— Bagian 16 · َّبه بردائه ثم نثره نثرًا شَدِيدًا، وَلَطَمَ وجه… —
Bagian 16
َّبه بردائه ثم نثره نثرًا شَدِيدًا، وَلَطَمَ وجهَه، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَأَبُو أَيُّوبَ يَقُولُ لَهُ: أُفٍّ لَكَ مُنَافِقًا خَبِيثًا. أدراجَك يَا مُنَافِقُ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَيْ ارجعْ مِنْ الطَّرِيقِ الَّتِي جئتَ مِنْهَا. قَالَ الشَّاعِرُ: فولَّى وأدبرَ أدراجَه وَقَدْ ... بَاءَ بالظُّلْم مَنْ كَانَ ثَمْ وَقَامَ عُمارة بْنُ حَزْم إلَى زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَادَهُ بِهَا قَوْدًا عَنِيفًا حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَمَعَ عُمارة يَدَيْه فلَدَمَه بِهِمَا فِي صدرِهِ لَدْمَة خَرَّ مِنْهَا. قَالَ: يَقُولُ: خدشْتني يَا عُمارة قَالَ: أَبْعَدَكَ اللَّهُ يَا منافقُ، فَمَا أعدَّ اللَّهُ لَكَ مِنْ الْعَذَابِ أشدُّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تقربنَّ مسجدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اللَّدْم: الضَّرْبُ بِبَطْنِ الْكَفِّ. قَالَ تَميم بنُ أُبَيِّ بنَ مُقْبِل: وللفؤادِ وجِيب تحتَ أبْهرِه ... لَدْمَ الوليدِ وراءَ الغَيْبِ بالحَجرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْغَيْبُ: مَا انْخَفَضَ مِنْ الْأَرْضِ. وَالْأَبْهَرُ: عِرْقُ الْقَلْبِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَامَ أَبُو مُحَمَّدٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، كَانَ بدْريًا، وأبوِ مُحَمَّدٍ مَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أصْرم بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: إلَى قَيْس بْنِ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، وَكَانَ قَيْسٌ غُلَامًا شَابًّا، وَكَانَ لَا يُعلم فِي الْمُنَافِقِينَ شَابٌّ غَيْرُهُ، فَجَعَلَ يَدْفَعُ فِي قَفَاهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ.
انَ قَيْسٌ غُلَامًا شَابًّا، وَكَانَ لَا يُعلم فِي الْمُنَافِقِينَ شَابٌّ غَيْرُهُ، فَجَعَلَ يَدْفَعُ فِي قَفَاهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَلْخُدْرَة١ بْنِ الْخَزْرَجِ، رَهْطِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْري، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ حَيْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ بْنُ عَمْرو، وَكَانَ ذَا جُمَّة، فَأَخَذَ بجُمته فَسَحَبَهُ بِهَا سَحْبًا عَنِيفًا، عَلَى مَا مَرَّ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ، حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ. قَالَ يقول المنافقُ: لقد أغلظْتَ يابن الْحَارِثِ فَقَالَ لَهُ: إنَّكَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، أَيْ عدوَّ اللَّهِ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ: فَلَا تقربنَّ مسجدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّكَ نَجِس. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمْرو بْنِ عَوْف إلَى أَخِيهِ زُوَيِّ بْنِ الْحَارِثِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إخْرَاجًا عَنِيفًا، وأفَّف منه، قال: غلب عليك الشيطان وأمْرُهُ.
عَمْرو بْنِ عَوْف إلَى أَخِيهِ زُوَيِّ بْنِ الْحَارِثِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إخْرَاجًا عَنِيفًا، وأفَّف منه، قال: غلب عليك الشيطان وأمْرُهُ.
فهؤلاءِ مَنْ حَضَرَ المسجدَ يَوْمئِذٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وأمر رسول الله ﷺ بإخراجهم. ما نزل في اليهود والمنافقين: فَفِي هَؤُلَاءِ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، نَزَلَ صدرُ سورةِ الْبَقَرَةِ إلَى المائة مِنْهَا -فِيمَا بَلَغَنِي-وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. يَقُولُ اللَّهُ سبحانَه وَبِحَمْدِهِ: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢] أَيْ لَا شَكَّ فِيهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤيَة الهُذَلي: فَقَالُوا عَهِدْنا القومَ قَدْ حَصَروا بِهِ ... فَلَا رَيْبَ أَنْ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحيمُ١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَالرَّيْبُ أَيْضًا: الرِّيبَةُ. قَالَ خَالِدُ بن زُهير الهُذلي: كأنني أرِيبُة بريْب٢ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ: كَأَنَّنِي أَرَبْتُهُ بريْب وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَبِي ذُؤيْب الهُذَلي. ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنْ اللَّهِ عقوبتَه فِي تَرْك مَا يَعْرِفُونَ مِنْ الهدَى، وَيَرْجُونَ رحمتَه بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] أَيْ يُقِيمُونَ الصلاةَ بفرْضِها، وَيُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ احْتِسَابًا لَهَا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] أَيْ: يُصَدِّقُونَكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ اللَّهِ ﷿، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلُكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَجْحَدُونَ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] .
نْ الْمُرْسَلِينَ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَجْحَدُونَ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] .
