— Bagian 2 · حَيّ لَا كالأحياء وقادر لَا كالقادرين كَمَا تَقو… —
Bagian 2
حَيّ لَا كالأحياء وقادر لَا كالقادرين كَمَا تَقول الوقاع لذيذ كالسكر وَلَكِن تِلْكَ اللَّذَّة لَا تشبه هَذِه الْبَتَّةَ وَلَكِن تشاركها فِي الِاسْم
وكأنا إِذا عرفنَا أَن الله تَعَالَى حَيّ قَادر عَالم فَلم نَعْرِف إِلَّا أَنْفُسنَا وَلم نعرفه إِلَّا بِأَنْفُسِنَا إِذْ الْأَصَم لَا يتَصَوَّر أَن يفهم معنى قَوْلنَا إِن الله سميع وَلَا الأكمه يفهم معنى قَوْلنَا إِنَّه بَصِير وَلذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل كَيفَ يكون الله ﷿ عَالما بالأشياء فَنَقُول كَمَا تعلم أَنْت الْأَشْيَاء فَإِذا قَالَ فَكيف يكون قَادِرًا فَنَقُول كَمَا تقدر أَنْت فَلَا يُمكنهُ أَن يفهم شَيْئا إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ مَا يُنَاسِبه فَيعلم أَولا مَا هُوَ متصف بِهِ ثمَّ يعلم غَيره بالمقايسة إِلَيْهِ فَإِن كَانَ لله ﷿ وصف وخاصية لَيْسَ فِينَا مَا يُنَاسِبه ويشاركه فِي الِاسْم وَلَو مُشَاركَة حلاوة السكر لَذَّة الوقاع لم يتَصَوَّر فهمه الْبَتَّةَ فَمَا عرف أحد إِلَّا نَفسه ثمَّ قايس بَين صِفَات الله تَعَالَى وصفات نَفسه وتتعالى صِفَاته عَن أَن تشبه صفاتنا فَتكون هَذِه معرفَة قَاصِرَة يغلب عَلَيْهَا الْإِيهَام والتشبيه فَيَنْبَغِي أَن تقترن بهَا الْمعرفَة بِنَفْي المشابهة وينفي أصل الْمُنَاسبَة مَعَ الْمُشَاركَة فِي الِاسْم وَأما السَّبِيل الثَّانِي المسدود فَهُوَ أَن ينْتَظر العَبْد أَن تحصل لَهُ الصِّفَات الربوبية كلهَا حَتَّى يصير رَبًّا كَمَا ينْتَظر الصَّبِي أَن يبلغ فيدرك تِلْكَ اللَّذَّة وَهَذَا السَّبِيل مسدود مُمْتَنع إِذْ يَسْتَحِيل أَن تحصل تِلْكَ الْحَقِيقَة لغير الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ سَبِيل الْمعرفَة المحققة لَا غير وَهُوَ مسدود قطعا إِلَّا على الله تَعَالَى فَإِذا يَسْتَحِيل أَن يعرف الله تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ غير الله بل أَقُول يَسْتَحِيل أَن يعرف النَّبِي غير النَّبِي وَأما من لَا نبوة لَهُ فَلَا يعرف من النُّبُوَّة إِلَّا اسْمهَا وَأَنَّهَا خاصية مَوْجُودَة لإِنْسَان بهَا يُفَارق من لَيْسَ نَبيا وَلَكِن لَا يعرف مَاهِيَّة تِلْكَ الخاصية إِلَّا بالتشبيه بِصِفَات نَفسه
ا اسْمهَا وَأَنَّهَا خاصية مَوْجُودَة لإِنْسَان بهَا يُفَارق من لَيْسَ نَبيا وَلَكِن لَا يعرف مَاهِيَّة تِلْكَ الخاصية إِلَّا بالتشبيه بِصِفَات نَفسه بل أَزِيد وَأَقُول لَا يعرف أحد حَقِيقَة الْمَوْت وَحَقِيقَة الْجنَّة وَالنَّار إِلَّا بعد الْمَوْت وَدخُول الْجنَّة أَو النَّار لِأَن الْجنَّة عبارَة عَن أَسبَاب ملذة وَلَو فَرضنَا شخصا لم يدْرك قطّ لَذَّة لم يمكننا أصلا أَن نفهمه الْجنَّة تفهيما يرغبه فِي طلبَهَا
وَالنَّار عبارَة عَن أَسبَاب مؤلمة وَلَو فَرضنَا شخصا لم يُقَاس قطّ ألما لم يمكننا قطّ أَن نفهمه النَّار فَإِذا قاساه فهمناه إِيَّاه بالتشبيه بأشد مَا قاساه وَهُوَ ألم النَّار وَكَذَلِكَ إِذا أدْرك شَيْئا من اللَّذَّات فغايتنا أَن نفهمه الْجنَّة بالتشبيه بأعظم مَا ناله من اللَّذَّات وَهِي الْمطعم والمنكح والمنظر فَإِن كَانَ فِي الْجنَّة لَذَّة مُخَالفَة لهَذِهِ اللَّذَّات فَلَا سَبِيل إِلَى تفهيمه أصلا إِلَّا بالتشبيه بِهَذِهِ اللَّذَّات كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي تَشْبِيه لَذَّة الوقاع بحلاوة السكر ولذات الْجنَّة أبعد من كل لَذَّة أدركناها فِي الدُّنْيَا من لَذَّة الوقاع عَن لَذَّة السكر بل الْعبارَة الصَّحِيحَة عَنْهَا أَنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَإِن مثلناها بالأطعمة قُلْنَا مَعَ ذَلِك لَا كهذه الْأَطْعِمَة وَإِن مثلناها بالوقاع قُلْنَا لَا كالوقاع الْمَعْهُود فِي الدُّنْيَا فَكيف يتعجب المتعجبون من قَوْلنَا لم يحصل أهل الأَرْض وَالسَّمَاء معرفَة من الله تَعَالَى إِلَّا على الصِّفَات والأسماء وَنحن نقُول لم يحصلوا من الْجنَّة إِلَّا على الصِّفَات والأسماء وَكَذَلِكَ فِي كل مَا سمع الْإِنْسَان اسْمه وَصفته وَمَا ذاقه وَمَا أدْركهُ وَلَا انْتهى إِلَيْهِ وَلَا اتّصف بِهِ
نَّة إِلَّا على الصِّفَات والأسماء وَكَذَلِكَ فِي كل مَا سمع الْإِنْسَان اسْمه وَصفته وَمَا ذاقه وَمَا أدْركهُ وَلَا انْتهى إِلَيْهِ وَلَا اتّصف بِهِ فَإِن قلت فَمَاذَا نِهَايَة معرفَة العارفين بِاللَّه تَعَالَى فَنَقُول نِهَايَة معرفَة العارفين عجزهم عَن الْمعرفَة ومعرفتهم بِالْحَقِيقَةِ أَنهم لَا يعرفونه وَأَنه لَا يُمكنهُم الْبَتَّةَ مَعْرفَته وَأَنه يَسْتَحِيل أَن يعرف الله الْمعرفَة الْحَقِيقِيَّة المحيطة بكنه صِفَات الربوبية إِلَّا الله ﷿ فَإِذا انْكَشَفَ لَهُم ذَلِك انكشافا برهانيا كَمَا ذَكرْنَاهُ فقد عرفوه أَي بلغُوا الْمُنْتَهى الَّذِي يُمكن فِي حق الْخلق من مَعْرفَته وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الصّديق الْأَكْبَر أَبُو بكر ﵁ حَيْثُ قَالَ الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك بل هُوَ الَّذِي عناه سيد الْبشر صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه حَيْثُ قَالَ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على
نَفسك وَلم يرد بِهِ أَنه عرف مِنْهُ مَا لَا يطاوعه لِسَانه فِي الْعبارَة عَنهُ بل مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وَإِنَّمَا أَنْت الْمُحِيط بهَا وَحدك فَإِذا لَا يحظى مَخْلُوق فِي مُلَاحظَة حَقِيقَة ذَاته إِلَّا بِالْحيرَةِ والدهشة وَأما اتساع الْمعرفَة فَإِنَّهَا تكون فِي معرفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته فَإِن قلت فبماذا تَتَفَاوَت دَرَجَات الْمَلَائِكَة والأنبياء والأولياء فِي مَعْرفَته إِن كَانَ لَا يتَصَوَّر مَعْرفَته فَأَقُول قد عرفت أَن للمعرفة سبيلين أَحدهمَا السَّبِيل الْحَقِيقِيّ وَذَلِكَ مسدود إِلَّا فِي حق الله تَعَالَى فَلَا يَهْتَز أحد من الْخلق لنيله وإدراكه إِلَّا ردته سبحات الْجلَال إِلَى الْحيرَة وَلَا يشرئب أحد لملاحظته إِلَّا غضت الدهشة طرفه وَأما السَّبِيل الثَّانِي وَهُوَ معرفَة الصِّفَات والأسماء فَذَلِك مَفْتُوح لِلْخلقِ وَفِيه تَتَفَاوَت مَرَاتِبهمْ فَلَيْسَ من يعلم أَنه ﷿ عَالم قَادر على الْجُمْلَة كمن شَاهد عجائب آيَاته فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخلق الْأَرْوَاح والأجساد واطلع على بَدَائِع المملكة وغرائب الصَّنْعَة ممعنا فِي التَّفْصِيل ومستقصيا دقائق الْحِكْمَة ومستوفيا لطائف التَّدْبِير ومتصفا بِجَمِيعِ الصِّفَات الملكية المقربة من الله ﷿ نائلا لتِلْك الصِّفَات نيل اتصاف بهَا بل بَينهمَا من البون الْعَظِيم مَا لَا يكَاد يُحْصى وَفِي تفاصيل ذَلِك ومقاديره يتَفَاوَت الْأَنْبِيَاء والأولياء وَلنْ يصل إِلَى فهمك هَذَا إِلَّا بمثال ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ سُورَة النَّحْل / الْآيَة ٦٠ وَلَكِنَّك تعلم أَن الْعَالم التقي الْكَامِل مثلا مثل الشَّافِعِي ﵁ يعرفهُ بواب دَاره ويعرفه الْمُزنِيّ ﵀ تِلْمِيذه فالبواب يعرفهُ أَنه عَالم بِالشَّرْعِ ومصنف فِيهِ ومرشد خلق الله عز
الْكَامِل مثلا مثل الشَّافِعِي ﵁ يعرفهُ بواب دَاره ويعرفه الْمُزنِيّ ﵀ تِلْمِيذه فالبواب يعرفهُ أَنه عَالم بِالشَّرْعِ ومصنف فِيهِ ومرشد خلق الله عز
وَجل إِلَيْهِ على الْجُمْلَة والمزني يعرفهُ لَا كمعرفة البواب بل معرفَة مُحِيطَة بتفاصيل صِفَاته ومعلوماته بل الْعَالم الَّذِي يحسن عشرَة أَنْوَاع من الْعُلُوم لَا يعرفهُ بِالْحَقِيقَةِ تِلْمِيذه الَّذِي لم يحصل إِلَّا نوعا وَاحِدًا فضلا عَن خادمه الَّذِي لم يحصل شَيْئا من علومه بل الَّذِي حصل علما وَاحِدًا فَإِنَّمَا عرف على التَّحْقِيق عشره إِن ساواه فِي ذَلِك الْعلم حَتَّى لم يقصر عَنهُ فَإِن قصر عَنهُ فَلَيْسَ يعرف بِالْحَقِيقَةِ مَا قصر عَنهُ إِلَّا بِالِاسْمِ وإيهام الْجُمْلَة وَهُوَ أَنه يعرف أَنه يعلم شَيْئا سوى مَا علمه فَكَذَلِك فَافْهَم تفَاوت الْخلق فِي معرفَة الله تَعَالَى بِقدر مَا انْكَشَفَ لَهُم من مَعْلُومَات الله ﷿ وعجائب مقدوراته وبدائع آيَاته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْملك والملكوت تزداد معرفتهم بِاللَّه ﷿ وتقرب معرفتهم من معرفَة الْحَقِيقَة من معرفَة الله تَعَالَى فَإِن قلت فَإِذا لم يعرفوا حَقِيقَة الذَّات واستحال مَعْرفَتهَا فَهَل عرفُوا الْأَسْمَاء وَالصِّفَات معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة قُلْنَا هَيْهَات ذَلِك أَيْضا لَا يعرفهُ بالكمال والحقيقة إِلَّا الله ﷿ لأَنا إِذا علمنَا أَن ذاتا عَالِمَة فقد علمنَا شَيْئا مُبْهما لَا نَدْرِي حَقِيقَته لَكِن نَدْرِي أَن لَهُ صفة الْعلم فَإِن كَانَت صفة الْعلم مَعْلُومَة لنا حَقِيقَة كَانَ علمنَا بِأَنَّهُ عَالم علما تَاما بِحَقِيقَة هَذِه الصّفة وَإِلَّا فَلَا وَلَا يعرف أحد حَقِيقَة علم الله ﷿ إِلَّا من لَهُ مثل علمه وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لَهُ فَلَا يعرفهُ أحد سواهُ وَإِنَّمَا يعرفهُ غَيره بالتشبيه بِعلم نَفسه كَمَا أوردنا من مِثَال التَّشْبِيه بالسكر وَعلم الله ﷿ لَا يشبه علم الْخلق الْبَتَّةَ فَلَا يكون معرفَة الْخلق بِهِ معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة بل إيهامية تشبيهية
