— Bagian 2 · لاف الْمَعْهُود فَإِن جَازَ لكم هَذَا جَازَ لنا … —
Bagian 2
لاف الْمَعْهُود فَإِن جَازَ لكم هَذَا جَازَ لنا إِثْبَات شَيْئَيْنِ لَا يُقَال إِن أَحدهمَا هُوَ الآخر وَلَا هُوَ غَيره وَإِن كَانَ خلاف الْمَعْهُود
قَالُوا ونسألكم هَل يجب إِذا قَامَ الدَّلِيل على صِحَة شَيْء أَن يبطل إِذا لم يُوجد لَهُ نَظِير من الْمَعْهُود أم لَا فَإِن أوجبتم أَنه لَا يَصح إِثْبَات شَيْء حَتَّى يكون لَهُ نَظِير من الْمَعْهُود لزمكم أَن يبطل قَوْلكُم إِن الْعلم هُوَ الْعَالم والحياة هُوَ الْحَيّ على مَا قدمنَا ولزمكم أَلا تثبتوا شَيْئا لَيْسَ فِي زمَان وَلَا مَكَان وَلَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء لِأَنَّهُ كُله خلاف الْمَعْهُود وَإِن وَجب أَن يثبت الشَّيْء إِذا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل من غير أَن يُوجد لَهُ نَظِير صَحَّ قَوْلنَا إِن صِفَات البارئ تَعَالَى وَجل لَا يُقَال إِنَّهَا هُوَ وَلَا إِنَّهَا غَيره كَمَا صَحَّ وَصفه بأَشْيَاء يُخَالف جَمِيعهَا الْمَعْهُود قَالُوا فَإِن قَالَ لنا قَائِل فَمن أَيْن صححتم قَوْلكُم وأبطلتم قَول خصومكم من الْمُعْتَزلَة إِن الله عَالم بِلَا علم قَادر بِلَا قدرَة وَنَحْو ذَلِك وَقد اسْتَوَى قَوْلكُم وَقَوْلهمْ فِي أَنه خلاف الْمَعْهُود فَالْجَوَاب أَنا إِنَّمَا قُلْنَا إِن قَوْلنَا هُوَ الصَّحِيح لِأَن قَوْلنَا مَبْنِيّ على أصل صَحِيح يجوز أَن يُوصف الله تَعَالَى بِهِ
وَقَوْلهمْ مَبْنِيّ على أصل فَاسد وَهُوَ أَن صِفَات الله محدثه وَهُوَ أَمر يُبطلهُ الشَّرْع وَالْعقل وَأَيْضًا فَإِن نُصُوص الشَّرْع تصحح قَوْلنَا وَتبطل قَوْلهم لِأَن الله تَعَالَى قد أثبت لنَفسِهِ علما فِي نَص الْقُرْآن وتواترت الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ بِأَن لَهُ الْقُدْرَة وَإِرَادَة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا تقدر الْمُعْتَزلَة على دَفعه وَإِنَّمَا فِي قَوْلنَا شُبْهَة عرضت وقفنا عِنْدهَا فَإِذا صَحَّ الأَصْل لم يتْرك لشُبْهَة تعرض فِي التَّفْرِيع وَأما قَوْلهم ففاسد الأَصْل والتفريع مَعًا وَأما صِفَات الْأَفْعَال كخالق ورازق فَالْقَوْل فِيهَا أَن البارئ تَعَالَى لم يزل مَوْصُوفا بهَا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يكون البارئ تَعَالَى فِي الْأَزَل غير خَالق وَغير رَازِق ثمَّ صَار كَذَلِك وَإِنَّمَا المحدثات الْخلق والرزق والمخلوق والمرزوق فَإِن قيل هَذَا يُوجب عَلَيْكُم تقدم الْعَالم وَأَنه لم يزل مَوْجُودا مَعَه قُلْنَا لَا يُوجب ذَلِك لِأَن الصِّفَات فِي اللُّغَة يُوصف بهَا من
فعل فِيمَا مضى وَمن يفعل فِي الْحَال من هُوَ يُرِيد أَن يفعل فِي الْمُسْتَقْبل فَيُقَال إِنَّه ضَارب عَمْرو أمس وضارب عمرا الْآن وضارب عمرا غَدا وَهَذَا أشهر فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة من أَن يحْتَاج إِلَى شَاهد
الْبَاب السَّادِس فِي شرح قَوْلهم إِن البارئ تَعَالَى لَا يعلم إِلَّا نَفسه
هَذَا القَوْل عصمنا الله وَإِيَّاك من الزلل قد أوهم كثيرا من النَّاس أَنهم أَرَادوا بِهِ أَنه غير عَالم بِغَيْرِهِ واستعظم قوم مِنْهُم أَن يصفوه بِهَذِهِ الصّفة فزعموا أَنه عَالم بالكليات غير عَالم بالجزيئات وَزعم آخَرُونَ أَنه عَالم بِعلم الكليات والجزيئات بِعلم كلي وَهَذَا القَوْل الثَّالِث أقرب أَقْوَالهم إِلَى الْحق وَإِن كَانَ فِيهِ مَوضِع للتعقب وَأما الْقَوْلَانِ الْآخرَانِ فقد اجْتمع فيهمَا الْخَطَأ الْفَاحِش وَالْجهل بِصِفَات البارئ ﷻ وَسُوء التأول لكَلَام القدماء من الفلاسفة وَيجب علينا أَولا أَن نبين معنى قَول الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين إِن البارئ
فَاحِش وَالْجهل بِصِفَات البارئ ﷻ وَسُوء التأول لكَلَام القدماء من الفلاسفة وَيجب علينا أَولا أَن نبين معنى قَول الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين إِن البارئ
تَعَالَى لَا يعلم إِلَّا نَفسه وَأَنَّهُمْ لم يُرِيدُوا بذلك أَنه جَاهِل بِغَيْرِهِ ونورد من كَلَامهم مَا يدل على براءتهم مِمَّا توهمه هَؤُلَاءِ عَلَيْهِم ثمَّ نناقضهم بعد ذَلِك فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فصل
أما قَوْلهم إِن البارئ تَعَالَى لَا يعلم إِلَّا نَفسه فَيحْتَمل أَرْبَعَة معَان يقرب بَعْضهَا من بعض أَحدهَا أَن الْوُجُود نَوْعَانِ وجود مُطلق وَوُجُود مُضَاف فالوجود الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يفْتَقر إِلَى موجد وَلَا هُوَ مَعْلُول لعِلَّة هِيَ أقدم مِنْهُ والوجود الْمُضَاف هُوَ الَّذِي يفْتَقر إِلَى موجد كَانَ عِلّة لَهُ فالوجود الْمُطلق هُوَ الَّذِي يُوصف بِهِ البارئ ﷻ لِأَنَّهُ الْمَوْجُود الْمُطلق الَّذِي لَا عِلّة لوُجُوده والوجود الْمُضَاف هُوَ الَّذِي يُوصف بِهِ سواهُ من الموجودات لِأَن وجود كل مَوْجُود مقتبس من وجوده وتابع لَهُ ومتعلق بِهِ حَتَّى إِنَّه لَو توهم ارْتِفَاع وجوده تَعَالَى لارتفع وجود كل شَيْء
سواهُ من الموجودات لِأَن وجود كل مَوْجُود مقتبس من وجوده وتابع لَهُ ومتعلق بِهِ حَتَّى إِنَّه لَو توهم ارْتِفَاع وجوده تَعَالَى لارتفع وجود كل شَيْء
وَلأَجل هَذَا شبهوا وجود الْأَشْيَاء عَنهُ بِوُجُود نور الشَّمْس عَن الشَّمْس لِأَن الشَّمْس إِذا ذهبت ذهب نورها وَلم يُرِيدُوا بِهَذَا الْكَلَام تشبيهه بالشمس على الْحَقِيقَة لِأَن البارئ يتعالى عَن أَن يكون لَهُ نَظِير وَإِنَّمَا أَرَادوا بِهَذَا تَمْثِيل افتقار الموجودات إِلَى وجوده على جِهَة التَّقْرِيب من الأفهام كَمَا قَالُوا أَيْضا إِن وجود الموجودات عَنهُ كوجود الْكَلَام من الْمُتَكَلّم لَا كوجود الدَّار من الْبناء لِأَن الدَّار يُمكن أَن تُوجد مَعَ عدم الْبناء وَلَا يُمكن أَن يُوجد شَيْء إِلَّا بِوُجُود البارئ تَعَالَى فَلَمَّا كَانَ البارئ تَعَالَى هُوَ الْمَوْجُود الصَّحِيح الْوُجُود كَانَ وجود غَيره لاحقا بِوُجُودِهِ وتابعا لَهُ وَلم يكن فِي الْوُجُود إِلَّا هُوَ فِي مصنوعاته صَار الْوُجُود من هَذِه الْجِهَة كَأَنَّهُ مَوْجُود وَاحِد والمعلوم كَأَنَّهُ مَعْلُوم وَاحِد وَصَارَ إِذا علم نَفسه فقد علم كل وجود تَابع لوُجُوده
وَالْمعْنَى الثَّانِي
ه الْجِهَة كَأَنَّهُ مَوْجُود وَاحِد والمعلوم كَأَنَّهُ مَعْلُوم وَاحِد وَصَارَ إِذا علم نَفسه فقد علم كل وجود تَابع لوُجُوده
وَالْمعْنَى الثَّانِي
أَن الْمَعْقُول تتميم للعاقل وتتميم للجوهر وَلَوْلَا ذَلِك مَا احْتَاجَ إِلَى أَن يعقل غَيره وَلَيْسَ فِي كَثْرَة معقولات الْعَاقِل دَلِيل على فَضله بل فِيهَا دلَالَة عل شدَّة نَقصه فعلى قدر كَمَال الشَّيْء فِي جوهره تقل معقولاته وعَلى قدر نَقصه تكْثر معقولاته وَلأَجل هَذَا صَار النَّقْص لَازِما لكل مَوْجُود دون البارئ تَعَالَى لِأَنَّهَا كلهَا لَا تنَال الْفَضِيلَة والكمال إِلَّا بعقلها البارئ ﷻ فأقربها إِلَيْهِ أكملها وأقلها نقصا لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج فِي كَمَال جوهره إِلَى أَكثر من عقله الْعلَّة الأولى وَكلما انحطت مَرَاتِب الموجودات كثر نَقصهَا وَاحْتَاجَ كل وَاحِد مِنْهَا فِي كَمَال جوهره إِلَى أَن يعقل كل مَوْجُود قبله مَعَ عقله الْعلَّة الأولى إِذا لَا يُمكنهُ عقل الْعلَّة الأولى حَتَّى يعقل الوسائط الَّتِي بَينه وَبَينهَا فَلَمَّا كَانَ البارئ تَعَالَى هُوَ نِهَايَة الْكَمَال كَانَ غَنِيا عَن أَن يعقل غَيره وَإِذا كَانَ عقل نَفسه فقد عقل سواهُ
وَالْمعْنَى الثَّالِث
قد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب شرح قَوْلهم إِن الْأَعْدَاد دوائر وهمية عِنْد شرح قَول أرسطو إِن البارئ تَعَالَى عِلّة الْأَشْيَاء على أَنه فَاعل لَهَا وعَلى أَنه غَايَة لَهَا وعَلى أَنه صُورَة لَهَا وَذكرنَا أَنه لم يرد الصُّورَة الَّتِي هِيَ شكل وتخطيط وَلَا الصُّورَة الَّتِي هِيَ النَّوْع لِأَنَّهُ لَا يُوصف بالصورة وَقُلْنَا إِن معنى ذَلِك أَن وجود غَيره لما كَانَ مقتبسا من وجوده صَار من هَذِه الْجِهَة كَأَنَّهُ صُورَة للموجودات إِذْ كَانَت إِنَّمَا تُوجد بِوُجُودِهِ كَمَا يُوجد المصور بصورته وَصَارَ وجوده كالجنس الَّذِي يجمع الْأَنْوَاع والأشخاص وَإِن كَانَ البارئ تَعَالَى يتنزه عَن أَن يُوصف بِجِنْس أَو نوع أَو شخص وَلكنه تَمْثِيل وتقريب لَا حَقِيقَة فَيصير الْمَعْلُوم أَيْضا من هَذِه الْجِهَة وَاحِدًا وَالْمعْنَى الرَّابِع
أَن الْإِنْسَان لَا يعلم الْأَشْيَاء بِذَاتِهِ وجوهره وَلَو علمهَا بذلك لكَانَتْ ذَاته عَالِمَة أبدا وَلم يحْتَج إِلَى اكْتِسَاب الْعلم وَإِنَّمَا يعلم الْأَشْيَاء
بِأُمُور زَائِدَة على ذَاته يتخذها آلَات يتَوَصَّل بهَا إِلَى نيل معقولاته وَهِي الْحَواس الْخمس
والمعقولات الأول الَّتِي يجدهَا مركوزة فِي نَفسه وَلَا يدْرِي من أَيْن حصلت لَهُ فبهذين الصِّنْفَيْنِ من الْآلَات يتَوَصَّل إِلَى اكْتِسَاب المعارف الَّتِي يتجوهر بهَا وَيحصل لَهُ عقل مُسْتَفَاد والبارئ تَعَالَى لَا يُوصف بِأَنَّهُ يعلم الْأَشْيَاء بِهَذِهِ الصّفة جلّ عَن ذَلِك وَإِذا اسْتَحَالَ أَن يعلم الْأَشْيَاء على هَذَا السَّبِيل صَحَّ أَن علمه ذاتي لَيْسَ باكتساب وَإِذا اسْتَحَالَ أَن يُوصف بِأَن علمه شَيْء زَائِد على ذَاته كَانَت ذَاته هِيَ الْعلم بِعَيْنِه وَإِذا لم يَصح أَن يُوصف بِأَنَّهُ مفتقر إِلَى غَيره بل كل شَيْء مفتقر إِلَيْهِ صَحَّ أَن الْعَالم وَالْعلم والمعلوم مِنْهُ شَيْء وَاحِد بِخِلَاف مَا نعقله من أَنْفُسنَا وَإِذا ثَبت هَذَا بالدلائل الَّتِي يضْطَر إِلَيْهَا صَار إِذا علم نَفسه فقد علم كل شَيْء
فصل
م مِنْهُ شَيْء وَاحِد بِخِلَاف مَا نعقله من أَنْفُسنَا وَإِذا ثَبت هَذَا بالدلائل الَّتِي يضْطَر إِلَيْهَا صَار إِذا علم نَفسه فقد علم كل شَيْء
فصل
وَمِمَّا يدل على اعْتِقَاد كبراء الفلاسفة وجلتهم أَن البارئ تَعَالَى عَالم بِكُل شَيْء لَا يغيب عَنهُ مِقْدَار الذّرة وَمَا هُوَ ألطف مِنْهَا وَأَنه عَالم بضمائر النُّفُوس ووساوس الصُّدُور مَعَ قَوْلهم إِنَّه لَا يعرف إِلَّا نَفسه قَوْلهم إِن البارئ تَعَالَى مَوْجُود مَعَ كل شَيْء يُرِيدُونَ أَن الْوحدَة السارية مِنْهُ تَعَالَى بهَا حصل لكل مَوْجُود ذَات ينْفَصل بهَا عَن ذَات أُخْرَى وَبهَا تهوى كل متهو فَكيف يتَوَهَّم على من يعْتَقد هَذَا أَن يَقُول إِن البارئ تَعَالَى يجهل شَيْئا أَو يغيب عَنهُ شَيْء وَهَذَا إِثْبَات الشَّيْء ونقيضه مَعًا وَمن ذَلِك قَوْلهم إِن البارئ تَعَالَى عقل متجرد عَن الْمَادَّة بِخِلَاف مَا يُوصف من أَنه عقل إِذْ كَانَ لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء
وَإِذا كَانَ عِنْدهم عقلا متجردا من الْمَادَّة لم يخف عَنهُ شَيْء لِأَن الْمَانِع لنا من إِدْرَاك الْأَشْيَاء إِنَّمَا هُوَ الْمَادَّة وَمن ذَلِك قَوْلهم إِن الْعَاقِل وَالْعقل والمعقول مِنْهُ شَيْء وَاحِد وَكَذَلِكَ الْعَالم وَالْعلم والمعلوم وَشَيْء وَاحِد فذاته عِنْدهم عقل وَعلم فَكيف يتَوَهَّم على من ذَاته عقل وَعلم أَنه يغيب عَنهُ شَيْء وَمن ذَلِك قَوْلهم إِن الْغَرَض فِي الْعلم الْقرب من الله تَعَالَى فِي الصِّفَات وَقَوْلهمْ فِي حد الفلسفة إِن مَعْنَاهَا التَّشَبُّه بِاللَّه تَعَالَى بِمِقْدَار طَاقَة الْإِنْسَان فصح بِهَذَا أَنه تَعَالَى الْعَالم على الْإِطْلَاق وَأَن علمه هُوَ الْعلم على الْإِطْلَاق وَمن ذَلِك قَول أفلاطون فِي كتاب طيماوس حِين تكلم فِي العوالم الْعَالِيَة فَذكر فَضلهَا ثمَّ قَالَ وَهَذَا لَيْسَ لنا فِي عالمنا هَذَا بل لَو عَسى أَنا فِي العوالم الْعَالِيَة إِذا نَحن تهذبنا فجزنا الأفلاك التِّسْعَة وحركاتها بتطلعنا وجزنا عَالم النَّفس بتهذيبنا حَتَّى نحل فِي عَالم الْعقل الَّذِي
فِي العوالم الْعَالِيَة إِذا نَحن تهذبنا فجزنا الأفلاك التِّسْعَة وحركاتها بتطلعنا وجزنا عَالم النَّفس بتهذيبنا حَتَّى نحل فِي عَالم الْعقل الَّذِي
لَا تخفى عَلَيْهِ خافية وَلَا تحوزه صُورَة وَلَيْسَ فِيهِ زمَان وَلَا مَكَان وَلَا حَرَكَة وَلَا كَيْفيَّة وَلَا هيولى بل الْأَشْيَاء فِيهِ حقائق مُجَرّدَة مكشوفة لَيْسَ فِيهِ قُوَّة بل الصُّورَة فِيهِ ثَابِتَة رَاجِعَة على أَنْفسهَا وذواتها تعرف أَنْفسهَا وَغَيرهَا لما فِيهِ من مطالعة البارئ جلّ وَعز لَهَا وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَهُوَ يُرِيد أَن يَنْفِي عَن نَفسه أَن يتَوَهَّم عَلَيْهِ القَوْل بأزلية الْعَالم وَقدمه فَقَالَ إِنَّمَا نُرِيد بقولنَا إِن الْعَالم لم يزل أَن العوالم قد كَانَت مصورات عِنْد البارئ ﷿ متمثلات بِالْقُوَّةِ قبل كَونهَا وَذَلِكَ أَن البارئ تَعَالَى لم يزل متطلعا إِلَيْهَا نَاظرا إِلَى ذَاته عَارِفًا بوحدانيته فترداده على ذَاته بالمعرفة هُوَ عَالم الْعقل المطابق لَهُ فِيهِ الصُّور مَحْضَة وَهَذَا الْكَلَام وَإِن فِيهِ مَا يحْتَاج إِلَى التعقب فقد صَحَّ مِنْهُ أَن
مذْهبه أَن البارئ ﷻ عَالم بالأشياء قبل كَونهَا بِخِلَاف مَا يتَوَهَّم عَلَيْهِ وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَيْضا من مذْهبه قَوْله فِي النواميس مَا من شَيْء أعون على صَلَاح أَمر كل وَاحِد من النَّاس وَأمر جَمَاعَتهمْ من أَن يعلمُوا ويعتقدوا ثَلَاثَة آراء وَلَا أضرّ من أَن يجهلوها ويعتقدوا خلَافهَا أَحدهَا أَن يعلمُوا أَن للأشياء صانعا وَالثَّانِي أَن يعلمُوا أَنه لَا يغْفل شَيْئا وَلَا يفوتهُ شَيْء بل كل الْأَشْيَاء تَحت علمه وَتَحْت عنايته وتدبيره وَالثَّالِث أَنه لَا يرضيه وَلَا يقبل من أحد أَن يُخطئ خطيئه يتعمدها على أَن يُقيم بإزائها قربانا إِلَيْهِ فَيغْفر لَهُ بل إِنَّمَا يقبل قربانه إِذا عمل عملا صَالحا ثمَّ قَالَ وَهَذِه معَان إِنَّمَا مَعْدِنهَا وَمَوْضِع تعلمهَا من علم الْأُمُور الإلهية وَهُوَ يُسمى باليونانية أثولوجيا
وَمِمَّا يدل على ذَلِك من مذاهبهم اعْتِقَادهم وتصريحهم بِأَن الْعَالم إِنْسَان كَبِير كَمَا أَن الْإِنْسَان عَالم صَغِير فَكَمَا أَن المحسوسات تصل إِلَى النَّفس الْجُزْئِيَّة بتوسط الْحَواس الجسمانية بلازمان فتنطبع صورها فِي الْعقل الجزئي الهيولاني فَكَذَلِك فِي الْعَالم الَّذِي هُوَ الْإِنْسَان الْكَبِير أَشْيَاء هِيَ بِمَنْزِلَة الْحَواس للنَّفس الْكُلية الَّتِي هِيَ نفس الْإِنْسَان الْأَكْبَر يتَّصل بهَا من قبلهَا أَحْوَال الْعَالم بِلَا زمَان وَإِذا اتَّصَلت بِالنَّفسِ الْكُلية اتَّصَلت بِالْعقلِ الْكُلِّي كاتصالها بِالْعقلِ الجزئي وَإِذا اتَّصَلت بِالْعقلِ الْكُلِّي اتَّصَلت بالبارئ جلّ وَتَعَالَى لِأَن الْعقل الْكُلِّي لَا وَاسِطَة بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَهَذِهِ جمل من كَلَامهم تدل من تأملها على براءتهم من سوء تَأْوِيل من نسب إِلَيْهِم القَوْل بِأَن البارئ لَا يعلم الْأَشْيَاء وَلَا يعلم إِلَّا نَفسه
فصل
هِ جمل من كَلَامهم تدل من تأملها على براءتهم من سوء تَأْوِيل من نسب إِلَيْهِم القَوْل بِأَن البارئ لَا يعلم الْأَشْيَاء وَلَا يعلم إِلَّا نَفسه
فصل
وَقد احْتج من زعم أَن الله تَعَالَى لَا يعلم الْأَشْيَاء بِأَن قَالَ إِنَّمَا اسْتَحَالَ أَن يُوصف بِأَنَّهُ يعلم الْأَشْيَاء لِأَن الْعلم بالأشياء يحْتَاج فِيهِ إِلَى إِدْرَاك الْحَواس وَتَقْدِيم الْمُقدمَات الَّتِي بهَا يتَوَصَّل إِلَى معرفَة الكليات من الجزئيات وَفِيه كَمَال الْعَالم وَيحْتَاج فِيهِ إِلَى تصور وتخيل والبارئ سُبْحَانَهُ يجل عَن أَن يُوصف بِأَنَّهُ يتَصَوَّر شَيْئا أَو يتخيله أَو أَنه ذُو حواس يتَوَصَّل بهَا إِلَى معرفَة شَيْء أَو يحْتَاج إِلَى مُقَدمَات وَأَن غَيره يفِيدهُ كمالا فِي ذَاته بل هُوَ الْمُفِيد الْكَمَال لكل كَامِل على مِقْدَار مرتبته وَهُوَ غَنِي عَن غَيره وَغَيره مفتقر إِلَيْهِ فَفِي وَصفنَا لَهُ بِأَنَّهُ يعلم غَيره نقص لَهُ لَا كَمَال وجوابنا عَن هَذَا هُوَ أَن نقُول لَهُم هَل تَزْعُمُونَ أَن البارئ تَعَالَى يشبه الْبشر فِي ذَاته وَصِفَاته أم هُوَ مُخَالف لَهُم فَإِن زَعَمُوا أَنه مشبه لَهُم بِالذَّاتِ وَالصِّفَات أَو فِي بعض ذَلِك لزم أَن يلْحقهُ من النَّقْص مَا يلْحق الْبشر وَأَن يلْزمه من الْحُدُوث مَا يلْزم سَائِر الْأَشْيَاء
ه لَهُم بِالذَّاتِ وَالصِّفَات أَو فِي بعض ذَلِك لزم أَن يلْحقهُ من النَّقْص مَا يلْحق الْبشر وَأَن يلْزمه من الْحُدُوث مَا يلْزم سَائِر الْأَشْيَاء
وَإِن قَالُوا إِنَّه مُخَالف للبشر لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء قُلْنَا لَهُم من أَيْن قستم علمه على علمكُم وأوجبتم أَنه إِن كَانَ عَالما لزم أَن يعلم باستنباط ومقدمات وَاحْتَاجَ إِلَى حواس وَمَا تنكرون من أَن يكون يعلم الْأَشْيَاء بِنَوْع آخر من الْعلم لَا يكيف وَلَا يشبه علم الْبشر وَمَا الَّذِي تبطلون بِهِ هَذَا فَإِن قَالُوا لَا يعقل علم إِلَّا بِهَذِهِ الطّرق لَزِمَهُم تَشْبِيه البارئ تَعَالَى بمخلوقاته وَقُلْنَا لَهُم من أَيْن زعمتم أَنه عَالم وَأَنه علم وَأَنه مَعْلُوم شَيْء وَاحِد لَا تغاير فِيهِ وَكَذَلِكَ أَنه عَاقل وَأَنه عقل وَأَنه مَعْقُول شَيْء وَاحِد من صِفَاته وَهَذَا أَمر غير مَعْقُول فِيمَا نعهده من أَنْفُسنَا وَيُقَال لَهُم كَذَلِك لَا نعقل مَوْجُودا إِلَّا أَن يكون جوهرا حَامِلا للأعراض أَو عرضا مَحْمُولا فِي جَوْهَر فاحكموا على البارئ تَعَالَى وَجل أَنه جَوْهَر من جنس الْجَوَاهِر المعقولة وَلَا فرق وَيُقَال لمن زعم مِنْهُم أَنه يعلم الكليات وَلَا يعلم الجزئيات من أَيْن فرقتم بَين الْأَمريْنِ
جل أَنه جَوْهَر من جنس الْجَوَاهِر المعقولة وَلَا فرق وَيُقَال لمن زعم مِنْهُم أَنه يعلم الكليات وَلَا يعلم الجزئيات من أَيْن فرقتم بَين الْأَمريْنِ
فَإِن قَالُوا لِأَن الجزيئات تدخل تَحت الزَّمَان وتتغير بتغيره وَيحْتَاج فِي مَعْرفَتهَا إِلَى الْحَواس وجوابنا عَن هَذَا أَن نقُول ألستم تعلمُونَ أَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يعلم الكليات بمشاهدة الجزئيات الْوَاقِعَة تَحت الزَّمَان وَالِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا بالمقدمات الغريزيات فَهَل تَزْعُمُونَ أَن الله تَعَالَى يدْرك الكليات بِهَذَا السَّبِيل فَإِن قَالُوا نعم شبهوه بالبشر وَقُلْنَا لَهُم إِذا جَازَ عنْدكُمْ أَن يشبه الْبشر فِي علم الكليات فَمَا الَّذِي يمنعهُ أَن يشبههم فِي علم الجزيئات وَإِن قَالُوا لَا يجوز أَن يعلم الكليات على نَحْو مَا يعلمهَا الْبشر وَإِنَّمَا يعملها بِنَوْع آخر من الْعلم لَا يكيف وَلَا يشبه علم الْبشر قُلْنَا فَمَا الْمَانِع أَن يعلم الجزيئات بِهَذَا الْعلم وَلَا فرق وعمدة هَذَا الْبَاب وَغَيره من الْكَلَام فِي صِفَات الله تَعَالَى أَن تجْعَل اصلك أَن البارئ سُبْحَانَهُ لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء وتجتهد فِي أَن تعلم هَذِه الْجُمْلَة بالبراهين الْوَاضِحَة
فَإِذا تقررت فِي نَفسك سَقَطت عَنْك هَذِه الوساوس كلهَا لِأَن الَّذين غلطوا فِي هَذِه الْمعَانِي إِنَّمَا عرض لَهُم الْغَلَط لأَنهم يقيسون الله تَعَالَى بالبشر ويشبهون صِفَاته بصفاتهم وَقد أَثْبَتَت شريعتنا الحنيفية الَّتِي شرفنا الله تَعَالَى بهَا أَن الله عَالم بكبير الْأَشْيَاء وصغيرها لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض وَأَنه ﴿يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور﴾ ﴿وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ وَهَذِه صِفَات الْكَمَال الَّتِي تلِيق بِاللَّه تَعَالَى لَا مَا زَعمه هَؤُلَاءِ المبطلون
وَقد ذكرنَا من كَلَام الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين مَا يُطَابق هَذَا الَّذِي ورد بِهِ شرعنا وَقد قلت فِي ذَلِك (يَا واصفا ربه بِجَهْل ... لم تقدر الله حق قدره) // من مخلع الْبَسِيط // (كَيفَ يفوت الْإِلَه علم ... بسر مخلوقه وجهره) (وَهُوَ مُحِيط بِكُل شَيْء ... وَكلهَا كَائِن بأَمْره)
الْبَاب السَّابِع فِي إِقَامَة الْبَرَاهِين على أَن النَّفس الناطقة حَيَّة بعد مُفَارقَة الْجِسْم
النُّفُوس ثَلَاثَة نباتية وحيوانية وناطقة فَأَما النَّفس النباتية وَالنَّفس الحيوانية فَلَا نعلم خلافًا فِي عدمهَا بِعَدَمِ الْجِسْم وَإِنَّمَا وَقع الْخلاف فِي النَّفس الناطقة وَهِي الْعَاقِلَة المميزة فَزعم قوم أَنَّهَا تعدم عِنْد فراقها الْجِسْم كَعَدم النباتية والحيوانية وَقَالَ قوم إِنَّهَا بَاقِيَة حَيَّة لَا عدم لَهَا وَهُوَ مَذْهَب سقراط وأرسطو وأفلاطون وَسَائِر زعماء الفلاسفة وعَلى ذَلِك تدل الشَّرَائِع كلهَا
وَأَنا أذكر جملَة من الْبَرَاهِين الفلسفية على بَقَائِهَا لِأَن الشَّرْعِيَّة لَا تلِيق بِهَذَا الْوَضع وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق برهَان أول
ِع كلهَا
وَأَنا أذكر جملَة من الْبَرَاهِين الفلسفية على بَقَائِهَا لِأَن الشَّرْعِيَّة لَا تلِيق بِهَذَا الْوَضع وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق برهَان أول
ميل الْإِنْسَان إِلَى الشَّهَوَات الطبيعية وانغماره فِي اللَّذَّات الجسدية تَمنعهُ من تصور الْحَقَائِق وَقبُول المعارف وتكسب ذهنه بلادة وإقلاله من ذَلِك يُفِيد ذهنه حِدة ويعينه على قبُول المعارف وتصور الْحَقَائِق فَدلَّ ذَلِك على أَن الْمَادَّة الطبيعية آفَة للنَّفس الناطقة وَأَنَّهَا كلما انسلخت مِنْهَا كَانَت أَكثر تمييزا وَأَصَح معرفَة وينتج من هَذِه الْمُقدمَات أَن تكون عِنْد الْمَوْت أصح تمييزا وَأبْصر للحقائق لانسلاخها من جَمِيع الْمَادَّة وَلَا يكون التَّمْيِيز والتصور إِلَّا لحي فَالنَّفْس إِذن حَيَّة بعد موت الْجِسْم وَقد وَافق هَذَا الْبُرْهَان الفلسفي من نُصُوص شرعنا قَول الله تَعَالَى
(لقد كنت فِي غَفلَة من هَذَا فكشفنا عَنْك غطاءك فبصرك الْيَوْم حَدِيد) وَقَول نَبينَا ﷺ (النَّاس نيام فَإِذا مَاتُوا انتبهوا) برهَان ثَان
كل مَوْجُود بِالْفِعْلِ من الْأَشْيَاء الطبيعية فقد كَانَ مَوْجُودا بِالْقُوَّةِ وكل مَا كَانَ مَوْجُودا بِالْقُوَّةِ ثمَّ وجد بِالْفِعْلِ فمخرجه إِلَى الْوُجُود شَيْء آخر هُوَ مَوْجُود بِالْفِعْلِ كَالْمَاءِ الَّذِي هُوَ بَارِد بِالْقُوَّةِ ويخرجه إِلَى الْحَرَارَة بِالْفِعْلِ النَّار الَّتِي هِيَ حارة بِالْفِعْلِ وَهَذَا اضطرار إِذْ لَا يَصح أَن يُوجد الشَّيْء نَفسه وَلَا يَصح أَيْضا أَن يُخرجهُ من الْوُجُود بِالْقُوَّةِ
النَّار الَّتِي هِيَ حارة بِالْفِعْلِ وَهَذَا اضطرار إِذْ لَا يَصح أَن يُوجد الشَّيْء نَفسه وَلَا يَصح أَيْضا أَن يُخرجهُ من الْوُجُود بِالْقُوَّةِ
إِلَى الْوُجُود بِالْفِعْلِ مَا هُوَ مَوْجُود بِالْقُوَّةِ لِأَنَّهُمَا قد تَسَاويا فِي الْعَدَم وكل وَاحِد مِنْهُمَا مفتقر إِلَى موجد وَإِذا اسْتَحَالَ الْأَمْرَانِ صَحَّ أَن مخرج الشَّيْء من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل لَا يكون إِلَّا غَيره وَلَا يكون إِلَّا مَوْجُودا بِالْفِعْلِ وَإِذا ثَبت هَذَا قُلْنَا إِن بعض الْأَجْسَام حَيّ بِالْقُوَّةِ ثمَّ يصير حَيا بِالْفِعْلِ فمخرجه إِذن إِلَى الْحَيَاة جَوْهَر آخر غَيره حَيّ بِالْفِعْلِ والجسم أَيْضا إِنَّمَا يصير حَيا بمقارنة النَّفس لَهُ فَالنَّفْس إِذن حَيَّة بِالْفِعْلِ وَمَا هُوَ حَيّ بِالْفِعْلِ لَا يعْدم الْحَيَاة فَالنَّفْس إِذن لَا تعدم الْحَيَاة برهَان ثَالِث
نفوسنا الناطقة إِنَّمَا تفْتَقر إِلَى الْحَواس الجسدية مَا دَامَت عَارِية من الصُّور الْعَقْلِيَّة فَإِذا حصلت فِيهَا صُورَة من الصُّور الْعَقْلِيَّة لم تحتج إِلَى اسْتِعْمَال الحاسة الَّتِي كَانَت تتوصل بهَا إِلَيْهَا فَدلَّ ذَلِك على أَن للنَّفس
اسْتِقْلَالا بذاتها تَسْتَغْنِي بِهِ عَن الْجِسْم وَأَن أَعْضَاء الْجِسْم إِنَّمَا هِيَ آلَات تلْتَقط بهَا معارفها فانتتج من ذَلِك أَن النَّفس الناطقة إِذا تجوهرت بالمعارف وَحصل لَهَا الْعقل الْمُسْتَفَاد لم تحتج إِلَى التَّعَلُّق بالجسم برهَان رَابِع
نفوسنا تَجِد الْأَشْيَاء الهيولانية مصورة فِي ذَاتهَا عِنْد مغيب الْأَشْيَاء المصورة عَن حواسنا وَكَذَلِكَ نرى الْأَشْيَاء فِي حَال نومنا وَمَا ترَاهُ نفوسنا من ذَلِك فِي حالتي الْيَقَظَة وَالنَّوْم إِنَّمَا هِيَ صُورَة مُجَرّدَة من هيولاتها فَثَبت بذلك أَن الصُّور لَهَا وجودان وجود فِي الهيولى وَوُجُود خلو من الهيولى
وَلَوْلَا ذَلِك لم يُمكن نفوسنا أَن تَجِد صُورَة إِلَّا فِي هيولاتها وَإِذا ثَبت ذَلِك لم يستنكر وجود الْإِنْسَان بعد الْمَوْت صُورَة مُجَرّدَة من الهيولى وَلم يمْنَع من ذَلِك مَانع برهَان خَامِس
نجد الْإِنْسَان بِالْمُشَاهَدَةِ يبْدَأ طفْلا لَا يعلم شَيْئا ثمَّ لَا يزَال كلما نَشأ يترقى فِي المعارف وتكثر المعقولات فِي نَفسه حَتَّى يصير فيلسوفا حكيما فَلَا يَخْلُو مَا يستفيده من التَّمْيِيز والمعرفة أَن يكون من قبل جِسْمه فَقَط أَو من قبل نَفسه فَقَط أَو من قبلهمَا مَعًا فَإِن كَانَ من قبل جِسْمه فَيجب أَن يكون الْإِنْسَان كلما ضخم جِسْمه وَكَثُرت مادته كَانَ أقعد بِقبُول المعارف وَكلما ضؤل وَقلت مادته
كَانَ أبعد عَن قبُول المعارف وَنحن نجد الْأَمر بعكس ذَلِك لأَنا نرى من بِهِ السلال والذبول ينقص جِسْمه كل يَوْم وذهنه بَاقٍ على كَمَاله إِلَى أَن تُفَارِقهُ النَّفس فَبَطل بِهَذَا الدَّلِيل أَن يكون ذَلِك من قبل جِسْمه وَبِنَحْوِ هَذَا الدَّلِيل يبطل أَن يكون ذَلِك من قبل نَفسه وجسمه مَعًا فَإِذن مَا يستفيده الْإِنْسَان من التَّمْيِيز والمعارف إِنَّمَا هُوَ من قبل النَّفس فَقَط ولاحظ فِي ذَلِك للجسم أَكثر من أَنه آلَة لَهَا بِمَنْزِلَة الْآلَات للصناعة وَلَا يَصح وجود التَّمْيِيز والمعارف من موَات وَإِنَّمَا يَصح وجودهما من حَيّ فَالنَّفْس إِذن حَيَّة بالطبع لِأَن فِي طبعها قبُول الْعُلُوم والمعارف والجسم موَات بالطبع إِذْ لَيْسَ فِي طبعه قبُول شَيْء من ذَلِك فَبَان بالبرهان أَن الْإِنْسَان مركب من جوهرين
ِأَن فِي طبعها قبُول الْعُلُوم والمعارف والجسم موَات بالطبع إِذْ لَيْسَ فِي طبعه قبُول شَيْء من ذَلِك فَبَان بالبرهان أَن الْإِنْسَان مركب من جوهرين
أَحدهمَا حَيّ بالطبع وَهِي النَّفس وَالْآخر موَات بالطبع وَهُوَ الْجِسْم وإنهما لما اقترنا عرض لكل وَاحِد مِنْهُمَا عرض من قبل صَاحبه فَعرض للجسم الْحَيَاة الَّتِي هِيَ الْحس من قبل النَّفس وَعرض للنَّفس الْمَوْت الَّذِي يُرَاد بِهِ الْجَهْل من قبل الْجِسْم فَالنَّفْس إِذن حَيَّة بالطبع ميتَة بِالْعرضِ والجسم ميت بالطبع حَيّ بِالْعرضِ فَإِذا انْفَصل كل وَاحِد مِنْهُمَا من صَاحبه خلص للجسم الْمَوْت الْمَحْض الَّذِي هُوَ طبعه وفارقته الْحَيَاة العرضية الَّتِي كَانَ استفادها من النَّفس وخلص للنَّفس الْحَيَاة الْمَحْضَة الَّتِي هِيَ طبعها وفارقها الْمَوْت العرضي الَّذِي كَانَ عرضا لَهَا من قبل استغراقها فِي الْجِسْم برهَان سادس
النَّفس الناطقة تنَاقض النَّفس الحيوانية لِأَنَّهَا ترغب فِي كسب الْفَضَائِل واطراح الرذائل وتزهد فِي اللَّذَّات الجسدية وترغب فِي اللَّذَّات الْعَقْلِيَّة
وَالنَّفس الحيوانية بضد ذَلِك وَلذَلِك سميت بهيمية فَإِن كَانَ لَا بَقَاء للنَّفس الناطقة بعد فِرَاق الْجَسَد وَلَا لَهَا حَيَاة أُخْرَى تجني فِيهَا ثَمَرَة مَا كَانَت تسْعَى فِيهِ وتحض عَلَيْهِ فَالنَّفْس الحيوانية إِذن أشرف من الناطقة وَمَا تَأمر بِهِ النَّفس الحيوانية من استغراقها فِي الشَّهَوَات هُوَ الصَّوَاب وَالْعقل وَمَا تَأمر بِهِ النَّفس الناطقة هُوَ الْخَطَأ وَالْجهل وَهَذَا قلب الْعُقُول وَعكس مَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة برهَان سَابِع
كل شَيْء مركب من بسائط فَإِنَّهُ ينْحل إِلَى بسائط وَالْإِنْسَان مركب من سببين روحاني وجسماني
وَنحن نرى الْإِنْسَان إِذا مَاتَ لحق جِسْمه بجسماني مثله فَكَذَلِك روحانيه يجب أَن يلْحق بروحاني مثله وَقد صَحَّ بِمَا قدمْنَاهُ فِي الْبَرَاهِين السالفة أَن ذَلِك الروحاني هُوَ الَّذِي يُفِيد جِسْمه الْحَيَاة وَأَنه حَيّ بِالْفِعْلِ فَهُوَ إِذن حَيّ بعد مُفَارقَة الْجِسْم لَا يعْدم الْحَيَاة برهَان ثامن
ذَلِك الروحاني هُوَ الَّذِي يُفِيد جِسْمه الْحَيَاة وَأَنه حَيّ بِالْفِعْلِ فَهُوَ إِذن حَيّ بعد مُفَارقَة الْجِسْم لَا يعْدم الْحَيَاة برهَان ثامن
معنى الْحَيَاة الجسدية عندنَا هُوَ مُقَارنَة النَّفس للجسم واستعمالها إِيَّاه وَمعنى الْمَوْت مُفَارقَة النَّفس إِيَّاه وَتركهَا اسْتِعْمَاله وَقَالَ من زعم أَن النَّفس هالكة بِهَلَاك الْجِسْم معنى الْحَيَاة أَن تكون النَّفس ذَات حس وَمعنى الْمَوْت أَن تعدم الْحس فنسألهم عَن الْحس الْمَوْجُود للنَّفس طول مقارنتها للجسم هَل هُوَ ذاتي لَهَا أَو عرضي فِيهَا
فَإِن كَانَ ذاتيا لَهَا بَطل أَن تعدم الْحس بعد مفارقتها الْجِسْم وَإِن كَانَ عرضيا فِيهَا فَلَا يَخْلُو من أَن يكون استفادته من الْجِسْم أَو من جَوْهَر آخر مصاحب لَهُ فَإِن كَانَ الْجِسْم هُوَ الَّذِي يفيدها الْحس وَجب أَلا يعْدم الْجِسْم الْحس إِذا فارقته النَّفس وَهَذَا خلاف مَا نشاهده من حَالهَا وَحَال جسمها وَإِن كَانَت النَّفس إِنَّمَا تستفيد الْحس من جَوْهَر آخر روحاني مُتَّصِل بهَا وَجب أَن نسألهم عَن ذَلِك الْجَوْهَر الآخر هَل هُوَ حساس بِذَاتِهِ أم بجوهر آخر أَيْضا وَيسْتَمر ذَلِك إِلَى مَالا نِهَايَة لَهُ وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ بِالْعقلِ فمحال فَثَبت أَن النَّفس حساسة بذاتها وجوهرها وَمَا كَانَ حساسا بِذَاتِهِ وجوهره بَطل أَن يعْدم الْحَيَاة فَالنَّفْس إِذن حَيَّة بعد فِرَاق الْجِسْم
وَقد اسْتدلَّ الْحُكَمَاء على بَقَاء النَّفس الناطقة بأدلة كَثِيرَة غير هَذِه وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ مِنْهَا مقنع وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق كملت الْمسَائِل الفلسفية وَالْحَمْد لله كثيرا