أَيْ بالبعثِ والقيامةِ والجنةِ والنارِ والحسابِ والميزانِ أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمون أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا كَانَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِمَا جَاءَكَ مِنْ رَبِّكَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِمْ وَاسْتِقَامَةٍ عَلَى مَا جَاءَهُمْ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] أَيْ: الَّذِينَ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوا ونَجَوْا مِنْ شرِّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ، وَإِنْ قَالُوا إنَّا قَدْ آمَنَّا بِمَا جَاءَنَا قَبْلَكَ. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] ، أي أنهم كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذِكْرِكَ، وَجَحَدُوا مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقُ لَكَ، فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكَ، وَبِمَا عِنْدَهُمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ غَيْرُكَ، فَكَيْفَ يَسْتَمِعُونَ مِنْكَ إنْذَارًا أَوْ تَحْذِيرًا، وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِكَ. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ عَنْ الهدَى أَنْ يُصِيبُوهُ أَبَدًا، يَعْنِي بِمَا كَذَّبُوكَ بِهِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ ربِّك حَتَّى يُؤْمِنُوا بِهِ، وَإِنْ آمَنُوا بكلِّ مَا كَانَ قَبْلَكَ: ﴿وَلَهُمْ﴾ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ من خلافك: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] . فَهَذَا فِي الأحْبار مِنْ يَهُودَ، فِيمَا كَذَّبُوا به من الحقِّ بعدَ معرفته.
وَلَهُمْ﴾ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ من خلافك: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] . فَهَذَا فِي الأحْبار مِنْ يَهُودَ، فِيمَا كَذَّبُوا به من الحقِّ بعدَ معرفته. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرِهِمْ: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ٩، ١٠] أَيْ شَكٌّ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أَيْ: شَكًّا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٠، ١١] أَيْ: إنَّمَا نُرِيدُ الإصلاحَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ مِنْ يَهُودَ، الَّذِينَ يَأْمُرُونَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، وَخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أَيْ: إنَّا عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: إنَّمَا نَسْتَهْزِئُ بِالْقَوْمِ، وَنَلْعَبُ بِهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْمَهون: يَحَارُونَ تَقُولُ الْعَرَبُ: رَجُلٌ عَمة وَعَامِهٌ: أَيْ حَيَرَانُ، قَالَ رُؤبة بْنُ العَجاج يَصِفُ بَلَدًا: أعْمى الهُدى بِالْجَاهِلِينَ العُمَّه وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. فالعُمَّه: جَمْعُ عَامِهٍ: وَأَمَّا عَمِه: فَجَمْعُهُ: عَمِهون. وَالْمَرْأَةُ: عَمِهة وعَمْهاء.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ أَيْ: الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فقال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] أَيْ لَا يُبصرون الحقَّ وَيَقُولُونَ بِهِ حَتَّى، إذَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ظلمةِ الْكُفْرِ أَطْفَئُوهُ بكفرِهم بِهِ وَنِفَاقِهِمْ فِيهِ، فَتَرَكَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هُدًى، وَلَا يَسْتَقِيمُونَ عَلَى حَقٍّ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] أَيْ: لَا يَرْجِعُونَ إلَى الهُدَى، صُم بُكْمٌ عُمي عَنْ الْخَيْرِ، لَا يَرْجِعُونَ إلَى خَيْرٍ، وَلَا يُصِيبُونَ نَجَاةً مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] . قال ابن هشام: الصَيِّب: المطهر، وَهُوَ مِنْ صَابَ يَصُوبُ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: السيِّد، مَنْ سادَ يَسُودُ، وَالْمَيِّتُ: مَنْ مَاتَ يَمُوتُ، وَجَمْعُهُ صيائِب. قالَ عَلْقمة بْنُ عَبَدَة، أَحَدُ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَناة بْنِ تَمِيمٍ: كأنهمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ ... صواعقُها لطيرِهنَّ دَبيبُ وَفِيهَا: فَلَا تَعْدِلي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمَّر ... سَقَتْكَ رَوَايا المُزْنِ حيثُ تَصوبُ١ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
ِهنَّ دَبيبُ وَفِيهَا: فَلَا تَعْدِلي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمَّر ... سَقَتْكَ رَوَايا المُزْنِ حيثُ تَصوبُ١ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ هُمْ مِنْ ظُلْمَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ والحذَر مِنْ الْقَتْلِ مِنْ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّخَوُّفِ لَكُمْ، عَلَى مِثْلِ مَا وُصف. مِنْ الَّذِي هُوَ فِي ظُلمة الصَّيْب. يَجْعَلُ أصابعَه فِي أُذُنِيهِ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ. يَقُولُ: وَاَللَّهُ مُنْزِل ذَلِكَ بِهِمْ مِنْ النَّقْمة. أَيْ هُوَ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أَيْ: لِشِدَّةِ ضَوْءِ الْحَقِّ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أَيْ: يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ. فَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ فِي الْكُفْرِ قَامُوا مُتَحَيِّرِينَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ أَيْ: لِمَا تَرَكُوا مِنْ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] . ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. أَيْ وحِّدوا
﴾ [البقرة: ٢٠] . ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. أَيْ وحِّدوا
رَبَّكُمْ: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١،٢٢] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الأندادُ: الأمثالُ: وَأَحَدُهُمْ نِد. قَالَ لَبيد بْنُ رَبِيعَةَ: أحْمَدُ اللَّهَ فَلَا نِدَّ لَهُ ... بيديْه الخيرُ مَا شَاءَ فَعَلْ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ لَا تُشركوا بِاَللَّهِ غيرَه مِنْ الْأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا ربَّ لَكُمْ يَرْزُقكُمْ غَيْرُهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إلَيْهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: في شك مما جاءكم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَعْوَانِكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤] أَيْ: لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ.
