشَّرْط لَا بُد وَأَن يكون وَاجِبا لذاته أَو مُوجبا لواجب لذاته بِالدَّلِيلِ الَّذِي سبق ذكره فَحِينَئِذٍ تكون الْعلَّة وَشرط تأثيرها وَاجِبا لذاته فَوَجَبَ دوَام الْمَعْلُول فَثَبت أَن هَذَا السّكُون لَو كَانَ أزليا لامتنع زَوَاله وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَا يمْتَنع زَوَاله لِأَن الْأَجْسَام متماثلة وَمَتى كَانَ كَذَلِك كَانَ الْجِسْم جَائِز الْخُرُوج عَن حيزه وَمَتى كَانَ كَذَلِك كَانَ ذَلِك السّكُون جَائِز الزَّوَال
له لِأَن الْأَجْسَام متماثلة وَمَتى كَانَ كَذَلِك كَانَ الْجِسْم جَائِز الْخُرُوج عَن حيزه وَمَتى كَانَ كَذَلِك كَانَ ذَلِك السّكُون جَائِز الزَّوَال وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْأَجْسَام متماثلة لِأَنَّهَا فِي الجسمية والحجمية والامتداد فِي الْجِهَات فَإِن لم يُخَالف بَعْضهَا بَعْضًا فِي شَيْء من أَجزَاء الْمَاهِيّة فقد ثَبت التَّمَاثُل وَإِن حصلت هَذِه الْمُخَالفَة فَمَا بِهِ الْمُشَاركَة وَهُوَ مَجْمُوع الجسمية مُغَاير لما بِهِ الْمُخَالفَة وَعند هَذَا نقُول وَإِن كَانَ مَا بِهِ الْمُشَاركَة محلا وَمَا بِهِ الْمُخَالفَة حَالا فَهَذَا يَقْتَضِي كَون الذوات الَّتِي هِيَ
الْأَجْسَام متماثلة فِي تَمام الْمَاهِيّة إِلَّا أَنه قَامَت بهَا أَعْرَاض مُخْتَلفَة وَذَلِكَ لَا يضرنا فِي غرضنا وَلَو كَانَ مَا بِهِ الْمُشَاركَة حَالا وَمَا بِهِ الْمُخَالفَة محلا فَهَذَا محَال لِأَن مَا بِهِ الْمُخَالفَة إِن كَانَ فِي نَفسه حجما وذاهبا فِي الْجِهَات كَانَ مَحل الجسمية نفس الجسمية وَهُوَ محَال وَإِن لم يكن حجما وَلَا مُخْتَصًّا بالحيز أصلا لزم أَن يكون الْحَاصِل فِي الحيز حَالا فِيمَا لَا حُصُول لَهُ فِي الحيز وَذَلِكَ محَال وَأما إِن لم يكن أحد هذَيْن الاعتبارين حَالا فِي الآخر وَلَا محلا لَهُ فَحِينَئِذٍ يكون مَا بِهِ الْمُشَاركَة ذَوَات قَائِمَة بأنفسها خَالِيَة عَن جِهَات الاختلافات فَثَبت أَن الْأَجْسَام متماثلة وَإِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول لما صَحَّ خُرُوج بعض الْأَجْسَام عَن حيزه وَجب أَن يَصح خُرُوج الْكل عَن حيزه وَبِتَقْدِير خُرُوجه عَن حيزه فقد بَطل ذَلِك السّكُون لِأَنَّهُ لَا معنى للسكون الْمعِين إِلَّا ذَلِك الْحُصُول الْمعِين فِي ذَلِك الحيز فَإِذا لم يبْق ذَلِك الْحُصُول وَجب أَن لَا يبْقى ذَلِك السّكُون فقد ثَبت أَن السّكُون لَو كَانَ أزليا لما زَالَ وَثَبت أَنه زَالَ فَوَجَبَ أَن لَا يكون أزليا فَثَبت أَن الْجِسْم لَو كَانَ أزليا لَكَانَ فِي الْأَزَل إِمَّا أَن يكون متحركا وَإِمَّا سَاكِنا وَثَبت فَسَاد الْقسمَيْنِ فَيمْتَنع كَونه أزليا
زليا فَثَبت أَن الْجِسْم لَو كَانَ أزليا لَكَانَ فِي الْأَزَل إِمَّا أَن يكون متحركا وَإِمَّا سَاكِنا وَثَبت فَسَاد الْقسمَيْنِ فَيمْتَنع كَونه أزليا احْتج الْقَائِلُونَ بقدم الْأَجْسَام بِأَن قَالُوا كل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي كَونه ﷾ موجدا للْعَالم كَانَ حَاصِلا فِي الْأَزَل وَمَتى كَانَ كَذَلِك لزم أَن لَا يتَخَلَّف الْعَالم عَن الله تَعَالَى بَيَان الأول أَنه لَو لم يكن كَذَلِك لافتقر حُدُوث ذَلِك الِاعْتِبَار إِلَى مُحدث آخر وَيعود الْكَلَام الأول فِيهِ وَيلْزم التسلسل بَيَان الثَّانِي أَنه لما حصل كل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي المؤثرية امْتنع تخلف الْأَثر عَنهُ إِذا لم يكن حُصُول هَذَا التَّخَلُّف مُمْتَنعا كَانَ اخْتِصَاص الْوَقْت الْمعِين بالوقوع إِن كَانَ لأمر زَائِد فَهَذَا يقْدَح فِي قَوْلنَا إِن كل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي المؤثرية كَانَ حَاصِلا فِي الْأَزَل وَإِن كَانَ لَا لأمر زَائِد لزم رُجْحَان الْمُمكن المتساوي لَا لمرجح وَذَلِكَ يُوجب نفي الصَّانِع وَهُوَ محَال
وَالْجَوَاب أَنه لَو صَحَّ مَا ذكرْتُمْ لزم دوَام جَمِيع الموجودات بدوام الْبَارِي فَوَجَبَ أَن لَا يحصل فِي الْعَالم شَيْء من المتغيرات وَلما كَانَ ذَلِك بَاطِلا لزم بطلَان قَوْلكُم الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي إِثْبَات الْعلم بالصانع
أعلم أَنه إِمَّا أَن يسْتَدلّ على وجود الصَّانِع بالإمكان أَو بالحدوث وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ فإمَّا فِي الذوات أَو فِي الصِّفَات فَهَذِهِ طرق أَرْبَعَة الأول إِمْكَان الذوات فَنَقُول لَا شكّ فِي وجود مَوْجُود فَهَذَا الْمَوْجُود إِن كَانَ وَاجِبا لذاته فَهُوَ الْمَقْصُود وَإِن كَانَ مُمكنا فَلَا بُد لَهُ من مُؤثر وَذَلِكَ الْمُؤثر إِن كَانَ وَاجِبا فَهُوَ الْمَقْصُود وَإِن كَانَ مُمكنا فَلهُ مُؤثر وَذَلِكَ الْمُؤثر إِن كَانَ هُوَ الَّذِي كَانَ أثرا لَهُ لزم افتقار كل وَاحِد مهما إِلَى الآخر فَيلْزم كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا مفتقرا إِلَى نَفسه وَهُوَ محَال وَإِن كَانَ شَيْئا آخر فإمَّا أَن يتسلسل أَو يَنْتَهِي إِلَى الْوَاجِب والتسلسل إِلَى غير النِّهَايَة بَاطِل لِأَن ذَلِك الْمَجْمُوع مفتقر إِلَى كل وَاحِد من تِلْكَ الْآحَاد وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُمكن والمفتقر إِلَى الْمُمكن أولى بالإمكان فَذَلِك الْمَجْمُوع مُمكن وَله مُؤثر ومؤثره إِمَّا أَن يكون نَفسه وَهُوَ محَال لِأَن الْمُؤثر مُتَقَدم بالرتبة على الْأَثر وَتقدم الشَّيْء على نَفسه محَال أَو جُزْء من الْأَجْزَاء الدَّاخِلَة فِيهِ وَهُوَ أَيْضا محَال لِأَن الْمُؤثر فِي الْمَجْمُوع مُؤثر فِي كل وَاحِد من آحَاد ذَلِك الْمَجْمُوع فَلَو جعلنَا الْمُؤثر فِي الْمَجْمُوع وَاحِدًا من آحاده لزم كَذَلِك الْوَاحِد مؤثرا فِي نَفسه وَهُوَ محَال وَإِمَّا أَن يكون فِيمَا كَانَ مؤثرا فِيهِ وَهُوَ دور وَقد أبطلناه وَإِمَّا أَن يكون الْمُؤثر فِي ذَلِك الْمَجْمُوع أمرا خَارِجا عَن ذَلِك الْمَجْمُوع لَكِن من الْمَعْلُوم أَن الْخَارِج عَن كل الممكنات لَا يكون مُمكنا بل يكون وَاجِبا وَحِينَئِذٍ يلْزم انْتِهَاء جَمِيع الممكنات لذاتها إِلَى وجود وَاجِب الْوُجُود لذاته وَهُوَ الْمَطْلُوب
كل الممكنات لَا يكون مُمكنا بل يكون وَاجِبا وَحِينَئِذٍ يلْزم انْتِهَاء جَمِيع الممكنات لذاتها إِلَى وجود وَاجِب الْوُجُود لذاته وَهُوَ الْمَطْلُوب
وَقد ذكرنَا فِي خَواص الْوَاجِب لذاته أَنه يجب كَونه فَردا منزها عَن قبُول الْقِسْمَة وكل جسم وكل قَائِم بالجسم فَإِنَّهُ مركب ومنقسم فَثَبت أَن وَاجِب الْوُجُود لذاته مَوْجُود غير هَذِه الْأَجْسَام وَغير الصِّفَات الْقَائِمَة بالأجسام وَهُوَ الْمَطْلُوب الطَّرِيق الثَّانِي الِاسْتِدْلَال بحدوث الذوات على وجود وَاجِب الْوُجُود فَنَقُول الْأَجْسَام محدثة وكل مُحدث فَلهُ مُحدث وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ كَمَا بَيناهُ فَجَمِيع الْأَجْسَام لَهَا مُحدث وَذَلِكَ الْمُحدث يمْتَنع أَن يكون جسما أَو جسمانيا وَإِلَّا لزم كَونه مُحدثا لنَفسِهِ وَهُوَ محَال إِلَّا أَنه هَهُنَا أَن يُقَال فَلم لَا يجوز أَن يكون مُحدث الْأَجْسَام مُمكنا لذاته فَحِينَئِذٍ نفتقر فِي إبِْطَال الدّور والتسلسل إِلَى الدَّلِيل الْمُتَقَدّم الطَّرِيق الثَّالِث الِاسْتِدْلَال بِإِمْكَان الصِّفَات فَنَقُول قد دللنا على أَن الْأَجْسَام بأسرها مُتَسَاوِيَة فِي تَمام الْمَاهِيّة وَإِذا كَانَت كَذَلِك كَانَ اخْتِصَاص جسم الْفلك بِمَا بِهِ صَار فلكا واختصاص جسم الأَرْض بِمَا بِهِ صَار أَرضًا أمرا جَائِزا فَلَا بُد لَهُ من مُخَصص وَذَلِكَ الْمُخَصّص إِن كَانَ جسما افْتقر فِي تركبه وتألفه إِلَى نَفسه وَهُوَ محَال وَإِن لم يكن جسما فَهُوَ الْمَطْلُوب الطَّرِيق الرَّابِع الِاسْتِدْلَال بحدوث الصِّفَات وَهِي محصورة فِي دَلَائِل الْآفَاق والأنفس كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم﴾ وأظهرها أَن نقُول النُّطْفَة جسم متشابهة الْأَجْزَاء فِي الصُّورَة فإمَّا أَن تكون متشابهة الْأَجْزَاء فِي نفس الْأَمر أَو لَا تكون فَإِن كَانَ الأول فَنَقُول الْمُؤثر فِي طباع الْأَعْضَاء وَفِي أشكالها يمْتَنع أَن يكون هُوَ الطبيعة لِأَن الطبيعة الْوَاحِدَة تَقْتَضِي الشكل الكروي فَوَجَبَ أَن يتَوَلَّد الْحَيَوَان على شكل الكرة وعَلى طبيعة وَاحِدَة بسيطة وَهَذَا خلف
هُوَ الطبيعة لِأَن الطبيعة الْوَاحِدَة تَقْتَضِي الشكل الكروي فَوَجَبَ أَن يتَوَلَّد الْحَيَوَان على شكل الكرة وعَلى طبيعة وَاحِدَة بسيطة وَهَذَا خلف وَإِن كَانَ الثَّانِي وَجب أَن يكون كل وَاحِد من تِلْكَ الْأَجْزَاء على شكل الكرة فَيلْزم
أَن يكون الْحَيَوَان على شكل الكرات مضموم بَعْضهَا إِلَى بعض وَهَذَا خلف فَثَبت أَن خَالق أبدان الْحَيَوَانَات لَيست الطبيعية بل فَاعل مُخْتَار ثمَّ نحتاج فِي إِثْبَات كَونه وَاجِب الْوُجُود لذاته إِلَى مَا ذكرنَا فِي الطَّرِيق الأول الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِلَه الْعَالم يمْتَنع أَن يكون جسما
وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه الأول أَنا قد دللنا على تماثل الْأَجْسَام وَإِذا ثَبت هَذَا وَجب أَن يَصح على كل وَاحِد مِنْهَا مَا صَحَّ على الآخر فَحِينَئِذٍ يكون اخْتِصَاصه بِعِلْمِهِ وَقدمه وَقدرته وَوُجُوب وجوده من الجائزات فَوَجَبَ افتقاره فِي حُصُول هَذِه الصِّفَات إِلَى فَاعل آخر وَذَلِكَ على وَاجِب الْوُجُود لذاته محَال الثَّانِي أَنا قد دللنا على أَن الْأَجْسَام بأسرها محدثة والإله يجب أَن يكون قَدِيما أزليا فَيمْتَنع كَونه جسما الثَّالِث أَنه لَو كَانَ جسما لَكَانَ مُسَاوِيا لسَائِر الْأَجْسَام فِي الجسمية فَإِن لم يُخَالِفهَا بِاعْتِبَار آخر لزم كَونه أَن يكون مثلا لهَذِهِ المحدثات وَإِن خالفها بِاعْتِبَار آخر فَمَا بِهِ الْمُشَاركَة غير مَا بِهِ الْمُخَالفَة فَيلْزم وُقُوع التَّرْكِيب فِي ذَاته لَكنا قد بَينا أَن وُقُوع التَّرْكِيب فِي ذَات وَاجِب الْوُجُود محَال الرَّابِع وَهُوَ أَنه لَو قَامَ بجملة الْأَجْزَاء علم وَاحِد وقدرة وَاحِدَة لزم قيام الْعرض الْوَاحِد بالمحال الْكَثِيرَة وَهُوَ محَال وَإِن قَامَ بِكُل وَاحِد مِنْهَا علم على حِدة وقدرة على حِدة لزم القَوْل بِتَعَدُّد الْآلهَة
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة فِي امْتنَاع كَونه جوهرا
أعلم بِأَن المُرَاد من الْجَوْهَر المتحيز الَّذِي لَا يَنْقَسِم أَو المُرَاد مِنْهُ كَونه غَنِيا عَن الْمحل وَالْأول بَاطِل لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الدَّلِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي حُدُوث الْأَجْسَام قَائِم بِعَيْنِه فِي جَمِيع المتحيزات فعلى هَذَا كل جَوْهَر مُحدث وَالله تَعَالَى لَيْسَ بمحدث فَيمْتَنع كَون الْإِلَه جوهرا الثَّانِي أَن الْقَائِلين بِنَفْي الْجَوْهَر الْفَرد قَالُوا كل متحيز فَإِن يَمِينه غير يسَاره وقدامه غير خَلفه وكل مَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ منقسم وَلَا شَيْء من المنقسم بِوَاجِب لذاته وَأما إِن كَانَ المُرَاد بالجوهر كَونه غَنِيا عَن الْمحل فَهَذَا الْمَعْنى حق والنزاع لَيْسَ إِلَّا فِي اللَّفْظ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة فِي امْتنَاع كَونه فِي الْمَكَان وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه
الأول إِن كل مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِالْمَكَانِ فَإِن كَانَ بِحَيْثُ يتَمَيَّز فِيهِ جَانب عَن جَانب فَهُوَ مركب وَقد أبطلناه وَإِن لم يكن كَذَلِك كَانَ كالجوهر الْفَرد والنقطة الَّتِي لَا تقبل الْقِسْمَة وَقد أطبق الْعُقَلَاء على تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن هَذِه الصّفة الثَّانِي أَنه لَو كَانَ فِي الحيز لَكَانَ إِمَّا أَن يكون متناهيا من كل الجوانب أَو غير متناه من كل الجوانب أَو يكون متناهيا من بعض الجوانب دون الْبَعْض وَالْأول بَاطِل وَإِلَّا لَكَانَ اخْتِصَاصه بذلك الْمِقْدَار المتناهي من كل الجوانب دون الزَّائِد والناقص مُحْتَاجا إِلَى مُخَصص وَذَلِكَ يُوجب الْحُدُوث وَالثَّانِي بَاطِل لِأَن كل بعد فَإِنَّهُ يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وكل
ب دون الزَّائِد والناقص مُحْتَاجا إِلَى مُخَصص وَذَلِكَ يُوجب الْحُدُوث وَالثَّانِي بَاطِل لِأَن كل بعد فَإِنَّهُ يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وكل
مَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ متناه وَلِأَن على هَذَا التَّقْدِير يكون مركبا لِأَن الْبعد الممتد إِلَى غير النِّهَايَة يفْرض فِيهِ نقطة كَبِيرَة وَلِأَن على هَذَا التَّقْدِير تكون المحدثات مختلطة بِذَاتِهِ وَالثَّالِث بَاطِل لِأَن القَوْل بالبعد الَّذِي لَا نِهَايَة لَهُ محَال بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ سَوَاء كَانَ من كل الجوانب أَو من بَعْضهَا وَلِأَن الْجَانِب المتناهي غير مَا هُوَ غير متناه فَيلْزم وُقُوع التَّرْكِيب وَالْوَجْه الثَّالِث أَن الْعَالم كرة فَلَو حصل فَوق أحد الجوانب لصار أَسْفَل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَقوام آخَرين وَلَو أحَاط بِجَمِيعِ الجوانب صَار معنى هَذَا الْكَلَام أَن إِلَه الْعَالم فلك من الأفلاك المحيطة بِالْأَرْضِ وَذَلِكَ لَا يَقُوله مُسلم وَأما الظَّوَاهِر النقلية المشعرة بالجسمية والجهة فَالْجَوَاب الْكُلِّي عَنْهَا أَن القواطع الْعَقْلِيَّة دلّت على امْتنَاع الجسمية والجهة والظواهر النقلية مشعرة بِحُصُول هَذَا الْمَعْنى وَالْجمع بَين تصديقهما محَال وَإِلَّا لزم اجْتِمَاع النقيضين وَالْجمع بَين تكذيبهما محَال وَإِلَّا لزم الْخُلُو عَن النقيضين وَالْقَوْل بترجيح الظَّوَاهِر النقلية على القواطع الْعَقْلِيَّة محَال لِأَن النَّقْل فرع على الْعقل فالقدح فِي الأَصْل لتصحيح الْفَرْع يُوجب الْقدح فِي الأَصْل وَالْفرع مَعًا وَهُوَ بَاطِل فَلم يبْق إِلَّا الْإِقْرَار بِمُقْتَضى الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة القطعية وَحمل الظَّوَاهِر النقلية إِمَّا على التَّأْوِيل وَإِمَّا على تَفْوِيض علمهَا إِلَى الله ﷾ وَهُوَ الْحق الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فِي أَن الْحُلُول على الله محَال
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْمَعْقُول من حُلُول الشَّيْء فِي غَيره كَون هَذَا الْحَال تبعا لذَلِك الْمحل فِي أَمر من الْأُمُور وواجب الْوُجُود لذاته يمْتَنع أَن
عَلَيْهِ أَن الْمَعْقُول من حُلُول الشَّيْء فِي غَيره كَون هَذَا الْحَال تبعا لذَلِك الْمحل فِي أَمر من الْأُمُور وواجب الْوُجُود لذاته يمْتَنع أَن
يكون تبعا لغيره فَوَجَبَ أَن يمْتَنع عَلَيْهِ الْحُلُول وَإِن كَانَ المُرَاد بالحلول شَيْئا سوى مَا ذَكرْنَاهُ فَلَا بُد من إِفَادَة تصَوره حَتَّى نَنْظُر فِيهِ هَل يَصح إثْبَاته فِي حق الله تَعَالَى أم لَا الْمَسْأَلَة السَّابِعَة فِي أَنه يَسْتَحِيل قيام الْحَوَادِث بِذَات الله تَعَالَى خلافًا للكرامية) وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن كل مَا كَانَ قَابلا للحوادث فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل خلوه عَن الْحَوَادِث وكل مَا كَانَ يمْتَنع خلوه عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث ينْتج أَن كل مَا كَانَ قَابلا للحوادث فَإِنَّهُ يكون حَادِثا وَعند هَذَا نقُول الْأَجْسَام قَابِلَة للحوادث فَيجب كَونهَا حَادِثَة ونقول أَيْضا إِن الله تَعَالَى يمْتَنع أَن يكون حَادِثا فَوَجَبَ أَن يمْتَنع كَونه قَابلا للحوادث وَالْحَاصِل أَن الْجمع بَين قبُول الْحَوَادِث وَبَين الْقدَم محَال فلنذكر مَا يدل على صِحَة مُقَدمَات هَذَا الدَّلِيل فَنَقُول الَّذِي يدل على أَن كل مَا كَانَ قَابلا للحوادث فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث هُوَ أَن كَون الشَّيْء مَوْصُوفا بِالصّفةِ مُمكن الاتصاف بالمحدثات مَشْرُوط بِإِمْكَان وجود الْمُحدث لِأَن كَون الشَّيْء مَوْصُوفا بِالصّفةِ الْمعينَة فرع عَن تحقق إِمْكَان تِلْكَ الصّفة فَكَذَلِك إِمْكَان الصّفة بذلك الاتصاف فرع عَن إِمْكَان تِلْكَ الصّفة لَكِن الْحَادِث يمْتَنع أَن يكون أزليا فإمكان الاتصاف بِالصّفةِ الْحَادِثَة يمْتَنع كَونه أزليا بل يكون حَادِثا إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول كل شَيْء يَصح عَلَيْهِ قبُول الْحَوَادِث فَتلك الصِّحَّة يلْزم أَن تكون من لَوَازِم ذَاته إِذْ لَو لم تكن كَذَلِك لكَانَتْ من عوارض تِلْكَ الذَّات فَتكون تِلْكَ الذَّات قَابِلَة لتِلْك القابلية فقبول تِلْكَ
