سيرة ابن هشام

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya عبد الملك بن هشام (w. 213 H). Tahqiq: طه عبد الرؤوف سعد.

Bagian 14 dari 23 594 halaman

— Bagian 14 · لِأَنَّهُمْ ظُلموا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ … —

Bagian 14

لِأَنَّهُمْ ظُلموا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، إلَّا أَنَّ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وَأَنَّهُمْ إذَا ظَهَرُوا أَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوْا الزَّكَاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وأصحابَه ﵃ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَيْهِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ، أَيْ: حَتَّى لَا يفتَن مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] أَيْ: حَتَّى يُعبد اللَّهُ، لَا يُعبد مَعَهُ غيره. الإذن لمسلمي مكة بالهجرة إلى المدينة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ﷺ فِي الْحَرْبِ، وَبَايَعَهُ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ والنُّصْرة لَهُ وَلِمَنْ اتَّبَعَهُ، وَأَوَى إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنْ مَعَهُ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَدِينَةِ وَالْهِجْرَةِ إلَيْهَا، وَاللُّحُوقِ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ بِهَا، فَخَرَجُوا أرْسالًا١، وَأَقَامَ رسول الله ﷺ بمكة يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رُّبه فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ، وَالْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ. ذِكْرُ الْمُهَاجِرِينَ إلى المدينة: فَكَانَ أولُ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو سَلمة بْنُ عَبْدِ الأسَد بْنِ هِلَالِ بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ، هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ بَيعة أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ بِسَنَةٍ، وَكَانَ قَدِمَ عَلَى رسول الله ﷺ مكة مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا آذَتْهُ قُرَيْشٌ، وَبَلَغَهُ إسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَنْصَارِ، خَرَجَ إلَى المدينة مهاجرًا.

رسول الله ﷺ مكة مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا آذَتْهُ قُرَيْشٌ، وَبَلَغَهُ إسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَنْصَارِ، خَرَجَ إلَى المدينة مهاجرًا. قال ابن إسحاق: حدثني أَبِي: إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمر بْنِ أَبِي سَلَمة عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالت: لما أجمع أبي سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ رحَّل لِي بَعِيرَهُ ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجَ بي يقود بعيرَه، فَلَمَّا رَأَتْهُ رجالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا: هَذِهِ نَفْسُكَ غلبتَنا عَلَيْهَا، أرأيتَ صَاحِبَتَكَ هَذِهِ؟ علامَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ؟ قَالَتْ: فَنَزَعُوا خطامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذُونِي مِنْهُ قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، رهْط أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالُوا: لَا وَاَللَّهِ، لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا. قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا بُنَيَّ سَلَمة بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الأسد، وحبسني بنو المغيرة

هَا مِنْ صَاحِبِنَا. قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا بُنَيَّ سَلَمة بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الأسد، وحبسني بنو المغيرة

عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمة إلَى الْمَدِينَةِ. قَالَتْ: فَفَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بالأبطَح، فلا أَزَالُ، أَبْكِي، حَتَّى أَمْسَى: سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ. أَلَا تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ، فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا! قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكَ إنْ شئتِ. قَالَتْ: وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إليَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي. قَالَتْ: فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي ثُمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خلق الله. قالت: أتبلَّغ بِمَنْ لَقِيتُ حَتَّى أقْدُمَ عَلَيَّ زَوْجِي، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ١ لَقِيتُ عثمانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لِي: إلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أوَما معكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَا والله، إلا الله ثم بنيَّ هَذَا.

َ أَبِي أُمَيَّةَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أوَما معكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَا والله، إلا الله ثم بنيَّ هَذَا. قَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكَ مِنْ مَتْرك، فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ، فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي بِي، فَوَاَللَّهِ مَا صَحِبْتُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطُّ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي؛ حَتَّى إذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي؟ فحطَّ عَنْهُ، ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرَةِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنِّي إلَى شَجَرَةٍ، فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا، فَإِذَا دَنَا الرَّواحُ، قَامَ إلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فرَحله ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، وَقَالَ: ارْكَبِي، فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بعيري أتى فأخذه بخطامِه فقاده، حتى ينزل بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرو بْنِ عَوْف بقُباء، قَالَ: زوجُك فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ. قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ أهلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ كَانَ أكرمَ مِنْ عُثْمَانَ بن طلحة٢.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ أَبِي سَلَمَةَ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَة بْنِ غَانِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْف بْنِ عُبَيد بْنِ عَدي بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ عَبْدُ الله بن جَحْش بن رِئاب بن يَعْمُر بْنِ صَبرة بْنِ مُرة بْنِ كَثِيرِ بْنِ غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزَيمة، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، احْتَمَلَ بِأَهْلِهِ وَبِأَخِيهِ عَبْدِ بْنِ جَحْش، وَهُوَ أَبُو أَحْمَدَ وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَكَانَ يَطُوفُ مَكَّةَ، أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، بِغَيْرِ قَائِدٍ، وكان شاعرًا، وكانت عنده الفَرْعَة بنت أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فغُلِّقت دَارُ بَنِي جَحْش١ هِجْرَةً، فَمَرَّ بِهَا عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهِيَ دَارُ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ الْيَوْمَ الَّتِي بالردْم، وَهُمْ مُصعِدون إلَى أَعَلَى مَكَّةَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ تخفقَ أبوابُها يَبابًا٢ لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَلَمَّا رَآهَا كَذَلِكَ تَنَفَّسَ الصُّعَداء، ثُمَّ قَالَ:

َ، فَنَظَرَ إلَيْهَا عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ تخفقَ أبوابُها يَبابًا٢ لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَلَمَّا رَآهَا كَذَلِكَ تَنَفَّسَ الصُّعَداء، ثُمَّ قَالَ:

وَكُلُّ دَارٍ وَإِنْ طَالَتْ سلامتُها ... يَوْمًا ستُدركُها النكْباءُ والحُوبُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ لأبي دُؤاد الإيادي في قصيدة له. والحوب: التوجع. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: أَصْبَحَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ خَلَاءً مِنْ أَهْلِهَا! فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَمَا تَبْكِي عَلَيْهِ من قُلّ ابن قُلّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: القُل: الْوَاحِدُ. قَالَ لَبيد بْنُ رَبِيعَةَ: كُلُّ بَنِي حُرَّةٍ مُصِيرُهُمْ ... قُلّ وَإِنْ أكثرتْ مِنْ العَددِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ أَخِي هَذَا، فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتْ أمرَنا وَقَطَعَ بَيْنَنَا. فَكَانَ مَنْزِلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وعامر ابني رَبِيعَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، عَلَى مُبْشَرِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُنْبُرٍ بقُباء، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمَّ قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ أرْسالًا، وَكَانَ بنو غَنم بن دُودَانَ أَهْلَ إسْلَامٍ، قَدْ أَوْعَبُوا إلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هِجْرَةً رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ، وعُكاشة بْنُ مِحصن، وشُجاع وعقبة ابنا وهب، وأرَبد بْنُ حُمَيِّرَة. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ حُمَيْرَة. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ومُنْقذ بْنُ نُباتة، وَسَعِيدُ بْنُ رُقَيش، ومُحرِز بْنُ نَضلة، وَيَزِيدُ بْنُ رُقَيش، وَقَيْسُ بْنُ جَابِرٍ، وعَمرو بْنُ مِحصن، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، وثَقْف بْنُ عَمْرٍو، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عُبيد، وتمَّام بْنُ عُبيدة، وسَخْبَرة بْنُ عُبَيْدة، ومحمد بن عبد الله بن جَحْش.

، وثَقْف بْنُ عَمْرٍو، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عُبيد، وتمَّام بْنُ عُبيدة، وسَخْبَرة بْنُ عُبَيْدة، ومحمد بن عبد الله بن جَحْش. ومن نسائهم: زينب بنت جَحش، وأم خبيب بِنْتُ جَحْش، وجُذَامة بِنْتُ جَنْدَل، وَأُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصن، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ ثُمامة، وَآمِنَةُ بنت رُقيشَ، وسَخْبَرة بنت تميم، حَمْنة بنت جحش. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْش بْنِ رِئاب، وَهُوَ يَذْكُرُ هِجْرَةَ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيمة مِنْ قَوْمِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ وَإِيعَابُهُمْ فِي ذَلِكَ حَيْنَ دُعوا إلَى الْهِجْرَةِ: وَلَوْ حلفتْ بَيْنَ الصَّفَا أمُّ أَحُمَدٍ ... ومَرْوتها باللهِ بَرَّتْ يمينُها لنحنُ الْأُلَى كُنَّا بِهَا ثُم لَمْ نزلْ ... بمكةَ حَتَّى عَادَ غَثًّا سمينُها بِهَا خيَّمت غَنْم بنُ دُودانَ وابتنتْ ... وَمَا إِنْ غَدتْ غَنْم وخف قطينُها١

إلَى اللَّهِ تَغْدُو بَيْنَ مَثْنى وواحدٍ ... ودينُ رسولِ اللَّهِ بالحقِّ دينُها وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ أَيْضًا: لَمَّا رَأَتْنِي أمُّ أحمدَ غَادِيًا ... بذمةِ مَنْ أَخْشَى بغَيْبٍ وأرهبُ تَقُولُ: فَإِمَّا كنتَ لَا بدَّ فَاعِلًا ... فيممْ بِنَا البلدانَ ولتَنْأَ يثربُ فَقُلْتُ لَهَا: بَلْ يثربُ اليومَ وجهُنا ... وما يشاءُ الرحمنُ فالعبدُ يركبُ إلَى اللهِ وَجْهِي وَالرَّسُولِ وَمَنْ يُقمْ ... إلَى اللهِ يَوْمًا وجهُه لَا يُخيَّبُ فَكَمْ قَدْ تَرَكْنَا مِنْ حميمٍ مُناصحٍ ... وناصحةٍ تَبْكِي بدمعٍ وتندُبُ تَرَى أَنَّ وِترًا نَأْيُنَا عَنْ بلادِنا ... ونحنُ نَرَى أَنَّ الرغائبَ تُطْلَبُ دعوْتُ بَنِي غَنْمٍ لحقْنِ دمائِهم ... وَلِلْحَقِّ لَمَّا لَاحَ للناسِ مَلْحبُ١ أَجَابُوا بحمدِ اللهِ لَمَّا دعاهمُ ... إلَى الحقِّ داعٍ وَالنَّجَاحُ فأوْعبوا وَكُنَّا وَأَصْحَابًا لَنَا فَارَقُوا الهدَى ... أَعَانُوا عَلَيْنَا بِالسِّلَاحِ وأجْلَبوا كَفَوْجَيْن: أمَّا مِنْهُمَا فمُوفّق ... عَلَى الحقِّ مَهْدِيٌّ، وَفَوْجٌ مُعَذَّبُ

ا فَارَقُوا الهدَى ... أَعَانُوا عَلَيْنَا بِالسِّلَاحِ وأجْلَبوا كَفَوْجَيْن: أمَّا مِنْهُمَا فمُوفّق ... عَلَى الحقِّ مَهْدِيٌّ، وَفَوْجٌ مُعَذَّبُ طغَوْا وتمنوْا كِذْبَةً وأزلَّهم ... عَنْ الحقِّ إبْلِيسُ فَخَابُوا وخُيبوا وَرِعْنا إلَى قولِ النبيِّ مُحَمَّدٍ ... فَطَابَ وُلاةُ الحقِّ مِنَّا وطُيِّبوا٢ نمتْ بِأَرْحَامٍ إلَيْهِمْ قريبةٍ ... وَلَا قربَ بِالْأَرْحَامِ إذْ لَا نُقَرَّبُ فأيُّ ابنِ أختٍ بعدَنا يأمننَّكم ... وأيةُ صِهْر بعدَ صِهريَ ترْقَبُ ستعلمُ يَوْمًا أَيُّنَا إذْ تُزَايِلُوا ... وزُيل أمرُ الناسِ للحقِّ أصوبُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ "وَلْتَنْأَ يَثْرِبَ"، وَقَوْلُهُ "إذْ لَا نَقْرَبُ"، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: "إذْ" إذَا، كَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١] قَالَ أَبُو النَّجْمِ العِجْلي: ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إذْ جَزَى ... جنَّات عدنٍ فِي العَلالِيِّ والعُلاَ

هجرة عُمر وقصة عياش وهشام مَعَهُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ عُمر بْنُ الْخَطَّابِ، وعَيَّاش بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ. فَحَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: اتعَدْتُّ، لَمَّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَنَا وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ التَّناضِبَ مِنْ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، فَوْقَ سَرِف وَقُلْنَا: أَيُّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبس فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ. قَالَ: فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التَّناضِب، وحُبس عنا هشام، وفُتن فافتتن. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَزَلْنَا فِي بَنِي عَمرو بْنِ عَوْفٍ بقُباء، وَخَرَجَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إلَى عَيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ ابْنَ عَمِّهِمَا وَأَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا، حَتَّى قَدِمَا عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَكَلَّمَاهُ وَقَالَا: إنَّ أمَّك قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لَا يَمس رأسَها مُشط حَتَّى تَرَاكَ، وَلَا تَسْتَظِلَّ مِنْ شَمْسٍ حَتَّى تَرَاكَ، فرقَّ لَهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَيَّاشُ، إنَّهُ وَاَللَّهِ إنْ يُرِيدَكَ الْقَوْمُ إلَّا لِيَفْتِنُوكَ عَنْ دِينِكَ فاحذرْهم، فَوَاَللَّهِ لَوْ قَدْ آذَى أمَّك القملُ لَامْتَشَطَتْ، وَلَوْ قَدْ اشْتَدَّ عَلَيْهَا حرُّ مَكَّةَ لَاسْتَظَلَّتْ. قَالَ: فَقَالَ: أَبَرُّ قَسَمَ أُمِّي، وَلِي هُنَالِكَ مَالٌ فَآخُذُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، فَلَكَ نِصْفُ مَالِي وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا.

مَالٌ فَآخُذُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، فَلَكَ نِصْفُ مَالِي وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا. قَالَ: فَأَبَى عَلَيَّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا؛ فَلَمَّا أَبَى إلَّا ذَلِكَ؛ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَمَّا إذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَخُذْ نَاقَتِي هَذِهِ، فَإِنَّهَا نَاقَةٌ نَجِيبَةٌ ذَلُولٌ، فَالْزَمْ ظهرَها، فَإِنْ رَابَكَ مِنْ الْقَوْمِ ريْب، فانجُ عَلَيْهَا. فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا، حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يابن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ استغلظتُ بَعِيرِي هَذَا، أَفَلَا تُعْقِبني عَلَى نَاقَتِكَ هَذِهِ؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: فَأَنَاخَ، وَأَنَاخَا لِيَتَحَوَّلَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا استَوَوْا بِالْأَرْضِ عدَوَا عَلَيْهِ، فَأَوْثَقَاهُ وَرَبَطَاهُ ثُمَّ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ، وَفَتَنَاهُ فافتُتن. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بِهِ بعضُ آلِ عَيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنَّهُمَا حَيْنَ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ دَخَلَا بِهِ نَهَارًا مُوثَقًا، ثُمَّ قَالَا: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ، كَمَا فَعَلْنَا بِسَفِيهِنَا هَذَا. كتاب عمر إلى هشام بن العاص: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ: فَكُنَّا نَقُولُ: مَا اللَّهُ بِقَابِلٍ مِمَّنْ افتُتن صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا تَوْبة، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى الْكُفْرِ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ. قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لأنفسِهم. فَلَمَّا

ًا وَلَا تَوْبة، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى الْكُفْرِ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ. قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لأنفسِهم. فَلَمَّا

قَدِم رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ، وَفِي قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَكَتَبْتهَا بِيَدِي فِي صَحِيفَةٍ، وَبَعَثْتُ بِهَا إلَى هشام بن العاص قال: فقال هشام بن العاص: فَلَمَّا أَتَتْنِي جَعَلْتُ أَقْرَؤُهَا بِذِي طُوَى١، أُصَعِّدُ بِهَا فِيهِ وأصَّوَّب وَلَا أَفْهَمُهَا حَتَّى قُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهمْنيها. قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ تَعَالَى فِي قَلْبِي أَنَّهَا إنَّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا، وَفِيمَا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا وَيُقَالُ فِينَا. قَالَ: فَرَجَعْتُ إلَى بَعِيرِي، فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بالمدينة.

ا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا وَيُقَالُ فِينَا. قَالَ: فَرَجَعْتُ إلَى بَعِيرِي، فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بالمدينة. أمر الوليد بن الوليد مع عَيَّاشٍ وَهِشَامٍ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: مَنْ لِي بعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِهِمَا، فَخَرَجَ إلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَهَا مُسْتَخْفِيًا، فَلَقِيَ امْرَأَةً تَحْمِلُ طَعَامًا فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ هَذَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ -تَعْنِيهِمَا- فَتَبِعَهَا حَتَّى عَرَفَ مَوْضِعَهُمَا، وَكَانَا مَحْبُوسَيْنِ فِي بَيْتٍ لَا سَقْفَ لَهُ؟ فَلَمَّا أَمْسَى تَسَوَّرَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ مَرْوة٢ فَوَضَعَهَا تحتَ قَيْدَيْهِمَا، ثُمَّ ضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُمَا، فَكَانَ يُقَالُ لِسَيْفِهِ: "ذُو المرْوة" لِذَلِكَ، ثُمَّ حَمَلَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِ، وَسَاقَ بِهِمَا، فَعَثَرَ فدَميت إصبُعه، فَقَالَ: هَلْ أنتِ إلَّا إصبعٌ دَمَيْتِ ... وَفِي سبيلِ اللهِ مَا لَقيت ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. مَنَازِلُ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، وَأَخُوهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ وَعَمْرٌو وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وخُنَيس بْنُ حُذافة السَّهْمي -وَكَانَ صِهْرَهُ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصة بِنْتِ عُمَرَ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بعده-

وسعيد بن زيد بن عَمرو بن نُفَيل، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، حَلِيفٌ لَهُمْ؛ وخَؤْليّ بْنُ أَبِي خَوْلِيّ؛ وَمَالِكُ بْنُ أَبِي خَوْلِيّ، حَلِيفَانِ لَهُمْ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو خَوْلِيٍّ: مِنْ بَنِي عِجْلِ بْنِ لُجَيم بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو البُكير أَرْبَعَتُهُمْ: إيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاقِلُ بْنُ البُكير، وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، عَلَى رِفَاعَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زنْبَر، فِي بَنِي عَمرو بْنِ عَوْف بقُباء، وَقَدْ كَانَ مَنْزِلُ عَيَّاش بْنِ أَبِي ربيعة معه عليه حين قدما المدينة. ثُمَّ تَتَابَعَ الْمُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ، وصُهيب بْنُ سِنَانٍ عَلَى خُبَيْب بْنِ إِسَافٍ أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بالسُّنْح١، وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبيد اللَّهِ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرارة، أَخِي بَنِي النَّجَّارِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وذُكر لِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النهْدي أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ صُهيبًا حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعلوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مالُك عِنْدَنَا، وبلغتَ الَّذِي بلغتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ ونفسِك، وَاَللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْب: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: رَبِحَ صُهيب؛ ربح صهيب. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ حمزةُ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو مَرْثَد كَنَّاز بْنُ حِصْن. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ، ابْنُ حُصَيْن وابنه مرثد الغنويان، حليف حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وأنَسة، وَأَبُو كَبْشة٢، موليا رسول الله ﷺ على كُلثوم بن هِدْم، أخي بني

ُ، ابْنُ حُصَيْن وابنه مرثد الغنويان، حليف حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وأنَسة، وَأَبُو كَبْشة٢، موليا رسول الله ﷺ على كُلثوم بن هِدْم، أخي بني

عَمْرِو بْنِ عَوْف بقُباء وَيُقَالُ بَلْ نَزَلُوا عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمة وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرارة، أَخِي بَنِي النَّجَّارِ. كُلُّ ذَلِكَ يُقَالُ. وَنَزَلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَأَخُوهُ الطُّفَيل بن الحارث، والحُصَيْن بن الحارث، ومِسْطَح بْنُ أثَاثة بْنِ عَبّاد بْنِ الْمُطَّلِبِ، وسُوَيْبط بْنُ سَعْدِ بْنِ حُرَيْملة، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وطُلَيب بْنُ عُمَير، أَخُو بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وخَبّاب، مَوْلَى عُتبة بْنِ غَزْوَانَ، عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، أَخِي بَلْعِجْلَانَ بقباء. وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ أَخِي بِلْحَارث بْنِ الْخَزْرَجِ، فِي دَارِ بِلْحارث بْنِ الخزرج. وَنَزَلَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَأَبُو سَبْرة بْنُ أَبِي رُهْم بْنِ عَبْدِ العُزى، عَلَى مُنْذِر بن محمد بن عُقْبة بن أحَيْحة بن الجُلاح بالعُصبة، دار بني جحجبي. وَنَزَلَ مُصْعَب بْنُ عُمَير بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعاذ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخِي بَنِي عَبْدِ الأشْهل، فِي دار بني عبد الأشْهل. وَنَزَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتبة بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيفة سَائِبَةٌ١ لثُبَيْتة بِنْتِ يَعَار بن زيد بن عُبَيْد بن زيد بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرو بْنِ عوف بن مالك بن الأوْس، سيبته فانقطع إلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبة بْنِ رَبِيعَةَ فَتَبَنَّاهُ، فَقِيلَ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَيُقَالُ: كَانَتْ ثُبَيْتة بِنْتُ يَعار تَحْتَ أَبِي حُذيفة بْنِ عُتْبَةَ فَأَعْتَقَتْ سَالِمًا سَائِبَةً. فَقِيلَ: سَالِمٌ مولى أبي حذيفة.

َيْفَةَ، وَيُقَالُ: كَانَتْ ثُبَيْتة بِنْتُ يَعار تَحْتَ أَبِي حُذيفة بْنِ عُتْبَةَ فَأَعْتَقَتْ سَالِمًا سَائِبَةً. فَقِيلَ: سَالِمٌ مولى أبي حذيفة. منزل عتبة بن غزوان: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ عَلَى عَبَّاد بْنِ بِشْرِ بْنِ وَقْش أَخِي بَنِي عَبْدِ الأشْهل، فِي دَارِ عبد الأشهل.

وَنَزَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى أوْس بْنِ ثَابِتِ بْنِ المنذِر، أَخِي حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي دَارِ بَنِي النَّجَّارِ، فَلِذَلِكَ كَانَ حَسَّانٌ يحبُّ عُثْمَانَ وَيَبْكِيهِ حَيْنَ قُتل. وَكَانَ يُقَالُ: نَزَلَ الأعزابُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمة، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَزَبا، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. هِجْرَةُ الرَّسُولِ ﷺ: وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بمكةَ بعدَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَن لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يتخلفْ مَعَهُ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَّا مَنْ حُبس أَوْ فُتن، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحافة الصِّدِّيقُ ﵄ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا مَا يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا"، فَيَطْمَعُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يكونَه. قريش تتشاور في أمره ﵇: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قد صَارَتْ لَهُ شِيعة وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بغيرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنَعَة، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَجَمَعَ لِحَرْبِهِمْ. فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ وَهِيَ دَارُ قُصَي بْنِ كِلَابٍ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إلَّا فِيهَا يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ خَافُوهُ.

كِلَابٍ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إلَّا فِيهَا يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ خَافُوهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عن ابن أَبِي نَجيح، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جُبير أَبِي الْحَجَّاجِ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَجَمَعُوا لِذَلِكَ، واتَّعدوا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيَتَشَاوَرُوا فِيهَا فِي أمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الَّذِي اتَّعدوا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يسمى يوم الرحمة، فَاعْتَرَضَهُمْ إبْلِيسُ فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ، عَلَيْهِ بَتْلَةٌ١، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ فَلَمَّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا؟ قَالُوا: مَنْ الشَّيْخُ؟ قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ٢ سَمِعَ بِاَلَّذِي اتَّعدتم له فحضر معكم ليسمع

مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَنْ لَا يُعدمكم مِنْهُ رأيًا ونصحًا، قالوا: أجل فادخل مَعَهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: طُعَيمة بْنُ عَدِيٍّ، وجُبَيْر بنُ مُطْعِم، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفل. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَي: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدة. وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى: أَبُو البَخْتَرِيّ بْنُ هِشَامٍ، وزَمْعَة بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزام. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ. وَمِنْ بَنِي سَهْم: نُبيه ومُنبَّه ابْنَا الْحَجَّاجِ. وَمِنْ بَنِي جُمَح: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ مِنْ قُرَيْشٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا فِيمَنْ قَدْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا. قَالَ: فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ، وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنْ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ، زُهَيْرًا وَالنَّابِغَةَ، وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، مِنْ هَذَا الْمَوْتِ، حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ. فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ. وَاَللَّهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الَّذِي أَغْلَقْتُمْ دُونَهُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَثِبُوا عَلَيْكُمْ، فيُنزِعوه مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ، حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أمرِكم، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ. فتشاوروا. ثم قال

ِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ، حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أمرِكم، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ. فتشاوروا. ثم قال

قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا أُخْرِجَ عَنَّا فَوَاَللَّهِ مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ وَلَا حَيْثُ وَقَعَ، إذَا غَابَ عَنَّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ، فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأَلْفَتْنَا كَمَا كَانَتْ، فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حُسنَ حَدِيثِهِ، وحلاوةَ مَنْطِقِهِ، وغَلبته عَلَى قُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتَّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَيَأْخُذَ أمرَكم مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يَفْعَلَ بِكَمْ مَا أَرَادَ، دَبِّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ إنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بعدُ قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فِينَا، ثُمَّ نُعطي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا ثُمَّ يَعْمِدوا إلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ. فَإِنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ، فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذلك وهم مجمعون له.

لَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذلك وهم مجمعون له. استخلافه لعلي: فَأَتَى جبريلُ ﵇ رسولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فراشِك الَّذِي كنتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ عَتْمَة مِنْ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ؟ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَهُمْ، قَالَ لعليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَمْ عَلَى فِرَاشِي وتَسَجَّ بِبُرْدي هَذَا الحَضْرمي الْأَخْضَرِ، فَنَمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُص إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ فِي بُرْدِه ذَلِكَ إذَا نَامَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بن زياد، عن محمد بن كعب القُرظي قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ، وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يزعُم أَنَّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ثُمَّ بُعثتم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فجُعلت لَكُمْ جِنان كَجِنَانِ الْأُرْدُنِّ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْح، ثُمَّ بُعثتم مِنْ بعدِ مَوْتِكُمْ، ثُمَّ جُعلت لَكُمْ نَارٌ تُحرقون فِيهَا. قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُراب فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أنتَ أحدُهم.

تُحرقون فِيهَا. قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُراب فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أنتَ أحدُهم. وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أبصارِهم عَنْهُ، فَلَا يَرَوْنَه، فَجَعَلَ يَنثرُ ذَلِكَ الترابَ عَلَى رءوسِهم وَهُوَ يَتْلُو هؤلاءِ الْآيَاتِ مِنْ يس: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رجل إلا قد وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يذهبَ، فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لم يكن معهم، فقال:

ما تنتظرون ههنا؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا: قَالَ: خَيَّبَكُمْ اللَّهُ! قَدْ وَاَللَّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رأسِهِ تُرَابًا، وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ؟ قَالَ: فَوَضَعَ كلُّ رجلٍ مِنْهُمْ يدَه عَلَى رأسِه، فَإِذَا عَلَيْهِ ترابٌ ثُمَّ جَعَلُوا يتطلَّعون فَيَروْن عَلِيًّا عَلَى الْفِرَاشِ مُتَسَجِّيًا بِبُرْد رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُونَ: وَاَللَّهِ إنَّ هذا لمحمد نائم عَلَيْهِ بُرْدُه. فَلَمْ يَبْرَحُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا١ فَقَامَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ الْفِرَاشِ فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ صدَّقنا الَّذِي حَدَّثَنَا. ما نزل فِي تَرَبُّصِ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبِيِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ مِنْ القرآنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَا كَانُوا أَجْمَعُوا لَهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣٠، ٣١] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَنُونُ: الْمَوْتُ. وَرَيْبُ الْمَنُونِ: ما يريب ويعرض مِنْهَا. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَليُّ: أَمِنْ المنُون ورَيْبها تتوجَّعُ ... والدهرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزعُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وأذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ عند ذلك في الهجرة.

ُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزعُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وأذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ عند ذلك في الهجرة. أبو بكر يطمع في المصاحبة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكَانَ حَيْنَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تعجلْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَجِدُ لَكَ صَاحِبًا، قَدْ طَمِعَ بِأَنْ يَكُونَ رسول الله ﷺ إنما يَعْنِي نَفْسَهُ، حَيْنَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَابْتَاعَ رَاحِلَتَيْنِ، فَاحْتَبَسَهُمَا فِي دارِه، يَعْلِفُهُمَا إعْدَادًا لِذَلِكَ. حديث الهجرة إلَى الْمَدِينَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لا أتهم، عن عروة بن الزبير،

عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لَا يُخطئ رسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يأتيَ بيتَ أَبِي بَكْرٍ أحدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ، إمَّا بُكْرَةً وَإِمَّا عَشِيَّةً، حَتَّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ بَيْنِ ظهريْ قَوْمِهِ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا: قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: مَا جَاءَ رسولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ السَّاعَةَ إلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ، تَأَخَّرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إلَّا أَنَا وَأُخْتِي أسماءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أخرجْ عَنِّي مَنْ عندَك. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، وَمَا ذَاكَ؟ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الصُّحْبَةَ.

قَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الصُّحْبَةَ. قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتهمَا لِهَذَا. فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَطِ -رَجُلًا مِنْ بَنِي الدُّئَلِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْم بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُشْرِكًا -يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، فَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، فَكَانَتَا عنده يرعاهما لميعادهما. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَعْلَمْ فِيمَا بَلَغَنِي، بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ، حَيْنَ خَرَجَ، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ. أَمَا عَلِيٌّ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي- أَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بعدَه بِمَكَّةَ، حَتَّى يؤدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الودائعَ، الَّتِي كَانَتْ عندَه لِلنَّاسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عندَه شَيْءٌ يُخْشَى عَلَيْهِ إلَّا وَضَعَهُ عِنْدَهُ، لِمَا يُعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ ﷺ.

َكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عندَه شَيْءٌ يُخْشَى عَلَيْهِ إلَّا وَضَعَهُ عِنْدَهُ، لِمَا يُعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ ﷺ. فِي الْغَارِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُرُوجَ، أَتَى أَبَا بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثم عمدا إلَى غَارٍ بِثَوْرٍ -جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ- فَدَخَلَاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يتسمَّع لَهُمَا مَا يَقُولُ الناسُ فِيهِمَا نهارَه، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْخَبَرِ وَأَمَرَ عامرَ بنَ فُهيرة مَوْلَاهُ أَنْ يَرْعَى غنمَهُ نهارَه، ثُمَّ يُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا، يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فِي الغارِ. وَكَانَتْ أسماءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا مِنْ الطَّعَامِ إذَا أَمْسَتْ بِمَا يُصْلِحُهُمَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بعضُ أهلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الحسنَ بنَ أَبِي الْحَسَنِ البَصْريَّ قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ إلَى الْغَارِ لَيْلًا، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

قبلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلَمِس الْغَارَ، لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بنفسِهِ. من قام بشأن الرسول ﷺ فِي الْغَارِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَارِ ثَلَاثًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ حين فقدوه مائةَ نَاقَةٍ، لِمَنْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ نهارَه مَعَهُمْ، يَسْمَعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ. ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ. وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرة مولَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، يَرْعَى فِي رُعْيانِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غنمَ أَبِي بَكْرٍ. فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ غدَا مِنْ عِنْدِهِمَا إلَى مَكَّةَ، اتَّبَعَ عامرُ بنُ فُهَيْرة أثرَه بِالْغَنَمِ حَتَّى يُعَفِّى عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا مَضَتْ الثلاثُ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا الناسُ أَتَاهُمَا صاحبُهما الَّذِي اسْتَأْجَرَاهُ ببعيريْهما وَبَعِيرٍ لَهُ، وَأَتَتْهُمَا أسماءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵂ بسُفْرتهما، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصامًا١ فَلَمَّا ارْتَحَلَا ذَهَبَتْ لِتُعَلِّقَ السّفرةَ، فَإِذَا لَيْسَ لَهَا عِصام، فَتَحِلُّ نِطاقها فَتَجْعَلُهُ عِصامًا، ثُمَّ عَلَّقَتْهَا بِهِ. سَبَبُ تَسْمِيَةِ أَسْمَاءَ بِذَاتِ النِّطَاقِ: فَكَانَ يُقَالُ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذَاتُ النِّطَاقِ، لِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَمِعْتُ غيرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّهَا لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تُعَلِّقَ السُّفْرَةَ شَقَّتْ نِطَاقَهَا بِاثْنَيْنِ: فعلقت السفرة بواحد، وانتطَقَتْ بالآخر.

طَاقَيْنِ، وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّهَا لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تُعَلِّقَ السُّفْرَةَ شَقَّتْ نِطَاقَهَا بِاثْنَيْنِ: فعلقت السفرة بواحد، وانتطَقَتْ بالآخر. راحلة الرسول: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَرَّب أَبُو بَكْرٍ، ﵁، الرَّاحِلَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدَّمَ لَهُ أفضَلَهما، ثُمَّ قَالَ: اركبْ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي فَقَالَ رسول الله ﷺ: أني لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي قَالَ: فَهِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مَا الثمنُ الَّذِي ابْتَعْتهَا بِهِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: قَدْ أخذتُها بِهِ. قَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ٢. فَرَكِبَا وَانْطَلَقَا وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ الصدِّيق ﵁ عامرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ خلفَه، ليخدمَهما في الطريق.

أبو جهل يضرب أسماء: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحُدثت عَنْ أسماءَ بنتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاَللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا؟ فَلَطَمَ خدي لطمةً طرح منها قُرطي. الجني الذي تغنى بمقدمه ﷺ: قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا. فَمَكَثْنَا ثلاثَ ليالٍ، وَمَا نَدْرِي أينَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، يَتَغَنَّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِناءَ الْعَرَبِ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صوتَه وَمَا يَرَوْنَه حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: جَزَى اللَّهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائهِ ... رَفِيقَيْنِ حلاَّ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَا بالبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رفيقَ محمدِ لِيهْنِ بنو كَعْبٍ مكانُ فتاتِهم ... ومقعدُها لِلْمُؤْمِنَيْنِ بِمَرْصَدِ

ا نَزَلَا بالبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رفيقَ محمدِ لِيهْنِ بنو كَعْبٍ مكانُ فتاتِهم ... ومقعدُها لِلْمُؤْمِنَيْنِ بِمَرْصَدِ نَسَبُ أُمِّ مَعْبَدٍ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ مَعْبَدِ بِنْتُ كَعْبٍ، امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ، مِنْ خزاعة وقوله، "حلاَّ خيمَتَيْ" و "هما نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄ فَلَمَّا سَمِعْنَا قوله، عرفنا

حَيْثُ وَجْه رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ وَجْهَه إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رسولُ الله ﷺ وأبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وعامرُ بْنُ فُهَيْرة مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أرْقَطْ دَلِيلُهُمَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَبْدُ الله بن أرَيْقط. موقف آل أبي بكر بعد الهجرة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّاد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَاهُ عَبَّادًا حَدَّثَهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كلَّه، وَمَعَهُ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةُ آلَافٍ، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدي أَبُو قُحَافَةَ، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ: قُلْتُ: كَلَّا يَا أَبَتِ! إنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْتُ أَحْجَارًا فَوَضَعْتهَا فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ مَالَهُ فِيهَا، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَا بَأْسَ، إذَا كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. لا وَاَللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أن أسكن الشيخ بذلك.

كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. لا وَاَللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أن أسكن الشيخ بذلك. سراقة بن مالك: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ سُرَاقة بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مكةَ مُهَاجِرًا إلَى المدينة، جعلت قريش فيه مائةَ نَاقَةٍ لِمَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فبَيْنا أَنَا جَالِسٌ فِي نَادِي قَوْمِي إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ منا، حتى وقف علينا، فقال: والله قد رأيتُ رَكَبة ثَلَاثَةً مَرُّوا عليَّ آنِفًا، إنِّي لَأَرَاهُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ: فَأَوْمَأْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي: أَنْ اُسْكُتْ، ثُمَّ قُلْتُ: إنَّمَا هُمْ بَنُو فلان، يبتغون ضالة بهم، قَالَ: لَعَلَّهُ، ثُمَّ سَكَتَ. قَالَ: ثُمَّ مَكَثْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي، ثُمَّ أَمَرْتُ بِفَرَسِي، فقُيد لِي إلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَأَمَرْتُ بِسِلَاحِي، فَأُخْرِجَ لِي مِنْ دُبُر حُجْرَتِي، ثُمَّ أَخَذْتُ قِداحي الَّتِي أَسَتَقْسِمُ بِهَا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ، فَلَبِسْتُ لَأْمَتِي ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِداحي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ "لَا يَضُرُّهُ".

مُ بِهَا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ، فَلَبِسْتُ لَأْمَتِي ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِداحي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ "لَا يَضُرُّهُ". قَالَ: وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَآخُذَ المائة النَّاقَةِ، قَالَ: فَرَكِبْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَبَيْنَمَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ "لَا يَضُرُّهُ"، قَالَ: فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ، قَالَ: فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ فَبَيْنَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي، عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ "لَا يَضُرُّهُ" قَالَ: فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ، فَلَمَّا بَدَا لِي الْقَوْمُ وَرَأَيْتهمْ

عَثَرَ بِي فَرَسِي، فَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الْأَرْضِ، وسقَطْت عَنْهُ ثُمَّ انْتَزَعَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، وَتَبِعَهُمَا دُخَانٌ كالإِعصار. قَالَ: فَعَرَفْتُ حَيْنَ رَأَيْتُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مُنع مِنِّي، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ. قَالَ: فَنَادَيْتُ الْقَوْمَ: فَقُلْتُ: أَنَا سُراقة بْنُ جُعْشُم: اُنْظُرُونِي أكلمْكم، فَوَاَللَّهِ لَا أَرَيْبُكُمْ وَلَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: "قُلْ لَهُ: وَمَا تَبْتَغِي مِنَّا؟ " قَالَ: فَقَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: تَكْتُبُ لِي كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قَالَ: "اُكْتُبْ له يا أبا بكر". قَالَ: فَكَتَبَ لِي كِتَابًا فِي عَظْم، أَوْ فِي رُقعة، أَوْ فِي خزَفة، ثُمَّ أَلْقَاهُ إليَّ، فَأَخَذَتْهُ، فَجَعَلْتُهُ فَي كِنانتي، ثُمَّ رَجَعْتُ، فسكتُّ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ حَتَّى إذَا كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَرَغَ مِنْ حُنَين وَالطَّائِفِ، خَرَجْتُ وَمَعِي الْكِتَابَ لَأَلْقَاهُ، فَلَقِيتُهُ بالجِعِرَانة. قَالَ: فَدَخَلْتُ فِي كَتِيبَةٍ مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ. قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إلَيْكَ مَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى سَاقِهِ فِي غِرْزِهِ كَأَنَّهَا جُمَّارة. قَالَ: فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كِتَابُكَ، أَنَا سُراقة بْنُ جُعْشُم قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، ادْنُهْ"، قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ. ثُمَّ تَذَكَّرْتُ شَيْئًا أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَمَا أَذْكُرُهُ، إلَّا أَنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الضَّالَّةُ مِنْ الإِبل تَغْشَى حِيَاضِي، وَقَدْ مَلَأْتهَا لإِبلي، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي أَنْ أَسْقِيَهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبد حَرَّى أَجْرٌ".

نْ الإِبل تَغْشَى حِيَاضِي، وَقَدْ مَلَأْتهَا لإِبلي، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي أَنْ أَسْقِيَهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبد حَرَّى أَجْرٌ". قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى قَوْمِي فسُقت إلَى رَسُولِ الله ﷺ صدقتي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بن مالك بن جعشم. طريق الهجرة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أرْقَط، سَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا عَلَى السَّاحِلِ، حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفان، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلِ أمَج، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا، حَتَّى عَارَضَ بِهِمَا الطَّرِيقَ، بَعْدَ أَنْ أَجَازَ قُدَيدًا، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الخَرَّار، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّة الْمَرَّةِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا لِقْفا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ؟ لَفْتا. قَالَ مَعْقِل بْنُ خُوَيلد الْهُذَلي: نَزِيعًا مُحْلِبًا مِنْ أَهْلِ لَفْت ... لِحَيٍّ بَيْنَ أثْلةَ والنِّحامِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أجاز بهم مَدْلَجة لِقْف ثُمَّ اسْتَبْطَنَ بِهِمَا مَدْلجة مَحَاجَّ -ويقال: مِجاج

ْت ... لِحَيٍّ بَيْنَ أثْلةَ والنِّحامِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أجاز بهم مَدْلَجة لِقْف ثُمَّ اسْتَبْطَنَ بِهِمَا مَدْلجة مَحَاجَّ -ويقال: مِجاج

فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَرْجِح مَحاجِ، ثُمَّ تَبَطَّنَ بِهِمَا مَرْجِح مِنْ ذِي الغَضَوين -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعُضْوَيْنِ- ثم في ذِي كَشْر، ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الجَداجَد، ثُمَّ عَلَى الأجْرد ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ذَا سَلَم مَن بَطْنِ أَعْدَاءِ مَدْلِجَة تِعْهِن١: ثُمَّ عَلَى العَبابيد؛ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: العَبابيب: وَيُقَالُ: العِثْيانة. يُرِيدُ: الْعَبَابِيبَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا الفاجَّة، وَيُقَالُ: القاحَّة، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ هبط بهما العَرْج وقد أبطأ عليهم بعضُ ظَهْرِهِمْ، فَحَمَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ: أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ، عَلَى جَمَلٍ لَهُ -يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الرَّداء- إلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ غُلَامًا لَهُ، يُقَالُ لَهُ: مَسْعُودُ بْنُ هُنَيْدة، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا مِنْ العَرْج فَسَلَكَ بِهِمَا ثَنية الْعَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبة -وَيُقَالُ: ثَنِيَّةُ الْغَائِرِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- حَتَّى هبط بهما في رِئْم، ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا قُباء، عَلَى بَنِي عَمرو بْنِ عَوْفٍ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، حِينَ اشْتَدَّ الضَّحاء، وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَعْتَدِلُ.

فٍ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، حِينَ اشْتَدَّ الضَّحاء، وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَعْتَدِلُ. قُدُومُهُ ﷺ قُبَاءَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمر بْنِ سَاعِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: لَمَّا سَمِعْنَا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، وَتَوَكَّفْنَا٢ قُدُومَهُ، كُنَّا نَخْرُجُ إذَا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ، إلَى ظَاهِرِ حَرَّتنا نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَاَللَّهِ مَا نَبْرَحُ حَتَّى تَغْلِبَنَا الشَّمْسُ عَلَى الظِّلَالِ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ ظِلًّا دَخَلْنَا وَذَلِكَ فِي أَيَّامٍ حَارَّةٍ، حَتَّى إذَا كَانَ اليومُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نَجْلِسُ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ ظِلٌّ دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْنَ دَخَلْنَا الْبُيُوتَ، فَكَانَ أَوَّلُ من رآه رجل من اليهود، قد رَأَى مَا كُنَّا نَصْنَعُ، وَأَنَّا نَنْتَظِرُ قُدُومَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْل٣، هَذَا جَدكُم قَدْ جَاءَ قَالَ: فَخَرَجْنَا إلَى رسول الله ﷺ وهو فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي مِثْلِ سِنِّهِ وأكثرُنا لَمْ يَكُنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَكِبَهُ النَّاسُ٤ وَمَا يَعْرِفُونَهُ

مِنْ أَبِي بَكْرٍ، حَتَّى زَالَ الظِّلُّ عَنْ رسول الله ﷺ فقام أَبُو بَكْرٍ فَأَظَلَّهُ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفْنَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ -فِيمَا يَذْكُرُونَ- عَلَى كُلْثوم بْنِ هِدْم، أَخِي بَنِي عَمرو بْنِ عَوْف ثُمَّ أَحَدِ بَنِي عُبَيْد وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمة وَيَقُولُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى كُلثوم بْنِ هِدْم: إنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِ كُلْثُومِ بْنِ هِدْم جلس الناس فِي بَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثمة. وَذَلِكَ أَنَّهُ كان عازبًا لَا أَهْلَ لَهُ، وَكَانَ مَنْزِلُ الْأَعْزَابِ٢ مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَمِنْ هُنَالِكَ يُقَالُ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمة، وَكَانَ يُقَالُ لِبَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ: بَيْتُ الْأَعْزَابِ. فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذلك كان، كلا قد سمعنا. وَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَى خُبَيْب بْنِ إسَاف، أَحَدِ بَنِي الْحَارِثِ بن الْخَزْرَجَ بالسُّنْح. وَيَقُولُ قَائِلٌ: كَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْر، أَخِي بني الحارث بن الخزرج. وَأَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَيَّامِهَا، حَتَّى أَدَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهَا، لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ مَعَهُ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْم.

ﷺ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهَا، لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ مَعَهُ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْم.

فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ إقَامَتُهُ بقُباءٍ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ يَقُولُ: كَانَتْ بقُباءٍ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا، مُسْلِمَةٌ. قَالَ فَرَأَيْتُ إنْسَانًا يَأْتِيهَا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بَابَهَا، فَتَخْرَجُ إلَيْهِ فَيُعْطِيَهَا شَيْئًا مَعَهُ فَتَأْخُذَهُ. قَالَ: فَاسْتَرَبْتُ بِشَأْنِهِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَضْرِبُ عَلَيْكَ بَابَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَتَخْرُجِينَ إلَيْهِ فَيُعْطِيَكَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنْتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لَا زَوْجَ لَكَ؟ قَالَتْ: هَذَا سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ بْنِ وَاهِبٍ، قَدْ عَرَفَ أَنِّي امْرَأَةٌ لَا أَحَدَ لِي، فَإِذَا أَمْسَى عَدَا عَلَى أَوْثَانِ قَوْمِهِ فَكَسَّرَهَا، ثُمَّ جَاءَنِي بِهَا، فَقَالَ: احْتَطِبِي بِهَذَا، فَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَأْثُرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ بِالْعِرَاقِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هَذَا، مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: هِنْدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَهْلِ بن حنيف، ﵁. مَسْجِدِ قُبَاءٍ١: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بقُباءٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْف، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُ. خروج الرسول من قباء وذهابه إلَى الْمَدِينَةِ: ثُمَّ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُزْعِمُونَ أَنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ -فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، فأدركتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ الجمعةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْف، فَصَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَادِي رانُونَاء، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا بِالْمَدِينَةِ.

سَالِمِ بْنِ عَوْف، فَصَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَادِي رانُونَاء، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا بِالْمَدِينَةِ. اعْتِرَاضُ الْقَبَائِلِ لَهُ لينزل عِنْدَهَا: فَأَتَاهُ عِتْبان بْنُ مَالِكٍ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبادة بْنِ نَضلة فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ عِنْدَنَا فِي العَدد والعُدَّة والمَنَعَة؟ قَالَ خَلُّوا سبيلَها: فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، لِنَاقَتِهِ: فخلَّوْا سبيلَها؛ فَانْطَلَقَتْ حَتَّى إذَا وَازَنَتْ دَارَ بَنِي بَيَاضَة، تَلَقَّاهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي بَيَاضة فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلُمَّ إلَيْنَا، إلَى العَدد والعُدة والمَنَعة؛ قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فخلَّوْا سَبِيلَهَا. فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى إذَا مَرَّتْ بِدَارِ بَنِي سَاعِدَةَ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ هَلُمَّ إلَيْنَا إلَى الْعَدَدِ والعُدة والمنَعة؟ قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فخلَّوْا سبيلها، فانطلقت. حتى إذا وازنت دار بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَة، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هلُم إلَيْنَا إلَى العَدد والعُدة والمَنَعة قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا، فإنها مأمورة، فخلَّوْا سبيلها. فانطلقت

حَتَّى إذَا مَرَّتْ بِدَارِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ دِنْيا -أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، سَلْمى بِنْتُ عَمْرٍو إحْدَى نِسَائِهِمْ- اعْتَرَضَهُ سَلِيط بْنُ قَيْس، وَأَبُو سَلِيط، أسَيْرة بْنُ أَبِي خَارِجَةَ، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلُمَّ إلَى أَخْوَالِكَ، إلَى العَدد والعُدة والمَنَعة قَالَ: خَلُّوا سبيلَها فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فخلَّوْا سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ. مَبْرَكَ الناقة: حَتَّى إذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ بَرَكَتْ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ، ﷺ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ مِرْبَد١ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمَا فِي حِجر مُعاذ بْنِ عَفْراء، سَهْل وسُهَيْل ابْنَيْ عَمْرٍو، فَلَمَّا بَرَكَتْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا لَمْ يَنْزِلْ، وَثَبَتَ فَسَارَتْ غيرَ بِعِيدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يَثْنِيهَا بِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إلَى خَلْفِهَا، فَرَجَعَتْ إلَى مَبْرَكِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَبَرَكَتْ فيه، ثم تَحلْحَلت ورزَمت وألقت بجرانِها٢ فَنَزَلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ خالدُ بْنُ زَيْد رحلَه، فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَأَلَ عَنْ المِرْبَد لِمَنْ هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ مَعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَسهْل وسُهَيْل ابنيْ عَمْرٍو٣ وَهُمَا يَتِيمَانِ لِي، وَسَأُرْضِيهِمَا مِنْهُ، فاتخذْه مسجدًا.

َهُ مَعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَسهْل وسُهَيْل ابنيْ عَمْرٍو٣ وَهُمَا يَتِيمَانِ لِي، وَسَأُرْضِيهِمَا مِنْهُ، فاتخذْه مسجدًا.

مسجد المدينة: قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يبنَ مَسْجِدًا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ حَتَّى بَنَى مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُرَغِّبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَمَلِ فِيهِ، فَعَمِلَ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: وَدَأَبُوا فِيهِ: فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: لَئِنْ قَعَدْنَا والنبيُّ يعملُ ... لذاك منا العمل المضلِّلُ وارتجز المسلمون قوهم يَبْنُونَهُ يَقُولُونَ: لَا عيشَ إلَّا عَيْشَ الْآخِرَهْ ... اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا كَلَامٌ وَلَيْسَ بِرَجَزٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا عيش إلا عيش الآخره، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار". عمّار والفئة الباغية: قَالَ: فَدَخَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقَدْ أَثْقَلُوهُ باللَّبِن، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَتَلُونِي؟ يَحْمِلُونَ عَلَيَّ مَا لَا يَحْمِلُونَ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ينفُض وَفْرَته بِيَدِهِ: وَكَانَ رَجُلًا جَعْدًا، وَهُوَ يَقُولُ: "وَيْحَ ابْنَ سُمَية لَيْسُوا بِاَلَّذِينَ يَقْتُلُونَكَ. إنَّمَا تقتلك الفئةُ الباغية". وَارْتَجَزَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَوْمئِذٍ: لَا يَسْتَوِي مَنْ يُعمرُ الْمَسَاجِدَا ... يدأبُ فيه قائمًا وقاعدَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَلْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، عَنْ هَذَا الرَّجَزِ، فَقَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ارْتَجَزَ بِهِ، فَلَا يُدْرَى: أَهُوَ قَائِلُهُ أَمْ غَيْرُهُ؟. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَخَذَهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ بِهَا.

ٍ ارْتَجَزَ بِهِ، فَلَا يُدْرَى: أَهُوَ قَائِلُهُ أَمْ غَيْرُهُ؟. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَخَذَهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ بِهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا أَكْثَرَ، ظَنَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا يعرِّض بِهِ، فِيمَا حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البكَّائي، عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَقَدْ سَمَّى ابنُ إسحاق الرجلَ٢.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ قَدْ سمعتُ مَا تقول منذ اليوم يابنَ سُمَيَّةَ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُرَانِي سَأَعْرِضُ هَذِهِ الْعَصَا لِأَنْفِكَ. قَالَ: وَفِي يَدِهِ عَصًا. قَالَ: فَغَضِبَ رسول الله ﷺ ثم قَالَ: مَا لَهُمْ وَلِعَمَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلَى النَّارِ، إنَّ عَمَّارًا جِلْدَة مَا بَيْنَ عينيَّ وَأَنْفِي، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ الرجل فلم يُستبق فاجتنبوه. قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: إنَّ أَوَّلَ من بني مسجدًا عمار بن ياسر١. الرسول ينزل في بيت أبي أيوب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ، حَتَّى بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُهُ ومساكنُهُ٢، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَسَاكِنِهِ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ رَحْمَةُ الله عليه ورضوانه.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مَرْثد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اليَزَني عَنْ أَبِي رُهْم السَّماعي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ عليَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، نَزَلَ فِي السُّفْل وَأَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ فِي العُلو، فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إنِّي لَأَكْرَهُ وَأُعْظِمُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَكَ، وَتَكُونَ تَحْتِي، فَاظْهَرْ أَنْتَ فَكُنْ فِي العُلْوِ، وَنَنْزِلَ نَحْنُ فَنَكُونَ فِي السُّفْل. فَقَالَ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، إنَّ أَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا، أَنْ نَكون فِي سُفْل الْبَيْتِ. قَالَ: فَكَانَ رسول الله ﷺ في سُفله، وكنا فوقه في المسكن، فقد انْكَسَرَ حُبٌّ١ لَنَا فِيهِ مَاءٌ فَقُمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ بِقَطِيفَةٍ لَنَا، مَا لَنَا لِحَافٌ غيرها، نكشف بِهَا الْمَاءَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَقْطُرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُؤْذِيَهُ. قَالَ: وَكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ الْعَشَاءَ، ثُمَّ نبعث إلَيْهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْنَا فضلَه تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ البركةَ، حَتَّى بَعَثْنَا إلَيْهِ لَيْلَةً بعَشائه وَقَدْ جَعَلْنَا لَهُ بَصَلًا أَوْ ثَوْمًا، فَرَدَّهُ رسول الله ﷺ ولم أَرَ لِيَدِهِ فِيهِ أَثَرًا. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَزِعًا، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، رددت عَشاءَك، لم أَرَ فِيهِ موضعَ يَدِكَ، وَكُنْتَ إذَا رَدَدْتُهُ عَلَيْنَا، تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ موضعَ يَدِكَ، نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ، قَالَ: إنِّي وَجَدْتُ فِيهِ رِيحَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَأَنَا رَجُلٌ أُنَاجِي، فَأَمَّا أنتم فكلوه، فَأَكَلْنَاهُ، وَلَمْ نَصْنَعْ لَهُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بعدُ.

Bagian 14 dari 23