دلائل النبوة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya أبو بكر البيهقي (w. 458 H).

Bagian 1 dari 95 3302 halaman

— Bagian 1 · ـ[دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة]ـ —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

ـ[دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة]ـ المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨هـ) الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٠٥ هـ عدد الأجزاء: ٧ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[المدخل إلى دلائل النبوة] السفر الأول من دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة يشمل: ١- التقدمة وترجمة المصنف ونسخ الكتاب المخطوطة. ٢- المدخل إلى دلائل النبوة. ٣- جُمَّاعُ أَبْوَابِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ.

أقوال العلماء في الإمام البيهقي قال ابن ناصر: «كان واحد زمانه، وفرد أقرانه حفظا وإتقانا وثقة، وهو شيخ خراسان» . قال إمام الحرمين: «ما من شافعيّ إلا وللشافعيّ فضل عليه غير البيهقي، فإنّ له المنة والفضل على الشافعيّ لكثرة تصانيفه في نصرة مذهبه، وبسط موجزه، وتأييد آرائه» . قال ابن خلكان: «الفقيه الشافعي الحافظ الكبير المشهور، واحد زمانه، وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله البيع في الحديث، ثم الزائد عليه في أنواع العلوم» . قال ابن الجوزي: «كان واحد زمانه في الحفظ والإتقان، وحسن التصنيف وجمع علم الحديث، والفقه، والأصول، وهو من كبار أصحاب الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ، ومنه تخرج، وسافر، وجمع الكثير، وله التصانيف الكثيرة الحسنة» . قال الذهبي: «لو شاء الذهبي أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه لكان قادرا على ذلك لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف» . قال السبكي: «كان الإمام البيهقي أحد أئمة المسلمين، وهداة

المؤمنين، والداعي إلى حبل الله المتين، فقيه، جليل، حافظ، كبير، أصولي، نحرير، زاهد، ورع قانت لله، قائم بنصرة المذهب أصولا وفروعا، جبل من جبال العلم» . قال ابن تيمية: «البيهقي أعلم أصحاب الشافعي بالحديث، وأنصرهم للشافعي» . قال ابن كثير: «كان أوحد زمانه في الإتقان، والحديث، والفقه، والتصنيف، وكان فقيها محدثا، أصوليا.. وجمع أشياء كثيرة نافعة، لم يسبق إلى مثلها، ولا يدرك فيها، وكان فاضلا من أهل الحديث، مرضي الطريقة» .

يث، والفقه، والتصنيف، وكان فقيها محدثا، أصوليا.. وجمع أشياء كثيرة نافعة، لم يسبق إلى مثلها، ولا يدرك فيها، وكان فاضلا من أهل الحديث، مرضي الطريقة» .

أقوال العلماء في «دلائل النبوة» قال تاج الدين السبكي: أما كتاب «دلائل النبوة» وكتاب «شعب الإيمان» وكتاب «مناقب الشافعي» فأقسم ما لواحد منها نظير» . قال الحافظ ابن كثير: «دلائل النبوة لأبي بكر البيهقي من عيون ما صنّف في السيرة والشمائل» .

﷽ التّقدمة إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. (٣٣: الأحزاب: ٥٦) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. (٩: التوبة: ٣٣ و ٤٨: الفتح: ٢٨ و ٦١ الصف: ٩) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. (٤٨: الفتح: ٢٩) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ. (٤٧: محمد: ٢) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ

سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ. (٤٧: محمد: ٢) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ

اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً. (٣٣: الأحزاب: ٤٠) وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ. (٢١: الأنبياء: ١٠٧) اللهم صَلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وبعد، لم تعد مسألة إثبات وجود الله ﷾ بالمشكلة الدينية فوجود الله مركوز في الفطرة الإنسانية، واطراد التقدم العلمي يزيده إثباتا كل يوم. سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت- ٥٣] وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات- ٢١] . بيد أن المسألة الأساسية في الدين هي إثبات رسالة الرسول، ويعنينا هنا إثبات نبوّة سيدنا محمد ﷺ. فالإيمان بالنبوة- أو الصلة بين الله تعالى ومجتمع الإنسان عن طريق الأنبياء- من خصائص هذا الدين، والنبي هو الإنسان الذي يختاره الله ليقوم بأداء رسالة معينة، وقد وجدت مذاهب تؤمن بالله وتنكر النبوّات، وتزعم أنه لا حاجة لوجود النّبيّ، لأنّ ما أتى به الأنبياء موافق للعقل، ففي العقل غنى عنه، أو مخالف له فلا حاجة لنا به، فالعقل طريق الاستدلال ولكننا لا نستطيع بالمنطق التجريبي، والرياضي التوصل إلى حقائق ما وراء المادة، فالعلم الصحيح بذات الله، وصفاته، وحساب الآخرة، من ثواب وعقاب، وكل ما يتعلق بعالم الغيب، كل ذلك لا يعرف إلا عن طريق الأنبياء. وقد تمت الصلة بين الله والأنبياء بوسائل متعددة، وقد قصّ علينا القرآن

الكريم طرفا من ذلك. ففي أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فَانْظُرْ ماذا تَرى، قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات- ١٠٢] فهذه الرؤية الصادقة. وقد يكون الاتصال بأن يكلم الله تعالى النبي مباشرة كما حصل لموسى- ﵇ فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ: أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [القصص- ٣٠] . والواسطة العادية في حصول الوحي أن يكون عن طريق جِبْرِيلَ- ﵇: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء- (١٦٣- ١٦٥) ] . وأحيانا كان جبريل ينزل مجسدا يراه المسلمون كما حصل في حديث أركان الإيمان والإسلام والإحسان، وأشراط الساعة، الذي روي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- ﵁ وفي ختامه: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» . وحين يدعي إنسان أنه يتصل بالله ويحمل منه إلى الناس رسالة ترتّب عليهم تكاليف وواجبات، فإن من الطبيعي أن يطالبه الناس بالدليل على صدقه، ولم ير القرآن في هذا أمرا خارجا عن المعقول، فالتساؤل حتى للتعليم مطلوب وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟ قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة- ٢٦٠] . ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ما يثبت النبوة.

كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟ قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة- ٢٦٠] . ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ما يثبت النبوة.

طرق في إثبات النبوة طريقة القرآن في إثبات النبوة: الطريقة القرآنية في إثبات النبوة هي إيراد أدلة كثيرة تتكاتف لتؤدي إلى اليقين. فالقرآن الكريم تحدى العرب والعجم، والإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ... [البقرة- ٢٣] وقد بعث رسول ﷺ فيهم أربعين عاما، فلم يحدثهم بنبوة ولا برسالة! فهذا الأمر يخضع لمشيئة الله فقط. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس- ١٦] . فهذا النبي ﷺ قد نشأ بينهم، وترعرع على مرأى ومسمع منهم بل كانوا يعرفونه بالصدق والأمانة، ورجاحة العقل، ولم يعهدوا عليه كذبا، قال تعالى: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ [سبأ- ٤٦] . فلم الشك في أمره مع أنه قد تجرد عن كل مطمع دنيوي. قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ- ٤٧] . ولم الشك في أمره وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يمكن أن يستمدّ من كتاب. وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ

مره وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يمكن أن يستمدّ من كتاب. وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ

الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت- ٤٨] . ١- طريقة الغزالي في اثبات النبوة: وللإمام الغزالي في منقذه من الضلال طريقة في إثبات النبوة، قال: «فإذا وقع لك شك في شخص معين: أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله: إما بالمشاهدة، أو بالتواتر، والتسامع. فإنك إذا عرفت الطب، والفقه، يمكنك أن تعرف الفقهاء، والأطباء، بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم وإن لم تشاهدهم. ولا تعجز أيضا عن معرفة كون «الشافعي» ﵀ فقيها وكون «وجالينوس» طبيبا، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير، بل بأن تتعلم شيئا من الفقه والطب، وتطالع كتبهما وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. فكذلك إذا فهمت معنى النبوة، فأكثرت النظر في القرآن، والأخبار يحصل لك العلم الضروري بكونه ﷺ، على أعلى درجات النبوة واعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات، وتأثيرها في تصفية القلوب وكيف صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» . وكيف صدق في قوله: «من أعان ظالما سلطه الله عليه» . وكيف صدق في قوله:

َدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» . وكيف صدق في قوله: «من أعان ظالما سلطه الله عليه» . وكيف صدق في قوله:

«من أصبح وهمومه هم واحد، كفاه الله تعالى هموم الدنيا والآخرة فإذا جرّبت في ألف، وألفين، وآلاف حصل لك علم ضروري لا تتمارى فيه. فمن هذا الطريق: اطلب اليقين بالنبوة، لا من قلب العصا ثعبانا، وشق القمر، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، ربما ظننت أنه سحر وتخييل وأنه من الله إضلال، فإن الله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وترد عليك أسئلة المعجزات، فإن كان مستندا إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة، فينخرم إيمانك بكلام مرتب في وجوه الأشكال والشبهة عليها. فليكن مثل الخوارق، إحدى الدلائل والقرائن في مجلة نظرك حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين كالذي يخبره جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد من قول واحد معين، بل من حيث لا يدري، ولا يخرج عن جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد ... فهذا هو الإيمان القوي العملي» أ. هـ. ٢- طريقة ابن خلدون في إثبات النبوة: قال ابن خلدون في المقدمة: «اعلم أن الله- سبحانه- اصطفى من البشر أشخاصا فضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته، وجعلهم وسائل بينه وبين عباده: يعرفونهم بمصالحهم، ويحرضونهم على هدايتهم، ويأخذون بحجزاتهم عن النار، ويدلّونهم على طريق النجاة. وكان- فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار- الكائنات، المغيبة عن البشر التي لا سبيل الى معرفتها، إلا من على

ألسنتهم من الله بوساطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم.. قَالَ ﷺ: «ألّا وإنّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِيَ الله» . واعلم أن خبرهم في ذلك، من خاصيّته وضرورته الصدق، لما يتبين لك عند بيان حقيقة النبوة. وعلامة هذا الصنف من البشر: أن توجد لهم- في حال الوحي- غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء في رأي العين، وليست منهما في شيء، وإنما هي- في الحقيقة- استغراق في لقاء الملك الروحاني: بإدراكهم المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر بالكلية. ثم يتنزل الى المدارك البشرية: إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه، أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ الله. ثم تنجلي عنه تلك الحال، وقد وعى ما ألقي عليه. قَالَ ﷺ، وقد سئل عن الوحي: «أحيانا يأتيني مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ. وأحيانا يتمثّل إليّ الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» . ويدركه أثناء ذلك، من الشدة والغطّ ما لا يعبّر عنه. ففي الحديث: «كان مما يعالج من التنزيل شدة» . وقالت عائشة: كان يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عرقا» وقال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. ولأجل هذه الحالة في تنزّل الوحي، كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون، ويقولون له رئي، أو تابع من الجن.. وإنما لبّس عليهم، بما شاهدوه من مظاهر تلك الأحوال:

هذه الحالة في تنزّل الوحي، كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون، ويقولون له رئي، أو تابع من الجن.. وإنما لبّس عليهم، بما شاهدوه من مظاهر تلك الأحوال:

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ*. ومن علاماتهم أيضا: أنه يوجد لهم- قبل الوحي- خلق الخير والزكاة، ومجانبة المذمومات والرجس أجمع. وهذا هو معنى العصمة. وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات والمنافرة لها. وكأنها منافية لجبلّته. وفي الصحيح: أنه حمل الحجارة وهو غلام، مع عمه العباس، لبناء الكعبة، فجعلها في إزاره، فانكشف، فسقط مغشيا عليه، حتى استتر بإزاره، ودعى إلى مجتمع وليمة فيها عرس ولعب. فأصابه غشي النوم إلى أن طلعت الشمس، ولم يحضر شيئا من شأنهم، بل نزّهه الله عن ذلك كله، حتى إنه- بجبلّته- يتنزه عن المطعومات المستكرهة. فقد كَانَ ﷺ، لا يقرب البصل والثوم، فقيل له في ذلك، فقال: «إني أناجي من لا تناجون» . وانظر، لمّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ خَدِيجَةُ ﵂، بحال الوحي أول ما فجأه وأراد اختباره. فقالت: اجعلني بينك وبين ثوبك، فلما فعل ذلك، ذهب عنه. فقالت: إنه ملك، وليس بشيطان، ومعناه: أنه لا يقرب النساء. وكذلك سألته عن أحبّ الثياب إليه أن يأتيه فيها. فقال البياض والخضرة. فقالت: إنه الملك. يعني: أن البياض والخضرة من ألوان الخير والملائكة. والسواد من ألوان الشر والشياطين، وأمثال ذلك.

أن يأتيه فيها. فقال البياض والخضرة. فقالت: إنه الملك. يعني: أن البياض والخضرة من ألوان الخير والملائكة. والسواد من ألوان الشر والشياطين، وأمثال ذلك.

ومن علاماتهم أيضا: دعاؤهم إلى الدين والعبادة من: الصلاة والصدقة والعفاف. وقد استدلت خَدِيجَةُ ﵂، على صدقه ﷺ بذلك، وكذلك أبو بكر، ولم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلقه. وفي الصحيح أن هرقل- حين جاءه كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الإسلام- أحضر من وجد ببلده من قريش، وفيهم أبو سفيان، ليسألهم عن حاله. فكان- فيما سأل- أن قال: بم يأمركم؟ فقال أبو سفيان: بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ، إلى آخر ما سأل. فأجابه فقال: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ حقا فهو نبي، وسيملك مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ» . والعفاف الذي أشار إليه أبو سفيان، هو العصمة. فانظر كيف أخذ من العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلا على صحة نبوته، ولم يحتج إلى معجزة، فدل على أن ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ!! ومن علاماتهم أيضا: أن يكونوا ذوي حسب في قومهم. وفي الصحيح: «ما بعث الله نبيا، إلا فِي مَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ» . وفي رواية أخرى: «في ثروة من قومه» . استدركه الحاكم على الصحيحين. وفي مساءلة هرقل لأبي سفيان كما هو في الصحيح قال: «كيف هو فيكم» ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: «هُوَ فينا ذو حسب» . فقال هرقل: «والرسل تبعث في أحساب قومها» .

ي مساءلة هرقل لأبي سفيان كما هو في الصحيح قال: «كيف هو فيكم» ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: «هُوَ فينا ذو حسب» . فقال هرقل: «والرسل تبعث في أحساب قومها» .

ومعناه: أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عن أذى الكفار، حتى يبلغ رسالة ربه، ويتم مراد الله من إكمال دينه وملته. ٣- دلائل النبوة في إسلام خَدِيجَةُ- ﵂ -: ويتحدث ابن خلدون عن إسلام خديجة بنت خويلد، وعن إسلام أبي بكر الصديق، ويتعرض لإسلام ورقة بن نوفل وإسلام غيرهم مستدلا بيقينهم على دلائل نبوته ﷺ. فكيف أسلمت خديجة؟ أن رسول الله ﷺ لَمْ يدعها إلى الإسلام! إنه قصّ عليها قصة الوحي، وهو يقول: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. وهذه صورة لم تشهدها خديجة- من قبل- عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ولقد عرفته شابا يعمل في مالها متاجرا به. ومن هذه العلاقة- عرفت فيه الصدق والأمانة، والخصال الإنسانية الكاملة، والمثل الأعلى ... ولقد سمعت من ميسرة حديثا يبعث شجون النفس، والإعجاب. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً شريفة لبيبة، ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ، تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا، وَتُضَارِبُهُمْ إِيَّاهُ بِشَيْءٍ تَجْعَلُ لَهُمْ منه، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا بَلَغَهَا مِنْ صِدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ، وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ، بَعَثَتْ إِلَيْهِ، فعرضت أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالِهَا تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ، وَتُعْطِيهِ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غيره، مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ له: «ميسرة» . فلما أخبرها «مَيْسَرَةُ» عَنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَعَمَّا كَانَ يَرَى مِنْ إظلال الملكين إياه في حرّ الهاجرة، وسموّ صحبته، وحسن خلقه، وصدق حديثه

تبلورت فكرة الزواج بِمُحَمَّدٍ ﷺ في ذهنها. وقد ذهبت إلى ورقة بن نوفل- ابن عمها- وذكرت له ما سمعته وما لاحظته من صفات محمد ﷺ وأحواله، فَقَالَ وَرَقَةُ: «لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا يَا خَدِيجَةَ إنّ محمدا لنبيّ هذه الأمة، وقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ يُنْتَظَرُ ... هَذَا زمانه» . فعادت خديجة من عند ورقة وقد اختمرت في ذهنها فكرة الزواج بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأصبحت الفكرة أكثر جاذبية وإشراقا. ولم تكن الجاذبية هدف خديجة في زواجها، وإن كان محمد أحسن الناس خلقا، ولا الثروة، فلم يكن محمد صاحب ثروة إنما صاحب سمات خلقية كريمة، وروحانية شفافة ظاهرة، واشراق أخاذ وسمو كريم. وقد نقل ابن حجر عن الفاكهي في كتاب مكة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان عند أبي طالب فاستأذنه ان يتوجه إلى خديجة فأذن له، وبعث بعده جارية يقال لها: نبعة، فقال: انظري ما تقول له خديجة. قالت نبعة: فرأيت عجبا، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سمعت به خديجة، فخرجت إلى الباب، وكان مما قالت: أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستبعث، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي، وادع الإله الذي يبعثك لي. فقال لها: «والله لئن كنت أنا هو، قد اصطفت عندي ما لا أخيّبه أبدا، وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيّعك أبدا» . لقد أصبحت الفكرة جد متبلورة في عقل خديجة ولم يكن هناك إلا تنفيذها. فأرسلت نفيسة بنت منبه دسيسا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بعد عودته من الشام.

يضيّعك أبدا» . لقد أصبحت الفكرة جد متبلورة في عقل خديجة ولم يكن هناك إلا تنفيذها. فأرسلت نفيسة بنت منبه دسيسا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بعد عودته من الشام.

قالت: يا محمد! ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي ما أتزوج به. قالت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قالت: خديجة. قال: وكيف لي ذلك؟ قالت: عليّ. قال: فأنا أفعل. قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: «أنا أعلم الناس بتزويج النبي ﷺ خديجة، إِنِّي كُنْتُ لَهُ تِرْبًا وَكُنْتُ لَهُ إِلْفًا وَخِدْنًا، وَإِنِّي خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْحَزْوَرَةِ- سوق مكة- أَجَزْنَا عَلَى أُخْتِ خَدِيجَةَ، وَهِيَ جَالِسَةٌ عَلَى أُدُمٍ تَبِيعُهَا، فَنَادَتْنِي، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهَا، وَوَقَفَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: «أَمَا لِصَاحِبِكَ هَذَا مِنْ حَاجَةٍ فِي تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ؟» . قَالَ عَمَّارٌ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: بَلَى، لعمري. قال عمار: فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتِ: اغْدُوَا عَلَيْنَا إذا أصبحنا. وجاء آل عبد المطلب وعلى رأسهم حَمْزَةَ- ﵁ وأبو طالب إلى بيت خديجة، وكان في استقبالهم عم خديجة: عمرو بن أسد، وابن عمها: ورقة بن نوفل. وقام أبو طالب خطيبا، فكان مما قَالَ:

لى رأسهم حَمْزَةَ- ﵁ وأبو طالب إلى بيت خديجة، وكان في استقبالهم عم خديجة: عمرو بن أسد، وابن عمها: ورقة بن نوفل. وقام أبو طالب خطيبا، فكان مما قَالَ:

أما بعد، فإن محمدا ممن لا يوزن به فتى من قريش، إلا رجح به: شرفا ونبلا، وفضلا وعقلا، وإن كان في المال قلّ، فإن المال ظل زائل، وعاريه مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك» . ورضي عمرو، وقال: «هو الفحل لا يقدع أنفه» . وعند ما رجع إليها من غار حراء، وهو يقول: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ: «يَا خَدِيجَةُ! مَالِي، فَأَخْبَرَهَا الخبر» . كان هذا شأنا جديدا عليه وتغيرا محسوسا، وعند ما سألته عن جلية الخبر، قال: «لقد خشيت على نفسي!» . قالت له: «كلا، والله ما يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وتحمل الكلّ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» . لقد غمرت خديجة قوة نورانية عجيبة، وثقه واضحة جلية، واتجهت إلى زوجها بقوة المسؤولية، وأخذت تمسح عن وجهه، وتقول: «أبشر، فو الله لقد كنت أعلم أنّ الله لن يفعل بك إلا خيرا، وأشهد أنك نبيّ هذه الأمة الذي تنتظره اليهود، قد أخبرني به ناصح غلامي، وبحيرى الراهب» . ولم تزل بِرَسُولِ اللهِ ﷺ حتى طعم وشرب وضحك. فلما ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاما لقيه رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ نَصْرَانِيًّا مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، يُقَالُ لَهُ عَدَّاسٌ. فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَدَّاسٌ، أُذَكِّرُكَ بِاللهِ، إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي: هَلْ عِنْدَكَ عَلِمٌ مِنْ جبريل؟

َهْلِ نِينَوَى، يُقَالُ لَهُ عَدَّاسٌ. فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَدَّاسٌ، أُذَكِّرُكَ بِاللهِ، إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي: هَلْ عِنْدَكَ عَلِمٌ مِنْ جبريل؟

فقال: قُدُّوسٌ!! قُدُّوسٌ!! مَا شَأْنُ جِبْرِيلَ يُذْكَرُ بِهَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي أَهْلُهَا أَهْلُ الْأَوْثَانِ. فقالت: أَخْبِرْنِي بِعِلْمِكِ فِيهِ. قَالَ: إنه أَمِينُ اللهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ.. وَهُوَ صَاحِبُ مُوسَى وعيسى ﵉. ثم ذهبت إلى راهب بجوار مكة، فلما دنت منه وعرفها، قال: مالك يا سيدة نساء قريش؟. فقالت: أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل. فقال: سبحان الله! ربنا القدوس: ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التي يعبد أهلها الأوثان، جبريل أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله.. وَهُوَ صَاحِبُ مُوسَى وَعِيسَى. فَرَجَعَتْ خَدِيجَةُ مِنْ عِنْدِهِ، فَجَاءَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَكَانَ وَرَقَةُ قَدْ كَرِهَ عبادة الأوثان، فسألته عن جبريل، فقال لها مثل ذلك، ثم سألها، ما الخبر؟ فأحلفته أن يكتم ما تقول له، فحلف لها، فقالت: إن محمدا ذكر لي- وهو صادق- أحلف بالله ما كذب ولا كذب- أنه نزل عليه جبريل بحراء، وأنه أخبره أنه نبيّ هذه الأمة، وأقرأه آيات أرسل بها. قال: فذعر ورقة لذلك، وقال: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، وَالَّذِي نَفْسُ وَرَقَةَ بِيَدِهِ لَئِنْ كُنْتِ صَدَقْتِينِي يَا خَدِيجَةُ إِنَّهُ لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى- ﵇ فَقُولِي لَهُ فَلْيَثْبُتْ. ولكن يا خديجة أرسلي إليّ ابن عبد الله أسأله وأسمع من قوله، فإني أخاف أن يكون غير جبريل، فإن بعض الشياطين يتشبه به، ليفسد بعض بني آدم، حتى يصير الرجل بعد العقل مدلها.

فقامت من عنده، وهي واثقة أن لا يفعل بصاحبها إلا خيرا. وانطلقت خديجة بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلى ورقة، فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى؟. فَقَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خبره ... فقال له وَرَقَةُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيَأْتِيكَ النَّامُوسُ [١] الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وإنك نبي هذه الأمة، ولتؤذينّ، وَلَتُقَاتَلَنَّ، وَلَتُنْصَرَنَّ، وَلَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ ذَلِكَ لَأَنْصُرَنَّكَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ اللهُ. ثُمَّ أَدْنَى إِلَيْهِ رَأْسَهُ فَقَبَّلَ يَافُوخَهُ، ثُمَّ انصرف إِلَى مَنْزِلِهِ، وَقَدْ زَادَهُ الله مِنْ قَوْلِ وَرَقَةَ ثَبَاتًا، وَخَفَّفَ عَنْهُ بَعْضَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْهَمِّ. أما ورقة، فقد قال: وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعْهُمَا ... مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ أما خديجة فقد أحبت أن تضع جبريل موضع الاختبار، لتتبين أمره في وضوح ، فقالت خَدِيجَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا تُثَبِّتُهُ- فِيمَا أَكْرَمَهُ اللهُ به في نُبُوَّتِهِ: يَا ابْنَ عَمٍّ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: إِذَا جَاءَكَ فَأَخْبِرْنِي. فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَهَا إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ! هَذَا جِبْرِيلُ. فَقَالَتْ: أَتُرَاهُ الآن؟ قال: نعم.

سُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَهَا إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ! هَذَا جِبْرِيلُ. فَقَالَتْ: أَتُرَاهُ الآن؟ قال: نعم.

قَالَتْ: فَاجْلِسْ إِلَى شِقِّي الْأَيْمَنِ، فَتَحَوَّلَ فَجَلَسَ، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ الْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي. فَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ. فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ الْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَتَحَسَّرَتْ رَأْسَهَا، فَأَلْقَتْ خِمَارَهَا، وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ الْآنَ؟ قَالَ: لَا. قَالَتْ: مَا هَذَا شَيْطَانٌ، إِنَّ هَذَا لَمَلَكٌ يَا ابْنَ عَمٍّ، فَاثْبُتْ وَأَبْشِرْ، ثُمَّ آمَنَتْ بِهِ، وَشَهِدَتْ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَقَّ» . قَالَ البيهقي (٢: ١٥٢) بعد أن سرد الخبر: «هذا شيء كانت خديجة تَصْنَعُهُ تَسْتَثْبِتُ بِهِ الْأَمْرَ احْتِيَاطًا لِدِينِهَا وَتَصْدِيقِهَا، فَأَمَّا النبي ﷺ فَقَدْ كَانَ قَدْ وَثِقَ بِمَا قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ وَأَرَاهُ مِنَ الْآيَاتِ» أ. هـ. هكذا أسلمت خديجة، فكانت أول من اعتنق الإسلام بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يدعها رسول الله ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ، ولم تكن لتحتاج إلى دليل خارج عن حال رسول الله ﷺ وخلقه. ٤- دلائل النبوة في إسلام أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ- ﵁ - قَالَ ابن خلدون في المقدمة عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حال إسلامه. «لم يحتاج في أَمْرِهِ ﷺ إلى دليل خارج عن حاله وخلقه» أ. هـ. فكيف أسلم أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؟

في المقدمة عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حال إسلامه. «لم يحتاج في أَمْرِهِ ﷺ إلى دليل خارج عن حاله وخلقه» أ. هـ. فكيف أسلم أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؟

قال البيهقي (٢: ١٦٣- ١٦٤) : «ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ- ﵁ لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَحَقٌّ مَا تَقُولُ قُرَيْشٌ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَرْكِكَ آلِهَتَنَا، وَتَسْفِيهِكَ عُقُولَنَا، وَتَكْفِيرِكَ آبَاءَنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بَلَى، إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَنَبِيُّهُ، بَعَثَنِي لِأُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ وَأَدْعُوكَ إِلَى اللهِ بِالْحَقِّ، فو الله إِنَّهُ لَلْحَقُّ، أَدْعُوكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا تَعْبُدْ غَيْرَهُ، وَالْمُوَالَاةَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ القرآن. فَأَسْلَمَ وَكَفَرَ بِالْأَصْنَامِ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ، وَآمَنَ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مؤمن مصدق. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ منه كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ، إِلَّا أبا بكر ما تردّد فيه» . قال البيهقي: «وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى دَلَائِلَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَسْمَعُ آثَارَهُ، قَبْلَ دَعْوَتِهِ، فَحِينَ دَعَاهُ كَانَ قَدْ سَبَقَ فيه تفكره ونظره وما تردد فيه» . دلائل النبوة في إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ- ﵁ - أخرج مسلم في الصحيح، في فضائل أبي ذر، ونقله البيهقي (٢: ٢٠٨) قال أبو ذر: كُنْتُ رُبُعَ الْإِسْلَامِ، أَسْلَمَ قَبْلِي ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَأَنَا الرابع، أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله، فَرَأَيْتُ الِاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وحديث إسلام أَبِي ذَرٍّ، ﵁، حديث مستفيض جليل: روته كتب السنة الموثوق بها، أمثال البخاري ومسلم، وغيرهما. ولقد روته هذه الكتب في زواياه المختلفة، الثرية بالعبر والمواعظ: وذلك: أنه لما بلغ أبا ذر مَبْعَثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ لأخيه أنيس:

«اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل: الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله، ثم ائتني. فانطلق «أنيس» إلى مكة وسمع من كلام الرسول ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أبي ذر فقال له: «رأيته يأمر بمكارم الأخلاق» . فقال له أبو ذر: مَا يَقُولُ النَّاسُ لَهُ؟ قال: يقولون: إنه شاعر، وساحر- وكان أنيس شاعرا- وتابع أنيس حديثه قال: لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على أنواع الشعر، فو الله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، وو الله إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ... فقال أبو ذر لأخيه: هل أنت كافيّ حتى أنطلق؟ قال: نَعَمْ، وَكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى حَذَرٍ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شنعوا له، وتجمعوا له. فتزود وحمل شنة له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس رسول الله ﷺ، وَهُوَ لَا يعرفه، واتبع نصيحة أخيه في أن لا يسأل عنه، وأن يحذر أهل مكة، حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع لينام، فرآه سيدنا علي فعرف أنّه غريب، فدعاه إلى المبيت عنده، فتبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، فلم ير النبي ﷺ، حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ وسار به إلى المنزل: لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، ومرّ اليوم الثالث على هذه الكيفية. فلما كان في البيت، سأله علي ﵁ قائلا: ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا ليرشدنّني، ففعلت ... ففعل، فأخبره.

الثالث على هذه الكيفية. فلما كان في البيت، سأله علي ﵁ قائلا: ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا ليرشدنّني، ففعلت ... ففعل، فأخبره.

وفي الصباح ذهبا- على حذر- إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَخَذَ أبو ذر يستمع إلى القرآن الكريم، فأسلم في جلسته،. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، فَقَالَ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لأصرخنّ بها بين ظهرانيهم.. فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله ... فقام إليه الحاضرون فاشتبكوا معه في معركة، حامية، واستمروا به حتى رموه أرضا، فأتى العباس وأنقذه منهم ... ولكنه عاد في الغد إلى مثلها، وعادوا إلى مثل ما فعلوا، وأنقذه من جديد العباس، وعاد أبو ذر إلى أخيه، وأعلن إسلامه، فأسلم أخوه، وذهبا إلى أمهما فأعلنت إسلامها، وأخذ أبو ذر يبشر الإسلام في قومه. ﵁. دلائل النبوة في إسلام طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ﵁ قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: «حَضَرْتُ سُوقَ بُصْرَى فَإِذَا رَاهِبٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَقُولُ: سَلُوا أَهْلَ هَذَا الْمَوْسِمِ أَفِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ؟ قَالَ طَلْحَةُ: قُلْتُ نَعَمْ أَنَا. فَقَالَ: هَلْ ظهر أحمد. قُلْتُ: وَمَنْ أَحْمَدُ قَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، مَخْرَجُهُ مِنَ الْحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى نَخْلٍ وَحَرَّةٍ وَسِبَاخٍ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُسْبَقَ إِلَيْهِ. قَالَ طَلْحَةُ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا قال، فخرجت مسرعا حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ؟

ِيَّاكَ أَنْ تُسْبَقَ إِلَيْهِ. قَالَ طَلْحَةُ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا قال، فخرجت مسرعا حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ؟

قَالُوا: نَعَمْ، مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله تَنَبَّأَ، وَقَدْ تَبِعَهُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَتَبِعْتَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ فَادْخُلْ عَلَيْهِ فَاتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ. فَأَخْبَرَهُ طَلْحَةُ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ بِطَلْحَةَ، فَدَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَسْلَمَ طَلْحَةُ، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ. فَلَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ، أَخَذَهُمَا نوفل بن خويلد بن الْعَدَوِيَّةِ فَشَدَّهُمَا فِي حَبَلٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمَا بَنُو تميم، وَكَانَ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ يُدْعَى: أَسَدَ قُرَيْشٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ: «القرينين» . دلائل النبوة في إسلام النجاشي الأصحم . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عن أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بن المغيرة، زَوْجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ: «لَمَّا نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشي، أمنّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى: لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم: أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هذايا مما يستطرف من متاع مكة، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما: ادفعا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدّما إلى النجاشي هداياه، ثم أسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، قالت:

لهما: ادفعا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدّما إلى النجاشي هداياه، ثم أسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته، قبل أن يكلّما النجاشي، وقالا لكل

بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يدخلوا في دينكم وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نعرفه نحن ولا أنتم. وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قدّما هداياهما إلى النجاشي، فقبلها منهما، ثمّ كلّماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى الى بلدك منا غلمان سفهاء: فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه، قالت: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي ربيعة وعمرو بن العاص مِنْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ النجاشي، فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليردّوهم إلى بلادهم وقومهم، قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: الله!! إذن لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم، فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ كائنا. ذلك ما هو كائن. فلما جاءوا- وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله- سألهم، فقال لهم:

نقول والله ما علمنا وما أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ كائنا. ذلك ما هو كائن. فلما جاءوا- وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله- سألهم، فقال لهم:

مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي قد فارقتم فيه قَوْمِكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذي كلمه جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله، لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد أمور الإسلام- فصدقناه وآمنّا به، واتّبعناه عَلَيَّ مَا جَاءَ بِهِ من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرّمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله تعالى، وأن نستحلّ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ قالت: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فقال النجاشي فاقرأه علي، قالت: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ «كهيعص» قالت:

اشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ قالت: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فقال النجاشي فاقرأه علي، قالت: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ «كهيعص» قالت:

فَبَكَى وَاللهِ النَّجَاشِيُّ، حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى، ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون. قالت: فلما خرجا من عنده، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: والله لأتينه غدا عنهم بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ. قالت: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ- وكان أتقى الرجلين فينا- لا تفعل فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرته أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد الله، قالت: ثم غدا عليه من الغد. فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ! إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مريم قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فسلهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه. فقالت: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا قط، فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول: - والله- (فيه) ما قال الله، وما جاءنا به ننهينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مريم؟ قالت: فقال له جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نقول فيه الذي جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ. هُوَ عبد الله ورسوله، وروحه، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشي بيده إِلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ مِنْهَا عودا ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَا عدا عيسى بن مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا العود، قالت:

فتناحرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم، والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي- والشيوم: الْآمِنُونَ- مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثم قال: مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثُمَّ قال: من سبكم غرم، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي ديرا من ذهب، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ. قال ابن هشام: ويقال دبري من ذهب، ويقال: فأنتم شيوم، والدبر بلسان الحبشة الجبل- رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، قالت: فخرجا من عنده مَقْبُوحَيْنِ، مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. قالت: فو الله، إنا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ به رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ يُنَازِعُهُ في ملكه، قالت: فو الله، ما علمتنا حُزْنًا حَزِنَّا قَطُّ، كَانَ أشدّ علينا من حزن حزنّاه عند ذلك، تخوّفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا ما كان النجاشي يعرف منه، قالت: وسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل (النيل الأزرق) . قالت: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم، ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا.. قالوا فأنت- وكان من أحدث القوم سنا- قالت: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، قالت:

ليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، قالت:

فو الله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير، وهي يسعى فلمع بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي، أهلك الله عدوه، ومكّن له في بلاده. قالت: فو الله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. قالت: ورجع النجاشي وقد أهلك الله عدوّه، ومكّن له في بلاده، واستوثق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ في مكة. دلائل النبوة في إسلام زيد بن سعنة: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سلام: إن الله ﷿، لَمَّا أَرَادَ هُدَى زَيْدِ بْنِ سَعْنَةَ، قَالَ زَيْدُ بن سعنة: إنه لم يبق من عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ، إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أُخْبَرْهُمَا مِنْهُ: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا. فَكُنْتُ أَتَلَطَّفُ لَهُ، لِأَنْ أُخَالِطَهُ فاعرف حلمه وجهله. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يَوْمًا مِنَ الْحُجُرَاتِ وَمَعَهُ عَلِيُّ بن أبي طالب، فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ كَالْبَدَوِيِّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إن قَرْيَةُ بَنِي فُلَانٍ قَدْ أَسْلَمُوا وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، فكنت حدثتهم: أنهم- إِنْ أَسْلَمُوا- أَتَاهُمُ الرِّزْقُ رَغَدًا، وَقَدْ أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ وشدة وقحوط من الغيث. وإني أَخْشَى يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْإِسْلَامِ طَمَعًا كَمَا دَخَلُوا فِيهِ طَمَعًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بِشَيْءٍ تُعِينَهُمْ به؟ قال فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِلَى رَجُلٍ إِلَى جَانِبِهِ أُرَاهُ عَلِيًّا، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللهِ.

ْءٍ تُعِينَهُمْ به؟ قال فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِلَى رَجُلٍ إِلَى جَانِبِهِ أُرَاهُ عَلِيًّا، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ: فَدَنَوْتُ إليه، فقلت له يَا مُحَمَّدُ، هَلْ لَكَ أَنْ تُبِيعَنِي تَمْرًا مَعْلُومًا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: لَا يَا يَهُودِيُّ، ولكن أُبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلَا أُسَمِّي حَائِطَ بَنِي فُلَانٍ، قال فقلت نَعَمْ، فَبَايَعَنِي فَأَطْلَقْتُ هِمْيَانِي فَأَعْطَيْتُهُ ثَمَانِينَ مِثْقَالًا. مِنْ ذَهَبٍ فِي تَمْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، فأعطى الرجل،

وقال: اعجل عليهم، وأغثهم بمال زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ. فَلَمَّا كَانَ قِبَلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ بيومين أو ثلاثة، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وعثمان، في نفر في أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَى الجنازة ودنا مِنْ جِدَارٍ لِيَجْلِسَ إِلَيْهِ، أتيته فأخذت بجوامع قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بوجه غليظ، وقلت: ألا تقضيني يا محمد حقي. فو الله، ما علمتكم يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلا لمطلق، وقد كان لي بخالطتكم علم. قال فنظر إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وعيناه تدوران في وجهه كَالْفَلَكِ الْمُسْتَدِيرِ. ثُمَّ رَمَانِي بطرفه وقال: يَا عَدُوَّ اللهِ، أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أَسْمَعُ؟ وتفعل به ما أرى؟ فو الذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، لَوْلَا مَا أحاذر قوته، لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ وَتَبَسُّمٍ. ثم قال: أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ الى غير هذا منك يا عمر» أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ، وتأمره بحسن التقاضي. اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فاقضه حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مَكَانَ مَا رُعْتَهُ.

مر» أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ، وتأمره بحسن التقاضي. اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فاقضه حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مَكَانَ مَا رُعْتَهُ. قَالَ زَيْدٌ فَذَهَبَ بِي عُمَرُ فقضاني حَقِّي، وَزَادَنِي عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَقُلْتُ مَا هَذِهِ الزيادة؟ فَقَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَنْ أُزِيدَكَ، مَكَانَ مَا رُعْتُكَ. فَقُلْتُ: أَتَعْرِفُنِي يَا عُمَرُ؟ قَالَ: لَا، فَمَنْ أنت؟ فقلت: أَنَا زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ. قَالَ: الْحَبْرُ. قُلْتُ: الْحَبْرُ. قال فما دعاك أن تقول لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَا قُلْتِ، وتفعل به ما فعلت؟ قلت يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفت فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أُخْبَرْهُمَا مِنْهُ يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إلا حلما. فقد أخبرتهما. فَأُشْهِدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وبمحمد نَبِيًّا، وَأُشْهِدُكَ أَنَّ شَطْرَ مالي- فإني أكثرها مَالًا- صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَقَالَ عُمَرُ أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ، فإنك لا تسعهم كلهم. قلت: أو على بعضهم. قال: فَرَجَعَ عُمَرُ وَزَيْدٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ زَيْدٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله، فآمن بِهِ وَصَدَّقَهُ وَتَابَعَهُ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مشاهد كثيرة. ثم قتل في غزاة

تبوك: شهيدا مقبلا غير مدبر ﵀. دلائل النبوة في إسلام الطبيب ضماد: أتى صماد بن ثعلبة مكة معتمرا، فسمع كفار قريش، يقولون. محمد مجنون. فقال: لو أتيت هذا الرجل فداويته، فجاءه فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أداوي من الريح فإن شئت داويتك لعلّ الله ينفعك، فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحمد الله وتكلّم بكلمات فأعجب ذلك ضمادا فقال: أعدها عليّ فأعادها عليه فقال: لم أسمع مثل هذا الكلام قط، لقد سمعت كلام الكهنة والسحرة والشعراء فما سمعت مثل هذا قط، لقد بلغ قاموس البحر، فأسلّم وبايع على نفسه وعلى قومه. دلائل النبوة في إسلام الحبر: عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ: عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: كَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ حِينَ أَسْلَمَ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا قَالَ: لَمَّا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَهَيْئَتَهُ، والذي كنا نتوقف لَهُ، فَكُنْتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ، صَامِتًا عَلَيْهِ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ بِقُبَاءٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ، وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي أَعْمَلُ فِيهَا، وَعَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةً. فَلَمَّا سَمِعَتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَبَّرْتُ، فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي حِينَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِيَ: لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ مَا زاد؟ قَالَ قُلْتُ: لَهَا أَيْ عَمَّةُ، هُوَ وَاللهِ أَخُو موسى ابن عِمْرَانَ وَعَلَى دِينِهِ بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ، قَالَ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَخِي، أَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نُخْبَرُ بِهِ. أَنَّهُ يُبْعَثُ مَعَ بَعْثِ السَّاعَةِ قَالَ: قُلْتُ لَهَا نَعَمْ. قَالَتْ فَذَاكَ إِذًا ... قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَسْلَمْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي فَأَمَرْتُهُمْ، فَأَسْلَمُوا، وَكَتَمْتُ إِسْلَامِي مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ:

ْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي فَأَمَرْتُهُمْ، فَأَسْلَمُوا، وَكَتَمْتُ إِسْلَامِي مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ:

إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمُ بُهْتٍ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي فِي بَعْضِ بُيُوتِكَ: تُغَيِّبُنِي عنهم، ثم تسألهم عنّي، فيخبرونك كَيْفَ أَنَا فِيهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِذَلِكَ، بَهَتُونِي وَعَابُونِي، قَالَ: فَأَدْخَلَنِي بَعْضَ بُيُوتِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَكَلَّمُوهُ، وسألوه، قَالَ لَهُمْ: أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا، وَابْنُ سيدنا، وحبرنا وَعَالِمُنَا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَوْلِهِمْ، خَرَجْتُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللهَ وَاقْبَلُوا ما جاءكم به، فو الله إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ في التوراة، اسمه وَصِفَتِهِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رسول الله، وأؤمن بِهِ، وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِفُهُ، قَالُوا: كَذَبْتَ.. ثُمَّ وَقَعُوا فِيَّ. قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ؟ أَهْلُ غَدْرٍ، وَكَذِبٍ، وَفُجُورٍ؟ قَالَ: فَأَظْهَرْتُ إِسْلَامِي وَإِسْلَامَ أَهْلَ بَيْتِي، وَأَسْلَمَتْ عَمَّتِي ابْنَةُ الْحَارِثِ فحسن إسلامها» . وهذه رواية أخرى عن إسلام عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ لا تناقض الأولى وإنما تؤيدها وتفسرها. سمع به (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ مِنْهُ، فَعَجِلَ أَنْ يَضَعَ التي يحترف فِيهَا، فَجَاءَ، وَهِيَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟ قَالَ:

فَجَاءَ، وَهِيَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللهِ، هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا بَابِي. فَقَالَ: اذهب فهيء لَنَا مَقِيلًا. فَذَهَبَ فَهَيَّأَ لَهُمَا مَقِيلًا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ هَيَّأْتُ لَكُمَا مَقِيلًا، قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ فَقِيلَا. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁، فَقَالَ:

أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ، وَلَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ، وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَسَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ، فَأَرْسَلَ نَبِيُّ الله ﷺ إِلَيْهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَيْلَكُمُ اتقوا الله، فو اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ، أَسْلِمُوا!!! قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ. فَأَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَأَعْلَمُنَا، وَابْنُ أَعْلَمِنَا. قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قالوا: حاش الله، مَا كَانَ لِيُسْلِمَ. قَالَ: يَا ابْنَ سَلَامٍ، اخْرُجْ عَلَيْهِمْ! فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَيْلَكُمُ، اتقوا الله، فو اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ. فَقَالُوا: «كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ» . وعن الترمذي وابن نافع وغيرهما بأسانيدهم: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سلام قَالَ:

ُ جَاءَ بِحَقٍّ. فَقَالُوا: «كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ» . وعن الترمذي وابن نافع وغيرهما بأسانيدهم: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سلام قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المدينة، جئته لأنظر إليه، فلما استبنت وجهه عرفت أن وَجْهُهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ. سلمان الفارسي يبحث عن الحقيقة: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ ابن لَبِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قال: كنت رَجُلًا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: «جَيُّ» وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ أَرْضِهِ. وَكَانَ يُحِبُّنِي حُبًّا شَدِيدًا، لَمْ يُحِبَّهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَلَا وَلَدِهِ. فَمَا زَالَ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حبسني في بيت كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ، حَتَّى كُنْتُ قاطن النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا وَلَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو

سَاعَةً. فَكُنْتُ كَذَلِكَ لَا أَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا إِلَّا مَا أَنَا فِيهِ. حَتَّى بَنَى أَبِي بُنْيَانًا لَهُ، وَكَانَتْ لَهُ ضَيْعَةٌ فِيهَا بَعْضُ الْعَمَلِ، فَدَعَانِي فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي مَا تَرَى مِنْ بُنْيَانِي عَنْ ضَيْعَتِي هَذِهِ، وَلَا بُدَّ مِنِ اطِّلَاعِهَا، فَانْطَلِقْ إِلَيْهَا، فمرهم بكذا وكذا، ولا تحتبس عَنِّي، فَإِنَّكَ إِنِ احْتَبَسْتَ عَنِّي، شَغَلْتَنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا هَؤُلَاءِ النَّصَارَى يُصَلُّونَ. فَدَخَلْتُ أَنْظُرُ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ حَالِهِمْ، فو الله مَا زِلْتُ جَالِسًا عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَبَعَثَ أَبِي فِي طَلَبِي فِي كل وجه حَتَّى جِئْتُهُ حِينَ أَمْسَيْتُ، وَلَمْ أَذْهَبْ إِلَى ضَيْعَتِهِ، فَقَالَ أَبِي: أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ قُلْتُ لَكَ لا تحتبس عني، فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ! مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُقَالُ لَهُمُ: النَّصَارَى، فأعجبني صلاتهم وَدُعَاؤُهُمْ فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ كَيْفَ يَفْعَلُونَ؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ، مَا هُوَ بِخَيْرٍ مِنْ دِينِهِمْ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ اللهَ، وَيَدْعُونَهُ وَيُصَلُّونَ لَهُ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نَعْبُدُ نَارًا نُوقِدُهَا بِأَيْدِينَا، إِذَا تَرَكْنَاهَا مَاتَتْ فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ حَدِيدًا، وَحَبَسَنِي فِي بَيْتٍ عِنْدَهُ، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى، فَقُلْتُ لَهُمْ:

ذَا تَرَكْنَاهَا مَاتَتْ فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ حَدِيدًا، وَحَبَسَنِي فِي بَيْتٍ عِنْدَهُ، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ الَّذِي أَرَاكُمْ عَلَيْهِ؟ فَقَالُوا: بِالشَّامِ. فَقُلْتُ: فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ مِنْ هُنَاكَ نَاسٌ فأذنوني. فقالوا: نَفْعَلُ. فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ نَاسٌ من تجارهم، فَبَعَثُوا إِلَيَّ أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ عَلَيْنَا تُجَّارٌ مِنْ تُجَّارِنَا فَبَعَثْتُ إِلَيْهِمْ إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وأرادوا فأذنوني الخروج فَقَالُوا: نَفْعَلُ. فَلَمَّا قَضَوْا حَوَائِجَهَمْ وَأَرَادُوا الرَّحِيلَ، بَعَثُوا إِلَيَّ بِذَلِكَ، فَطَرَحْتُ الْحَدِيدَ الَّذِي فِي رِجْلَيَّ، وَلَحِقْتُ بِهِمْ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا سألت: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا

الدِّينِ؟ فَقَالُوا: الْأَسْقُفُّ صَاحِبُ الْكَنِيسَةِ، فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي كَنِيسَتِكَ، وَأَعْبُدُ الله فيها مَعَكَ، وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ الْخَيْرَ. قَالَ: فَكُنْ مَعِي. قَالَ: فَكُنْتُ مَعَهُ، وَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ، ويرغبهم فيها، فإذا جمعها إِلَيْهِ اكْتَنَزَهَا وَلَمْ يُعْطِهَا المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُ مِنَ حَالِهِ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا جَاءُوا لِيَدْفِنُوهُ قُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا رَجُلُ سَوْءٍ، وكان يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، حَتَّى إِذَا جَمَعْتُمُوهَا إِلَيْهِ، اكْتَنَزَهَا وَلَمْ يُعْطِهَا الْمَسَاكِينَ، فَقَالُوا: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُخْرِجُ لَكُمْ كنزها، فَقَالُوا: فَهَاتِهِ، فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَالُوا: وَاللهِ لَا يُدْفَنُ أَبَدًا..

َالُوا: فَهَاتِهِ، فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَالُوا: وَاللهِ لَا يُدْفَنُ أَبَدًا.. فَصَلَبُوهُ عَلَى خَشَبَةٍ وَرَمَوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ فَلَا وَاللهِ- يَا ابْنَ عَبَّاسٍ- مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ لا يصلي الخمس. رأى أنه أفضل منه وأشد اجتهادا ولا زهادة فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَدْأَبَ ليلا ونَهَارًا مِنْهُ، مَا أَعْلَمُنِي أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ قَبْلَهُ حُبَّهُ. فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ: يَا فُلَانُ قَدْ حَضَرَكَ، مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللهِ، وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ حُبَّكَ، فَمَاذَا تَأْمُرُنِي؟ وَإِلَى مَنْ تُوصِينِي؟ فقال لِي: أَيْ بُنَيَّ، وَاللهِ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَجُلًا بالموصل فَأْتِهِ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِي، فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ، لَحِقْتُ بِالْمَوْصِلِ فَأَتَيْتُ صَاحِبَهَا فَوَجَدْتُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا، فَقُلْتُ لَهُ: إن فلانا أوصى بي إِلَيْكَ أَنْ آتِيَكَ وَأَكُونَ مَعَكَ، قَالَ: فَأَقِمْ أَيْ بُنَيَّ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِ صَاحِبِهِ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: إن فلانا أوصى بي إليك وقد حضر لك مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِينِي؟ قال: وَاللهِ مَا أَعْلَمُهُ أَيْ بني، إلا رجلا بِنَصِيبِينَ، وَهُوَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَالْحَقْ بِهِ، فَلَمَّا دَفَنَّاهُ لَحِقْتُ بِالْآخَرِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فلان، إن فلانا أوصى بي إلى فلان وفلان أوصى بي إِلَيْكَ. قَالَ: فَأَقِمْ يَا بُنَيَّ؟. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمْ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ،

إِنَّهُ قَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا تَرَى، وقد كان فلان أوصى بي إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إليك، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ إلا رجلا بِعَمُّورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَأْتِهِ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا وَارَيْتُهُ خَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى صَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمْ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَتْ لِي غُنَيْمَةٌ وَبَقَرَاتٌ. ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا (كان) أوصى بي إِلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٌ إِلَيْكَ، وقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللهِ (تَعَالَى) فَإِلَى مَنْ تُوصِينِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللهِ مَا أَعْلَمُهُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ، آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهَ. وَلَكِنَّهُ قَدْ أظلك زمانه نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنَ الْحَرَمِ، مهاجره بين حراثين إِلَى أَرْضٍ سَبِخَةٍ ذَاتِ نَخِيلٍ، وَإِنَّ فِيهِ عَلَامَاتٍ لَا تَخْفَى: بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَخْلُصَ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ، فَإِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُهُ.

ْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَخْلُصَ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ، فَإِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُهُ. فَلَمَّا وَارَيْنَاهُ، أَقَمْتُ حَتَّى مَرَّ بي رِجَالٌ مِنْ تُجَّارِ الْعَرَبِ مِنْ كَلْبٍ. فَقُلْتُ لَهُمْ تحملونني معكم إلى أَرْضَ الْعَرَبِ، وَأُعْطِيكُمْ غَنِيمَتِي هَذِهِ وَبَقَرَاتِي؟ قَالُوا نَعَمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا وَحَمَلُونِي، حَتَّى إِذَا جَاءُوا بِي وَادِيَ الْقُرَى، ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ بِوَادِي القرى. فو الله، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّخْلَ وَطَمِعْتُ أن يكون الْبَلَدُ الَّذِي نَعَتَ لِي صَاحِبِي. وَمَا حَقَّتْ عِنْدِي حَتَّى قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قريظة من وَادِيَ الْقُرَى، فَابْتَاعَنِي مِنْ صَاحِبِي الَّذِي كُنْتُ عِنْدَهُ، فَخَرَجَ بِي حَتَّى قَدِمَ بِي الْمَدِينَةَ، فو الله، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رأيتها فعرفت نعتها، فأقمت في رقي مَعَ صَاحِبِي، وَبَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بِمَكَّةَ، لَا يَذْكُرُ لي شيء مِنْ أَمْرِهِ، مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الرِّقِّ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُبَاءَ، وَأَنَا أَعْمَلُ لِصَاحِبِي في نخلة له، فو الله رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فقر لهما، فَإِذَا فَرَغْتَ فَآذِنِّي، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَضَعُهَا بين يدي، فَفَقَّرْتُهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي. يَقُولُ: حَفَرْتُ لَهَا حَيْثُ تُوضَعُ- حَتَّى فَرَغْنَا مِنْهَا، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ

ِي أَضَعُهَا بين يدي، فَفَقَّرْتُهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي. يَقُولُ: حَفَرْتُ لَهَا حَيْثُ تُوضَعُ- حَتَّى فَرَغْنَا مِنْهَا، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ

الله ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ فَرَغْنَا مِنْهَا فَخَرَجَ مَعِي حَتَّى جَاءَهَا، وَكُنَّا نَحْمِلُ إِلَيْهِ الْوَدِيَّ، وَيَضَعُهُ بِيَدِهِ وَيُسَوِّي عَلَيْهَا، فو الذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، فأديت النخل وَبَقِيَتْ عَلَيَّ الدَّرَاهِمُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيْنَ الْفَارِسِيُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَاتَبُ، فَدُعِيتُ لَهُ فَقَالَ: هَذِهِ يَا سَلْمَانُ، فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ قَالَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُؤَدِّي بها عنك، فو الذي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ، لَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فأديتها إليهم، وَكَانَ الرِّقُّ قَدْ حَبَسَنِي، حَتَّى فَاتَنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ «بدر» و «أحد» ثُمَّ عُتِقْتُ فَشَهِدْتُ، الْخَنْدَقَ ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مشهد» . وقال النضر بن الحرث لقريش: قد كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلَامًا حَدَثًا، أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ، وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمْ فِي صُدْغَيْهِ الشَّيْبَ، وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ به، قُلْتُمْ: سَاحِرٌ. لَا وَاللهِ ما هو بساحر. أخرج الواحدي، عن مقاتل، قال: كان الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يكذب النبي ﷺ في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته، قال: ما محمد ﷺ من أهل الكذب، ولا أحسبه إلا صادقا، فأنزل الله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ.

: ما محمد ﷺ من أهل الكذب، ولا أحسبه إلا صادقا، فأنزل الله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قال: «بينما نحن جلوس مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟. وَالنَّبِيُّ ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ.. فقال له الرجل: ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قد أجبتك. فقال الرجل لِلنَّبِيِّ ﷺ: إني سائلك، فمشدد عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تجد علي في نفسك.

Bagian 1 dari 95