القابلية إِن كَانَت من اللوازم فَهُوَ الْمَقْصُود وَإِن كَانَت من الْعَوَارِض عَاد الْكَلَام فِيهِ وَلزِمَ التسلسل وَهُوَ محَال فَثَبت أَن قابلية الصِّفَات الْحَادِثَة يجب كَونهَا حَادِثَة وَثَبت أَنَّهَا من لَوَازِم تِلْكَ الذَّات فَيحصل من هَاتين المقدمتين أَن كل مَا كَانَ قَابلا للحوادث فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث وكل مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث بالدلائل الْمَشْهُورَة ثمَّ عِنْد هَذَا نقُول الْأَجْسَام قَابِلَة للحوادث أَعنِي الألوان والطعوم والروايح والحرارة والبرودة والنور والظلمة فَهِيَ حَادِثَة ونقول لَكِن الْبَارِي تَعَالَى يمْتَنع كَونه حَادِثا فَيمْتَنع كَونه محلا للحوادث الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة فِي أَن الِاتِّحَاد على الله تَعَالَى محَال
وَدَلِيله أَن أحد الشَّيْئَيْنِ إِذا اتَّحد بِالْآخرِ فَإِن بقيا فِي هَذِه الْحَالة فهما اثْنَان لأواحد وَإِن عدما كَانَ الْمَوْجُود غَيرهمَا وَإِن عدم أَحدهمَا دون الثَّانِي امْتنع الِاتِّحَاد لِأَن الْمَعْدُوم لَا يكون عين الْمَوْجُود الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة الْأَلَم واللذة على الله تَعَالَى محَال
لِأَن الْمَعْقُول من الْأَلَم هُوَ الْحَالة الْحَاصِلَة عِنْد تغير المزاج إِلَى الْفساد وَمن اللَّذَّة هُوَ الْحَالة الْحَاصِلَة عِنْد صَلَاح المزاج فَمن كَانَ متعاليا عَن الجسمية كَانَ هَذَا محالا فِي حَقه وَلِأَن اللَّذَّة لَو صحت عَلَيْهِ لَكَانَ طَالبا لتَحْصِيل الملتذ بِهِ فَإِن قدر عَلَيْهِ فِي الْأَزَل لزم إِيجَاد الْحَادِث فِي الْأَزَل وَإِن لم يقدر عَلَيْهِ لَكَانَ متألما فِي الْأَزَل بِسَبَب فقدان الملتذ بِهِ وَهُوَ محَال
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة ذهب أَبُو عَليّ بن سينا إِلَى أَنه لَا حَقِيقَة لله تَعَالَى إِلَّا الْوُجُود المتقيد بِقَيْد كَونه غير عَارض للماهية
حَال
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة ذهب أَبُو عَليّ بن سينا إِلَى أَنه لَا حَقِيقَة لله تَعَالَى إِلَّا الْوُجُود المتقيد بِقَيْد كَونه غير عَارض للماهية
وَهَذَا بَاطِل لوَجْهَيْنِ الأول أَنه وَافق على أَن حَقِيقَته غير مَعْلُومَة لِلْخلقِ وعَلى أَن وجوده المتقيد بالقيد السلبي مَعْلُوم والمعلوم غير مَا هُوَ غير مَعْلُوم الثَّانِي أَن الْوُجُود إِن اقْتضى لنَفس كَونه وجودا أَن يكون مُجَردا عَن الْمَاهِيّة فَكل وجود كَذَلِك فَهَذِهِ الماهيات الممكنة إِمَّا أَن لَا تكون مَوْجُودَة أَو يكون وجودهَا نَفسهَا وَذَلِكَ هُوَ محَال وَإِن اقْتضى أَن يكون عارضا للماهية فَكل وجود كَذَلِك فوجود الله تَعَالَى عَارض للماهية وَإِن لم يقتض لَا هَذَا وَلَا ذَاك لم يصر مَوْصُوفا بِأحد هذَيْن القيدين إِلَّا بِسَبَب مُنْفَصِل فَالْوَاجِب لذاته وَاجِب لغيره وَهَذَا محَال حجَّته أَنه لَو كَانَ وجوده صفة للماهية لافتقر ذَلِك الْوُجُود إِلَى تِلْكَ الْمَاهِيّة فَيكون ذَلِك الْوُجُود مُمكنا لذاته وَاجِبا لتِلْك الْمَاهِيّة لِأَن الْعلَّة مُتَقَدّمَة بالوجود على الْمَعْلُول فَيلْزم كَون الْمَاهِيّة مُتَقَدّمَة بوجودها على وجودهَا وَهُوَ محَال وَالْجَوَاب لم لَا يجوز أَن تكون الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ مُوجبَة لذَلِك الْوُجُود كَمَا أَن الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ هِيَ قَابِلَة للوجود فِي الممكنات الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة قد يجوز أَن يُخَالف شَيْء شَيْئا لنَفس حَقِيقَته الْمَخْصُوصَة لَا لأمر زَائِد
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهُمَا لَو اخْتلفَا لأجل الصفتين فالصفتان إِن لم تختلفا لم
لنَفس حَقِيقَته الْمَخْصُوصَة لَا لأمر زَائِد
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهُمَا لَو اخْتلفَا لأجل الصفتين فالصفتان إِن لم تختلفا لم
توجبا مُخَالفَة الذاتين وَإِن اختلفتا لصفة أُخْرَى لزم التسلسل وَإِن اخْتَلَفْنَا لذاتيهما فَهُوَ الْمَطْلُوب الثَّانِي أَن تِلْكَ الصّفة مُخَالفَة لتِلْك الذَّات وَإِلَّا لم يكن كَون الصّفة صفة أولى من كَون الذَّات صفة وَبِالْعَكْسِ إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول ذَات الْإِلَه مُخَالفَة لسَائِر الذوات لعين ذَاته الْمَخْصُوصَة إِذْ لَو كَانَت ذَاته مُسَاوِيَة لسَائِر الذوات لَكَانَ اخْتِصَاص تِلْكَ الذوات الْمعينَة بِتِلْكَ الصّفة الْمعينَة إِمَّا أَن لَا يكون لأمر فَيلْزم وُقُوع الْمُمكن لَا لمرجح أَو لأمر آخر على سَبِيل الدّور وَهُوَ محَال أَو على سَبِيل التسلسل وَهُوَ أَيْضا محَال وَلما بطلت الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَجب أَن تكون تِلْكَ الْمُخَالفَة لنَفس الذَّات الْمَخْصُوصَة
الْبَاب الرَّابِع فِي صفة الْقُدْرَة وَالْعلم وَغَيرهمَا وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى قد ثَبت أَن الله تَعَالَى مُؤثر فِي وجود الْعَالم فإمَّا أَن يُؤثر فِيهِ على سَبِيل الصِّحَّة وَهُوَ الْفَاعِل الْمُخْتَار أَو على سَبِيل الْوُجُود وَهُوَ الْمُوجب بِالذَّاتِ
مُؤثر فِي وجود الْعَالم فإمَّا أَن يُؤثر فِيهِ على سَبِيل الصِّحَّة وَهُوَ الْفَاعِل الْمُخْتَار أَو على سَبِيل الْوُجُود وَهُوَ الْمُوجب بِالذَّاتِ
فَنَقُول القَوْل بِالْمُوجبِ بِالذَّاتِ بَاطِل لوجوه الْحجَّة الأولى أَنه لَو كَانَ تَأْثِيره فِي وجود الْعَالم على سَبِيل الْإِيجَاب لزم أَن لَا يتَخَلَّف الْعَالم عَنهُ فِي الْوُجُود فَيلْزم إِمَّا قدم الْعَالم وَإِمَّا حُدُوثه وهما باطلان فَوَجَبَ أَن لَا يكون مُوجبا بِالذَّاتِ الْحجَّة الثَّانِيَة أَنا بَينا أَن الْأَجْسَام بأسرها مُتَسَاوِيَة فِي تَمام الْمَاهِيّة فَوَجَبَ استواؤها فِي قبُول جَمِيع الصِّفَات وَقد دللنا على أَنه تَعَالَى لَيْسَ بجسم وَلَا حَال فِي الْجِسْم وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَت نِسْبَة ذَاته إِلَى جَمِيع الْأَجْسَام على السوية فَوَجَبَ اسْتِوَاء الْأَجْسَام بأسرها فِي جَمِيع الصِّفَات والتالي بَاطِل فالمقدم مثله الْحجَّة الثَّالِثَة لَو كَانَ مُوجبا بِالذَّاتِ لَكَانَ إِمَّا أَن يُوجب معلولا وَاحِدًا أَو مَعْلُومَات كَثِيرَة وَالْأول بَاطِل وَإِلَّا لوَجَبَ أَن يتصدر عَن ذَلِك الْوَاحِد
وَاحِد آخر وَكَذَا القَوْل فِي جَمِيع الْمَرَاتِب فَوَجَبَ أَلا يُوجد موجدان وَأَحَدهمَا عِلّة للْآخر وَهُوَ بَاطِل وَالثَّانِي بَاطِل لِأَن الفلاسفة أطبقوا على الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ إِلَّا الْوَاحِد الْحجَّة الرَّابِعَة لَا شكّ أَنا نشاهد فِي الْعَالم تغيرات مثل أَن تقدم كَانَ مَوْجُودا وَعدم الْمَعْلُول لَا بُد وَأَن يكون لعدم علته وَعدم تِلْكَ لَا بُد أَن يكون أَيْضا لعدم علتها فَهَذِهِ المعدومات عِنْد الارتقاء تَنْتَهِي وَاجِب الْوُجُود لذاته فَإِن كَانَ تَأْثِيره فِي غَيره بِالْإِيجَابِ لزم من عدم الْأَحْوَال عدم ذَاته وَهَذَا محَال فَذَلِك محَال وَاحْتَجُّوا بِأَن كل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي المؤثرية إِن كَانَ حَاصِلا لزم وجوب الْأَثر وَإِن لم يكن ذَلِك الْمَجْمُوع حَاصِلا كَانَ الْأَثر مُمْتَنعا وَالْجَوَاب بشكل مَا ذكرتموه بالحوادث اليومية الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة صانع الْعَالم عَالم
لِأَن أَفعاله محكمَة متقنة والمشاهدة تدل عَلَيْهِ وفاعل الْفِعْل الْمُحكم المتقن يجب أَن يكون عَالما وَهُوَ مَعْلُوم بالبديهة وَأَيْضًا أَنه فَاعل بِالِاخْتِيَارِ وَالْمُخْتَار هُوَ الَّذِي يقْصد إِلَى إِيجَاد النَّوْع الْمعِين وَالْقَصْد إِلَى إِيجَاد النَّوْع الْمعِين مَشْرُوط بتصور تِلْكَ الْمَاهِيّة فَثَبت أَنه تَعَالَى مُتَصَوّر لبَعض الماهيات وَلَا شكّ أَن الماهيات لذواتها تَسْتَلْزِم ثُبُوت أَحْكَام وَعدم أَحْكَام وتصور الْمَلْزُوم يسْتَلْزم تصور اللَّازِم فَيلْزم من علمه تَعَالَى بِتِلْكَ الماهيات علمة بلوازمها وآثارها فَثَبت أَنه تَعَالَى عَالم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أنْكرت الفلاسفة كَونه تَعَالَى عَالما بالجزئيات
َعَالَى بِتِلْكَ الماهيات علمة بلوازمها وآثارها فَثَبت أَنه تَعَالَى عَالم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أنْكرت الفلاسفة كَونه تَعَالَى عَالما بالجزئيات
وَلنَا فِي إبِْطَال قَوْلهم وُجُوه الأول أَنه تَعَالَى هُوَ الْفَاعِل لَا بُد أَن الْحَيَوَانَات وفاعلها يجب أَن يكون عَالما بهَا وَذَلِكَ يدل على كَونه عَالما بالجزئيات الثَّانِي أَن الْعلم صفة كَمَال وَالْجهل صفة نقص وَيجب تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن النقائص الثَّالِث أَن كَون الْمَاهِيّة مَوْصُوفَة بالقيود الَّتِي صَارَت لأَجلهَا شخصا معينا وَاقعا فِي وَقت معِين من مَعْلُومَات ذَات الله تَعَالَى إِمَّا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة وَعِنْدهم أَن الْعلم بِالْعِلَّةِ يُوجب الْعلم بالمعلول فَوَجَبَ من علمه تَعَالَى بِذَاتِهِ علمه بِهَذِهِ الجزئيات احْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو علم كَون زيد جَالِسا فِي هَذَا الْمَكَان فَبعد خُرُوج زيد عَن هَذَا الْمَكَان إِن بَقِي ذَلِك الْعلم فَهُوَ الْجَهْل وَإِن لم يبْق فَهُوَ التَّغَيُّر وَالْجَوَاب لم لَا يجوز أَن يُقَال إِن ذَاته الْمَخْصُوصَة مُوجبَة للْعلم بِكُل شَيْء بِشَرْط وُقُوع ذَلِك الشَّيْء فَعِنْدَ حُصُول كل وَاحِد من الْأَحْوَال تَقْتَضِي ذَاته الْمَخْصُوصَة الْعلم بِتِلْكَ الْأَحْوَال الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَنه تَعَالَى عَالم بِكُل المعلومات
لِأَنَّهُ تَعَالَى حَيّ والحي لَا يمْتَنع كَونه عَالما بِكُل وَاحِد من المعلومات والموجب لكَونه عَالما هُوَ ذَاته الْمَخْصُوصَة إِمَّا بِغَيْر وَاسِطَة أَو بِوَاسِطَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم تكن ذَاته الْمَخْصُوصَة باقتضاء الْعلم بِبَعْض
المعلومات أولى من اقْتِضَاء الْعلم بِسَائِر المعلومات فَلَمَّا اقْتضى الْعلم بِالْبَعْضِ وَجب أَن يَقْتَضِي الْعلم بِالْكُلِّ وَهُوَ الْمَطْلُوب الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَنه تَعَالَى قَادر على كل الممكنات
َمَّا اقْتضى الْعلم بِالْبَعْضِ وَجب أَن يَقْتَضِي الْعلم بِالْكُلِّ وَهُوَ الْمَطْلُوب الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَنه تَعَالَى قَادر على كل الممكنات
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْمُصَحح للمقدورية هُوَ الْجَوَاز لأَنا لَو رفضناه لبقي إِمَّا الْوُجُوب أَو الِامْتِنَاع وهما يمنعان من المقدورية وَالْجَوَاز مَفْهُوم وَاحِد بَين جَمِيع الجائزات فَمَا لأَجله صَحَّ فِي الْبَعْض أَن يكون مَقْدُورًا لله تَعَالَى قَائِم فِي جَمِيع الجائزات وَعند الاسْتوَاء فِي الْمُقْتَضى يجب الاسْتوَاء فِي الْأَثر فَوَجَبَ اسْتِوَاء جَمِيع الممكنات فِي صِحَة مقدورية الله تَعَالَى والمقتضى لحُصُول تِلْكَ القادرية هُوَ ذَاته الْمَخْصُوصَة فَلَيْسَ بِأَن تَقْتَضِي ذَاته حُصُول الْقُدْرَة على الْبَعْض بِأولى من الْبَعْض الآخر فَوَجَبَ كَونه تَعَالَى قَادِرًا على جَمِيع الممكنات الْمَسْأَلَة السَّادِسَة جَمِيع الممكنات وَاقعَة بقدرة الله تَعَالَى وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه
الأول أَنا قد دللنا على أَن كل مُمكن يفْرض فَإِن الله تَعَالَى قَادر عَلَيْهِ ومستقل بإيجاده فَلَو فَرضنَا حُصُول سَبَب آخر يَقْتَضِي إيجاده فَحِينَئِذٍ قد اجْتمع على ذَلِك الْأَثر الْوَاحِد سببان مستقلان وَذَلِكَ محَال من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن قدرَة الله تَعَالَى أقوى من ذَلِك الآخر فاندفاع ذَلِك الآخر بقدرة الله تَعَالَى أولى من اندفاع قدرَة الله تَعَالَى بذلك الآخر وَالثَّانِي أَنه إِمَّا أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مؤثرا فِيهِ أَو لَا يكون وَاحِد مِنْهُمَا مؤثرا فِيهِ أَو يكون الْمُؤثر فِيهِ أَحدهمَا دون الثَّانِي وَالْأول
بَاطِل لِأَن الْأَثر التَّام يكون وَاجِب الْوُقُوع وَمَا يجب وُقُوعه اسْتغنى عَن غَيره فكونه مَعَ هَذَا يُغْنِيه عَن ذَلِك وَكَونه مَعَ ذَلِك يُغْنِيه عَن هَذَا فَيلْزم انْقِطَاعه عَنْهُمَا مَعًا حَال استناده إِلَيْهِمَا مَعًا وَهُوَ محَال وَالثَّانِي أَيْضا بَاطِل لِأَن امْتنَاع وُقُوعه بِأَحَدِهِمَا مُعَلل بِوُقُوعِهِ بِالثَّانِي وبالضد فَلَو امْتنع وُقُوعه بهما مَعًا لزم وُقُوعه بهما مَعًا وَهُوَ محَال وَالثَّالِث أَيْضا بَاطِل لِأَنَّهُ لما كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا سَببا مُسْتقِلّا لم يكن وُقُوعه أَحدهمَا بِأولى من وُقُوعه بِالْآخرِ وَلَا يُمكن أَن يُقَال إِن أَحدهمَا أقوى لِأَنَّهُ لَو صَحَّ هَذَا لَكَانَ الْوُقُوع بقدرة الله تَعَالَى أولى لِأَنَّهَا أقوى وَأَيْضًا فالفعل الْوَاحِد لَا يقبل الْقِسْمَة والبعضية فالتأثير فِيهِ لَا يقبل التَّفَاوُت أَيْضا فَامْتنعَ أَن يُقَال إِن أَحدهمَا أقوى الْمَسْأَلَة السَّابِعَة صانع الْعَالم حَيّ
لأَنا قد دللنا على أَنه قَادر عَالم وَلَا معنى للحي إِلَّا الَّذِي يَصح أَن يقدر وَيعلم وَهَذِه الصِّحَّة مَعْنَاهَا نفي الِامْتِنَاع وَمَعْلُوم أَن الِامْتِنَاع صفة عدمية فنفيها يكون نفيا للنَّفْي فَيكون ثبوتا فكونه تَعَالَى حَيا صفة ثَابِتَة الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة أَنه تَعَالَى مُرِيد
لأَنا رَأينَا الْحَوَادِث يحدث كل وَاحِد مِنْهَا فِي وَقت خَاص مَعَ جَوَاز حُدُوثه قبله أَو بعده فاختصاصه بذلك الْوَقْت الْمعِين لَا بُد لَهُ من مُخَصص وَذَلِكَ الْمُخَصّص لَيْسَ هُوَ الْقُدْرَة لِأَن الْقُدْرَة تأثيرها فِي الإيجاد وَهَذَا لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَوْقَات وَلَا الْعلم لِأَن الْعلم يتبع الْمَعْلُوم وَهَذِه الصّفة
الْقُدْرَة لِأَن الْقُدْرَة تأثيرها فِي الإيجاد وَهَذَا لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَوْقَات وَلَا الْعلم لِأَن الْعلم يتبع الْمَعْلُوم وَهَذِه الصّفة
مستتبعة وَظَاهر أَن الْحَيَاة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام لَا يصلح لذَلِك فَلَا بُد من صفة أُخْرَى وَهِي الْإِرَادَة فَإِن قَالُوا كَمَا أَن الْقُدْرَة صَالِحَة للإيجاد فِي كل الْأَوْقَات فَكَذَلِك الْإِرَادَة صَالِحَة للتخصيص فِي كل الْأَوْقَات فَإِن افْتَقَرت الْقُدْرَة إِلَى مُخَصص زَائِد فلتفتقر الْإِرَادَة إِلَى مُخَصص زَائِد فَنَقُول الْمَفْهُوم من كَونه مُخَصّصا مُغَاير للمفهوم من كَونه مؤثرا فَوَجَبَ التغاير بَين الْقُدْرَة والإرادة الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة أَنا إِذا علمنَا شَيْئا ثمَّ أبصرناه وجدنَا بَين الْحَالَتَيْنِ تَفْرِقَة بديهة
وَذَلِكَ يدل على أَن الإبصار وَالسَّمَاع مغايران للْعلم وَقَالَ قوم إِنَّه لَا معنى للرؤية إِلَّا تأثر الحدقة بِسَبَب ارتسام صُورَة المبصر فِيهَا وَلَا معنى للسمع إِلَّا تأثر الصماخ بِسَبَب وُصُول تموج الْهَوَاء إِلَيْهِ وَهَذَا بَاطِل لوجوه أما الأول فلأنا نرى نصف كرة الْعَالم على غَايَة عظمها وانطباع الْعَظِيم فِي الصَّغِير محَال ولأنا نرى الأطوال وَالْعرُوض وارتسام هَذِه الأبعاد فِي نقطة النَّاظر محَال وَأما الثَّانِي فلأنا إِذا سمعنَا صَوتا علمنَا جِهَته وَذَلِكَ يدل على أَنا أدركنا الصَّوْت فِي الْخَارِج ولأنا نسْمع كَلَام الْإِنْسَان من وَرَاء الْجِدَار وَلَو كُنَّا لَا نسْمع الْكَلَام إِلَّا عِنْد وُصُوله إِلَيْنَا وَجب أَن لَا نسْمع الْحُرُوف من وَرَاء الْجِدَار لِأَن ذَلِك التموج لما وصل إِلَى الْجِدَار لم يبْق على شكله الأول فَيثبت بِمَا ذكرنَا أَن الإبصار وَالسَّمَاع نَوْعَانِ من الْإِدْرَاك مغايران للْعلم وَإِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول الدَّلَائِل السمعية دَالَّة على كَونه تَعَالَى
مَا ذكرنَا أَن الإبصار وَالسَّمَاع نَوْعَانِ من الْإِدْرَاك مغايران للْعلم وَإِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول الدَّلَائِل السمعية دَالَّة على كَونه تَعَالَى
سميعا بَصيرًا وَالْعقل أَيْضا يُقَوي ذَلِك لما أَن هذَيْن النَّوْعَيْنِ من الْإِدْرَاك من صِفَات الْكَمَال وَيجب وصف الله تَعَالَى بِكُل الكمالات فَوَجَبَ علينا إِثْبَات هَذِه الصِّفَات إِلَّا أَن نذْكر الْخصم دَلِيلا عقليا يمْنَع من إِجْرَاء هَذِه الْآيَات وَالْأَخْبَار على ظواهرها وَلَكِن ذَلِك مُعَارضَة فَمن ادَّعَاهَا فَعَلَيهِ الْبَيَان الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة أجمع الْأَنْبِيَاء وَالرسل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام على كَونه تَعَالَى متكلما
وَإِثْبَات نبوة الْأَنْبِيَاء لَا تتَوَقَّف على الْعلم بِكَوْنِهِ تَعَالَى متكلما وَحِينَئِذٍ يتم هَذَا الدَّلِيل وَلِأَن كَونه تَعَالَى آمرا وناهيا من صِفَات الْجلَال ونعوت الْكَمَال وَالْعقل يقْضِي إثْبَاته لله تَعَالَى الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة فِي إِثْبَات أَنه تَعَالَى عَالم وَله علم
