— Bagian 8 · َى الغمامُ بوجهِه ... ثمالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ… —
Bagian 8
َى الغمامُ بوجهِه ... ثمالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ للأراملِ قَالَ: "أَجَلْ". قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَوْلُهُ "وَشَبْرِقَهٌ" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. ذكر الْأَسْمَاءُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي قَصِيدَةِ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْغَيَاطِلِ: مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بنْ هَصيص، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ. ومُطْعِم بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وزُهير بْنُ أَبِي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم، أمه عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَسِيدٌ، وبِكْره: عَتَّاب بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ. وَعُثْمَانُ بْنُ عُبيد اللَّهِ، أَخُو طَلْحَةَ بْنِ عُبيد اللَّهِ التيْمي. وقنفذ بن عُمَير بْنِ جُدْعان بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْم بْنِ مُرَّةَ. وَأَبُو الْوَلِيدِ عتبة بن ربيعة. وأبو الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهرة بن كلاب.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْأَخْنَسُ؛ لِأَنَّهُ خَنَسَ بِالْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّمَا اسْمُهُ أُبَيٌّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عِلَاجٍ، وَهُوَ عِلاج بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَوْف بْنِ عُقْبَةَ. وَالْأَسْوَدُ بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مَنَافِ بْنِ زُهرة بْنِ كِلَابٍ. وسُبيع بْنُ خَالِدٍ، أَخُو بَلْحَارث بْنِ فِهْرٍ. ونَوْفل بْنُ خُوَيْلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيٍّ، وَهُوَ ابْنُ الْعَدَوِيَّةِ. وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ الَّذِي قَرَنَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْد اللَّهِ ﵄ فِي حَبْلٍ حِينَ أَسْلَمَا، فَبِذَلِكَ كَانَا يُسَمَّيَانِ الْقَرِينَيْنِ؛ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ يَوْمَ بَدْرٍ. وَأَبُو عَمْرٍو قُرْظة بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. "وقومٌ عَلَيْنَا أظنَّة": بَنُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ عدَّد أَبُو طَالِبٍ فِي شِعْرِهِ مِنْ الْعَرَبِ. انْتِشَارُ ذِكْرِ الرَّسُولِ خارج مكة: فَلَمَّا انْتَشَرَ أمرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرَبِ، وَبَلَغَ الْبُلْدَانَ، ذُكر بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِنْ الْعَرَبِ أَعْلَمَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذُكر، وَقَبْلَ أَنْ يُذكر مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، وَكَانُوا لَهُمْ حُلَفَاءَ، وَمَعَهُمْ فِي بلادِهم. فَلَمَّا وَقَعَ ذِكْرُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَتَحَدَّثُوا بِمَا بَيْنَ قُرَيْشٍ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ. قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَت١، أَخُو بَنِي واقف: نسب ابن الْأَسْلَتِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَسَبُ ابنُ إسْحَاقَ أبا قيس هذا ههنا إلَى بَنِي وَاقِفٍ، وَنَسَبُهُ فِي حَدِيثِ الْفِيلِ إلَى خَطْمة؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَنْسِبُ الرَّجُلَ إلَى أَخِي جَدِّهِ الَّذِي هُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ.
َنِي وَاقِفٍ، وَنَسَبُهُ فِي حَدِيثِ الْفِيلِ إلَى خَطْمة؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَنْسِبُ الرَّجُلَ إلَى أَخِي جَدِّهِ الَّذِي هُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيدة: أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارى مِنْ وَلَدِ نُعَيْلة أَخِي غِفار وَهُوَ غِفار بْنُ مُلَيْل، ونُعَيلة بْنُ مُلَيل بْنِ ضَمْرة بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَقَدْ قَالُوا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ السُّلَمي وَهُوَ مِنْ وَلَدِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورٍ وسُلَيْم بْنِ مَنْصُورٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ: مِنْ بَنِي وَائِلٍ؛ وَوَائِلٌ، وَوَاقِفٌ، وخَطْمة إخْوَةٌ مِنْ الْأَوْسِ. شِعْرُ ابْنُ الْأَسْلَتِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ: وَكَانَ يُحِبُّ قُرَيْشًا، وَكَانَ لهم صهرًا، كانت عنده أرنب بنت
أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصي، وَكَانَ يُقِيمُ عِنْدَهُمْ السِّنِينَ بِامْرَأَتِهِ قَصِيدَةً يُعَظِّمُ فِيهَا الْحُرْمَةَ، وَيَنْهَى قُرَيْشًا فِيهَا عَنْ الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَذْكُرُ فضلَهم وأحلامَهم، وَيَأْمُرُهُمْ بالكفِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويذكِّرهم بلاءَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ، وَدَفْعَهُ عَنْهُمْ الْفِيلَ وَكَيْدَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ: يَا رَاكِبًا إمَّا عَرَضتَ فبلِّغنْ ... مُغَلغلَةً عَنِّي لُؤيَّ بنَ غالبِ١ رَسُولُ امْرِئٍ قَدْ رَاعَهُ ذَاتُ بَيْنِكُمْ ... عَلَى النأيِ محزونٍ بذلكِ ناصبِ٢ وَقَدْ كَانَ عِنْدِي للهمومِ معَرَّسٌ ... فَلَمْ أقضِ مِنْهَا حَاجَتِي وَمَآرِبِي٣ نُبِّيتُكم شَرْجَيْن كُلَّ قبيلةٍ ... لَهَا أزْمَلٌ مِنْ بَيْنِ مُذْكٍ وحاطبِ٤ أُعِيذُكُمْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ صنعِكم ... وشرِّ تَبَاغِيكُمْ ودسِّ العقاربِ وإظهارِ أخلاقٍ ونجْوَى سَقِيمَةٍ ... كوخزِ الْأَشَافِي وقعُها حقُّ صَائِبِ٥ فذكرْهمْ باللهِ أولَ وهلةٍ ... وَإِحْلَالِ أَحْرَامِ الظباءِ الشوازبِ٦
بِ وإظهارِ أخلاقٍ ونجْوَى سَقِيمَةٍ ... كوخزِ الْأَشَافِي وقعُها حقُّ صَائِبِ٥ فذكرْهمْ باللهِ أولَ وهلةٍ ... وَإِحْلَالِ أَحْرَامِ الظباءِ الشوازبِ٦ وَقُلْ لَهُمْ وَاَللَّهُ يحكمُ حُكْمَهُ ... ذَرُوا الحربَ تذهبْ عَنْكُمْ فِي المَراحبِ٧ مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً ... هِيَ الغُولُ للأقصينَ أَوْ للأقاربِ٨ تُقطِّعُ أَرْحَامًا وتُهلك أُمَّةً ... وَتَبْرِي السَّديفَ من سَنام وغاربِ٩
وَتَسْتَبْدِلُوا بالأتحميةِ بعدَها ... شَليلًا وَأَصْدَاءً ثيابَ المحاربِ١ وبالمسكِ والكافورِ غُبْرًا سَوَابِغًا ... كَأَنَّ قَتِيرَيْها عيونُ الجنادبِ٢ فإياكمُ والحربَ لَا تَعْلَقَنَّكُمْ ... وحَوْضًا وَخِيمَ الماءِ مُرَّ المشاربِ تَزَيَّنَ للأقوامِ ثُمَّ يَرَوْنَها ... بعاقبةٍ إذْ بَيَّنَتْ، أمَّ صاحبِ٣ تحرِّق لَا تُشْوِي ضَعِيفًا وَتَنْتَحِي ... ذَوِي العزِّ مِنْكُمْ بالحُتوف الصوائبِ٤ أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حربِ داحس ٍ ... فَتَعْتَبِرُوا أَوْ كَانَ فِي حربِ حاطبِ وَكَمْ قَدْ أَصَابَتْ مِنْ شريفٍ مُسَوَّدٍ ... طويلِ العمادِ ضيفُه غيرُ خائِب عظيمِ رمادِ النارِ يُحمَدُ أمرُه ... وَذِي شيمةٍ محضٍ كريمِ المضاربِ٥ وَمَاءِ هُريق فِي الضلالِ كَأَنَّمَا ... أَذَاعَتْ بِهِ ريحُ الصَّبا والجنائبِ يُخبِّركم عَنْهَا امْرُؤٌ حقُّ عَالِمٌ ... بأيامِها والعلمُ علمُ التجاربِ فَبِيعُوا الحرابَ مِلْمُحَارِبِ وَاذْكُرُوا ... حسابَكمُ واللهُ خيرُ محاسبِ وَلِيُّ امرئٍ فاختار دينًا فلا يَكنْ ... عليكم لي رَقِيبًا غيرُ ربِّ الثواقبِ٦ أَقِيمُوا لَنَا دِينًا حَنِيفًا فَأَنْتُمْ ... لَنَا غَايَةٌ قَدْ يُهتَدى بالذوائبِ٧ وَأَنْتُمْ لِهَذَا الناسِ نُورٌ وعصمةٌ ... تُؤَمُّون، والأحلامُ غيرُ عوازبِ٨ وَأَنْتُمْ، إذَا مَا حُصِّل الناسُ، جَوْهَرٌ ... لَكُمْ سُرَّةُ البطحاءِ شُمُّ الأرانبِ٩ تَصُونُونَ أَجْسَادًا كِرَامًا عَتِيقَةً ... مهذَّبةَ الأنسابِ غيرَ أشائبِ١٠
تَرَى طالبَ الحاجاتِ نحوَ بيوتِكم ... عصائبَ هَلْكَى تَهْتَدِي بعصائبِ لَقَدْ عَلِمَ الأقوامُ أَنَّ سَراتَكم ... عَلَى كلِّ حالٍ خيرُ أهلِ الجباجِبِ١ وأفضلُه رَأْيًا وَأَعْلَاهُ سُنة ... وأقولُه للحقِّ وسطَ المواكبِ فَقُومُوا فَصَلُّوا ربَّكم وتمسَّحوا ... بِأَرْكَانِ هَذَا البيتِ بينَ الأخاشبِ٢ فعندكمُ مِنْهُ بلاءٌ ومصْدَق ... غداةَ أبي يَكْسومَ هادي الكتائبِ كتيبتُه بالسهلِ تُمسى ورَجْلُه ... عَلَى القاذفاتِ فِي رءوسِ الْمَنَاقِبِ٣ فَلَمَّا أَتَاكُمْ نصرُ ذِي العرشِ ردَّهم ... جنودُ المليكِ بَيْنَ سافٍ وحاصبِ٤ فَوَلَّوْا سِراعا هَارِبِينَ وَلَمْ يَؤُبْ ... إلَى أهلِه مِلْحُبْشِ غيرِ عَصَائِبِ فَإِنْ تَهْلِكوا نَهْلِكْ وتهلكْ مواسمٌ ... يُعاش بِهَا قولُ امرئٍ غيرِ كاذبِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ، "وَمَاءٌ هُرِيقَ"، وَبَيْتَهُ: "فَبِيعُوا الْحِرَابَ"، وَقَوْلَهُ: "وَلِيُّ امْرِئِ فَاخْتَارَ"، وَقَوْلَهُ: عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُ. حَرْبٌ داحس والغبراء: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ فَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيدة النَّحَوِيُّ: أَنَّ دَاحِسًا فَرَسٌ كَانَ لِقَيْسِ بْنِ زُهَير بْنِ جَذيمة بْنِ رَواحة بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ قُطَيْعَةَ بْنِ عِبْس بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْث بْنِ غَطَفان أَجْرَاهُ مَعَ فَرَسٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرِ بْنِ عَمرو بْنِ زَيْدِ بْنِ جُؤَيَّة بْنِ لُوذان بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ فَزارة بْنِ ذُبيان بْنِ بَغيض بْنِ رَيْث بْنِ غَطَفان، يُقَالُ لَهَا: الْغَبْرَاءُ. فَدَسَّ حُذَيْفَةُ قَوْمًا وأمرهمِ أَنْ يَضْرِبُوا وَجْهَ دَاحِسٍ إنْ رَأَوْهُ قَدْ جَاءَ سَابِقًا، فَجَاءَ دَاحِسٌ سَابِقًا فَضَرَبُوا وجهه، وجاءت الغبراء.
حُذَيْفَةُ قَوْمًا وأمرهمِ أَنْ يَضْرِبُوا وَجْهَ دَاحِسٍ إنْ رَأَوْهُ قَدْ جَاءَ سَابِقًا، فَجَاءَ دَاحِسٌ سَابِقًا فَضَرَبُوا وجهه، وجاءت الغبراء.
فَلَمَّا جَاءَ فَارِسُ دَاحِسٍ أَخْبَرَ قَيْسًا الْخَبَرَ، فَوَثَبَ أَخُوهُ مَالِكُ بْنُ زُهَيْر فَلَطَمَ وَجْهَ الْغَبْرَاءِ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ فَلَطَمَ مَالِكًا. ثُمَّ إنَّ أَبَا الجُنَيْدب العَبْسي لَقِيَ عوفَ بنَ حُذَيْفَةَ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ لَقِيَ رجلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مَالِكًا فَقَتَلَهُ، فَقَالَ حَمَل بْنُ بَدْرٍ أَخُو حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ: قَتَلْنَا بِعَوْفٍ مَالِكًا وَهُوَ ثأرُنا ... فَإِنْ تَطْلُبُوا مِنَّا سِوَى الحقِّ تَنْدَموا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ العَبْسي: أفبعدَ مَقْتَلِ مالكِ بْنِ زُهَير ... تَرْجُو النساءُ عواقبَ الأطهارِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. فَوَقَعَتْ الحربُ بَيْنَ عَبْس. وَفَزَارَةَ، فقُتل حذيفةُ بْنُ بَدْرٍ وأخوه حَمَلُ ابن بَدْرٍ، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ زُهير بْنِ جَذِيمة يَرْثِي حُذيفة، وَجَزِعَ عَلَيْهِ: كَمْ فَارِسٍ يُدْعَى وَلَيْسَ بفارسٍ ... وَعَلَى الهَباءةِ فَارِسٌ ذُو مَصْدق١ فَابْكُوا حذيفةَ لَنْ تُرَثّوا مثلَه ... حَتَّى تبيدَ قبائلٌ لَمْ تُخْلَق وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ: عَلَى أَنَّ الْفَتَى حَمَلَ بنَ بَدْرٍ ... بَغَى والظلمُ مرتعُه وخيمُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ زُهَيْرٍ أَخُو قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ: تركتُ عَلَى الهباءةِ غيرَ فَخْر ... حُذيفةَ عندَه قِصَدُ الْعَوَالِي٢ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَرْسَلَ قَيْسٌ دَاحِسًا وَالْغَبْرَاءَ، وَأَرْسَلَ حُذَيْفَةُ الخَطَّار والحَنْفاء، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ الْحَدِيثَيْنِ. وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ قَطْعُهُ حَدِيثَ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ار والحَنْفاء، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ الْحَدِيثَيْنِ. وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ قَطْعُهُ حَدِيثَ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. حَرْبُ حَاطِبٍ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: "حَرْبُ حَاطِبٍ". فَيَعْنِي حَاطِبَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ هَيْشة بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْف بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، كَانَ قَتَلَ يَهُودِيَّا جَارًا لِلْخَزْرَجِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَحْمَرَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْب بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بن الخزرج،
وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ابْنُ فُسْحُم، وفُسْحُم أُمُّهُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ القَيْن بْنِ جَسْر، لَيْلًا فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فَقَتَلُوهُ، فَوَقَعَتْ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ؛ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَ الظَّفَر لِلْخَزْرَجِ عَلَى الْأَوْسِ، وقُتل يَوْمئِذٍ سُوَيد بْنُ صَامِتِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ حَوْط بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الأوس، قتله المُجذَّر بن زياد الْبَلَوِيُّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، حَلِيفُ بَنِي عَوْف بْنِ الْخَزْرَجِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ المجَذَّر بن زياد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجَ مَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ سوَيْد بْنِ صَامِتٍ، فَوَجَدَ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْد غِرَّة مِنْ الْمُجَذَّرِ فَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ. وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي مَوْضِعِهِ -إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- ثُمَّ كَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ مَنَعَنِي مِنْ ذِكْرِهَا وَاسْتِقْصَاءِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْتُ فِي حَدِيثِ حَرْبِ دَاحِسٍ. شِعْرُ حَكِيمِ بن أمية في نهي قومه عن عداوة الرسول: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الأوْقَص السُّلَمي، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَدْ أَسْلَمَ، يُوَرِّع١ قومَه عَمَّا أَجَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا مُطَاعًا: هَلْ قائلٌ قولًا من الحقِّ قَاعِدٌ ... عَلَيْهِ وَهَلْ غَضْبَانُ للرشْدِ سامعُ وَهَلْ سَيِّدٌ تَرْجُو العشيرةُ نفعَه ... لِأَقْصَى الْمَوَالِي وَالْأَقَارِبِ جامعُ تَبَرَّأْتُ إلَّا وَجْهَ مَنْ يَمْلِكُ الصَّبَا ... وأهجرُكم مَا دَامَ مُدْلٍ وَنَازِعُ٢ وأسْلم وَجْهِي للإِله وَمَنْطِقِي وَلَوْ ... رَاعَنِي مِنَ الصَّديقِ روائع ذكر ما لقي وسول اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْمِهِ
هجرُكم مَا دَامَ مُدْلٍ وَنَازِعُ٢ وأسْلم وَجْهِي للإِله وَمَنْطِقِي وَلَوْ ... رَاعَنِي مِنَ الصَّديقِ روائع ذكر ما لقي وسول اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْمِهِ سفهاء قريش يأذونه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا اشْتَدَّ أمرُهم لِلشَّقَاءِ الَّذِي أَصَابَهُمْ فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْهُمْ، فأغْرَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سفهاءَهم؛ فكذَّبوه وآذَوْه، وَرَمَوْهُ بالشِّعر وَالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالْجُنُونِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُظْهِرٌ لِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَسْتَخْفِي بِهِ، مبادٍ لَهُمْ بِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ عَيْب دِينِهِمْ، وَاعْتِزَالِ أَوْثَانِهِمْ، وَفِرَاقِهِ إيَّاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
أَشَدُّ مَا أُوذِيَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا كَانُوا يُظهرون مِنْ عَدَاوَتِهِ؟ قَالَ: حضرتُهم وَقَدْ اجْتَمَعَ أشرافُهم يَوْمًا فِي الحِجْر، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مثلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ، سفَّه أحلامَنا، وَشَتَمَ آباءَنا، وَعَابَ دينَنا، وفرَّق جماعَتنا، وسبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، أَوْ كَمَا قَالُوا. فبينَا هُم فِي ذَلِكَ إذْ طَلَعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الركنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ الْقَوْلِ.
لُ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الركنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ الْقَوْلِ. قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا مرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بمثلِها، فعرفتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثم مرَّ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ: أَتَسْمَعُونَ يَا معشرَ قُريش، أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بالذَّبْح١. قَالَ: فَأَخَذَتْ القومَ كلمتُه حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طائرٌ وَاقِعٌ، حَتَّى إنَّ أشدَّهم فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيرْفَؤُه٢ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ، حَتَّى إنَّهُ لِيَقُولَ: انصرفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَوَاَللَّهِ مَا كنتَ جَهُولًا. قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا كَانَ الغدُ اجْتَمَعُوا فِي الحِجْر وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بعضُهم لِبَعْضِ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، حَتَّى إذَا بادَاكم بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ فَوَثَبُوا إلَيْهِ وثبةَ رجلٍ وَاحِدٍ، وَأَحَاطُوا بِهِ، يَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ لِمَا كَانَ يَقُولُ مِنْ عَيْب آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ، أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ". قَالَ: فَلَقَدْ رأيتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بمجْمَع رِدَائِهِ. قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ دُونَهُ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لأشدُّ مَا رأيتُ قُرَيْشًا نَالُوا مِنْهُ قط. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بعضُ آلِ أُمِّ كلثوم بنت أبي بكر، أنها قالت: رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ وَقَدْ صَدَعُوا فَرْقَ رأسِه؛ مما جبذوه بلحيته، وكان كثير الشعر.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أشدُّ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا فَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا كذَّبه وَآذَاهُ، لَا حُر وَلَا عَبْدٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَنْزِلِهِ، فَتَدَثَّرَ مِنْ شدةِ مَا أَصَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ، [المدثر: ١، ٢] ١. إسلام حمزة ﵁: سبب إسلامه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، كَانَ وَاعِيَةً: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصَّفَا، فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ، وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنْ العَيْب لِدِينِهِ، وَالتَّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ؛ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ ومولاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعان بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْم بْنِ مُرَّةَ فِي مَسْكَنٍ لَهَا تَسْمَعُ ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَعَمَدَ إلَى نادٍ٢ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ أَنْ أَقْبَلَ متوشحًا قوسَه، راجعًا من قَنَص يَرْمِيهِ وَيَخْرُجُ لَهُ، وَكَانَ إذَا رَجَعَ مِنْ قَنَصه لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى يطوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرَّ عَلَى نادٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا وَقَفَ وَسَلَّمَ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أعزَّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وأشدَّ شَكِيمَةً. فَلَمَّا مَرَّ بالمَوْلاةِ، وَقَدْ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ- قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمارة، ولو رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا من أبي الحكم بن هشام: وجده ههنا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
نِفًا من أبي الحكم بن هشام: وجده ههنا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ ﷺ. فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الْغَضَبُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَخَرَجَ يَسْعَى وَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ، مُعِدًّا لِأَبِي جَهْلٍ إذَا لَقِيَهُ أَنْ يوقع به؛ فلما دخل المسجد نظهر إلَيْهِ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَهُ بِهَا فَشَجَّهُ شَجَّةً منكَرة، ثُمَّ قَالَ: أَتَشْتِمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ؟ فرُد ذَلِكَ عَلَيَّ إنِ اسْتَطَعْتُ. فَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ بني مخزوم إلى حمزة لينصروا
أَبَا جَهْلٍ؛ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أَبَا عُمارة، فَإِنِّي وَاَللَّهِ قَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أَخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا، وَتَمَّ حَمْزَةُ ﵁ عَلَى إسْلَامِهِ، وَعَلَى مَا تَابَعَ عَلَيْهِ رسولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ. فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَرَفَتْ قريشٌ أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَزَّ وَامْتَنَعَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ، فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ ما كانوا ينالون منه.
ْلَمَ حَمْزَةُ عَرَفَتْ قريشٌ أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَزَّ وَامْتَنَعَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ، فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ ما كانوا ينالون منه. عتبة بن ربيعة يفاوض الرسول ﷺ قال ابن إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرظي، قَالَ: حُدثتُ أَنَّ عُتبة بْنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ سَيِّدًا، قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَلَا أَقُومُ إلَى مُحَمَّدٍ فَأُكَلِّمَهُ وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّهُ يقبلُ بعضَها فَنُعْطِيهِ أَيَّهَا شَاءَ، وَيَكُفُّ عَنَّا؟ وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حمزةُ، ورأوْا أصحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُونَ ويكثُرون؛ فَقَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ، قُمْ إلَيْهِ فكلمْه؛ فَقَامَ إلَيْهِ عُتبة حَتَّى جَلَسَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: يابن أَخِي، إنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ علمتَ مِنْ السِّطَة١ فيِ الْعَشِيرَةِ، وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّكَ أَتَيْتَ قومَك بِأَمْرِ عَظِيمٍ فرَّقت بِهِ جَمَاعَتَهُمْ وسفهتَ بِهِ أحلامَهم وعِبتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ وكفَّرت بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنِّي أعرضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا.
ْ وَدِينَهُمْ وكفَّرت بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنِّي أعرضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُلْ يَا أبا الوليد، أسمع"، قال: يابنَ أَخِي، إنْ كنتَ إنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جئتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا، حَتَّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا: وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رَئِيًّا٢ تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نفسِك، طَلَبْنَا لَكَ الطبَّ، وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتَّى نبرئَك مِنْهُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ التابعُ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُدَاوَى مِنْهُ أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ، حَتَّى إذَا فَرَغَ عُتْبَةُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَمِعُ مِنْهُ، قَالَ: "أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَاسْمَعْ مِنِّي"؛ قَالَ: أَفْعَلُ. فَقَالَ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم?، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ فَلَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا، وَأَلْقَى يَدَيْهِ خلفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ؛ ثمِ انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى السَّجْدَةِ مِنْهَا، فَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتَ يَا أبا الوليد ما سمعتَ، فأنت وذاك.
رأي عتبة: فَقَامَ عُتْبَةُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: نَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بغيرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ. فَلَمَّا جَلَسَ إلَيْهِمْ قَالُوا: مَا وراءَك يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: وَرَائِي أَنِّي قَدْ سمعتُ قَوْلًا وَاَللَّهِ مَا سَمِعْتُ مثلَه قطُّ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، وَلَا بِالسِّحْرِ، وَلَا بِالْكِهَانَةِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا بِي، وخلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ فاعتزِلوه، فَوَاَللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سمعتُ مِنْهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، فَإِنْ تصبْه الْعَرَبُ فَقَدْ كُفيتموه بغيرِكم، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فملُكه ملكُكم، وعزُّه عِزُّكُمْ، وَكُنْتُمْ أسْعَدَ النَّاسِ بِهِ؛ قَالُوا: سَحَرَكَ وَاَللَّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ؛ قَالَ: هَذَا رَأْيِي فِيهِ، فاصنعوا ما بدا لكم. قريش تفتن المسلمين: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ الِإسلام جَعَلَ يَفْشُو بِمَكَّةَ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ وَقُرَيْشٌ تَحْبِسُ مَنْ قَدَرَتْ عَلَى حَبْسِهِ، وَتَفْتِنُ مَنْ اسْتَطَاعَتْ فِتْنَتَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ إنَّ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عبد الله بن عباس ﵄ قال:
َبِيلَةٍ، كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عبد الله بن عباس ﵄ قال: زعماء قريش تفاوض الرَّسُولِ ﷺ: اجْتَمَعَ عتبةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفيان بن حرب، والنَّضْر بن الحارث، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَأَبُو البَخْتَري بْنُ هِشَامٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ المطَّلب بْنِ أَسَدٍ، وزَمَعة بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ، ونُبَيْه ومُنبَّه ابْنَا الْحَجَّاجِ السَّهْمِيَّانِ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أَوْ مَنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ. قَالَ: اجْتَمِعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: ابْعَثُوا إلَى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتَّى تُعذروا فِيهِ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشرافَ قومِك قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ، فأتهمْ.
وا إلَى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتَّى تُعذروا فِيهِ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشرافَ قومِك قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ، فأتهمْ. فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا، وَهُوَ يَظُنُّ أَنْ قَدْ بَدَا لَهُمْ فِيمَا كَلَّمَهُمْ فِيهِ بَداء، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا يُحِبُّ رشدَهم، وَيَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهم، حَتَّى جَلَسَ إلَيْهِمْ؛ فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّا قَدْ بَعَثْنَا إلَيْكَ لِنُكَلِّمَكَ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مِثْلَ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ، وعِبت الدِّينَ، وَشَتَمْتَ الْآلِهَةَ، وَسَفَّهْتَ الأحلامَ، وَفَرَّقْتَ الجماعةَ، فَمَا بَقِيَ أَمْرٌ قبيح إلا جِئْتَهُ فِيمَا بينَنا وَبَيْنَكَ –أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُ– فَإِنْ كُنْتَ إنَّمَا جِئْتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ إنَّمَا تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فِينَا، فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ عَلَيْنَا، وإن كنت تريد مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَان هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رَئِيّا تَرَاهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ –وَكَانُوا يُسَمُّونَ التَّابِعَ مِنْ الْجِنِّ رَئِيا– فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ، بَذَلْنَا لَكَ أموالَنا فِي طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، أَوْ نُعْذر فِيكَ؛ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا بِي مَا تَقُولُونَ، مَا جئتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ
لَكَ حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، أَوْ نُعْذر فِيكَ؛ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا بِي مَا تَقُولُونَ، مَا جئتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ
أموالَكم، وَلَا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلَا الملكَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عليَّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ، فَهُوَ حظُّكم فِي الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبرْ لأمر اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ"، أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ مِنَّا شَيْئًا مِمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَيْكَ فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَضْيَقَ بَلَدًا، وَلَا أَقَلَّ مَاءً، وَلَا أَشَدَّ عَيْشًا مِنَّا، فسَلْ لَنَا ربَّك الَّذِي بَعَثَكَ بِمَا بَعَثَكَ بِهِ، فليسيِّر عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي قَدْ ضيَّقت عَلَيْنَا، وَلْيَبْسُطْ لَنَا بلادَنا، وَلْيُفَجِّرْ لَنَا فِيهَا أَنَهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يُبعث لنا منهم: قُصَيُّ بن كلاب، فإن كَانَ شَيْخَ صِدْق، فَنَسْأَلَهُمْ عَمَّا تَقُولُ: أَحَقُّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَصَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاكَ صَدَّقْنَاكَ، وَعَرَفْنَا بِهِ مَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ. فَقَالَ لَهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: "مَا بِهَذَا بُعثتُ إليكم من الله، إنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنْ اللَّهِ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، وَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ إلَيْكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوهُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عليَّ أصبرْ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ".
ُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عليَّ أصبرْ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ". قَالُوا: فَإِذَا لَمْ تَفْعَلْ هَذَا لَنَا، فَخُذْ لِنَفْسِكَ، سَلْ ربَّك بأن يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ، وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ وسَلْه فَلْيَجْعَلْ لَكَ جِنانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ كَمَا نَقُومُ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ، حَتَّى نَعْرِفَ فضلَك وَمَنْزِلَتَكَ مِنْ رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَنَا بِفَاعِلِ، وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي يَسْأَلُ ربَّه هَذَا، وَمَا بُعثت إلَيْكُمْ بِهَذَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا -أَوْ كَمَا قَالَ- فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يحكمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ". قَالُوا: فَأَسْقِطْ السماءَ عَلَيْنَا كِسفًا كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ ربَّك إنْ شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّا لَا نُؤْمِنُ لَكَ إلَّا أَنْ تَفْعَلَ. قَالَ: فقال رسول الله ﷺ: "ذَلِكَ إلَى اللَّهِ، إنْ شَاءَ أَنْ يفعلَه بِكُمْ فَعَلَ". قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَفَمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ وَنَسْأَلُكَ عَمَّا سَأَلْنَاكَ عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم فَيُعَلِّمَكَ مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ، وَيُخْبِرُكَ مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا، إذْ لَمْ نَقْبَلْ مِنْكَ مَا جِئْتنَا بِهِ! إنَّهُ قَدْ بَلَغْنَا أَنَّكَ إنَّمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ: الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا، فَقَدْ أَعْذَرْنَا إلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ وَمَا بَلَغْتَ مِنَّا حَتَّى نهلكَك، أَوْ تُهْلِكَنَا.
َّحْمَنِ أَبَدًا، فَقَدْ أَعْذَرْنَا إلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ وَمَا بَلَغْتَ مِنَّا حَتَّى نهلكَك، أَوْ تُهْلِكَنَا. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا بِاَللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا. فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَنْهُمْ، وَقَامَ مَعَهُ عَبْدُ الله بن أبي أمية
ابن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مَخْزُومٍ -وَهُوَ ابْنُ عَمَّتِهِ، فَهُوَ لِعَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، عَرَضَ عَلَيْكَ قومُك مَا عَرَضُوا فَلَمْ تقبلْه مِنْهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ لِأَنْفُسِهِمْ أُمُورًا لِيَعْرِفُوا بِهَا مَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، وَيُصَدِّقُوكَ وَيَتَّبِعُوكَ فَلَمْ تفعلْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تَأْخُذَ لِنَفْسِكَ مَا يَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَكَ عَلَيْهِمْ، وَمَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ، فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تعجلَ لَهُمْ بعضَ مَا تخوِّفهم بِهِ مِنْ الْعَذَابِ، فَلَمْ تَفْعَلْ -أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ- فَوَاَللَّهِ لَا أُومِنُ بِكَ أَبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إلَى السَّمَاءِ سُلَّما، ثُمَّ ترقَى فِيهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْكَ حَتَّى تأتيهَا، ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أَنَّكَ كَمَا تَقُولُ، وَاَيْمُ اللَّهِ، لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَا ظَنَنْتُ أَنِّي أُصَدِّقُكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْصَرَفَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ حَزِينًا آسِفًا لِمَا فَاتَهُ مِمَّا كَانَ يَطْمَعُ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ دَعَوْهُ، وَلِمَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ إياه. أبو جهل يتوعد الرسول ﷺ: فَلَمَّا قَامَ عَنْهُمْ رسول الله ﷺ قال أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبَى إلَّا مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامِنا، وشتم آلهتنا، وَإِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَجْلِسَنَّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ مَا أُطِيقُ حملَه -أَوْ كَمَا قَالَ- فَإِذَا سَجَدَ فِي صَلَاتِهِ فضَخْتُ بِهِ رأسَه، فأسْلِموني عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ. قَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نُسْلِمُكَ لِشَيْءِ أَبَدًا، فامضِ لِمَا تريد.
امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ. قَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نُسْلِمُكَ لِشَيْءِ أَبَدًا، فامضِ لِمَا تريد. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو جَهْلٍ، أخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، ثُمَّ جَلَسَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُهُ، وَغَدَا رسولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَغْدُو. وَكَانَ رسول الله ﷺ بمكة وقبلته إلى الشام، فكان إذا صَلَّى بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ، فَقَامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّي وَقَدْ غَدَتْ قريشٌ فَجَلَسُوا فِي أَنْدِيَتِهِمْ يَنْتَظِرُونَ مَا أَبُو جَهْلٍ فَاعِلٌ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الحجرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ حَتَّى إذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا مُنْتَقِعًا لونُه مَرْعُوبًا قَدْ يَبِست يَدَاهُ عَلَى حَجَرِهِ، حَتَّى قَذَفَ الحجرَ مِنْ يَدِهِ، وَقَامَتْ إلَيْهِ رِجَالُ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ: مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: قُمْتُ إلَيْهِ لِأَفْعَلَ بِهِ مَا قلتُ لَكُمْ البارحةَ، فَلَمَّا دنوتُ مِنْهُ عَرض لِي دونَه فحلٌ مِنْ الِإبل، لَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هامتِه، وَلَا مِثْلَ قَصَرَته١ وَلَا أَنْيَابِهِ لفحلٍ قطُّ، فَهَمَّ بِي أَنْ يَأْكُلَنِي. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فذُكر لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ذَلِكَ جبريلُ ﵇ لو دنا لأخذه.
ا أَنْيَابِهِ لفحلٍ قطُّ، فَهَمَّ بِي أَنْ يَأْكُلَنِي. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فذُكر لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ذَلِكَ جبريلُ ﵇ لو دنا لأخذه.
النضر بن الحارث ينصح قريشًا: فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ، قَامَ النَّضر بن الحارث بن كَلَدَة بن علقمة بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَة بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّهُ وَاَللَّهِ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ أمرٌ مَا أَتَيْتُمْ لَهُ بِحِيلَةِ بعدُ، قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلَامًا حَدَثًا أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ، وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً، حَتَّى إذَا رَأَيْتُمْ فِي صُدْغَيْه الشيبَ، وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ، قُلْتُمْ سَاحِرٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا السحرةَ وَنَفْثَهُمْ وَعَقْدَهُمْ، وَقُلْتُمْ كَاهِنٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، قَدْ رَأَيْنَا الْكَهَنَةَ وتخالُجهم وَسَمِعْنَا سَجْعهم، وَقُلْتُمْ شَاعِرٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، قَد رَأَيْنَا الشِّعْرَ، وَسَمِعْنَا أصنافَه كلَّها: هَزَجه وَرَجَزَهُ، وَقُلْتُمْ مَجْنُونٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ فَمَا هُوَ بخَنْقه، وَلَا وَسْوَسَتِهِ، وَلَا تَخْلِيطِهِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَانْظُرُوا فِي شَأْنِكُمْ، فَإِنَّهُ والله لقد نزل بكم أمر عظيم.
َ فَمَا هُوَ بخَنْقه، وَلَا وَسْوَسَتِهِ، وَلَا تَخْلِيطِهِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَانْظُرُوا فِي شَأْنِكُمْ، فَإِنَّهُ والله لقد نزل بكم أمر عظيم. أذى النضر للرسول، ﷺ: وَكَانَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيَنْصِبُ لَهُ العداوةَ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْحِيرَةَ، وَتَعَلَّمَ بِهَا أحاديثَ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَأَحَادِيثَ رُسْتم وَاسْبِنْدِيَارَ، فَكَانَ إذَا جَلَسَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا فذكَّر فِيهِ بِاَللَّهِ، وحذَّر قومَه مَا أَصَابَ مَنْ قبلَهم مِنْ الْأُمَمِ مِنْ نِقْمة اللَّهِ، خَلَفَهُ فِي مَجْلِسِهِ إذَا قَامَ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا وَاَللَّهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ، فَهَلُمَّ إلَيَّ، فَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ مُلُوكِ فَارِسَ ورُستم وَاسْبِنْدِيَارَ، ثُمَّ يَقُولُ: بِمَاذَا مُحَمَّدٌ أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنِّي؟ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيمَا بَلَغَنِي: "سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ، فِيمَا بلغني: نزل فيه ثماني آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ: قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] . وَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ الْأَسَاطِيرِ مِنْ القرآن. قريش تسأل أحبار اليهود في شأنه ﵊: فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ النضرُ بْنُ الْحَارِثِ بَعَثُوهُ، وَبَعَثُوا مَعَهُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْط إلَى أَحْبَارِ يَهُودَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالُوا لَهُمَا: سَلاهم عَنْ مُحَمَّدٍ، وصِفا لَهُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبِرَاهُمْ بِقَوْلِهِ، فَإِنَّهُمْ أهلُ الْكِتَابِ الْأُوَلِ، وَعِنْدَهُمْ علمٌ لَيْسَ
عندَنا مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ، فَخَرَجَا حَتَّى قَدِما الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَصَفَا لَهُمْ أمرَه، وَأَخْبَرَاهُمْ بِبَعْضِ قَوْلِهِ، وَقَالَا لَهُمْ: إنَّكُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبِنَا هَذَا. فَقَالَتْ لَهُمَا أَحْبَارُ يَهُودَ: سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بهنَّ: فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، فرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ. سَلوه عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ أمرُهم؟ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجَبٌ، وسَلوه عَنْ رَجُلٍ طوَّاف قَدْ بَلَغَ مشارقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا مَا كَانَ نبؤُه، وَسَلُوهُ عَنْ الرّوحِ مَا هِيَ؟ فَإِذَا أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَاتَّبِعُوهُ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوَّلٌ، فَاصْنَعُوا فِي أَمْرِهِ مَا بَدَا لَكُمْ. فَأَقْبَلَ النضرُ بنُ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْط بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصي حَتَّى قَدِمَا مَكَّةَ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، قَدْ أَخْبَرَنَا أحبارُ يَهُودَ أَنْ نسألَه عَنْ أَشْيَاءَ أَمَرُونَا بِهَا، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ عَنْهَا فَهُوَ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يفعلْ فالرجلُ متقوِّلٌ، فَرَوْا فِيهِ رأيكم.
ودَ أَنْ نسألَه عَنْ أَشْيَاءَ أَمَرُونَا بِهَا، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ عَنْهَا فَهُوَ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يفعلْ فالرجلُ متقوِّلٌ، فَرَوْا فِيهِ رأيكم. قريش تسأل والرسول يجيب: فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ قِصَّةٌ عَجَبٌ، وَعَنْ رَجُلٍ كَانَ طوَّافًا قَدْ بَلَغَ مشارقَ الْأَرْضِ ومغاربَها، وأخبرْنا عَنْ الرُّوحِ مَا هِيَ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا، وَلَمْ يَسْتَثْنِ١، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ -فِيمَا يَذْكُرُونَ- خمسَ عشَرةَ لَيْلَةً لَا يُحْدث اللَّهُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا، وَلَا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، حَتَّى أوجف أهلُ مَكَّةَ، وَقَالُوا: وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا، وَالْيَوْمَ خمسَ عشَرةَ لَيْلَةً، قَدْ أَصْبَحْنَا مِنْهَا لَا يُخْبِرُنَا بِشَيْءِ مِمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ، وَحَتَّى أَحْزَنَ رسولَ اللَّهِ ﷺ مكثُ الْوَحْيِ عَنْهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ. ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّهِ ﷿ بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وخبرُ مَا سَأَلُوهُ عنه من أمر الفتية، والرجلُ الطواف، والروح.
بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وخبرُ مَا سَأَلُوهُ عنه من أمر الفتية، والرجلُ الطواف، والروح. الرد على قريش فيما سألوه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ حِينَ جَاءَهُ: لَقَدْ احْتَبَسْتَ عَنِّي يَا جِبْرِيلُ حَتَّى سُؤْتُ ظَنًّا؛ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فَافْتَتَحَ السُّورَةَ ﵎ بِحَمْدِهِ وَذِكْرِ نُبُوَّةِ رسوله، بما أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ إنَّكَ رَسُولٌ مِنِّي: أَيْ تَحْقِيقٌ لِمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ نُبُوَّتِكَ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] : أي معتدلا، لا اختلاف
فيه: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] : أَيْ عَاجِلَ عُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابًا أَلِيمًا فِي الْآخِرَةِ: أَيْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ الَّذِي بَعَثَ رَسُولًا. ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢، ٣] أَيْ دَارُ الْخُلْدِ. لَا يَمُوتُونَ فِيهَا الَّذِينَ صَدَّقُوكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِمَّا كَذَّبَكَ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرْتهمْ بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ. ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤] يَعْنِي قُرَيْشًا فِي قَوْلِهِمْ: إنَّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَهِيَ بناتُ اللَّهِ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] الَّذِينَ أَعْظَمُوا فِرَاقَهُمْ وَعَيْبَ دِينِهِمْ.
الْمَلَائِكَةَ وَهِيَ بناتُ اللَّهِ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] الَّذِينَ أَعْظَمُوا فِرَاقَهُمْ وَعَيْبَ دِينِهِمْ. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ : أَيْ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ، أَيْ لِحُزْنِهِ عَلَيْهِمْ حِينَ فَاتَهُ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْهُمْ، أَيْ لَا تَفْعَلْ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَاخِعٌ نَفْسَكَ: أَيْ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ ذُو الرّمَّة: أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الوَجْدُ نفسَه ... لشيءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْه المقَادِرُ وَجَمْعُهُ: بَاخِعُونَ وبَخَعة. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ بخعْتُ لَهُ نُصْحِي وَنَفْسِي: أَيْ جَهَدْتُ لَهُ. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ . [الكهف: ٧] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ أَيُّهُمْ أتبعُ لِأَمْرِي، وأعملُ بِطَاعَتِي. ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] أَيْ الْأَرْضِ، وَإِنَّ مَا عَلَيْهَا لفانٍ وَزَائِلٌ، وَإِنَّ الْمَرْجِعَ إلَيَّ، فَأَجْزِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، فَلَا تأسَ وَلَا يحزنْك مَا تَسْمَعُ وَتَرَى فِيهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصَّعِيدُ: الْأَرْضُ، وَجَمْعُهُ: صُعُد. قَالَ ذُو الرّمَّة يَصِفُ ظَبْيًا صَغِيرًا: كَأَنَّهُ بالضحَى تَرْمِي الصعيدَ بِهِ ... دبَّابةٌ فِي عِظام الرأسِ خُرطومُ١
ْأَرْضُ، وَجَمْعُهُ: صُعُد. قَالَ ذُو الرّمَّة يَصِفُ ظَبْيًا صَغِيرًا: كَأَنَّهُ بالضحَى تَرْمِي الصعيدَ بِهِ ... دبَّابةٌ فِي عِظام الرأسِ خُرطومُ١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. والصعيد: الطَّرِيقُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إيَّاكُمْ والقعودَ عَلَى الصُّعَداتِ"، يُرِيدُ الطرقَ. والجُرُز: الْأَرْضُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وَجَمْعُهَا: أجْراز. وَيُقَالُ؛ سَنة جُرز، وَسُنُونَ أجْراز، وَهِيَ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا مَطَرٌ، وَتَكُونُ فِيهَا جُدُوبَةٌ ويُبس وَشِدَّةٌ. قال ذو الرّمَّة يصف إبلًا: طوى النحْزُ والأجْراز مَا فِي بُطونها ... فَمَا بقيتْ إلَّا الضلوعُ الجَراشِعُ٢
وهذا البيت في قصيدة له. أهل الْكَهْفِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ اسْتَقْبَلَ قصةَ الْخَبَرِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ شَأْنِ الْفِتْيَةِ، فَقَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] أَيْ قَدْ كَانَ مِنْ آيَاتِي فِيمَا وَضَعْتُ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ حُججي مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالرَّقِيمُ: الْكِتَابُ الَّذِي رُقِمَ فِيهِ بخبرِهم، وجمعُه: رُقُم. قَالَ العَجَّاج: ومُسْتَقر المصحفِ المرَقَّم وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ، أَيْ: بِصِدْقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ ، أَيْ: لَمْ يُشْرِكُوا بِي كَمَا أَشْرَكْتُمْ بِي مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالشَّطَطُ: الغُلو وَمُجَاوَزَةُ الْحَقِّ. قَالَ أعْشَى بَنِي قَيْس بْنِ ثَعْلبة: لَا يَنْتهون وَلَا يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ... كالطَّعْنِ يذهبُ فِيهِ الزيتُ والفُتُلُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ بِحُجَّةٍ بَالِغَةٍ.
هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ بِحُجَّةٍ بَالِغَةٍ. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَزَاور: تميلُ، وَهُوَ مِنْ الزور. وقال امرؤ القيس ابن جُحْر. وَإِنِّي زَعِيمٌ إنْ رجعتُ مُملكًا ... بسَيْر تَرَى مِنْهُ الفُرانِق أزْوَرَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو الزَّحْفِ الْكَلْبِيُّ يَصِفُ بَلَدًا: جَابُ المُندَّى عَنْ هَوانا أزورُ ... يُنْضِي الْمَطَايَا خِمْسُه العَشَنْزرُ١ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ٢ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. و ﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧] : تُجَاوِزُهُمْ وَتَتْرُكُهُمْ عَنْ شِمَالِهَا. قَالَ ذُو الرّمَّة: إلَى ظُعْنٍ يَقْرِضن أقْواز مُشرِف ... شِمَالًا وَعَنْ أيمانِهن الفوارسُ٣ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْفَجْوَةُ: السِّعة، وَجَمْعُهَا: الفِجاء. قَالَ الشَّاعِرُ: ألبسْتَ قومَك مَخْزاةً ومَنْقَصةً ... حَتَّى أُبِيحُوا وخَلَّوْا فجوةَ الدَّارِ ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ﴾ أَيْ فِي الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ أَمَرَ هَؤُلَاءِ بِمَسْأَلَتِكَ عَنْهُمْ فِي صِدْقِ نُبُوَّتِكَ بِتَحْقِيقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ .
ْشِدًا، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَصِيدُ: الْبَابُ. قَالَ العَبْسي، وَاسْمُهُ عُبَيْد بْنُ وَهْبٍ: بأرضٍ فَلاة لَا يُسَدّ وَصيدُها ... عليَّ وَمَعْرُوفِي بِهَا غَيرُ مُنْكَرِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَالْوَصِيدُ "أَيْضًا" الْفِنَاءُ، وجمعه: وصائد، ووُصُد، ووصْدان وأصُد، وأصْدَان.
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ أَهْلُ السُّلْطَانِ وَالْمُلْكِ مِنْهُمْ. ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، سَيَقُولُونَ﴾ يَعْنِي أَحْبَارَ يَهُودَ الَّذِينَ أَمَرُوهُمْ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ: ﴿ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ ، أَيْ: لَا عِلْمَ لَهُمْ. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أَيْ: لَا تُكَابِرْهُمْ، ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فَإِنَّهُمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِمْ.
لا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أَيْ: لَا تُكَابِرْهُمْ، ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فَإِنَّهُمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِمْ. ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ، أَيْ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءِ سَأَلُوكَ عَنْهُ كَمَا قُلْتُ فِي هذا: إني مخبركم غدًا. واستثن مشيئة الله، واذكر ربك إذا نسيت، وقل عسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ رَشَدًا، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَنَا صَانِعٌ فِي ذَلِكَ. ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ ، أَيْ: سَيَقُولُونَ ذَلِكَ. ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أَيْ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا سألوك عنه. ذو القرنين: وَقَالَ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ الطوَّاف: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ حَتَّى انْتَهَى إلَى آخِرِ قِصَّةِ خَبَرِهِ. وَكَانَ مِنْ خَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَّهُ أُوتِيَ مَا لَمْ يؤتَ أحدٌ غَيْرُهُ، فمُدت لَهُ الْأَسْبَابُ حَتَّى انْتَهَى مِنْ الْبِلَادِ إلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، لَا يَطَأُ أَرْضًا إلَّا سُلط عَلَى أهلِها، حَتَّى انْتَهَى مِنْ المشرقِ والمغربِ إلَى مَا لَيْسَ وراءَه شَيْءٌ مِنْ الْخَلْقِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ يَسُوقُ الأحاديثَ عَنْ الْأَعَاجِمِ فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِهِ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أهلِ مِصْرَ. اسمُه مُرْزُبان بْنُ مَرْذبة الْيُونَانِيُّ، مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ.
ِ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أهلِ مِصْرَ. اسمُه مُرْزُبان بْنُ مَرْذبة الْيُونَانِيُّ، مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ الِإسكندر، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الِإسكندرية فَنُسِبَتْ إلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي ثَوْر بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان الكَلاعيِّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئل عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: مَلِك مَسَحَ الأرضَ مِنْ تحتِها بالأسبابِ.
وَقَالَ خَالِدٌ: سَمِعَ عمرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ غُفْرًا، أَمَا رَضَيْتم أَنْ تَسَمَّوْا بِالْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَسَمَّيْتُمْ بالملائكةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: اللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، أَقَالَ ذلك رسول الله ﷺ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ قَالَهُ، فَالْحَقُّ مَا قال. أَمْرِ الرُّوحِ: وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ من الرُّوحِ: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحُدثت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَالَتْ أحبارُ يَهُودَ: يَا محمدُ، أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إيَّانَا تُرِيدُ، أَمْ قومَك؟ قَالَ: كُلًا؟ قَالُوا: فَإِنَّكَ تَتْلُو فِيمَا جَاءَكَ: أَنَّا قَدْ أُوتِينَا التوراةَ فِيهَا بيانُ كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ رسول الله ﷺ: إنها فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وَعِنْدَكُمْ فِي ذَلِكَ مَا يَكْفِيكُمْ لَوْ أَقَمْتُمُوهُ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: أَنَّ التَّوْرَاةَ فِي هَذَا مِنْ عِلْمِ الله قليل. تسيير الجبال وبعْث الموتى: قَالَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلَهُ قومُه لأنفسِهم مِنْ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ، وَتَقْطِيعِ الْأَرْضِ، وَبَعْثِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ مِنْ الْمَوْتَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] ، أَيْ: لَا أَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا شئت.
وْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] ، أَيْ: لَا أَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا شئت. خُذْ لِنَفْسِكَ: وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ: خُذْ لِنَفْسِكَ، مَا سَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ، أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جَنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا، وَيَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا يُصَدِّقُهُ بِمَا يَقُولُ، وَيَرُدُّ عَنْهُ: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ٧٩] . وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] ، أَيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ بَلَاءً لِتَصْبِرُوا وَلَوْ شئتُ أَنْ أَجْعَلَ الدُّنْيَا مَعَ رُسُلِي فَلَا يُخَالفوا لفعلتُ.
ا﴾ [الفرقان: ٢٠] ، أَيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ بَلَاءً لِتَصْبِرُوا وَلَوْ شئتُ أَنْ أَجْعَلَ الدُّنْيَا مَعَ رُسُلِي فَلَا يُخَالفوا لفعلتُ.
القرآن يرد على ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا قال عبدُ الله ابن أَبِي أُمَيَّةَ: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْيَنْبُوعُ: مَا نَبَعَ مِنْ الْمَاءِ مِنْ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، وَجَمْعُهُ يَنَابِيعُ. قَالَ ابْنُ هَرْمة وَاسْمُهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الفِهري: وَإِذَا هَرقتَ بِكُلِّ دارٍ عَبْرةً ... نُزِفَ الشئونُ ودَمْعُك اليَنْبوعُ١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. والكِسَف: القِطَع مِنْ الْعَذَابِ، وَوَاحِدَتُهُ: كِسْفة، مِثْلُ سِدْرة وسِدَر. وَهِيَ أَيْضًا: وَاحِدَةُ الكِسْف. وَالْقَبِيلُ: يَكُونُ مُقَابَلَةً وَمُعَايَنَةً، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تعالىِ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥] : أَيْ عِيَانًا. وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدة لِأَعْشَى بَنِي قَيْس بْنِ ثَعْلبة: أُصَالِحُكُمْ حَتَّى تَبوءُوا بمثلِهَا ... كصرخةِ حُبْلَى يسَّرتها قبيلُها
عِيَانًا. وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدة لِأَعْشَى بَنِي قَيْس بْنِ ثَعْلبة: أُصَالِحُكُمْ حَتَّى تَبوءُوا بمثلِهَا ... كصرخةِ حُبْلَى يسَّرتها قبيلُها يَعْنِي الْقَابِلَةُ؛ لِأَنَّهَا تُقَابِلُهَا وتَقبل وَلَدَهَا. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَيُقَالُ: الْقَبِيلُ جَمْعُهُ قُبُل، وَهِيَ الْجَمَاعَاتُ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام: ١١١] فقُبل: جَمْعُ قَبِيلٍ مِثْلُ سُبل: جمعٍ سَبِيلٍ، وسُرر: جَمْعُ سَرِيرٍ، وقُمص: جَمْعُ قَمِيصٍ، وَالْقَبِيلُ أَيْضًا: فِي مَثَل مِنْ الْأَمْثَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: مَا يَعرف قَبِيلًا مِنْ دَبِيرٍ: أَيْ لَا يَعْرِفُ مَا أَقْبَلَ مِمَّا أَدْبَرَ، قَالَ الكُميْت بْنُ زَيْدٍ: تفرقَت الأمورُ بوَجْهَتَيْهم ... فَمَا عَرَفوا الدبيرَ مِنْ القبيلِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ: إنَّمَا أُرِيدَ بِهَذَا الْقَبِيلِ: الفَتل، فَمَا فُتل إلَى الذِّرَاعِ فَهُوَ الْقَبِيلُ، وَمَا فُتل إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ فَهُوَ الدَّبِيرُ، وَهُوَ مِنْ الِإقبال وَالْإِدْبَارِ الَّذِي ذَكَرْتُ. وَيُقَالُ: فَتْل المِغْزَل. فَإِذَا فُتل المِغْزل إلىِ الرُّكْبَةِ فَهُوَ الْقَبِيلُ، وَإِذَا فُتل إلَى الوَرِك فَهُوَ الدَّبير.
وَالْقَبِيلُ أَيْضًا: قَوْمُ الرَّجُلِ. والزُّخرف: الذَّهَبُ. والمزخْرَف: المزيَّن بِالذَّهَبِ. قَالَ الْعَجَّاجُ: مِن طللٍ أَمْسَى تَخَالُ المصْحَفا ... رُسُومَهُ والمذهَب المزخْرَفا وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِكُلِّ مُزَيَّن: مُزَخْرَف. نفي القران أن رجلًا من اليمامة يعلمه: قال ابن إسحاق: وأنزل فِي قَوْلِهِمْ: إنَّا قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ إنَّمَا يُعَلِّمُكَ رجلٌ بِالْيَمَامَةِ، يُقَالُ لَهُ الرحمنُ، وَلَنْ نُؤْمِنَ بِهِ أَبَدًا: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] . ما نزل في أبي جهل: وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَمَا همَّ بِهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى، كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ، كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ٩-١٩] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَنَسْفَعًا: لَنَجْذِبَنْ وَلَنَأْخُذَنْ. قَالَ الشَّاعِرُ: قومٌ إذَا سَمِعوا الصراخَ رأيتَهم ... مِنْ بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِه أَوْ سافِع وَالنَّادِي: الْمَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْقَوْمُ وَيَقْضُونَ فِيهِ أمورَهم، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] وَهُوَ النديُّ. قَالَ عَبيد بْنُ الْأَبْرَصِ: أذهبْ إلَيْكَ فَإِنِّي مِنْ بَنِي أسَدٍ ... أَهْلُ النديِّ وَأَهْلُ الجودِ وَالنَّادِي
﴾ [العنكبوت: ٢٩] وَهُوَ النديُّ. قَالَ عَبيد بْنُ الْأَبْرَصِ: أذهبْ إلَيْكَ فَإِنِّي مِنْ بَنِي أسَدٍ ... أَهْلُ النديِّ وَأَهْلُ الجودِ وَالنَّادِي وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] وَجَمْعُهُ: أَنْدِيَةٌ. فَلْيَدْعُ أَهْلَ نَادِيهِ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يُرِيدُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَل، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ: يَوْمَانِ يومُ مقاماتٍ وأنديةٍ ... ويومُ سَيْر إلى الأعداءِ تأويبِ١
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الكُمَيْت بن زيد: لا مهاذيرَ في النديّ مكاثيـ ... ـرَ وَلَا مُصْمتين بالِإفحامِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قصيدة له. ويقال النادي: الجلساء. الزبانية: الْغِلَاظُ الشِّدَادُ، وَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ خَزَنَةُ النَّارِ. وَالزَّبَانِيَةُ أَيْضًا فِي الدُّنْيَا أَعْوَانُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَخْدُمُونَهُ وَيُعِينُونَهُ، وَالْوَاحِدُ: زِبْنِيَة. قَالَ ابْنُ الزَّبَعْرَى فِي ذَلِكَ: مطاعيمُ فِي المَقْرَى مطاعينُ في الوَغَى ... زبانية غُلْت عظامٌ حلومُها يَقُولُ: شَدَّادٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ صَخْرُ الْغَيِّ: وَمِنْ كَبِيرٍ نفرٌ زبانية وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا عَرَضُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٧] .