من مِثَال التَّشْبِيه بالسكر وَعلم الله ﷿ لَا يشبه علم الْخلق الْبَتَّةَ فَلَا يكون معرفَة الْخلق بِهِ معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة بل إيهامية تشبيهية وَلَا تتعجبن من هَذَا فَإِنِّي أَقُول لَا يعرف السَّاحر إِلَّا السَّاحر نَفسه أَو سَاحر مثله أَو فَوْقه فَأَما من لَا يعرف السحر وَحَقِيقَته وماهيته لَا يعرف من السَّاحر إِلَّا اسْمه وَيعرف أَن لَهُ علما وخاصية لَا يدْرِي مَا ذَلِك الْعلم إِذْ لَا يدْرِي معلومه وَلَا يدْرِي مَا تِلْكَ الخاصية نعم يدْرِي أَن تِلْكَ الخاصية وَإِن
كَانَت مُبْهمَة فَهِيَ من جنس الْعُلُوم وثمرتها تَغْيِير الْقُلُوب وتبديل أَوْصَاف الْأَعْيَان والتفريق بَين الْأزْوَاج وَهَذَا بمعزل عَن معرفَة حَقِيقَة السحر وَمن لم يعرف حَقِيقَة السحر لَا يعرف حَقِيقَة السَّاحر لِأَن السَّاحر من لَهُ خاصية السحر وَحَاصِل اسْم السَّاحر أَنه اسْم مُشْتَقّ من تِلْكَ الصّفة إِن كَانَت مَجْهُولَة فَهُوَ مَجْهُول وَإِن كَانَت مَعْلُومَة فَهُوَ مَعْلُوم والمعلوم من السحر لغير السَّاحر وصف عَام بعيد عَن الْمَاهِيّة وَهُوَ أَنه من جنس الْعُلُوم فَإِن اسْم الْعلم ينْطَلق عَلَيْهِ فَكَذَلِك الْحَاصِل عندنَا من قدرَة الله ﷿ أَنه وصف ثَمَرَته وأثره وجود الْأَشْيَاء وينطلق عَلَيْهِ اسْم الْقُدْرَة لِأَنَّهُ يُنَاسب قدرتنا مُنَاسبَة لَذَّة الوقاع لَذَّة السكر وَهَذَا كُله بمعزل عَن حَقِيقَة تِلْكَ الْقُدْرَة نعم كلما ازْدَادَ العَبْد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنع فِي ملكوت السَّمَوَات كَانَ حَظه من معرفَة صفة الْقُدْرَة أوفر لِأَن الثَّمَرَة تدل على المثمر كَمَا أَنه كلما ازْدَادَ التلميذ إحاطة بتفاصيل عُلُوم الْأُسْتَاذ وتصانيفه كَانَت مَعْرفَته لَهُ أكمل واستعظامه لَهُ أتم
َن الثَّمَرَة تدل على المثمر كَمَا أَنه كلما ازْدَادَ التلميذ إحاطة بتفاصيل عُلُوم الْأُسْتَاذ وتصانيفه كَانَت مَعْرفَته لَهُ أكمل واستعظامه لَهُ أتم فَإلَى هَذَا يرجع تفَاوت معرفَة العارفين ويتطرق إِلَيْهِ تفَاوت لَا يتناهى لِأَن مَا لَا يقدر الْآدَمِيّ على مَعْرفَته من مَعْلُومَات الله تَعَالَى لَا نِهَايَة لَهُ وَمَا يقدر عَلَيْهِ أَيْضا لَا نِهَايَة لَهُ وَإِن كَانَ مَا يدْخل مِنْهُ فِي الْوُجُود متناهيا وَلَكِن مَقْدُور الْآدَمِيّ من الْعُلُوم لَا نِهَايَة لَهُ نعم الْخَارِج إِلَى الْوُجُود متفاوت فِي الْكَثْرَة والقلة وَبِه يظهرالتفاوت وَهُوَ كالتفاوت بَين النَّاس فِي الْقُدْرَة الْحَاصِلَة لَهُم بالغنى بِالْمَالِ فَمن وَاحِد يملك الدانق وَالدِّرْهَم وَمن آخر يملك ألافا فَكَذَلِك الْعُلُوم بل التَّفَاوُت فِي الْعُلُوم أعظم لِأَن المعلومات لَا نِهَايَة لَهَا وأعيان الْأَمْوَال أجسام والأجسام متناهية لَا يتَصَوَّر أَن تَنْتفِي النِّهَايَة عَنْهَا فَإِذا قد عرفت كَيفَ يتَفَاوَت الْخلق فِي بحار معرفَة الله ﷿ وَأَن
ذَلِك لَا نِهَايَة لَهُ وَعرفت أَن من قَالَ لَا يعرف الله غير الله فقد صدق وَأَن من قَالَ لَا أعرف إِلَّا الله فقد صدق أَيْضا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله ﷿ وأفعاله فَإِذا نظر إِلَى أَفعاله من حَيْثُ هِيَ أَفعاله وَكَانَ مَقْصُور النّظر عَلَيْهِ وَلم يره من حَيْثُ هُوَ سَمَاء وَأَرْض وَشَجر بل من حَيْثُ أَنه صنعه فَلم يُجَاوز مَعْرفَته حَضْرَة الربوبية فيمكنه أَن يَقُول مَا أعرف إِلَّا الله وَمَا أرى إِلَّا الله ﷿ وَلَو تصور شخص لَا يرى إِلَّا الشَّمْس ونورها الْمُنْتَشِر فِي الْآفَاق يَصح مِنْهُ أَن يَقُول مَا أرى إِلَّا الشَّمْس فَإِن النُّور الفايض مِنْهَا هُوَ من جُمْلَتهَا لَيْسَ خَارِجا مِنْهَا وكل مَا فِي الْوُجُود نور من أنوار الْقُدْرَة الأزلية وَأثر من آثارها وكما أَن الشَّمْس ينبوع النُّور الفايض على كل مستنير فَكَذَلِك الْمَعْنى الَّذِي قصرت الْعبارَة عَنهُ فَعبر عَنهُ بِالْقُدْرَةِ الأزلية للضَّرُورَة وَهُوَ ينبوع الْوُجُود الفابض على كل مَوْجُود فَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله ﷿ فَيجوز أَن يَقُول الْعَارِف لَا أعرف إِلَّا الله وَمن الْعَجَائِب أَن يَقُول لَا أعرف إِلَّا الله وَيكون صَادِقا وَيَقُول لَا يعرف الله إِلَّا الله ﷿ وَيكون أَيْضا صَادِقا وَلَكِن ذَلِك بِوَجْه وَهَذَا بِوَجْه وَلَو كذبت المتناقضات إِذا اخْتلفت وُجُوه الاعتبارات لما صدق قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ سُورَة الْأَنْفَال الْآيَة ١٧ وَلكنه صَادِق لِأَن للرمي اعتبارين هُوَ مَنْسُوب إِلَى العَبْد بِأَحَدِهِمَا ومنسوب إِلَى الرب تَعَالَى بِالثَّانِي فَلَا تنَاقض فِيهِ ولنقبض هَاهُنَا عنان الْبَيَان فقد خضنا لجة بَحر لَا سَاحل لَهُ وأمثال هَذِه الْأَسْرَار لَا يَنْبَغِي أَن تبتذل بإيداع الْكتب وَإِذ جَاءَ هَذَا عرضا غير مَقْصُود فلنكف عَنهُ ولنرجع إِلَى شرح مَعَاني أَسمَاء الله الْحسنى على التَّفْصِيل
الْفَنّ الثَّانِي فِي الْمَقَاصِد والغايات وَفِي فُصُول ثَلَاثَة
الْفَصْل الأول فِي شرح مَعَاني أَسمَاء الله التِّسْعَة وَالتسْعين
على التَّفْصِيل
الْفَنّ الثَّانِي فِي الْمَقَاصِد والغايات وَفِي فُصُول ثَلَاثَة
الْفَصْل الأول فِي شرح مَعَاني أَسمَاء الله التِّسْعَة وَالتسْعين
وَهِي الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ إِذْ قَالَ قَالَ رَسُول ﷺ إِن لله ﷿ تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مئة إِلَّا وَاحِدًا إِنَّه وتر يحب الْوتر من أحصاها دخل الْجنَّة هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر الْخَالِق البارئ المصور الْغفار القهار الْوَهَّاب الرَّزَّاق الفتاح الْعَلِيم الْقَابِض الباسط الْخَافِض الرافع الْمعز المذل السَّمِيع الْبَصِير الحكم الْعدْل اللَّطِيف الْخَبِير الْحَلِيم الْعَظِيم الغفور الشكُور الْعلي الْكَبِير الحفيظ المقيت الحسيب الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجيب الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمجِيد الْبَاعِث الشَّهِيد الْحق الْوَكِيل الْقوي المتين الْوَلِيّ الحميد المحصي المبدئ المعيد المحي المميت الْحَيّ القيوم الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الصَّمد الْقَادِر المقتدر الْمُقدم الْمُؤخر الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن الْوَالِي المتعالي الْبر التواب المنتقم الْعَفو الرؤوف مَالك الْملك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام المقسط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغنِي الْمَانِع الضار النافع النُّور الْهَادِي البديع الْبَاقِي الْوَارِث الرشيد الصبور
لك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام المقسط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغنِي الْمَانِع الضار النافع النُّور الْهَادِي البديع الْبَاقِي الْوَارِث الرشيد الصبور
فَأَما قَوْله الله فَهُوَ اسْم للموجود الْحق الْجَامِع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الْحَقِيقِيّ فَإِن كل مَوْجُود سواهُ غير مُسْتَحقّ الْوُجُود بِذَاتِهِ وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ الْوُجُود مِنْهُ فَهُوَ من حَيْثُ ذَاته هَالك وَمن الْجِهَة الَّتِي تليه مَوْجُود فَكل مَوْجُود هَالك إِلَّا وَجهه وَالْأَشْبَه أَنه جَار فِي الدّلَالَة على هَذَا الْمَعْنى مجْرى أَسمَاء الْأَعْلَام وكل مَا ذكر فِي اشتقاقه وتعريفه تعسف وتكلف فَائِدَة اعْلَم أَن هَذَا الإسم أعظم أَسمَاء الله ﷿ التِّسْعَة وَالتسْعين لِأَنَّهُ دَال على الذَّات الجامعة لصفات الإلهية كلهَا حَتَّى لَا يشذ مِنْهَا شَيْء وَسَائِر الْأَسْمَاء لَا يدل آحادها إِلَّا على آحَاد الْمعَانِي من علم أَو قدرَة أَو فعل أَو غَيره وَلِأَنَّهُ أخص الْأَسْمَاء إِذْ لَا يُطلقهُ أحد على غَيره لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا وَسَائِر الْأَسْمَاء قد يُسمى بِهِ غَيره كالقادر والعليم والرحيم وَغَيره فلهذين الْوَجْهَيْنِ يشبه أَن يكون هَذَا الِاسْم أعظم هَذِه الْأَسْمَاء دقيقة مَعَاني سَائِر الْأَسْمَاء يتَصَوَّر أَن يَتَّصِف العَبْد بِشَيْء مِنْهَا حَتَّى ينْطَلق عَلَيْهِ الإسم كالرحيم والعليم والحليم والصبور والشكور وَغَيره وَإِن كَانَ إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ على وَجه آخر يباين إِطْلَاقه على الله ﷿ وَأما معنى هَذَا الِاسْم فخاص خُصُوصا لَا يتَصَوَّر فِيهِ مُشَاركَة لَا بالمجاز وَلَا بِالْحَقِيقَةِ وَلأَجل هَذَا الْخُصُوص يُوصف سَائِر الْأَسْمَاء بِأَنَّهَا اسْم الله ﷿ وَيعرف بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ فَيُقَال الصبور والشكور وَالْملك والجبار من أَسمَاء الله ﷿ وَلَا يُقَال الله من أَسمَاء الشكُور والصبور لِأَن ذَلِك من حَيْثُ هُوَ أدل على كنه الْمعَانِي الإلهية وأخص بهَا فَكَانَ أشهر وَأظْهر فاستغني عَن التَّعْرِيف بِغَيْرِهِ وَعرف غَيره بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ
تَنْبِيه يَنْبَغِي أَن يكون حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم التأله وأعني بِهِ أَن يكون مُسْتَغْرق الْقلب والهمة بِاللَّه ﷿ لَا يرى غَيره وَلَا يلْتَفت إِلَى سواهُ وَلَا يَرْجُو وَلَا يخَاف إِلَّا إِيَّاه وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد فهم من هَذَا الإسم أَنه الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ الْحق وكل مَا سواهُ فان وهالك وباطل إِلَّا بِهِ فَيرى أَولا نَفسه أول هَالك وباطل كَمَا رَآهُ رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ أصدق بَيت قالته الْعَرَب قَول لبيد أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل الرَّحْمَن الرَّحِيم
اسمان مشتقان من الرَّحْمَة وَالرَّحْمَة تستدعي مرحوما وَلَا مَرْحُوم إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاج وَالَّذِي يَنْقَضِي بِسَبَبِهِ حَاجَة الْمُحْتَاج من غير قصد وَإِرَادَة وعناية بالمحتاج لَا يُسمى رحِيما وَالَّذِي يُرِيد قَضَاء حَاجَة الْمُحْتَاج وَلَا يَقْضِيهَا فَإِن كَانَ قَادِرًا على قَضَائهَا لم يسم رحِيما إِذْ لَو تمت الْإِرَادَة لوفى بهَا وَإِن كَانَ عَاجِزا فقد يُسمى رحِيما بِاعْتِبَار مَا اعتوره من الرقة وَلكنه نَاقص وَإِنَّمَا الرَّحْمَة التَّامَّة إفَاضَة الْخَيْر على المحتاجين وإرادته لَهُم عناية بهم وَالرَّحْمَة الْعَامَّة هِيَ الَّتِي تتَنَاوَل الْمُسْتَحق وَغير الْمُسْتَحق وَرَحْمَة الله ﷿ تَامَّة وَعَامة أما تَمامهَا فَمن حَيْثُ أَنه أَرَادَ قَضَاء حاجات المحتاجين وقضاها وَأما عمومها فَمن حَيْثُ شمولها الْمُسْتَحق وَغير الْمُسْتَحق وَعم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَتَنَاول الضرورات والحاجات والمزايا الْخَارِجَة عَنْهُمَا فَهُوَ الرَّحِيم الْمُطلق حَقًا دقيقة الرَّحْمَة لَا تَخْلُو عَن رقة مؤلمة تعتري الرَّحِيم فتحركه إِلَى قَضَاء حَاجَة المرحوم والرب ﷾ منزة عَنْهَا فلعلك تظن أَن ذَلِك نُقْصَان فِي
دقيقة الرَّحْمَة لَا تَخْلُو عَن رقة مؤلمة تعتري الرَّحِيم فتحركه إِلَى قَضَاء حَاجَة المرحوم والرب ﷾ منزة عَنْهَا فلعلك تظن أَن ذَلِك نُقْصَان فِي
معنى الرَّحْمَة فَاعْلَم أَن ذَلِك كَمَال وَلَيْسَ بِنُقْصَان فِي معنى الرَّحْمَة أما أَنه لَيْسَ بِنُقْصَان فَمن حَيْثُ أَن كَمَال الرَّحْمَة بِكَمَال ثَمَرَتهَا وَمهما قضيت حَاجَة الْمُحْتَاج بكمالها لم يكن للمرحوم حَظّ فِي تألم الراحم وتفجعه وَإِنَّمَا تألم الراحم لضعف نَفسه ونقصانها وَلَا يزِيد ضعفها فِي غَرَض الْمُحْتَاج شَيْئا بعد أَن قضيت كَمَال حَاجته وَأما أَنه كَمَال فِي معنى الرَّحْمَة فَهُوَ أَن الرَّحِيم عَن رقة وتألم يكَاد يقْصد بِفِعْلِهِ دفع ألم الرقة عَن نَفسه فَيكون قد نظر لنَفسِهِ وسعى فِي غَرَض نَفسه وَذَلِكَ ينقص عَن كَمَال معنى الرَّحْمَة بل كَمَال الرَّحْمَة أَن يكون نظره إِلَى المرحوم لأجل المرحوم لَا لأجل الاسْتِرَاحَة من ألم الرقة فَائِدَة الرَّحْمَن أخص من الرَّحِيم وَلذَلِك لَا يُسمى بِهِ غير الله ﷿ والرحيم قد يُطلق على غَيره فَهُوَ من هَذَا الْوَجْه قريب من اسْم الله تعلى الْجَارِي مجْرى الْعلم وَإِن كَانَ هَذَا مشتقا من الرَّحْمَة قطعا وَلذَلِك جمع الله ﷿ بَينهمَا فَقَالَ ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء / الْآيَة ١١٠ فَيلْزم من هَذَا الْوَجْه وَمن حَيْثُ منعنَا الترادف فِي الْأَسْمَاء المحصاة أَن يفرق بَين معنى الاسمين فبالحري أَن يكون الْمَفْهُوم من الرَّحْمَن نوعا من الرَّحْمَة هِيَ أبعد من مقدروات الْعباد وَهِي مَا يتَعَلَّق بالسعادة الأخروية فالرحمن هُوَ العطوف على الْعباد بالإيجاد أَولا وبالهداية إِلَى الْإِيمَان وَأَسْبَاب السَّعَادَة ثَانِيًا وبالإسعاد فِي الْآخِرَة ثَالِثا والإنعام بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم رَابِعا
اد أَولا وبالهداية إِلَى الْإِيمَان وَأَسْبَاب السَّعَادَة ثَانِيًا وبالإسعاد فِي الْآخِرَة ثَالِثا والإنعام بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم رَابِعا
تَنْبِيه حَظّ العَبْد من اسْم الرَّحْمَن أَن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عَن طَرِيق الْغَفْلَة إِلَى الله ﷿ بالوعظ والنصح بطرِيق اللطف دون العنف وَأَن ينظر إِلَى العصاة بِعَين الرَّحْمَة لَا بِعَين الإزراء وَأَن يكون كل مَعْصِيّة تجْرِي فِي الْعَالم كمصيبة لَهُ فِي نَفسه فَلَا يألو جهدا فِي إِزَالَتهَا بِقدر وَسعه رَحْمَة لذَلِك العَاصِي أَن يتَعَرَّض لسخط الله وَيسْتَحق الْبعد من جواره وحظه من اسْم الرَّحِيم أَن لَا يدع فاقة لمحتاج إِلَّا يسدها بِقدر طاقته وَلَا يتْرك فَقِيرا فِي جواره وبلده إِلَّا وَيقوم بتعهده وَدفع فقره إِمَّا بِمَالِه أَو جاهه أَو السَّعْي فِي حَقه بالشفاعة إِلَى غَيره فَإِن عجز عَن جَمِيع ذَلِك فيعينه بِالدُّعَاءِ وَإِظْهَار الْحزن بِسَبَب حَاجته رقة عَلَيْهِ وعطفا حَتَّى كَأَنَّهُ مساهم لَهُ فِي ضره وَحَاجته سُؤال وَجَوَابه لَعَلَّك تَقول مَا معنى كَونه تَعَالَى رحِيما وَكَونه أرْحم الرَّاحِمِينَ والرحيم لَا يرى مبتلى ومضرورا ومعذبا ومريضا وَهُوَ يقدر على إمَاطَة مَا بهم إِلَّا ويبادر إِلَى إماطته والرب ﷾ قَادر على كِفَايَة كل بلية وَدفع كل فقر وغمة وإماطة كل مرض وَإِزَالَة كل ضَرَر وَالدُّنْيَا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا وَهُوَ قَادر على إِزَالَة جَمِيعهَا وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن فجوابك إِن الطِّفْل الصَّغِير قد ترق لَهُ أمه فتمنعه عَن الْحجامَة وَالْأَب الْعَاقِل يحملهُ عَلَيْهَا قهرا وَالْجَاهِل يظنّ أَن الرَّحِيم هِيَ الْأُم دون الْأَب والعاقل يعلم أَن إيلام الْأَب إِيَّاه بالحجامة من كَمَال رَحمته وَعطفه وَتَمام شفقته وَأَن الْأُم لَهُ عَدو فِي صُورَة صديق فَإِن الْأَلَم الْقَلِيل إِذا كَانَ سَببا للذة الْكَثِيرَة لم يكن شرا بل كَانَ خيرا
والرحيم يُرِيد الْخَيْر للمرحوم لَا محَالة وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ إِلَّا وَفِي ضمنه خير لَو رفع ذَلِك الشَّرّ لبطل الْخَيْر الَّذِي فِي ضمنه وَحصل بِبُطْلَانِهِ شرا أعظم من الشَّرّ الَّذِي يتضمنه فاليد المتآكلة قطعهَا شَرّ فِي الظَّاهِر وَفِي ضمنه الْخَيْر الجزيل وَهُوَ سَلامَة الْبدن وَلَو ترك قطع الْيَد لحصل هَلَاك الْبدن ولكان الشَّرّ أعظم وَقطع الْيَد لأجل سَلامَة الْبدن شَرّ فِي ضمنه خير وَلَكِن المُرَاد الأول السَّابِق إِلَى نظر الْقَاطِع السَّلامَة الَّتِي هِيَ خير مَحْض ثمَّ لما كَانَ السَّبِيل إِلَيْهِ قطع الْيَد قصد قطع الْيَد لأَجله فَكَانَت السَّلامَة مَطْلُوبَة لذاتها أَولا وَالْقطع مَطْلُوبا لغيره ثَانِيًا لَا لذاته فهما داخلان تَحت الْإِرَادَة وَلَكِن أَحدهمَا مُرَاد لذاته وَالْآخر مُرَاد لغيره وَالْمرَاد لذاته قبل المُرَاد لغيره ولأجله قَالَ الله ﷿ سبقت رَحْمَتي غَضَبي فغضبه إِرَادَته للشر وَالشَّر بإرادته وَرَحمته إِرَادَته للخير وَالْخَيْر بإرادته وَلَكِن إِذا أَرَادَ الْخَيْر للخير نَفسه وَأَرَادَ الشَّرّ لَا لذاته وَلَكِن لما فِي ضمنه من الْخَيْر فالخير مقضي بِالذَّاتِ وَالشَّر مقضي بِالْعرضِ وكل بِقدر وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يُنَافِي الرَّحْمَة أصلا فَالْآن إِن خطر لَك نوع من الشَّرّ لَا ترى تَحْتَهُ خيرا أَو خطر لَك أَنه كَانَ تَحْصِيل ذَلِك الْخَيْر مُمكنا لَا فِي ضمن الشَّرّ فاتهم عقلك الْقَاصِر فِي أحد الخاطرين أما فِي قَوْلك إِن هَذَا الشَّرّ لَا خير تَحْتَهُ فَإِن هَذَا مِمَّا تقصر الْعُقُول عَن مَعْرفَته ولعلك فِيهِ مثل الصَّبِي الَّذِي يرى الْحجامَة شرا مَحْضا أَو مثل الغبي الَّذِي يرى الْقَتْل قصاصا شرا مَحْضا لِأَنَّهُ ينظر إِلَى خُصُوص شخص الْمَقْتُول لِأَنَّهُ فِي حَقه شَرّ مَحْض وَيذْهل عَن الْخَيْر الْعَام الْحَاصِل للنَّاس كَافَّة وَلَا يدْرِي أَن التَّوَصُّل بِالشَّرِّ الْخَاص إِلَى الْخَيْر الْعَام خير مَحْض لَا يَنْبَغِي للْغَيْر أَن يهمله
الْعَام الْحَاصِل للنَّاس كَافَّة وَلَا يدْرِي أَن التَّوَصُّل بِالشَّرِّ الْخَاص إِلَى الْخَيْر الْعَام خير مَحْض لَا يَنْبَغِي للْغَيْر أَن يهمله
أَو اتهمَ عقلك فِي الخاطر الثَّانِي وَهُوَ قَوْلك إِن تَحْصِيل ذَلِك لَا فِي ضمن ذَلِك الشَّرّ مُمكن فَإِن هَذَا أَيْضا دَقِيق غامض فَلَيْسَ كل محَال وممكن مِمَّا يدْرك إِمْكَانه واستحالته بالبديهة وَلَا بِالنّظرِ الْقَرِيب بل رُبمَا عرف ذَلِك بِنَظَر غامض دَقِيق يقصر عَنهُ الْأَكْثَرُونَ فاتهم عقلك فِي هذَيْن الطَّرفَيْنِ وَلَا تشكن أصلا فِي أَنه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَفِي أَنه سبقت رَحمته غَضَبه وَلَا تستريبن فِي أَن مُرِيد الشَّرّ للشر لَا للخير غير مُسْتَحقّ لاسم الرَّحْمَة وَتَحْت هَذَا الغطاء سر منع الشَّرْع عَن إفشائه فاقنع بِالْإِيمَاءِ وَلَا تطمع فِي الإفشاء وَلَقَد نبهت بالرمز والإيماء إِن كنت من أَهله فَتَأمل لقد أسمعت لَو ناديت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي هَذَا حكم الْأَكْثَرين وَأما أَنْت أَيهَا الْأَخ الْمَقْصُود بالشرح فَلَا أَظُنك إِلَّا مستبصرا بسر الله ﷿ فِي الْقدر مستغنيا عَن هَذِه التحويمات والتنبيهات الْملك هُوَ الَّذِي يَسْتَغْنِي فِي ذَاته وَصِفَاته عَن كل مَوْجُود وَيحْتَاج إِلَيْهِ كل مَوْجُود بل لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ شَيْء فِي شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي وجوده وَلَا فِي بَقَائِهِ بل كل شَيْء فوجوده مِنْهُ أَو مِمَّا هُوَ مِنْهُ فَكل شَيْء سواهُ هُوَ لَهُ مَمْلُوك فِي ذَاته وَصِفَاته وَهُوَ مستغن عَن كل شَيْء فَهَذَا هُوَ الْملك مُطلقًا تَنْبِيه العَبْد لَا يتَصَوَّر أَن يكون ملكا مُطلقًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء فَإِنَّهُ أبدا فَقير
ل شَيْء فَهَذَا هُوَ الْملك مُطلقًا تَنْبِيه العَبْد لَا يتَصَوَّر أَن يكون ملكا مُطلقًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء فَإِنَّهُ أبدا فَقير
إِلَى الله تَعَالَى وَإِن اسْتغنى عَمَّن سواهُ وَلَا يتَصَوَّر أَن يحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء بل يَسْتَغْنِي عَنهُ أَكثر الموجودات وَلَكِن لما تصور أَن يَسْتَغْنِي عَن بعض الْأَشْيَاء وَلَا يَسْتَغْنِي عَنهُ بعض الْأَشْيَاء كَانَ لَهُ شوب من الْملك فالملك من الْعباد هُوَ الَّذِي لَا يملكهُ إِلَّا الله تَعَالَى بل يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء سوى الله ﷿ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يملك مَمْلَكَته بِحَيْثُ يطيعه فِيهَا جُنُوده ورعاياه وَإِنَّمَا مَمْلَكَته الْخَاصَّة بِهِ قلبه وقالبه وجنده شَهْوَته وغضبه وهواه ورعيته لِسَانه وَعَيناهُ ويداه وَسَائِر أَعْضَائِهِ فَإِذا ملكهَا وَلم تملكه وأطاعته وَلم يطعها فقد نَالَ دَرَجَة الْملك فِي عالمه فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهِ استغناؤه عَن كل النَّاس وَاحْتَاجَ النَّاس كلهم إِلَيْهِ فِي حياتهم العاجلة والآجلة فَهُوَ الْملك فِي عَالم الأَرْض وَتلك رُتْبَة الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُم استغنوا فِي الْهِدَايَة إِلَى الْحَيَاة الْآخِرَة عَن كل أحد إِلَّا عَن الله ﷿ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِم كل أحد ويليهم فِي هَذَا الْملك الْعلمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا ملكهم بِقدر قدرتهم على إرشاد الْعباد واستغنائهم عَن الاسترشاد وبهذه الصِّفَات يقرب العَبْد من الْمَلَائِكَة فِي الصِّفَات ويتقرب إِلَى الله تَعَالَى بهَا وَهَذَا الْملك عَطِيَّة للْعَبد من الْملك الْحق الَّذِي لَا مثنوية فِي ملكه
رب العَبْد من الْمَلَائِكَة فِي الصِّفَات ويتقرب إِلَى الله تَعَالَى بهَا وَهَذَا الْملك عَطِيَّة للْعَبد من الْملك الْحق الَّذِي لَا مثنوية فِي ملكه وَلَقَد صدق بعض العارفين لما قَالَ لَهُ بعض الْأُمَرَاء سلني حَاجَتك حَيْثُ قَالَ أوتقول لي هَذَا ولي عَبْدَانِ هما سيداك فَقَالَ وَمن هما قَالَ الْحِرْص والهوى فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك وَقَالَ بَعضهم لبَعض الشُّيُوخ أوصني فَقَالَ لَهُ كن ملكا فِي الدُّنْيَا تكن ملكا فِي الْآخِرَة قَالَ وَكَيف أفعل ذَلِك فَقَالَ ازهد فِي الدُّنْيَا تكن ملكا فِي الْآخِرَة مَعْنَاهُ اقْطَعْ حَاجَتك وشهوتك عَن الدُّنْيَا فَإِن الْملك فِي الْحُرِّيَّة والاستغناء
القدوس هُوَ المنزه عَن كل وصف يُدْرِكهُ حس أَو يتصوره خيال أَو يسْبق إِلَيْهِ وهم أَو يختلج بِهِ ضمير أَو يقْضِي بِهِ تفكير وَلست أَقُول منزه عَن الْعُيُوب والنقائص فَإِن ذكر ذَلِك يكَاد يقرب من ترك الْأَدَب فَلَيْسَ من الْأَدَب أَن يَقُول الْقَائِل ملك الْبَلَد لَيْسَ بحائك ولاحجام فَإِن نفي الْوُجُود يكَاد يُوهم إِمْكَان الْوُجُود وَفِي ذَلِك الْإِيهَام نقص بل أَقُول القدوس هُوَ المنزه عَن كل وصف من أَوْصَاف الْكَمَال الَّذِي يَظُنّهُ أَكثر الْخلق كمالا فِي حَقه لِأَن الْخلق أَولا نظرُوا إِلَى أنفسهم وَعرفُوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إِلَى مَا هُوَ كَمَال وَلكنه فِي حَقهم مثل علمهمْ وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وَكَلَامهم وإرادتهم واختيارهم وَوَضَعُوا هَذِه الْأَلْفَاظ بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي وَقَالُوا إِن هَذِه هِيَ أَسمَاء الْكَمَال وَإِلَى مَا هُوَ نقص فِي حَقهم مثل جهلهم وعجزهم وعماهم وصممهم وخرسهم فوضعوا بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي هَذِه الْأَلْفَاظ ثمَّ كَانَ غايتهم فِي الثَّنَاء على الله تَعَالَى وَوَصفه أَن وصفوه بِمَا هُوَ أَوْصَاف كمالهم من علم وقدرة وَسمع وبصر وَكَلَام وَأَن نفوا عَنهُ مَا هُوَ أَوْصَاف نقصهم وَالله ﷾ منزه عَن أَوْصَاف كمالهم كَمَا أَنه منزه عَن أَوْصَاف نقصهم بل كل صفة تتَصَوَّر لِلْخلقِ فَهُوَ منزه ومقدس عَنْهَا وَعَما يشبهها ويماثلها وَلَوْلَا وُرُود الرُّخْصَة وَالْإِذْن بإطلاقها لم يجز إِطْلَاق أَكْثَرهَا وَقد فهمت معنى هَذَا فِي الْفَصْل الرَّابِع من فُصُول الْمُقدمَات فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِعَادَة تَنْبِيه قدس العَبْد فِي أَن ينزه إِرَادَته وَعلمه أما علمه فينزهه عَن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكل مَا يُشَارِكهُ فِيهِ الْبَهَائِم من الإدراكات بل يكون تردد نظره وتطواف علمه حول الْأُمُور الأزلية الإلهية المنزهة عَن أَن تقرب فتدرك بالحس أَو تبعد فتغيب عَن الْحس بل يصير متجردا فِي نَفسه عَن المحسوسات
تردد نظره وتطواف علمه حول الْأُمُور الأزلية الإلهية المنزهة عَن أَن تقرب فتدرك بالحس أَو تبعد فتغيب عَن الْحس بل يصير متجردا فِي نَفسه عَن المحسوسات
والمتخيلات كلهَا ويقتني من الْعُلُوم مَا لَو سلب آلَة حسه وتخيله بَقِي ريانا بالعلوم الشَّرِيفَة الْكُلية الإلهية الْمُتَعَلّقَة بالمعلومات الأزلية الأبدية دون الشخصيات المتغيرة المستحيلة وَأما إِرَادَته فينزهها عَن أَن تَدور حول الحظوظ البشرية الَّتِي ترجع إِلَى لَذَّة الشَّهْوَة وَالْغَضَب ومتعة الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح والملبس والملمس والمنظر وَمَا لَا يصل إِلَيْهِ من اللَّذَّات إِلَّا بِوَاسِطَة الْحس وَالْقلب بل لَا يُرِيد إِلَّا الله ﷿ وَلَا يبْقى لَهُ حَظّ إِلَّا فِيهِ وَلَا يكون لَهُ شوق إِلَّا إِلَى لِقَائِه وَلَا فَرح إِلَّا بِالْقربِ مِنْهُ وَلَو عرضت عَلَيْهِ الْجنَّة وَمَا فِيهَا من النَّعيم لم تلْتَفت همته إِلَيْهَا وَلم يقنع من الدَّار إِلَّا بِرَبّ الدَّار وعَلى الْجُمْلَة الإدراكات الحسية والخيالية تشارك الْبَهَائِم فِيهَا فَيَنْبَغِي أَن يترقى عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ من خَواص الإنسانية والحظوظ البشرية الشهوانية يزاحم الْبَهَائِم أَيْضا فِيهَا فَيَنْبَغِي أَن يتنزه عَنْهَا فجلالة المريد على قدر جلالة مُرَاده وَمن همته مَا يدْخل فِي بَطْنه فَقيمته مَا يخرج مِنْهُ وَمن لم يكن لَهُ همة سوى الله ﷿ فدرجته على قدر همته وَمن رقى علمه عَن دَرَجَة المتخيلات والمحسوسات وَقدس إِرَادَته عَن مُقْتَضى الشَّهَوَات فقد نزل بحبوحة حَظِيرَة الْقُدس السَّلَام
هُوَ الَّذِي تسلم ذَاته عَن الْعَيْب وَصِفَاته عَن النَّقْص وأفعاله عَن الشَّرّ حَتَّى إِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن فِي الْوُجُود سَلامَة إِلَّا وَكَانَت معزية إِلَيْهِ صادرة مِنْهُ وَقد فهمت أَن أَفعاله تَعَالَى سَالِمَة عَن الشَّرّ أَعنِي الشَّرّ الْمُطلق المُرَاد لذاته لَا لخير حَاصِل فِي ضمنه أعظم مِنْهُ وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ بِهَذِهِ الصّفة كَمَا سبق الْإِيمَاء إِلَيْهِ إِلَّا لله سُبْحَانَهُ
المُرَاد لذاته لَا لخير حَاصِل فِي ضمنه أعظم مِنْهُ وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ بِهَذِهِ الصّفة كَمَا سبق الْإِيمَاء إِلَيْهِ إِلَّا لله سُبْحَانَهُ
تَنْبِيه كل عبد سلم عَن الْغِشّ والحقد والحسد وَإِرَادَة الشَّرّ قلبه وسلمت عَن الآثام والمحظورات جوارحه وَسلم عَن الانتكاس والانعكاس صِفَاته فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي الله تَعَالَى بقلب سليم وَهُوَ السَّلَام من الْعباد الْقَرِيب فِي وَصفه من السَّلَام الْمُطلق الْحق الَّذِي لَا مثنوية فِي صفته وأعني بالانتكاس فِي صِفَاته أَن يكون عقله أَسِير شَهْوَته وغضبه إِذْ الْحق عَكسه وَهُوَ أَن تكون الشَّهْوَة وَالْغَضَب أَسِير الْعقل وطوعه فَإِذا انعكس فقد انتكس وَلَا سَلامَة حَيْثُ يصير الْأَمِير مَأْمُورا وَالْملك عبدا وَلنْ يُوصف بِالسَّلَامِ وَالْإِسْلَام إِلَّا من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده فَكيف يُوصف بِهِ من لم يسلم هُوَ من نَفسه الْمُؤمن
هُوَ الَّذِي يعزى إِلَيْهِ الْأَمْن والأمان بإفادته أَسبَابه وسده طرق المخاوف وَلَا يتَصَوَّر أَمن وأمان إِلَّا فِي مَحل الْخَوْف وَلَا خوف إِلَّا عِنْد إِمْكَان الْعَدَم وَالنَّقْص والهلاك وَالْمُؤمن الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَمن وأمان إِلَّا وَيكون مستفادا من جِهَته وَهُوَ الله ﷾ وَلَيْسَ يخفى أَن الْأَعْمَى يخَاف أَن يَنَالهُ هَلَاك من حَيْثُ لَا يرى فعينه البصيرة تفيده أمنا مِنْهُ والأقطع يخَاف آفَة لَا تنْدَفع إِلَّا بِالْيَدِ فاليد السليمة أَمَان مِنْهَا وَهَكَذَا جَمِيع الْحَواس والأطراف وَالْمُؤمن خَالِقهَا ومصورها ومقويها وَلَو قَدرنَا إنْسَانا وَحده مَطْلُوبا من جِهَة أعدائه وَهُوَ ملقى فِي مضيعة لَا تتحرك عَلَيْهِ أعضاؤه لضَعْفه وَإِن تحركت فَلَا سلَاح مَعَه وَإِن كَانَ مَعَه سلَاح لم يُقَاوم أعداءه وَحده وَإِن كَانَ لَهُ جنود لم يَأْمَن أَن تنكسر جُنُوده وَلَا يجد حصنا يأوي إِلَيْهِ فجَاء من عالج ضعفه فقواه وأمده بجُنُوده وأسلحته
وَبنى حوله حصنا حصينا فقد أَفَادَهُ أمنا وأمانا فالبحري أَن يُسمى مُؤمنا فِي حَقه وَالْعَبْد ضَعِيف فِي أصل فطرته وَهُوَ عرضة الْأَمْرَاض والجوع والعطش من بَاطِنه وعرضة الْآفَات المحرقة والمغرقة والجارحة والكاسرة من ظَاهره وَلم يُؤمنهُ من هَذِه المخاوف إِلَّا الَّذِي أعد الْأَدْوِيَة نافعة ورافعة لأمراضه والأطعمة مزيلة لجوعه والأشربة مميطة لعطشه والأعضاء دافعة عَن بدنه والحواس جواسيس منذرة بِمَا يقرب من مهلكاته ثمَّ خَوفه الْأَعْظَم من هَلَاك الْآخِرَة وَلَا يحصنه عَنهُ إِلَّا كلمة التَّوْحِيد وَالله ﷾ هاديه إِلَيْهَا ومرغبه فِيهَا حَيْثُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله حصني فَمن دخل حصني أَمن عَذَابي فَلَا أَمن فِي الْعَالم إِلَّا وَهُوَ مُسْتَفَاد بِأَسْبَاب هُوَ متفرد بخلقها وَالْهِدَايَة إِلَى اسْتِعْمَالهَا فَهُوَ الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى فَهُوَ الْمُؤمن الْمُطلق حَقًا تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم وَالْوَصْف أَن يَأْمَن الْخلق كلهم جَانِبه بل يَرْجُو كل خَائِف الاعتضاد بِهِ فِي دفع الْهَلَاك عَن نَفسه فِي دينه ودنياه كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فليأمن جَاره بوائقه وأحق الْعباد باسم الْمُؤمن من كَانَ سَببا لأمن الْخلق من عَذَاب الله بالهداية إِلَى طَرِيق الله ﷿ والإرشاد إِلَى سَبِيل النجَاة وَهَذِه حِرْفَة الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء
ؤمن من كَانَ سَببا لأمن الْخلق من عَذَاب الله بالهداية إِلَى طَرِيق الله ﷿ والإرشاد إِلَى سَبِيل النجَاة وَهَذِه حِرْفَة الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء
وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّكُم تتهافتون فِي النَّار تهافت الْفراش وَأَنا آخذ بِحُجزِكُمْ خيال وتنبيه لَعَلَّك تَقول الْخَوْف على الْحَقِيقَة من الله تَعَالَى فَلَا مخوف إِلَّا إِيَّاه فَهُوَ الَّذِي خوف عباده وَهُوَ الَّذِي خلق أَسبَاب الْخَوْف فَكيف ينْسب إِلَيْهِ الْأَمْن فجوابك إِن الْخَوْف مِنْهُ والأمن مِنْهُ وَهُوَ خَالق سَبَب الْأَمْن وَالْخَوْف جَمِيعًا وَكَونه مخوفا لَا يمْنَع كَونه مُؤمنا كَمَا أَن كَونه مذلا لم يمْنَع كَونه معزا بل هُوَ الْمعز والمذل وَكَونه خَافِضًا لم يمْنَع كَونه رَافعا بل هُوَ الْخَافِض الرافع فَكَذَلِك هُوَ الْمُؤمن الْمخوف لَكِن الْمُؤمن ورد التَّوْقِيف بِهِ خَاصَّة دون الْمخوف الْمُهَيْمِن مَعْنَاهُ فِي حق الله ﷿ أَنه الْقَائِم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وَإِنَّمَا قِيَامه عَلَيْهِم باطلاعه واستيلائه وَحفظه وكل مشرف على كنه الْأَمر مستول عَلَيْهِ حَافظ لَهُ فَهُوَ مهيمن عَلَيْهِ والإشراف يرجع إِلَى الْعلم والاستيلاء إِلَى كَمَال الْقُدْرَة وَالْحِفْظ إِلَى الْفِعْل فالجامع بَين هَذِه الْمعَانِي اسْمه المهين وَلنْ يجْتَمع ذَلِك على الْإِطْلَاق والكمال إِلَّا لله ﷿ وَلذَلِك قيل إِنَّه من أَسمَاء الله تَعَالَى فِي الْكتب الْقَدِيمَة تَنْبِيه كل عبد راقب قلبه حَتَّى أشرف على أغواره وأسراره وَاسْتولى مَعَ ذَلِك على
تَقْوِيم أَحْوَاله وأوصافه وَقَامَ بحفظها على الدَّوَام على مُقْتَضى تقويمه فَهُوَ مهيمن بِالْإِضَافَة إِلَى قلبه فَإِن اتَّسع إشرافه واستيلاؤه حَتَّى قَامَ بِحِفْظ بعض عباد الله ﷿ على نهج السداد بعد اطِّلَاعه على بواطنهم وأسرارهم بطرِيق التفرس وَالِاسْتِدْلَال بظواهرهم كَانَ نصِيبه من هَذَا الْمَعْنى أوفر وحظه أَكثر الْعَزِيز
على نهج السداد بعد اطِّلَاعه على بواطنهم وأسرارهم بطرِيق التفرس وَالِاسْتِدْلَال بظواهرهم كَانَ نصِيبه من هَذَا الْمَعْنى أوفر وحظه أَكثر الْعَزِيز
هُوَ الخطير الَّذِي يقل وجود مثله وتشتد الْحَاجة إِلَيْهِ ويصعب الْوُصُول إِلَيْهِ فَمَا لم يجْتَمع عَلَيْهِ هَذِه الْمعَانِي الثَّلَاثَة لم يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْعَزِيز فكم من شَيْء يقل وجوده وَلَكِن إِذا لم يعظم خطره وَلم يكثر نَفعه لم يسم عَزِيزًا وَكم من شئ يعظم خطره وَيكثر نَفعه وَلَا يُوجد نَظِيره وَلَكِن إِذا لم يصعب الْوُصُول إِلَيْهِ لم يسم عَزِيزًا كَالشَّمْسِ مثلا فَإِنَّهُ لَا نَظِير لَهَا وَالْأَرْض كَذَلِك والنفع عَظِيم فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَالْحَاجة شَدِيدَة إِلَيْهِمَا وَلَكِن لَا يوصفان بِالْعِزَّةِ لِأَنَّهُ لَا يصعب الْوُصُول إِلَى مشاهدتهما فَلَا بُد من اجْتِمَاع الْمعَانِي الثَّلَاثَة ثمَّ فِي كل وَاحِد من الْمعَانِي الثَّلَاثَة كَمَال ونقصان والكمال فِي قلَّة الْوُجُود أَن يرجع إِلَى وَاحِد إِذْ لَا أقل من الْوَاحِد وَيكون بِحَيْثُ يَسْتَحِيل وجود مثله وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا الله تَعَالَى فَإِن الشَّمْس وَإِن كَانَت وَاحِدَة فِي الْوُجُود فَلَيْسَتْ وَاحِدَة فِي الْإِمْكَان فَيمكن وجود مثلهَا فِي الْكَمَال والنفاسة وَشدَّة الْحَاجة أَن يحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء فِي كل شَيْء حَتَّى فِي وجوده وبقائه وَصِفَاته وَلَيْسَ ذَلِك على الْكَمَال إِلَّا لله ﷿ والكمال فِي صعوبة المنال أَن يَسْتَحِيل الْوُصُول إِلَيْهِ على معنى الْإِحَاطَة بكنهه وَلَيْسَ ذَلِك على الْكَمَال إِلَّا لله ﷿ فَإنَّا قد بَينا أَنه لَا يعرف الله إِلَّا الله فَهُوَ الْعَزِيز الْمُطلق الْحق لَا يوازيه فِيهِ غَيره
تَنْبِيه الْعَزِيز من الْعباد من يحْتَاج إِلَيْهِ عباد الله فِي أهم أُمُورهم وَهِي الْحَيَاة الأخروية والسعادة الأبدية وَذَلِكَ مِمَّا يقل لَا محَالة وجوده ويصعب إِدْرَاكه وَهَذِه رُتْبَة الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ويشاركهم فِي الْعِزّ من ينْفَرد بِالْقربِ من درجتهم فِي عصره كالخلفاء وورثتهم من الْعلمَاء وَعزة كل وَاحِد مِنْهُم بِقدر علو رتبته عَن سهولة النّيل والمشاركة وبقدر عنائه فِي إرشاد الْخلق الْجَبَّار
هُوَ الَّذِي ينفذ مَشِيئَته على سَبِيل الْإِجْبَار فِي كل وَاحِد وَلَا تنفذ فِيهِ مَشِيئَة أحد الَّذِي لَا يخرج أحد من قَبضته وتقصر الْأَيْدِي دون حمى حَضرته فالجبار الْمُطلق هُوَ الله ﷾ فَإِنَّهُ يجْبر كل أحد وَلَا يجْبرهُ أحد وَلَا مثنوية فِي حَقه فِي الطَّرفَيْنِ تَنْبِيه الْجَبَّار من الْعباد من ارْتَفع عَن الأتباع ونال دَرَجَة الاستتباع وَتفرد بعلو رتبته بِحَيْثُ يجْبر الْخلق بهيئته وَصورته على الِاقْتِدَاء بِهِ ومتابعته فِي سمته وَسيرَته فَيُفِيد الْخلق وَلَا يَسْتَفِيد ويؤثر وَلَا يتأثر ويستتبع وَلَا يتبع وَلَا يُشَاهِدهُ أحد إِلَّا ويفنى عَن مُلَاحظَة نَفسه وَيصير متشوقا إِلَيْهِ غير ملتفت إِلَى ذَاته وَلَا يطْمع أحد فِي استدراجه واستتباعه وَإِنَّمَا حظي بِهَذَا الْوَصْف سيد الْبشر ﷺ حَيْثُ قَالَ لَو كَانَ مُوسَى بن عمرَان حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَأَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر
المتكبر
نَّمَا حظي بِهَذَا الْوَصْف سيد الْبشر ﷺ حَيْثُ قَالَ لَو كَانَ مُوسَى بن عمرَان حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَأَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر
المتكبر
هُوَ الَّذِي يرى الْكل حَقِيرًا بِالْإِضَافَة إِلَى ذَاته وَلَا يرى العظمة والكبرياء إِلَّا لنَفسِهِ فَينْظر إِلَى غَيره نظر الْمُلُوك إِلَى العبيد فَإِن كَانَت هَذِه الرُّؤْيَة صَادِقَة كَانَ التكبر حَقًا وَكَانَ صَاحبهَا متكبرا حَقًا وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك على الْإِطْلَاق إِلَّا لله ﷿ وَإِن كَانَ ذَلِك التكبر والاستعظام بَاطِلا وَلم يكن مَا يرَاهُ من التفرد بالعظمة كَمَا يرَاهُ كَانَ التكبر بَاطِلا ومذموما وكل من رأى العظمة والكبرياء لنَفسِهِ على الْخُصُوص دون غَيره كَانَت رُؤْيَته كَاذِبَة وَنَظره بَاطِلا إِلَّا الله ﷾ تَنْبِيه المتكبر من الْعباد هُوَ الزَّاهِد الْعَارِف وَمعنى زهد الْعَارِف أَن يتنزه عَمَّا شغل سره عَن الْحق ويتكبر على كل شَيْء سوى الْحق ﷾ فَيكون مستحقرا للدنيا وَالْآخِرَة جَمِيعًا مترفعا عَن أَن يشْغلهُ كِلَاهُمَا عَن الْحق تَعَالَى وزهد غير الْعَارِف مُعَاملَة ومعاوضة فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بمتاع الدُّنْيَا مَتَاع الْآخِرَة فَيتْرك الشَّيْء عَاجلا طَمَعا فِي أضعافه آجلا وَإِنَّمَا هُوَ سلم ومبايعة وَمن استعبدته شَهْوَة الْمطعم والمنكح فَهُوَ حقير وَإِن كَانَ ذَلِك دَائِما وَإِنَّمَا المتكبر من يستحقر كل شَهْوَة وحظ يتَصَوَّر أَن يساهمه الْبَهَائِم فِيهَا وَالله أعلم الْخَالِق البارئ المصور
قد يظنّ أَن هَذِه الْأَسْمَاء مترادفة وَأَن الْكل يرجع إِلَى الْخلق والاختراع وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك بل كل مَا يخرج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود فيفتقر إِلَى تَقْدِير أَولا وَإِلَى الإيجاد على وفْق التَّقْدِير ثَانِيًا وَإِلَى التَّصْوِير بعد الإيجاد ثَالِثا وَالله ﷾ خَالق من حَيْثُ أَنه مُقَدّر وبارئ من حَيْثُ أَنه مخترع موجد ومصور من حَيْثُ أَنه مُرَتّب صور المخترعات أحسن تَرْتِيب
ر بعد الإيجاد ثَالِثا وَالله ﷾ خَالق من حَيْثُ أَنه مُقَدّر وبارئ من حَيْثُ أَنه مخترع موجد ومصور من حَيْثُ أَنه مُرَتّب صور المخترعات أحسن تَرْتِيب
وَهَذَا كالبناء مثلا فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى مُقَدّر يقدر مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ من الْخشب وَاللَّبن ومساحة الأَرْض وَعدد الْأَبْنِيَة وطولها وعرضها وَهَذَا يَتَوَلَّاهُ المهندس فيرسمه ويصوره ثمَّ يحْتَاج إِلَى بِنَاء يتَوَلَّى الْأَعْمَال الَّتِي عِنْدهَا يحدث أصُول الْأَبْنِيَة ثمَّ يحْتَاج إِلَى مزين ينقش ظَاهره ويزين صورته فيتولاه غير الْبناء هَذِه هِيَ الْعَادة فِي التَّقْدِير وَالْبناء والتصوير وَلَيْسَ كَذَلِك فِي أَفعَال الله ﷿ بل هُوَ الْمُقدر والموجد والمزين فَهُوَ الْخَالِق البارئ المصور ومثاله الْإِنْسَان وَهُوَ أحد مخلوقاته وَهُوَ مُحْتَاج فِي وجوده أَولا إِلَى أَن يقدر مَا مِنْهُ وجوده فَإِنَّهُ جسم مَخْصُوص فَلَا بُد من الْجِسْم أَولا حَتَّى يخصص بِالصِّفَاتِ كَمَا يحْتَاج الْبناء إِلَى آلَات حَتَّى يَبْنِي ثمَّ لَا يصلح لبنية الْإِنْسَان إِلَّا المَاء وَالتُّرَاب جَمِيعًا إِذْ التُّرَاب وَحده يَابِس مَحْض لَا ينثني وَلَا يَنْعَطِف فِي الحركات وَالْمَاء وَحده رطب مَحْض لَا يتماسك وَلَا ينْتَصب بل ينبسط فَلَا بُد أَن يمتزج الرطب باليابس حَتَّى يعتدل ويعبر عَنهُ بالطين ثمَّ لَا بُد من حرارة طابخة حَتَّى يستحكم مزج المَاء بِالتُّرَابِ وَلَا ينْفَصل فَلَا يتخلق الْإِنْسَان من الطين الْمَحْض بل من صلصال كالفخار والفخار هُوَ الطين المعجون بِالْمَاءِ الَّذِي قد عملت فِيهِ النَّار حَتَّى أحكمت مزاجه ثمَّ يحْتَاج إِلَى تَقْدِير المَاء والطين بِمِقْدَار مَخْصُوص فَإِنَّهُ إِن صغر مثلا لم تحصل مِنْهُ الْأَفْعَال الإنسانية بل كَانَ على قدر الذَّر والنمل فتسفيه الرِّيَاح ويهلكه أدنى شَيْء وَلَا يحْتَاج إِلَى مثل الْجَبَل من الطين فَإِن ذَلِك يزِيد على قدر الْحَاجة بل الْكَافِي من غير زِيَادَة ونقصان قدر مَعْلُوم يُعلمهُ الله ﷿
نى شَيْء وَلَا يحْتَاج إِلَى مثل الْجَبَل من الطين فَإِن ذَلِك يزِيد على قدر الْحَاجة بل الْكَافِي من غير زِيَادَة ونقصان قدر مَعْلُوم يُعلمهُ الله ﷿ وكل ذَلِك يرجع إِلَى التَّقْدِير فَهُوَ بِاعْتِبَار تَقْدِير هَذِه الْأُمُور خَالق وَبِاعْتِبَار الإيجاد على وفْق التَّقْدِير مُصَور وَبِاعْتِبَار مُجَرّد الإيجاد والإخراج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود بارئ والإيجاد الْمُجَرّد شئ والإيجاد على وفْق التَّقْدِير شَيْء آخر وَهَذَا يحْتَاج إِلَيْهِ من يبعد رد الْخلق إِلَى مُجَرّد التَّقْدِير مَعَ أَن لَهُ فِي اللُّغَة
وَجها إِذْ الْعَرَب تسمي الْحذاء خَالِقًا لتقديره بعض طاقات النَّعْل على بعض وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر ولأنت تفري مَا خلقت وَبَعض ... الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري فَأَما اسْم المصور فَهُوَ لَهُ من حَيْثُ رتب صور الْأَشْيَاء أحسن تَرْتِيب وصورها أحسن تَصْوِير وَهَذَا من أَوْصَاف الْفِعْل فَلَا يعلم حَقِيقَته إِلَّا من يعلم صُورَة الْعَالم على الْجُمْلَة ثمَّ على التَّفْصِيل فَإِن الْعَالم كُله فِي حكم شخص وَاحِد مركب من أَعْضَاء متعاونة على الْغَرَض الْمَطْلُوب مِنْهُ وَإِنَّمَا أعضاؤه وأجزاؤه السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب والأرضون وَمَا بَينهمَا من المَاء والهواء وَغَيرهمَا وَقد رتبت أجزاؤه ترتيبا محكما لَو غير ذَلِك التَّرْتِيب لبطل النظام فخصص بِجِهَة الفوق مَا يَنْبَغِي أَن يَعْلُو وبجهة السّفل مَا يَنْبَغِي أَن يسفل وكما أَن الْبناء يضع الْحِجَارَة أَسْفَل الْحِيطَان والخشب فَوْقهَا لَا بالِاتِّفَاقِ بل بالحكمة وَالْقَصْد لإِرَادَة الإحكام وَلَو قلب ذَلِك فَوضع الْحِجَارَة فَوق الْحِيطَان والخشب أَسْفَلهَا لانهدم الْبناء وَلم تثبت صورته أصلا فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يفهم السَّبَب فِي علو الْكَوَاكِب وتسفل الأَرْض وَالْمَاء وَسَائِر أَنْوَاع التَّرْتِيب فِي الْأَجْزَاء الْعِظَام من أَجزَاء الْعَالم وَلَو ذَهَبْنَا نصف أَجزَاء الْعَالم ونحصيها ثمَّ نذْكر الْحِكْمَة فِي تركيبها لطال الْكَلَام وكل من كَانَ أوفر علما بِهَذَا التَّفْصِيل كَانَ أَكثر إحاطة بِمَعْنى اسْم المصور وَهَذَا التَّرْتِيب والتصوير مَوْجُود فِي كل جُزْء من أَجزَاء الْعَالم وَإِن صغر حَتَّى فِي النملة والذرة بل فِي كل عُضْو من أَعْضَاء النملة بل الْكَلَام يطول فِي شرح صُورَة الْعين الَّتِي هِيَ أَصْغَر عُضْو فِي الْحَيَوَان وَمن لم يعرف طَبَقَات الْعين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها وَوجه الْحِكْمَة فِيهَا فَلَنْ يعرف صورتهَا وَلم يعرف مصورها
فِي الْحَيَوَان وَمن لم يعرف طَبَقَات الْعين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها وَوجه الْحِكْمَة فِيهَا فَلَنْ يعرف صورتهَا وَلم يعرف مصورها
إِلَّا بِالِاسْمِ الْمُجْمل وَهَكَذَا القَوْل فِي كل صُورَة لكل حَيَوَان ونبات بل لكل جُزْء من كل حَيَوَان ونبات تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يحصل فِي نَفسه صُورَة الْوُجُود كُله على هَيئته وترتيبه حَتَّى يُحِيط بهيئة الْعَالم وترتيبه كُله كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا ثمَّ ينزل من الْكل إِلَى التفاصيل فيشرف على صُورَة الْإِنْسَان من حَيْثُ بدنه وأعضائه الجسمانية فَيعلم أَنْوَاعهَا وعددها وتركيبها وَالْحكمَة فِي خلقهَا وترتيبها ثمَّ يشرف على صفاتها المعنوية ومعانيها الشَّرِيفَة الَّتِي بهَا إدراكاته وإرادته وَكَذَلِكَ يعرف صُورَة الْحَيَوَانَات وَصُورَة النَّبَات ظَاهرا وَبَاطنا بِقدر مَا فِي وَسعه حَتَّى يحصل نقش الْجَمِيع وَصورته فِي قلبه وكل ذَلِك يرجع إِلَى معرفَة صُورَة الجسمانيات وَهِي معرفَة مختصرة بِالْإِضَافَة إِلَى معرفَة تَرْتِيب الروحانيات وَفِيه يدْخل معرفَة الْمَلَائِكَة وَمَعْرِفَة مَرَاتِبهمْ وَمَا وكل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم من التَّصَرُّف فِي السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْقُلُوب البشرية بالهداية والإرشاد ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْحَيَوَانَات بالإلهامات الهادية لَهَا إِلَى مَظَنَّة الْحَاجَات
َاكِب ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْقُلُوب البشرية بالهداية والإرشاد ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْحَيَوَانَات بالإلهامات الهادية لَهَا إِلَى مَظَنَّة الْحَاجَات فَهَذَا حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم وَهُوَ اكْتِسَاب الصُّورَة العلمية الْمُطَابقَة للصورة الوجودية فَإِن الْعلم صُورَة فِي النَّفس مُطَابقَة للمعلوم وَعلم الله ﷿ بالصور سَبَب لوُجُود الصُّور فِي الْأَعْيَان وَالصُّورَة الْمَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان سَبَب لحُصُول الصُّور العلمية فِي قلب الْإِنْسَان وَبِذَلِك يَسْتَفِيد العَبْد الْعلم بِمَعْنى اسْم المصور من أَسمَاء الله ﷾ وَيصير أَيْضا باكتساب الصُّورَة فِي نَفسه كَأَنَّهُ مُصَور وَإِن كَانَ ذَلِك على سَبِيل الْمجَاز فَإِن تِلْكَ الصُّور العلمية إِنَّمَا تحدث فِيهِ على التَّحْقِيق بِخلق الله تَعَالَى واختراعه لَا بِفعل العَبْد وَلَكِن العَبْد
يسْعَى فِي التَّعَرُّض لفيضان رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ ف ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ ١٣ سُورَة الرَّعْد الْآيَة ١١ وَلذَلِك قَالَ ﷺ إِن لربكم فِي أَيَّام دهركم نفخات من رَحمته أَلا فتعرضوا لَهَا وَأما الْخَالِق البارئ فَلَا مدْخل للْعَبد أَيْضا فِي هذَيْن الاسمين إِلَّا بِنَوْع من الْمجَاز بعيد وَوَجهه أَن الْخلق والإيجاد يرجع إِلَى اسْتِعْمَال الْقُدْرَة بِمُوجب الْعلم وَقد خلق الله تَعَالَى للْعَبد علما وقدرة وَله سَبِيل إِلَى تَحْصِيل مقدوراته على وفْق تَقْدِيره وَعلمه
ع إِلَى اسْتِعْمَال الْقُدْرَة بِمُوجب الْعلم وَقد خلق الله تَعَالَى للْعَبد علما وقدرة وَله سَبِيل إِلَى تَحْصِيل مقدوراته على وفْق تَقْدِيره وَعلمه والأمور الْمَوْجُودَة تَنْقَسِم إِلَى مَا لَا يرتبط حُصُولهَا بقدرة الْعباد أصلا كالسماء وَالْكَوَاكِب وَالْأَرْض وَالْحَيَوَان والنبات وَغير ذَلِك وَإِلَى مَا لَا حُصُول لَهَا إِلَّا بقدرة الْعباد وَهِي الَّتِي ترجع إِلَى أَعمال الْعباد كالصناعات والسياسات والعبادات والمجاهدات فَإِذا بلغ العَبْد فِي مجاهدة نَفسه بطرِيق الرياضة فِي سياستها وسياسة الْخلق مبلغا ينْفَرد فِيهَا باستنباط أُمُور لم يسْبق إِلَيْهَا وَيقدر مَعَ ذَلِك على فعلهَا وَالتَّرْغِيب فِيهَا كَانَ كالمخترع لما لم يكن لَهُ وجود من قبل إِذْ يُقَال لواضع الشطرنج إِنَّه الَّذِي وَضعه واخترعه حَيْثُ وضع مَا لم يسْبق إِلَيْهِ إِلَّا أَن وضع مَا لَا خير فِيهِ لَا يكون من صِفَات الْمَدْح وَكَذَلِكَ فِي الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات الَّتِي هِيَ منبع الْخيرَات صور وترتيبات يتعلمها النَّاس بَعضهم من بعض ويرتقي لَا محَالة إِلَى أول مستنبط وَوَاضِع فَيكون ذَلِك الْوَاضِع كالمخترع لتِلْك الصُّورَة والخالق الْمُقدر لَهَا حَتَّى يجوز إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ مجَازًا
وَمن أَسمَاء الله تَعَالَى مَا يكون نقلهَا إِلَى العَبْد مجَازًا وَهُوَ الْأَكْثَر وَمِنْهَا مَا يكون فِي حق العَبْد حَقِيقَة وَفِي حق الله تَعَالَى مجَازًا كالصبور والشكور وَلَا يَنْبَغِي أَن تلاحظ الْمُشَاركَة فِي الِاسْم وتذهل عَن هَذَا التَّفَاوُت الْعَظِيم الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْغفار
هُوَ الَّذِي أظهر الْجَمِيل وَستر الْقَبِيح والذنُوب من جملَة القبائح الَّتِي سترهَا بإسبال السّتْر عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا والتجاوز عَن عقوبتها فِي الْآخِرَة والغفر هُوَ السّتْر وَأول ستره على العَبْد أَن جعل مقابح بدنه الَّتِي تستقبحها الْأَعْين مستورة فِي بَاطِنه مغطاة بِجَمَال ظَاهره فكم بَين بَاطِن العَبْد وَظَاهره فِي النَّظَافَة والقذارة وَفِي الْقبْح وَالْجمال فَانْظُر مَا الَّذِي أظهره وَمَا الَّذِي ستره وستره الثَّانِي أَن جعل مُسْتَقر خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سر قلبه حَتَّى لَا يطلع أحد على سره وَلَو انْكَشَفَ لِلْخلقِ مَا يخْطر بِبَالِهِ فِي مجاري وسواسه وَمَا ينطوي عَلَيْهِ ضَمِيره من الْغِشّ والخيانة وَسُوء الظَّن بِالنَّاسِ لمقتوه بل سعوا فِي تلف روحه وأهلكوه فَانْظُر كَيفَ ستر عَن غَيره أسراره وعوراته وستره الثَّالِث مغفرته ذنُوبه الَّتِي كَانَ يسْتَحق الافتضاح بهَا على مَلأ الْخلق وَقد وعد أَن يُبدل سيئاته حَسَنَات ليستر مقابح ذنُوبه بِثَوَاب حَسَنَاته مهما مَاتَ على الْإِيمَان تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يستر من غَيره مَا يجب أَن يستر مِنْهُ فقد قَالَ
مقابح ذنُوبه بِثَوَاب حَسَنَاته مهما مَاتَ على الْإِيمَان تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يستر من غَيره مَا يجب أَن يستر مِنْهُ فقد قَالَ
النَّبِي ﷺ من ستر على مُؤمن عَوْرَته ستر الله ﷿ عَوْرَته يَوْم الْقِيَامَة والمغتاب والمتجسس والمكافئ على الْإِسَاءَة بمعزل عَن هَذَا الْوَصْف وَإِنَّمَا المتصف بِهِ من لَا يفشى من خلق الله تَعَالَى إِلَّا أحسن مَا فِيهِ وَلَا يَنْفَكّ مَخْلُوق عَن كَمَال وَنقص وَعَن قبح وَحسن فَمن تغافل عَن المقابح وَذكر المحاسن فَهُوَ ذُو نصيب من هَذَا الْوَصْف كَمَا رُوِيَ عَن عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ أَنه مر مَعَ الحواريين بكلب ميت قد غلب نَتنه فَقَالُوا مَا أنتن هَذِه الجيفة فَقَالَ عِيسَى ﵇ مَا أحسن بَيَاض أَسْنَانه تَنْبِيها على أَن الَّذِي يَنْبَغِي أَن يذكر من كل شَيْء مَا هُوَ أحسن القهار هُوَ الَّذِي يقصم ظُهُور الْجَبَابِرَة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال بل الَّذِي لَا مَوْجُود إِلَّا وَهُوَ مسخر تَحت قهره ومقدرته عَاجز فِي قَبضته تَنْبِيه القهار من الْعباد من قهر أعداءه وأعدى عَدو الْإِنْسَان نَفسه الَّتِي بَين جَنْبَيْهِ فَهِيَ أعدى لَهُ من الشَّيْطَان الَّذِي قد حذر عداوته وَمهما قهر شهوات نَفسه فقد قهر الشَّيْطَان إِذْ الشَّيْطَان يستهويه إِلَى الْهَلَاك بِوَاسِطَة شهواته وَإِحْدَى حبائك الشَّيْطَان النِّسَاء وَمن فقد شَهْوَة النِّسَاء لم يتَصَوَّر أَن ينعقل بِهَذِهِ الأحبولة فَكَذَلِك من قهر هَذِه الشَّهْوَة تَحت سطوة الدّين وَإِشَارَة الْعقل وَمهما قهر شهوات النَّفس فقد قهر النَّاس كَافَّة فَلم يقدر عَلَيْهِ أحد إِذْ غَايَة
أعدائه السَّعْي فِي إهلاك بدنه وَذَلِكَ إحْيَاء لروحه فَإِن من مَاتَ عَن شهواته فِي حَيَاته عَاشَ فِي مماته ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين﴾ ٣ سُورَة آل عمرَان الْآيَة ١٦٩ و ١٧٠ الْوَهَّاب
مماته ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين﴾ ٣ سُورَة آل عمرَان الْآيَة ١٦٩ و ١٧٠ الْوَهَّاب
الْهِبَة هِيَ الْعَطِيَّة الخالية عَن الأعواض والأغراض فَإِذا كثرت العطايا بِهَذِهِ الصّفة سمي صَاحبهَا وهابا وجوادا وَلنْ يتَصَوَّر الْجُود وَالْهِبَة حَقِيقَة إِلَّا من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ الَّذِي يُعْطي كل مُحْتَاج مَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا لعوض وَلَا لغَرَض عَاجل وَلَا آجل وَمن وهب وَله فِي هِبته غَرَض يَنَالهُ عَاجلا وآجلا من ثَنَاء أَو مدح أَو مَوَدَّة أَو تخلص من مذمة أَو اكْتِسَاب شرف وَذكر فَهُوَ معامل معتاض وَلَيْسَ بوهاب وَلَا جواد فَلَيْسَ الْعِوَض كُله عينا يتَنَاوَل بل كل مَا لَيْسَ بحاصل ويقصد الْوَاهِب حُصُوله بِالْهبةِ فَهُوَ عوض وَمن وهب وجاد ليشرف أَو ليثنى عَلَيْهِ أَو لِئَلَّا يذم فَهُوَ معامل وَإِنَّمَا الْجواد الْحق هُوَ الَّذِي يفِيض مِنْهُ الْفَوَائِد على المستفيد لَا لغَرَض يعود إِلَيْهِ بل الَّذِي يفعل شَيْئا لَو لم يفعل لَكَانَ يقبح بِهِ فَهُوَ بِمَا يَفْعَله متخلص وَذَلِكَ غَرَض وَعوض تَنْبِيه لَا يتَصَوَّر من العَبْد الْجُود وَالْهِبَة فَإِنَّهُ مَا لم يكن الْفِعْل أولى بِهِ من التّرْك لم يقدم عَلَيْهِ فَيكون إقدامه لغَرَض نَفسه وَلَكِن الَّذِي يبْذل جَمِيع مَا يملكهُ حَتَّى الرّوح لوجه الله ﷿ فَقَط لَا للوصول إِلَى نعيم الْجنَّة أَو الحذر من عَذَاب النَّار أَو لحظ عَاجل أَو آجل مِمَّا يعد من حظوظ البشرية فَهُوَ جدير بِأَن يُسمى وهابا وجوادا ودونه الَّذِي يجود لينال نعيم الْجنَّة ودونه من
يجود لينال حسن الأحدوثة وكل من لم يطْلب عوضا يتَنَاوَل سمي جوادا عِنْد من يظنّ أَن لَا عوض إِلَّا الْأَعْيَان فَإِن قلت فَالَّذِي يجود بِكُل مَا يملكهُ خَالِصا لوجه الله تَعَالَى من غير توقع حَظّ عَاجل أَو آجل كَيفَ لَا يكون جوادا وَلَا حَظّ لَهُ أصلا فِيهِ فَنَقُول حَظه هُوَ الله تَعَالَى ورضاؤه ولقاؤه والوصول إِلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ السَّعَادَة الَّتِي يكتسبها الْإِنْسَان بأفعاله الاختيارية وَهُوَ الْحَظ الَّذِي تستحقر سَائِر الحظوظ فِي مُقَابلَته فَإِن قلت فَمَا معنى قَوْلهم إِن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى هُوَ الَّذِي يعبد الله ﷿ خَالِصا لله لَا لحظ وَرَاءه فَإِن كَانَ لَا يَخْلُو فعل العَبْد عَن حَظّ فَمَا الْفرق بَين من يعبد الله تَعَالَى لله خَالِصا وَبَين من يعبده لحظ من الحظوظ فَاعْلَم أَن الْحَظ عبارَة عِنْد الجماهير عَن الْأَغْرَاض أَو الأعواض الْمَشْهُورَة عِنْدهم وَمن تنزه عَنْهَا وَلم يبْق لَهُ مقصد إِلَّا الله تَعَالَى فَيُقَال إِنَّه قد برِئ من الحظوظ أَي عَمَّا يعده النَّاس حظا وَهُوَ كَقَوْلِهِم إِن العَبْد يُرَاعِي سَيّده لَا لسَيِّده وَلَكِن لحظ يَنَالهُ من سَيّده من نعْمَة أَو إكرام وَالسَّيِّد يُرَاعِي عَبده لَا لعَبْدِهِ وَلَكِن لحظ يَنَالهُ مِنْهُ بخدمته وَأما الْوَالِد فَإِنَّهُ يُرَاعِي وَلَده لذاته لَا لحظ يَنَالهُ مِنْهُ بل لَو لم يكن مِنْهُ حَظّ أصلا لَكَانَ معنيا بمراعاته
يَنَالهُ مِنْهُ بخدمته وَأما الْوَالِد فَإِنَّهُ يُرَاعِي وَلَده لذاته لَا لحظ يَنَالهُ مِنْهُ بل لَو لم يكن مِنْهُ حَظّ أصلا لَكَانَ معنيا بمراعاته وَمن طلب شَيْئا لغيره لَا لذاته فَكَأَنَّهُ لم يَطْلُبهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ غَايَة طلبه بل غَايَة طلب غَيره كمن يطْلب الذَّهَب فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبهُ لذاته بل ليتوصل بِهِ إِلَى الْمطعم والملبس والمطعم والملبس لَا يرادان لذاتهما بل للتوصل بهما إِلَى جلب اللَّذَّة وَدفع الْأَلَم واللذة ترَاد لذاتها لَا لغاية أُخْرَى وَرَاءَهَا وَكَذَا دفع الْأَلَم فَيكون الذَّهَب وَاسِطَة إِلَى الطَّعَام وَالطَّعَام وَاسِطَة إِلَى اللَّذَّة واللذة هِيَ الْغَايَة وَلَيْسَت وَاسِطَة إِلَى غَيرهَا وَكَذَلِكَ الْوَلَد لَيْسَ وَاسِطَة فِي حق الْوَالِد بل مَطْلُوبه سَلامَة الْوَلَد لذات الْوَلَد لِأَن عين الْوَلَد حَظه
فَكَذَلِك من يعبد الله ﷿ للجنة فقد جعل الله ﷾ وَاسِطَة طلبه وَلم يَجعله غَايَة مطلبه وعلامة الْوَاسِطَة أَنه لَو حصلت الْفَائِدَة دونهَا لم تطلب كَمَا لَو حصلت الْمَقَاصِد دون الذَّهَب لم يكن الذَّهَب محبوبا وَلَا مَطْلُوبا فالمحبوب بِالْحَقِيقَةِ الْغَايَة الْمَطْلُوبَة دون الذَّهَب وَلَو حصلت الْجنَّة لمن يعبد الله لأَجلهَا دون عبَادَة الله ﷿ لما عبد الله فمحبوبه ومطلوبه الْجنَّة إِذا لَا غير وَأما من لم يكن لَهُ مَحْبُوب سوى الله ﷿ وَلَا مَطْلُوب سواهُ بل حَظه الابتهاج بلقاء الله تَعَالَى والقرب مِنْهُ والمرافقة مَعَ الْمَلأ الْأَعْلَى المقربين من حَضرته فَيُقَال إِنَّه يعبد الله تَعَالَى لله لَا على معنى أَنه غير طَالب للحظ بل على معنى أَن الله ﷿ هُوَ حَظه وَلَيْسَ يَبْغِي وَرَاءه حظا
قربين من حَضرته فَيُقَال إِنَّه يعبد الله تَعَالَى لله لَا على معنى أَنه غير طَالب للحظ بل على معنى أَن الله ﷿ هُوَ حَظه وَلَيْسَ يَبْغِي وَرَاءه حظا وَمن لم يُؤمن بلذة الْبَهْجَة بلقاء الله ﷿ ومعرفته والمشاهدة لَهُ والقرب مِنْهُ لم يشتق إِلَيْهِ وَمن لم يشتق إِلَيْهِ لم يتَصَوَّر أَن يكون ذَلِك من حَظه فَلم يتَصَوَّر أَن يكون ذَلِك مقْصده أصلا فَلذَلِك لَا يكون فِي عبَادَة الله تَعَالَى إِلَّا كالأجير السوء لَا يعْمل إِلَّا بِأُجْرَة طمع فِيهَا وَأكْثر الْخلق لم يَذُوقُوا هَذِه اللَّذَّة وَلم يعرفوها وَلَا يفهمون لَذَّة النّظر إِلَى وَجه الله ﷿ وَإِنَّمَا إِيمَانهم بذلك من حَيْثُ النُّطْق بِاللِّسَانِ فَأَما بواطنهم فَإِنَّهَا مائلة إِلَى التَّلَذُّذ بلقاء الْحور الْعين ومصدقة بِهِ فَقَط فَافْهَم من هَذَا أَن الْبَرَاءَة من الحظوظ محَال إِن كنت تجوز أَن يكون الله تَعَالَى أَي لقاءه والقرب مِنْهُ مِمَّا يُسمى حظا وَإِن كَانَ الْحَظ عبارَة عَمَّا يعرفهُ الجماهير وتميل إِلَيْهِ قُلُوبهم فَلَيْسَ هَذَا حظا وَإِن كَانَ عبارَة عَمَّا حُصُوله أوفى من عَدمه فِي حق العَبْد فَهُوَ حَظّ الرَّزَّاق
هُوَ الَّذِي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إِلَيْهِم وَخلق لَهُم أَسبَاب التَّمَتُّع بهَا
صُوله أوفى من عَدمه فِي حق العَبْد فَهُوَ حَظّ الرَّزَّاق
هُوَ الَّذِي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إِلَيْهِم وَخلق لَهُم أَسبَاب التَّمَتُّع بهَا
والرزق رزقان ظَاهر وَهِي الأقوات والأطعمة وَذَلِكَ للظواهر وَهِي الْأَبدَان وباطن وَهِي المعارف والمكاشفات وَذَلِكَ للقلوب والأسرار وَهَذَا أشرف الرزقين فَإِن ثَمَرَته حَيَاة الْأَبَد وَثَمَرَة الرزق الظَّاهِر قُوَّة الْجَسَد إِلَى مُدَّة قريبَة الأمد وَالله ﷿ هُوَ الْمُتَوَلِي لخلق الرزقين والمتفضل بالإيصال إِلَى كلا الْفَرِيقَيْنِ وَلكنه يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر تَنْبِيه غَايَة حَظّ العَبْد من هَذَا الْوَصْف أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن يعرف حَقِيقَة هَذَا الْوَصْف وَأَنه لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الله ﷿ فَلَا ينْتَظر الرزق إِلَّا مِنْهُ وَلَا يتوكل فِيهِ إِلَّا عَلَيْهِ كَمَا رُوِيَ عَن حَاتِم الْأَصَم ﵀ أَنه قَالَ لَهُ رجل من أَيْن تَأْكُل فَقَالَ من خزانته فَقَالَ الرجل أيلقي عَلَيْك الرزق من السَّمَاء فَقَالَ لَو لم تكن الأَرْض لَهُ لَكَانَ يلقيه من السَّمَاء فَقَالَ الرجل إِنَّكُم تَقولُونَ الْكَلَام فَقَالَ لِأَنَّهُ لم ينزل من السَّمَاء إِلَّا الْكَلَام فَقَالَ الرجل إِنِّي لَا أقوى على مجادلتك فَقَالَ لِأَن الْبَاطِل لَا يقوى مَعَ الْحق الثَّانِي أَن يرزقه علما هاديا وَلِسَانًا مرشدا معلما ويدا منفقة متصدقة وَيكون سَببا لوصول الأرزاق الشَّرِيفَة إِلَى الْقُلُوب بأقواله وأعماله ووصول الأرزاق إِلَى الْأَبدَان بأفعاله وأعماله وَإِذا أحب الله عبدا أَكثر حوائج الْخلق إِلَيْهِ وَمهما كَانَ وَاسِطَة بَين الله وَبَين الْعباد فِي وُصُول الأرزاق إِلَيْهِم فقد نَالَ حظا من هَذِه الصّفة قَالَ رَسُول لله ﷺ الخازن الْأمين الَّذِي يُعْطي مَا أَمر بِهِ طيبَة بِهِ نَفسه أحد المتصدقين وأيدي الْعباد خَزَائِن الله تَعَالَى
فَمن جعلت يَده خزانَة أرزاق الْأَبدَان وَلسَانه خزانَة أرزاق الْقُلُوب فقد أكْرم بشوب من هَذِه الصّفة الفتاح
هُوَ الَّذِي ينفتح بعنايته كل منغلق وبهدايته ينْكَشف كل مُشكل فَتَارَة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أَيدي أعدائه وَيَقُول ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ ٤٨ سُورَة الْفَتْح الْآيَة ١ وَتارَة يرفع الْحجاب عَن قُلُوب أوليائه وَيفتح لَهُم الْأَبْوَاب إِلَى ملكوت سمائه وجمال كبريائه وَيَقُول ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا﴾ ٣٥ سُورَة فاطر الْآيَة ٢ وَمن بِيَدِهِ مفاتح الْغَيْب ومفاتيح الرزق فبالحري أَن يكون فتاحا تَنْبِيه يَنْبَغِي أَن يتعطش العَبْد إِلَى أَن يصير بِحَيْثُ ينفتح بِلِسَانِهِ مغاليق المشكلات الإلهية وَأَن يَتَيَسَّر بمعرفته مَا يتعسر على الْخلق من الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية ليَكُون لَهُ حَظّ من اسْم الفتاح الْعَلِيم
مَعْنَاهُ ظَاهر وكماله أَن يُحِيط بِكُل شَيْء علما ظَاهره وباطنه دقيقه وجليله أَوله وَآخره عاقبته وفاتحته وَهَذَا من حَيْثُ كَثْرَة المعلومات وَهِي لَا نِهَايَة لَهَا ثمَّ يكون الْعلم فِي ذَاته من حَيْثُ الوضوح والكشف على أتم مَا يُمكن فِيهِ بِحَيْثُ لَا يتَصَوَّر مُشَاهدَة وكشف أظهر مِنْهُ ثمَّ لَا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة مِنْهُ
والكشف على أتم مَا يُمكن فِيهِ بِحَيْثُ لَا يتَصَوَّر مُشَاهدَة وكشف أظهر مِنْهُ ثمَّ لَا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة مِنْهُ
تَنْبِيه للْعَبد حَظّ من وصف الْعَلِيم لَا يكَاد يخفى وَلَكِن يُفَارق علمه علم الله تَعَالَى فِي الْخَواص الثَّلَاث إِحْدَاهَا المعلومات فِي كثرتها فَإِن مَعْلُومَات العَبْد وَإِن اتسعت فَهِيَ محصورة فِي قلبه فَأنى يُنَاسب مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَالثَّانيَِة أَن كشفه وَإِن اتَّضَح فَلَا يبلغ الْغَايَة الَّتِي لَا يُمكن وَرَاءَهَا بل تكون مشاهدته للأشياء كَأَنَّهُ يَرَاهَا من وَرَاء ستر رَقِيق وَلَا تنكرن دَرَجَات الْكَشْف فَإِن البصيرة الْبَاطِنَة كالبصر الظَّاهِر وَفرق بَين مَا يَتَّضِح فِي وَقت الْإِسْفَار وَبَين مَا يَتَّضِح ضحوة النَّهَار وَالثَّالِثَة أَن علم الله ﷾ بالأشياء غير مُسْتَفَاد من الْأَشْيَاء بل الْأَشْيَاء مستفادة مِنْهُ وَعلم العَبْد بالأشياء تَابع للأشياء وَحَاصِل بهَا وَإِن اعتاص عَلَيْك فهم هَذَا الْفرق فانسب علم متعلم الشطرنج إِلَى علم وَاضعه فَإِن علم الْوَاضِع هُوَ سَبَب وجود الشطرنج وَوُجُود الشطرنج هُوَ سَبَب علم المتعلم وَعلم الْوَاضِع سَابق على الشطرنج وَعلم المتعلم مَسْبُوق ومتأخر فَكَذَلِك علم الله ﷿ بالأشياء سَابق عَلَيْهَا وَسبب لَهَا وَعلمنَا بِخِلَاف ذَلِك وَشرف العَبْد بِسَبَب الْعلم من حَيْثُ أَنه من صِفَات الله ﷿ وَلَكِن الْعلم الْأَشْرَف مَا معلومه أشرف وأشرف المعلومات هُوَ الله تَعَالَى فَلذَلِك كَانَت معرفَة الله تَعَالَى أفضل المعارف بل معرفَة سَائِر الْأَشْيَاء أَيْضا إِنَّمَا تشرف لِأَنَّهَا معرفَة لأفعال الله ﷿ أَو معرفَة للطريق الَّذِي يقرب العَبْد من الله ﷿ أَو الْأَمر الَّذِي يسهل بِهِ الْوُصُول إِلَى معرفَة الله تَعَالَى والقرب مِنْهُ وكل معرفَة خَارِجَة عَن ذَلِك فَلَيْسَ فِيهَا كثير شرف
الْقَابِض والباسط