أهم الْمُهِمَّات فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تعْيين مَحل الْبَحْث فَنَقُول إِنَّه من علم شَيْئا فَإِنَّهُ يحصل بَين الْعَالم وَبَين الْمَعْلُوم نِسْبَة مَخْصُوصَة وَتلك النِّسْبَة هِيَ الْمُسَمَّاة بالشعور وَالْعلم والإدراك فَنحْن ندعي أَن هَذِه النِّسْبَة أَمر زَائِد على الذَّات وَمِنْهُم من قَالَ إِن الْعلم صفة حَقِيقِيَّة تَقْتَضِي هَذِه النِّسْبَة وَمِنْهُم من قَالَ الْعلم صفة حَقِيقِيَّة توجب حَالَة أُخْرَى وَهِي العالمية ثمَّ إِن هَذِه العالمية توجب تِلْكَ النِّسْبَة الْخَاصَّة والمتكلمون يسمون هَذِه النِّسْبَة بالتعلق وَأما نَحن فَلَا ندعي إِلَّا ثُبُوت هَذِه النِّسْبَة وَالَّذِي يدل على كَون هَذِه النِّسْبَة زَائِدَة على الذَّات وُجُوه الأول أَنا بعد الْعلم بِذَات نحتاج إِلَى دَلِيل مُنْفَصِل فِي إِثْبَات كَونه قَادِرًا عَالما والمعلوم مُغَاير لما هُوَ غير الْمَعْلُوم
الثَّانِي أَن الْعلم نِسْبَة مَخْصُوصَة وَالْقُدْرَة نِسْبَة أُخْرَى مَخْصُوصَة وَأما الذَّات فَهُوَ مَوْجُود قَائِم بِالنَّفسِ لَيْسَ من قبيل النّسَب والإضافات فَوَجَبَ التغاير الثَّالِث أَنه لَو كَانَ للْعلم نفس الْقُدْرَة لَكَانَ كل مَا كَانَ مَعْلُوما كَانَ مَقْدُورًا وَهُوَ بَاطِل لِأَن الْوَاجِب والممتنع معلومان وَغير مقدورين الرَّابِع أَنا إِذا قُلْنَا الذَّات ثمَّ قُلْنَا الذَّات عَالِمَة فَإنَّا ندرك بِالضَّرُورَةِ التَّفْرِقَة بَين ذَلِك التَّصَوُّر وَبَين ذَلِك التَّصْدِيق وَذَلِكَ يُوجب التغاير احْتَجُّوا بِأَن لَو كَانَ لله تَعَالَى علم لَكَانَ علمه مُتَعَلقا بِعَين مَا يتَعَلَّق بِهِ علمنَا فَوَجَبَ تماثل العلمين فَيلْزم إِمَّا قدمهما مَعًا أَو حدوثهما مَعًا قُلْنَا ينْتَقض بالوجود فَإِنَّهُ من حَيْثُ إِنَّه وجود مَفْهُوم وَاحِد ثمَّ إِن وجود الله تَعَالَى قديم ووجودنا حَادث وَقَالَت الفلاسفة لَو جعلت لَهُ صفة لكَانَتْ تِلْكَ الصّفة مفتقرة إِلَى تِلْكَ الذَّات فَتكون مُمكنَة وَلَا بُد لَهَا من مُؤثر وَذَلِكَ الْمُؤثر هُوَ تِلْكَ الذَّات والقابل أَيْضا هُوَ تِلْكَ الذَّات فالشيء الْوَاحِد يكون قَابلا وفاعلا مَعًا وَهُوَ محَال وَالْجَوَاب أَن هَذَا يشكل بلوازم الماهيات مثل فردية الثَّلَاثَة وزوجية الْأَرْبَعَة فَإِن فاعلها وقابلها لَيْسَ إِلَّا تِلْكَ الماهيات الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة هَذِه النِّسْبَة الْمَخْصُوصَة والإضافات الْمَخْصُوصَة الْمُسَمَّاة بِالْقُدْرَةِ وبالعلم لَا شكّ أَنَّهَا أُمُور غير قَائِمَة بأنفسها بل مَا لم تُوجد ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا تكون هَذِه المفهومات صِفَات لَهَا فَإِنَّهُ يمْتَنع وجودهَا
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِنَّهَا مفتقرة إِلَى الْغَيْر فَتكون مُمكنَة لذواتها فَلَا
َا تكون هَذِه المفهومات صِفَات لَهَا فَإِنَّهُ يمْتَنع وجودهَا
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِنَّهَا مفتقرة إِلَى الْغَيْر فَتكون مُمكنَة لذواتها فَلَا
بُد لَهَا من مُؤثر وَلَا مُؤثر إِلَّا ذَات الله تَعَالَى فَتكون تِلْكَ الذَّات الْمَخْصُوصَة مُوجبَة لهَذِهِ النّسَب والإضافات ثمَّ لَا يمْتَنع فِي الْعقل أَن تكون تِلْكَ الذَّات مُوجبَة لَهَا ابْتِدَاء وَلَا مُمْتَنع أَن تكون تِلْكَ الذَّات مُوجبَة لصفات أُخْرَى حَقِيقِيَّة أَو إضافية ثمَّ إِن تِلْكَ الصِّفَات توجب هَذِه النّسَب والإضافات وعقول الْبشر قَاصِرَة عَن الْوُصُول إِلَى هَذِه المضايق الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة قَالَت الْمُعْتَزلَة إِن الله تَعَالَى مُرِيد بِإِرَادَة حَادِثَة لَا فِي مَحل وَهَذَا عندنَا بَاطِل لوجوه
الأول أَن تِلْكَ الْإِرَادَة لَو كَانَت حَادِثَة لما أمكن إحداثها إِلَّا بِإِرَادَة أُخْرَى وَلزِمَ التسلسل وَهُوَ محَال الثَّانِي أَن تِلْكَ الْإِرَادَة إِذا وجدت لَا فِي مَحل وَذَات الله تَعَالَى قَابِلَة للصفة المريدية وَسَائِر الْأَحْيَاء يقبلُونَ هَذِه المريدية فَلم تكن تِلْكَ الْإِرَادَة بِإِيجَاب المريدية لله تَعَالَى أولى من إِيجَاب المريدية لغير الله تَعَالَى وَعند هَذَا يلْزم توَافق جَمِيع الْأَحْيَاء فِي صفة المريدية وَهُوَ محَال وَلَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا إِن اختصاصها بِاللَّه أولى لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا فِي مَحل وَهَذِه الْإِرَادَة أَيْضا لَا فِي مَحل فَهَذِهِ الْمُنَاسبَة هُنَاكَ أتم لأَنا نقُول كَونه تَعَالَى لَا فِي مَحل قيد عدمي فَلَا يصلح للتأثير فِي هَذَا التَّرْجِيح الثَّالِث أَن تِلْكَ الْإِرَادَة لما أوجبت المريدية لله تَعَالَى فقد حدث لله تَعَالَى صفة المريدية لَكنا قد دللنا على أَن حُدُوث الصّفة فِي ذَات الله تَعَالَى محَال
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة قَالَ قوم من فُقَهَاء مَا وَرَاء النَّهر أَن صفة التخليق مُغَايرَة لصفة الْقُدْرَة وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَيْسَ كَذَلِك
مَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة قَالَ قوم من فُقَهَاء مَا وَرَاء النَّهر أَن صفة التخليق مُغَايرَة لصفة الْقُدْرَة وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَيْسَ كَذَلِك
لنا وُجُوه الأول أَن صفة الْقُدْرَة صفة مُؤثرَة على سَبِيل الصِّحَّة وَصفَة التخليق إِن كَانَت مُؤثرَة على سَبِيل الصِّحَّة أَيْضا كَانَت هَذِه الصّفة غير صفة الْقُدْرَة وَإِن كَانَت مُؤثرَة على سَبِيل الْوُجُوب لزم كَونه تَعَالَى مؤثرا بِالْإِيجَابِ لَا بِالِاخْتِيَارِ وَذَلِكَ بَاطِل وَأَيْضًا فَهُوَ لكَونه مَوْصُوفا بِالْقُدْرَةِ يلْزم أَن يكون تَأْثِيره على سَبِيل الصِّحَّة ولكونه مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصّفة يلْزم أَن يكون تَأْثِيره على سَبِيل الْوُجُوب فَيلْزم أَن يكون الْمُؤثر الْوَاحِد مؤثرا على سَبِيل الصِّحَّة وعَلى سَبِيل الْوُجُوب مَعًا وَهُوَ محَال وَأَيْضًا إِن كَانَت الْقُدْرَة صَالِحَة للتأثير لم يمْتَنع وُقُوع الْمَخْلُوقَات بِالْقُدْرَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بحدوث الْمَخْلُوقَات على هَذِه الصّفة وَإِن لم تكن الْقُدْرَة صَالِحَة للتأثير وَجب أَن لَا تكون الْقُدْرَة قدرَة وَهُوَ محَال وَأَيْضًا فَهَذَا التخليق إِن كَانَ قَدِيما لزم من قدمه قدم الْمَخْلُوق وَإِن كَانَ مُحدثا افْتقر إِلَى خلق آخر وَلزِمَ التسلسل وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِإِثْبَات هَذِه الصّفة بِأَن قَالُوا نعلم أَنه تَعَالَى قَادر على خلق الشموس والأقمار الْكَثِيرَة فِي هَذَا الْعَالم لكنه مَا خلقهَا فَصدق هَذَا النَّفْي وَالْإِثْبَات يدل على الْفرق بَين كَونه تَعَالَى قَادِرًا وَبَين كَونه خَالِقًا ثمَّ نقُول هَذَا الْخلق إِمَّا أَن يكون عين الْمَخْلُوق وَإِمَّا أَن يكون صفة قَائِمَة بِذَات الله تَعَالَى تَقْتَضِي وجود هَذَا الْمَخْلُوق وَالْأول بَاطِل لِأَن الْعقل يَقُول إِنَّمَا وجد هَذَا الْمَخْلُوق لِأَن الله تَعَالَى خلقه فيعلل وجود الْمَخْلُوق بتخليق الله تَعَالَى إِيَّاه فَلَو كَانَ هَذَا التخليق عين وجود ذَلِك الْمَخْلُوق لَكَانَ
قَوْلنَا إِنَّمَا وجد ذَلِك الْمَخْلُوق بِإِذن الله تَعَالَى خلقه جَارِيا مجْرى قَوْلنَا إِنَّمَا وجد ذَلِك الْمَخْلُوق لنَفسِهِ وَمَعْلُوم أَنه بَاطِل لِأَنَّهُ لَو وجد لنَفسِهِ لامتنع وجوده بإيجاد الله تَعَالَى وَذَلِكَ يُوجب نفي الصَّانِع وَلِأَنَّهُ كَونه تَعَالَى خَالِقًا صفة لَهُ والمخلوق لَيْسَ صفة وَذَلِكَ يُوجب التغاير وَلما بَطل هَذَا الْقسم ثَبت أَن كَونه تَعَالَى خَالِقًا لذَلِك الْمَخْلُوق مغايرا لذَلِك الْمَخْلُوق وَهَذِه الأبحاث عميقة الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة الْكَلَام صفة مُغَايرَة لهَذِهِ الْحُرُوف والأصوات
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْأَمر مُخْتَلفَة بِحَسب اخْتِلَاف اللُّغَات وَحَقِيقَة الْأَمر مَاهِيَّة وَاحِدَة فَوَجَبَ التغاير وَأَيْضًا اللَّفْظ الَّذِي يُفِيد الْأَمر إِنَّمَا يفِيدهُ لأجل الْوَضع والاصطلاح وَكَون الْأَمر أمرا مَاهِيَّة ذاتية لَا يُمكن تغيرها بِحَسب تغير الأوضاع فَوَجَبَ التغاير فَثَبت أَن الْأَمر مَاهِيَّة قَائِمَة بِالنَّفْيِ يعبر عَنْهَا بالعبارات الْمُخْتَلفَة إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول تِلْكَ الْمَاهِيّة لَيست عبارَة عَن إِرَادَة الْمَأْمُور بِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمر الْكَافِر بِالْإِيمَان وسنقيم الْبَرَاهِين اليقينية على أَنه تَعَالَى يمْتَنع أَن يُرِيد الْإِيمَان من الْكَافِر فَوَجَدنَا هَهُنَا ثُبُوت الْأَمر بِدُونِ الْإِرَادَة فَوَجَبَ التغاير فَثَبت أَن الْأَمر وَالنَّهْي مَعَاني حَقِيقِيَّة قَائِمَة بنفوس الْمُتَكَلِّمين ويعبر عَنْهَا بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة كَلَام الله تَعَالَى قديم
وَيدل عَلَيْهِ الْمَنْقُول والمعقول أما الْمَنْقُول فَقَوله تَعَالَى ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ فَأثْبت الْأَمر لله من قبل جَمِيع الْأَشْيَاء فَلَو كَانَ أَمر الله مخلوقا لزم حُصُول الْأَمر من قبل نَفسه وَهُوَ محَال
لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ فَأثْبت الْأَمر لله من قبل جَمِيع الْأَشْيَاء فَلَو كَانَ أَمر الله مخلوقا لزم حُصُول الْأَمر من قبل نَفسه وَهُوَ محَال
وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ ميز بَين الْخلق وَبَين الْأَمر فَوَجَبَ أَن لَا يكون الْأَمر دَاخِلا فِي الْخلق وَالثَّالِث مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول (أعوذ بِكَلِمَات الله بالتمام) والمحدث لَا يكون تَاما وَالرَّابِع أَن الْكَلَام من صِفَات الْكَمَال فَلَو كَانَ مُحدثا لكَانَتْ خَالِيَة عَن صِفَات الْكَمَال قبل حُدُوثه والخالي عَن الْكَمَال نَاقص وَذَلِكَ على الله محَال وَالْخَامِس أَنا بَينا أَن كَونه تَعَالَى آمرا وناهيا من صِفَات الْكَمَال وَلَا يُمكن أَن يكون ذَلِك عين هَذِه الْعبارَات بل لَا بُد وَأَن تكون صِفَات تدل عَلَيْهَا هَذِه الْعبارَات فَلَو كَانَت تِلْكَ الصِّفَات حَادِثَة لزم أَن تكون ذَاته محالا للحوادث وَهُوَ محَال السَّادِس أَن الْكَلَام لَو كَانَ حَادِثا لَكَانَ إِمَّا أَن يقوم بِذَات الله أَو بِغَيْرِهِ أَو لَا يقوم بِمحل فَلَو قَامَ بِذَات الله تَعَالَى لزم كَونه محلا للحوادث وَهُوَ محَال وَإِن قَامَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ أَيْضا محَال لِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يكون متكلما بِكَلَام قَائِم بِغَيْرِهِ لجَاز أَن يكون متحركا بحركة قَائِمَة بِغَيْرِهِ وساكنا بِسُكُون قَائِم بِغَيْرِهِ وَهُوَ محَال وَإِن وجد ذَلِك الْكَلَام لَا فِي مَحل فَهُوَ بَاطِل بالِاتِّفَاقِ وَاحْتَجُّوا على أَن كَلَامه مَخْلُوق بِوُجُوه أَحدهَا أَن حُصُول الْأَمر وَالنَّهْي من غير حُضُور الْمَأْمُور والمنهي عَبث وجنون وَهُوَ على الله محَال الثَّانِي أَنه تَعَالَى إِذا أَمر زيدا بِالصَّلَاةِ فَإِذا أَدَّاهَا لم يبْق ذَلِك الْأَمر وَمَا ثَبت عَدمه امْتنع قدمه الثَّالِث أَن النّسخ فِي الْأَوَامِر والنواهي جَائِز وَمَا ثَبت زَوَاله امْتنع قدمه



