حز الغلاصم في إفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya ابن الحاج القناوي (w. 598 H).

Bagian 2 dari 3 109 halaman

— Bagian 2 · قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك… —

Bagian 2

قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا﴾ جَاءَ فِي التَّفْسِير إضلاله ﴿أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم﴾

جَاءَ فِي التَّفْسِير يطهر قُلُوبهم أَي بالاسلام لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم وفيهَا ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن ليَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُم فاستبقوا الْخيرَات إِلَى الله مرجعكم جَمِيعًا فينبئكم بِمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون﴾

سُورَة الْأَنْعَام فِيهَا آيَات بَيِّنَات دون السُّور الَّتِي تذكر والمذكورات قبل من ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض أَو سلما فِي السَّمَاء فتأتيهم بِآيَة وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى فَلَا تكونن من الْجَاهِلين﴾ جَاءَ فِي التَّفْسِير وَلَو شَاءَ الله لخلقهم مُؤمنين ردا على الْقَدَرِيَّة ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ والموتى يَبْعَثهُم الله﴾ جَاءَ فِي التَّفْسِير إِنَّمَا يستجيب لدعائك يَا مُحَمَّد الَّذين فتح الله اسماعهم إِلَى سَماع الْحق فيقبلون مَا يسمعونه وهم الْمُؤْمِنُونَ ﴿والموتى يَبْعَثهُم الله﴾

سِير إِنَّمَا يستجيب لدعائك يَا مُحَمَّد الَّذين فتح الله اسماعهم إِلَى سَماع الْحق فيقبلون مَا يسمعونه وهم الْمُؤْمِنُونَ ﴿والموتى يَبْعَثهُم الله﴾

أَي وَالْكفَّار الَّذين هم فِي عدد الْمَوْتَى لأَنهم لَا يسمعُونَ وَلَا يعْقلُونَ لإعراضهم عَن سَماع الْحق قلت قَالَ الله ﴿وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خلقهمْ كَافِرين وَكتب عَلَيْهِم أَنهم لَا يُؤمنُونَ وَقَالَ الْحسن وَمُجاهد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿والموتى يَبْعَثهُم الله﴾ الْمَعْنى أَن الْكفَّار مثل الْمَوْتَى وَالله يوفق من يَشَاء إِلَى الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله فَيكون ذَلِك بَعثهمْ من مَوْتهمْ قلت وَهَذَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ شبه الْكفْر بِالْمَوْتِ وَالْإِيمَان بِالْحَيَاةِ كَمَا شبه الْكَافِر بالظلمات وَالْإِيمَان بِالنورِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا﴾ وَالْخَارِج مِنْهَا هُوَ الَّذِي بَعثه الله من مَوته بالْكفْر إِلَى حَيَاته بِالْإِيمَان فَافْهَم ذَلِك كُله فَهُوَ بَين كَمَا ترى وفيهَا قَوْله ﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا صم وبكم فِي الظُّلُمَات من يشإ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾

وَهَذَا كَمَا تقدم شَرحه فِي ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ إِلَى آخر السُّورَة وكما تقدم فِي الْآيَة الَّتِي قبل هَذِه من ذكر الظُّلُمَات وَذكر من أصمه الله عَن سَماع الْخَيْر فاعلمه وفيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿اتبع مَا أُوحِي إِلَيْك من رَبك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَأعْرض عَن الْمُشْركين وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا وَمَا جعلناك عَلَيْهِم حفيظا وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل وَلَا تسبوا الَّذين يدعونَ من دون الله فيسبوا الله عدوا بِغَيْر علم كَذَلِك زينا لكل أمة عَمَلهم ثمَّ إِلَى رَبهم مرجعهم فينبئهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَفِي قَوْله ﴿زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ كِفَايَة وَبَيَان ثمَّ قَالَ ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم لَئِن جَاءَتْهُم آيَة ليُؤْمِنن بهَا قل إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله وَمَا يشعركم أَنَّهَا إِذا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة ونذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلَّا أَن يَشَاء الله وَلَكِن أَكْثَرهم يجهلون﴾

نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلَّا أَن يَشَاء الله وَلَكِن أَكْثَرهم يجهلون﴾

ثمَّ قَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جعلنَا لكل نَبِي عدوا شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ يوحي بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل غرُورًا وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ فذرهم وَمَا يفترون﴾ وفيهَا ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ إحتججت على إمامي بِهَذِهِ الْآيَة فَقَالَ من هُوَ الَّذِي يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن هُوَ الَّذِي يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا قلت هُوَ الله تَعَالَى أَلا ترَاهُ يَقُول فِي أول الْآيَة ﴿فَمن يرد الله﴾ فَقَالَ لَيْسَ الْأَمر كَمَا قلت فَقلت لَهُ فَمن الَّذِي يفعل ذَلِك قَالَ رايت الضَّمِير الَّذِي فِي ﴿يشْرَح﴾ وَفِي ﴿يَجْعَل﴾ هُوَ يعود على من وَهُوَ الَّذِي يفعل الشَّرْح والضيق وَلَا يعود الضَّمِير على الله كَمَا زعمت فَقلت لَهُ فَهَب أَنَّك أعدت الضَّمِير على من دون الله حَتَّى يَصح مذهبك فَمَا تصنع فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾ لَيْسَ هَا هُنَا إسم مَعَ الله يمكنك أَن تموه بِهِ على الغر الجهول والغافل الذهول فبهت وَلم يحر جَوَابا ثمَّ قلت لَهُ أجب عَمَّا ألزمتك أَو تب إِلَى الله من هَذَا الإعتقاد الْفَاسِد فَقَالَ حَتَّى أسئل عَنهُ وَمَرَّتْ اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَوَجَدته مرَارًا وَلم يجب بِشَيْء وَهَذِه عَادَة من ينزه الله فِي كِتَابه

اد الْفَاسِد فَقَالَ حَتَّى أسئل عَنهُ وَمَرَّتْ اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَوَجَدته مرَارًا وَلم يجب بِشَيْء وَهَذِه عَادَة من ينزه الله فِي كِتَابه

فَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم﴾ فقد اوردنا لَهُ آيَة لَا تتشابه عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهَا ضمير وَلَا ضميران يلتبس احدهما بِالْآخرِ وتتجاذب المتنازعان طرفيهما وَلَا يُشْرك الرب فِي تَسْمِيَة بِاللَّه أحد من خلقه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ وفيهَا ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون﴾ ثمَّ لم يقنع جلّ وَعلا بِهَذَا الْإِقْرَار مِنْهُم حَيْثُ جعلُوا إشراكهم بِاللَّه مَنُوطًا بِمَشِيئَة الله سُبْحَانَهُ حَتَّى أَقَامَ بذلك الْحجَّة عَلَيْهِم وعَلى الْقَدَرِيَّة مَعَهم فَقَالَ تَعَالَى عقيب ذَلِك ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾

َامَ بذلك الْحجَّة عَلَيْهِم وعَلى الْقَدَرِيَّة مَعَهم فَقَالَ تَعَالَى عقيب ذَلِك ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾

سُورَة الْأَعْرَاف فِيهَا قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْلِيس ﴿قَالَ فبمَا أغويتني لأقعدن لَهُم صراطك الْمُسْتَقيم﴾ فإبليس احسن إعتقادا من الْقَدَرِيَّة حَيْثُ نسب إغواءه إِلَى بارئه وخالقه دون نَفسه والقدرية تَقول إِن ضللت فَأَنا الَّذِي أضلّ نَفسِي وَأَنا خَالق لفعلي وإغوائي وضلالي وَقد أَبَا ذَلِك مقدمهم فِي الضلال والاضلال إِبْلِيس اللعين وَنسب الاغواء إِلَى من خلقه فِيهِ وزينه لَهُ حَتَّى غوى واغوى وضل وأضل وَقد أخبر الله عَن اللعين الرَّجِيم بِأَن لَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تناجيتم فَلَا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرَّسُول وتناجوا بِالْبرِّ وَالتَّقوى وَاتَّقوا الله الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى من الشَّيْطَان ليحزن الَّذين آمنُوا وَلَيْسَ بضارهم شَيْئا إِلَّا بِإِذن الله﴾ وكما قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة مَا ذَكرْنَاهُ عَن هاروت وماروت إِذْ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله﴾ وفيهَا قَوْله تَعَالَى فِي أهل الْجنَّة ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله﴾

وفيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا أَو لتعودن فِي ملتنا قَالَ أولو كُنَّا كارهين قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾ وَقد تقدم ذكرهَا فِي صدر الْكتاب وَفِي هَذِه الْآيَة نُكْتَة تهدم أصل المبتدعة والامامية وتحز غلاصم الْمُعْتَزلَة والقدرية وَهِي أَنهم يَقُولُونَ أَن إِرَادَة الله نفس أمره وَأمره نفس إِرَادَته وفرعوا عَلَيْهِ أَنه لَا يَأْمر إِلَّا مَا يَشَاء وَيُرِيد وَلَا يُرِيد من خلقه إِلَّا مَا أَمرهم بِهِ وشاءه لَهُم وَاحْتَجُّوا بقوله ﴿إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء﴾ فَلَا يريدها فَخرج من ذَلِك كُله أَن الله لم يرد مَعْصِيّة العصاة وَلَا كفر الْكفَّار هَذِه قَاعِدَة مَذْهَبهم وَقد اكذبهم الله تَعَالَى على أَلْسِنَة أنبيائه عَامَّة وعَلى لِسَان شُعَيْب فِي هَذِه الْآيَة خَاصَّة فِي قَوْله تَعَالَى عَنْهُم حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا أَو لتعودن فِي ملتنا﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾ وملتهم الْكفْر وَقد علقه بمشيئته سُبْحَانَهُ كَمَا ترى وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أخذتهم الرجفة قَالَ رب لَو شِئْت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء أَنْت ولينا فَاغْفِر لنا وارحمنا وَأَنت خير الغافرين﴾

وإياي أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء أَنْت ولينا فَاغْفِر لنا وارحمنا وَأَنت خير الغافرين﴾

وفيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿من يهد الله فَهُوَ الْمُهْتَدي وَمن يضلل فَأُولَئِك هم الخاسرون وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ وَقد تقدّمت هَذِه الْآيَة فِي صدر الْكتاب وفيهَا ﴿من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ ويذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾

سُورَة الْأَنْفَال قَوْله تَعَالَى ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى وليبلي الْمُؤمنِينَ مِنْهُ بلَاء حسنا إِن الله سميع عليم﴾ هَذِه الْآيَة وَإِن أحتج بهَا بعض الْأَصْحَاب على خلق أَفعَال الْعباد فقد شرحها الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم فِي كتاب الاملاء وَقَالَ فِي آخر كَلَامه إِنَّهَا وَارِدَة فِي معاتبة الْمُسلمين وأعلمهم أَنه سُبْحَانَهُ الَّذِي أمدهم بِالْمَلَائِكَةِ فَقتل الله الْمُشْركين بهم وأوصلوا رمي النَّبِي بالحصباء إِلَى أَعينهم فَهَزَمَهُمْ الله وَرَمَاهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ على نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ﴾

وكما قَالَ الشَّاعِر ... رمى بك الله برجيها فَهَدمهَا ... وَلَو رمى بك غير الله لم يصب ...

وفيهَا ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ أَمرهم بالاستجابة لله وَلِلرَّسُولِ وأعلمهم أَنه يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه فَمَتَى يستجيب إِذن لافي التَّنْزِيل ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ قيل فِي التَّوْرَاة وسأقسي قلبه فَلَا يُؤمن

ي التَّنْزِيل ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ قيل فِي التَّوْرَاة وسأقسي قلبه فَلَا يُؤمن

سُورَة التَّوْبَة فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم ويشف صُدُور قوم مُؤمنين﴾ وفيهَا يَقُول فِي قوم تخلفوا عَن رَسُول الله ﷺ فذمهم الله حَيْثُ تخلفوا عَنهُ فِي الْغُزَاة وَعند الْقَدَرِيَّة انهم مستحقون للذم لأَنهم قعدوا عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن نصرته فَمَا الْحِيلَة فِي قوم خلق الله فيهم التثبيط وَالْقعُود عَن رَسُول الله ﷺ فَيجب على قَول هَذَا عِنْد الْقَدَرِيَّة أَن يعذروهم أَيْضا لِأَن الله خلق فيهم الْقعُود وزينه لَهُم حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أَرَادوا الْخُرُوج لأعدوا لَهُ عدَّة وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ وَلَو حمل الْأَمر فِي قَوْله

﴿اقعدوا﴾ على ظَاهره لكانوا مأمورين بالقعود وَكَانُوا طائعين وممدوحين بامتثال الْأَمر وَلَكِن لَيْسَ أَمرهم سُبْحَانَهُ بالقعود وَإِنَّمَا خلق فيهم الْقعُود وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿كره الله انبعاثهم﴾ وَقَوله ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ هُوَ الْفَاعِل لذَلِك كُله ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ والقدرية مَا عرفُوا الله حق مَعْرفَته وَلَا قدرُوا الله حق قدره فبعدا لَهُم وَسُحْقًا فَمَا أجهلهم بِصِفَات الله خالقهم وَمَا أنكرهم لأفعال رَبهم ومالكهم فسبحان الله عَمَّا يصفونَ وَجل جَلَاله عَمَّا يأفكون

قدره فبعدا لَهُم وَسُحْقًا فَمَا أجهلهم بِصِفَات الله خالقهم وَمَا أنكرهم لأفعال رَبهم ومالكهم فسبحان الله عَمَّا يصفونَ وَجل جَلَاله عَمَّا يأفكون

سُورَة يُونُس ﵇ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين حقت عَلَيْهِم كلمة رَبك لَا يُؤمنُونَ وَلَو جَاءَتْهُم كل آيَة حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ وَقَالَت الْقَدَرِيَّة من اراد أَن يُؤمن آمن لِأَن الْحول وَالْقُوَّة وَالِاخْتِيَار بِيَدِهِ وَقَالَ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا أفأنت تكره النَّاس حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين﴾ وَلم يبْق بعد هَذَا للقدرية كَلَام وَهَذَا حَدِيثه مَعَ سيد الْأَوَّلين والآخرين لِحِرْصِهِ على إِيمَانهم أخبرهُ ﷻ أَن مَا هَذَا إِلَيْك وَلَا إِلَيْهِم إِنَّمَا هُوَ مَعْقُود بِمَشِيئَة الله تَعَالَى ومنوط بإرادته كَمَا قَالَ لَهُ فِي مَوضِع آخر ﴿فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات﴾ وكما قَالَ لَهُ لما عظم عَلَيْهِ إعراضهم عَنهُ ﴿وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض أَو سلما فِي السَّمَاء فتأتيهم بِآيَة وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى فَلَا تكونن من الْجَاهِلين﴾

وفيهَا يَقُول سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله وَيجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ والقدرية ترد على الله قَوْله هَذ وَتقول وَلَو أَرَادَ أَن يُؤمن لآمن وَالْخَيْر بِيَدِهِ دون بارئه فسبحان الله عَمَّا يَقُولُونَ وَتَعَالَى علوا كَبِيرا

سُورَة هود ﵇ يَقُول فِيهَا فِي قصَّة نوح ﵇ ﴿قَالُوا يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين قَالَ إِنَّمَا يأتيكم بِهِ الله إِن شَاءَ وَمَا أَنْتُم بمعجزين وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ وفيهَا يَقُول ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس أمة وَاحِدَة وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ تَأمل هَذِه الْآيَة والتفت إِلَى قسمه سُبْحَانَهُ ﴿لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ فليت شعري لَو اتّفق النَّاس وتراضوا على أَن يُؤمنُوا كَمَا زعم

الْقَدَرِيَّة والمعتزلة أَن الْإِنْسَان مَالك لاختياره فَإِن شَاءَ آمن وَإِن شَاءَ كفر وَإِن شَاءَ أطَاع وَإِن شَاءَ عصى فَمَا يَفْعَلُونَ بقسم الله سُبْحَانَهُ أَكَانَ الله يَحْنَث فِي يَمِينه عِنْدهم أَو كَانَ يُوصف بِالْكَذِبِ فِي خَبره على مُقْتَضى مَذْهَبهم وَهُوَ مُسْتَحِيل فِي حَقه جلّ ذَلِك الْجلَال أَن توزن صِفَاته بميزان أهل الْقدر والاعتزال أَو يضطروا إِلَى قَول أهل الْحق فَيَقُولُونَ لَا بُد أَن يصدق خَبره ويبر قسمه فَيُؤمن ويطيع من أَرَادَ إيمَانه وطاعته وَيكفر ويعصي من أَرَادَ كفره ومعصيته فتتم إِذن كَلمته بالثواب وَالْعِقَاب ويملأ الْجنَّة مِمَّن سبقت لَهُ من الله الْحسنى وجهنم مِمَّن حقت عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب ويضل الله من هُوَ مُسْرِف مرتاب

كَلمته بالثواب وَالْعِقَاب ويملأ الْجنَّة مِمَّن سبقت لَهُ من الله الْحسنى وجهنم مِمَّن حقت عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب ويضل الله من هُوَ مُسْرِف مرتاب

سُورَة يُوسُف ﵇ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ وَقَالَ فِيهَا ﴿كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين﴾ فيا لله وَيَا للعجب أَيعْجزُ الله تَعَالَى أَن يصرف الزِّنَا عَن كل من هم بِهِ كَمَا صرفه عَن يُوسُف أم هُوَ قَادر على ذَلِك فسوءة لَهُم مَا أجهلهم بِصِفَات الله أَرَادوا أَن يصفوا رَبهم بِالْعَدْلِ فوصفوه بِالْعَجزِ وَقَالَ فِي نقيض ذَلِك ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال﴾ وَلما دَعَاهُ الْملك وَأرْسل إِلَيْهِ رَسُولا ليخرجه من السجْن ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ إِن رَبِّي بكيدهن عليم﴾

جَاءَ فِي الْقِصَّة أَن جِبْرِيل ﵇ قَالَ لَهُ يَا يُوسُف مَا لَك لم تجب لما دعَاك الْملك لتخرج من السجْن قَالَ يُوسُف ﵇ أردْت أَن أَبْرَأ عِنْد الْملك قبل لِقَائِه وَهُوَ مَضْمُون قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ﴾ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇ يَا يُوسُف وَلَا جبر هَمَمْت حَتَّى عصمك الله فَعندهَا قَالَ ﴿وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي﴾ وَمثله فِي الْقُرْآن كثير قَالَ الله تَعَالَى ﴿يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ﴾

ِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي﴾ وَمثله فِي الْقُرْآن كثير قَالَ الله تَعَالَى ﴿يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ﴾

سُورَة الرَّعْد فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قل من رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أَوْلِيَاء لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير أم هَل تستوي الظُّلُمَات والنور أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿قل الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار﴾ الْقَدَرِيَّة تزْعم فِي إعتقادها أَن لله شُرَكَاء من الْخلق كثيرا خلقُوا كخلقه بَيَان ذَلِك أَنهم يَعْتَقِدُونَ أَن

أَفعَال الْعباد خلق لَهُم انفردوا بهَا دون بارىء النسم وموجد الْخلق بعد الْعَدَم ويزعمون أَن الْخَالِقِينَ كثير ويحتجون بقوله تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أَن ثمَّ خالقين كثيرا وَأَن الله أحْسنهم خلقا لما قَالَ فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ وَقد أكذبهم الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة بقوله تَعَالَى ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه﴾ وَذَلِكَ أَن حَرَكَة الارتعاش فِي يَد العَبْد هم موافقون لنا أَنَّهَا خلق الله تَعَالَى دون العَبْد لِأَنَّهَا وَاقعَة بقدرة الله وإرادته وَلَا قدرَة للْعَبد عَلَيْهَا وَلَا إِرَادَة فَإِذا أَرَادَ العَبْد أَن يُحَرك يَده بِاخْتِيَارِهِ وإرادته حَرَكَة تشبه الارتعاش قَالُوا هَذِه خلق للْعَبد لِأَنَّهَا وَقعت بقدرته وإرادته فقد ﴿جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم﴾ فأكذبهم الله تَعَالَى فَقَالَ ﴿قل الله خَالق كل شَيْء﴾ بِمَعْنى هُوَ الْمُنْفَرد بِخلق جَمِيع الْأَجْسَام والأعراض كلهَا وخالق أَفعَال خلقه كَمَا قَالَ ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَهُوَ الْوَاحِد القهار﴾ وَاحِد فِي ذَاته وَاحِد فِي صِفَاته وَاحِد فِي أَفعاله قهار لجَمِيع خلقه داخلون تَحت قدرته ﴿وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ ومقهورون فِي قَبضته وَتَحْت سُلْطَانه قهر اقتدار لَا إِلَه

د فِي أَفعاله قهار لجَمِيع خلقه داخلون تَحت قدرته ﴿وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ ومقهورون فِي قَبضته وَتَحْت سُلْطَانه قهر اقتدار لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْوَاحِد القهار وَاعْلَم أَن هَؤُلَاءِ الَّذين لم يؤتوا إِلَّا من قلَّة الْفَهم وَعمي البصائر ظنُّوا أَن الْخلق لايكون إلابمعنى الإختراع والايجاد والابتداع تَعَالَى الله أَن يكون مَعَه شريك فِي ملكه وسلطانه وجبروته أويكون أحد خَالِقًا لشَيْء سواهُ وَإِنَّمَا الْخلق فِي هَذِه الْآيَة

بِمَعْنى التَّقْدِير وَلَا يكون التَّقْدِير إِلَّا فِي الْأَجْسَام وَأول الْآيَة يدل عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا الْعِظَام لَحْمًا﴾ وَالتَّقْدِير جَار فِي هَذَا كُله كَمَا قَالَ هَذَا الْمَعْنى مُفَسرًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ألم نخلقكم من مَاء مهين فجعلناه فِي قَرَار مكين إِلَى قدر مَعْلُوم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فقدرنا فَنعم القادرون﴾ على قِرَاءَة نَافِع وَالْكسَائِيّ بِالتَّشْدِيدِ فَاعْلَم ثمَّ قَالَ ﴿ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ أَي المقدرين وَلَيْسَ كل صانع إِذْ قدر فِي صَنعته تَقْديرا يَقع ذَلِك على وفْق تَقْدِيره وإرادته يتَبَيَّن لَك ذَلِك من تَقْدِير كل صانع فِي صَنعته وَإِنَّمَا يَأْتِي على وفْق تَقْدِير الله الْعَظِيم الْخَبِير وَهَذَا الْمَعْنى مَعْرُوف فِي اللُّغَة قَالَ الشَّاعِر ... ولأنت تفري مَا خلقت وَبَعض ... الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري ... وَقَالَ آخر ... وَلَا ثبط بأيدي الْخَالِقِينَ وَلَا ... ايدي الخوالق إِلَّا جيد الْأدم ...

وَفِي كَلَام الْحجَّاج بن يُوسُف على الْمِنْبَر يهدد أهل الْعرَاق حِين قدم أَمِيرا عَلَيْهِم فِي خطبَته الْمَشْهُورَة الَّتِي يَقُول فِيهَا إِنِّي وَالله مَا أَقُول إِلَّا وفيت وَلَا أهم إِلَّا أمضيت وَلَا أخلق إِلَّا فريت أَي لَا أقدر إِلَّا قطعت وفيا يَقُول الله سُبْحَانَهُ ﴿أفلم ييأس الَّذين آمنُوا أَن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا﴾ وفيهَا يَقُول ﴿بل زين للَّذين كفرُوا مَكْرهمْ وصدوا عَن السَّبِيل وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾

منُوا أَن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا﴾ وفيهَا يَقُول ﴿بل زين للَّذين كفرُوا مَكْرهمْ وصدوا عَن السَّبِيل وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾

سُورَة إِبْرَاهِيم ﵇ قَوْله تَعَالَى ﴿الر كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذن رَبهم إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وويل للْكَافِرِينَ من عَذَاب شَدِيد الَّذين يستحبون الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة ويصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا أُولَئِكَ فِي ضلال بعيد وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ هَذِه آيَات بَيِّنَات فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة من تأملها علم مضمونها قَوْله تَعَالَى ﴿لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ أَي من ظلمات الْكفْر إِلَى نور

الايمان وَذَلِكَ بِإِذن رَبهم أَي بتوفيقه وهدايته وكما قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ أَي بِتَوْفِيق الله وَقيل بِقَضَائِهِ فَلَا تجهد نَفسك يَا مُحَمَّد فِي طلب هدايتهم ثمَّ قَالَ من بعد ﴿قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا تغني الْآيَات وَالنّذر عَن قوم لَا يُؤمنُونَ﴾ أَي عَن قوم سبق لَهُم من الله الشَّقَاء وانظروا إِلَى قَوْله ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ انْظُر إِلَى أَسبَاب الْهِدَايَة كَيفَ مهدها لَهُم إرسل الرُّسُل وانزال الْكتب وَكَونهَا بِلِسَان الْمُرْسل إِلَيْهِم وَكَونه سُبْحَانَهُ قصد بذلك التَّبْيِين لَهُم ثمَّ بعد ذَلِك كُله اضل من شَاءَ وَهدى من شَاءَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيمَا أوردناه مُتَقَدما ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء﴾ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ فَاعْلَم

هَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ فَاعْلَم قَوْله تَعَالَى ﴿وبرزوا لله جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء قَالُوا لَو هدَانَا الله لهديناكم سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا مَا لنا من محيص﴾

وَقد تقدم القَوْل فِي هَذِه الْآيَة فَانْظُر إِلَى أهل النَّار كَيفَ اعْتَرَفُوا بِالْحَقِّ فِي صِفَات الله تَعَالَى وهم فِي دركات النَّار كَمَا قَالُوا فِي مَوضِع آخر ﴿رَبنَا أبصرنا وَسَمعنَا فارجعنا نعمل صَالحا إِنَّا موقنون﴾ وَفِي مَوضِع آخر ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأَصْحَاب السعير﴾ فاعترافهم فِي دركات لظى بِالْحَقِّ لَيْسَ بِنَافِع وَإِنَّمَا ينفع الِاعْتِرَاف صَاحبه فِي الدُّنْيَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم﴾

وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَ الشَّيْطَان لما قضي الْأَمر إِن الله وَعدكُم وعد الْحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم﴾ وَصدق إِبْلِيس فِي هَذَا القَوْل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ فَمن عصمه الله من الشَّيْطَان لم يَجْعَل لَهُ عَلَيْهِم سُلْطَانا وَمن خلق الله فِيهِ الغواية تبعه كَمَا قَالَ إِلَّا من اتبعك من الغاوين وفيهَا ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ وفيهَا ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا الْبَلَد آمنا واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ كَمَا قدمنَا قَوْله فِي الْبَقَرَة حَيْثُ قَالَ ﴿رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك وَمن ذريتنا أمة مسلمة لَك﴾ الْآيَة ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾

فَانْظُر إِلَى هَذَا النَّبِي المكرم على الله وَهُوَ خَلِيله دون خلقه كَيفَ يتَضَرَّع إِلَى مَوْلَاهُ فَمرَّة يَقُول ﴿واجعلنا مُسلمين لَك وَمن ذريتنا أمة مسلمة لَك﴾ وَمرَّة يَقُول ﴿واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ وَمرَّة يَقُول ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾ على نَحْو قَوْله فِيمَا قدمْنَاهُ ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ وَفِي هَذِه السُّورَة ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ أَي يضل من يَشَاء فَلَا يوفقه وَيهْدِي من يَشَاء فيوفقه وَقَوله ﴿ويضل الله الظَّالِمين﴾ أَي لَا يوفقهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَى الْإِيمَان هَكَذَا جَاءَ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة

ي من يَشَاء فيوفقه وَقَوله ﴿ويضل الله الظَّالِمين﴾ أَي لَا يوفقهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَى الْإِيمَان هَكَذَا جَاءَ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة

سُورَة الْحجر قَوْله سُبْحَانَهُ حِكَايَة عَن إِبْلِيس ﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ قَالَ لأغوينهن كَمَا أغويتني فَاعْلَم

سُورَة النَّحْل قَوْله تَعَالَى ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ ﴿وَمِنْهَا جَائِر وَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ وعَلى الله بَيَان الْهدى من الضلال وَلَو شَاءَ لهداكم إِلَى الْهدى أجميعن وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وفيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت فَمنهمْ من هدى الله وَمِنْهُم من حقت عَلَيْهِ الضَّلَالَة فسيروا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين إِن تحرص على هدَاهُم فَإِن الله لَا يهدي من يضل وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ انْظُر إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن تحرص على هدَاهُم﴾ وَالنَّبِيّ ﷺ أفْصح من نطق بالضاد وَهُوَ سيد الْأَوَّلين والآخرين وأبلغ الواعظين وَصَاحب المعجزات والآيات والبراهين وَاشْتَدَّ حرصه على إِيمَان من لم يُؤمن من قومه وَذَهَبت نَفسه عَلَيْهِم حسرات وَالله تَعَالَى يَقُول لَهُ ﴿فَإِن الله لَا يهدي من يضل﴾ وأكده بقوله ﴿وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا﴾ وَقَوله ﴿أفلم ييأس الَّذين آمنُوا أَن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا﴾ وَفِي هَذِه السُّورَة ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء ولتسألن عَمَّا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾

س جَمِيعًا﴾ وَفِي هَذِه السُّورَة ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء ولتسألن عَمَّا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾

سُورَة بني اسرائيل فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُم أَوْلِيَاء من دونه﴾ وفيهَا وَقَوله تَعَالَى ﴿فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس قَالَ أأسجد لمن خلقت طينا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيمَا أوردناه فِي قصَّة يُوسُف ﵇ ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ فَلَو اجْتمع أهل السَّمَاوَات وَأهل الأَرْض من حَملَة الْعَرْش وَجَمِيع المقربين وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس اجمعين والأنبياء وَالرسل ﵈ أَن يهدوا من أضلّ الله فَلَا يَسْتَطِيعُونَ كَمَا أَنهم لَو اجْتَمعُوا على أَن يحركوا فِي الْعَالم ذرة أَو يسكنوها دون إِرَادَته ومشيئته لعجزوا عَن ذَلِك فَمِنْهُ الْخَيْر وَالشَّر والنفع والضر وَمِنْه الْإِيمَان وَالْكفْر وَمِنْه التَّوْفِيق والخذلان لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْوَاحِد القهار وفيهَا ﴿وَإِن كَادُوا﴾ يَعْنِي الْكفَّار ﴿لَيَفْتِنُونَك عَن الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك لتفتري علينا غَيره وَإِذا لاتخذوك خَلِيلًا وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن إِلَيْهِم شَيْئا قَلِيلا إِذا لأذقناك ضعف الْحَيَاة وَضعف الْمَمَات ثمَّ لَا تَجِد لَك علينا نَصِيرًا﴾

وَمن تدبر هَذِه الْآيَات وتفكر فِيهَا عرف سر الْقدر إِن شَاءَ الله فَلَا أجل من الْمُصْطَفى وَلَا أَعلَى وَلَا أَسْنَى ونرى هَذِه السياسة وَهَذَا الناموس وَهَذِه الْحِكْمَة وَهَذَا الْجلَال وَهَذَا السُّلْطَان وَهَذَا الجبروت وَهَذَا الْملك وَهَذَا الملكوت أظهر سر قدره فِي خير خلقه فَمَا تَقول الْقَدَرِيَّة فِي جهال الْخلق وعوامهم كَيفَ يحكمون عَلَيْهِم أَنهم مالكون لأَنْفُسِهِمْ وخالقون لأفعالهم ومستغنون فِي هدايتهم عَن مالكهم وبارئهم يَفْعَلُونَ مَا يشاءون دون مَشِيئَة إلههم فيخالفون أهل الْحق أَجْمَعِينَ ويشاءون وَإِن لم يَشَأْ الله رب الْعَالمين خلافًا لآيَات الْكتاب الْمُبين حَيْثُ نطق بقوله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ وَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾

سُورَة الْكَهْف قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا جعلنَا مَا على الأَرْض زِينَة لَهَا لنبلوهم أَيهمْ أحسن عملا﴾ انْظُر كَيفَ خلق لَهُم الزِّينَة فِي الدُّنْيَا ليختبرهم ويصيدهم بهَا وبلذاتها وشهواتها وزبرجها وجبرتها حَتَّى لقد تفكر فِي أمرهَا وحبائلها بعض العارفين فَبكى وَقَالَ كَيفَ الْحِيلَة وَقد نصب لنا الشّرك ليصيدنا فَالله الْمُسْتَعَان على مَا أبلانا وَأنْشد النَّاظر فِي هَذَا الْمَعْنى وَأحسن فِيمَا تغنى

. نصبوا اللَّحْم للبزاة على ذروتي عدن ... ثمَّ لاموا البزاة أَن جعلُوا فيهم الرسن ... أبرزوا وَجهك الْمليح ثمَّ لاموا من افْتتن ... لَو أَرَادوا صلاحنا نقبوا وَجهك الْحسن ... وَأنْشد آخر ... هِيَ الدُّنْيَا إِذا اكتملت وطاب نعيمها قتلت ... فَلَا تركن لزهرتها فباللذات قد شغلت ... وَكن مِنْهَا على حذر وخف مِنْهَا إِذا اعتدلت ...

شد آخر ... هِيَ الدُّنْيَا إِذا اكتملت وطاب نعيمها قتلت ... فَلَا تركن لزهرتها فباللذات قد شغلت ... وَكن مِنْهَا على حذر وخف مِنْهَا إِذا اعتدلت ...

وتفكر الآخر فِيمَا سبق بِهِ الْقَضَاء وَالْقدر وَبكى على مَا حكم بِهِ الْمولى وسطر وَقَالَ كَيفَ الْحِيلَة فِي إرضاء من غضب فِي الْأَزَل من غير مَا سبق هَا هُنَا تسكب العبرات وتذوب بالمهج بالحسرات وتجري الدُّمُوع الْجَارِيَات على مَا فَاتَ وسبقت بِهِ السابقات وفيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿من يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا﴾ وفيهَا ﴿وَمن أظلم مِمَّن ذكر بآيَات ربه فَأَعْرض عَنْهَا وَنسي مَا قدمت يَدَاهُ إِنَّا جعلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه وَفِي آذانهم وقرا وَإِن تَدعهُمْ إِلَى الْهدى فَلَنْ يهتدوا إِذا أبدا﴾ وَهَذَا بَين الوضوح لمن أَرَادَ الرشاد ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾

سُورَة الْأَنْبِيَاء ﵈ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل وَكُنَّا بِهِ عَالمين﴾ فطره الله على الرشد والاسترشاد حَتَّى سَاقه الدَّلِيل إِلَى معرفَة فاطر السَّمَاوَات وخالق الْعباد حَتَّى لقد تعرض سَائل لبَعض السَّادة من العارفين فِي مجْلِس مَعْقُود ومشهد مشهود فَقَالَ لَهُ كَيفَ يَقُول الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل وَكُنَّا بِهِ عَالمين﴾ إِبْرَاهِيم ﵇ رأى كوكبا فَقَالَ هَذَا رَبِّي ثمَّ تبين لَهُ أَنه لَيْسَ بإله ﴿فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾ فَتبين لَهُ أَنه لَيْسَ بإله ﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر فَلَمَّا أفلت قَالَ يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾

ّين﴾ فَتبين لَهُ أَنه لَيْسَ بإله ﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر فَلَمَّا أفلت قَالَ يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ وَهَذَا مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من الرشد الَّذِي أَتَاهُ الله من قبل أَي فِي بَدْء أمره فَأَجَابَهُ الْعَارِف بِجَوَاب لم يصل إِلَيْهِ فهمه فَقَالَ السَّائِل أعد عَليّ الْجَواب فَأَعَادَ عَلَيْهِ وَلَكِن بِغَيْر تِلْكَ الْعبارَة فَلم يفهم كَلَامه فَقَالَ لَهُ بِعِبَارَة أُخْرَى فَلم يبلغهُ فهمه فَقَالَ لَهُ الْعَارِف مَا الَّذِي قَرَأت من الْعُلُوم حَتَّى أخاطبك على قدر فهمك فقد قَالَ الْحَكِيم كل لكل أحد بِمِكْيَال علمه وزن لَهُ بميزان فهمه وَإِلَّا وَقع التناحر والانكار لتَفَاوت المعيار فَقَالَ لَهُ السَّائِل لم اقْرَأ علما وَلَا حصلت أدبا فَقَالَ فَمَا تحسن من الصَّنَائِع والتجارات قَالَ وَلَا حاولت قطّ صناعَة وَلَا اتَّخذت تِجَارَة فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا أتحسن نوعا من اللّعب فَقَالَ لَهُ أَنا أحسن لعب الشطرنج فَقَالَ

لَهُ باسم الله فاسمع إِذن واصغ إِلَى مثالي إعلم يَا هَذَا أَن الله سُبْحَانَهُ بسط لابراهيم خَلِيله رقْعَة الْقُدْرَة وصف عَلَيْهَا ميادين الْحِكْمَة فبرز البيدق وَهُوَ كَوْكَب سَمَاء الدست فَقَالَ لَهُ الْخَلِيل يَا هَذَا كَيفَ سيرك وَكَيف أخذك فَقَالَ أَسِير معتدلا وَأخذ معوجا فَقَالَ لَا أحب الآفلين فبرز الفرزان وَهُوَ قمر سَمَّاهُ الدست فَقَالَ لَهُ الْخَلِيل يَا هَذَا كَيفَ سيرك وَكَيف أخذك فَقَالَ أَسِير معوجا وَأخذ معوجا فَقَالَ ﵇ لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين فبرزت الشَّاة وَهِي شمس سَمَاء الدست فَقَالَ الْخَلِيل ﵇ يَا هَذِه كَيفَ سيرك وَكَيف أخذك فَقَالَت الْمثْلِيّ يُقَال لَهُ هَذَا أَنا أَسِير كَيفَ شِئْت وَأخذ كَيفَ شِئْت فَقَالَ الْخَلِيل ﵇ هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر ثمَّ قَالَ يَا هَذِه أتعترض لَك الْآفَات قَالَت نعم أحضر فِي بَيت وأضرب شاه مَاتَ فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ الْخَلِيل ﴿وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات﴾ فَهَذَا النّظر الصَّحِيح أدْركهُ الْخَلِيل برشده الَّذِي

ِي بَيت وأضرب شاه مَاتَ فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ الْخَلِيل ﴿وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات﴾ فَهَذَا النّظر الصَّحِيح أدْركهُ الْخَلِيل برشده الَّذِي آتَاهُ الله من قبل وقصه وَوَصفه الرب بقوله ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه﴾

سُورَة الْحَج فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَات بَيِّنَات وَأَن الله يهدي من يُرِيد﴾ وعلق وجود الْهِدَايَة بإرادته سُبْحَانَهُ فَهُوَ الْمهْدي لَا هادي سواهُ سُورَة النُّور فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء وَالله سميع عليم﴾

الْغَوْث الْغَوْث من قوم يَعْتَقِدُونَ أَن الله ﷻ يكذب فِي التبجح فِي هَذِه الْآيَة وَالله الْمُسْتَعَان عَلَيْهِم وَإِلَيْهِ مرجعهم ومآلهم وَعَلِيهِ عقابهم ونكالهم وفيهَا ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض ثمَّ ضرب الْمِثَال لنوره جلّ ذَلِك الْجلَال فَقَالَ ﴿مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاح فِي زجاجة الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَب دري يُوقد من شَجَرَة مباركة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار نور على نور يهدي الله لنوره من يَشَاء وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس﴾ لما مثل إِيمَان الْمُؤمنِينَ وهدايته بِالنورِ كَذَلِك مثل أَعمال الْكفَّار بالظلمات فَقَالَ ﴿وَالَّذين كفرُوا أَعْمَالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده فوفاه حسابه وَالله سريع الْحساب﴾ ثمَّ قَالَ ﴿أَو كظلمات فِي بَحر لجي يَغْشَاهُ موج من فَوْقه موج من فَوْقه سَحَاب ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾

مثل الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْإِيمَان بِالنورِ وَالْكفْر بالظلمة وَمثل الْإِيمَان بِالْحَيَاةِ وَالْكفْر بِالْمَوْتِ كَمَا تقدم شَرحه

من نور﴾

مثل الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْإِيمَان بِالنورِ وَالْكفْر بالظلمة وَمثل الْإِيمَان بِالْحَيَاةِ وَالْكفْر بِالْمَوْتِ كَمَا تقدم شَرحه

سُورَة الْقَصَص قَوْله تَعَالَى ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ﴾ وَقَالَ فِي نقيض هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا وأوحينا إِلَيْهِم فعل الْخيرَات وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَكَانُوا لنا عابدين﴾ هُوَ جلّ وَعلا جعل هَؤُلَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَات وَهَؤُلَاء بنقيض تِلْكَ الصِّفَات ليتَحَقَّق أَنه رب الأرباب وخالق الْأَرْضين وَالسَّمَاوَات وَانْظُر إِلَى هَذِه الْحِكْمَة الإلهية والمشيئة الربانية قَالَ ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة﴾ واللعنة الطَّرْد والابعاد عَن مُقَدمَات السَّعَادَة وَعَن أَسبَاب السَّلامَة وَمَعَ ذَلِك فقد علم سُبْحَانَهُ وَعلمه قديم لَا يتبدل وَلَا يتَغَيَّر إِن فِرْعَوْن وملأه وأعوانه وأله لَا يُؤمنُونَ لِأَنَّهُ جعلهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار ولوم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ واتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين وَمَعَ ذَلِك كُله أرسل الله إِلَى فِرْعَوْن مُوسَى وأخاه هَارُون وَقَالَ لَهما ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾

ل الله إِلَى فِرْعَوْن مُوسَى وأخاه هَارُون وَقَالَ لَهما ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾

وَقد شرحناه فِيمَا تقدم فَانْظُر إِلَى هَذَا الْجلَال الْأَعْظَم وَالسُّلْطَان الأهيب مِنْهُ الْمَكْر والاستدراج وَالْهِدَايَة والاضلال وَالْكفْر وَالْإِيمَان وَالطَّاعَة والعصيان وبهذه الْأَوْصَاف يتَحَقَّق أَنه الاله الْمَوْجُود والرب المعبود وَالْمَالِك الْمَقْصُود ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ فَمن قَاس الاله على المألوه والرب على المربوب والخالق على الْمَخْلُوق وَالْمَالِك على الْمَمْلُوك والآمر على الْمَأْمُور والناهي على الْمنْهِي والمكلف على الْمُكَلف فَهُوَ تائه فِي بَحر الضلال وخارج عَن حزب الْعُقَلَاء دَاخل فِي غمار الْجُهَّال الأغبياء وَعمي عَن إِدْرَاك الصَّوَاب ذاهل عَن صِفَات ذِي الْجلَال قَاصِر عَن دَرك الْعُبُودِيَّة فِي عقله الْمُخْتَصر وَعلمه المحتقر أَن يدْرك سر الْإِلَه فِي خلقه ويقيس أَحْكَامه سُبْحَانَهُ على مُقْتَضى عقله وَهل هُوَ فِي ضرب الْمِثَال إِلَّا بِمَنْزِلَة الطِّفْل الصَّغِير الَّذِي يُنكر فعل الْكَبِير الْعَاقِل الْمُمَيز الْعَالم الْخَبِير الْعَارِف بالأمور الدُّنْيَوِيَّة والأخروية الَّذِي هُوَ فِي منزلَة النُّبُوَّة وَمحل الرسَالَة وسياسة الْخلق أَجْمَعِينَ وعارف بالصنائع الدقيقة والجليلة فيتسجهل هَذَا الصَّغِير رَأْيه ويعمقه ويصوب رَأْي نَفسه وعقله إِذا أنكر الْعَاقِل عَلَيْهِ لعبه بالقذر واخذه للحية يَجْعَلهَا فِي فَمه أَو الوزغة أَو الْعَقْرَب فَإِذا نَهَاهُ ذَلِك الرجل الْكَامِل الْعَاقِل فِي جَمِيع مَا شرحناه استجهله واستحمقه وَبكى وَظن نَفسه أَنه أكمل عقلا مِنْهُ وَأفضل وأصوب رَأيا وأنبل فَهَذِهِ صفة الْقَدَرِيَّة والامامية مَعَ خالقهم ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ وَإِنَّمَا ضرب الْأَمْثَال يقرب الْمعَانِي الْبَعِيدَة إِلَى فهم القاصرين والمتقاعدين عَن رُتْبَة أهل البصائر والمتميزين كَمَا ضرّ الله تَعَالَى أقل الْأَشْيَاء مثلا لنوره فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الله نور

َة إِلَى فهم القاصرين والمتقاعدين عَن رُتْبَة أهل البصائر والمتميزين كَمَا ضرّ الله تَعَالَى أقل الْأَشْيَاء مثلا لنوره فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض مثل نوره كمشكاة﴾ كَمَا قدمْنَاهُ فِي إِيمَان الْمُؤمن وَمَا بعده فِي أَعمال الْكفَّار وَلَقَد حكى عَن الطَّائِي الشَّاعِر أَنه أنْشد قصيدة فِي مجْلِس بعض الْخُلَفَاء يمدحه فِيهَا حَتَّى جَاءَ إِلَى قَوْله

. إقدام عَمْرو فِي سماحة حَاتِم ... فِي حلم احنف فِي ذكاء إِيَاس ... فَنظر الْحَاضِرُونَ بَعضهم إِلَى بعض إزراء عَلَيْهِ وانكارا لفعله إِذْ شبه أَمِير الْمُؤمنِينَ بصعاليك الْعَرَب فتفطن فِي حَال إنشاده لمقصودهم وَعلم مَا جال فِي خواطرهم فَجَاشَ صَدره وقهقهت رويته فَقَالَ على البديهة هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما ... لَا تنكروا ضربي لَهُ من دونه مثلا شرودا فِي الندى والياس ... لافالله قد ضرب الاقل لنوره مثلا من الْمشكاة والنبراس ... فتفقدت القصيدة فَلم يُوجد هَذَانِ البيتان فِيهَا وَإِنَّمَا تصفح الْقُرْآن من سَاعَته بِعَين قلبه ونظم هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ببديهيته من تلقي لبه وَفِي هَذِه السُّورَة يَقُول الله سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ ذكر فِي التَّفْسِير أَن قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ نزلت فِي أبي طَالب عَم رَسُول الله ﷺ وَأَنَّهَا خصت ابا طَالب وعمت ﴿وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ خصت هَذِه عَمه الْعَبَّاس وعمت وَبعد ذَلِك كُله يَقُول الله تَعَالَى ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ وَرَبك يعلم مَا تكن صُدُورهمْ وَمَا يعلنون وَهُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة وَله الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾

سُورَة الرّوم فِيهَا آيتان قاصمتان لظُهُور الْقَدَرِيَّة الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَن مَعَ الله تَعَالَى شُرَكَاء خلقُوا كخلقه أوردهما الله سُبْحَانَهُ فِي ضرب الْمثل ليظْهر قباحة الشّركَة فِيمَا اسْتَأْثر الله بِهِ لكل عَاقل وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى وهما قَوْله تَعَالَى ﴿ضرب لكم مثلا من أَنفسكُم هَل لكم من مَا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فِي مَا رزقناكم فَأنْتم فِيهِ سَوَاء تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿بل اتبع الَّذين ظلمُوا أهواءهم بِغَيْر علم فَمن يهدي من أضلّ الله وَمَا لَهُم من ناصرين﴾

أَنفسكُم كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿بل اتبع الَّذين ظلمُوا أهواءهم بِغَيْر علم فَمن يهدي من أضلّ الله وَمَا لَهُم من ناصرين﴾

سُورَة السَّجْدَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ والقدرية تَقول فِي هَذِه الْآيَة وَغَيرهَا من الْآيَات الَّتِي علق فِيهَا الْهِدَايَة بمشيئته إِن ذَلِك لَو كَانَ مِنْهُ لَكَانَ على طَرِيق الالجاء قَالُوا وَنحن نقُول ذَلِك وَإِن الله تَعَالَى لَو شَاءَ أَن يلجيء الْكفَّار إِلَى الْإِيمَان بِاللَّه لفعل ذَلِك لَكِن لَا يحسن مِنْهُ فعله لِأَنَّهُ ينْقض الْغَرَض المجري بالتكليف إِلَيْهِ وَهُوَ الثَّوَاب الَّذِي لَا يسْتَحق إلابما يَفْعَله الْمُكَلف بِاخْتِيَارِهِ

وَقَالَت الامامية مِنْهُم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ الْآيَة إِنَّه يجوز أَن يُرِيد هداها إِلَى طَرِيق الْجنَّة فِي الْآخِرَة وَلم يُعَاقب أحدا لَكِن حق القَوْل مِنْهُ أَنه يمْلَأ جَهَنَّم فَلَا يجب على الله عندنَا هِدَايَة الْكل إِلَيْهَا قَالُوا بل الْوَاجِب هِدَايَة المعصومين فَأَما من لَهُ ذَنْب فَجَائِز هدايته إِلَى النَّار جَزَاء على أَفعاله وَفِي جَوَاز ذَلِك منع لقطعهم على أَن المُرَاد هداها إِلَى الْإِيمَان فَنَقُول قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ أخبر سُبْحَانَهُ إِن لَو شَاءَ لآتى كل نفس هداها الَّذِي هُوَ نَافِع لَهَا فِي معادها وَالْهدى النافع فِي الْمعَاد هُوَ الْإِيمَان وَالطَّاعَة الْوَاقِع على جِهَة الِاخْتِيَار لَا على جِهَة الِاضْطِرَار وَقد تكلم الْعلمَاء عَلَيْهِم فِي هذَيْن التَّأْويلَيْنِ مَا فِيهِ كِفَايَة لَا سِيمَا فِي كتاب الاملاء للشَّيْخ الْفَقِيه الْعَالم الأوحد أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن الْحباب رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُ كَلَام ممتع فِي الْكَلَام عَلَيْهِم فِي هَذَا الْفَنّ فِي كل آيَة أوردت حجَّة عَلَيْهِم أَو شُبْهَة لَهُم فاطلبه تظفر بالمطلوب إِن شَاءَ الله تَعَالَى

َلَام ممتع فِي الْكَلَام عَلَيْهِم فِي هَذَا الْفَنّ فِي كل آيَة أوردت حجَّة عَلَيْهِم أَو شُبْهَة لَهُم فاطلبه تظفر بالمطلوب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي هَذِه اللمحة المختصرة أَن يُقَال فقد بَطل عندنَا وعندكم أَن يهْدِيهم الله سُبْحَانَهُ على طَرِيق الإلجاء لِأَن الالجاء هُوَ الْإِكْرَاه والإجبار فَصَارَ ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى مَذْهَب الجبرية وَهُوَ مَذْهَب رذل عندنَا وعندكم فَلم يبْق إِلَّا أَن المهتدين من الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا هدَاهُم الله إِلَى الْإِيمَان وَالطَّاعَة على طَريقَة الِاخْتِيَار حَتَّى يَصح التَّكْلِيف فَمن شَاءَ آمن وأطاع إختيارا لَا جبرا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا﴾ تمّ عقب هَاتين الْآيَتَيْنِ بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾

فَوَقع إِيمَان الْمُؤمنِينَ بمشيئتهم وَنفى أَن يشاءوا إِلَّا أَن يَشَاء الله وَلِهَذَا أفرطت الْمُجبرَة لما رَأَوْا أَن هدايتهم معذوف بمشيئته تَعَالَى فَقَالُوا الْخلق مَجْبُورُونَ فِي طاعتهم كلهَا إلتفاتا مِنْهُم إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وفرطت الْقَدَرِيَّة لما رَأَوْا أَن هدايتهم إِلَى الْإِيمَان معذوف بِمَشِيئَة الْعباد فَقَالُوا الْخلق خالقون لأفعالهم إلتفاتا مِنْهُم إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ ومذهبنا هُوَ الاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد وَهُوَ مَذْهَب بَين مذهبي الْمُجبرَة والقدرية وَخير الْأُمُور أوساطها وَذَلِكَ أَن أهل الْحق قَالُوا نَحن نفرق بَين مَا اضطررنا إِلَيْهِ وَبَين مَا اخترناه بِمَا كُنَّا قدمْنَاهُ فِي صدر الْكتاب وَهُوَ أَنا ندرك تفرقه بَينه بَين حَرَكَة الارتعاش الْوَاقِعَة فِي يَد الانسان بِغَيْر محاولته وإرادته وَلَا مقرونة بقدرته وَبَين حَرَكَة الِاخْتِيَار إِذا حرك يَده حَرَكَة مماثلة لحركة الارتعاش وَمن لَا يفرق بَين الحركتين حَرَكَة الِاخْتِيَار وحركة الارتعاش وهما موجودتان فِي ذَاته ومحسوستان فِي يَده لمشاهدته وَإِدْرَاك حاسته فَهُوَ معتوه فِي عقله ومختل فِي حسه وخارج من حزب الْعُقَلَاء

يَار وحركة الارتعاش وهما موجودتان فِي ذَاته ومحسوستان فِي يَده لمشاهدته وَإِدْرَاك حاسته فَهُوَ معتوه فِي عقله ومختل فِي حسه وخارج من حزب الْعُقَلَاء هَذَا هُوَ الْحق الْمُبين وَهُوَ طَرِيق بَين طريقي الافراط والتفريط وكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم وَبِهَذَا الِاعْتِبَار إختار أهل النّظر من الْعلمَاء أَن سموا هَذِه الْمنزلَة بَين المنزلتين كسبا وَأخذُوا هَذِه التَّسْمِيَة من كتاب الله ﷿ وَهُوَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَظهر لَك من هَذَا أَن إكتسابات الْعباد خلق لله تَعَالَى دونهم وَكسب لَهُم دون الله تَعَالَى لِأَن الْكسْب لَا يتَصَوَّر من الله تَعَالَى لتَعَلُّقه بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَة وَلَا يتَصَوَّر الْخلق من المخلوقين لعدم علمهمْ بتفاصيل مَا يصدر مِنْهُم وَلما قَامَ من الدَّلِيل أَن لَا خَالق إِلَّا الله وللفقيه أبي الْقَاسِم رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تصنيف ممتع بَين فِيهِ حَقِيقَة الْكسْب أملاه عَليّ فاطلبه وَقد قَامَت الْأَدِلَّة البراهينية فِي الْآيَات الْكِتَابِيَّة أَن الله سُبْحَانَهُ ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَأَن كلا من عِنْد الله وَأَن الله ﴿خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾

ة البراهينية فِي الْآيَات الْكِتَابِيَّة أَن الله سُبْحَانَهُ ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَأَن كلا من عِنْد الله وَأَن الله ﴿خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾

﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي وعملكم و ﴿زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ و ﴿حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾ و ﴿لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان﴾ وأمثالها فِي الْقُرْآن كثير وَقَول النَّبِي ﷺ كنز من كنوز الْجنَّة لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ أَتَدْرُونَ مَا تَفْسِيرهَا لَا حول عَن مَعْصِيّة الله وَلَا قُوَّة على طَاعَة الله إِلَّا بِاللَّه وَقَوله ﵇ إِن الله خَالق كل صانع وصنعته وَشبه هَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة الْكَلَام أَنه حرف وَصَوت وَاخْتلفُوا فِي إِجْرَاء صفة الْكَلَام على الله تَعَالَى فَقَالَت الحشوية هُوَ من صِفَات الله تَعَالَى هربا من أَن يَجْعَلُوهُ مُحدثا وَقَالَت الْمُعْتَزلَة هُوَ من صِفَات أَفعاله هربا من أَن يجْعَلُوا الصَّوْت والحرف قَدِيما فوصفت الحشوية رَبهَا بِأَنَّهُ فِي أزل أزله مُتَكَلم بِصَوْت وحرف وَقَالَت الْمُعْتَزلَة إِن كَلَام مُحدث مَخْلُوق فلزمهم أَن يكون ﷻ قبل أَن يحدث كَلَامه إِمَّا ساكتا وَإِمَّا أخرس وَكِلَاهُمَا صفتا ذمّ تَعَالَى الله عَن قبولهما وَكَونه متكلما صفة كَمَال وَهُوَ أَحَق أَن يُوصف بهَا وَيلْزم الْمُعْتَزلَة لما أحدث كَلَامه إِمَّا أَن يكون أحدثه فِي ذَاته فَيصير محلا للحوادث وَإِذا كَانَ محلا للحوادث وَجب أَن يكون مُحدثا وإم أَن يكون خلقه وأحدثه لَا فِي مل وَهَذَا يُوجب قيام الصّفة بِنَفسِهَا لَا فِي مَحل وَهُوَ مُسْتَحِيل وَإِمَّا أَن يكون خلق كَلَامه وأحدثه فِي غَيره كَمَا قَالَ بَعضهم خلقه فِي الشَّجَرَة فيلزمهم أَن تكون الشّجر هِيَ المكلمة لمُوسَى ﵇ وَأَن تكون هِيَ القائلة أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وَهُوَ بَاطِل أَيْضا وَإِنَّمَا أعمت قُلُوبهم أَنه وَردت فِي كتاب الله تَعَالَى لم يفقهوا وَهِي قَوْله تَعَالَى

ا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وَهُوَ بَاطِل أَيْضا وَإِنَّمَا أعمت قُلُوبهم أَنه وَردت فِي كتاب الله تَعَالَى لم يفقهوا وَهِي قَوْله تَعَالَى

﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ ولايشك عَاقل أَن الْقُرْآن مُحدث التَّنْزِيل وَلم ينزل الْقُرْآن على مُحَمَّد ﷺ إِلَّا نجوما شَيْء بعد شَيْء فِي نَيف وَعشْرين سنة فَالله يَقُول لنَبيه ﵇ ﴿مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان﴾ ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ وَقَوله بعد النُّبُوَّة والرسالة ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ حَتَّى

نسخت بقوله ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ الْآيَات الواردات فِيهِ ﷺ وَفِي الْمُؤمنِينَ وَفِي الْمُشْركين إِلَى قَوْله ﴿وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ فَلَو كَانَت هَذِه الْآيَات نزلت عَلَيْهِ أَولا لما قَالَ ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ وَهَذِه جَهَالَة من أهل الاعتزال بِصِفَات ذِي الْجلَال والكمال والحشوية أَصَابُوا الْحق من حَيْثُ قَالُوا أَنه مُتَكَلم فِي أزله بِكَلَام قديم أزلي كَسَائِر صِفَاته الذاتية وأخطأوا فِي قَوْلهم أَن كَلَامه صَوت وحرف والمعتزلة أخطأوا فِي قَوْلهم إِن كَلَام الله صَوت وحرف واصابوا فِي كَونهم نزهوا ذَات الله عَن الْحَرْف وَالصَّوْت وَلكنه تَنْزِيه فِيهِ عدم التَّنْزِيه فَلَزِمَ مِنْهُ جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ ومذهبنا هُوَ الْحق الْمُبين وَهُوَ مَذْهَب بَين طريقي الافراط من الْمُعْتَزلَة والتفريط من الحشوية وَهُوَ أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِكَلَام أزلي قديم كَسَائِر صِفَاته وَأَن حَقِيقَة الْكَلَام أَنه معنى قَائِم بِالنَّفسِ وَلَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَإِنَّمَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بالحروف والأصوات ليفهم الْغَيْر تَارَة للحاضر إِذا كَانَ يفهم لغتنا وبلغته تَارَة إِذا كَانَ عجميا وَتارَة بالحروف وَحدهَا إِذا كَانَ غَائِبا وَإِن كَانَ حَاضرا وَهُوَ أخرس فيستدل على الْكَلَام الْقَائِم بذاتنا لَهُ بِالْإِشَارَةِ والإيماء وَلَا يُطيق اُحْدُ من الْبشر أَن يُوصل كَلَامه الْقَائِم بِذَاتِهِ إِلَى إفهام غَيره من الْخلق إِلَّا بالحروف والأصوات فَأَما رَبنَا جلّ وَعلا فيكلم خلقه على ثَلَاثَة أنحاء أما إلهاما كالخضر ﵇ وَإِمَّا من وَرَاء حجاب كموسى ﵇ وَإِمَّا بإرسال رَسُول كمحمد ﷺ قَالَ الله

فَأَما رَبنَا جلّ وَعلا فيكلم خلقه على ثَلَاثَة أنحاء أما إلهاما كالخضر ﵇ وَإِمَّا من وَرَاء حجاب كموسى ﵇ وَإِمَّا بإرسال رَسُول كمحمد ﷺ قَالَ الله

تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا﴾ فَأَيْنَ الْحَرْف وَالصَّوْت هَا هُنَا وَأَيْنَ اشْتبهَ عَلَيْهِم فِي تكليم مُوسَى وإرسال الرَّسُول فَمَا فِي إلهام الْخضر ﵇ إشتباه وَالْحَمْد لله فَلْيتَأَمَّل فَفِيهَا شِفَاء للصدور وَكَذَلِكَ لايطيق الْبشر أَن يَتْلُو كَلَام الله تَعَالَى ﴿فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك﴾ تَأمل قَوْله ﴿يسرناه﴾ فَفِيهِ معنى الصنع وَقَوله ﴿بلسانك﴾ فَفِيهِ معنى لُغَة الغرب وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ فَفِي جَعَلْنَاهُ معنى صيرناه وَفِي قَوْله عَرَبيا معنى اللُّغَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾ فَانْظُر إِلَى فضل الله سُبْحَانَهُ ولطفه بخلقه وعظيم كَلَامه فِي طي حُرُوف وأصوات هِيَ صِفَات أنفسهم كَمَا يصنع الْخلق فِي إفهام كَلَامهم الصَّادِر عَن أنوار عُقُولهمْ إِلَى بواطن الْبَهَائِم فِيمَا يُرَاد من تَقْدِيمهَا وتأخيرها ومشيها ووقوفها وشربها المَاء بوسيلة صِفَات الْبَهَائِم من النقر والصفير والأصوات الَّتِي تشاكلها وَكَذَلِكَ الطِّفْل الصَّغِير فِيمَا يُخَاطب بِهِ عِنْد الزّجر والتخويف وَالتَّرْغِيب والتفهيم فِي الْأَشْيَاء الْمضرَّة المفزعة والأشياء الملذة الْحَسَنَة بِنَوْع من الْأَلْفَاظ المشاكلة لفهمه فَصَارَت الْحُرُوف والأصوات وَالْكِتَابَة تعظم وتوقر وتحترم إِذا كتب بهَا كَلَام الله أَو تلِي وَإِذا لم يكْتب بهَا إِلَّا الشّعْر وَكَلَام المخلوقين لم يكن لَهَا حُرْمَة وَلَا تَعْظِيم وَلَا توقير وَلَا يُوجب ذَلِك قدمهَا كحجارة الْبَيْت الْعَتِيق قطعت من الْجَبَل

ِلَّا الشّعْر وَكَلَام المخلوقين لم يكن لَهَا حُرْمَة وَلَا تَعْظِيم وَلَا توقير وَلَا يُوجب ذَلِك قدمهَا كحجارة الْبَيْت الْعَتِيق قطعت من الْجَبَل

فبنيت بهَا الْكَعْبَة فعظمت بِالطّوافِ حولهَا وَلَا يقربهَا حَائِض وَلَا جنب وَلَا من على غير وضوء فَكَذَلِك الْمُصحف ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ وَلَا يُسَافر بِهِ إِلَى أَرض الْعَدو إحتراما لكَلَام الله تَعَالَى وَلَا يُوجب ذَلِك قدم الْمُصحف كَمَا لَا يُوجب قدم الْكَعْبَة وَلَا قدم الْحجر الْأسود الَّذِي يعظم وَيقبل ويلتزم وَكَذَلِكَ تَعْظِيم الْأَنْبِيَاء واحترامهم لَا يُوجب قدمهم فَمَا أعظم جهل الحشوية وَمَا أحمقهم وَصَارَت الْحُرُوف والأصوات وَالْكِتَابَة كَأَنَّهَا جَسَد لروح كَلَام الله وَصَارَ كَلَام الله كَأَنَّهُ روح الأجساد الْحُرُوف والأصوات وَالْكِتَابَة وَمَا أحسن مَا تفطن لَهُ بعض الشُّعَرَاء حَيْثُ قَالَ ... إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وأنما جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا ...

وَقد أخبر عَن الْمَعْنيين جَمِيعًا بقوله تَعَالَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذا جاؤوك حيوك بِمَا لم يحيك بِهِ الله﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم لَوْلَا يعذبنا الله بِمَا نقُول﴾ أَلا تراهم كَيفَ لما دخلُوا على النَّبِي ﷺ غشاوة فِي التَّحِيَّة بالنطق بلسانهم وَأخْبر الله عَن كَلَامهم الْمَوْجُود فِي بواطنهم بقوله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِمَا نقُول﴾ وَاعْلَم بعد ذَلِك كُله أَن الْمُعْتَزلَة إِنَّمَا تلقوا إعتقادهم فِي كَلَام الله تَعَالَى من الْعقل الْمَحْض والحشوية تلقوا إعتقادهم فِي كَلَام الله تَعَالَى من ظَاهر الشَّرْع

الْمَحْض وَمن الْعرف الْجَارِي بِهِ الْعَادة فِيمَا يتخاطب بِهِ الْخلق فظنوا أَن كَلَام الله مثل كَلَامهم فحكموا على الْغَائِب عَنْهُم بِالشَّاهِدِ عِنْدهم وَمن قَاس الْغَائِب على الشَّاهِد فقد أَخطَأ عِنْد جمَاعَة الْمُتَكَلِّمين واهل الْعقل أجميعن فَلَا يحمل علم الْعَالم على جهل الْجَاهِل وكونهم يَقُولُونَ لَا يفهم كلَاما إِلَّا صَوتا وحرفا فَكَلَام الْعَوام وَمن لَا يدْرِي شَيْئا وَلَا يعرف أحقيقة لَا وَلَا مجَازًا وَسبب ذَلِك كُله عدم ممارستهم للْعُلَمَاء بل لطلبة الْعلم من أهل الْكَلَام فَهَؤُلَاءِ فرطوا وَأُولَئِكَ أفرطوا وَأهل الْحق جمعُوا بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول أَي بَين الْعقل وَالشَّرْع واستعانوا فِي دَرك الْحَقَائِق بمجموعهما فسلكوا طَرِيقا بَين طريقي الافراط والتفريط وسنضرب لَك مِثَالا يقرب من إفهام القاصرين ذكره الْعلمَاء كَمَا أَن الله تَعَالَى يضْرب الْأَمْثَال للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون فَنَقُول لِذَوي الْعُقُول مِثَال الْعقل الْعين الباصرة مِثَال الشَّرْع الشَّمْس المضيئة فَمن اسْتعْمل الْعقل دون الشَّرْع كَانَ بِمَنْزِلَة من خرج فِي اللَّيْل الْأسود البهيم وَفتح بَصَره يُرِيد أَن يدْرك المرئيات وَيفرق بَين المبصرات فَيعرف الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود والأحمر من الْأَخْضَر والأصفر ويجتهد فِي تحديق الْبَصَر فَلَا يدْرك مَا أَرَادَ ابدا مَعَ عدم الشَّمْس المنيرة وَإِن كَانَ ذَا بصر وبصيرة وَمِثَال من اسْتعْمل الشَّرْع دون الْعقل مِثَال من خرج نَهَارا جهارا وَهُوَ أعمى أَو مغمض الْعَينَيْنِ يُرِيد أَن يدْرك الألوان وَيفرق بَين الْأَعْرَاض فَلَا يدْرك الآخر شَيْئا ابدا وَمِثَال من اسْتعْمل الْعقل وَالشَّرْع جَمِيعًا مِثَال من خرج بِالنَّهَارِ وَهُوَ سَالم الْبَصَر مَفْتُوح الْعَينَيْنِ وَالشَّمْس ظَاهِرَة مضيئة فَمَا أجدره وأحقه ان يدْرك الألوان على خقائقها وَيفرق بَين اسودها وأحمرها وأبيضها وأصفرها

لم الْبَصَر مَفْتُوح الْعَينَيْنِ وَالشَّمْس ظَاهِرَة مضيئة فَمَا أجدره وأحقه ان يدْرك الألوان على خقائقها وَيفرق بَين اسودها وأحمرها وأبيضها وأصفرها فَنحْن بِحَمْد الله السالكون لهَذِهِ الطَّرِيق وَهِي الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وصراط الله الْمُبين وَمن زل عَنْهَا وحاد وَقع فِي طَرِيق الشَّيْطَان المتشعبة عَن الْيَمين وَالشمَال قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ تَفَرَّقت بَنو اسرائيل على أثنتين وَسبعين مِلَّة وَسَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين يزِيد عَلَيْهِم مِلَّة وَاحِدَة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة فَسَأَلُوهُ عَن هَذِه الْوَاحِدَة فَقَالَ مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي فَالله تَعَالَى يثبتنا عَلَيْهَا وَلَا يحيد بِنَا عَنْهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَسَأَلت بعض الْعلمَاء العارفين مَا هَذِه الْفرْقَة الَّتِي زَادَت فِي فرق أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وسلسم فَقَالَ رايت فِي كَلَام الْمُحَقِّقين الباحثين العرافين أَن هَذِه الْفرْقَة الزَّائِدَة فِي هَذِه الْأمة قوم يتعرضون الْعلمَاء ويعادون الْفُقَهَاء وَلم يكن ذَلِك قطّ فِي الْأُمَم السالفة ففتشت فَوجدت ذَلِك صَحِيحا فَللَّه الْحَمد وَله الْمِنَّة فَإِنَّمَا أطلنا الْكَلَام هُنَا لِأَن هَذِه الْآيَة وَمثلهَا من الْآيَات فِي الْقُرْآن كثير تَتَضَمَّن تَعْلِيق الْهِدَايَة بِمَشِيئَة الرب سُبْحَانَهُ فأوضحنا القَوْل فِيهَا بِمَا يَقْتَضِي إِيصَال الْمَقْصُود مِنْهَا إِلَى فهم الْقَاصِر والتارك النّظر فِي علم الْكَلَام ونقرب من إفهام الْعَوام وَالله الْمُوفق للصَّوَاب

Bagian 2 dari 3