الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya السهيلي (w. 581 H). Tahqiq: الوكيل.

Bagian 20 dari 88 3465 halaman

— Bagian 20 · َلِذَلِكَ قَالَ: فَإِنّك لَا تُخْفِي مِنْ اللهِ … —

Bagian 20

َلِذَلِكَ قَالَ: فَإِنّك لَا تُخْفِي مِنْ اللهِ خَافِيَا. وَفِيهِ: وَإِنّي وَإِنْ سَبّحْت بِاسْمِك رَبّنَا ... لَأُكْثِرُ إلّا مَا غَفَرْت خَطَائِيَا مَعْنَى الْبَيْتِ: إنّي لَأُكْثِرُ مِنْ هَذَا الدّعَاءِ الّذِي هُوَ بِاسْمِك رَبّنَا إلّا مَا غَفَرْت «وَمَا» بَعْدَ إلّا زَائِدَةٌ، وَإِنْ سَبّحْت: اعْتِرَاضٌ بَيْنَ اسْمِ إنّ وَخَبَرِهَا، كَمَا تَقُولُ: إنّي لَأُكْثِرُ مِنْ هَذَا الدّعَاءِ الّذِي هُوَ بِاسْمِك رَبّنَا إلّا وَاَللهِ يَغْفِرُ لِي لَأَفْعَلُ كَذَا، وَالتّسْبِيحُ هُنَا بِمَعْنَى الصّلَاةِ، أَيْ: لَا أَعْتَمِدُ وَإِنْ صَلّيْت إلّا عَلَى دُعَائِك وَاسْتِغْفَارِك مِنْ خَطَايَايَ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَفْسِيرُ حَنَانَيْكَ: وَقَوْلُهُ: حَنَانَيْكَ بِلَفْظِ التّثْنِيَةِ، قَالَ النّحْوِيّونَ: يُرِيدُ حَنَانًا بَعْدَ حَنَانٍ، كَأَنّهُمْ ذَهَبُوا إلَى التّضْعِيفِ وَالتّكْرَارِ، لَا إلَى الْقَصْرِ عَلَى اثْنَيْنِ خَاصّةً دُونَ مَزِيدٍ. قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ حَنَانًا فِي الدّنْيَا، وَحَنَانًا فِي الْآخِرَةِ، وَإِذَا قِيلَ هَذَا لِمَخْلُوقِ نَحْوَ قَوْلِ طَرَفَةَ: أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْت فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا ... حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشّرّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ فَإِنّمَا يُرِيدُ: حَنَانَ دَفْعٍ، وَحَنَانَ نَفْعٍ؛ لِأَنّ كُلّ مَنْ أَمّلَ مَلِكًا، فَإِنّمَا يُؤَمّلُهُ لِيَدْفَعَ عنه ضيرا، أو ليجلب إليه خيرا. تديعة أَدِينُ: وَقَوْلُهُ: فَلَنْ أَرَى أَدِينُ إلَهًا. أَيْ: أَدِينُ لِإِلَهِ، وَحَذَفَ اللّامَ وَعَدّى الْفِعْلَ؛ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى: أَعْبُدُ إلَهًا. حَوْلَ اسْمِ اللهِ: وَقَوْلُهُ: غَيْرَك اللهُ بِرَفْعِ الْهَاءِ، أَرَادَ: يَا أَللهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِيمَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللّامُ، إلّا أَنّ حُكْمَ الْأَلِفِ وَاللّامِ فِي هَذَا اللّفْظِ الْمُعَظّمِ يُخَالِفُ حُكْمَهَا فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ، أَلَا تَرَى أَنّك تَقُولُ: يَا أَيّهَا الرّجُلُ، وَلَا يُنَادَى اسْمُ اللهِ بِيَا أَيّهَا، وَتُقْطَعُ هَمْزَتُهُ فِي النّدَاءِ، فَتَقُولُ: يَا أَللهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي اسْمِ غَيْرِهِ إلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ يُخَالِفُ فِيهَا هَذَا الِاسْمُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُعَرّفَةِ، وَلَعَلّ بَعْضَ

كُونُ ذَلِكَ فِي اسْمِ غَيْرِهِ إلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ يُخَالِفُ فِيهَا هَذَا الِاسْمُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُعَرّفَةِ، وَلَعَلّ بَعْضَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ أَنْ يُذْكَرَ فِيمَا بَعْدُ- إنْ شَاءَ اللهُ- وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَفِيهِ بَيْتٌ حَسَنٌ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ «١» فِي أَخْبَارِ زَيْدٍ وَهُوَ: أَدِينُ إلَهًا يُسْتَجَارُ، وَلَا أَرَى ... أَدِينُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ الدّهْرَ دَاعِيَا حَذَفَ الْمُنَادَى مَعَ بَقَاءِ الْيَاءِ: وَفِيهِ: فَقُلْت: أَلَا يَا اذْهَبْ «٢» عَلَى حَذْفِ الْمُنَادَى، كَأَنّهُ قَالَ: أَلَا يَا هذا اذهب، كما قرىء: أَلَا يَا اُسْجُدُوا، يُرِيدُ: يَا قَوْمُ اُسْجُدُوا، وَكَمَا قَالَ غَيْلَانُ: أَلَا يَا اسْلَمِي يَا دارمىّ على البلى «٣»

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَفِيهِ: اذْهَبْ وَهَارُونَ، عَطْفًا عَلَى الضّمِيرِ فِي اذْهَبْ، وَهُوَ قَبِيحٌ إذَا لَمْ يُؤَكّدْ، وَلَوْ نَصَبَهُ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ لَكَانَ جَيّدًا. تَصْرِيفُ اطْمَأَنّتْ وَأَشْيَاءَ: وَقَوْلُهُ: اطْمَأَنّتْ كَمَا هِيَا، وَزْنُهُ افْلَعَلّتْ، لِأَنّ الْمِيمَ أَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِأَنّهُ مِنْ تَطَأْمَنَ أَيْ: تَطَأْطَأَ، وَإِنّمَا قَدّمُوهَا لِتَبَاعُدِ الْهَمْزَةِ الّتِي هِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ مِنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، فَتَكُونُ أَخَفّ عَلَيْهِمْ فِي اللّفْظِ كَمَا فَعَلُوا فِي أَشْيَاءَ حِينَ قَلَبُوهَا فِي قَوْلِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ فِرَارًا مِنْ تَقَارُبِ الْهَمْزَتَيْنِ «١» . كَمَا هِيَا. مَا:

ْظِ كَمَا فَعَلُوا فِي أَشْيَاءَ حِينَ قَلَبُوهَا فِي قَوْلِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ فِرَارًا مِنْ تَقَارُبِ الْهَمْزَتَيْنِ «١» . كَمَا هِيَا. مَا: زَائِدَةٌ لِتَكُفّ الْكَافَ عَنْ الْعَمَلِ، وَتُهَيّئُهَا لِلدّخُولِ عَلَى الْجُمَلِ، وَهِيَ: اسْمٌ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، التّقْدِيرُ: كَمَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْمَصْدَرِ الّذِي دَلّ عَلَيْهِ، اطْمَأَنّ، كَمَا تَقُولُ: سِرْت مِثْلَ سَيْرِ زَيْدٍ؛ فَمِثْلُ حَالٌ مِنْ سَيْرِك الّذِي سِرْته، وَفِيهِ: أَرْفِقْ إذًا بِك بَانِيَا. أَرْفِقْ تَعَجّبٌ، وَبِك فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأَنّ الْمَعْنَى: رَفَقْت، وَبَانِيًا تَمْيِيزٌ، لِأَنّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُجَرّ بِمِنْ، كَمَا تَقُولُ: أَحْسِنْ بِزَيْدِ مِنْ رَجُلٍ، وَحَرْفُ الْجَرّ مُتَعَلّقٌ بِمَعْنَى التعجب؛ إذ قد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عُلِمَ أَنّك مُتَعَجّبٌ مِنْهُ، وَلِبَسْطِ هَذَا الْمَعْنَى وَكَشْفِهِ مَوْضِعٌ غَيْرَ هَذَا- إنْ شَاءَ اللهُ- وَبَعْدَ قَوْلِهِ: وَقَدْ بَاتَ فِي أَضْعَافِ حُوتٍ لَيَالِيَا بَيْتٌ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَوَقَعَ فِي جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ وَهُوَ: وَأَنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةِ ... مِنْ اللهِ لَوْلَا ذَاكَ أَصْبَحَ ضَاحِيَا «١» صَفِيّةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيّ: وَذَكَرَ صَفِيّةَ بِنْتَ الْحَضْرَمِيّ، وَاسْمُ الْحَضْرَمِيّ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمّارٍ «٢» ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ نَسَبِهَا عِنْدَ ذِكْرِ أَخِيهَا بَعْدَ. الدّعْمُوصِ وَالْخَرْمُ فِي الشّعْرِ: وَقَوْلُهُ: دُعْمُوصُ أَبْوَابِ الْمُلُوكِ. يُرِيدُ: وَلّاجًا فِي أَبْوَابِ الْمُلُوكِ، وَأَصْلُ الدّعْمُوصِ: سَمَكَةٌ صَغِيرَةٌ كَحَيّةِ الْمَاءِ، فَاسْتَعَارَهُ هُنَا، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: صِغَارُكُمْ دَعَامِيصُ «٣» الْجَنّةِ، وَكَمَا اسْتَعَارَتْ عَائِشَةُ الْعُصْفُورَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حِينَ نَظَرَتْ إلَى طِفْلٍ صَغِيرٍ قَدْ مَاتَ، فَقَالَتْ: طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنّةِ، لم يعمل سوآ، فَقَالَ لَهَا النّبِيّ ﷺ: «وَمَا يُدْرِيك؟ إنّ اللهَ خَلَقَ الْجَنّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَ النّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ خَرْمٌ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا قَوْله: وَلَوْ أَشَاءُ لَقُلْت مَا ... عِنْدِي مَفَاتِحُهُ وَبَابُهْ وَالْآخَرُ قَوْلُهُ: وَإِنّمَا أَخَذَ الْهَوَانَ الْ ... عِيرُ إذْ يُوهَى إهَابُهْ وَقَدْ تَقَدّمَ مِثْلُ هَذَا فِي شِعْرِ ابْنِ الزّبَعْرَى، وَتَكَلّمْنَا عَلَيْهِ هُنَالِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَقَوْلُهُ: وَيَقُولُ. إنّي لَا أَذِلّ أَيْ: يَقُولُ الْعِيرُ ذَلِكَ بِصَكّ جَنْبَيْهِ صِلَابُهْ، أَيْ: صِلَابُ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ، وَأَضَافَهَا إلَى الْعِيرِ لِأَنّهَا عَبْؤُهُ وحمله. لغويات ونحويات: وذكر قوله: البرّأبغى لا الخال «١» قال ابن هشام: البرّأبغى: بِالنّصْبِ، وَالْخَالُ: الْخُيَلَاءُ وَالْكِبْرُ: وَقَوْلُهُ: لَيْسَ مُهَجّرٌ كَمَنْ قَالَ، أَيْ: لَيْسَ مَنْ هَجَرَ وَتَكَيّسَ،

بن هشام: البرّأبغى: بِالنّصْبِ، وَالْخَالُ: الْخُيَلَاءُ وَالْكِبْرُ: وَقَوْلُهُ: لَيْسَ مُهَجّرٌ كَمَنْ قَالَ، أَيْ: لَيْسَ مَنْ هَجَرَ وَتَكَيّسَ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَمَنْ آثَرَ الْقَائِلَةَ وَالنّوْمَ «١» ، فَهُوَ مِنْ: قَالَ يَقِيلُ؛ وَهُوَ ثُلَاثِيّ، وَلَكِنْ لَا يُتَعَجّبُ مِنْهُ. لَا يُقَالُ: مَا أَقْيَلَهُ!! قَالَ أَهْلُ النّحْوِ: اسْتَغْنَوْا عَنْهُ: بِمَا أَنْوَمَهُ، وَلِذِكْرِ السّرّ «٢» فِي امْتِنَاعِ التّعَجّبِ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ مَوْضِعٌ غَيْرَ هَذَا. وَقَوْلُ زَيْدٍ: إنّي مُحْرِمٌ لَا حِلّهْ. مُحْرِمٌ أَيْ: سَاكِنٌ بِالْحَرَمِ، وَالْحِلّةُ: أَهْلُ الْحِلّ. يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ: حِلّةٌ. ذَكَرَ لِقَاءَ زَيْدٍ الرّاهِبَ بِمَيْفَعَةَ هَكَذَا تَقَيّدَ فِي الْأَصْلِ بِكَسْرِ الْمِيمِ مِنْ مَيْفَعَةَ «٣» ، وَالْقِيَاسُ فِيهَا: الْفَتْحُ؛ لِأَنّهُ اسم لموضع أخذ مِنْ الْيَفَاعُ، وَهُوَ الْمُرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ: شَامَ الْيَهُودِيّةَ والنصرانية، هُوَ فَاعِلٌ مِنْ الشّمّ كَمَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ شَيْبَانَ حِينَ سَأَلَ النّسّابَةَ مَنْ قُضَاعَةُ، ثُمّ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ النّسّابَةُ: شَامَمْتَنَا مُشَامّةُ الذّئْبِ الْغَنَمَ «٤» ، ثُمّ تَنْصَرِفُ. فى حديث ذكره أبو علىّ

َةَ مَنْ قُضَاعَةُ، ثُمّ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ النّسّابَةُ: شَامَمْتَنَا مُشَامّةُ الذّئْبِ الْغَنَمَ «٤» ، ثُمّ تَنْصَرِفُ. فى حديث ذكره أبو علىّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي النّوَادِرِ، وَمَعْنَاهُ: اسْتَخْبَرَ، فَاسْتَعَارَهُ مِنْ الشّمّ، فَنَصَبَ الْيَهُودِيّةَ والنصرانية نَصْبَ الْمَفْعُولِ، وَمَنْ خَفَضَ جَعَلَ شَامّ اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ شَمَمْت، وَالْفِعْلُ أَوْلَى بِهَذَا الْمَوْضِعِ، كَمَا تَقَدّمَ، وَقَوْلُ وَرَقَةَ: رَشَدْت وَأَنْعَمْت ابْنَ عَمْرٍو، أَيْ: رَشَدْت وَبَالَغْت فِي الرّشَدِ، كَمَا يُقَالُ: أَمْعَنْت النّظَرَ وَأَنْعَمْته، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ وَادِيًا بِالنّصْبِ. نَصَبَ سَبْعِينَ عَلَى الْحَالِ، لِأَنّهُ قَدْ يَكُونُ صِفَةً لِلنّكِرَةِ، كَمَا قَالَ: فَلَوْ كُنْت فِي جُبّ ثَمَانِينَ قَامَةً «١» وَمَا [يَكُونُ] صِفَةً لِلنّكِرَةِ يَكُونُ حَالًا مِنْ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ هُنَا حَالٌ مِنْ الْبُعْدِ، كَأَنّهُ قَالَ: وَلَوْ بَعُدَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ. كَمَا تَقُولُ: بَعُدَ طَوِيلًا، أَيْ: بُعْدًا طَوِيلًا، وَإِذَا حَذَفْت الْمَصْدَرَ، وَأَقَمْت الصّفَةَ مَقَامَهُ لَمْ تَكُنْ إلّا حَالًا، وَقَدْ تقدم قول سيبويه فى ذلك فى مسئلة: سَارُوا رُوَيْدًا، وَنَحْوِ هَذَا: دَارِي خَلْفَ دَارِك فَرْسَخًا، أَيْ: تَقْرُبُ مِنْهَا فَرْسَخًا إنْ أَرَدْت الْقُرْبَ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَدْت الْبُعْدَ، فَالْبُعْدُ وَالْقُرْبُ مُقَدّرَانِ بِالْفَرْسَخِ، فَلَوْ قُلْت: دَارِي تَقْرُبُ مِنْك قُرْبًا مُقَدّرًا بِفَرْسَخِ، لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: قُرْبًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، فَالْفَرْسَخُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ فَإِعْرَابُهُ كَإِعْرَابِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَا تَعْجَبُوا فَلَوْ انّ طُولَ قَنَاتِهِ ... ميل إذا نظم الفوارس ميلا

[صفة رسول الله ﷺ مِنْ الْإِنْجِيلِ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ- فيما بلغنى عما كان وضع عيسى بن مَرْيَمَ فِيمَا جَاءَهُ مِنْ اللهِ فِي الْإِنْجِيلِ لِأَهْلِ الْإِنْجِيلِ- مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِمّا أَثَبَتَ يُحَنّسُ الْحَوَارِيّ لَهُمْ، حِينَ نَسَخَ لَهُمْ الْإِنْجِيلَ عَنْ عَهْدِ عيسى بن مريم ﵇ فِي رَسُولِ اللهِ- ﷺ إلَيْهِمْ أَنّهُ قَالَ: مَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ الرّبّ، وَلَوْلَا أَنّي صَنَعْت بِحَضْرَتِهِمْ صَنَائِعَ لَمْ يَصْنَعْهَا أَحَدٌ قَبْلِي، مَا كَانَتْ لَهُمْ خَطِيئَةٌ، وَلَكِنْ مِنْ الْآنَ بَطِرُوا وَظَنّوا أَنّهُمْ يَعِزّونَنِي، وَأَيْضًا لِلرّبّ، وَلَكِنْ لَا بُدّ مِنْ أَنْ تَتِمّ الْكَلِمَةُ الّتِي فِي النّامُوسِ: أَنّهُمْ أَبْغَضُونِي مجّانا، أى: باطلا. فلو قدجاء الْمُنْحَمَنّا هَذَا الّذِي يُرْسِلُهُ اللهُ إلَيْكُمْ مِنْ عند الربّ، وروح الْقُدُسِ هَذَا الّذِي مِنْ عِنْدَ الرّبّ خَرَجَ، فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيّ وَأَنْتُمْ أَيْضًا؛ لِأَنّكُمْ قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي فِي هَذَا، قُلْتُ لَكُمْ: لِكَيْمَا لَا تَشْكُوَا. وَالْمُنْحَمَنّا بِالسّرْيَانِيّةِ: مُحَمّدٌ: وَهُوَ بِالرّومِيّةِ: البر قليطس، ﵌. ــ أَيْ: نَظَمَهُمْ نَظْمًا مُسْتَطِيلًا، وَوَضَعَ مِيلًا مَوْضِعَ مُسْتَطِيلًا، فَإِعْرَابُهُ كَإِعْرَابِهِ، فَهُوَ وَصْفٌ لِلْمَصْدَرِ، وَإِذَا أُقِيمَ الْوَصْفُ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ يَكُنْ حَالًا مِنْ الْفَاعِلِ، لَكِنْ مِنْ المصدر الذى بدل الْفِعْلُ عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: سَارُوا طَوِيلًا، وَسَقَيْتهَا أَحْسَنَ مِنْ سَقْيِ إبِلِك، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

عِلِ، لَكِنْ مِنْ المصدر الذى بدل الْفِعْلُ عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: سَارُوا طَوِيلًا، وَسَقَيْتهَا أَحْسَنَ مِنْ سَقْيِ إبِلِك، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُحَنّسُ الْحَوَارِيّ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ يُحَنّسَ الْحَوَارِيّ «١» وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ ذِكْرُ الْحَوَارِيّينَ كُلّهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ. وَذَكَرَ قَوْلَهُ: أَبْغَضْتُمُونِي مَجّانًا، أَيْ: بَاطِلًا، وَكَذَلِكَ جاء فى الحكمة: يابن آدَمَ عَلّمْ مَجّانًا، كَمَا عُلّمْت مَجّانًا، أَيْ: بِلَا ثَمَنٍ، وَفِي وَصَايَا الْحُكَمَاءِ: شَاوِرْ ذَوِي الأسنان والعقول يعطوك من رأيهم مجّانا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَا أَخَذُوهُ بِالثّمَنِ، أَيْ بِطُولِ التّجَارِبِ، وَمِنْ صِفَةِ النّبِيّ- ﷺ يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي «١» سَمّيْتُك الْمُتَوَكّلَ، لَيْسَ بِفَظّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخّابٍ «٢» فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السّيّئَةَ بِالسّيّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلّةَ الْعَوْجَاءَ، فَيَفْتَحَ بِهِ عُيُونًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا؛ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلّا اللهُ. مِنْ صِفَاتِ النّبِيّ عِنْدَ الْأَحْبَارِ وَمِمّا وُجِدَ مِنْ صِفَتِهِ- ﷺ عِنْدَ الْأَحْبَارِ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ مِنْ حَدِيثِ النّعْمَانِ التّيْمِيّ. قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَحْبَارِ يهود باليمن، فلما سمع بذكر النّبِيّ- ﷺ قَدِمَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمّ قَالَ:

النّعْمَانِ التّيْمِيّ. قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَحْبَارِ يهود باليمن، فلما سمع بذكر النّبِيّ- ﷺ قَدِمَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمّ قَالَ: إنّ أَبِي كَانَ يَخْتِمُ عَلَى سِفْرٍ، وَيَقُولُ: [لَا تَقْرَأْهُ] عَلَى يَهُودَ «٣» حَتّى تَسْمَعَ بِنَبِيّ قَدْ خَرَجَ بِيَثْرِبَ، فَإِذَا سَمِعْت بِهِ فَافْتَحْهُ. قَالَ نُعْمَانُ: فَلَمّا سَمِعْت بِك فَتَحْت السّفْرَ، فَإِذَا فِيهِ صِفَتُك كَمَا أَرَاك السّاعَةَ، وَإِذَا فِيهِ: مَا تُحِلّ وَمَا تُحَرّمُ، وَإِذَا فِيهِ: إنّك خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمّتُك خَيْرُ الْأُمَمِ، وَاسْمُك: أَحْمَدُ، وَأُمّتُك الْحَامِدُونَ. قُرْبَانُهُمْ: دِمَاؤُهُمْ، وَأَنَاجِيلُهُمْ: صُدُورُهُمْ، وَهُمْ لَا يحضرون قتالا

[صفة رسول الله ﷺ من الإنجيل] مَبْعَثُ النّبِيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسلم تسليما قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ، قَالَ: حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ قَالَ: فَلَمّا بَلَغَ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ- ﷺ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا، وَكَانَ اللهُ ﵎ قَدْ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى كُلّ نَبِيّ بَعَثَهُ قَبْلَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَالتّصْدِيقِ لَهُ، وَالنّصْر لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدّوا ذَلِكَ إلَى كُلّ مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدّقَهُمْ، فَأَدّوْا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقّ فِيهِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِمُحَمّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلّمَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي: أَيْ ثِقَلَ مَا حَمّلْتُكُمْ مِنْ عَهْدِي: قالُوا أَقْرَرْنا، قالَ: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ آل عمران: ٨١، فأخذ ــ

مْ إِصْرِي: أَيْ ثِقَلَ مَا حَمّلْتُكُمْ مِنْ عَهْدِي: قالُوا أَقْرَرْنا، قالَ: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ آل عمران: ٨١، فأخذ ــ إلّا وَجِبْرِيلُ مَعَهُمْ، يَتَحَنّنُ اللهَ عَلَيْهِمْ كَتَحَنّنِ النّسْرِ عَلَى فِرَاخِهِ، ثُمّ قَالَ لِي: إذَا سَمِعْت بِهِ فَاخْرُجْ إلَيْهِ، وَآمِنْ بِهِ، وَصَدّقْ بِهِ، فَكَانَ النّبِيّ- ﷺ يُحِبّ أَنْ يَسْمَعَ أَصْحَابُهُ حَدِيثَهُ، فَأَتَاهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ- ﷺ: يَا نُعْمَانُ حَدّثْنَا، فَابْتَدَأَ النّعْمَانُ الْحَدِيثَ مِنْ أوله، فرؤى رَسُولُ اللهِ- ﷺ يَوْمَئِذٍ يَتَبَسّمُ، ثُمّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنّي رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ الّذِي قَتَلَهُ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيّ، وَقَطّعَهُ عُضْوًا عُضْوًا، وَهُوَ يَقُولُ: إنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِنّك كَذّابٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللهِ، ثُمّ حَرّقَهُ بالنار.

اللهُ مِيثَاقَ النّبِيّينَ جَمِيعًا بِالتّصْدِيقِ لَهُ، وَالنّصْرِ لَهُ مِمّنْ خَالَفَهُ، وَأَدّوْا ذَلِكَ إلَى مَنْ آمَنْ بِهِمْ، وَصَدّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنها حدّثته: أن أوّل ما بدىء به رسول الله ﷺ مِنْ النّبُوّةِ، حِين أَرَادَ اللهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ العبادبه: الرّؤْيَا الصّادِقَةُ، لَا يَرَى رَسُولِ اللهِ- ﷺ رُؤْيَا فِي نُوُمِهِ إلّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصّبْحِ. قَالَتْ: وَحَبّبَ اللهُ تَعَالَى إلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبّ إلَيْهِ من أن يخلو وحده. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عبيد الله بن أبى سفيان ابن العلاء ابن جارية الثّقفىّ، وكان واعية، عن بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ رَسُولَ اللهِ- ﷺ حِينَ أَرَادَهُ اللهُ بِكَرَامَتِهِ، وَابْتَدَأَهُ بِالنّبُوّةِ، كَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتّى تَحَسّرَ عَنْهُ الْبُيُوتُ، وَيُفْضِي إلَى شِعَابِ مَكّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، فَلَا يَمُرّ رَسُولُ اللهِ- ﷺ بِحَجَرِ وَلَا شَجَرٍ، إلّا قَالَ: السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حوله، وعن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة. فَمَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَذَلِكَ يَرَى وَيَسْمَعُ، مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِمَا جَاءَهُ مِنْ كَرَامَةِ اللهِ، وَهُوَ بِحِرَاءٍ فِي شهر رمضان. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، مَوْلَى آلِ الزّبَيْرِ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، مَوْلَى آلِ الزّبَيْرِ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ اللّيْثَيّ: حَدّثْنَا يَا عُبَيْدُ، كَيْفَ كَانَ بَدْءُ مَا ابتدىء به رسول الله ﷺ مِنْ النّبُوّةِ، حِين جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇؟ قَالَ: فَقَالَ عُبَيْدٌ- وَأَنَا حَاضِرٌ يُحَدّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزّبَيْرِ، وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ النّاسِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي حِرَاءٍ مِنْ كُلّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمّا تَحَنّثَ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الجاهلية. والتّحنّث: التّبرّرّ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ ... وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حراء ونازل قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ: التّحَنّثُ وَالتّحَنّفُ، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جدف وجدث، يريدون. القبر. قال رؤية ابن العجّاج: لَوْ كَانَ أَحْجَارِي مَعَ الْأَجْدَافِ يُرِيدُ: الْأَجْدَاثَ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَبَيْتُ أَبِي طَالِبٍ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللهُ فِي مَوْضِعِهَا: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الْعَرَبَ تَقُولُ: فَم، فِي مَوْضِعِ: ثُمّ، يُبْدِلُونَ الْفَاءَ مِنْ الثّاءِ. قَالَ ابن إسحاق: حدثنى وهب بن كيسان قال: قال عبيد [بن عمير] : ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

َ مِنْ الثّاءِ. قَالَ ابن إسحاق: حدثنى وهب بن كيسان قال: قال عبيد [بن عمير] : ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ ذَلِكَ الشّهْرَ مِنْ كُلّ سَنَةٍ، يُطْعِمُ مَنْ جَاءَهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا قَضَى رَسُولُ الله صلى عَلَيْهِ وَسَلّمَ جِوَارَهُ، مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ، كَانَ أَوّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ- إذَا انْصَرَفَ مِنْ جِوَارِهِ- الْكَعْبَةَ، قَبْل أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَيَطُوفُ بِهَا سَبْعًا، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمّ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ، حَتّى إذَا كَانَ الشّهْرُ الّذِي أَرَادَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، مِنْ السّنَةِ التى بعثه اللهُ تَعَالَى فِيهَا، وَذَلِكَ، الشّهْرُ: شَهْرُ رَمَضَانَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى حِرَاءٍ، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوَارِهِ وَمَعَهُ أَهْلُهُ، حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الّتِي أَكْرَمَهُ اللهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ وَرَحِمَ الْعِبَادَ بِهَا، جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ، وَأَنَا نَائِمٌ، بِنَمَطِ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْت: مَا أَقْرَأُ؟ قال فغتني به، حتى ظننت أنه الموت، ثُمّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْت: مَاذَا أقرأ؟ قال: فغتني به، حتى ظننت أنه الموت، ثم أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: فَقُلْت: مَاذَا أَقْرَأُ؟ مَا أَقُولُ ذَلِكَ إلّا افْتِدَاءً مِنْهُ أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ مَا صَنَعَ بِي، فَقَالَ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» : قَالَ:

ذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» : قَالَ: فَقَرَأْتهَا، ثُمّ انْتَهَى، فَانْصَرَفَ عَنّي، وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنّمَا كَتَبْت فِي قَلْبِي كِتَابًا. قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتّى إذَا كُنْتُ فِي وَسَطٍ مِنْ الْجَبَلِ سَمِعْت صَوْتًا مِنْ السّمَاءِ يَقُولُ يَا مُحَمّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ قَالَ: فَرَفَعْت رَأْسِي إلَى السّمَاءِ أَنْظُرُ، فَإِذَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السماء يقول: ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يَا مُحَمّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَوَقَفْت أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَا أَتَقَدّمُ وَمَا أَتَأَخّرُ، وَجَعَلْت أَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفَاقِ السّمَاءِ، قَالَ: فَلَا أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا إلا رأيته كذلك، فمازلت وَاقِفًا مَا أَتَقَدّمُ أَمَامِي، وَمَا أَرْجِعُ وَرَائِي، حَتّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي، فَبَلَغُوا أَعْلَى مَكّةَ، وَرَجَعُوا إلَيْهَا، وَأَنَا وَاقِفٌ فِي مكانى ذلك، ثم انصرف عنى. وَانْصَرَفْتُ رَاجِعًا إلَى أَهْلِي، حَتّى أَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَجَلَسْت إلَى فَخِذِهَا مُضِيفًا إلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا أبا القاسم، أين كنت؟ فو الله لَقَدْ بَعَثَتْ رُسُلِي فِي طَلَبك، حَتّى بَلَغُوا مكة ورجعوا لى، ثم حدثتها بالذى رأيت، فقالت: أبشر يابن عمّ واثبت فو الذى نَفْسُ خَدِيجَةَ بِيَدِهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نبىّ هذه الأمّة. ثُمّ قَامَتْ فَجَمَعْت عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، ثُمّ انْطَلَقْت إلَى وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْن قُصَيّ، وَهُوَ ابْنُ عَمّهَا، وَكَانَ وَرَقَةُ قَدْ تَنَصّرَ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَسَمِعَ مِنْ أَهْلِ التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَأَخْبَرْته بِمَا أَخْبَرَهَا به رسول الله ﷺ، أَنّهُ رَأَى وَسَمِعَ، فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: قُدّوسٌ قُدّوسٌ، وَاَلّذِي نَفْسُ وَرَقَةَ بِيَدِهِ، لَئِنْ كُنْتِ صَدّقْتِينِي يَا خَدِيجَةُ لَقَدْ جَاءَهُ النّامُوسُ الْأَكْبَرُ الّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، وَإِنّهُ لَنَبِيّ هَذِهِ الْأُمّةِ، فَقُولِي لَهُ: فَلْيَثْبُتْ. فَرَجَعَتْ خَدِيجَةُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرْته بِقَوْلِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَلَمّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ جِوَارَهُ وَانْصَرَفَ، صَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ، فَطَافَ بِهَا، فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَهُوَ يطوف بالكعبة، فقال:

جِوَارَهُ وَانْصَرَفَ، صَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ، فَطَافَ بِهَا، فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَهُوَ يطوف بالكعبة، فقال: يابن أَخِي أَخْبِرْنِي بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ، فقال له وَرَقَةُ: وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنّك لَنَبِيّ هَذِهِ الْأُمّةِ، وَلَقَدْ جَاءَك النّامُوسُ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْأَكْبَرُ الّذِي جَاءَ مُوسَى، وَلَتُكَذّبَنّهُ وَلَتُؤْذَيَنّهُ، وَلَتُخْرَجَنّهُ، ولتقاتله، وَلَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَأَنْصُرَنّ اللهَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ، ثُمّ أَدْنَى رَأْسَهُ مِنْهُ، فَقَبّلَ يَافُوخَهُ، ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى منزله. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حكيم مولى آل الزبير: أنه حدّث عَنْ خَدِيجَةَ ﵂ أَنّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيْ ابْنَ عَمّ، أَتَسْتَطِيعُ أَنّ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِك هَذَا الّذِي يَأْتِيك إذَا جَاءَك؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: فَإِذَا جَاءَك فَأَخْبِرْنِي بِهِ. فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِخَدِيجَةَ: يَا خَدِيجَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ قَدْ جَاءَنِي، قَالَتْ: قُمْ يَا بن عَمّ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ- اللهِ ﷺ فجلس عَلَيْهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَتُحَوّلْ، فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى، قَالَتْ: فَتَحَوّلَ رسول الله ﷺ، فجلس عَلَى فَخِذِهَا الْيُمْنَى، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَتَحَوّلْ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي، قَالَتْ: فَتَحَوّلَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ فَجَلَسَ فِي حِجْرِهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَحَسّرَتْ وَأَلْقَتْ خِمَارَهَا- وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا-، ثُمّ قَالَتْ لَهُ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: لَا، قالت يابن عمّ، اثبت وأبشر، فو الله إنّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هَذَا بِشَيْطَانٍ.

لهِ ﷺ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا-، ثُمّ قَالَتْ لَهُ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: لَا، قالت يابن عمّ، اثبت وأبشر، فو الله إنّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هَذَا بِشَيْطَانٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ حَسَنٍ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ أُمّي فَاطِمَةَ بِنْتَ حُسَيْنٍ تُحَدّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ خَدِيجَةَ، إلّا أَنّي سَمِعْتُهَا تَقُولُ: أَدْخَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِرْعِهَا، فذهب عند ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَقَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنّ هَذَا لَمَلَكٌ، وَمَا هُوَ بشيطان. ــ كِتَابُ الْمَبْعَثِ مَتَى بُعِثَ رَسُولُ اللهِ؟: ذَكَرَ ابن إسحاق أن رسول الله- ﷺ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ مِنْ مَوْلِدِهِ ﵇ «١» ، وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَقَبَاثِ بْنِ أَشْيَمَ، وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ السّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْأَثَرِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ نُبّئَ لِأَرْبَعِينَ وَشَهْرَيْنِ مِنْ مَوْلِدِهِ، وَقِيلَ لِقَبَاثِ بْنِ أَشْيَمَ: مَنْ أَكْبَرُ، أَنْتَ أَمْ رَسُولُ اللهِ- ﷺ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ أَكْبَرُ مِنّي، وَأَنَا أسنّ منه، وولد رسول

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللهِ- ﷺ عَامَ الْفِيلِ، وَوَقَفَتْ بِي أُمّي عَلَى رَوْثِ الْفِيلِ وَيُرْوَى: خَزْقِ الطّيْرِ، فَرَأَيْته أَخْضَرَ مُحِيلًا، أَيْ: قَدْ أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنّ رَسُولَ اللهِ- ﷺ قَالَ لِبِلَالِ: لَا يَفُتْك صِيَامُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؛ فَإِنّي قَدْ وُلِدْت فِيهِ، وَبُعِثْت فِيهِ، وَأَمُوتُ فِيهِ «١» . إعْرَابُ لَمَا آتَيْتُكُمْ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ» «٢» الْآيَةُ. وَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اسْمٌ مُبْتَدَأٌ «٣» بِمَعْنَى: الّذِي، وَالتّقْدِيرُ: لَلّذِي آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، وَلَا يَصِحّ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى إضْمَارِ فِعْلٍ، كَمَا يَنْتَصِبُ مَا يشتغل عنه الفعل

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِضَمِيرِهِ، لِأَنّ مَا بَعْدَ اللّامِ الثّانِيَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيمَا قَبْلَهَا، وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ مَا قَبْلَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِمَا يَعْمَلُ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنّ مَا هَذِهِ شَرْطٌ. وَالتّقْدِيرُ: لهما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، لِأَنّهُ جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ: إنّ، وَقَوْلُ الْخَلِيلِ: إنّهَا بِمَنْزِلَةِ الّذِي، أَيْ:

ةٍ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، لِأَنّهُ جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ: إنّ، وَقَوْلُ الْخَلِيلِ: إنّهَا بِمَنْزِلَةِ الّذِي، أَيْ: إنّهَا اسْمٌ لَا حَرْفٌ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا عَلَى هَذَا، فَتَكُونُ اسْمًا، وَتَكُونُ شَرْطًا، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ عَلَى قَوْلِ الْخَلِيلِ: خَبَرِيّةً فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَكُونَ الْخَبَرُ: لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنّهُ، وَإِنْ كَانَ الضّمِيرَانِ عَائِدَيْنِ عَلَى الرّسُولِ، لَا عَلَى الّذِي، وَلَكِنْ لَمّا قَالَ: رسول مصدّق لما معكم، ارْتَبَطَ الْكَلَامُ بَعْضُهُ بِبَعْضِ، وَاسْتَغْنَى بِالضّمِيرِ الْعَائِدِ على الرسول عن ضمير يعود

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، وَلَهُ نَظِيرٌ فِي التّنْزِيلِ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) الْبَقَرَةُ: ٢٣٤ خَبَرُهُ: يتربّصن بأنفسهن، وَلَمْ يَعُدْ عَلَى الْمُبْتَدَإِ شَيْءٌ، لِتَشَبّثِ الْكَلَامِ بَعْضُهُ بِبَعْضِ، وَقَدْ لَاحَ لِي بَعْدَ نَظَرِي الْكِتَابَ أَنّ الّذِي قَالَهُ الْخَلِيلُ وَقَوْلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلٌ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنّهُ قَالَ: وَدُخُولُ اللّامِ عَلَى مَا، كَدُخُولِهَا عَلَى إنّ، يَعْنِي: فِي الْجَزَاءِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُعْمِلَ مَا جَزَاءً، وَإِنّمَا تَكَلّمَ عَلَى اللّامِ خَاصّةً وَاَللهُ أَعْلَمُ. النبوءة وأولو العزم:

ّ، يَعْنِي: فِي الْجَزَاءِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُعْمِلَ مَا جَزَاءً، وَإِنّمَا تَكَلّمَ عَلَى اللّامِ خَاصّةً وَاَللهُ أَعْلَمُ. النبوءة وأولو العزم: وذكر قول ابن إسحق: وَالنّبُوءَةُ أَثْقَالٌ وَمُؤْنَةٌ لَا يَحْمِلُهَا وَلَا يَسْتَطِيعُهَا إلّا أَهْلُ الْقُوّةِ وَالْعَزْمِ مِنْ الرّسُلِ، وَوَقَعَ فى رواية يونس عن ابن إسحق فى هذا الموضع عن ربيعة ابن أَبِي عَبْدِ الرّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْت وَهْبَ بْنَ مُنَبّهٍ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ مِنًى- وَذَكَرَ لَهُ يُونُسَ النّبِيّ- ﷺ فَقَالَ: كَانَ عَبْدًا صَالِحًا، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ ضِيقٌ، فَلَمّا حُمّلَتْ عَلَيْهِ أَثْقَالُ النّبُوءَةِ، وَلَهَا أَثْقَالٌ تَفَسّخَ تَحْتَهَا تَفَسّخَ الرّبُعِ تَحْتَ الْحِمْلِ الثّقِيلِ «١» ، فَأَلْقَاهَا عَنْهُ وَخَرَجَ هَارِبًا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابن إسحق: إنّ أُولِي الْعَزْمِ مِنْ الرّسُلِ مِنْهُمْ: نُوحٌ وَهُودٌ وَإِبْرَاهِيمُ أَمّا نُوحٌ فَلِقَوْلِهِ: (يَا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ) يُونُسُ: ٧١ وَأَمّا هُودٌ فَلِقَوْلِهِ: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) هُودٌ: ٥٤ وَأَمّا إبْرَاهِيمُ، فَلِقَوْلِهِ هُوَ وَاَلّذِينَ مَعَهُ: (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ

ٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) هُودٌ: ٥٤ وَأَمّا إبْرَاهِيمُ، فَلِقَوْلِهِ هُوَ وَاَلّذِينَ مَعَهُ: (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّهِ) وَأَمَرَ اللهُ نَبِيّنَا أَنْ يَصْبِرَ كَمَا صَبَرَ هَؤُلَاءِ» . أَوّلُ مَا بُدِئَ بِهِ النّبِيّ ﷺ مِنْ النّبُوءَةِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابن إسحق: ما بدىء بِهِ النّبِيّ- ﷺ مِنْ النّبُوءَةِ، إذْ كَانَ لَا يَمُرّ بِحَجَرِ، وَلَا شَجَرٍ إلّا قَالَ: السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ الله «٢» ، وَفِي مُصَنّفِ التّرْمِذِيّ وَمُسْلِمٍ أَيْضًا أَنّ رسول الله- ﷺ قال: إنّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكّةَ كَانَ يُسَلّمُ عَلَيّ قَبْلَ أَنْ يُنَزّلَ عَلَي، وَفِي بَعْضِ الْمُسْنَدَاتِ زِيَادَةُ أَنّ هَذَا الْحَجَرَ الّذِي كَانَ يُسَلّمُ عَلَيْهِ هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَهَذَا التّسْلِيمُ: الْأَظْهَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وَأَنْ يَكُونَ اللهُ أَنْطَقَهُ إنْطَاقًا كَمَا خَلَقَ الْحَنِينَ فِي الْجِذْعِ «٣» ، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْكَلَامِ الّذِي هُوَ صَوْتٌ وَحَرْفٌ: الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ، لِأَنّهُ صَوْتٌ كسائر الأصوات، والصوت: عرض فى قول

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَكْثَرِينَ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلّا النّظّامُ، فَإِنّهُ زعم أنه جسم، وجعله الأشعرىّ اصطكا كافى الْجَوَاهِرِ بَعْضُهَا لِبَعْضِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطّيّبِ: لَيْسَ الصّوْتُ نَفْسَ الِاصْطِكَاكِ، وَلَكِنّهُ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَيْهِ، وَلِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَهُمَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا، وَلَوْ قَدّرْت الْكَلَامَ صِفَةً قَائِمَةً بنفس الحجر والشّجر، والصوت عيارة عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ مَعَ الْكَلَامِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ: أَيّ ذَلِكَ كَانَ، أَكَانَ كَلَامًا مَقْرُونًا بِحَيَاةِ وَعِلْمٍ، فَيَكُونُ الْحَجَرُ بِهِ مُؤْمِنًا، أَوْ كَانَ صَوْتًا مُجَرّدًا غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِحَيَاةِ؟ وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ هُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النّبُوءَةِ «١» ، وَأَمّا حَنِينُ الْجِذْعِ فَقَدْ سُمّيَ حَنِينًا، وَحَقِيقَةُ الْحَنِينِ يَقْتَضِي شَرْطَ الْحَيَاةِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ تَسْلِيمَ الْحِجَارَةِ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا فِي الْحَقِيقَةِ إلَى مَلَائِكَةٍ يَسْكُنُونَ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ، يُعَمّرُونَهَا، فَيَكُونُ مَجَازًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) «٢» وَالْأَوّلُ أَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَتْ كُلّ صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الصّوَرِ الّتِي ذَكَرْنَاهَا فِيهَا عَلَمٌ عَلَى نُبُوّتِهِ- ﵇ غَيْرَ أَنّهُ لَا يُسَمّى مُعْجِزَةً «٣» فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلّمِينَ إلّا مَا تَحَدّى به الخلق، فعجزوا عن معارضته.

َا عَلَمٌ عَلَى نُبُوّتِهِ- ﵇ غَيْرَ أَنّهُ لَا يُسَمّى مُعْجِزَةً «٣» فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلّمِينَ إلّا مَا تَحَدّى به الخلق، فعجزوا عن معارضته.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَدْلُولُ تَفَعّلَ: وَذَكَرَ حَدِيثَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أن رسول الله- ﷺ كَانَ يُجَاوِرُ بِغَارِ حِرَاءٍ «١» وَيَتَحَنّثُ فِيهِ، قَالَ: والتّحنّث: التّبرّر. تَفَعّلٌ مِنْ الْبِرّ، وَتَفَعّلَ: يَقْتَضِي الدّخُولَ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِيهَا مِثْلُ: تَفَقّهَ وَتَعَبّدَ وَتَنَسّكَ وَقَدْ جَاءَتْ فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ تُعْطِي الْخُرُوجَ عَنْ الشّيْءِ وَاطّرَاحِهِ، كَالتّأَثّمِ وَالتّحَرّجِ. وَالتّحَنّثُ بِالثّاءِ الْمُثَلّثَةِ «٢» ، لِأَنّهُ مِنْ الْحِنْثِ، وَهُوَ الْحِمْلُ الثّقيل، وكذلك

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التّقَذّرُ، إنّمَا هُوَ تَبَاعُدٌ عَنْ الْقَذَرِ، وَأَمّا التّحَنّفُ بِالْفَاءِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ التّبَرّرِ؛ لِأَنّهُ مِنْ الْحَنِيفِيّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ، وَإِنْ كَانَ الْفَاءُ مُبْدَلَةً مِنْ الثّاءِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ التّقَذّرِ وَالتّأَثّمِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ، وَاحْتَجّ بِجَدَفٍ وَجَدَثٍ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ رُؤْبَةَ: لَوْ كَانَ أَحْجَارِي مَعَ الْأَجْدَافِ، وَفِي بَيْتِ رُؤْبَةَ هَذَا شَاهِدٌ وَرَدّ عَلَى ابْنِ جِنّي حَيْثُ زَعَمَ فِي سِرّ الصّنَاعَةِ أَنّ جَدَفَ بِالْفَاءِ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَجْدَافٍ، وَاحْتَجّ بِهَذَا لِمَذْهَبِهِ فِي أَنّ الثّاءَ هِيَ الْأَصْلُ، وَقَوْلُ رُؤْبَةَ «١» رَدّ عَلَيْهِ، وَاَلّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أَنّ الْفَاءَ هِيَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، لِأَنّهُ مِنْ الْجَدْفِ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ مِجْدَافُ السّفِينَةِ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ فِي وَصْفِ الْجِنّ: شَرَابُهُمْ الْجَدَفُ وَهِيَ الرّغْوَةُ، لأنها تجدف من الْمَاءِ، وَقِيلَ: هِيَ نَبَاتٌ يُقْطَعُ وَيُؤْكَلُ.

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ فِي وَصْفِ الْجِنّ: شَرَابُهُمْ الْجَدَفُ وَهِيَ الرّغْوَةُ، لأنها تجدف من الْمَاءِ، وَقِيلَ: هِيَ نَبَاتٌ يُقْطَعُ وَيُؤْكَلُ. وَقِيلَ: كُلّ إنَاءٍ كُشِفَ عَنْهُ غِطَاؤُهُ: جَدَفٌ، وَالْجَدَفُ: الْقَبْرُ مِنْ هَذَا، فَلَهُ مَادّةٌ وَأَصْلٌ فِي الِاشْتِقَاقِ، فَأَجْدَرُ بِأَنْ تَكُونَ الْفَاءُ هِيَ الْأَصْلَ وَالِثَاءُ دَاخِلَةً عَلَيْهَا. «٢» حَوْلَ مُجَاوَرَتِهِ فِي حِرَاءٍ: وَقَوْلُهُ: يُجَاوِرُ فِي حِرَاءٍ إلَى آخِرِ الْكَلَامِ. الجوار بالكسر فى معنى المجاورة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَهِيَ الِاعْتِكَافُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجِوَارِ وَالِاعْتِكَافِ إلّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إلّا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، وَالْجِوَارَ قَدْ يَكُونُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُسَمّ جِوَارُهُ بِحِرَاءِ اعْتِكَافًا، لِأَنّ حِرَاءَ لَيْسَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَكِنّهُ مِنْ جِبَالِ الْحَرَمِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الّذِي نَادَى رَسُولَ اللهِ- ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ ثَبِيرٌ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِهِ: اهْبِطْ عَنّي؛ فَإِنّي. أَخَافُ أَنْ تُقْتَلَ عَلَى ظَهْرِي فَأُعَذّبُ، فَنَادَاهُ حِرَاءٌ: إلَيّ إلَيّ يَا رَسُولَ اللهِ «١» . كَيْفِيّةُ الْوَحْيِ: فَصْل: وَذَكَرَ نُزُولَ جِبْرِيلَ عَلَى رسول الله- ﷺ قال: فِي الْحَدِيثِ: فَأَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَهَبَبْت مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنّمَا كَتَبْت فِي قَلْبِي كِتَابًا، وَلَيْسَ ذِكْرُ النّوْمِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَا غَيْرِهَا، بَلْ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ.

ْت مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنّمَا كَتَبْت فِي قَلْبِي كِتَابًا، وَلَيْسَ ذِكْرُ النّوْمِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَا غَيْرِهَا، بَلْ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ. عَنْ عَائِشَةَ مَا يَدُلّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنّ نُزُولَ جِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَ بِسُورَةِ اقْرَأْ، كَانَ فِي الْيَقِظَةِ؛ لِأَنّهَا قَالَتْ فِي أَوّلِ الْحَدِيثِ: أول ما بدىء به رسول الله- ﷺ: الرّؤْيَا الصّادِقَةُ، كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصّبْحِ، ثُمّ حَبّبَ اللهُ إلَيْهِ الْخَلَاءَ- إلَى قَوْلِهَا- حَتّى جَاءَهُ الْحَقّ، وَهُوَ بِغَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ. فَذَكَرَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ الرّؤْيَا كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَى النّبِيّ- ﵇ بِالْقُرْآنِ، وَقَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنّ النّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ- عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَاءَهُ جِبْرِيلُ فِي الْمَنَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي الْيَقِظَةِ تَوْطِئَةً وَتَيْسِيرًا عليه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَرِفْقًا بَهْ، لِأَنّ أَمْرَ النّبُوءَةِ عَظِيمٌ، وَعِبْؤُهَا ثَقِيلٌ، وَالْبَشَرُ ضَعِيفٌ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ مَقَالَةِ الْعُلَمَاءِ مَا يُؤَكّدُ هَذَا وَيُصَحّحُهُ، قد ثَبَتَ بِالطّرُقِ الصّحَاحِ عَنْ عَامِرٍ الشّعْبِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ- ﷺ وُكّلَ بَهْ إسْرَافِيلُ، فَكَانَ يَتَرَاءَى لَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَيَأْتِيهِ بِالْكَلِمَةِ مِنْ الْوَحْيِ وَالشّيْءِ «١» ثُمّ وُكّلَ بَهْ جِبْرِيلُ فَجَاءَهُ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيْهِ- ﷺ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمِنْهَا: النّوْمُ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ أيضا: أول ما بدىء به رسول الله- ﷺ: الرّؤْيَا الصّادِقَةُ «٢» وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ الصّافّاتُ: ١٠٢، فَدَلّ عَلَى أَنّ الْوَحْيَ كَانَ يَأْتِيهِمْ فِي الْمَنَامِ، كَمَا يَأْتِيهِمْ فِي الْيَقَظَةِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَنْفُثَ فِي رَوْعِهِ الْكَلَامَ نَفْثًا، كَمَا قَالَ ﵇: إنّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ، حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجلها ورزقها،

َ فِي رَوْعِهِ الْكَلَامَ نَفْثًا، كَمَا قَالَ ﵇: إنّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ، حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجلها ورزقها،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَاتّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطّلَبِ «١» . وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسّرِينَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً الشّورَى: ٥١. قَالَ هُوَ أَنْ يَنْفُثَ فِي رَوْعِهِ بِالْوَحْيِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَأْتِيَهُ الْوَحْيُ فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ «٢» ، وَهُوَ أَشَدّهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إنّ ذَلِكَ لَيَسْتَجْمِعُ قَلْبُهُ عِنْدَ تِلْكَ الصّلْصَلَةَ، فَيَكُونُ أَوْعَى لِمَا يَسْمَعُ، وَأَلْقَنِ لِمَا يَلْقَى. وَمِنْهَا: أَنْ يَتَمَثّلَ لَهُ الْمَلَكُ رَجُلًا، فَقَدْ كَانَ يَأْتِيهِ فى صورة دحية «٣» بن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَلِيفَةَ، وَيُرْوَى أَنّ دِحْيَةَ إذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ تَبْقَ مُعْصِرٌ «١» إلّا خَرَجَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ لِفَرْطِ جَمَالِهِ. وَقَالَ ابْنُ سَلّامٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً الْجُمُعَةُ: ١١. قَالَ: كَانَ اللهْوُ نَظَرَهُمْ إلَى وَجْهِ دِحْيَةَ لِجَمَالِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيلُ فِي صُورَتِهِ الّتِي خَلَقَهُ اللهُ فِيهَا، لَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاحٍ، يَنْتَشِرُ مِنْهَا اللّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ. وَمِنْهَا: أَنْ يُكَلّمَهُ اللهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ: إمّا فِي الْيَقَظَةِ كَمَا كَلّمَهُ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَإِمّا فِي النّوْمِ، كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الّذِي رَوَاهُ التّرْمِذِيّ، قَالَ: أَتَانِي رَبّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، فَقُلْت:

فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الّذِي رَوَاهُ التّرْمِذِيّ، قَالَ: أَتَانِي رَبّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، فَقُلْت: لَا أَدْرِي. فَوَضَعَ كَفّهُ بَيْنَ كَتِفَيْ، فَوَجَدَتْ بَرْدَهَا بَيْنَ ثُنْدُوَتَيّ «٢» وَتَجَلّى لِي عَلَمُ كُلّ شَيْءٍ، وَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، فَقُلْت: فِي الْكَفّارَاتِ، فَقَالَ: وَمَا هُنّ!؟ فَقُلْت: الْوُضُوءُ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ، وَنَقْلُ الْأَقْدَامِ إلَى الْحَسَنَاتِ، وَانْتِظَارُ الصّلَوَاتِ بَعْدَ الصّلَوَاتِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ حَمِيدًا، وَمَاتَ حَمِيدًا، وَكَانَ مِنْ ذَنْبِهِ كَمَنْ وَلَدَتْهُ أُمّهُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ «٣» . فَهَذِهِ سِتّةُ أَحْوَالٍ، وَحَالَةُ سَابِعَةٌ قَدْ قَدّمْنَا ذكرها، وهى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نزول إسرافيل عليه بكلمات من الوحى قبل جِبْرِيلُ «١» فَهَذِهِ سَبْعُ صُوَرٍ فِي كَيْفِيّةِ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى مُحَمّدٍ- ﷺ لَمْ أَرَ أَحَدًا جَمَعَهَا كَهَذَا الْجَمْعِ، وَقَدْ اسْتَشْهَدْنَا عَلَى صِحّتهَا بِمَا فِيهِ غنية، وَقَدْ أَمْلَيْنَا أَيْضًا فِي حَقِيقَةِ رُؤْيَتِهِ ﵇ رَبّهُ فِي الْمَنَامِ عَلَى أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَيُرْوَى: على صورة شاب مسئلة بَدِيعَةٌ كَاشِفَةٌ لِقِنَاعِ اللّبْسِ، فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ. مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ الْوَحْيِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ بِنَمَطِ «٢» مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسّرِينَ فِي قوله: (الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ) إنّهَا إشَارَةٌ إلَى الْكِتَابِ الّذِي جَاءَهُ بِهِ جِبْرِيلُ حِينَ قَالَ: اقْرَأْ، وَفِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذِهِ، مِنْهَا: أَنّهَا إشَارَةٌ إلَى مَا تَضَمّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: الم؛ لِأَنّ هَذِهِ الْحُرُوفُ. الْمُقَطّعَةُ تَضَمّنَتْ مَعَانِيَ الْكِتَابِ كُلّهِ، فَهِيَ كَالتّرْجَمَةِ له.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَعْنَى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ: وَقَوْلِهِ: مَا أَنَا بقارىء، أَيْ: إنّي أُمّيّ، فَلَا أَقْرَأُ الْكُتُبَ، قَالَهَا «١» ثَلَاثًا فَقِيلَ لَهُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ، أَيْ: إنّك لَا تَقْرَؤُهُ بِحَوْلِك، وَلَا بِصِفّةِ نَفْسِك، وَلَا بِمَعْرِفَتِك، وَلَكِنْ اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ «٢» رَبّك مُسْتَعِينًا بِهِ، فَهُوَ يُعَلّمُك كَمَا خَلَقَك وَكَمَا نزع عنك علق الدم، ومعمز الشيطان بعد ما خَلَقه فِيك، كَمَا خَلَقَهُ فِي كُلّ إنْسَانٍ. وَالْآيَتَانِ المتقدمتان لِمُحَمّدِ، وَالْآخِرَتَانِ: لِأُمّتِهِ، وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) لِأَنّهَا كَانَتْ أُمّةٌ أُمّيّةٌ لَا تَكْتُبُ، فَصَارُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَأَصْحَابَ قَلَمٍ، فَتَعَلّمُوا الْقُرْآنَ بِالْقَلَمِ، وَتَعَلّمَهُ نَبِيّهُمْ تَلْقِينًا مِنْ جِبْرِيلَ نَزّلَهُ عَلَى قَلْبِهِ بِإِذْنِ اللهِ، لِيَكُونَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ. حَوْلَ بِسْمِ اللهِ: فَصْلٌ: وَفِي قَوْلِهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ مِنْ الْفِقْهِ: وُجُوبُ اسْتِفْتَاحِ الْقِرَاءَةِ بِبَسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ «٣» ، غَيْرَ أَنّهُ أَمْرٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُبَيّنْ لَهُ بِأَيّ اسْمٍ مِنْ أَسَمَاء ربه يفتتح،

ْتَاحِ الْقِرَاءَةِ بِبَسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ «٣» ، غَيْرَ أَنّهُ أَمْرٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُبَيّنْ لَهُ بِأَيّ اسْمٍ مِنْ أَسَمَاء ربه يفتتح،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَتّى جَاءَ الْبَيَانُ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها) هُود: ٤١ ثُمّ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) النّمْلُ: ٣٠. ثُمّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ بِبَسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مَعَ كُلّ سُورَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي سَوَادِ الْمُصْحَفِ بِإِجْمَاعِ مِنْ الصّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ مُصْحَفِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيّ، فَشُذُوذٌ، فَهِيَ عَلَى هَذَا مِنْ الْقُرْآنِ، إذْ لَا يُكْتَبُ فِي الْمُصْحَفِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنِ، وَلَا يَلْتَزِمُ قَوْلُ الشّافِعِيّ أَنّهَا آيَةٌ مِنْ كُلّ سُورَةٍ، وَلَا أَنّهَا آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ، بَلْ نَقُولُ: إنّهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، مُقْتَرِنَةٌ مَعَ السّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ بَيْنَ الْقُوّةِ لِمَنْ أَنْصَفَ، وَحِينَ نَزَلَتْ بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ سَبّحَتْ الْجِبَالُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَ مُحَمّدٌ الْجِبَالَ «١» ذَكَرَهُ النّقّاشُ، وَإِنْ صَحّ مَا ذَكَرَهُ، فَلِمَعْنَى مَا سَبّحَتْ عِنْدَ نُزُولِهَا خَاصّةً، وَذَلِكَ أَنّهَا آيَةٌ أُنْزِلَتْ عَلَى آلِ دَاوُد، وَقَدْ كَانَتْ الْجِبَالُ تُسَبّحُ مَعَ دَاوُد، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ) ص: ١٨ وَقَالَ: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) النّمْلُ: ٣٠. وَفِي الْحَدِيثِ ذَكَرَ نَمَطَ الدّيبَاجِ مِنْ الْكِتَابِ، وَفِيهِ دليل وإشارة إلى

نَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) النّمْلُ: ٣٠. وَفِي الْحَدِيثِ ذَكَرَ نَمَطَ الدّيبَاجِ مِنْ الْكِتَابِ، وَفِيهِ دليل وإشارة إلى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَنّ هَذَا الْكِتَابَ يُفْتَحُ عَلَى أُمّتِهِ مُلْكَ الْأَعَاجِمِ، وَيَسْلُبُونَهُمْ الدّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ الّذِي كَانَ زَيّهُمْ وَزِينَتَهُمْ، وَبَهْ أَيْضًا يُنَالُ مُلْكُ الْآخِرَةِ وَلِبَاسُ الْجَنّةِ وَهُوَ الْحَرِيرُ وَالدّيبَاجُ «١» ، وَفِي سِيَرِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَسِيَرِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ زِيَادَةٌ، وهو أن جبريل أتاه بدر نوك «٢» مِنْ دِيبَاجٍ مَنْسُوجٍ بِالدّرّ وَالْيَاقُوتِ، فَأَجْلَسَهُ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنّ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ قَالَ: بِبِسَاطِ، ولم يقل: درنوك، وقال فى سير ابْنُ الْمُعْتَمِرِ: أَنّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْهِ: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) الْآيَاتِ، كَأَنّهُ يُشِيرُ بِهِ، فَمَسَحَ جِبْرِيلُ صَدْرَهُ، وَقَالَ: اللهُمّ اشْرَحْ صَدْرَهُ، وَارْفَعْ ذِكْرَهُ، وَضَعْ عنه وزره، ويصحح مارواه ابْنُ الْمُعْتَمِرِ أَنّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْهِ: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) الْآيَاتِ، كَأَنّهُ يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ الدّعَاءِ الّذِي كَانَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ «٣» . الْغَطّ: وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: فَغَطّنِي «٤» ، وَيُرْوَى: فَسَأَبَنِي، وَيُرْوَى: سأتني، وَأَحْسَبُهُ أَيْضًا يُرْوَى: فَذَعَتَنِي «٥» وَكُلّهَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْخَنْقُ وَالْغَمّ، وَمِنْ الذّعْتِ حَدِيثُهُ الْآخَرُ: أَنّ الشّيْطَانَ عَرَضَ لَهُ، وَهُوَ يُصَلّي قَالَ: فَذَعْتهُ، حَتّى وَجَدْت بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدَيْ، ثُمّ ذَكَرْت قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانُ: (وَهَبْ لِي مُلْكاً)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) الْحَدِيثُ «١» ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ إظْهَارٌ لِلشّدّةِ وَالْجَدّ فِي الْأَمْرِ، وَأَنْ يَأْخُذَ الْكِتَابَ بِقُوّةِ؛ وَيَتْرُكُ الْأَنَاةَ فَإِنّهُ أَمْرٌ لَيْسَ بِالْهُوَيْنَى، وَقَدْ انْتَزَعَ بَعْضُ التّابِعِينَ وَهُوَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي مِنْ هَذَا: ألا يضرب الصبى على القرآن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلّا ثَلَاثًا كَمَا غَطّ جِبْرِيلُ ﵇ مُحَمّدًا- ﷺ ثَلَاثًا، وَعَلَى رواية ابن إسحق أَنّ ذَلِكَ فِي نَوْمِهِ كَانَ «١» ، يَكُونُ فِي تِلْكَ الْغَطّاتِ الثّلَاثِ مِنْ التّأْوِيلِ ثَلَاثُ شَدَائِدَ، يُبْتَلَى بِهَا أَوّلًا، ثُمّ يَأْتِي الْفَرَجُ وَالرّوحُ، وَكَذَلِك كَانَ لَقِيَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، شِدّةً مِنْ الْجُوعِ فِي شِعْبِ الْخَيْفِ، حِينَ تَعَاقَدَتْ قُرَيْشٌ ألّا يبيعوا منهم، ولا يتركوا مبرة تصل إليهم، وشدة أخرى من الخوف والإبعاد بِالْقَتْلِ، وَشِدّةٌ أُخْرَى مِنْ الْإِجْلَاءِ عَنْ أَحَبّ الْأَوْطَانِ إلَيْهِ، ثُمّ كَانَتْ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ. مَا أَنَا بِقَارِئِ: وَقَوْلُهُ فى حديث ابن إسحق: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَقْرَأُ، يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامًا، يُرِيدُ: أَيّ شَيْءٍ أَقْرَأُ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَفْيًا، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمٍ تَدُلّ عَلَى أَنّهُ أَرَادَ النّفْيَ، أَيْ: مَا أُحْسِنُ أَنْ أَقْرَأَ، كَمَا تَقَدّمَ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أنا بقارىء «٢»

َةُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمٍ تَدُلّ عَلَى أَنّهُ أَرَادَ النّفْيَ، أَيْ: مَا أُحْسِنُ أَنْ أَقْرَأَ، كَمَا تَقَدّمَ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أنا بقارىء «٢»

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رُؤْيَةُ جِبْرِيلَ وَمَعْنَى اسْمِهِ: وَذَكَرَ رُؤْيَتَهُ لِجِبْرِيلَ، وَهُوَ صَافّ قَدَمَيْهِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنّهُ رَآهُ عَلَى رَفْرَفٍ «١» بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَيُرْوَى: عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيّ الّذِي ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْجَامِعِ أَنّهُ حين فترعنه الْوَحْيُ، كَانَ يَأْتِي شَوَاهِقَ الْجِبَالِ يُهِمّ بِأَنْ يُلْقِي نَفْسَهُ مِنْهَا، فَكَانَ جِبْرِيلُ يَتَرَاءَى لَهُ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ. وَاسْمُ جِبْرِيلَ سُرْيَانِيّ، وَمَعْنَاهُ: عَبْدُ الرّحْمَنِ، أَوْ عَبْدُ الْعَزِيزِ. هَكَذَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا أَيْضًا، وَالْوَقْفُ أَصْلُهُ. وَأَكْثَرُ النّاسِ عَلَى أَنّ آخِرَ الِاسْمِ مِنْهُ هُوَ اسْمُ اللهِ، وَهُوَ: إيّلُ، وَكَانَ شَيْخُنَا ﵀ يَذْهَبُ مَذْهَبِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إضَافَتُهَا مَقْلُوبَةٌ، وَكَذَلِكَ الْإِضَافَةُ فِي كَلَامِ الْعَجَمِ، يَقُولُونَ فِي غُلَامِ زَيْدٍ: زَيْدٌ غُلَامٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إيل عَبّارَةً عَنْ الْعَبْدِ، وَيَكُونُ أَوّلَ الِاسْمِ عَبّارَةً عَنْ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، كَمَا تَقُولُ: عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ، أَلَا تَرَى أَنّ لَفْظَ عَبْدٍ يَتَكَرّرُ بِلَفْظِ وَاحِدٍ، وَالْأَسْمَاءُ أَلْفَاظُهَا مُخْتَلِفَةٌ. حَوْلَ مَعْنَى إلْ وَخَرَافَةُ الرّهْبَانِ: وَأَمّا إلْ بِالتّشْدِيدِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلّا وَلَا ذِمّةً) التوبة: ١٠ فحذار

َا مُخْتَلِفَةٌ. حَوْلَ مَعْنَى إلْ وَخَرَافَةُ الرّهْبَانِ: وَأَمّا إلْ بِالتّشْدِيدِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلّا وَلَا ذِمّةً) التوبة: ١٠ فحذار

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَذَارِ مِنْ أَنْ تَقُولَ فِيهِ: هُوَ اسْمُ «١» اللهِ، فَتُسَمّي اللهَ بِاسْمِ لَمْ يُسَمّ بِهِ نَفْسَهُ أَلَا تَرَى أَنّ جَمِيعَ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى مُعَرّفَةٌ، و «إلّ» نَكِرَةٌ، وَحَاشَا لِلّهِ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ نَكِرَةً، وَإِنّمَا الْأَلّ كُلّ ماله حُرْمَةٌ وَحَقّ، فَمِمّا لَهُ حَقّ وَيَجِبُ تَعْظِيمُهُ: الْقَرَابَةُ وَالرّحِمُ وَالْجِوَارُ وَالْعَهْدُ، وَهُوَ مِنْ أَلَلْت: إذَا اجْتَهَدْت فِي الشّيْءِ وَحَافَظْت عَلَيْهِ، وَلَمْ تُضَيّعْهُ، وَمِنْهُ: الْأَلّ فِي السّيْرِ وَهُوَ الْجَدّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ [يَصِفُ رَجُلًا] . وَأَنْتَ مَا أنت فى غبراء مجدبة ... إذادعت أَلَلَيْهَا الْكَاعِبُ الْفُضُلُ «٢» يُرِيدُ: اجْتَهَدْت فِي الدّعَاءِ، وَإِذَا كَانَ الْأَلّ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرَ، فَالْإِلّ بِالْكَسْرِ: الاسم كالذّبح من الذّبْحِ، فَهُوَ إذًا الشّيْءُ الْمُحَافَظُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الصّدّيقِ: [عَنْ كَلَامِ مُسَيْلِمَةَ] : هَذَا كَلَامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إلّ وَلَا بِرّ، أَيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْ رُبُوبِيّةٍ، لِأَنّ الرّبُوبِيّةَ حَقّهَا وَاجِبٌ مُعَظّمٌ، وَكَذَلِكَ فَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَاتّفِقَ فِي اسْمِ جِبْرِيلَ ﵇ أَنّهُ مُوَافِقٌ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيّةِ لِمَعْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيّا، فَإِنّ الْجَبْرَ هُوَ إصْلَاحُ مَا وَهَى، وَجِبْرِيلُ مُوَكّلٌ بِالْوَحْيِ، وَفِي الْوَحْيِ إصْلَاحُ مَا فَسَدَ، وَجَبْرُ مَا وَهَى مِنْ الدّينِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِمَكّةَ وَلَا بِأَرْضِ الْعَرَبِ فَلَمّا أَخْبَرَ النّبِيّ ﷺ خَدِيجَةَ بِهِ انْطَلَقَتْ تسئل مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ كَعَدّاسِ وَنَسْطُور الرّاهِبِ «٣» ، فَقَالَ لَهَا: قُدّوسٌ قُدّوسٌ! أَنّى لِهَذَا الاسم أن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُذْكَرَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، وَقَدْ قَدّمْنَا هَذَا الْخَبَرَ عَنْهَا، وَهُوَ فِي سِيَرِ التيمي لَمّا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ، وَفِي كِتَابِ الْمُعَيّطِي عَنْ أَشْهَبَ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ التّسَمّي بِجِبْرِيلَ أَوْ مَنْ يُسَمّي بِهِ وَلَدَهُ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ. مَعْنَى النّامُوسِ: وَقَوْلُ وَرَقَةَ: لَقَدْ جَاءَهُ النّامُوسُ الْأَكْبَرُ الّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى. النّامُوسُ: صَاحِبُ سِرّ الْمَلَكِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَاحِبُ سِرّ الْخَيْرِ، وَالْجَاسُوسُ: هُوَ صَاحِبُ سِرّ الشّرّ «١» ، وَقَدْ فَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَنْشَدَ: فَأَبْلِغْ يَزِيدَ إنْ عَرَضْت وَمُنْذِرًا ... عَمّهُمَا وَالْمُسْتَشِزّ الْمُنَامِسَا «٢» لِمَ ذُكِرَ مُوسَى وَلَمْ يُذْكَرْ عِيسَى: وَإِنّمَا ذَكَرَ وَرَقَةُ مُوسَى وَلَمْ يَذْكُرْ عِيسَى، وَهُوَ أَقْرَبُ، لِأَنّ وَرَقَةَ كَانَ قَدْ تَنَصّرَ، وَالنّصَارَى لَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى: إنّهُ نَبِيّ يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، إنّمَا يَقُولُونَ فِيهِ: إنّ أُقْنُومًا «٣» مِنْ الْأَقَانِيمِ الثّلَاثَةِ اللّاهُوتِيّةِ حَلّ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ، وَاتّحَدَ بِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُلُولِ، وَهُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ: عِبَارَةٌ عَنْ الْعِلْمِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ، يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَيُخْبِرُ بِمَا فِي غَدٍ، فَلَمّا كَانَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِ النّصَارَى الْكَذَبَةِ عَلَى اللهِ، الْمُدّعِينَ الْمُحَالِ، عدل عن ذكر

لَمُ الْغَيْبَ، وَيُخْبِرُ بِمَا فِي غَدٍ، فَلَمّا كَانَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِ النّصَارَى الْكَذَبَةِ عَلَى اللهِ، الْمُدّعِينَ الْمُحَالِ، عدل عن ذكر

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عِيسَى إلَى ذِكْرِ مُوسَى لِعِلْمِهِ، أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنّ جِبْرِيلَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَى مُوسَى، لَكِنْ وَرَقَةُ قَدْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِمُحَمّدِ ﵇ «١» وَقَدْ قَدّمْنَا حَدِيثَ التّرْمِذِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ- ﷺ رَآهُ فِي الْمَنَامِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. حَوْلَ هَاءِ السّكْتِ وَالْفِعْلِ تُدْرِكُ: وَقَوْلُ وَرَقَةَ: لَتُكَذّبَنّهْ، وَلَتُؤْذَيَنّهْ، وَلَا يُنْطَقُ بِهَذِهِ الْهَاءِ إلّا سَاكِنَةً لِأَنّهَا هَاءُ السّكْتِ، وَلَيْسَتْ بِهَاءِ إضْمَارٍ. وَقَوْلُهُ: إنْ أُدْرِكْ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْصُرْك نَصْرًا مُؤَزّرًا، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: إنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنّ وَرَقَةَ سَابِقٌ بِالْوُجُودِ، وَالسّابِقُ هُوَ الّذِي يُدْرِكُهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَشْقَى النّاسِ مَنْ أَدْرَكَتْهُ السّاعَةُ وَهُوَ حَيّ، وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَيْضًا لَهَا وجه، لأن المعنى: أنرى ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَسَمّى رُؤْيَتَهُ إدْرَاكًا، وَفِي التّنْزِيلِ:

اعَةُ وَهُوَ حَيّ، وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَيْضًا لَهَا وجه، لأن المعنى: أنرى ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَسَمّى رُؤْيَتَهُ إدْرَاكًا، وَفِي التّنْزِيلِ:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أَيْ: لَا تَرَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَقَوْلُهُ: مُؤَزّرًا مِنْ الْأَزْرِ وَهُوَ الْقُوّةُ وَالْعَوْنُ. شَرْحُ: أو مخرجى؟: فَصْلٌ: وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ- ﷺ قال لورقة: أو مخرجىّ هم. لابدّ مِنْ تَشْدِيدِ الْيَاءِ فِي مُخْرِجِيّ، لِأَنّهُ جَمْعٌ، وَالْأَصْلُ مُخْرِجُوِيَ فَأُدْغِمَتْ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ «١» وَهُوَ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مُقَدّمٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُبْتَدَأُ اسْمًا ظاهر الجاز تَخْفِيفُ الْيَاءِ، وَيَكُونُ الِاسْمُ الظّاهِرُ فَاعِلًا لَا مُبْتَدَأً، كَمَا تَقُولُ: أَضَارِبٌ قَوْمُك، أَخَارِجٌ إخْوَتُك فَتَفَرّدَ، لِأَنّك رَفَعْت بِهِ فَاعِلًا، وَهُوَ حَسَنٌ فِي مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشِ، وَلَوْلَا الِاسْتِفْهَامُ مَا جَازَ الْإِفْرَادُ إلّا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، فَإِنّهُ يَقُولُ: قَائِمٌ الزّيْدُون دُونَ اسْتِفْهَامٍ، فَإِنْ كَانَ الِاسْمُ الْمُبْتَدَأُ مِنْ الْمُضَمّرَاتِ نَحْوُ: أَخَارِجٌ أَنْتَ، وَأَقَائِمٌ هُوَ؟ لَمْ يَصِحّ فِيهِ إلّا الِابْتِدَاءُ، لِأَنّ الْفَاعِلَ إذَا كَانَ مُضْمَرًا لَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا لَا تَقُولُ: قَامَ أَنَا، وَلَا ذَهَبَ أنت

ُوَ؟ لَمْ يَصِحّ فِيهِ إلّا الِابْتِدَاءُ، لِأَنّ الْفَاعِلَ إذَا كَانَ مُضْمَرًا لَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا لَا تَقُولُ: قَامَ أَنَا، وَلَا ذَهَبَ أنت

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَذَلِكَ لَا تَقُولُ: أَذَاهِبٌ أَنْتَ عَلَى حَدّ الْفَاعِلِ وَلَكِنْ عَلَى الْمُبْتَدَإِ، وَإِذَا كَانَ عَلَى حد المبتدأ، فلابد مِنْ جَمْعِ الْخَبَرِ، فَعَلَى هَذَا تَقُولُ: أَمُخْرِجِيّ هم، تريد: مخرجون، ثم أضفت إلَى الْيَاءِ، وَحُذِفَتْ النّونُ، وَأُدْغِمَتْ الْوَاوُ كَمَا يَقْتَضِي الْقِيَاسُ. حَوْلَ الْيَافُوخِ وَالذّهَابِ إلَى وَرَقَةَ: فَصْلٌ: وَذُكِرَ أَنّ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ لَقِيَ النّبِيّ ﵇، فَقَبّلَ يَافُوخَهُ قَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ الْيَافُوخِ، وَأَنّهُ يَفْعُولُ مَهْمُوزٌ، وَأَنّهُ لَا يُقَالُ فِي رَأْسِ الطّفْلِ يَافُوخٌ حَتّى يَشْتَدّ وَإِنّمَا يُقَالُ لَهُ: الْغَاذِيَةُ، وَذَكَرْنَا قَوْلَ الْعَجّاجِ: ضَرْبٌ إذَا أَصَابَ الْيَآفِيخَ حَفَرٌ. وَلَوْ كَانَ يَافُوخٌ فَاعُولًا، كَمَا ظَنّ بَعْضُهُمْ لَمْ يَجُزْ هَمْزُهُ فِي الْوَاحِدِ. وَلَا فِي الْجَمْعِ «١» وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ بِسَنَدِهِ إلَى أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ «٢» أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَسَلَّمَ. قَالَ لِخَدِيجَةَ: إنّي إذَا خَلَوْت وَحْدِي سَمِعْت نِدَاءً، وَقَدْ خَشِيت وَاَللهِ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا أَمْرٌ. قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ مَا كَانَ الله ليفعل ذلك بك. فو الله إنّك لَتُؤَدّي الْأَمَانَةَ وَتَصِلُ الرّحِمَ. وَتُصَدّقُ الْحَدِيثَ، فلما دخل أبوبكر، وَلَيْسَ [عِنْدَهَا] رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمّ ذَكَرَتْ خَدِيجَةُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا عَتِيقُ اذْهَبْ مَعَ مُحَمّدٍ إلَى وَرَقَةَ، فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ أخذ أبوبكر بِيَدِهِ. فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ. فَقَالَ: وَمَنْ أَخْبَرَك؟ قَالَ: خَدِيجَةُ، فَانْطَلَقَا إلَيْهِ، فَقَصّا عَلَيْهِ، فَقَالَ: إنّي إذَا خَلَوْت وَحْدِي سَمِعْت نِدَاءً خَلْفِي: يَا مُحَمّدُ يَا مُحَمّدُ، فَأَنْطَلِقُ هَارِبًا فِي الْأَرْضِ. فَقَالَ لَهُ: لا تفعل، إذا أتاك فائبت، حَتّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ لَك. ثُمّ ائْتِنِي، فَأَخْبَرَنِي، فَلَمّا خَلَا نَادَاهُ: يَا مُحَمّدُ قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ. حَتّى بَلَغَ: وَلَا الضّالّينَ. قُلْ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ. فَأَتَى وَرَقَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ له، فقال له ورقة: أَبْشِرْ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنّك الّذِي بَشّرَ بِهِ ابْنُ مَرْيَمَ، وَأَنّك عَلَى مِثْلِ نَامُوسِ مُوسَى، وَأَنّك نَبِيّ مُرْسَلٌ، وَأَنّك سَتُؤْمَرُ بِالْجِهَادِ بَعْدَ يَوْمِك هَذَا. وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ لَأُجَاهِدَنّ مَعَك. فَلَمّا تُوُفّيَ وَرَقَةُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَدْ رَأَيْت الْقَسّ فِي الْجَنّةِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ الْحَرِيرِ، لِأَنّهُ آمَنْ بِي وصدقنى، يعنى: ورقة، وفى رواية

Bagian 20 dari 88