ي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤] أَيْ: لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ. ثُمَّ رغَّبهم وحذَّرهم نقضَ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ لِنَبِيِّهِ ﷺ إذَا جَاءَهُمْ وَذَكَرَ لَهُمْ بَدْءَ خَلْقِهِمْ حَيْنَ خَلَقَهُمْ، وَشَأْنَ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇ وأمره، وكيف صنع به في خَالَفَ عَنْ طَاعَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ لِلْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: بَلَائِي عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ آبَائِكُمْ، لَمَّا كَانَ نَجَّاهُمْ بِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الَّذِي أخذتُ فِي أَعْنَاقِكُمْ لِنَبِيِّي أَحْمَدَ، إذَا جَاءَكُمْ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَى تَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ بِوَضْعِ مَا كَانَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَعْنَاقِكُمْ بِذُنُوبِكُمْ الَّتِي كَانَتْ مِنْ أَحْدَاثِكُمْ: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أَيْ: أَنْ أُنْزِلَ بِكُمْ مَا أنزلت بمن كان قبلكم مِنْ النِّقْمَاتِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنْ الْمَسْخِ وَغَيْرِهِ.
مْ: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أَيْ: أَنْ أُنْزِلَ بِكُمْ مَا أنزلت بمن كان قبلكم مِنْ النِّقْمَاتِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنْ الْمَسْخِ وَغَيْرِهِ. ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ وَعِنْدَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ فِيهِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ، وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤١، ٤٢] أَيْ: لَا تَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ الْمُعْرِفَةِ برسولي ومما جَاءَ بِهِ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ فِيمَا تَعْلَمُونَ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ: ﴿أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] ، أَيْ: أتنْهوْن الناسَ عَنْ الْكُفْرِ بِمَا عِنْدَكُمْ مِنْ النُّبُوَّةِ وَالْعَهْدِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَتَتْرُكُونَ أَنَفْسَكُمْ، أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إلَيْكُمْ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِي، وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي، وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي. ثُمَّ عدَّد عَلَيْهِمْ أَحْدَاثَهُمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ الْعِجْلَ وَمَا صَنَعُوا فِيهِ، وَتَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِقَالَتَهُ إيَّاهُمْ، ثُمَّ قَوْلَهُمْ: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جَهْرَةً، أَيْ: ظَاهِرًا لَنَا لَا شَيْءَ يَسْتُرهُ عَنَّا. قَالَ أَبُو الأخْزَر الحَمانِيُّ وَاسْمُهُ قُتَيْبَةُ: يَجْهَرُ أجوافَ الْمِيَاهِ السَّدُم١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. يَجْهَرُ: يَقُولُ: يُظْهِرُ الْمَاءَ، وَيَكْشِفُ عَنْهُ مَا يَسْتُرُهُ مِنْ الرَّمْلِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وأخْذَ الصَّاعِقَةِ إيَّاهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِغِرَّتِهِمْ، ثُمَّ إحياءَه إيَّاهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَتَظْلِيلَهُ عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ، وَإِنْزَالَهُ عَلَيْهِمْ المن والسلوى، وقوله لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّة﴾ [البقرة: ٥٨] أَيْ: قُولُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ أَحُطُّ بِهِ ذنوبَكم عَنْكُمْ، وَتَبْدِيلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: اسْتِهْزَاءً بأمره، وإقالته إياهم ذلك بعد هُزْئهم. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: المنُّ شَيْءٌ كَانَ يَسْقُطُ فِي السَّحَر عَلَى شَجَرِهِمْ، فَيَجْتَنونه حُلوًا مِثْلَ الْعَسَلِ فَيَشْرَبُونَهُ وَيَأْكُلُونَهُ. قَالَ أعشَى بَنِي قَيْس بْنِ ثَعْلبة: لَوْ أطعِموا المنَّ والسلْوَى مكانَهُمُ ... مَا أَبْصَرَ الناسُ طُعْمًا فيهمُ نَجَعَا٢ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، والسّلْوى: طَيْرٌ وَاحِدَتُهَا: سَلْواة وَيُقَالُ: إنَّهَا السُّمَاني، وَيُقَالُ لِلْعَسَلِ أَيْضًا: السَّلْوى. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ زُهير الهُذَلي: وقاسَمَها بِاَللَّهِ حَقًّا لَأَنْتُمْ ... أَلَذُّ مِنْ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُها وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصيدة لَهُ وحِطَّة: أَيْ حُطَّ عَنَّا ذنوبَنا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ تَبْدِيلِهِمْ ذَلِكَ كَمَا حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسان عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْءَمة بِنْتِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رسول الله ﷺ قال: دَخَلُوا الْبَابَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهُ سُجَّدًا يَزْحَفُونَ، وَهُمْ يَقُولُونَ حِنْط فِي شَعِيرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ.
ِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهُ سُجَّدًا يَزْحَفُونَ، وَهُمْ يَقُولُونَ حِنْط فِي شَعِيرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: واستسقاءَ مُوسَى لقومهِ، وأمرَه إِياه أن يضربَ بعصاه الحجرَ،
فَانْفَجَرَتْ لَهُمْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشَرَةَ عَيْنًا، لِكُلِّ سِبْط١ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنْهَا، قَدْ عَلم كُلُّ سِبْط عينَه الَّتِي مِنْهَا يَشْرَبُ، وَقَوْلَهُمْ لِمُوسَى ﵇: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦٠] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُوَمُ: الْحِنْطَةُ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلت الثَّقَفِيُّ: فوقَ شِيزَى مِثْلِ الْجَوَابِي عَلَيْهَا ... قِطَعٌ كالوَذِيلِ فِي نِقْي فُومِ٢ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَذِيلُ: قِطَعُ الْفِضَّةِ، وَالْفُوَمُ: الْقَمْحُ، وَاحِدَتُهُ: فُومَةٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ .
لَهُ. ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمْ يَفْعَلُوا، ورفْعه الطُّورَ فوقَهم لِيَأْخُذُوا مَا أُوتُوا، وَالْمَسْخَ الَّذِي كَانَ فِيهِمْ، إذْ جَعَلَهُمْ قِرَدَةً بإحْداثهم، وَالْبَقَرَةَ الَّتِي أَرَاهُمْ اللَّهُ ﷿ بِهَا الْعِبْرَةَ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، حَتَّى بيَّن اللَّهُ لَهُمْ أَمْرَهُ، بَعْدَ التَّرَدُّدِ عَلَى مُوسَى ﵇ فِي صِفَّةِ الْبَقَرَةِ، وَقَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدَّ قَسْوَةً، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَأَلْيَنُ مِنْ قُلُوبِكُمْ عَمَّا تَدْعُونَ إلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ لِمُحَمَّدِ ﵊ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يؤْيسهم مِنْهُمْ ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] وَلَيْسَ قَوْلُهُ "يَسْمَعُونَ التوراةَ" أَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ سَمِعَهَا، وَلَكِنَّهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، أَيْ خَاصَّةٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: قَالُوا لِمُوسَى: يَا مُوسَى، قَدْ حِيلَ بينَنا وَبَيْنَ رُؤْيَةِ اللَّهِ، فَأَسْمِعْنَا كلامَه حَيْنَ يُكَلِّمُكَ، فَطَلَبَ ذَلِكَ مُوسَى ﵇ مِنْ رَبِّهِ، فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ مُرْهُم فليطَّهروا، أَوْ لِيُطَهِّرُوا ثيابَهم، وَلْيَصُومُوا، فَفَعَلُوا، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ حَتَّى أَتَى بِهِمْ الطورَ فَلَمَّا غَشِيَهُمْ الغمامُ أَمَرَهُمْ مُوسَى فَوَقَعُوا سُجّدًا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، فَسَمِعُوا كلامه ﵎، يأمرهم
وَيَنْهَاهُمْ، حَتَّى عَقَلُوا عَنْهُ مَا سَمِعُوا، ثُمَّ انْصَرَفَ بِهِمْ إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ حرَّف فَرِيقٌ مِنْهُمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَقَالُوا، حَيْنَ قَالَ مُوسَى لِبَنِي إسْرَائِيلَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ ذَلِكَ الْفَرِيقُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ﷿: إنَّمَا قَالَ كَذَا وَكَذَا، خِلَافًا لِمَا قَالَ اللَّهُ لَهُمْ، فَهُمْ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ ﷿ لِرَسُولِهِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ أَيْ: بِصَاحِبِكُمْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ إلَيْكُمْ خَاصَّةً، ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا﴾ : لَا تُحَدِّثُوا الْعَرَبَ بِهَذَا، فَإِنَّكُمْ قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِيهِمْ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦] أَيْ تُقِرُّونَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّهُ قَدْ أُخِذَ لَهُ الْمِيثَاقُ عَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا، اجْحَدُوهُ وَلَا تُقِرُّوا لَهُمْ بِهِ، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ . [البقرة: ٧٧، ٧٨] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدة: إلَّا أَمَانِيَّ، إلَّا قِرَاءَةً؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ: الَّذِي يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ. يَقُولُ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ، إلَّا أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْ أَبِي عُبيدة وَيُونُسَ، أَنَّهُمَا تَأَوَّلَا ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيدة بِذَلِكَ.
َالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْ أَبِي عُبيدة وَيُونُسَ، أَنَّهُمَا تَأَوَّلَا ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيدة بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النحويُّ وَأَبُو عُبَيدة: أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: تمنَّى، فِي مَعْنَى قَرَأَ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٨٢] قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدة النَّحْوِيُّ: تمنَّى كتابَ اللَّهِ أولَ ليلهِ ... وآخرَهُ وَافَى حِمامُ المقادِرِ وَأَنْشَدَنِي أَيْضًا: تمنَّى كتابَ اللَّهِ فِي الليلِ خَالِيًا ... تَمنِّيَ داودَ الزَّبورَ عَلَى رِسْلِ وَوَاحِدَةُ الْأَمَانِيِّ: أمنيَّة. وَالْأَمَانِيُّ أَيْضًا: أَنْ يَتَمَنَّى الرجلُ المالَ أَوْ غيرَه. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ، وَهُمْ يَجْحَدُونَ نُبُوَّتَكَ بِالظَّنِّ. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠] .
ْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠] .
ما ادعاه يهود في عذاب الآخرة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَوْلًى لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرمة، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَالْيَهُودُ تَقُولُ: إنَّمَا مُدَّةُ الدُّنْيَا سبعةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا يُعذب اللَّهُ الناسَ فِي النَّارِ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا فِي النَّارِ مِنْ أيامِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨٠، ٨١] أَيْ: مَنْ عَمِلَ بِمِثْلِ أَعْمَالِكُمْ، وَكَفَرَ بِمِثْلِ مَا كَفَرْتُمْ بِهِ، يُحِيطُ كُفْرُهُ بِمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حَسَنَةٍ ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أَيْ: خُلْد أَبَدًا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] أَيْ: مَنْ آمَنَ بِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ، وَعَمِلَ بِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ دِينِهِ فَلَهُمْ الْجَنَّةُ خَالِدِينَ فِيهَا، يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الثَّوَابَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مُقِيمٌ عَلَى أَهْلِهِ أَبَدًا، لَا انْقِطَاعَ لَهُ.
نِهِ فَلَهُمْ الْجَنَّةُ خَالِدِينَ فِيهَا، يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الثَّوَابَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مُقِيمٌ عَلَى أَهْلِهِ أَبَدًا، لَا انْقِطَاعَ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ اللَّهُ ﷿ يُؤَنِّبُهُمْ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ أَيْ: مِيثَاقَكُمْ، ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: تَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ بِالتَّنَقُّصِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَسْفِكُونَ: تصبُّون. تَقُولُ الْعَرَبُ: سَفك دمَه، أَيْ صبَّه وَسَفَكَ الزِّقَّ أَيْ هَرَاقَهُ. قَالَ الشَّاعِرُ: وَكُنَّا إذَا مَا الضيفُ حَلَّ بأرضِنا ... سَفَكْنَا دماءَ البُدْنِ فِي تُرْبةِ الحالِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي "بِالْحَالِ": الطِّينِ الَّذِي يُخَالِطُهُ الرَّمْلُ، وَهُوَ الَّذِي تَقُولُ لَهُ الْعَرَبُ: السَّهلة. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا قَالَ فرعونُ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس: ٩٠] أَخَذَ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ وحَمْأته، فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَ فِرْعَوْنَ. وَالْحَالُ: مِثْلُ الْحَمْأَةِ.
ّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس: ٩٠] أَخَذَ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ وحَمْأته، فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَ فِرْعَوْنَ. وَالْحَالُ: مِثْلُ الْحَمْأَةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ . عَلَى أَنَّ هَذَا حَقٌّ مِنْ مِيثَاقِي عليكمَ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٥] أَيْ: أَهْلَ الشِّرْكِ: حَتَّى يُسفكوا دماءَهم مَعَهُمْ، وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مَعَهُمْ. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ فِي كِتَابِكُمْ ﴿إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ،
أَتُفَادُونَهُمْ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وَتُخْرِجُونَهُمْ كُفَّارًا بِذَلِكَ: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥، ٨٦] فَأَنَّبَهُمْ اللَّهُ ﷿ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ، وَقَدْ حرَّم عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سفكَ دمائِهم. وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ. فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ، مِنْهُمْ بَنُو قَيْنقاع ولَفُّهم١، حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةَ ولَفُّهم، حُلَفَاءُ الْأَوْسِ. فَكَانُوا إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ، خَرَجَتْ بَنُو قَيْنقاع مَعَ الْخَزْرَجِ وَخَرَجَتْ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ يُظَاهِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إخْوَانِهِ حَتَّى يَتَسَافَكُوا. دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَبِأَيْدِيهِمْ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ. لَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً، وَلَا كِتَابًا، وَلَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا، فَإِذَا وَضعت الْحَرْبُ أوزارَها افْتَدَوْا أُسَارَاهُمْ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وأخذَ بِهِ بعضُهم مِنْ بعضٍ، يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَنْ كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيَدِي الْأَوْسِ وَتَفْتَدِي النَّضِيرُ وقريْظة مَا فِي أَيَدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ. ويُطِلُّون٢ مَا أَصَابُوا مِنْ الدِّمَاءِ، وقَتْلى مَنْ قُتلوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ.
ْرَجِ مِنْهُمْ. ويُطِلُّون٢ مَا أَصَابُوا مِنْ الدِّمَاءِ، وقَتْلى مَنْ قُتلوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ حَيْنَ أَنَّبَهُمْ بِذَلِكَ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أَيْ: تُفَادِيهِ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وتقتله، وفي حكم التوراة ألا تَفْعَلَ، تَقْتُلُهُ وتُخرجه مِنْ دَارِهِ وتُظاهر عَلَيْهِ مَنْ يُشركُ بِاَللَّهِ، وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ، ابْتِغَاءَ عَرَض الدُّنْيَا. فَفِي ذَلِكَ مِنْ فعلِهم مَعَ الأوْس وَالْخَزْرَجِ -فِيمَا بَلَغَنِي- نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: الْآيَاتُ الَّتِي وُضعت عَلَى يَدَيْهِ، مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وخلْقهِ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، وَالْخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْغُيُوبِ: مِمَّا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَمَا رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ مَعَ الإِنجيل، الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ كفرَهم بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَقَالَ: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ : فِي أكِنَّة. يقول ﷿:
فُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ : فِي أكِنَّة. يقول ﷿:
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ، وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمر بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ: قَالُوا: فِينَا وَاَللَّهِ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ، كُنَّا قَدْ عَلَوْناهم ظَهْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَنَحْنُ أهل الشرك وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ فَكَانُوا يَقُولُونَ لَنَا: إنَّ نَبِيًّا يُبعث الْآنَ نَتَّبِعُهُ قَدْ أظَلَّ زمانهُ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قتلَ عادٍ وإرَم. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رسولَه ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ فَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ، بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أَيْ أَنْ جَعَلَهُ فِي غَيْرِهِمْ، ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ: أَيْ اعْتَرَفُوا بِهِ وَاحْتَمَلُوهُ. قَالَ أعْشَى بَنِي قَيْس بْنِ ثَعْلبة: أصالحُكم حَتَّى تَبُوءُوا بمِثلها ... كصرْخَةِ حُبْلَى يَسَّرَتْها قبيلُها١ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَسَّرَتْهَا. أَجَلَسَتْهَا لِلْوِلَادَةِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَالْغَضَبُ عَلَى الْغَضَبِ، لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضيَّعوا مِنْ التَّوْرَاةِ، وَهِيَ مَعَهُمْ، وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضيَّعوا مِنْ التَّوْرَاةِ، وَهِيَ مَعَهُمْ، وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ. ثُمَّ أنَّبهم بِرَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ، وَاِتِّخَاذِهِمْ العجلَ إلَهًا دُونَ ربِّهم، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] ، أَيْ اُدْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَكْذَبُ عِنْدَ اللَّهِ، فأبَوْا ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ ﵊: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ، أَيْ: بِعِلْمِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِكَ، وَالْكُفْرِ بِذَلِكَ فَيُقَالُ: لَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ إلَّا مَاتَ. ثُمَّ ذَكَرَ رَغْبَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَطُولَ الْعُمْرِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ ، الْيَهُودَ، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] ، أَيْ: مَا هُوَ بِمُنْجِيهِ مِنْ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ المشركَ لَا يَرْجُو بَعْثًا بعدَ الْمَوْتِ، فهو يحب طولَ الحياة، وأن
اليهوديَّ قَدْ عَرَفَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الخِزْي بِمَا ضَيَّع مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ العلم. ثم قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] . سؤال اليهود الرسول، وإجابته: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْن المَكِّي، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب الأشْعَري، أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ جَاءُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا محمدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ أربعٍ نَسْأَلُكَ عنهنَّ، فَإِنْ فعلتَ ذَلِكَ اتَّبَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَآمَنَّا بِكَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عهدُ اللَّهِ وميثاقُه لَئِنْ أَنَا أخبرتُكم بِذَلِكَ لتصدِّقُنَّنِى؟ " قالوا: نعم، قال: "فاسئلوا عَمَّا بَدَا لَكُمْ". قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ يُشْبِهُ الولدُ أمَّه، وَإِنَّمَا النُّطْفَةُ مِنْ الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُنْشِدُكُمْ بِاَللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ نُطْفَةَ الرَّجُلِ بَيْضَاءُ غَلِيظَةٌ وَنُطْفَةَ الْمَرْأَةِ صَفْرَاءُ رَقِيقَةٌ فَأَيَّتُهُمَا عَلَتْ صَاحِبَتَهَا كَانَ لَهَا الشَّبَهُ"، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالُوا: فأخْبرنا كَيْفَ نومُك؟ فَقَالَ: "أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ نومَ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنِّي لستُ بِهِ تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ يَقْظَانُ؟ " فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: "فَكَذَلِكَ نَوْمِي، تَنَامُ عَيْنِيَّ وَقَلْبِي يَقْظَانُ".
ي لستُ بِهِ تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ يَقْظَانُ؟ " فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: "فَكَذَلِكَ نَوْمِي، تَنَامُ عَيْنِيَّ وَقَلْبِي يَقْظَانُ". قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَمَّا حرَّم إسرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: "أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ أحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ ألبانُ الإِبل وَلُحُومَهَا وَأَنَّهُ اشْتَكَى شَكْوَى فَعَافَاهُ اللَّهُ مِنْهَا فحرَّم عَلَى نَفْسِهِ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ شُكْرًا لِلَّهِ فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لحومَ الإِبل وَأَلْبَانَهَا" قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ الرُّوحِ؟ قَالَ: "أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ وبأيامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَهُ جبريلَ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِينِي؟ " قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ يَا مُحَمَّدُ لَنَا عَدُوٌّ، وَهُوَ مَلَكٌ، إنَّمَا يَأْتِي بِالشِّدَّةِ وَبِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْنَاكَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِيهِمْ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٠-١٠٣] . اليهود يُنكرون نبوة سليمان ﵇ وَرَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ، ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي- لَمَّا ذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ فِي المرْسَلين، قَالَ
هِ عَلَيْهِمْ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ، ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي- لَمَّا ذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ فِي المرْسَلين، قَالَ
بعضُ أَحْبَارِهِمْ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ، يَزْعُمُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ كَانَ نَبِيًّا، وَاَللَّهِ مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: بِاتِّبَاعِهِمْ السِّحْرَ وَعَمَلِهِمْ بِهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عِكْرمة، عن ابن عباس، أنه كان لِقول: الَّذِي حَرَّمَ إسرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ زَائِدَتَا الكَبْد، والكُلْيتان والشحْم، إلَّا مَا كَانَ عَلَى الظَّهْر، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يُقَرَّب لِلْقُرْبَانِ، فَتَأْكُلَهُ النَّارُ. كِتَابُهُ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، فيما حدثني مولَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرمة أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ مُحمدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صاحبِ مُوسَى وَأَخِيهِ، والمصدِّق لِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى: أَلَا إنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ لَكُمْ يَا معشرَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ،
حمدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صاحبِ مُوسَى وَأَخِيهِ، والمصدِّق لِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى: أَلَا إنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ لَكُمْ يَا معشرَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ، وَإِنَّكُمْ لَتَجِدُون ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] . وَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ، وَأَنْشُدُكُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلَّذِي أطْعم مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَسْبَاطِكُمْ الْمَنَّ والسلْوَى، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلَّذِي أَيْبَسَ الْبَحْرَ لِآبَائِكُمْ حَتَّى أَنَجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، إلاَّ أَخْبَرْتُمُونِي: هَلْ تَجِدُونَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أن تؤمنوا بمحمد؟ إن كُنْتُمْ لَا تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ فَلَا كُرْه عَلَيْكُمْ. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَطْؤُهُ: فِرَاخُهُ وَوَاحِدَتُهُ: شِطْأَةٌ. تَقُولُ الْعَرَبُ قَدْ أَشْطَأَ الزَّرْعُ، إذَا أَخْرَجَ فراخَه. وأزَره: عَاوَنَهُ، فَصَارَ الَّذِي قَبْلَهُ مثلَ الْأُمَّهَاتِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْر الكِنْديُّ: بِمَحْنيةٍ قَدْ آزَرَ الضَّالَ نَبتُها ... مَجَرَّ جُيُوشٍ غانمين وخُيَّب١
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ حُمَيد بْنُ مَالِكٍ الأَرْقَط، أَحَدُ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْد مَناة: زَرْعًا وقَضبًا مُؤْزَرَ النباتِ١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَسُوقُهُ: جَمْعُ سَاقٍ، لِسَاقِ الشَّجَرَةِ. مَا نَزَلَ فِي أَبِي يَاسِرٍ وَأَخِيهِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، بِخَاصَّةٍ مِنْ الْأَحْبَارِ وَكُفَّارِ يَهُودَ، الَّذِي كَانُوا يَسْأَلُونَهُ وَيَتَعَنَّتُونَهُ ليُلبسوا الحقَّ بِالْبَاطِلِ -فِيمَا ذُكر لِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رِئَابٍ- أَنَّ أَبَا يَاسِرِ بْنِ أخْطَبَ مرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتْلُو فَاتِحَةَ الْبَقَرَةِ: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢] فَأَتَى أَخَاهُ حُيَي بْنَ أَخْطَبَ فِي رِجَالٍ مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: تَعَلَّموا وَاَللَّهِ، لَقَدْ سمعتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فَقَالُوا: أَنْتَ سمعتَه؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَمَشَى حُيي بْنُ أَخْطَبَ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ يَهُودَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ يُذكر لَنَا أَنَّكَ تَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَلَى" قالوا: أجاءك به جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ"، قَالُوا: لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قبلكَ أنبياءَ، مَا نَعْلَمُهُ بيَّن لِنَبِيٍّ مِنْهُمْ مَا مُدَّةُ مُلكِهِ، وَمَا أكْل٢ أُمَّتِهِ غَيْرَكَ، فَقَالَ حُيِي بْنُ أَخْطَبَ، وَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، فَهَذِهِ إحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، أَفَتَدْخُلُونَ فِي دِينٍ إنَّمَا مُدَّةُ مُلْكِهِ وأكْل أُمَّتِهِ إحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحمدُ، هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"،
ِهِ وأكْل أُمَّتِهِ إحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحمدُ، هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ: ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] قَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، وَالصَّادُ تِسْعُونَ، فَهَذِهِ إحدى وستون ومائة سنة. بخ هَلْ مَعَ هَذَا يَا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" ﴿الَر﴾ قَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالرَّاءُ مِائَتَانِ، فَهَذِهِ إحدى وثلاثون ومائتان، هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" ﴿الَمر﴾ . قَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ أثقلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، وَالرَّاءُ مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سَنَةٍ. ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ لُبِّس عَلَيْنَا أمرُك يَا مُحَمَّدُ، حَتَّى مَا نَدْرِي أَقَلِيلًا أُعْطِيتَ أَمْ كَثِيرًا؟ ثُمَّ قَامُوا عَنْهُ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ لِأَخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَحْبَارِ: مَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ قَدْ جُمع هذا كلُّه لمحمد،
َنْهُ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ لِأَخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَحْبَارِ: مَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ قَدْ جُمع هذا كلُّه لمحمد،
إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبع مائة وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، فَقَالُوا: لَقَدْ تَشَابَهَ عَلَيْنَا أمره. فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سمعتُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إنَّمَا أُنْزِلْنَ فِي أَهْلِ نَجْرَانَ، حَيْنَ قَدِموا على رسول الله ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي محمدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْل بْنِ حُنَيْف، أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إنَّمَا أُنْزِلْنَ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ، وَلَمْ يُفَسِّرْ ذَلِكَ لِي. فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
دْ سَمِعَ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إنَّمَا أُنْزِلْنَ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ، وَلَمْ يُفَسِّرْ ذَلِكَ لِي. فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. كفر اليهود بالإِسلام وَمَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمة مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ يهودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الأوْس وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنْ العربِ كَفَرُوا بِهِ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ. فَقَالَ لَهُمْ مُعاذ بْنُ جَبَلٍ، وبِشر بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، أَخُو بَنِي سَلمة: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِموا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَّتِهِ، فَقَالَ سَلاَّم بْنُ مِشْكَم، أَحَدُ بَنِي النَّضِير: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا هُوَ بِاَلَّذِي كُنَّا نَذْكُرُهُ لَكُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] . وقال ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْف، حَيْنَ بُعث رسول الله، ﷺ -وذَكر لَهُمْ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ لَهُ مِنْ الْمِيثَاقِ، وَمَا عَهِد اللَّهُ إلَيْهِمْ فِيهِ: وَاَللَّهِ مَا عُهِد إلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ عهدٌ وَمَا أُخِذَ لَهُ عَلَيْنَا مِنْ مِيثَاقٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . [البقرة: ١٠٠]
مِنْ مِيثَاقٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . [البقرة: ١٠٠] وَقَالَ أَبُو صَلُوبا الفَطْيُوني لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا محمدُ مَا جِئْتَنَا بشيءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ آيَةٍ فَنَتَّبِعَكَ لَهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] . وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلة، وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا محمد، ائتنا
بِكِتَابٍ تُنزله عَلَيْنَا مِنْ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وفَجِّر لَنَا أَنَهَارًا نتبعْك ونصدقْك، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ . [البقرة: ١٠٨] قال ابن هشام: سواء: وَسَطُ السَّبِيلِ. قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا وَيْحَ أنصارِ النَّبِيِّ ورهطهِ ... بَعْدَ المُغَيَّب فِي سَواءِ المُلْحَدِ١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ حُيي بْنُ أَخْطَبَ وَأَخُوهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ مِنْ أَشَدِّ يهودٍ لِلْعَرَبِ حَسَدًا، إذْ خَصَّهم اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ وَكَانَا جاهدَيْن في رَدِّ الناس بِمَا اسْتَطَاعَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
عْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] . تَنَازُعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عندَ الرَّسُولِ ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِم أهلُ نَجْرَانَ مِنْ النَّصَارَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَتْهُمْ أحبارُ يَهُودَ، فَتَنَازَعُوا عندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْملة: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ وكَفَر بِعِيسَى وبالإِنجيل، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ النَّصَارَى لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وجَحَد نبوةَ مُوسَى وَكَفَرَ بِالتَّوْرَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] أَيْ: كُلٌّ يَتْلُو فِي كِتَابِهِ تصديقَ مَا كَفَرَ بِهِ، أَيْ يَكْفُرُ اليهودُ بِعِيسَى، وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى ﵇ بِالتَّصْدِيقِ بِعِيسَى ﵇، وَفِي الإِنجيل مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى ﵇، مِنْ تَصْدِيقِ مُوسَى ﵇، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ التَّوْرَاةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلٌّ يكْفُر بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلة لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا محمدُ، إن كنت
ِنْدِ اللَّهِ، وَكُلٌّ يكْفُر بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلة لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا محمدُ، إن كنت
رَسُولًا مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، فَقُلْ للهِ فَلْيُكَلِّمْنَا حَتَّى نسمعَ كلامَه. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُوريا الْأَعْوَرُ الفِطْيُوني لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا الهُدَى إلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وَقَالَتْ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُوريا وَمَا قَالَتْ النَّصَارَى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] ثُمَّ الْقِصَّةَ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] .
اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] . ما قالته الْيَهُودِ عِنْدَ صَرْفِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا صُرِفت الْقِبْلَةُ عَنْ الشَّامِ إلَى الْكَعْبَةِ، وصُرفت فِي رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سبعةَ عشرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدم رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ رفاعةُ بْنُ قَيْس، وقَرْدَم بْنُ عَمرو، وَكَعْبُ بْنُ الأشْرف، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بن أبي الحُقَيق، وكنانة بن الربيع بن أَبِي الحُقيق، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، مَا ولاَّك عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ؟ ارْجِعْ إلَى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا نتبعْك ونصدقْك، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ .
كُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ . أي: ابتلاء واختبار، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أَيْ: مِنْ الْفِتَنِ، أَيْ الَّذِينَ ثبَّت اللَّهُ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ، أَيْ: إيمَانَكُمْ بِالْقِبْلَةِ الْأُولَى، وَتَصْدِيقَكُمْ نَبِيَّكُمْ، وَاتِّبَاعَكُمْ إيَّاهُ إلَى الْقِبْلَةِ الْآخِرَةِ، وَطَاعَتَكُمْ نَبِيَّكُمْ فِيهَا، أَيْ ليعطينكم أجرهما جميعًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَطْرَهُ: نحوَه وَقَصْدَهُ. قَالَ عُمر بْنُ أَحْمَرَ الْبَاهِلِيُّ -وَبَاهِلَةُ بْنُ يَعْصر بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْس بْنِ عَيْلَانَ- يَصِفُ نَاقَةً له:
تَعْدُو بِنَا شَطْرَ جَمْعٍ وَهِيَ عاقدةٌ ... قَدْ كارَبَ العَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الحَقَبا١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ قَيْس بْنُ خُوَيْلد الهُذَلي يَصِفُ نَاقَتَهُ: إنَّ النَّعوسَ بِهَا داءٌ مُخامِرها ... فَشَطْرَها نظرُ العَيْنين مَحْسور وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالنَّعُوسُ: نَاقَتُهُ، وَكَانَ بِهَا دَاءٌ فَنَظَرَ إلَيْهَا نَظَرَ حسير، من قوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] . ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] . كتمانهم ما في التوراة: وَسَأَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلَمة، ثم وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهل وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْد، أَخُو بَلْحارث بْنِ الْخَزْرَجِ، نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ عَنْ بَعْضِ مَا في التوراة، فكتموهم في إيَّاهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُخْبِرُوهُمْ عَنْهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] .
يِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] . جوابهم النبي ﵇ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الإِسلام: قَالَ: وَدَعَا رسولُ اللَّهِ ﷺ اليهودَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَى الإِسلام وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ، وحذَّرهم عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ. فَقَالَ لَهُ رَافِعُ بْنُ خَارجة، وَمَالِكُ بْنُ عَوْف: بَلْ نَتْبَعُ يَا مُحَمَّدُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءَنا، فَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ وَخَيْرًا مِنَّا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] . جَمْعُهُمْ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ: وَلَمَّا أَصَابَ اللَّهُ ﷿ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ جَمَعَ رسُولُ الله ﷺ يهودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنقاع، حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فقال: يا معشر يهود،
َمَّا أَصَابَ اللَّهُ ﷿ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ جَمَعَ رسُولُ الله ﷺ يهودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنقاع، حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فقال: يا معشر يهود،
أسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصيبكم اللَّهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ بِهِ قُرَيْشًا، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، لايغرنَّك مِنْ نفسِك أَنَّكَ قتلتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا أغْمارًا١ لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إنَّكَ وَاَللَّهِ لَوْ قَاتَلْتنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نحنُ الناسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مثلَنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٢، ١٣] . دُخُولُهُ ﷺ بَيْتَ المِدْرَاس: قَالَ: وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ المِدْرَاس٢ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ يَهُودَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ قَالَا: فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ يهوديُّا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فهلُمَّ إلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا وبينَكم، فأبَيَا عَلَيْهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣، ٢٤] .



