— Bagian 13 · . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . … —
Bagian 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَذَكَرَ هَاشِمًا وَمَا صَنَعَ فِي أَمْرِ الرّفَادَةِ «١» وَإِطْعَامِ الْحَجِيجِ، وَأَنّهُ سُمّيَ هَاشِمًا لِهَشْمِهِ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي اللّغَةِ أَنْ يُقَالَ: ثَرَدْت الْخُبْزَ، فَهُوَ ثَرِيدٌ وَمَثْرُودٌ، فَلَمْ يُسَمّ: ثَارِدًا، وَسُمّيَ هَاشِمًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ- كَمَا لَا يُسَمّى الثّرِيدُ هَشِيمًا، بَلْ يُقَالُ فِيهِ: - ثَرِيدٌ وَمَثْرُودٌ- أَنْ يُقَالَ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَلَكِنْ سَبَبُ هَذِهِ التّسْمِيَةِ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ. ذَكَرَ أَصْحَابَ الْأَخْبَارِ أَنّ هَاشِمًا كَانَ يستعين على إطعام الحاجّ بقريش، فيردفدونه بِأَمْوَالِهِمْ، وَيُعِينُونَهُ، ثُمّ جَاءَتْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَكَرِهَ أَنْ يُكَلّفَ قُرَيْشًا أَمْرَ الرّفَادَةِ، فَاحْتَمَلَ إلَى الشّامِ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَاشْتَرَى بِهِ أَجْمَعَ كَعْكًا وَدَقِيقًا، ثُمّ أَتَى الْمَوْسِمَ فَهَشّمَ ذَلِكَ الْكَعْكَ كُلّهُ هَشْمًا، وَدَقّهُ دَقّا، ثُمّ صَنَعَ لِلْحُجّاجِ طَعَامًا شِبْهَ الثّرِيدِ، فَبِذَلِكَ سُمّيَ هَاشِمًا، لِأَنّ الْكَعْكَ الْيَابِسَ لَا يُثْرَدُ، وَإِنّمَا يُهْشَمُ هَشْمًا، فَبِذَلِكَ مُدِحَ، حَتّى قَالَ شَاعِرُهُمْ فِيهِ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى: كَانَتْ قُرَيْشٌ بَيْضَةً فَتَفَقّأَتْ ... فَالْمُحّ خَالِصُهُ لِعَبْدِ مَنَافِ الْخَالِطِينَ فَقِيرَهُمْ بغنيّهم ... والظاعنين لِرِحْلَةِ الْأَضْيَافِ وَالرّائِشِينَ وَلَيْسَ يُوجَدُ رَائِشٌ ... وَالْقَائِلِينَ: هَلُمّ لِلْأَضْيَافِ عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... قَوْمٌ بِمَكّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ «٢»
َ يُوجَدُ رَائِشٌ ... وَالْقَائِلِينَ: هَلُمّ لِلْأَضْيَافِ عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... قَوْمٌ بِمَكّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ «٢»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَانَ سَبَبَ مَدْحِ ابْنِ الزّبَعْرَى بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ، وَهُوَ سَهْمِيّ «١» لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ- فِيمَا ذَكَرَهُ ابن إسحق فِي رِوَايَةِ يُونُسَ- أَنّهُ كَانَ قَدْ هَجَا قُصَيّا بِشِعْرِ كَتَبَهُ فِي أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، أَوّلُهُ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ألهى قصيّا عن المحد الْأَسَاطِيرُ ... وَمِشْيَةٌ مِثْلُ مَا تَمْشِي الشّقَارِيرُ «١» فَاسْتَعْدَوْا عَلَيْهِ بَنِي سَهْمٍ، فَأَسْلَمُوهُ إلَيْهِمْ، فَضَرَبُوهُ وَحَلَقُوا شَعْرَهُ، وَرَبَطُوهُ إلَى صَخْرَةٍ بِالْحَجُونِ «٢» ، فَاسْتَغَاثَ قَوْمَهُ فَلَمْ يُغِيثُوهُ، فَجَعَلَ يَمْدَحُ قُصَيّا وَيَسْتَرْضِيهِمْ، فَأَطْلَقَهُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مِنْهُمْ، وَأَكْرَمُوهُ فَمَدَحَهُمْ بِهَذَا الشعر، وبأشعار كثيرة، ذكرها ابن إسحق فِي رِوَايَةِ يُونُسَ. عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَابْنُ ذِي يَزَنَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ نِكَاحَ هَاشِمٍ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو النّجّارِيّةَ وَوِلَادَتَهَا لَهُ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ، وَمِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْوِلَادَةِ قَالَ سَيْفُ بن ذى يزن
ٍ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو النّجّارِيّةَ وَوِلَادَتَهَا لَهُ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ، وَمِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْوِلَادَةِ قَالَ سَيْفُ بن ذى يزن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَوْ ابْنُهُ مَعْدِي كَرِبَ بْنُ سَيْفٍ مَلِكُ الْيَمَنِ «١» لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ رَكْبٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَرْحَبًا بِابْنِ أُخْتِنَا، لِأَنّ سَلْمَى مِنْ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ مِنْ الْيَمَنِ مِنْ سَبَأٍ، وَسَيْفٌ مِنْ حِمْيَرَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمّ قَالَ لَهُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، وَنَاقَةً وَرَحْلًا، وَمُلْكًا سِبَحْلًا، يُعْطِي عَطَاءً جَزْلًا «٢» . ثُمّ بَشّرَهُ بِالنّبِيّ- ﷺ وَأَنّهُ مِنْ وَلَدِهِ «٣» ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: مِثْلُك أَيّهَا الْمَلِكُ سِرّ وَبِرّ، ثُمّ أَجْزَلَ الْمَلِكُ حِبَاءَهُ، وَفَضّلَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَانْصَرَفَ مَغْبُوطًا عَلَى مَا أَعْطَاهُ الْمَلِكُ، فَقَالَ: وَاَللهِ لَمَا بَشّرَنِي بِهِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ كُلّ مَا أَعْطَانِي. فِي خَبَرٍ فِيهِ طُولٌ. نَسَبُ أُحَيْحَةَ: وَذَكَرَ نَسَبَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجِلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بْنِ جَحْجَبِيّ «٤» ،
ِنْ كُلّ مَا أَعْطَانِي. فِي خَبَرٍ فِيهِ طُولٌ. نَسَبُ أُحَيْحَةَ: وَذَكَرَ نَسَبَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجِلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بْنِ جَحْجَبِيّ «٤» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ الْحَرِيسُ يَعْنِي. بِالسّينِ المهملة- وقال الدّار قطنى عَنْ الزّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: إنّ كُلّ مَا فِي الْأَنْصَارِ فَهُوَ: حَرِيسٌ بِالسّينِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ إلّا هَذَا، وَوَجَدْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ أَبِي بَحْرٍ- ﵀ صَوَابَ هَذَا الِاسْمِ يَعْنِي فِي نَسَبِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الحريش بالشين المعجمة على لفظ الحريش ابن كَعْبٍ الْبَطْنِ الّذِي فِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ «١» فَصْلٌ: وَأَنْشَدَ لِمَطْرُودِ بْنِ كَعْبٍ: يَا لَيْلَةً هَيّجْت لَيْلَاتِي ... إحْدَى لَيَالِيّ الْقَسِيّاتِ أَيْ: أَنْتِ إحْدَى لَيَالِيّ الْقَسِيّاتِ. فَعِيلَاتٌ مِنْ الْقَسْوَةِ، أَيْ: لالين عِنْدَهُنّ، وَلَا رَأْفَةَ فِيهِنّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ مِنْ الدّرْهَمِ الْقَسِيّ، وَهُوَ الزّائِفُ، وَقَدْ قِيلَ فِي الدّرْهَمِ الْقَسِيّ: إنّهُ أَعْجَمِيّ مُعَرّبٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْقَسَاوَةِ لِأَنّ الدّرْهَمَ الطّيّبَ أَلْيَنُ مِنْ الزّائِفِ «٢» ، وَالزّائِفُ أَصْلَبُ مِنْهُ. وَنَصَبَ لَيْلَةً عَلَى التّمْيِيزِ كَذَلِكَ، قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قول الصّلتان «٣» العبدىّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَذَلِكَ أَنّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى التّعَجّبِ. وَقَوْلُهُ: وَمَيْتٌ بِغَزّاتِ. هِيَ: غَزّةُ، وَلَكِنّهُمْ يَجْعَلُونَ لِكُلّ نَاحِيَةٍ أَوْ لِكُلّ رَبَضٍ «١» مِنْ الْبَلْدَةِ اسْمَ الْبَلْدَةِ، فَيَقُولُونَ: غَزّاتٍ فِي غَزّةَ، وَيَقُولُونَ فِي بَغْدَانَ: بَغَادِينَ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَدّثِينَ: شَرِبْنَا فِي بَغَادِينَ ... عَلَى تِلْكَ الْمَيَادِينِ وَلِهَذَا نَظَائِرُ سَتَمُرّ فِي الْكِتَابِ- إنْ شَاءَ اللهُ- وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: حُكْمُهُمْ لِلْبَعْضِ بِحُكْمِ الْكُلّ، كَمَا سمّوه باسمه، نحو قولهم: شرقت صدر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْقَنَاةِ مِنْ الدّمِ، وَذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ «١» ، وَتَوَاضَعَتْ سُوَرُ الْمَدِينَةِ. وَقَدْ تَرَكّبَتْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مسئلة مِنْ الْفِقْهِ: قَالَ الْفُقَهَاءُ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ: مَنْ حَلَفَ أَلّا يَأْكُلَ هَذَا الرّغِيفَ، فَأَكَلَ بَعْضَهُ، فَقَدْ حَنِثَ، فَحَكَمُوا لِلْبَعْضِ بِحُكْمِ الْكُلّ، وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَهُ. وَفِيهِ: إنّ الْمُغِيرَاتِ وَأَبْنَاءَهَا ... مِنْ خَيْرِ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ «٢» فَالْمُغِيرَاتُ: بَنُو الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ عَبْدُ مَنَافٍ، كَمَا قَالُوا: الْمَنَاذِرَةُ فِي بَنِي الْمُنْذِرِ، وَالْأَشْعَرُونَ فِي بَنِي أَشْعَرَ بْنِ أُدَدَ، كَمَا قَالَ عَلِيّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ فِي ابْنِ الزّبَيْرِ: آثَرَ عَلَيّ الْحُمَيْدَاتِ وَالتّوَيْتَاتِ وَالْأُسَامَاتِ، يَعْنِي: بَنِي حُمَيْدٍ، وَبَنِيّ تُوَيْتٍ، وَبَنِيّ أُسَامَةَ، وَهُمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عبد العزّى «٣» .
َاتِ وَالتّوَيْتَاتِ وَالْأُسَامَاتِ، يَعْنِي: بَنِي حُمَيْدٍ، وَبَنِيّ تُوَيْتٍ، وَبَنِيّ أُسَامَةَ، وَهُمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عبد العزّى «٣» .
وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ: الْمُغِيرَةَ، وَكَانَ أَوّلَ بنى عبد مناف هلكا: هاشم، بغزّة مِنْ أَرْضِ الشّامِ، ثُمّ عَبْدَ شَمْسٍ بِمَكّةَ، ثُمّ الْمُطّلِبَ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، ثُمّ نَوْفَلًا بِسَلْمَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ. فَقِيلَ لِمَطْرُودِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-: لَقَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْت، وَلَوْ كَانَ أَفْحَلَ مِمّا قُلْتَ كَانَ أَحْسَنَ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي ليالى: فمكث أياما، ثم قال: يا عين جودى، وَأَذْرِي الدّمْعَ وَانْهَمِرِي ... وَابْكِي عَلَى السّرّ مِنْ كَعْبِ الْمُغِيرَاتِ يَا عَيْنُ، وَاسْحَنْفِرِي بِالدّمْعِ وَاحْتَفِلِي ... وَابْكِي خَبِيئَةَ نَفْسِي فِي الْمُلِمّاتِ وَابْكِي عَلَى كلّ فيّاض أخى ثقة ... ضخم الدّسية وَهّابِ الْجَزِيلَاتِ مَحْضِ الضّرِيبَةِ، عَالِي الْهَمّ، مُخْتَلِقٌ ... جَلْدِ النّحِيزَةِ، نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ صَعْبِ الْبَدِيهَةِ لَا نِكْسٍ وَلَا وَكِلٍ ... مَاضِي الْعَزِيمَةِ، مِتْلَافِ الْكَرِيمَاتِ صَقْرٍ تَوَسّطَ مِنْ كَعْبٍ إذَا نُسِبُوا ... بُحْبُوحَةَ الْمَجْدِ وَالشّمّ الرّفِيعَاتِ ثُمّ اُنْدُبِي الْفَيْضَ وَالْفَيّاضَ مطّلبا ... واستخرطى بعد فيضات بجمّات ــ وَفِيهِ «شَرْقِيّ الْبَنِيّاتِ» يَعْنِي: الْبَنِيّةَ، وَهِيَ: الْكَعْبَةُ، وهو نحو مما تقدم فى غزّات.
َيّاضَ مطّلبا ... واستخرطى بعد فيضات بجمّات ــ وَفِيهِ «شَرْقِيّ الْبَنِيّاتِ» يَعْنِي: الْبَنِيّةَ، وَهِيَ: الْكَعْبَةُ، وهو نحو مما تقدم فى غزّات.
أَمْسَى بِرَدْمَانَ عَنّا الْيَوْمَ مُغْتَرِبًا ... يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَيْهِ بَيْنَ أَمْوَاتِ وَابْكِي- لَك الْوَيْلُ- إمّا كُنْت بَاكِيَةً ... لِعَبْدِ شَمْسٍ بِشَرْقِيّ الْبُنَيّاتِ وَهَاشِمٍ فِي ضَرِيحٍ وَسْطَ بَلْقَعَةٍ ... تَسْفَى الرّيَاحُ عَلَيْهِ بَيْنَ غَزّاتِ وَنَوْفَلٌ كَانَ دُونَ الْقَوْمِ خَالِصَتِي ... أَمْسَى بِسَلْمَانَ فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ لَمْ أَلْقَ مِثْلَهُمْ عُجْمًا وَلَا عَرَبًا ... إذَا اسْتَقَلّتْ بِهِمْ أُدْمُ الْمَطِيّاتِ أَمْسَتْ دِيَارُهُمْ مِنْهُمْ مُعَطّلَةً ... وَقَدْ يَكُونُونَ زَيْنًا فِي السّرِيّاتِ أَفْنَاهُمْ الدّهْرُ، أَمْ كَلّتْ سُيُوفُهُمْ ... أَمْ كُلّ مَنْ عَاشٍ أَزْوَادُ الْمَنِيّاتِ أَصْبَحْتُ أَرْضَى مِنْ الْأَقْوَامِ بَعْدَهُمْ ... بَسْطَ الْوُجُوهِ وَإِلْقَاءَ التّحِيّاتِ يَا عَيْنُ فَابْكِي أَبَا الشّعْثِ الشّجِيّاتِ ... يَبْكِينَهُ حُسّرًا مِثْلَ الْبَلِيّاتِ يَبْكِينَ أَكْرَمَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ ... يُعْوِلْنَهُ بِدُمُوعٍ بَعْدَ عَبَرَاتِ يَبْكِينَ شَخْصًا طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ ... آبِي الْهَضِيمَةِ، فَرّاجِ الْجَلِيلَاتِ يَبْكِينَ عَمْرَو الْعُلَا إذْ حَانَ مَصْرَعُهُ ... سَمْحَ السّجِيّةِ، بَسّامَ الْعَشِيّاتِ يَبْكِينَهُ مُسْتَكِينَاتٍ عَلَى حَزَنٍ ... يَا طُولَ ذَلِكَ مِنْ حُزْنٍ وَعَوْلَاتٍ يَبْكِينَ لَمّا جَلّاهُنّ الزّمَانُ لَهُ ... خُضْرُ الْخُدُودِ كَأَمْثَالِ الْحَمِيّاتِ مُحْتَزِمَاتٍ عَلَى أَوْسَاطِهِنّ لِمَا ... جَرّ الزّمَانُ مِنْ أَحْدَاثِ الْمُصِيبَاتِ أَبِيتُ لَيْلِي أُرَاعِي النّجْمَ مِنْ أَلَمٍ ... أَبْكِي، وَتَبْكِي مَعِي شَجْوِي بُنَيّاتِي مَا فِي الْقُرُومِ لَهُمْ عِدْلٌ وَلَا خَطَرٌ ... وَلَا لِمَنْ تَرَكُوا شَرْوَى بَقِيّاتِ أَبْنَاؤُهُمْ خَيْرُ أَبْنَاءٍ، وَأَنْفُسُهُمْ ... خَيْرُ النّفُوسِ لَدَى جَهْدِ الْأَلِيّاتِ
َلَا خَطَرٌ ... وَلَا لِمَنْ تَرَكُوا شَرْوَى بَقِيّاتِ أَبْنَاؤُهُمْ خَيْرُ أَبْنَاءٍ، وَأَنْفُسُهُمْ ... خَيْرُ النّفُوسِ لَدَى جَهْدِ الْأَلِيّاتِ كَمْ وَهَبُوا مِنْ طِمِرّ سَابِحٍ أَرِنٍ ... وَمِنْ طِمِرّةٍ نَهْبٍ فِي طِمِرّاتِ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَمِنْ سُيُوفٍ مِنْ الْهِنْدِيّ مُخْلَصَةٍ ... وَمِنْ رِمَاحٍ كَأَشْطَانِ الرّكِيّاتِ وَمِنْ تَوَابِعِ مِمّا يُفْضِلُونَ بِهَا ... عِنْدَ الْمَسَائِلِ مِنْ بَذْلِ الْعَطِيّاتِ فَلَوْ حَسَبْت وَأَحْصَى الْحَاسِبُونَ مَعِي ... لَمْ أَقْضِ أَفَعَالَهُمْ تَلِك الْهَنِيّاتِ هُمْ الْمُدِلّونَ إمّا مَعْشَرٌ فَخَرّوا ... عِنْدَ الْفَخّارِ بِأَنْسَابٍ نَقِيّاتٍ زَيْنُ الْبُيُوتِ الّتِي خَلّوْا مَسَاكِنَهَا ... فَأَصْبَحَتْ مِنْهُمْ وَحْشًا خَلِيّاتٍ أَقُولُ وَالْعَيْنُ لَا تَرْقَا مَدَامِعُهَا ... : لَا يُبْعِدُ اللهُ أَصْحَابَ الرّزِيّاتِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفَجْرُ: الْعَطَاءُ. قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيّ: عَجّفَ أَضْيَافِي جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ ... بِذِي فَجَرٍ تَأْوِي إلَيْهِ الْأَرَامِلُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَبُو الشّعْثِ الشّجِيّاتِ: هَاشِمُ بْنُ عبد مناف. قَالَ: ثُمّ وَلِيَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمِ السّقَايَةَ وَالرّفَادَةَ بَعْدَ عَمّهِ الْمُطّلِبِ، فَأَقَامَهَا لِلنّاسِ، وَأَقَامَ لِقَوْمِهِ مَا كَانَ آبَاؤُهُ يُقِيمُونَ قَبْلَهُ لِقَوْمِهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَشَرُفَ فِي قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ، وَأَحَبّهُ قَوْمُهُ وَعَظُمَ خَطَرُهُ فِيهِمْ. [ذِكْرُ حَفْرِ زَمْزَمَ وَمَا جرى من الخلف فيها] ثُمّ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أُتِيَ، فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ. قال ابن إسحاق: وكان أوّل ما ابتدىء بِهِ عَبْدُ الْمُطّلِبِ مِنْ حَفْرِهَا، كَمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيّ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيّ عَنْ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيّ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيّ عَنْ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبد الله بن زرير الْغَافِقِيّ: أَنّهُ سَمِعَ عَلَيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يُحَدّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بِحَفْرِهَا، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: إنّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ. قَالَ: قُلْت: وَمَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمّ ذَهَبَ عَنّي. فَلَمّا كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءنى فقال: احفر برّة. قال: فقلت: وَمَا بَرّةُ؟ قَالَ: ثُمّ ذَهَبَ عَنّي، فَلَمّا كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءنى فقال: احفر المضنونة قال: ققلت: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ قَالَ: ثُمّ ذَهَبَ عَنّي. فَلَمّا كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ. قَالَ: قُلْت: وَمَا زَمْزَمُ؟ قَالَ لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمّ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ، عِنْدَ نُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا بُيّنَ لَهُ شَأْنُهَا، ودلّ على موضعها، وعرف أنه قد صُدّقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره فحفر فيها. فلما بَدَا لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ الطّيّ، كَبّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ، إنّهَا بِئْرُ أَبِينَا إسْمَاعِيلَ، وَإِنّ لَنَا فِيهَا حَقّا فَأَشْرِكْنَا مَعَك فِيهَا. قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، إنّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وَأُعْطِيته مِنْ بَيْنِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَأَنْصِفْنَا، فَإِنّا غَيْرُ تَارِكِيك حَتّى نُخَاصِمَك فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إلَيْهِ، قَالُوا:
َأَنْصِفْنَا، فَإِنّا غَيْرُ تَارِكِيك حَتّى نُخَاصِمَك فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إلَيْهِ، قَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ هُذَيْمٌ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَكَانَتْ بِأَشْرَافِ الشّامِ، فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي أَبِيهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَرَكِبَ مِنْ كُلّ قَبِيلَةٍ مِنْ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قُرَيْشٍ نَفَرٌ. قَالَ: وَالْأَرْضُ إذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ. قال: فحرجوا حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشّامِ، فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَأَصْحَابِهِ، فَظَمِئُوا حَتّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: إنّا بِمَفَازَةٍ، وَنَحْنُ نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ، فَلَمّا رَأَى عَبْدُ الْمُطّلِبِ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ، وَمَا يَتَخَوّفُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: مَا رَأْيُنَا إلّا تَبَعٌ لِرَأْيِك، فَمُرْنَا بِمَا شِئْت، قَالَ: فَإِنّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَتَهُ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمْ الْآنَ مِنْ الْقُوّةِ- فَكُلّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمّ وَارَوْهُ- حَتّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا، قَالُوا: نِعْمَ مَا أَمَرْتَ بِهِ.
َوْهُ- حَتّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا، قَالُوا: نِعْمَ مَا أَمَرْتَ بِهِ. فَقَامَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَحَفَرَ حُفْرَتَهُ، ثُمّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عَطَشًا، ثُمّ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاَللهِ إنّ إلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا نَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا، لَعَجْزٌ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ الْبِلَادِ، ارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلُوا حَتّى إذَا فَرَغُوا، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ مَا هُمْ اعلون، تَقَدّمَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا. فَلَمّا انْبَعَثَتْ بِهِ، انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفّهَا عَيْنُ ماء عذب، فكبر عَبْدُ الْمُطّلِبِ، وَكَبّرَ أَصْحَابُهُ، ثُمّ نَزَلَ فَشَرِبَ، وَشَرِبَ أَصْحَابُهُ، وَاسْتَقَوْا حَتّى مَلِئُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: هَلُمّ إلَى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا استقوا، فجاؤا، فَشَرِبُوا وَاسْتَقَوْا. ثُمّ قَالُوا: قَدْ- وَاَللهِ- قُضِيَ لَك عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ، وَاَللهِ لَا نُخَاصِمُك فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إنّ الّذِي سَقَاك هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُوَ الّذِي سَقَاك زَمْزَمَ، فَارْجِعْ إلَى سِقَايَتِك رَاشِدًا. فَرَجَعَ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَرَجَعُوا مَعَهُ، وَلَمْ يَصِلُوا إلَى الْكَاهِنَةِ وَخَلّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا الّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي زَمْزَمَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يُحَدّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَنّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ: ثُمّ اُدْعُ بِالْمَاءِ الرّوَى غَيْرِ الْكَدِرْ ... يَسْقِي حَجِيجَ اللهِ فِي كُلّ مَبَرّ لَيْسَ يُخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَرْ فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: تَعَلّمُوا أَنّي قَدْ أُمِرْت أَنْ أَحْفِرَ لَكُمْ زَمْزَمَ، فَقَالُوا: فَهَلْ بُيّنَ لَك أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: لَا. قَالُوا فَارْجِعْ إلَى مَضْجَعِك الّذِي رَأَيْتَ فِيهِ مَا رَأَيْتَ، فَإِنْ يَكُ حَقّا مِنْ اللهِ يُبَيّنُ لَك، وَإِنْ يَكُ مِنْ الشّيْطَانِ فَلَنْ يَعُودَ إلَيْك. فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إلَى مَضْجَعِهِ، فَنَامَ فِيهِ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ، إنّك إنْ حَفَرْتهَا لَمْ تَنْدَمْ، وَهِيَ تُرَاثٌ مِنْ أَبِيك الْأَعْظَمِ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تذمّ، تسقى الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لَمْ يُقْسَمْ، يَنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمٍ، تَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمٍ، لَيْسَتْ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمُ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْكَلَامُ، وَالْكَلَامُ الّذِي قَبْلَهُ، مِنْ حديث علىّ فى حفر زَمْزَمَ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمّ» إلَى قَوْلِهِ: «عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ» عِنْدَنَا سَجْعٌ وَلَيْسَ شِعْرًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قِيلَ لَهُ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
: فَزَعَمُوا أَنّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قِيلَ لَهُ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ، حَيْثُ يُنْقَرُ الْغُرَابُ غَدًا. والله أعلم أىّ ذلك كان. فغدا عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ، فَوَجَدَ قَرْيَةَ النّمْلِ، وَوَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ: إسَافٍ وَنَائِلَةٍ، اللّذَيْنِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا ذَبَائِحَهَا. فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ حِينَ رَأَوْا جِدّهُ، فَقَالُوا: وَاَللهِ لَا نَتْرُكُك تَحْفِرُ بَيْنَ وَثَنَيْنَا هَذَيْنِ اللّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ لِابْنِهِ الْحَارِثِ: ذُدْ عنى حتى أحفر، فو الله لَأَمْضِيَن لِمَا أُمِرْت بِهِ. فَلَمّا عَرَفُوا أَنّهُ غَيْرُ نَازِعٍ خَلّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، وَكَفّوا عَنْهُ، فَلَمْ يَحْفِرْ إلّا يَسِيرًا، حَتّى بَدَا له الطّىّ، فكبّر وعرف أَنّهُ قَدْ صُدِقَ فَلَمّا تَمَادَى بِهِ الْحَفْرُ وَجَدَ فِيهَا غَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُمَا الْغَزَالَانِ اللّذَانِ دَفَنَتْ جُرْهُمٌ فِيهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ مَكّةَ، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيّةً وَأَدْرَاعًا فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ، لَنَا مَعَك فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقّ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هلمّ إلى أمر نصف ببنى وَبَيْنَكُمْ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ، قَالُوا: وَكَيْفَ تَصْنَعُ؟ قال:
ك فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقّ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هلمّ إلى أمر نصف ببنى وَبَيْنَكُمْ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ، قَالُوا: وَكَيْفَ تَصْنَعُ؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولى قدحين، ولكم قدحين، فمن خَرَجَ لَهُ قِدْحَاهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ لَهُ، وَمَنْ تَخَلّفَ قِدْحَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالُوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقد حين أَسْوَدَيْنِ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَقِدْحَيْنِ أَبْيَضَيْنِ لِقُرَيْشِ، ثُمّ أعطوا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الّذِي يَضْرِبُ بِهَا عِنْدَ هُبَلَ- وَهُبَلُ: صَنَمٌ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ، وَهُوَ الّذِي يَعْنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَالَ: أُعْلِ هُبَلُ أَيْ: أَظْهِرْ دِينَك- وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ ﷿، فَضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ الْأَصْفَرَانِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِلْكَعْبَةِ، وَخَرَجَ الْأَسْوَدَانِ عَلَى الْأَسْيَافِ، وَالْأَدْرَاعُ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَتَخَلّفَ قِدْحَا قُرَيْشٍ. فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ الْأَسْيَافَ بَابًا لِلْكَعْبَةِ، وَضَرَبَ فِي الْبَابِ الْغَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ أَوّلَ ذَهَبٍ حَلِيَتْهُ الْكَعْبَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- ثُمّ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ أَقَامَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِلْحُجّاجِ. [ذِكْرُ بِئَارِ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ بمكة] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ احْتَفَرَتْ بِئَارًا بِمَكّةَ، فِيمَا حَدّثَنَا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق، قال: حفر عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ الطّوِيّ، وهي الْبِئْرُ الّتِي بِأَعْلَى مَكّةَ عِنْدَ الْبَيْضَاءِ، دَارُ محمّد بن يوسف. وَحَفَرَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بَذّرَ، وَهِيَ الْبِئْرُ الّتِي عِنْدَ الْمُسْتَنْذَرِ، خَطْمُ الْخَنْدَمَةِ عَلَى فَمِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَعَمُوا أَنّهُ قَالَ حِينَ حَفَرَهَا: لَأَجْعَلَنّهَا بَلَاغًا لِلنّاسِ.
دَ الْمُسْتَنْذَرِ، خَطْمُ الْخَنْدَمَةِ عَلَى فَمِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَعَمُوا أَنّهُ قَالَ حِينَ حَفَرَهَا: لَأَجْعَلَنّهَا بَلَاغًا لِلنّاسِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشّاعِرُ. سَقَى اللهُ أَمْوَاهًا عَرَفْتُ مكانها ... جرابا وملكوما وبذّر والغمرا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَفَرَ سَجْلَةَ، وَهِيَ بِئْرُ المطعم بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الّتِي يَسْقُونَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ. وَيَزْعُمُ بَنُو نَوْفَلٍ أَنّ الْمُطْعِمَ ابْتَاعَهَا مِنْ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَيَزْعُمُ بَنُو هَاشِمٍ أَنّهُ وَهَبَهَا لَهُ حِينَ ظَهَرَتْ زَمْزَمُ، فَاسْتَغْنَوْا بِهَا عَنْ تِلْكَ الابار. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَحَفَرَ أُمَيّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ الْحَفْرَ لِنَفْسِهِ، وَحَفَرَتْ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: سُقَيّةَ، وهى بئر بنى أسد. وحفرت بنو عبد الدار: أمّ أحراد. وَحَفَرَتْ بَنُو جُمَحَ: السّنْبُلَةَ، وَهِيَ بِئْرُ خَلَفِ بن وهب. وَحَفَرَتْ بَنُو سَهْمٍ: الْغِمْرَ، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي سهم، وَكَانَتْ آبَارُ حَفَائِرَ خَارِجًا مِنْ مَكّةَ قَدِيمَةً مِنْ عَهْدِ مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَكِلَابِ بْنِ مرّة، وكبراء قُرَيْشٍ الْأَوَائِلِ مِنْهَا يَشْرَبُونَ، وَهِيَ رُمّ، وَرُمّ: بِئْرُ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَخُمّ، وَخُمّ. بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرّةَ، وَالْحَفْرُ. قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ أَبُو أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ: وَقِدْمَا غنينا قبل ذلك حقبة ... ولا نستقي إلا بِخُمّ أَوْ الْحَفْرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ الله فى موضعها. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَعَفّتْ زَمْزَمُ عَلَى الْبِئَارِ الّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا يَسْقِي عَلَيْهَا الْحَاجّ وَانْصَرَفَ النّاسُ إلَيْهَا لِمَكَانِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ وَلِفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ؛ وَلِأَنّهَا بِئْرُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ﵉، وَافْتَخَرَتْ بِهَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى قُرَيْشٍ كُلّهَا، وَعَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، فَقَالَ مُسَافِرُ بْنُ أَبِي عَمْرِو ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وَهُوَ يَفْخَرُ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَا وُلّوا عَلَيْهِمْ من السّقاية والرّفادة، وما أقاموا لِلنّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِزَمْزَمَ حِينَ ظَهَرَتْ لَهُمْ، وَإِنّمَا كَانَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، شَرَفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ شَرَفٌ، وَفَضْلُ بَعْضِهِمْ لبعض فضل. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ْتٍ وَاحِدٍ، شَرَفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ شَرَفٌ، وَفَضْلُ بَعْضِهِمْ لبعض فضل. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَرِثْنَا الْمَجْدَ مِنْ آبَا ... ئِنَا فَنَمَى بِنَا صُعُدَا أَلَمْ نَسْقِ الْحَجِيجَ وَنَنْحَرُ ... الدّلّافَةَ الرّفُدَا ونلغى عِنْدَ تَصْرِيفِ الْمَنَايَا ... شُدّدًا رُفُدَا فَإِنْ نَهْلِكْ، فَلَمْ نُمْلَكْ ... وَمَنْ ذَا خَالِدٌ أَبَدَا وَزَمْزَمُ فى أرومتنا ... ونفقأ عين من جسد قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غانم أخو بنى عدىّ بن كعب ابن لؤىّ. وساقى الحجيج، ثم للخبز هاشم ... وعبد مناف ذلك السيد الفهري طوى زَمزَما عِنْدَ الْمَقَامِ، فَأَصْبَحَتْ ... سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلّ ذِي فَخْرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إن شاء الله تعالى. ــ وَأَنْشَدَ لَهُ فِي الْقَصِيدَةِ التّاوِيّةِ: مَحْضِ الضّرِيبَةِ، عَالِي الْهَمّ مُخْتَلَقٍ: أَيْ عَظِيمِ الْخَلْقِ: جَلْدِ النّحِيزَةِ نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ. لَيْسَ قَوْلُهُ: نَاءٍ مِنْ النّأْيِ، فَتَكُونَ الْهَمْزَةُ فِيهِ عَيْنَ الْفِعْلِ، وَإِنّمَا هُوَ مِنْ نَاءَ يَنُوءُ إذَا نَهَضَ «١» فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لَامُ الْفِعْلِ، كَمَا هُوَ فِي جَاءَ عِنْدَ الْخَلِيلِ، فَإِنّهُ عِنْدَهُ مَقْلُوبٌ، وَوَزْنُهُ: فَالِعٌ، وَالْيَاءُ الّتِي بَعْدَ الْهَمْزَةِ هِيَ: عَيْنُ الْفِعْلِ فى جاء يجىء.
جَاءَ عِنْدَ الْخَلِيلِ، فَإِنّهُ عِنْدَهُ مَقْلُوبٌ، وَوَزْنُهُ: فَالِعٌ، وَالْيَاءُ الّتِي بَعْدَ الْهَمْزَةِ هِيَ: عَيْنُ الْفِعْلِ فى جاء يجىء.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَفِيهِ الشّعْثُ الشّجِيّاتُ. فَشَدّدَ يَاءَ الشّجِيّ، وَإِنْ كَانَ أَهْلَ اللّغَةِ قَدْ قَالُوا: يَاءُ الشّجِي مُخَفّفَةٌ، وَيَاءُ الْخَلِيّ مُشَدّدَةٌ، وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى أَبِي تَمّامٍ الطّائِيّ فِي قَوْلِهِ: أياويح الشّجِيّ مِنْ الْخَلِيّ ... وَوَيْحَ الدّمْعِ مِنْ إحْدَى بَلِيّ وَاحْتَجّ بِقَوْلِ يَعْقُوبَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ له الطائى: ومن أفصح عندك: ابن الجر مقانيّة يَعْقُوبُ، أَمْ أَبُو الْأَسْوَدِ الدّؤَلِيّ حَيْثُ يَقُولُ؟!: وَيْلُ الشّجِيّ مِنْ الْخَلِيّ فَإِنّهُ ... وَصِبُ الْفُؤَادِ بِشَجْوِهِ مَغْمُومُ قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَبَيْتُ مَطْرُودٍ أَقْوَى فِي الْحُجّةِ مِنْ بَيْتِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدّؤَلِيّ، لِأَنّهُ جَاهِلِيّ مُحَكّكٌ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ: أَوّلُ مَنْ صَنَعَ النّحْوَ، فَشِعْرُهُ قَرِيبٌ مِنْ التّوْلِيدِ، وَلَا يَمْتَنِعُ فِي الْقِيَاسِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: شَجِيّ وَشَجٍ، لِأَنّهُ فِي مَعْنَى: حَزِنٌ وَحَزِينٌ، وَقَدْ قِيلَ: مَنْ شَدّدَ الْيَاءَ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مفعول «١» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَفِيهِ بُعْدٌ قَوْلُهُ: أَبَا الشّعْثِ الشّجِيّاتِ. يَبْكِينَهُ حُسّرًا مِثْلَ الْبَلِيّاتِ. الْبَلِيّةُ: النّاقَةُ الّتِي كَانَتْ تُعْقَلُ عِنْدَ قَبْرِ صَاحِبِهَا إذَا مَاتَ، حَتّى تموت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَوْعًا وَعَطَشًا، وَيَقُولُونَ: إنّهُ يُحْشَرُ رَاكِبًا عَلَيْهَا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ هَذَا حُشِرَ رَاجِلًا، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَقُولُ بِالْبَعْثِ، وَهُمْ الْأَقَلّ، وَمِنْهُمْ زُهَيْرٌ، فَإِنّهُ قَالَ: يُؤَخّرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدّخَرْ ... لِيَوْمِ الْحِسَابِ، أَوْ يُعَجّلْ فَيُنْقَمْ وَقَالَ الشّاعِرُ فِي الْبَلِيّةِ: والبلايا رؤسها فى الولايا ... ما نحات السّمُومِ حُرّ الْخُدُودِ «١» وَالْوَلَايَا: هِيَ الْبَرَاذِعُ، وَكَانُوا يَثْقُبُونَ الْبَرْذَعَةَ، فَيَجْعَلُونَهَا فِي عُنُقِ الْبَلِيّةِ، وَهِيَ مَعْقُولَةٌ، حَتّى تَمُوتَ، وَأَوْصَى رَجُلٌ ابْنَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ بِهَذَا: لَا تَتْرُكَنّ أَبَاك يُحْشَرُ مُرّةً ... عَدْوًا يَخِرّ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَيَنْكُبُ فِي أَبْيَاتٍ ذكرها الخطابى. وقوله: قياما كالحميّات. أى: محترقات الْأَكْبَادِ كَالْبَقَرِ أَوْ الظّبَاءِ الّتِي حَمِيَتْ الْمَاءَ وَهِيَ عَاطِشَةٌ، فَحَمِيّةٌ بِمَعْنَى: مَحْمِيّةٍ، لَكِنّهَا جَاءَتْ بالتاء، لأنها أجريت
ْبَادِ كَالْبَقَرِ أَوْ الظّبَاءِ الّتِي حَمِيَتْ الْمَاءَ وَهِيَ عَاطِشَةٌ، فَحَمِيّةٌ بِمَعْنَى: مَحْمِيّةٍ، لَكِنّهَا جَاءَتْ بالتاء، لأنها أجريت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ كَالرّمِيّةِ وَالضّحِيّةِ وَالطّرِيدَةِ «١» وَفِي مَعْنَى الْحَمِيّ قَوْلُ رُؤْبَةَ: قَوَاطِنُ مَكّةَ مِنْ وُرْقِ الْحَمِيّ «٢» يُرِيدُ الْحَمَامَ الْمَحْمِيّ، أَيْ: الْمَمْنُوعَ. وَقَوْلُهُ: فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ: الْأَظْهَرُ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمِيمُ أَصْلِيّةً، وَيَكُونُ مِمّا ضُوعِفَتْ فَاؤُهُ وَعَيْنُهُ، وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَوْلَى لِكَثْرَتِهِ فِي الْكَلَامِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمِيمِ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، إذَا كَانَتْ أَوّلَ الْكَلِمَةِ الرّبَاعِيّةِ أَوْ الْخُمَاسِيّةِ، إلّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ اشْتِقَاقٌ، وَلَا اشْتِقَاقَ هَهُنَا، أَوْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُهُ فِيمَا قَلّ مِنْ الْكَلَامِ نَحْوُ: قَلِقَ وَسَلِسَ. قَالَ أَبُو عَلِيّ فِي الْمَرْمَرِ: حَمْلُهُ عَلَى بَابِ: قَرْقَرَ وَبَرْبَرَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى بَابِ: قَلِقَ وَسَلِسَ، يُرِيدُ: إنّك إنْ جَعَلْت الْمِيمَ زَائِدَةً كَانَتْ فَاءَ الْفِعْلِ- وَهِيَ الراء- مضاعفة دون عين الفعل، وهى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمِيمُ، وَإِذَا جَعَلْت الْمِيمَ الْأُولَى فِي مَرْمَرَ أصلية، كان «١» من باب ماضوعفت فِيهِ الْفَاءُ وَالْعَيْنُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ فِي الْمَرْمَرِ: مَرّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُسْتَتِبّ، وَالطّرِيقُ الْمَهِيعُ دُونَ مَا ضُوعِفَتْ فِيهِ الْفَاءُ وَحْدَهَا، فتأمله «٢» .
ِيبَوَيْهِ فِي الْمَرْمَرِ: مَرّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُسْتَتِبّ، وَالطّرِيقُ الْمَهِيعُ دُونَ مَا ضُوعِفَتْ فِيهِ الْفَاءُ وَحْدَهَا، فتأمله «٢» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَوْلُهُ: طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ. الْفَجَرُ: الْجُودُ، شُبّهَ بِانْفِجَارِ الْمَاءِ. وَيُرْوَى ذَا فَنَعٍ، وَالْفَنَعُ: كَثْرَةُ الْمَالِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ الثّقَفِيّ: وَقَدْ أَجُودُ وَمَا مَالِي بِذِي فَنَعٍ ... وَأَكْتُمُ السّرّ فِيهِ ضَرْبَةُ الْعُنُقِ «١» وَقَوْلُهُ: بَسّامَ الْعَشِيّاتِ: يَعْنِي: أَنّهُ يَضْحَكُ لِلْأَضْيَافِ، وَيَبْسِمُ عِنْدَ لِقَائِهِمْ كما قال الاخر، وهو حاتم الطائى:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أُضَاحِكُ ضَيْفِي قَبْلَ إنْزَالِ رَحْلِهِ ... وَيَخْصِبُ «١» عِنْدِي، وَالْمَحَلّ جَدِيبُ وَمَا الْخِصْبُ لِلْأَضْيَافِ أَنْ يَكْثُرَ الْقِرَى ... وَلَكِنّمَا وَجْهُ الْكَرِيمِ خَصِيبُ حَدِيثُ زَمْزَمَ وَكَانَتْ زَمْزَمُ- كَمَا تَقَدّمَ- سُقْيَا إسْمَاعِيلَ، ﵇، فَجّرَهَا لَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِعَقِبِهِ، وَفِي تَفْجِيرِهِ إيّاهَا بِالْعَقِبِ دُونَ أَنْ يُفَجّرَهَا بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهِ: إشَارَةٌ إلَى أَنّهَا لِعَقِبِهِ وِرَاثَةً، وَهُوَ مُحَمّدٌ- ﷺ وَأُمّتُهُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) الزّخْرُفَ: ٤٣.
ى أَنّهَا لِعَقِبِهِ وِرَاثَةً، وَهُوَ مُحَمّدٌ- ﷺ وَأُمّتُهُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) الزّخْرُفَ: ٤٣. أَيْ: فِي أُمّةِ مُحَمّدٍ- ﵇ «٢» - ثُمّ إنّ زَمْزَمَ لَمّا أَحْدَثَتْ جُرْهُمٌ فِي الْحَرَمِ، وَاسْتَخَفّوا بِالْمَنَاسِكِ وَالْحُرَمِ، وَبَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَاجْتَرَمَ، تَغَوّرَ مَاءُ زَمْزَمَ وَاكْتُتِمَ، فلما أخرج الله جرهم مِنْ مَكّةَ بِالْأَسْبَابِ الّتِي تَقَدّمَ ذِكْرُهَا عَمَدَ الحرث بْنُ مُضَاضٍ الْأَصْغَرُ إلَى مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِ الْكَعْبَةِ، وَفِيهِ غَزَالَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْيَافٌ قَلْعِيّةٌ «٣» كَانَ سَاسَانُ مَلِكُ الْفُرْسِ قَدْ أَهْدَاهَا إلَى الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ: سَابُورُ، وَقَدْ قَدّمْنَا أن الأوائل من ملوك
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْفُرْسِ كَانَتْ تَحُجّهَا إلَى عَهْدِ سَاسَانَ، أَوْ سَابُورَ، فَلَمّا عَلِمَ ابْنُ مُضَاضٍ أَنّهُ مُخْرَجٌ مِنْهَا، جَاءَ تَحْتَ جُنْحِ اللّيْلِ حَتّى دَفَنَ ذَلِكَ فِي زَمْزَمَ، وَعَفّى عَلَيْهَا، وَلَمْ تَزَلْ دَارِسَةً عَافِيًا أَثَرُهَا، حَتّى آنَ مَوْلِدُ الْمُبَارَكِ الّذِي كَانَ يُسْتَسْقَى بِوَجْهِهِ غَيْثُ السّمَاءِ وَتَتَفَجّرُ مِنْ بَنَانِهِ يَنَابِيعُ الْمَاءِ، صَاحِبُ الْكَوْثَرِ وَالْحَوْضِ الرّواء، فلما آن ظهوره أذن لله تَعَالَى لِسُقْيَا «١» أَبِيهِ أَنْ تَظْهَرَ، وَلِمَا انْدَفَنَ مِنْ مَائِهَا أَنْ تَجْتَهِرَ «٢» ، فَكَانَ- ﷺ قَدْ سَقَتْ النّاسَ بَرَكَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ وَسُقُوا بِدَعْوَتِهِ، وَهُوَ طِفْلٌ حِينَ أَجْدَبَتْ الْبَلَدُ، وَذَلِكَ حِينَ خَرَجَ بِهِ جَدّهُ مُسْتَسْقِيًا لِقُرَيْشِ «٣» ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ- فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ- وَسُقِيَتْ الْخَلِيقَةُ كُلّهَا غُيُوثَ السّمَاءِ فِي حَيَاتِهِ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، وَالْمَرّةَ بَعْدَ الْمَرّةِ، وَتَارَةً بِدُعَائِهِ، وَتَارَةً مِنْ بَنَانِهِ، وَتَارَةً بِإِلْقَاءِ سَهْمِهِ، ثُمّ بَعْدَ مَوْتِهِ- ﵇ اسْتَشْفَعَ عُمَرُ بِعَمّهِ- ﵄ عام الرّمادة «٤» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ بِهِ وَبِنَبِيّهِ «١» ، فَلَمْ يَبْرَحْ، حَتّى قلصوا المازر، واعتلقوا الحذاء،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ بِهِ وَبِنَبِيّهِ «١» ، فَلَمْ يَبْرَحْ، حَتّى قلصوا المازر، واعتلقوا الحذاء،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَخَاضُوا الْغُدْرَانَ، وَسَمِعَتْ الرّفَاقُ الْمُقْبِلَةُ إلَى الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ صَائِحًا يَصِيحُ فِي السّحَابِ: أَتَاك الْغَوْثُ أَبَا حَفْصٍ، أَتَاك الْغَوْثُ أَبَا حَفْصٍ «١» ، كُلّ هَذَا بِبَرَكَةِ الْمُبْتَعَثِ بِالرّحْمَتَيْنِ، وَالدّاعِي إلَى الْحَيَاتَيْنِ الْمَوْعُودِ بِهِمَا عَلَى يَدَيْهِ فِي الدّارَيْنِ- ﷺ صَلَاةً تَصْعَدُ وَلَا تَنْفَدُ، وَتَتّصِلُ وَلَا تَنْفَصِلُ، وَتُقِيمُ، وَلَا تَرِيمُ، إنّهُ مُنْعِمٌ كَرِيمٌ. أَسْمَاءُ زَمْزَمَ: فَصْلٌ: فَأُرِيَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ فِي مَنَامِهِ: أَنْ احْفِرْ طِيبَةَ، فَسُمّيَتْ طِيبَةَ، لِأَنّهَا لِلطّيّبِينَ وَالطّيّبَاتِ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ- ﵉ وَقِيلَ لَهُ: احْتَفِرْ بَرّةَ، وَهُوَ اسْمٌ صَادِقٌ عَلَيْهَا أَيْضًا، لِأَنّهَا فَاضَتْ لِلْأَبْرَارِ، وَغَاضَتْ عَنْ الْفُجّارِ، وَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبّهٍ: سُمّيَتْ زَمْزَمُ: الْمَضْنُونَةَ لِأَنّهَا ضُنّ بِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَتَضَلّعُ مِنْهَا مُنَافِقٌ، وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مَا يُقَوّي ذَلِكَ مُسْنَدًا عَنْ النّبِيّ- ﷺ: مَنْ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ فَلْيَتَضَلّعْ، فَإِنّهُ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المنافقين، لا يستطيعون أن يتضلّعو «٢» منها،
نَدًا عَنْ النّبِيّ- ﷺ: مَنْ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ فَلْيَتَضَلّعْ، فَإِنّهُ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المنافقين، لا يستطيعون أن يتضلّعو «٢» منها،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَوْ كَمَا قَالَ. وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِالْمَضْنُونَةِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، رَوَاهَا الزّبَيْرُ: أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قِيلَ لَهُ: احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ ضَنِنْت بِهَا عَلَى النّاسِ إلّا عَلَيْك، أَوْ كَمَا قَالَ. الْعَلَامَاتُ الّتِي رَآهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَتَأْوِيلُهَا: وَدُلّ عَلَيْهَا بِعَلَامَاتِ ثَلَاثٍ: بِنُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، وَأَنّهَا بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ، وَعِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ، وَيُرْوَى أَنّهُ لَمّا قَامَ لِيَحْفِرَهَا رَأَى مَا رُسِمَ مِنْ قَرْيَةِ النّمْلِ وَنُقْرَةِ الْغُرَابِ، وَلَمْ يَرَ الْفَرْثَ وَالدّمَ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ نَدّتْ بَقَرَةٌ بِجَازِرِهَا، فَلَمْ يُدْرِكْهَا، حَتّى دَخَلَتْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَنَحَرَهَا فِي الْمَوْضِعِ الّذِي رُسِمَ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَسَالَ هُنَاكَ الْفَرْثُ وَالدّمُ، فَحَفَرَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَيْثُ رُسِمَ لَهُ. وَلَمْ تُخَصّ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثّلَاثُ «١» بِأَنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهَا إلّا لِحِكْمَةِ إلَهِيّةٍ، وَفَائِدَةٍ مُشَاكِلَةٍ فِي عِلْمِ التّعْبِيرِ، وَالتّوَسّمُ الصّادِقُ لِمَعْنَى زَمْزَمَ وَمَائِهَا. أَمَا الْفَرْثُ وَالدّمُ، فَإِنّ مَاءَهَا طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ «٢» ، وَهِيَ لِمَا شُرِبَتْ له «٣» ، وقد تقوّت «٤»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من مائها أبوذر- ﵁ ثَلَاثِينَ بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَسَمِنَ حَتّى تَكَسّرَتْ عُكَنُهُ، [وَمَا وُجِدَ عَلَى كَبِدِهِ سَخْفَةُ «١» جُوعٍ] فَهِيَ إذًا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ في اللّبَنِ: إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ اللّبَنَ، فَلْيَقُلْ: اللهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَسُدّ مَسَدّ الطّعَامِ وَالشّرَابِ إلّا اللّبَنُ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي اللّبَنِ: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشّارِبِينَ) النّحْلَ: ٦٦. فَظَهَرَتْ هَذِهِ السّقْيَا الْمُبَارَكَةُ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ، وَكَانَتْ تِلْكَ مِنْ دَلَائِلِهَا الْمُشَاكِلَةِ لِمَعْنَاهَا. وَأَمّا قَوْلُهُ: الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، قَالَ الْقُتَبِيّ: الْأَعْصَمُ مِنْ الْغِرْبَانِ الّذِي فِي جَنَاحَيْهِ بَيَاضٌ، وَحَمَلَ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: الْأَعْصَمُ الّذِي فِي يَدَيْهِ بَيَاضٌ، وَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْغُرَابِ يَدَانِ؟. وَإِنّمَا أَرَادَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ هَذَا الْوَصْفَ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: إنّ هَذَا الْوَصْفَ فِي الْغِرْبَانِ عَزِيزٌ، وَكَأَنّهُ ذَهَبَ إلَى الّذِي أَرَادَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنْ بَيَاضِ الْجَنَاحَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ: إنّهُ فِي الْغِرْبَانِ مُحَالٌ لَا يُتَصَوّرُ. وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النّبِيّ- ﷺ مَا يُغْنِي عَنْ قَوْلَيْهِمَا، وَفِيهِ الشّفَاءُ: أَنّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ: الْمَرْأَةُ الصّالِحَةُ فِي النّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْغُرَابُ الْأَعْصَمُ؟ قَالَ: الّذِي إحدى رجليه بيضاء «٢» .
أَةُ الصّالِحَةُ فِي النّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْغُرَابُ الْأَعْصَمُ؟ قَالَ: الّذِي إحدى رجليه بيضاء «٢» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَالْغُرَابُ فِي التّأْوِيلِ: فَاسِقٌ، وَهُوَ أَسْوَدُ، فَدَلّتْ نُقْرَتُهُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ عَلَى نُقْرَةِ الْأَسْوَدِ الْحَبَشِيّ بِمِعْوَلِهِ فِي أَسَاسِ الْكَعْبَةِ يَهْدِمُهَا فِي آخِرِ الزّمَانِ، فَكَانَ نَقْرُ الْغُرَابِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يُؤْذِنُ بِمَا يَفْعَلُهُ الْفَاسِقُ الْأَسْوَدُ فِي آخِرِ الزّمَانِ بِقِبْلَةِ الرّحْمَنِ، وَسُقْيَا أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يُرْفَعُ الْقُرْآنُ، وَتُحْيَا عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، وَفِي الصحيح عن رسول- ﷺ: «لَيُخَرّبَنّ الْكَعْبَةَ ذُو السّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ «١» » وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا مِنْ صِفَتِهِ: أَنّهُ [أَسْوَدُ] أَفْحَجُ، [يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا] وَهَذَا أَيْضًا يَنْظُرُ إلَى كَوْنِ الْغُرَابِ أَعْصَمَ؛ إذْ الْفَحَجُ: تَبَاعُدٌ فِي الرّجْلَيْنِ، كَمَا أَنّ الْعَصَمَ اخْتِلَافٌ فِيهِمَا، وَالِاخْتِلَافُ: تَبَاعُدٌ وَقَدْ عُرِفَ بِذِي السّوَيْقَتَيْنِ، كَمَا نُعِتَ الْغُرَابُ بِصِفَةِ فِي سَاقَيْهِ، فَتَأَمّلْهُ، وَهَذَا مِنْ خَفِيّ عِلْمِ التّأْوِيلِ، لِأَنّهَا كَانَتْ رُؤْيَا، وَإِنْ شِئْت: كَانَ مِنْ بَابِ الزّجْرِ وَالتّوَسّمِ الصّادِقِ «٢» وَالِاعْتِبَارِ وَالتّفْكِيرِ فِي مَعَالِمِ حِكْمَةِ- اللهِ تَعَالَى- فَهَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ، وَهُوَ مَنْ هُوَ عِلْمًا وَوَرَعًا حِينَ حُدّثَ بِحَدِيثِ الْبِئْرِ فِي الْبُسْتَانِ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَعَدَ عَلَى قفّها «٣» ، ودلىّ رجليه فيها، ثم جاء أبوبكر ﵁ ففعل مثل ذلك، ثم جَاءَ عُمَرُ- ﵁ فَفَعَلَ مِثْلَ
فِي الْبُسْتَانِ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَعَدَ عَلَى قفّها «٣» ، ودلىّ رجليه فيها، ثم جاء أبوبكر ﵁ ففعل مثل ذلك، ثم جَاءَ عُمَرُ- ﵁ فَفَعَلَ مِثْلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ، ثُمّ جَاءَ عُثْمَانُ، فَانْتَبَذَ مِنْهُمْ نَاحِيَةً؛ وَقَعَدَ حَجْرَةً «١» . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ: فَأَوّلْت ذَلِكَ قُبُورَهُمْ، اجْتَمَعَتْ قُبُورُ الثّلَاثَةِ، وَانْفَرَدَ قَبْرُ عُثْمَانَ- ﵁ وَاَللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) الْحِجْرَ: ٧٥. فَهَذَا مِنْ التّوَسّمِ وَالْفِرَاسَةِ الصّادِقَةِ، وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي دَلَائِلِ الْحِكْمَةِ، وَاسْتِنْبَاطِ الْفَوَائِدِ اللّطِيفَةِ مِنْ إشَارَاتِ الشّرِيعَةِ. وَأَمّا قَرْيَةُ النّمْلِ، فَفِيهَا مِنْ الْمُشَاكَلَةِ أَيْضًا، وَالْمُنَاسَبَةِ: أَنّ زَمْزَمَ هِيَ عَيْنُ مَكّةَ الّتِي يَرِدُهَا الْحَجِيجُ وَالْعُمّارُ مِنْ كُلّ جَانِبٍ، فَيَحْمِلُونَ إلَيْهَا الْبُرّ وَالشّعِيرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ وَهِيَ لَا تَحْرُثُ وَلَا تَزْرَعُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ خَبَرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇: (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) . إلَى قَوْلِهِ: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] إبْرَاهِيمَ: ٣٧) وَقَرْيَةُ النّمْلِ لَا تَحْرُثُ وَلَا تَبْذُرُ، وَتَجْلِبُ الْحُبُوبَ إلَى قَرْيَتِهَا مِنْ كُلّ جَانِبٍ، وَفِي مَكّةَ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ) النّحْلَ: ١١٢. مَعَ أَنّ لَفْظَ قَرْيَةِ النّمْلِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَرَيْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ: إذَا جَمَعْته، وَالرّؤْيَا تُعَبّرُ عَلَى اللّفْظِ تَارَةً، وَعَلَى الْمَعْنَى أُخْرَى، فَقَدْ اجْتَمَعَ اللّفْظُ وَالْمَعْنَى فِي هَذَا التّأْوِيلِ- وَاَللهُ أَعْلَمُ. مِنْ صِفَاتِ زَمْزَمَ:
اللّفْظِ تَارَةً، وَعَلَى الْمَعْنَى أُخْرَى، فَقَدْ اجْتَمَعَ اللّفْظُ وَالْمَعْنَى فِي هَذَا التّأْوِيلِ- وَاَللهُ أَعْلَمُ. مِنْ صِفَاتِ زَمْزَمَ: وَقَدْ قِيلَ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي صِفَةِ زَمْزَمَ: لَا تَنْزِفُ أَبَدًا، وَلَا تذمّ «٢» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَهَذَا بُرْهَانٌ عَظِيمٌ، لِأَنّهَا لَمْ تَنْزِفْ مِنْ ذَلِكَ الْحِينِ إلَى الْيَوْمِ قَطّ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهَا حَبَشِيّ فَنُزِحَتْ مِنْ أَجْلِهِ، فَوَجَدُوا مَاءَهَا يَثُورُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْيُنٍ، أَقْوَاهَا وَأَكْثَرُهَا مَاءً: مِنْ نَاحِيَةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ الدّارَقُطْنِيّ. وَقَوْلُهُ: وَلَا تُذَمّ، فِيهِ نَظَرٌ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى مَا يَبْدُو مِنْ ظَاهِرِ اللّفْظِ مِنْ أَنّهَا لَا يَذُمّهَا أَحَدٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الذّمّ لَكَانَ مَاؤُهَا أَعْذَبَ الْمِيَاهِ، وَلَتَضَلّعَ مِنْهُ كُلّ مَنْ يَشْرَبُهُ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنّهُ لَا يَتَضَلّعُ مِنْهَا مُنَافِقٌ، فَمَاؤُهَا إذًا مَذْمُومٌ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ كَانَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقَسْرِيّ أَمِيرَ الْعِرَاقِ يَذُمّهَا، وَيُسَمّيهَا: أُمّ جِعْلَانَ «١» ، وَاحْتَفَرَ بِئْرًا خَارِجَ مَكّةَ بِاسْمِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَجَعَلَ يُفَضّلُهَا عَلَى زَمْزَمَ، وَيَحْمِلُ النّاسَ عَلَى التّبَرّكِ بِهَا دُونَ زَمْزَمَ جُرْأَةً مِنْهُ عَلَى اللهِ- ﷿ وَقِلّةَ حِيَاءٍ مِنْهُ، وَهُوَ الّذِي يُعْلِنُ وَيُفْصِحُ بِلَعْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ- عَلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنّمَا ذَكَرْنَا هَذَا، أَنّهَا قَدْ ذُمّتْ، فَقَوْلُهُ إذًا: لَا تُذَمّ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: بِئْرٌ ذَمّةٌ أَيْ: قَلِيلَةُ الْمَاءِ، فَهُوَ مِنْ أَذْمَمْتَ الْبِئْرَ إذَا وَجَدْتهَا ذَمّةً: كَمَا تَقُولُ: أَجْبَنْت الرّجُلَ: إذَا وَجَدْته جَبَانًا، وأكذبته إذا
قَلِيلَةُ الْمَاءِ، فَهُوَ مِنْ أَذْمَمْتَ الْبِئْرَ إذَا وَجَدْتهَا ذَمّةً: كَمَا تَقُولُ: أَجْبَنْت الرّجُلَ: إذَا وَجَدْته جَبَانًا، وأكذبته إذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَجَدْته كَاذِبًا «١» ، وَفِي التّنْزِيلِ: «فَإِنّهُمْ لَا يُكَذّبُونَكَ» «٢» [وَلَكِنّ الظّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ] الْأَنْعَامَ. ٣٣ وَقَدْ فَسّرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ قَوْلَهُ حَتّى مَرَرْنَا بِبِئْرِ ذَمّةٍ: وَأَنْشَدَ. مُخَيّسَةً خُزْرًا كَأَنّ عُيُونَهَا ... ذِمَامُ الرّكَايَا أَنْكَزَتْهَا الْمَوَاتِحُ «٣» فَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ. وَلَا تذمّ؛ لأنه نفى مطلق، وخبر صادق
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاَللهُ أَعْلَمُ- وَحَدِيثُ الْبِئْرِ الذّمّةِ الّتِي ذَكَرَهَا أبو عبيد، حدثنا به أبوبكر بْنُ الْعَرَبِيّ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْمُطَهّرِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الرّجَاءِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خلّاد قال: حدثنا الحرث بْنُ أَبِي أُسَامَةَ. قَالَ: حَدّثَنَا أَبُو النّضْرِ، قَالَ: حَدّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللهِ- ﷺ فِي مَسِيرٍ فَأَتَيْنَا عَلَى رَكِيّ ذَمّةٍ «١» يَعْنِي: قَلِيلَةَ الْمَاءِ قَالَ: فَنَزَلَ فِيهَا سِتّةٌ- أَنَا سَادِسُهُمْ- مَاحَةٌ «٢» ، فَأُدْلِيَتْ إلَيْنَا دَلْوٌ، قَالَ: وَرَسُولُ اللهِ- ﷺ عَلَى الرّكِيّ، فَجَعَلْنَا فِيهَا نِصْفَهَا، أَوْ قَرِيبَ ثُلُثَيْهَا، فَرُفِعَتْ إلَى رَسُولِ اللهِ- ﷺ قَالَ: فَجِئْت بِإِنَائِي.
َرَسُولُ اللهِ- ﷺ عَلَى الرّكِيّ، فَجَعَلْنَا فِيهَا نِصْفَهَا، أَوْ قَرِيبَ ثُلُثَيْهَا، فَرُفِعَتْ إلَى رَسُولِ اللهِ- ﷺ قَالَ: فَجِئْت بِإِنَائِي. هَلْ أَجِدُ شَيْئًا أَجْعَلُهُ فِي حَلْقِي، فَمَا وَجَدْت، فَرُفِعَتْ الدّلْوُ إلَى رَسُولِ اللهِ- ﷺ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، فَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ- قَالَ: فَأُعِيدَتْ إلَيْنَا الدّلْوُ بِمَا فِيهَا، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْت أَحَدَنَا أُخْرِجَ بِثَوْبِ خَشْيَةَ الْغَرَقِ. قَالَ: ثُمّ ساحت، يعنى: جرت نهرا «٣» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اشتقاق مغازة: وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي مَسِيرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ إلَى الْكَاهِنَةِ، وَذَكَرَ الْمَفَاوِزَ الّتِي عَطِشُوا فِيهَا. الْمَفَاوِزُ: جَمْعُ مَفَازَةٍ، وَفِي اشْتِقَاقِ اسْمِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. رُوِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ أَنّهَا سُمّيَتْ مَفَازَةً عَلَى جِهَةِ التّفَاؤُلِ لِرَاكِبِهَا بِالْفَوْزِ وَالنّجَاةِ، وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيّ أَنّهُ قَالَ: سَأَلْت أَبَا الْمَكَارِمِ: لِمَ سُمّيَتْ الْفَلَاةُ مَفَازَةً؟ فَقَالَ: لِأَنّ رَاكِبَهَا إذَا قَطَعَهَا وَجَاوَزَهَا فَازَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهَا: مَهْلَكَةٌ لِأَنّهُ يُقَالُ: فَازَ الرّجُلُ، وَفَوّزَ وَفَادَ وَفَطَسَ: إذَا هَلَكَ. وَذُكِرَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ- ثُمّ اُدْعُ بِالْمَاءِ الرّوِيّ غَيْرِ الْكَدَرِ يُقَالُ: مَاءٌ رِوَى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ، وَرَوَاءٌ بالفتح والمد «١» وفيه:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْجَمْعُ وَاسْمُ الْجَمْعِ: يُسْقَى حَجِيجُ اللهِ فِي كُلّ مَبَرْ. الْحَجِيجُ: جَمْعُ حَاجّ. وَفِي الْجُمُوعِ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ كَثِيرٌ كَالْعَبِيدِ وَالْبَقِيرِ وَالْمَعِيزِ وَالْأَبِيلِ!! وَأَحْسَبُهُ اسْمًا لِلْجَمْعِ؛ لِأَنّهُ لَوْ كَانَ جمعاله وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ، لَجَرَى عَلَى قِيَاسٍ وَاحِدٍ كَسَائِرِ الْجُمُوعِ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ وَاحِدُهُ فَحَجِيجٌ وَاحِدُهُ: حَاجّ، وَعَبِيدٌ وَاحِدُهُ: عَبْدٌ، وَبَقِيرٌ «١» وَاحِدُهُ: بَقَرَةٌ [وَمَعِيزٌ: وَاحِدُهُ: مَاعِزٌ] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ: إنّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ غَيْرَ أَنّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكَثْرَةِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُصَغّرُ عَلَى لَفْظِهِ، كَمَا تُصَغّرُ أَسْمَاءُ الْجُمُوعِ، فَلَا يُقَالُ فِي العبيد: عبيّد، ولا فى النخيل:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نُخَيّلٌ، بَلْ يُرَدّ إلَى وَاحِدِهِ، كَمَا تُرَدّ الْجُمُوعُ فِي التّصْغِيرِ، فَيُقَالُ: نُخَيْلَاتٌ وَعُبَيْدُونَ، وَإِذَا قُلْت: نَخِيلٌ أَوْ عَبِيدٌ، فَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الصّغِيرَ وَالْكَبِيرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، قَالَ اللهُ سبحانه: (وزرع ونخيل) وَقَالَ: (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فُصّلَتْ: ٤٦ وَحِينَ ذَكَرَ الْمُخَاطَبِينَ مِنْهُمْ قَالَ: الْعِبَادُ، وَكَذَلِكَ قَالَ حِينَ ذَكَرَ الثّمَرَ مِنْ النّخِيلِ: (وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ) ق: ١٠ وَقَالَ: (أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) الْقَمَرَ: ٢٠ فَتَأَمّلْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ وَاخْتِيَارِ الْكَلَامِ، وَأَمّا فِي مَذْهَبِ أَهْلِ اللّغَةِ، فَلَمْ يُفَرّقُوا هَذَا التّفْرِيقَ، وَلَا نَبّهُوا عَلَى هَذَا الْغَرَضِ الدّقِيقِ. شُرُوحٌ:
يَارِ الْكَلَامِ، وَأَمّا فِي مَذْهَبِ أَهْلِ اللّغَةِ، فَلَمْ يُفَرّقُوا هَذَا التّفْرِيقَ، وَلَا نَبّهُوا عَلَى هَذَا الْغَرَضِ الدّقِيقِ. شُرُوحٌ: وَقَوْلُهُ: فِي كُلّ مَبَرّ: هُوَ مَفْعَلٌ مِنْ الْبِرّ، يُرِيدُ: فِي مَنَاسِكِ الْحَجّ وَمَوَاضِعِ الطّاعَةِ وَقَوْلُهُ: مِثْلُ نَعَامٍ جَافِلٍ لَمْ يُقْسَمْ. الْجَافِلُ: مِنْ جَفَلَتْ الْغَنَمُ: إذَا انْقَلَعَتْ بِجُمْلَتِهَا، وَلَمْ يُقْسَمْ أَيْ: لَمْ يَتَوَزّعْ، وَلَمْ يَتَفَرّقْ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَرْ. أَيْ: مَا عَمَرَ هَذَا الْمَاءُ، فَإِنّهُ لَا يُؤْذِي، وَلَا يُخَافُ مِنْهُ مَا يخاف من المياء إذَا أُفْرِطَ فِي شُرْبِهَا، بَلْ هُوَ بَرَكَةٌ عَلَى كُلّ حَالٍ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: لَا تَنْزِفُ، وَلَا تُذَمّ عَاقِبَةُ شربها، وهذا تأويل سائغ أيضا إلى مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ التّأْوِيلِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي صِفَتِهَا. وَقَوْلُهُ: وَضَرَبَ [فِي الْبَابِ] الْغَزَالَيْنِ «١» حِلْيَةَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَوّلُ ذَهَبٍ حُلّيَتْ بِهِ الْكَعْبَةُ، وَقَدْ قَدّمْنَا ذِكْرَ الْغَزَالَيْنِ، وَمَنْ أَهْدَاهُمَا إلَى الْكَعْبَةِ، وَمَنْ دَفَنَهُمَا مِنْ جُرْهُمٍ، وَتَقَدّمَ أَنّ أَوّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ: تُبّعٌ، وَأَنّهُ أَوّلُ من اتخذلها غلقا إلى أن
َا إلَى الْكَعْبَةِ، وَمَنْ دَفَنَهُمَا مِنْ جُرْهُمٍ، وَتَقَدّمَ أَنّ أَوّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ: تُبّعٌ، وَأَنّهُ أَوّلُ من اتخذلها غلقا إلى أن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضَرَبَ لَهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ بَابَ حَدِيدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْيَافِ، وَاِتّخَذَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَوْضًا لِزَمْزَمَ يُسْقَى مِنْهُ، فَكَانَ يُخَرّبُ لَهُ بِاللّيْلِ حَسَدًا لَهُ، فَلَمّا غَمّهُ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ فِي النّوْمِ: قُلْ: لَا أُحِلّهَا لِمُغْتَسِلِ، وَهِيَ لِشَارِبِ حلّ وبلّ «١» وقد كفيتهم، فَلَمّا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ، فَكَانَ بَعْدُ مَنْ أَرَادَهَا بِمَكْرُوهِ رُمِيَ بِدَاءِ فِي جَسَدِهِ، حَتّى انْتَهَوْا عَنْهُ. ذَكَرَهُ الزّهْرِيّ فِي سِيَرِهِ. بِئَارُ قُرَيْشٍ بِمَكّةَ: وَقَوْلُهُ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ اتّخَذَتْ بِئَارًا بِمَكّةَ. ذَكَرُوا أَنّ قُصَيّا كَانَ يَسْقِي الْحَجِيجَ فِي حِيَاضٍ مِنْ أَدَمٍ، وَكَانَ يَنْقُلُ الْمَاءَ إلَيْهَا مِنْ آبَارٍ خَارِجَةٍ مِنْ مَكّةَ مِنْهَا: بِئْرُ مَيْمُونَ الْحَضْرَمِيّ، وَكَانَ يَنْبِذُ لَهُمْ الزّبِيبَ، ثُمّ احْتَفَرَ قُصَيّ العجول فى دار أمّ هانىء بنت أبى طالب، وهى أول سقاية
ِنْهَا: بِئْرُ مَيْمُونَ الْحَضْرَمِيّ، وَكَانَ يَنْبِذُ لَهُمْ الزّبِيبَ، ثُمّ احْتَفَرَ قُصَيّ العجول فى دار أمّ هانىء بنت أبى طالب، وهى أول سقاية
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اُحْتُفِرَتْ «١» بِمَكّةَ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ إذَا اسْتَقَوْا مِنْهَا ارْتَجَزُوا، فَقَالُوا: نُرْوَى عَلَى الْعَجُولِ، ثُمّ نَنْطَلِقْ ... إنّ قُصَيّا قَدْ وَفّى وَقَدْ صَدَقْ [بِشِبَعِ الْحَجّ وَرِيّ مُغْتَبِقْ] «٢» فَلَمْ تَزَلْ الْعَجُولُ قَائِمَةً حَيَاةَ قُصَيّ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، حَتّى كَبِرَ عَبْدُ مناف ابن قُصَيّ، فَسَقَطَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُعَيْلٍ، فَعَطّلُوا الْعَجُولَ، وَانْدَفَنَتْ، وَاحْتَفَرَتْ كُلّ قَبِيلَةٍ بِئْرًا، وَاحْتَفَرَ قُصَيّ سَجْلَةَ، وَقَالَ حِينَ حَفَرَهَا: أَنَا قُصَيّ، وَحَفَرْت سَجْلَهْ ... تُرْوِي الْحَجِيجَ زُغْلَةً فَزُغْلَهْ «٣» وَقِيلَ: بَلْ حَفَرَهَا هَاشِمٌ، وَوَهَبَهَا أَسَدُ بْنُ هَاشِمٍ لِعَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَفِي ذَلِكَ تَقُولُ خَالِدَةُ بِنْتُ هَاشِمٍ: نَحْنُ وَهَبْنَا لِعَدِيّ سَجْلَهْ ... تُرْوِي الْحَجِيجَ زُغْلَةً فَزُغْلَهْ وَأَمّا أُمّ أَحْرَادٍ الّتِي ذَكَرَهَا، فَأَحْرَادٌ: جَمْعُ: حِرْدٍ، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ السّنَامِ، فَكَأَنّهَا سُمّيَتْ بِهَذَا، لِأَنّهَا تُنْبِتُ الشّحْمَ، أَوْ تُسَمّنُ الْإِبِلَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا وَالْحِرْدُ: الْقَطَا «٤» الْوَارِدَةُ لِلْمَاءِ، فَكَأَنّهَا تَرِدُهَا الْقَطَا والطير، فيكون
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحْرَادٌ جَمْعَ: حُرْدٍ بِالضّمّ عَلَى هَذَا. وَقَالَتْ أُمَيّةُ بِنْتُ عُمَيْلَةَ بْنِ السّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ امْرَأَةُ الْعَوّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ حِينَ حَفَرَتْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ أُمّ أَحْرَادٍ: نَحْنُ حَفَرْنَا الْبَحْرَ أُمّ أَحْرَادِ ... لَيْسَتْ كَبَذّرَ الْبُرُورِ «١» الْجَمَادِ فَأَجَابَتْهَا ضَرّتُهَا: صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أُمّ الزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ ﵁: نَحْنُ حَفَرْنَا بَذّرْ «٢» ... نَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَكْبَرْ مِنْ مُقْبِلٍ وَمُدْبِرْ ... وَأُمّ أَحْرَادَ شَرْ «٣» وَأَمّا جُرَابٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى: جَرِيبٍ «٤» نَحْوُ: كُبَارٍ وَكَبِيرٍ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْجَرِيبُ: الْوَادِي، وَالْجَرِيبُ أَيْضًا: مِكْيَالٌ كَبِيرٌ، وَالْجَرِيبُ أَيْضًا: الْمَزْرَعَةُ. وَأَمّا مَلْكُومٌ فَهُوَ عِنْدِي مَقْلُوبٌ، وَالْأَصْلُ: مَمْكُولٌ مِنْ: مَكَلْت الْبِئْرَ: إذَا اسْتَخْرَجْت مَاءَهَا، وَالْمَكْلَةُ: مَاءُ «١» الرّكِيّةِ، وَقَدْ قَالُوا: بِئْرٌ عَمِيقَةٌ، وَمَعِيقَةٌ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللّفْظُ كَذَلِكَ يُقَالُ فِيهِ: مَمْكُولٌ وَمَلْكُومٌ، وَالْمَلْكُومُ فِي اللّغَةِ: الْمَظْلُومُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْلُوبًا «٢» . وَأَمّا بَذّرُ فَمِنْ التّبْذِيرِ، وَهُوَ التّفْرِيقُ، وَلَعَلّ مَاءَهَا كَانَ يَخْرُجُ مُتَفَرّقًا مِنْ غَيْرِ مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا الْبِنَاءُ فِي الْأَسْمَاءِ قَلِيلٌ، نَحْو: شَلّمَ وَخَضّمَ وَبَذّرَ، وَهِيَ أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ، وَشَلّمُ: اسْمُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَمّا فِي غَيْرِ الْأَعْلَامِ، فَلَا يُعْرَفُ إلّا الْبَقّمُ، وَلَعَلّ «٣» أَصْلَهُ أَنْ يكون أعجميا، فعرب.
ٍ، وَشَلّمُ: اسْمُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَمّا فِي غَيْرِ الْأَعْلَامِ، فَلَا يُعْرَفُ إلّا الْبَقّمُ، وَلَعَلّ «٣» أَصْلَهُ أَنْ يكون أعجميا، فعرب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمّا خُمّ وَهِيَ بِئْرُ مُرّةَ، فَهِيَ مِنْ خَمَمْت الْبَيْتَ إذَا كَنَسْته، وَيُقَالُ: فُلَانٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ أَيْ: نَقِيّهُ، فَكَأَنّهَا سُمّيَتْ بِذَلِكَ لِنِقَائِهَا. وأما غدير خمّ الّذِي عِنْدَ الْجُحْفَةِ، فَسُمّيَتْ بِغَيْضَةِ «١» عِنْدَهُ، يُقَالُ لَهَا: خُمّ فِيمَا ذَكَرُوا. وَأَمّا رُمّ بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرّةَ، فَمِنْ رَمَمْت الشّيْءَ إذَا جَمَعْته وَأَصْلَحْته، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: كُنّا أَهْلَ ثُمّةٍ وَرُمّةٍ «٢» ، وَمِنْهُ: الرّمّانُ فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، لِأَنّهُ عِنْدَهُ فُعْلَانُ، وَأَمّا الْأَخْفَشُ فَيَقُولُ فِيهِ: فُعّالٌ، فَيَجْعَلُ فِيهِ النّونَ أَصْلِيّةً، وَيَقُولُ: إنْ سَمّيْت بِهِ رَجُلًا صَرَفْته. وَمِنْ قَوْلِ عَبْدِ شمس بن قصىّ:
ْفَشُ فَيَقُولُ فِيهِ: فُعّالٌ، فَيَجْعَلُ فِيهِ النّونَ أَصْلِيّةً، وَيَقُولُ: إنْ سَمّيْت بِهِ رَجُلًا صَرَفْته. وَمِنْ قَوْلِ عَبْدِ شمس بن قصىّ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَفَرْت رُمّا، وَحَفَرْت خُمّا ... حَتّى تَرَى الْمَجْدَ بِهَا قَدْ تَمّا وَأَمّا شُفَيّةُ بِئْرُ بَنِي أَسَدٍ، فَقَالَ فِيهَا الْحُوَيْرِثُ بْنُ أَسَدٍ: مَاءُ شُفَيّةَ «١» كَمَاءِ الْمُزْنِ ... وَلَيْسَ مَاؤُهَا بِطَرْقِ أَجْنِ «٢» وأما سنبلة: بئر بنى جمج، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي خَلَفِ بْنِ وَهْبٍ- فَقَالَ فِيهَا شَاعِرُهُمْ: نَحْنُ حَفَرْنَا لِلْحَجِيجِ سُنْبُلَهْ ... صَوْبَ سَحَابٍ ذُو الْجَلَالِ أَنْزَلَهْ ثُمّ تَرَكْنَاهَا بِرَأْسِ الْقُنْبُلَهْ ... تَصُبّ مَاءً مِثْلَ مَاءِ الْمَعْبَلَهْ نَحْنُ سقينا الناس قبل المسئله مِنْ شَرْحِ شِعْرِ مُسَافِرٍ وَأَمّا الْغَمْرُ: بِئْرُ بَنِي سَهْمٍ، فَقَالَ فِيهَا بَعْضُهُمْ: نَحْنُ حَفَرْنَا الْغَمْرَ لِلْحَجِيجِ ... تَثُجّ مَاءً أَيّمَا ثَجِيجِ ذَكَرَ أَكْثَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيّ، وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَرْجَازِ أَوْ أَكْثَرُهُ فِي كِتَابِ الزّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ. فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ مُسَافِرِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ. وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو: ذَكْوَانُ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِيهِ أبو سفيان:



