— Bagian 23 · كتاب الحلال والحرام وهو الكتاب الرابع من ربع الع… —
Bagian 23
كتاب الحلال والحرام وهو الكتاب الرابع من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين ﷽ الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين لازب وصلصال ثم ركب صورته في أحسن تقويم وأتم اعتدال ثم غذاه في أول نشوه بلبن استصفاه من بين فرث ودم سائغاً كالماء الزلال ثم حماه بما آتاه من طيبات الرزق عن دواعي الضعف والانحلال ثم قيد شهوته المعادية له عن السطوة والصيال وقهرها بما افترضه عليه من طلب القوت الحلال وهزم بكسرها جند الشيطان المتشمر للإضلال ولقد كان يجري من ابن آدم مجرى الدم السيال فضيق عليه عزة الحلال المجرى والمجال إذ كان لا يبذرقه إلى أعماق العروق إلا الشهوة الماثلة إلى الغلبة والاسترسال فبقي لما زمت بزمام الحلال خائباً خاسراً ما له من ناصر ولا وال والصلاة على محمد الهادي من الضلال وعلى آله خير آل وسلم تسليماً كثيراً أما بعد فقد قال ﷺ طلب الحلال فريضة على كل مسلم (١) رواه ابن مسعود ﵁ وهذه الفريضة من بين سائر الفرائض أعصاها على العقول فهماً وأثقلها على الجوارح فعلاً ولذلك اندرس بالكلية علماً وعملاً وصار غموض علمه سبباً لاندراس عمله إذ ظن الجهال أن الحلال مفقود وأن السبيل دون الوصول إليه مسدود وانه لم يبق من الطيبات إلا الماء الفرات والحشيش النابت في الموات وما عداه فقد أخبثته الأيدي العادية وأفسدته المعاملات الفاسدة وإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات لم يبق وجه سوى الاتساع في المحرمات فرفضوا هذا القطب من الدين أصلاً ولم يدركوا بين الأموال فرقاً وفصلاً وهيهات هيهات فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ولا تزال هذه الثلاثة مقترنات كيفما تقلبت الحالات ولما كانت هذه بدعة عم في الدين ضررها واستطار في الخلق شررها وجب كشف الغطاء عن فسادها بالإرشاد إلى مدرك الفرق بين الحلال والحرام والشبهة على وجه التحقيق والبيان ولا يخرجه التضييق عن حيز الإمكان ونحن نوضح ذلك في سبعة أبواب الباب الأول في فضيلة طلب الحلال ومذمة الحرام ودرجات الحلال والحرام الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام الباب الثالث في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها في الحلال والحرام
ل والحرام الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام الباب الثالث في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها في الحلال والحرام الباب الرابع في كيفية خروج التائب عن المظالم المالية الباب الخامس في إدرارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم الباب السادس في الدخول على السلاطين ومخالطتهم الباب السابع في مسائل متفرقة
الباب الأول في فضيلة الحلال ومذمة الحرام وبيان أصناف الحلال ودرجاته وأصناف الحرام ودرجات الورع فيه فَضِيلَةُ الْحَلَالِ وَمَذَمَّةُ الْحَرَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أَمَرَ بِالْأَكْلِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَقِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَلَالُ وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظلماً الآية وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كنتم مؤمنين ﴿ثُمَّ قَالَ﴾ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ من الله ورسوله ﴿ثُمَّ قَالَ﴾ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴿ثُمَّ قَالَ﴾ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هم فيها خالدون جعل آكل الربا أَوَّلِ الْأَمْرِ مُؤْذِنًا بِمُحَارَبَةِ اللَّهِ وَفِي آخِرِهِ مُتَعَرِّضًا لِلنَّارِ وَالْآيَاتُ الْوَارِدَةُ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَا تُحْصَى وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ طَلَبُ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مسلم ولما قال ﷺ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ على كل مسلم (١) قال بعض العلماء أراد بِهِ طَلَبُ عِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَجَعَلَ الْمُرَادَ بالحديثين واحداً وقال ﷺ من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله ومن طلب الدنيا حلالاً في عفاف كان في درجة الشهداء (٢) وقال ﷺ من أكل الحلال أربعين يوماً نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (٣)
الله ومن طلب الدنيا حلالاً في عفاف كان في درجة الشهداء (٢) وقال ﷺ من أكل الحلال أربعين يوماً نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (٣) وفي رواية زهده الله في الدنيا وروي أن سعداً سأل رسول الله ﷺ أن يسأل الله تعالى أن يجعله مجاب الدعوة فقال له أطب طعمتك تستجب دعوتك (٤) وَلَمَّا ذَكَرَ ﷺ الْحَرِيصَ عَلَى الدُّنْيَا قَالَ رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مُشَرَّدٍ فِي الْأَسْفَارِ مَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بالحرام يرفع يديه فيقول يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك (٥) وفي حديث ابن عباس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ لله ملكاً على بيت المقدس ينادي كل ليلة من أكل حراماً لم يقبل منه صرف ولا عدل (٦) فقيل الصرف النافلة والعدل الفريضة وقال ﷺ من اشترى ثوباً
بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه منه شيء (١) وَقَالَ ﷺ كُلُّ لَحْمٍ نبت من حرام فالنار أولى بِهِ (٢) وَقَالَ ﷺ مَنْ لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أين أدخله النار (٣) وقال ﷺ العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال (٤) روي هذا مرفوعاً وموقوفاً على بعض الصحابة أيضاً وقال ﷺ من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له وأصبح والله عنه راض (٥) وقال ﷺ من أصاب مالاً من مأثم فوصل به رحماً أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع الله ذلك جميعاً ثم قذفه في النار (٦) وقال ﵇ خير دينكم الورع (٧) وقال ﷺ من لقي الله ورعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كله (٨) ويروى أن الله تعالى قال في بعض كتبه وأما الورعون فأنا أستحي أن أحاسبهم وقال ﷺ درهم من ربا أشد عند الله من ثلاثين زنية في الإسلام (٩) وفي حديث أبي هريرة ﵁ المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا سقمت صدرت بالسقم (١٠) ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان فإذا ثبت الأساس وقوي استقام البنيان وارتفع وإذا ضعف الأساس واعوج انهار البنيان ووقع وقال الله ﷿ أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله الآية وفي الحديث من اكتسب مالاً من حرام فإن تصدق به لم يقبل منه وإن تركه وراءه كان زاده إلى النار (١١) وقد ذكرنا جملة من الأخبار في كتاب آداب الكسب تكشف عن فضيلة الكسب الحلال وَأَمَّا الْآثَارُ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ شَرِبَ لَبَنًا مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ ثُمَّ سَأَلَ عَبْدَهُ فَقَالَ تَكَهَّنْتُ لِقَوْمٍ فَأَعْطَوْنِي فَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي فِيهِ وَجَعَلَ يَقِيءُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ نَفْسَهُ سَتَخْرُجُ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا حَمَلَتِ الْعُرُوقُ وَخَالَطَ الأمعاء (١٢) وفي بعض الأخبار أنه ﷺ أخبر بذلك فقال أو علمتم أن الصديق
َالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا حَمَلَتِ الْعُرُوقُ وَخَالَطَ الأمعاء (١٢) وفي بعض الأخبار أنه ﷺ أخبر بذلك فقال أو علمتم أن الصديق
لا يدخل جوفه إلا طيباً وَكَذَلِكَ شَرِبَ عمر ﵁ مِنْ لبن إبل الصدقة غلطاً فأدخل إصبعه وتقيأ وقالت عائشة ﵂ إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة هو الورع وقال عبد الله بن عمر ﵁ لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز وقال إبراهيم بن أدهم ﵀ ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه وقال الفضيل من عرف ما يدخل جوفه كتبه الله صديقاً فانظر عند من تفطر يا مسكين وقيل لإبراهيم بن أدهم ﵀ لم لا تشرب من ماء زمزم فقال لو كان لي دلو شربت منه وقال سفيان الثوري ﵁ من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس بالبول والثوب النجس لا يطهره إلا الماء والذنب لا يكفره إلا الحلال وقال يحيى بن معاذ الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء وأسنانه لقم الحلال وقال ابن عباس ﵄ لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام وَقَالَ سهل التستري لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ أَرْبَعُ خِصَالٍ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِالسُّنَّةِ وَأَكْلُ الْحَلَالِ بِالْوَرَعِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ من الظاهر والباطن والصبر على ذلك إلى الموت وقال من أحب أن يكاشف بآيات الصديقين فلا يأكل إلا حلالاً ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة ويقال من أكل الشبهة أربعين يوماً أظلم قلبه وهو تأويل قوله تَعَالَى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كانوا يكسبون﴾ وقال ابن المبارك رد درهم من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف حتى بلغ إلى ستمائة ألف وقال بعض السلف إن العبد يأكل أكله فيتقلب قلبه فينغل كما ينغل الأديم ولا يعود إلى حاله أبداً وقال سهل ﵁ من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى علم أو لم يعلم ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات وقال بعض السلف إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر
للخيرات وقال بعض السلف إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر وروي في آثار السلف أن الواعظ كان إذا جلس للناس قال العلماء تفقدوا منه ثلاثاً فإن كان معتقداً لبدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق وإن كان سيء الطعمة فعن الهوى ينطق فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه وفي الأخبار المشهورة عن على ﵇ وغيره إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب وزاد آخرون وشبهتها عتاب وروي أن بعض الصالحين دفع طعاماً إلى بعض الأبدال فلم يأكل فسأله عن ذلك فقال نحن لا نأكل إلا حلالاً فلذلك تستقيم قلوبنا ويدوم حالنا ونكاشف الملكوت ونشاهد الآخرة ولو أكلنا مما تأكلون ثلاثة أيام لما رجعنا إلى شيء من علم اليقين ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا فقال له الرجل فإني أصوم الدهر وأختم القرآن في كل شهر ثلاثين مرة فقال له البدل هذه الشربة التي رأيتني شربتها من الليل أحب إلى من ثلاثين ختمة في ثلثمائة ركعة من أعمالك وكانت شربته من لبن ظبية وحشية وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صحبة طويلة فهجره أحمد إذ سمعه يقول إني لا أسأل أحداً شيئاً ولو أعطاني الشيطان شيئاً لأكلته حتى اعتذر يحيى وقال كنت أمزح فقال تمزح بالدين أما علمت أن الأكل من الدين قدمه الله تعالى على العمل الصالح فقال ﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ وفي الخبر أنه مكتوب في التوراة من لم يبال من أين مطعمه لم يبال الله من أي أبواب النيران أدخله وعن علي ﵁ أنه لم يأكل بعد قد قتل عثمان ونهب الدار طعاماً إلا مختوماً حذراً من الشبهة واجتمع الفضيل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك عند وهيب بن الورد بمكة فذكروا الرطب فقال وهيب هو من أحب الطعام إلي إلا أني لا آكله لاختلاط رطب مكة ببساتين زبيدة وغيرها فقال له
ابن المبارك إن نظرت في مثل هذا ضاق عليك الخبز قال وما سببه قال إن أصول الضياع قد اختلط بالصوافي فغشي على وهيب فقال سفيان قتلت الرجل فقال ابن المبارك ما أردت إلا أن أهون عليه فلما أفاق قال لله على أن لا آكل خبزاً أبداً حتى ألقاه قال فكان يشرب اللبن قال فأتته أمه بلبن فسألها فقالت هو من شاة بني فلان فسأل عن ثمنها وأنه من أين كان لهم فذكرت فلما أدناه من فيه قال بقي أنها من أين كانت ترعى فسكتت فلم يشرب لأنها كانت ترعى من موضع فيه حق للمسلمين فقالت أمه اشرب فإن الله يغفر لك فقال ما أحب أن يغفر لي وقد شربته فأنال مغفرته بمعصيته وَكَانَ بِشْرٌ الْحَافِي ﵀ مِنَ الْوَرِعِينَ فَقِيلَ لَهُ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ فَقَالَ مِنْ حَيْثُ تَأْكُلُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ مَنْ يَأْكُلُ وَهُوَ يَبْكِي كَمَنْ يَأْكُلُ وَهُوَ يَضْحَكُ وَقَالَ يَدٌ أَقْصَرُ مِنْ يَدٍ وَلُقْمَةٌ أَصْغَرُ مِنْ لُقْمَةٍ وَهَكَذَا كَانُوا يَحْتَرِزُونَ مِنَ الشُّبُهَاتِ أَصْنَافُ الْحَلَالِ وَمَدَاخِلُهُ اعْلَمْ أَنَّ تَفْصِيلَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إِنَّمَا يَتَوَلَّى بَيَانَهُ كُتُبُ الْفِقْهِ وَيَسْتَغْنِي الْمُرِيدُ عَنْ تَطْوِيلِهِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ طُعْمَةٌ مُعِينَةٌ يَعْرِفُ بالفتوى حلها لَا يَأْكُلُ مِنْ غَيْرِهَا فَأَمَّا مَنْ يَتَوَسَّعُ فِي الْأَكْلِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَيَفْتَقِرُ إِلَى علم الحلال والحرام كله كما فصلناه في كتب الفقه وَنَحْنُ الْآنَ نُشِيرُ إِلَى مَجَامِعِهِ فِي سِيَاقٍ تقسيم وهو أَنَّ الْمَالَ إِنَّمَا يَحْرُمُ إِمَّا لِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ أَوْ لِخَلَلٍ فِي جِهَةِ اكْتِسَابِهِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْحَرَامُ لِصِفَةٍ فِي عَيْنِهِ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِمَا وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ الْأَعْيَانَ الْمَأْكُولَةَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَا تَعْدُو ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ فَإِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمَعَادِنِ كَالْمِلْحِ وَالطِّينِ وَغَيْرِهِمَا أو من النبات أو من الحيوانات
ضِ لَا تَعْدُو ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ فَإِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمَعَادِنِ كَالْمِلْحِ وَالطِّينِ وَغَيْرِهِمَا أو من النبات أو من الحيوانات أما الْمَعَادِنُ فَهِيَ أَجْزَاءُ الْأَرْضِ وَجَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ إِلَّا مِنْ حَيْثُ أنه يضر بالآكل وفي بَعْضِهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى السُّمِّ وَالْخُبْزُ لَوْ كَانَ مُضِرًّا لَحَرُمَ أَكْلُهُ وَالطِّينُ الَّذِي يُعْتَادُ أَكْلُهُ لَا يَحْرُمُ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الضَّرَرُ وفائدة قولنا إنه لا يحرم مع أنه لا يؤكل أنه لو وقع شيء منها في مرقة أو طعام مائع لم يصر به محرماً وَأَمَّا النَّبَاتُ فَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ إِلَّا مَا يزيل العقل أو يزيل الْحَيَاةَ أَوِ الصِّحَّةَ فَمُزِيلُ الْعَقْلِ الْبِنْجُ وَالْخَمْرُ وَسَائِرُ الْمُسْكِرَاتِ وَمُزِيلُ الْحَيَاةِ السُّمُومُ وَمُزِيلُ الصِّحَّةِ الْأَدْوِيَةُ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَكَأَنَّ مَجْمُوعَ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى الضَّرَرِ إِلَّا الْخَمْرَ وَالْمُسْكِرَاتِ فَإِنَّ الَّذِي لَا يُسْكِرُ مِنْهَا أَيْضًا حَرَامٌ مَعَ قلته لعينه ولصفته وهي الشدة المطربة وأما السم فإذا خرج عن كونه مضراً لقلته أو لعجنه بغيره فلا يحرم وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ فَتَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُؤْكَلُ وَإِلَى ما لا يؤكل وتفصيله في كتاب الأطعمة والنظر يطول في تفصيله لا سيما في الطيور الغريبة وحيوانات البر والبحر وما يحل أكله منها فَإِنَّمَا يَحِلُّ إِذَا ذُبِحَ ذَبْحًا شَرْعِيًّا رُوعِيَ فيه شروط الذابح والآلة والذبح وذلك مذكور في كتاب الصيد والذبائح وَمَا لَمْ يُذْبَحْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا أَوْ مَاتَ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَا يَحِلُّ
ُوعِيَ فيه شروط الذابح والآلة والذبح وذلك مذكور في كتاب الصيد والذبائح وَمَا لَمْ يُذْبَحْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا أَوْ مَاتَ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَا يَحِلُّ إِلَّا مِيتَتَانِ السَّمَكُ والجراد وفي معناهما ما يستحيل من الأطعمة كدود التفاح والخل والجبن فإن الاحتراز منهما غير ممكن فأما إذا أفردت وأكلت فحكمها حكم الذباب والخنفساء والعقرب وكل ما ليس له نفس سائلة لا سبب في تحريمها إلا الاستقذار ولو لم يكن لكان لا يكره فإن وجد شخص لا يستقذره لم يلتفت إلى خصوص طبعه فإنه التحق بالخبائث لعموم الاستقذار فيكره أكله كما لو جمع المخاط وشربه كره
ذلك وليست الكراهة لنجاستها فإن الصحيح أنها لا تنجس بالموت إذ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بأن يمقل الذباب في الطعام إذا وقع فيه (١) وربما يكون حاراً ويكون ذلك سبب موته ولم تهرت نملة أو ذبابة في قدر لم يجب إراقتها إذ المستقذر هو جرمه إذا بقي له جرم ولم ينجس حتى يحرم بالنجاسة وهذا يدل على أن تحريمه للاستقذار ولذلك نقول لو وقع جزء من آدمي ميت في قدر ولو وزن دانق حرم الكل لا لنجاسته فإن الصحيح أن الآدمي لا ينجس بالموت ولكن لأن أكله محرم احتراماً لا استقذاراً وأما الحيوانات المأكولة إذا ذبحت بشرط الشرع فلا تحل جميع أجزائها بل يحرم منها الدم والفرث وكل ما يقضى بنجاسته منها بل تناول النجاسة مطلقاً محرم ولكن ليس في الأعيان شيء محرم نجس إلا من الحيوانات وأما من النبات فالمسكرات فقط دون ما يزيل العقل ولا يسكر كالبنج فإن نجاسة المسكر تغليظ للذجر عنه لكونه في مظنة التشوف ومهما وقعت قطرة من النجاسة أو جزء من نجاسة جامدة في مرقة أو طعام أو دهن حرم أكل جميعه ولا يحرم الانتفاع به لغير الأكل فيجوز الاستصباح بالدهن النجس وكذا طلاء السفن والحيوانات وغيرها فهذه مجامع ما يحرم لصفة في ذاته الْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَحْرُمُ لِخَلَلٍ فِي جِهَةِ إثبات اليد عليه
ح بالدهن النجس وكذا طلاء السفن والحيوانات وغيرها فهذه مجامع ما يحرم لصفة في ذاته الْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَحْرُمُ لِخَلَلٍ فِي جِهَةِ إثبات اليد عليه وفيه يتسع النظر فنقول أخذ المال إما أن يكون باختيار المالك أو بغير اختياره فالذي يكون بغير اختياره كالإرث والذي يكون باختياره إما أن لا يكون من مالك كنيل المعادن أو يكون من مالك والذي أخذ من مالك فإما أن يؤخذ قهراً أو يؤخذ تراضياً والمأخوذ قهراً إما أن يكون لسقوط عصمة المالك كالغنائم أو لاستحقاق الأخذ كزكاة الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية فيحصل من هذا السياق ستة أَقْسَامٌ الْأَوَّلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ كَنَيْلِ الْمَعَادِنِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ وَالِاسْتِقَاءِ من الأنهار والاحتشاش فهذا حلال بشرط أَنْ لَا يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مُخْتَصًّا بِذِي حُرْمَةٍ من الآدميين فإذا انفك من الاختصاصات ملكها آخذها وتفصيل ذلك في كتاب إحياء الموات الثاني المأخوذة قَهْرًا مِمَّنْ لَا حُرْمَةَ لَهُ وَهُوَ الْفَيْءُ والغنيمة وسائر أموال الكفار والمحاربين وَذَلِكَ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ إِذَا أَخْرَجُوا مِنْهَا الْخُمْسَ وَقَسَّمُوهَا بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ بِالْعَدْلِ وَلَمْ يَأْخُذُوهَا مِنْ كافر له حرمة وأمان وعهد وتفصيل هذه الشروط في كتاب السير من كتاب الفيء والغنيمة وكتاب الجزية الثالث ما يؤخذ قهراً باستحقاق عند امتناع من وجب عليه فيؤخذ دون رضاه وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق الذي به استحقاقه واقتصر على القدر المستحق واستوفاه ممن يملك الاستيفاء من قاض أو سلطان أو مستحق وتفصيل ذلك في كتاب تفريق الصدقات وكتاب الوقف وكتاب النفقات إذ فيها النظر في صفة المستحقين للزكاة والوقف والنفقة وغيرها من الحقوق فإذا استوفيت شرائطها كان المأخوذ حلالاً
تفريق الصدقات وكتاب الوقف وكتاب النفقات إذ فيها النظر في صفة المستحقين للزكاة والوقف والنفقة وغيرها من الحقوق فإذا استوفيت شرائطها كان المأخوذ حلالاً الرابع مَا يُؤْخَذُ تَرَاضِيًا بِمُعَاوَضَةٍ وَذَلِكَ حَلَالٌ إِذَا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين أعني الإيجاب والقبول مَعَ مَا تَعَبَّدَ الشَّرْعُ بِهِ مِنِ اجْتِنَابِ الشروط المفسدة وبيان ذلك في كتاب البيع والسلم والإجارة والحوالة والضمان والقراض والشركة والمساقاة والشفعة والصلح والخلع والكتابة والصداق
وسائر المعاوضات الخامس ما يؤخذ عن رضا من غير عوض وهو حلال إذا روعي فيه شرط المعقود عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره وذلك مذكور في كتاب الهبات والوصايا والصدقات السادس مَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ كَالْمِيرَاثِ وَهُوَ حَلَالٌ إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وَجْهٍ حَلَالٍ ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا وَتَعْدِيلِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كان واجباً وذلك مذكور في كتاب الوصايا والفرائض فهذه مجامع مداخل الحلال والحرام أومأنا إلى جملتها ليعلم المريد أنه إن كانت طعمته متفرقة لا من جهة معينة فلا يستغني عن علم هذه الأمور فكل ما يأكله من جهة من الجهات يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَفْتِيَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَلَا يُقْدِمَ عَلَيْهِ بِالْجَهْلِ فَإِنَّهُ كَمَا يُقَالُ لِلْعَالِمِ لِمَ خَالَفْتَ عِلْمَكَ يُقَالُ لِلْجَاهِلِ لِمَ لَازَمْتَ جهلك ولم تتعلم بعد أن قبل لك طلب فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ دَرَجَاتُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ اعْلَمْ أَنَّ الْحَرَامَ كُلَّهُ خَبِيثٌ لَكِنَّ بَعْضَهُ أَخْبَثُ مِنْ بَعْضٍ وَالْحَلَالَ كُلَّهُ طَيِّبٌ وَلَكِنَّ بَعْضَهُ أَطْيَبُ مِنْ بَعْضٍ وَأَصْفَى مِنْ بَعْضٍ وكما أن الطبيب يحكم على كل حلو بالحرارة ولكن يقول بعضها حار في الدرجة الأولى كالسكر وبعضها حار في الثانية كالفانيذ وبعضها حار في الثالثة كالدبس وبعضها حار في الرابعة كالعسل كذلك الحرام بعضه خبيث حار في الدرجة الأولى وبعضه الثانية أو الثالثة أو الرابعة وكذا الحلال تتفاوت درجات صفاته وطيبه فلنقتد بأهل الطب في الاصطلاح على أربع درجات تقريباً وإن كان التحقيق لا يوجب هذا الحصر إذ يتطرق إلى كل درجة من الدرجات أيضاً تفاوت لا ينحصر فإن من السكر ما هو أشد حرارة من سكر آخر وكذا غيره فلذلك نقول الورع عن الحرام على أربع درجات
لحصر إذ يتطرق إلى كل درجة من الدرجات أيضاً تفاوت لا ينحصر فإن من السكر ما هو أشد حرارة من سكر آخر وكذا غيره فلذلك نقول الورع عن الحرام على أربع درجات الأولى ورع العدول وهو الذي يجب الفسق باقتحامه وتسقط العدالة به ويثبت اسم العصيان والتعرض للنار بسببه وهو الْوَرَعُ عَنْ كُلِّ مَا تُحَرِّمُهُ فَتَاوَى الْفُقَهَاءِ الثانية ورع الصالحين وهو الامتناع عما يتطرق إليه احتمال التحريم ولكن المفتي يرخص في التناول بناء على الظاهر فهو من مواقع الشبهة على الجملة فلنسم التحرج عن ذلك ورع الصالحين وهو في الدرجة الثانية الثالثة مالا تحرمه الفتوى ولا شُبْهَةَ فِي حِلِّهِ وَلَكِنْ يُخَافُ مِنْهُ أَدَاؤُهُ إِلَى مُحَرَّمٍ وَهُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ به مخافة مما به باس وهذا ورع المتيقن قال ﷺ لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع مالا بأس به مخافة ما به بأس (١) الرابعة ما لا بأس به أصلاً ولا يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى مَا بِهِ بأس ولكنه يتناول لغير الله وعلى غير نِيَّةِ التَّقَوِّي بِهِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ أَوْ تَتَطَرَّقُ إِلَى أَسْبَابِهِ الْمُسَهِّلَةِ لَهُ كَرَاهِيَةٌ أَوْ معصية والامتناع منه ورع الصديقين فهذه درجات الحلال جملة إلى أن نفصلها بالأمثلة والشواهد وأما الحرام الذي ذكرناه في الدرجة الأولى هو الذي يشترط التورع عنه في العدالة وإطراح سمة الفسق فهو أيضاً على درجات في الخبث فالمأخوذ بعقد فاسد كالمعاطاة مثلاً فيما لا يجوز فيه المعاطاة حرام ولكن ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر بل المغصوب أغلظ إذ فيه ترك طريق الشرع في الاكتساب وإيذاء الغير
المعاطاة مثلاً فيما لا يجوز فيه المعاطاة حرام ولكن ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر بل المغصوب أغلظ إذ فيه ترك طريق الشرع في الاكتساب وإيذاء الغير
وليس في المعاطاة إيذاء وإنما فيه ترك طريق التعبد فقط ثم ترك طريق التعبد بالمعاطاة أهون من تركه بالربا وهذا التفاوت يدرك بتشديد الشرع ووعيده وتأكيده في بعض المناهى على ما سيأتي في كتاب التوبة عند ذكر الفرق بين الكبيرة والصغيرة بل المأخوذ ظلماً من فقير أو صالح أو من يتيم أخبث وأعظم من المأخوذ من قوي أو غني أو فاسق لأن درجات الإيذاء تختلف باختلاف درجات المؤذي فهذه دقائق في تفاصيل الخبائث لا ينبغي أن يذهل عنها فلولا اختلاف درجات العصاة لما اختلفت درجات النار وإذا عرفت مثارات التغليظ فلا حاجة إلى حصره في ثلاث درجات أو أربعة فإن ذلك جار مجرى التحكم والتشهي وهو طلب حصر فيما لا حاصر له ويدلك على اختلاف درجات الحرام في الخبث ما سيأتي في تعارض المحذورات وترجيح بعضها على بعض حتى إذا اضطر إلى أكل ميتة أو أكل طعام الغير أو أكل صيد الحرم فإنا نقدم بعض هذا على بعض أمثلة الدرجات الأربع في الورع وشواهدها أما الدرجة الأولى وهي ورع العدول فكل ما اقتضى الفتوى تحريمه مما يدخل في المداخل الستة التي ذكرناها من مداخل الحرام لفقد شرط من الشروط فهو الحرام المطلق الذي ينسب مقتحمه إلى الفسق والمعصية وهو الذي نريده بالحرام المطلق ولا يحتاج إلى أمثلة وشواهد وأما الدرجة الثانية فأمثلتها كل شبهة لا توجب اجتنابها ولكن يستجب اجتنابها كما سيأتي في باب الشبهات إذ من الشبهات ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام ومنها ما يكره اجتنابها فالورع عنها ورع الموسوسين كمن يمتنع من الاصطياد خوفاً من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه وملكه وهذا وسواس ومنها ما يستحب اجتنابها ولا يجب وهو الذي ينزل عليه قوله ﷺ دع ما يريبك إلى مالا يريبك (١) ونحمله على نهي التنزيه وكذلك قوله ﷺ كل ما أصميت ودع ما أنميت (٢) والإنماء أن يجري الصيد فيغيب عنه ثم يدركه ميتاً إذ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِسَقْطَةٍ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ والذي نختاره كما سيأتي أن هذا ليس بحرام ولكن تركه من ورع الصالحين
فيغيب عنه ثم يدركه ميتاً إذ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِسَقْطَةٍ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ والذي نختاره كما سيأتي أن هذا ليس بحرام ولكن تركه من ورع الصالحين وقوله دع ما يريبك أمر تنزيه إذ ورد في بعض الروايات كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثراً غير سهمك ولذلك قال ﷺ لعدي بن حاتم في الكلب المعلم وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه على سبيل التنزيه لأجل الخوف إذ قال لأبي ثعلبة الخشني كل منه فقال وإن أكل منه فقال وإن أكل (٣) وذلك لأن حالة أبي ثعلبة وهو فقير مكتسب لا تحتمل هذا الورع وحال عدي كان يحتمله يحكى عن ابن سيرين أنه ترك لشريك له أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُ حَاكَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مَعَ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا بأس به فأمثلة هذه الدرجة نذكرها في التعرض لدرجات الشبهة فكل ما هو شبهة لا يجب اجتنابه فهو مثال هذه الدرجة أما الدرجة الثالثة وهي ورع المتقين فيشهد لها قوله ﷺ لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس وقال عمر ﵁ كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام
وقيل إن هذا عن ابن عباس ﵄ وقال أبو الدرداء إن من تمام التقوى أن يتقي العبد في مثال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حجاباً بينه وبين النار ولهذا كان لِبَعْضِهِمْ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَلَى إِنْسَانٍ فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ فَأَخَذَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَتَوَرَّعَ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْكُلِّ خيفة الزيادة وكان بعضهم يتحرز فكل ما يستوفيه يأخذه ينقصان حبة وما يعطيه يوفيه بزيادة حبة ليكون ذلك حاجزاً من النار ومن هذه الدرجة الِاحْتِرَازُ عَمَّا يَتَسَامَحُ بِهِ النَّاسُ فَإِنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ فِي الْفَتْوَى وَلَكِنْ يُخَافُ مِنْ فَتْحِ بَابِهِ أَنْ يَنْجَرَّ إِلَى غَيْرِهِ وَتَأْلَفَ النَّفْسُ الاسترسال وتترك الورع فمن ذلك ما روي عن علي بن معبد أنه قال كنت ساكناً في بيت بكراء فكتبت كتاباً وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه وأجففه ثم قلت الحائط ليس لي فقالت لي نفسي وما قدر تراب من حائط فأخذت من التراب حاجتي فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول يا علي بن معبد سيعلم غداً الذي يقول وما قدر تراب من حائط ولعل معنى ذلك انه يرى كيف يحط من منزلته فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين وليس المراد به أن يستحق عقوبة على فعله ومن ذلك ما روي أن عمر ﵁ وصله مسك من البحرين فقال وددت لو أن امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين فقالت امرأته عاتكة أنا أجيد الوزن فسكت عنها ثم أعاد القول فأعادت الجواب فقال لا أحببت أن تضعيه بكفة ثم تقولين فيها أثر الغبار فتمسحين بها عنقك فأصيب بذلك فضلاً على المسلمين وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز مِسْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَأَخَذَ بِأَنْفِهِ حَتَّى لَا تُصِيبَهُ الرائحة وقال وهل ينتفع منه إلا بريحه لما استعبد ذلك منه وَأَخَذَ الحسن ﵁ تَمْرَةً مِنْ تمر الصدقة وكان صغيراً فقال النبي ﷺ كخ كخ // حديث أخذ الحسن بن علي تمرة من الصدقة وكان ضغيرا فقال النبي ﷺ كخ كخ ألقها أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة أي ألقها ومن ذلك ما روي بعضهم أنه كَانَ عِنْدَ مُحْتَضَرٍ فَمَاتَ لَيْلًا فَقَالَ أَطْفِئُوا السراج قد حدث للورثة حق في الدهن
بخاري من حديث أبي هريرة أي ألقها ومن ذلك ما روي بعضهم أنه كَانَ عِنْدَ مُحْتَضَرٍ فَمَاتَ لَيْلًا فَقَالَ أَطْفِئُوا السراج قد حدث للورثة حق في الدهن وروى سليمان التيمي عن نعيمة العطارة قالت كان عمر ﵁ يدفع إلى امرأته طيباً من طيب المسلمين لتبيعه فباعتني طيباً فجعلت تقوم وتزيد وتنقص وتكسر بأسنانها فتعلق بإصبعها شيء منه فقالت به هكذا بإصبعها ثم مسحت به خمارها فدخل عمر ﵁ فقال ما هذه الرائحة فأخبرته فقال طيب المسلمين تأخذينه فانتزع الخمار من رأسها وأخذ جرة من الماء فجعل يصب على الخمار ثم يدلكه في التراب ثم يشمه ثم يصب الماء ثم يدلكه في التراب ويشمه حتى لم يبق له ريح قالت ثم أتيتها مرة أخرى فلما وزنت علق منه شيء بإصبعها فأدخلت إصبعها في فيها ثم مسحت به التراب فهذا من عمر ﵁ ورع التقوى لخوف أداء ذلك إلى غيره وإلا فغسل الخمار ما كان يعيد الطبيب إلى المسلمين ولكن أتلفه عليها زجراً وردعاً واتقاء من أن يتعدى الأمر إلى غيره ومن ذلك ما سئل أحمد بن حنبل رحمة الله عن رجل يكون في المسجد يحمل مجمرة لبعض السلاطين ويبخر المسجد بالعود فقال ينبغي أن يخرج من المسجد فإنه لا ينتفع من العود إلا برائحته وهذا قد يقارب الحرام فإن القدر الذي يعبق بثوبه من رائحة الطيب قد يقصد وقد يبخل به فلان يدري أنه يتسامح به أم لا وسئل أحمد بن حنبل عمن سقطت منه ورقة فيها أحاديث فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها فقال لا بل يستأذن ثم يكتب وهذا أيضاً قد يشك في أن صاحبها هل يرضى به أم لا فما هو في محل الشك والأصل تحريمه فهو حرام وتركه من الدرجة الأولى ومن ذلك التورع عن الزينة لأنه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها وإن كانت الزينة مباحة في نفسها وقد سئل أحمد بن حنبل عن النعال السبتية فقال أما أنا فلا استعملها ولكن إن كان للطين فأرجو وأما من أراد الزينة فلا ومن ذلك أن عمر
لزينة مباحة في نفسها وقد سئل أحمد بن حنبل عن النعال السبتية فقال أما أنا فلا استعملها ولكن إن كان للطين فأرجو وأما من أراد الزينة فلا ومن ذلك أن عمر
رضي الله عنه لما ولى الخلافة له زوجة يحبها فطلقها خفية أن تشير عليه بشفاعة في باطل فيعطيها ويطلب رضاها وهذا من ترك مالا بأس به مخافة مما به البأس أي مخافة من أن يفضي إليه وأكثر المباحات داعية إلى المحظورات حتى استكثار الأكل واستعمال الطيب للمتعزب فإنه يحرك الشهوة ثم الشهوة تدعو إلى الفكر والفكر يدعو إلى النظر والنظر يدعو إلى غيره وكذلك النظر إلى دور الأغنياء وتجملهم مباح في نفسه ولكن يهيج الحرص ويدعوا إلى طلب مثله ويلزم منه ارتكاب ما لا يحل في تحصيله وهكذا المباحات كلها إذا لم تؤخذ بقدر الحاجة في وقت الحاجة مع التحرز من غوائها بالمعرفة أولا ثم ثانياً فقلما تخلو عاقبتها عن خطر وكذا كل ما أخذ بالشهوة فقلما يخلو عن خطر حتى كره احمد بن حنبل تجصيص الحيطان وقال أما تجصيص الأرض فيمنع التراب وأما تجصيص الحيطان فزينة لا فائدة فيه حتى أنكر تجصيص المساجد وتزيينها واستدل بما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه سئل أن يكحل المسجد فقال لاعريش كعريش موسى (١) وإنما هو شيء مثل الكحل يطلى به فلم يرخص رسول الله ﷺ فيه وكره السلف الثوب الرقيق وقالوا من رق ثوبه رق دينه وكل ذلك خوفاً من سريان اتباع الشهوات في المباحات إلى غيرها فإن المحظور والمباح تشتهيهما النفس بشهوة واحدة وإذا تعودت الشهوة المسامحة استرسلت فاقتضى خوف التقوى الورع عن هذا كله فكل حلال انفك عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيب في الدرجة الثالثة وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية البتة
سترسلت فاقتضى خوف التقوى الورع عن هذا كله فكل حلال انفك عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيب في الدرجة الثالثة وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية البتة أما الدرجة الرابعة وهو ورع الصديقين فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في أسبابه معصية ولا يستعان به على معصية ولا يقصد منه في الحال والمال قضاء وطر بل يتناول لله تعالى فقد وللتقوي على عبادته واستبقاء الحياة لأجله وهؤلاء هم الذين يرون كل ما ليس لله حراماً امتثالاً لقوله تعالى ﴿قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ وهذه رتبة الموحدين المتجردين عن حظوظ أنفسهم المنفردين لله تعالى بالقصد ولا شك في أن من يتورع عما يوصل إليه أو يستعان عليه بمعصية ليتورع عما يقترن بسبب اكتسابه معصية أو كراهية فمن ذلك ما روي عن يحيى بن كثير أنه شرب الدواء فقالت له امرأته لو تمشيت في الدار قليلاً حتى يعمل الدواء فقال هذه مشية لا أعرفها وأنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة فكأنه لم تحضره نية في هذه المشية تتعلق بالدين فلم يجز الإقدام عليها وعن سري ﵀ أنه قال انتهيت إلى حشيش في جبل وماء يخرج منه فتناولت من الحشيش وشربت من الماء وقلت في نفسي إن كنت قد أكلت يوما حلالاً طيباً فهو هذا اليوم فهتف بي هاتف إن القوة التي أوصلتك إلى هذا الموضع من أين هي فرجعت وندمت ومن هذا ما روي عن ذي النون المصري أنه كان جائعاً محبوساً فبعثت إليه امرأة صالحة طعاماً على يد السجان فلم يأكل ثم اعتذر وقال جاءني على طبق ظالم يعني أن القوة التي أوصلت الطعام إلي لم تكن طيبة وهذه الغاية القصوى في الورع ومن ذلك أن بشراً ﵀ كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها الأمراء فإن النهر سبب لجريان الماء ووصوله إليه وإن كان الماء مباحاً في نفسه فيكون كالمنتفع بالنهر المحفور بأعمال الأجراء وقد أعطوا الأجرة من الحرام ولذلك امتنع بعضهم من العنب الحلال من كرم حلال وقال لصاحبه أفسدته إذ سقيته من الماء الذي يجري في النهر الذي حفرته الظلمة وهذا أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء لأنه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء
ال لصاحبه أفسدته إذ سقيته من الماء الذي يجري في النهر الذي حفرته الظلمة وهذا أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء لأنه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء وكان بعضهم إذا مر في طريق الحج لم يشرب من المصانع التي عملتها الظلمة مع أن الماء مباح ولكنه بقي محفوظا
بالمصنع الذي عمل به بمال حرام فكأنه انتفاع به وامتناع ذي النون من تناول الطعام من يد السجان أعظم من هذا كله لأن يد السجان لا توصف بأنها حرام بخلاف الطبق المغصوب إذا حمل عليه ولكنه وصل إليه بقوة اكتسبت بالغذاء الحرام ولذلك تقيأ الصديق ﵁ من اللبن خِيفَةً مِنْ أَنْ يُحْدِثَ الْحَرَامُ فِيهِ قُوَّةً مَعَ أَنَّهُ شَرِبَهُ عَنْ جَهْلٍ وَكَانَ لَا يَجِبُ إِخْرَاجُهُ وَلَكِنَّ تَخْلِيَةَ الْبَطْنِ عَنِ الْخَبِيثِ من ورع الصديقين ومن ذلك التورع من كسب حلال اكتسبه خياط يخيط في المسجد فإن أحمد ﵀ كره جلوس الخياط في المسجد وسئل عن المغازلي يجلس في قبة في المقابر وفي وقت يخاف من المطر فقال إنما هي من أمر الآخرة وكره جلوسه فيها وأطفأ بعضهم سراجاً أسرجه غلامه من قوم يكره ما لهم وامتنع من تسجير تنور للخبز وقد بقي فيه جمر من حطب مكروه وامتنع بعضهم من أن يحكم شسع نعله في مشعل السلطان فهذه دقائق الورع عند سالكي طريق الآخرة والتحقيق فيه أن الورع له أول وهو الامتناع عما حرمته الفتوى وهو ورع العدول وله غاية وهو ورع الصديقين وذلك هو الامتناع من كل ما ليس له مما أخذ بشهوة أو توصل إليه بمكروه أو اتصل بسببه مكروه وبينهما درجات في الاحتياط فَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَشَدَّ تَشْدِيدًا عَلَى نَفْسِهِ كان أخف ظهراً يوم القيامة وأسرع جوازاً على الصراط وَأَبْعَدَ عَنْ أَنْ تَتَرَجَّحَ كِفَّةُ سَيِّئَاتِهِ عَلَى كفة حسناته وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع كما تتفاوت درجات النار في حق الظلمة بحسب تفاوت درجات الحرام في الخبث وَإِذَا عَلِمْتَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فَإِلَيْكَ الْخِيَارُ فَإِنْ شِئْتَ فَاسْتَكْثِرْ مِنَ الِاحْتِيَاطِ وَإِنْ شِئْتَ فَرَخِّصْ فلنفسك تحتاط وعلى نفسك ترخص والسلام الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام
رْ مِنَ الِاحْتِيَاطِ وَإِنْ شِئْتَ فَرَخِّصْ فلنفسك تحتاط وعلى نفسك ترخص والسلام الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ وَمَنْ وَقَعَ في الشبهات واقع الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ (١) فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي إِثْبَاتِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُشْكِلُ مِنْهَا الْقِسْمُ الْمُتَوَسِّطُ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ الشُّبْهَةُ فَلَا بد من بيانها وكشف الغطاء عنها فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرف القليل فنقول الحلال المطلق هو الذي خَلَا عَنْ ذَاتِهِ الصِّفَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّحْرِيمِ فِي عينه وانحل عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية ومثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد يكون هو واقفاً عند جمعه وأخذه من الهواء في ملك نفسه أو في أرض مباحة وَالْحَرَامُ الْمَحْضُ هُوَ مَا فِيهِ صِفَةٌ مُحَرَّمَةٌ لا يشك فيها كالشدة المطربة في الخمر والنجاسة في البول أَوْ حَصَلَ بِسَبَبٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ قَطْعًا كَالْمُحَصَّلِ بالظلم والربا ونظائره فهذان طَرَفَانِ ظَاهِرَانِ وَيَلْتَحِقُ بِالطَّرَفَيْنِ مَا تَحَقَّقَ أَمْرُهُ وَلَكِنَّهُ احْتَمَلَ تَغَيُّرَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ سبب يدل عليه فإن صيد البر والبحر حلال ومن أخذ ظبية فيحتمل أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت منه وكذلك السمك يحتمل أن يكون قد تزلق من الصياد بعد وقوعه في يده وخريطته فمثل هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر المختطف من الهواء ولكنه في معنى ماء المطر
لك السمك يحتمل أن يكون قد تزلق من الصياد بعد وقوعه في يده وخريطته فمثل هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر المختطف من الهواء ولكنه في معنى ماء المطر
والاحتراز منه وسواس ولنسم هذا الفن ورع الموسوسين حتى تلتحق به أمثاله وذلك لأن هذا وهم مجرد لا دلالة عليه نعم لو دل عليه دليل فإن كان قاطعاً كما لو وجد حلقة في أذن السمكة أو كان محتملاً كما لو وجد على الظبية جراحة يحتمل أن يكون كياً لا يقدر عليه إلا بعد الضبط ويحتمل أن يكون جرحاً فهذا موضع الورع وإذا انتفت الدلالة من كل وجه فالاحتمال المعدوم دلالته كإحتمال المعدوم في نفسه ومن هذا الجنس من يستعير داراً فيغيب عنه المعير فيخرج ويقول لعله مات وصار الحق للوارث فهذا وسواس إذ لم يدل على موته سبب قاطع أو مشكك إذ الشبهة المحذورة ما تنشأ من الشك والشك عبارة عن اعتقادين متقابلين نشآ عن سببين فما لا سبب له لا يثبت عقده في النفس حتى يساوي العقد المقابل له فيصير شكاً ولهذا نقول من شك أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً أخذ بالثلاث إذ الأصل عدم الزيادة ولو سئل إنسان أن صلاة الظهر التي أداها قبل هذا بعشر سنين كانت ثلاثاً أو أربعاً لم يتحقق قطعاً أنها أربعة وإذا لم يقطع جوز أن تكون ثلاثة وهذا التجويز لا يكون شكا إذ لم يحضره سبب أوجب اعتقاد كونها ثلاثاً فلتفهم حقيقة الشك حتى لا يشتبه الوهم والتجويز بغير سبب فهذا يلتحق بالحلال المطلق ويلتحق بالحرام المحض ما تحقق تحريمه وإن أمكن طريان محلل ولكن لم يدل عليه سبب كمن في يدل طعام لمورثه الذي لا وارث له سواه فغاب عنه فقال يحتمل أنه مات وقد انتقل الملك إلي فآكله فإقدامه عليه إقدام على حرام محض لأنه احتمال لا مستند له فلا ينبغي أن يعد هذا النمط من أقسام الشبهات وإنما الشبهة نعني بها ما اشْتَبَهَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ بِأَنْ تَعَارَضَ لَنَا فِيهِ اعتقادان صدرا عن سببين مقتضيين للاعتقادين ومثارات الشبهة خمسة المثار الأول الشك في السبب المحلل والمحرم
لَيْنَا أَمْرُهُ بِأَنْ تَعَارَضَ لَنَا فِيهِ اعتقادان صدرا عن سببين مقتضيين للاعتقادين ومثارات الشبهة خمسة المثار الأول الشك في السبب المحلل والمحرم وذلك لا يخلو إما أن يكون متعادلاً أو غلب أحد الاحتمالين فَإِنْ تَعَادَلَ الِاحْتِمَالَانِ كَانَ الْحُكْمُ لِمَا عُرِفَ قَبْلَهُ فَيُسْتَصْحَبُ وَلَا يُتْرَكُ بِالشَّكِّ وَإِنْ غَلَبَ أحد الاحتمالين عليه بأن صدر عن دَلَالَةٌ مُعْتَبَرَةٌ كَانَ الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ وَلَا يَتَبَيَّنُ هَذَا إِلَّا بِالْأَمْثَالِ وَالشَّوَاهِدِ فَلْنُقَسِّمْهُ إِلَى أَقْسَامٍ أَرْبَعَةٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ مَعْلُومًا من قبل ثم يقع الشك في المحل فَهَذِهِ شُبْهَةٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهَا وَيَحْرُمُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا مثاله أن يرمي إلى صيد فيجرحه ويقع في الماء فيصادفه ميتاً ولا يدري أنه مات بالغرق أو بالجرح فهذا حرام لأن الأصل التحريم إلا إذ مات بطريق معين وقد وقع الشك في الطريق فلا يترك اليقين بالشك كما في الأحداث والنجاسات وركعات الصلاة وغيرها وعلى هذا ينزل قوله ﷺ لعدي بن حاتم لا تأكله فلعله قتله غير كلبك (١) فلذلك كان ﷺ إذا أتي بشيء اشتبه عليه أنه صدقة أو هدية سأل عنه حتى يعلم أيهما هو (٢) وروي أنه ﷺ أرق ليلة فقالت له بعض نسائه أرقت يا رسول الله فقال أجل وجدت تمرة فخشيت أن تكون من الصدقة (٣) وفي رواية فأكلتها فخشيت أن تكون من الصدقة ومن ذلك ما روي عن بعضهم أنه قال كنا في سفر مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأصابنا الجوع فنزلنا منزلا
كثير الضباب فبينا القدور تغلي بها إذ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمة مسخت من بني إسرائيل أخشى أن تكون هذه فأكفأنا القدور (١) ثم أعمله الله بعد ذلك أنه لم يمسخ الله خلقاً فجعل له نسلاً (٢) وكان امتناعه أولاً لأن الأصل عدم الحل وشك في كون الذبح محللاً الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يُعْرَفَ الْحِلُّ وَيُشَكَّ فِي المحرم فالأصل الحل وله الحكم كما إذا نكح امرأتين رجلان وطار طائر فقال أحدهما إن كان هذا غراباً فامرأتي طالق وقال الآخر إن لم يكن غراباً فامرأتي طالق والتبس أمر الطائر فلا يقضى بالتحريم في واحدة منهما ولا يلزمهما اجتنابهما ولكن الورع اجتنابهما وتطليقهما حتى يحلا لسائر الأزواج وقد أمر مكحول بالاجتناب في هذه المسئلة وأفتى الشعبي بالاجتناب في رجلين كانا قد تنازعا فقال أحدهما للآخر أنت حسود فقال الآخر أحسدنا زوجته طالق ثلاثاً فقال الآخر نعم وأشكل الأمر وهذا إن أراد به اجتناب الورع فصحيح وإن أراد التحريم المحقق فلا وجه له إذ ثبت في المياه والنجاسات والأحداث والصلوات أن اليقين لا يجب تركه بالشك وهذا في معناه فإن قلت وأي مناسبة بين هذا وبين ذلك فاعلم أنه لا يحتاج إلى المناسبة فإنه لازم من غير ذلك في بعض الصور فإنه مهما تيقن طهارة الماء ثم شك في نجاسته جاز له أن يتوضأ به فكيف لا يجوز أن يشربه وإذا جوز الشرب فقد سلم أن اليقين لا يزال بالشك إلا أن ههنا دقيقة وهو أن وزان الماء أن يشك في أنه طلق زوجته أم لا فيقال الأصل أنه ما طلق ووزان مسئلة الطائر أن يتحقق نجاسة أحد الإناءين ويشتبه عينه فلا يجوز أن يستعمل أحدهما بغير اجتهاد لأنه قابل يقين النجاسة بيقين الطهارة فيبطل الاستصحاب فكذلك ههنا قد وقع الطلاق على إحدى الزوجين قطعاً والتبس عين المطلقة بغير المطلقة فنقول اختلف أصحاب الشافعي في الإناءين على ثلاثة أوجه فقال قوم يستصحب بغير اجتهاد وقال قوم بعد حصول يقين النجاسة في مقابلة يقين الطهارة يجب الاجتناب ولا يغني الاجتهاد
ب الشافعي في الإناءين على ثلاثة أوجه فقال قوم يستصحب بغير اجتهاد وقال قوم بعد حصول يقين النجاسة في مقابلة يقين الطهارة يجب الاجتناب ولا يغني الاجتهاد وقال المقتصدون يجتهد وهو الصحيح ولكن وزانه أن تكون له زوجتان فيقول إن كان غرابا فزينب طلق وإن لم يكن فعمرة طالق فلا جرم لا يجوز له غشيانهما بالاستصحاب ولا يجوز الاجتهاد إذ لا علامة ونحرمهما عليه لأنه لو وطئهما كان مقتحماً للحرام قطعاً وإن وطيء إحداهما وقال أقتصر على هذه كان متحكماً بتعيينها من غير ترجيح ففي هذا افترق حكم شخص واحد أو شخصين لأن التحريم على شخص واحد متحقق بخلاف الشخصين إذ كل واحد شك في التحريم في حق نفسه فإن قيل فلو كان الإناء أن لشخصين فينبغي أن يستغني عن الاجتهاد ويتوضأ كل واحد بإنائه لأنه تيقن طهارته وقد شك الآن فيه فنقول هذا محتمل في الفقه والأرجح في ظني المنع وأن تعدد الشخصين ههنا كاتحاده لأن صحة الوضوء لا تستدعي ملكاً بل وضوء الإنسان بماء غيره في رفع الحدث كوضوئه بماء نفسه فلا يتبين لاختلاف الملك واتحاده أثر بخلاف الوطء لزوجة الغير فإنه لا يحل ولأن للعلامات مدخلاً في النجاسات والاجتهاد فيه ممكن بخلاف الطلاق فوجب تقوية الاستصحاب بعلامة ليدفع بها قوة يقين النجاسة المقابلة ليقين الطهارة وأبواب الاستصحاب والترجيحات من غوامض الفقه ودقائقه وقد استقصيناه في كتب الفقه ولسنا نقصد الآن إلا التنبيه على قواعدها
النجاسة المقابلة ليقين الطهارة وأبواب الاستصحاب والترجيحات من غوامض الفقه ودقائقه وقد استقصيناه في كتب الفقه ولسنا نقصد الآن إلا التنبيه على قواعدها
الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ التَّحْرِيمُ وَلَكِنْ طَرَأَ مَا أَوْجَبَ تَحْلِيلَهُ بِظَنٍّ غَالِبٍ فَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالْغَالِبُ حِلُّهُ فَهَذَا يُنْظَرُ فِيهِ فَإِنِ اسْتَنَدَ غَلَبَةُ الظَّنِّ إِلَى سَبَبٍ مُعْتَبَرٍ شرعا فالذي نختاره فيه أنه يحل واجتنابه مِنَ الْوَرَعِ مِثَالُهُ أَنْ يَرْمِيَ إِلَى صَيْدٍ فَيَغِيبَ ثُمَّ يُدْرِكَهُ مَيِّتًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرٌ سِوَى سَهْمِهِ وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِسَقْطَةٍ أو بسبب آخر فإن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى التحق بالقسم الأول وقد اختلف قول الشافعي ﵀ في هذا القسم والمختار أَنَّهُ حَلَالٌ لِأَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ وَقَدْ تحقق والأصل أنه لم يطرأ غيره عليه فطريانه مشكوك فيه فلا يدع اليقين بالشك فإن قيل فقد قال ابن عباس كل ما أصميت ودع ما أنميت وروت عائشة ﵂ أن رجلاً أتى النبي ﷺ بأرنب فقال رميتى فعرفت فيها سمهي فقال أصميت أو أنميت فقال بل أنميت قال إن الليل خلق من خلق الله لا يقدر قدره إلا الذي خلقه فلعله أعان على قتله شيء (١) وكذلك قال ﷺ لعدي بن حاتم في كلبه المعلم وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه (٢) والغالب أن الكلب المعلم لا يسئ خلقه ولا يمسك إلا على صاحبه ومع ذلك نهى عنه وهذا التحقيق وهو أن الحل إنما يتحقق إذا تحقق تمام السبب وتمام السبب بأن يفضي إلى الموت سليماً من طريان غيره عليه وقد شك فيه فهو شك في تمام السبب حتى اشتبه أن موته على الحل أو على الحرمة فلا يكون هذا في معنى ما تحقق موته على الحل في ساعته ثم شك فيما يطرأ عليه فالجواب أن نهي ابن عباس ونهى رسول الله ﷺ محمول على الورع والتنزيه بدليل ما روي في بعض الروايات أنه قال كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثراً غير سهمك (٣)
اب أن نهي ابن عباس ونهى رسول الله ﷺ محمول على الورع والتنزيه بدليل ما روي في بعض الروايات أنه قال كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثراً غير سهمك (٣) وهذا تنبيه على المعنى الذي ذكرناه وهو أنه إن وجد أثراً آخر فقد تعارض السببان بتعارض الظن وإن لم يجد سوى جرحه حصل غلبة الظن فيحكم به على الاستصحاب كما يحكم على الاستصحاب بخبر الواحد والقياس المظنون والعمومات المظنونة وغيرها وأما قول القائل إنه لم يتحقق موته على الحل في ساعة فيكون شكاً في السبب فليس كذلك بل السبب قد تحقق إذ الجرح سبب الموت فطربان الغير شك فيه ويدل على صحة هذا الإجماع على أن من جرح وغاب فوجد ميتاً فيجب القصاص على جارحه بل إن لم يغب يحتمل أن يكون موته بيهجان خلط في باطنه كما يموت الإنسان فجأة فينبغي أن لا يجب القصاص إلا بحز الرقبة والجرح المذفف لأن العلل القاتلة في الباطن لا تؤمن ولأجلها يموت الصحيح فجأة ولا قائل بذلك مع أن القصاص مبناه على الشبهة وكذلك جنين المذكاة حلال ولعله مات قبل ذبح الأصل لا بسبب ذبحه أو لم ينفخ فيه الروح وغرة الجنين تجب ولعل الروح لم ينفخ فيه أو كان قد مات قبل الجناية بسبب آخر ولكن يبني على الأسباب الظاهرة فإن الاحتمال الآخر إذا لم يستند إلى دلالة تدل عليه التحق بالوهم والوسواس كما ذكرناه فكذلك هذا وأما قوله ﷺ أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه فللشافعي ﵀
في هذه الصورة قولان والذي نختاره الحكم بالتحريم لأن السبب قد تعارض إذ الكلب المعلم كالآلة والوكيل يمسك على صاحبه فيحل ولو استرسل المعلم بنفسه فأخذ لم يحل لأنه يتصور منه أن يصطاد لنفسه ومهما انبعث بإشارته ثم أكل دل ابتداء انبعاثه على أنه نازل منزلة آلته وأنه يسعى في وكالته ونيابته ودل أكله آخراً على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه فقد تعارض السبب الدال فيتعارض الاحتمال والأصل التحريم فيستصحب ولا يزال بالشك وهو كما لو وكل رجلاً بأن يشتري له جارية فاشترى له جارية ومات قبل أن يبين أنه اشتراها لنفسه أو لموكله يحل للموكل وطؤها لأن للوكيل قدرة على الشراء لنفسه ولموكله جميعاً ولا دليل مرجح والأصل التحريم فهذا يلتحق بالقسم الأول لا بالقسم الثالث الْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ الْحِلُّ مَعْلُومًا وَلَكِنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ طَرَيَانٌ مُحَرِّمٌ بِسَبَبٍ مُعْتَبَرٍ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ شَرْعًا فَيَرْفَعُ الِاسْتِصْحَابَ وَيَقْضِي بالتحريم إذ بان لنا أن الاستصحاب ضعيف ولا يبقى له حكم مع غالب الظن ومثاله أَنْ يُؤَدِّيَ اجْتِهَادُهُ إِلَى نَجَاسَةِ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى عَلَامَةٍ مُعَيَّنَةٍ تُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فتوجب تحريم شربه كما أوجبت منع الوضوء به وكذا إذا قال إن قتل زيد عمراً أو قتل زيد صيداً منفرداً بقتله فامرأتي طالق فجرحه وغاب عنه فوجد ميتاً حرمت زوجته لأن الظاهر أنه منفرد بقتله كما سبق وقد نص الشافعي ﵀ أن من وجد في الغدران ماء متغيرا احتمل أن يكون تغيره بطول المكث أو بالنجاسة فيستعمله ولو رأى ظبية بالت فيه ثم وجده متغيراً واحتمل أن يكون بالبول أو بطول المكث لم يجز استعماله إذ صار البول المشاهد دلالة مغلبة لاحتمال النجاسة وهو مثال ما ذكرناه وهذا في غلبة ظن استند إلى علامة متعلقة بعين الشيء فأما غلبة الظن لا من جهة علامة تتعلق بعين الشيء فقد اختلف قول الشافعي ﵁ في أن أصل الحل هل يزال به إذا اختلف قوله في التوضؤ من أواني المشركين ومدمن الخمر والصلاة في المقابر المنبوشة والصلاة مع طين الشوارع أعنى المقدار الزائد على ما يتعذر الاحتراز عنه وعبر
لف قوله في التوضؤ من أواني المشركين ومدمن الخمر والصلاة في المقابر المنبوشة والصلاة مع طين الشوارع أعنى المقدار الزائد على ما يتعذر الاحتراز عنه وعبر الأصحاب عنه بأنه إذا تعارض الأصل والغالب فأيهما يعتبر وهذا جار في حل الشرب من أواني مدمن الخمر والمشركين لأن النجس لا يحل شربه فإذن مأخذ النجاسة والحل واحد فالتردد في أحدهما يوجب التردد في الآخر والذي أختاره أن الأصل هو المعتبر وأن العلامة إذا لم تتعلق بعين المتناول لم توجب رفع الأصل وسيأتي بيان ذلك وبرهانه في المثار الثاني للشبهة وهي شبهة الخلط فقد اتضح من هذا حكم حلال شك في طريان محرم عليه أو ظن وحكم حرام شك في طريان محلل عليه أو ظن وبان الفرق بين ظن يستند إلى علامة في عين الشيء وبين ما لا يستند إليه وكل ما حكمنا في هذه الأقسام الأربعة بحله فهو حلال في الدرجة الأولى والاحتياط تركه فالمقدم عليه لا يكون من زمرة المتقين والصالحين بل من زمرة العدول الذين لا يقضى في فتوى الشرع بفسقهم وعصيانهم واستحقاقهم العقوبة إلا ما ألحقناه برتبة الوسواس فإن الاحتراز عنه ليس من الورع أصلاً المثار الثاني للشبهة شَكٌّ مَنْشَؤُهُ الِاخْتِلَاطُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْتَلِطَ الْحَرَامُ بالحلال ويشتبه الأمر ولا يتميز والخلط لا يخلو إما أن يقع بعدد لا يحصر من الجانبين أو من أحدهما أو بعدد محصور فإن اختلط بمحصور فلا يخلو إما أن يكون اختلاط امتزاج بحيث لا يتميز بالإشارة كاختلاط المائعات أو يكون اختلاط استبهام مع التميز للأعيان كاختلاط الأعبد والدور والأفراس والذي يختلط بالاستيهام فلا يخلو إما أن يكون مما يقصد عينه كالعروض أو لا يقصد كالنقود
اختلاط استبهام مع التميز للأعيان كاختلاط الأعبد والدور والأفراس والذي يختلط بالاستيهام فلا يخلو إما أن يكون مما يقصد عينه كالعروض أو لا يقصد كالنقود
فيخرج من هذا التقسيم ثلاثة أقسام القسم الأول أن تستبهم العين بعدد محصور كما لو اختلطت الميتة بمذكاة أو بعشر مذكيات أو اختلطت رضيعة بعشر نسوة أو يتزوج إحدى الأختين ثم تلتبس فَهَذِهِ شُبْهَةٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهَا بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ وَالْعَلَامَاتِ فِي هَذَا وَإِذَا اخْتَلَطَتْ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ صَارَتِ الْجُمْلَةُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَتَقَابَلَ فيه يقين التحريم والتحليل ولا فرق في هذا بين أن يثبت حل فيطرأ اختلاط بمحرم كما لو أوقع الطلاق على إحدى زوجتين في مسئلة الطائر أو يختلط قبل الاستحلال كما لو اختلطت رضيعة بأجنبية فأراد استحلال واحدة وهذا قد يشكل في طريان التحريم كطلاق إحدى الزوجتين لما سبق من الاستصحاب وقد نبهنا على وجه الجواب وهو أن يقين التحريم قابل يقين الحل فَضَعُفَ الِاسْتِصْحَابُ وَجَانِبُ الْحَظْرِ أَغْلَبُ فِي نَظَرِ الشرع فلذلك ترجح وهذا إذا اختلط حلال محصور بحرام محصور فإن اختلط حلال محصور بحرام غير محصور فلا يخفى أن وجوب الاجتناب أولى القسم الثاني حَرَامٌ مَحْصُورٌ بِحَلَالٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتْ رَضِيعَةٌ أَوْ عَشْرُ رَضَائِعَ بِنِسْوَةِ بَلَدٍ كبير فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح نساء أَهْلِ الْبَلَدِ بَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شاء منهن وهذا لا يجوز أن يعلل بكثرة الحلال إذ يلزم عليه أن يجوز النكاح إذا اختلطت واحدة حرام بتسع حلال ولا قائل به بل العلة الغلبة وَالْحَاجَةِ جَمِيعًا إِذْ كُلُّ مَنْ ضَاعَ لَهُ رَضِيعٌ أَوْ قَرِيبٌ أَوْ مُحَرَّمٌ بِمُصَاهَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَدَّ عليه باب النكاح وَكَذَلِكَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ مَالَ الدُّنْيَا خَالَطَهُ حَرَامٌ قَطْعًا لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الشِّرَاءِ وَالْأَكْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَجٍ وَمَا فِي الدِّينِ مِنْ حرج
َلِمَ أَنَّ مَالَ الدُّنْيَا خَالَطَهُ حَرَامٌ قَطْعًا لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الشِّرَاءِ وَالْأَكْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَجٍ وَمَا فِي الدِّينِ مِنْ حرج وَيُعْلَمُ هَذَا بِأَنَّهُ لَمَّا سُرِقَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِجَنٌّ (١) وَغَلَّ وَاحِدٌ فِي الْغَنِيمَةِ عَبَاءَةً (٢) لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ شِرَاءِ الْمَجَانِّ وَالْعَبَاءِ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا سُرِقَ وَكَذَلِكَ كَانَ يُعْرَفُ أن في الناس من يربي فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا النَّاسُ الدَّرَاهِمَ والدنانير بالكلية (٣) وبالجملة إنما تنفك الدنيا عن الحرام إذا عصم الخلق كلهم عن المعاصي وهو محال وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضاً في بلد إلا إذا وقع بين جماعة محصورين بل اجتناب هذا من ورع الموسوسين إذا لم ينقل ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا عن أحد من الصحابة ولا يتصور الوفاء به في ملة من الملل ولا في عصر من الأعصار فإن قلت فكل عدد محصور في علم الله فما حد المحصور ولو أراد الإنسان أن يحصر أهل بلد لقدر عليه أيضاً إن تمكن منه فاعلم أن تحديد أمثال هذه الأمور غير ممكن وإنما يضبط بالتقريب فنقول كل عدد لو اجتمع على صعيد واحد لعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر كالألف والألفين فهو غير محصور وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور وبين الطرفين أوساط متشابهة تحلق بأحد الطرفين بالظن وما وقع الشك فيه استفتى فيه القلب فإن الإثم حزاز القلوب وفي مثل هذا المقام قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لوابصة استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك (٤) وكذا الأقسام الأربعة التي ذكرناها في المثال الأول يقع فيها أطراف متقابلة واضحة في النفي والإثبات وأوساط متشابهة فالمفتي يفتي بالظن وعلى المستفتي أن يستفتي
قلبه فإن حاك في صدره شيء فهو الآثم بينه وبين الله فلا ينجيه في الآخرة فتوى المفتي فإنه يفتي بالظاهر والله يتولى السرائر القسم الثالث أن يختلط حَرَامٌ لَا يُحْصَرُ بِحَلَالٍ لَا يُحْصَرُ كَحُكْمِ الأموال في زماننا هذا فالذي يأخذ الأحكام من الصور قد يظن أن نسبة غير المحصور إلى غير المحصور كنسبة المحصور إلى المحصور وقد حكمنا ثم بالتحريم فلنحكم هنا به والذي نختاره خلاف ذلك وهو أنه لَا يَحْرُمُ بِهَذَا الِاخْتِلَاطِ أَنْ يُتَنَاوَلَ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ احْتَمَلَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَأَنَّهُ حَلَالٌ إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِتِلْكَ الْعَيْنِ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَى أنه من الحرام فإن لم يكن في الْعَيْنِ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْحَرَامِ فتركه ورع وأخذه حلال لا يفسق به آكله ومن العلامات أن يأخذه من يد سلطان ظالم إلى غير ذلك من العلامات التي سيأتي ذكرها ويدل عليه الأثر والقياس فأما الأثر فما علم في زمن رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده إذ كانت أثمان الخمور ودراهم الربا من أيدي أهل الذمة مختلطة بالأموال وكذا غلول الأموال وكذا غلول الغنيمة ومن الوقت الذي نهى ﷺ عن الربا إذ قال أول ربا أضعه ربا العباس (١) ما ترك الناس الربا بأجمعهم كما لم يتركوا شرب الخمور وسائر المعاصي حتى روي أن بعض أصحاب النبي ﷺ باع الخمر فقال عمر ﵁ لعن الله فلاناهو أول من سن بيع الخمر إذ لم يكن قد فهم أن تحريم الخمر تحريم لثمنها وقال ﷺ إن فلاناً يجر في النار عباءة قد غلها (٢) وقتل رجل ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزات من خرز اليهود لا تساوي درهمين قد غلها (٣) وكذلك أدرك أصحاب رسول الله ﷺ الأمراء الظلمة ولم يمتنع أحد منهم عن الشراء والبيع في السوق بسبب نهب المدينة وقد نهبها أصحاب يزيد ثلاثة أيام وكان من يمتنع من تلك الأموال مشاراً إليه في الورع والأكثرون لم يمتنعوا مع الاخلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة
د نهبها أصحاب يزيد ثلاثة أيام وكان من يمتنع من تلك الأموال مشاراً إليه في الورع والأكثرون لم يمتنعوا مع الاخلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة ومن أوجب ما لم يوجبه السلف الصالح وزعم أنه تفطن من الشر ما لم يتفطنوا له فهو موسوس مختل العقل ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا لجاز مخالفتهم في مسائل لا مستند فيها سوى اتفاقهم كقولهم إن الجدة كالأم في التحريم وابن الابن كالابن وشعر الخنزير وشحمه كاللحم المذكور تحريمه في القرآن والربا جار فيما عدا الأشياء الستة وذلك محال فإنهم أولى بفهم الشرع من غيرهم وأما القياس فهو أنه لو فتح هذا الباب لانسد باب جميع التصرفات وخرب العالم إذ الفسق يغلب على الناس ويتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود ويؤدي ذلك لا محالة إلى الاختلاط فإن قيل قد نقلتم أنه ﷺ امتنع من الضب وقال أخشى أن يكون مما مسخه الله وهو في اختلاط غير المحصور قلنا يحمل ذلك على التنزه والورع أو نقول الضب شكل غريب ربما يدل على أنه من المسخ فهي دلالة في عين المتناول فإن قيل هذا معلوم فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وزمان الصحابة بسبب الربا والسرقة والنهب وغلوك الغنيمة وغيرها ولكن كانت هي الأقل بالإضافة إلى الحلال فما تقول في زماننا وقد صار الحرام أكثر ما في أيدي الناس لفساد المعاملات وإهمال شروطها وكثرة الربا وأموال السلاطين الظلمة فمن أخذ مالاً لم يشهد
لحلال فما تقول في زماننا وقد صار الحرام أكثر ما في أيدي الناس لفساد المعاملات وإهمال شروطها وكثرة الربا وأموال السلاطين الظلمة فمن أخذ مالاً لم يشهد
عليه علامة معينة في عينة للتحريم فهل هو حرام أم لا فأقول ليس ذلك حراما وإنما الورع تركه وهذا الورع أهم من الورع إذا كان قليلا ولكن الجواب عن هذا أن قول الْقَائِلِ أَكْثَرُ الْأَمْوَالِ حَرَامٌ فِي زَمَانِنَا غَلَطٌ محض ومنشؤه الغفلة عن الفرق بين الكثير والأكثر فأكثر الناس بل أكثر الفقهاء يظنون أن ما ليس بنادر فهو الأكثر ويتوهمون أنهما قسمان متقابلان ليس بينهما ثالث وليس كذلك بل الأقسام ثلاثة قليل وهو النادر وكثير وأكثر ومثاله أن الخنثى فيما بين الخلق نادر وإذا أضيف إليه المريض وجد كثيراً وكذا السفر حتى يقال المرض والسفر من الأعذار العامة والاستحاضة من الأعذار النادرة ومعلوم أن المرض ليس بنادر وليس بالأكثر أيضابل هو كثير والفقيه إذا تساهل وقال المرض والسفر غالب وهو عذر عام أراد به أنه ليس بنادر فإن لم يرد هذا فهو غلط والصحيح والمقيم هو الأكثر والمسافر والمريض كثير والمستحاضة والخنثى نادر فإذا فهم هذا فنقول: قول القائل الحرام أكثر باطل لأن مستند هذا القائل إما أن يكون كثرة الظلمة والجندية أو كثرة الربا والمعاملات الفاسدة أو كثرة الأيدي التي تكررت من أول الإسلام إلى زماننا هذا على أصول الأموال الموجودة اليوم أما المستند الأول فباطل فإن الظالم كثير وليس هو بالأكثر فإنهم الجندية إذ لا يظلم إلا ذو غلبة وشوكة وهم إذا أضيفوا إلى كل العالم لم يبلغوا عشر عشيرهم فكل سلطان يجتمع عليه من الجنود مائة ألف مثلا فيملك إقليمايجمع ألف ألف وزيادة ولعل بلدة واحدة من بلاد مملكته يزيد عددها على جميع عسكره ولو كان عدد السلاطين أكثر من عدد الرعايا لهلك الكل إذ كان يجب على كل واحد من الرعية أن يقوم بعشرة منهم مثلاً مع تنعمهم في المعيشة ولا يتصور ذلك بل كفاية الواحد كان منهم تجمع من ألف من الرعية وزيادة وكذا القول في السراق فإن البلدة الكبيرة تشتمل منهم على قدر قليل
تنعمهم في المعيشة ولا يتصور ذلك بل كفاية الواحد كان منهم تجمع من ألف من الرعية وزيادة وكذا القول في السراق فإن البلدة الكبيرة تشتمل منهم على قدر قليل وأما المستند الثاني وهو كثرة الربا والمعاملات الفاسدة فهي أيضاً كثيرة وليست بالأكثر إذ أكثر المسلمين يتعاملون بشروط الشرع فعدد هؤلاء أكثر والذي يعامل بالربا أو غيره فلو عددت معاملاته وحده لكان عدد الصحيح منها يزيد على الفاسد إلا أن يطلب الإنسان بوهمه في البلد مخصوصاً بالمجانة والخبث وقلة الدين حتى يتصور أن يقال معاملاته الفاسدة أكثر ومثل ذلك المخصوص نادر وإن كان كثيراً فليس بالأكثر لو كان كل معاملاته فاسدة كيف ولا يخلو هو أيضا عن معاملات صحيحة تساوي الفاسدة أو تزيد عليها وهذا مقطوع به لمن تأمله وإنما غلب هذا على النفوس لاستكثار النفوس الفساد واستبعادها إياه واستعظامها له وإن كان نادراحتى ربما يظن أن الربا وَشُرْبَ الْخَمْرِ قَدْ شَاعَ كَمَا شَاعَ الْحَرَامُ فَيَتَخَيَّلُ أَنَّهُمُ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّهُمُ الْأَقَلُّونَ وإن كان فيهم كثرة وأما المستند الثالث وهو أخيلها أن يقال الأموال إنما تحصل من المعادن والنبات والحيوان والنبات والحيوان حاصلان بالتوالد فإذا نظرنا إلى شاة مثلاً وهي تلد في كل سنة فيكون عدد أصولها إلى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قريباً من خمسمائة ولا يخلو هذا أن يتطرق إلى أصل من تلك الأصول غصب أو معاملة فاسدة فكيف يقدر أن تسلم أصولها عن تصرف باطل إلى زماننا هذا وكذا بذور الحبوب والفواكه تحتاج إلى خمسمائة أصل أو ألف أصل مثلاً إلى أول زمان الشرع ولا يكون هذا حلالاً ما لم يكن أصله وأصل أصله كذلك إلى أول زمان النبوة حلالاً وأما المعادن فهي التي يمكن نيلها على سبيل الابتداء وهي أقل الأموال وأكثر ما يستعمل منها الدراهم والدنانير ولا تخرج إلا من دار الضرب وهي في أيدي الظلمة مثل المعادن في أيديهم يمنعون الناس منها ويلزمون الفقراء استخراجها بالأعمال الشاقة ثم يأخذونها منهم غصباً فإذا نظر إلى هذا علم أن بقاء دينار واحد بحيث لا يتطرق إليه عقد فاسد
ولا ظلم وقت النيل ولا وقت الضرب في دار الضرب ولا بعده في معاملات الصرف والربا بعيد نادر أو محال فلا يبقى إذن حلال إلا الصيد والحشيش في الصحاري الموات والمفاوز والحطب المباح ثم من يحصله لا يقدر على أكله فيفتقر إلى أن يشتري به الحبوب والحيوانات التي لا تحصل إلا بالاستنبات والتوالد فيكون قد بذل حلالاً في مقابلة حرام فهذا هو أشد الطرق تخيلاً والجواب أن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال فخرج عن النمط الذي نحن فيه والتحق بما ذكرناه من قبل وهو تعارض الأصل والغالب إذ الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات وجواز التراضي عليها وقد عارضه سبب غالب يخرجه عن الصلاح له فيصاهي هذا محل القولين للشافعي ﵁ في حكم النجاسات والصحيح عندنا أنه تجوز الصلاة في الشوارع إذا لم يجد فيها نجاسة فإن طين الشوارع طاهر وأن الوضوء من أواني المشركين جائز وأن الصلاة في المقابر المنبوشة جائزة فثبت هذا أولاثم نقيس ما نحن فيه عليه ويدل على ذلك توضؤ رسول الله ﷺ من مزادة مشركة وتوضؤ عمر ﵁ من جرة نصرانية مع أن مشربهم الخمر ومطعمهم الخنزير ولا يحترزون عما نجسه شرعنا فكيف تسلم أوانيهم من أيديهم بل نقول نعلم قطعاً أنهم كانوا يلبسون الفراء المدبوغة والثياب المصبوغة والمقصورة ومن تأمل أحول الدباغين والقصارين والصباغين علم أن الغالب عليهم النجاسة وأن الطهارة في تلك الثياب محال أو نادر بل نقول نعلم أنهم كانوا يأكلون خبز البر والشعير ولا يغسلونه مع أنه يداس بالبقر والحيوانات وهي تبول عليه وتروث وقلما يخلص منها وكانوا يركبون الدواب وهي تعرق وما كانوا يغسلون ظهورها مع كثرة تمرغها في النجاسات بل كل دابة تخرج من بطن أمها وعليها رطوبات نجسة قد تزيلها الأمطار وقد لا تزيلها وما كان يحترز عنها وكانوا يمشون حفاة في الطرق وبالنعال ويصلون معها ويجلسون على التراب ويمشون في الطين من غير حاجة وكانوا لا يمشون في البول والعذرة ولا يجلسون عليهما ويستنزهون منه ومتى تسلم الشوارع عن النجاسات مع كثرة الكلاب وأبوالها وكثرة الدواب وأرواثها ولا ينبغي أن نظن أن الأعصار أو الأمصار تختلف في مثل هذا حتى يظن أن الشوارع كانت تغسل في
ارع عن النجاسات مع كثرة الكلاب وأبوالها وكثرة الدواب وأرواثها ولا ينبغي أن نظن أن الأعصار أو الأمصار تختلف في مثل هذا حتى يظن أن الشوارع كانت تغسل في عصرهم أو كانت تحرس من الدواب هيهات فذلك معلوم استحالته بالعادة قطعاً فدل على أنهم لم يحترزوا إلا من نجاسة مشاهدة أو علامة على النجاسة دالة على العين فأما الظن الغالب الذي يستثار من رد الدراهم إلى مجاري الأحوال فلم يعتبروه وهذا عند الشافعي ﵀ وهو يرى أن الماء القليل ينجس من غير تغير واقع إذ لم يزل الصحابة يدخلون الحمامات ويتوضئون من الحياض وفيها المياه القليلة والأيدي المختلفة تغمس فيها على الدوام وهذا قاطع في هذا الغرض ومهما ثبت جواز التوضؤ من جرة نصرانية ثبت جواز شربه والتحق حكم الحل بحكم النجاسة فإن قيل لا يجوز قياس الحل على النجاسة إذ كانوا يتوسعون في أمور الطهارات ويحترزون من شبهات الحرام غاية التحرز فكيف يقاس عليها قلنا إن أريد به أنهم صلوا معها مع النجاسة والصلاة معصية وهي عماد الدين فبئس الظن بل يجب أن نعتقد فيهم أنهم احترزوا عن كل نجاسة وجب اجتنابها وإنما تسامحوا حيث لم يجب وكان في محل تسامحهم هذه الصورة التي تعارض فيها الأصل والغالب فبان أن الغالب الذي لا يستند إلى علامة تتعلق بعين ما فيه النظر مطرح وأما تورعهم في الحلال فكان بطريق التقوى وهو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس لأن أمر الأموال مخوف والنفس تميل إليها إن لم تضبط عنها وأمر الطهارة ليس كذلك فقد امتنع طائفة منهم عن الحلال المحض خيفة أن يشغل قلبه وقد حكي عن واحد منهم أنه احترز من الوضوء بماء البحر وهو الطهور المحض فالافتراق في ذلك لا يقدح في الغرض الذي أجمعنا فيه على أنا نجري في هذا المستند
ه وقد حكي عن واحد منهم أنه احترز من الوضوء بماء البحر وهو الطهور المحض فالافتراق في ذلك لا يقدح في الغرض الذي أجمعنا فيه على أنا نجري في هذا المستند
على الجواب الذي قدمنا في المستندين السابقين ولا نسلم ما ذكروه من أن الأكثر هو الحرام لأن المال وإن كثرت أصوله فليس بواجب أن يكون في أصوله حرام بل الأموال الموجودة اليوم مما تطرق الظلم إلى أصول بعضها دون بعض وكما أن الذي يبتدأ غصبه اليوم هو الأقل بالإضافة إلى ما لا يغصب ولا يسرق فهكذا كل مال في كل عصر وفي كل أصل فالمغصوب من مال الدنيا والمتناول في كل زمان بالفساد بالإضافة إلى غيره أقل ولسنا ندري أن هذا الفرع بعينه من أي القسمين فلا نسلم أن الغالب تحريمه فإنه كما يزيد المغصوب بالتوالد يزيد غير المغصوب بالتوالد فيكون فرع الأكثر لا محالة في كل عصر وزمان أكثر بل الغالب أن الحبوب المغصوبة تغصب للأكل لا للبذر وكذا الحيوانات المغصوبة أكثرها يؤكل ولا يقتنى للتوالد فكيف يقال إن فروع الحرام أكثر ولم تزل أصول الحلال أكثر من أصول الحرام وليتفهم المسترشد من هذا طريق معرفة الأكثر فإنه مزلة قدم وأكثر العلماء يغلطون فيه فكيف العوام هذا في المتولدات من الحيوانات والحبوب فأما المعادن فإنها مخلاة مسبلة يأخذها في بلاد الترك وغيرها من شاء ولكن قد يأخذ السلاطين بعضها منهم أو يأخذون الأقل لا محالة لا الأكثر ومن حاز من السلاطين معدناً فظلمه يمنع الناس منه فأما ما يأخذه الآخذ منه فيأخذه من السلطان بأجرة والصحيح أنه يجوز الاستنابة في إثبات اليد على المباحات والاستئجار عليها فالمستأجر على الاستقاء إذا حاز الماء دخل في ملك المستقي له واستحق الأجرة فكذلك النيل فإذا فرعنا على هذا لم تحرم عين الذهب إلا أن يقدر ظلمه بنقصان أجرة العمل وذلك قليل بالإضافة ثم لا يوجب تحريم عين الذهب بل يكون ظالماً ببقاء الأجرة في ذمته وأما دار الضرب فليس الذهب الخارج منها من أعيان ذهب السلطان الذي غصبه وظلم به الناس بل التجار يحملون إليهم الذهب المسبوك أو النقد الرديء ويستأجرونهم على السبك والضرب ويأخذون مثل وزن ما سلموه إليهم إلا شيئاً قليلا ًيتركونه أجرة لهم على العمل وذلك
ملون إليهم الذهب المسبوك أو النقد الرديء ويستأجرونهم على السبك والضرب ويأخذون مثل وزن ما سلموه إليهم إلا شيئاً قليلا ًيتركونه أجرة لهم على العمل وذلك جائز وإن فرض دنانير مضروبة من دنانير السلطان فهو بالإضافة إلى مال التجار أقل لا محالة نعم السلطان يظلم أجراء دار الضرب بأن يأخذ منهم ضريبة لأنه خصصهم بها من بين سائر الناس حتى توفر عليهم مال بحشمة السلطان فما يأخذه السلطان عوض من حشمته وذلك من باب الظلم وهو قليل بالإضافة إلى ما يخرج من دار الضرب فلا يسلم لأهل دار الضرب والسلطان من جملة ما يخرج منه من المائة واحد وهو عشر العشير فكيف يكون هو الأكثر فهذه أغاليط سبقت إلى القلوب بالوهم وتشمر لتزيينها جماعة ممن رق دينهم حتى قبحوا الورع وسدوا بابه واستقبحوا تمييز من يميز بين مال ومال وذلك عين البدعة والضلال فإن قيل: فلو قدر غلبة الحرام وقد اختلط غير محصور بغير محصور فماذا تقولون فيه إذا لم يكن في العين المتناولة علامة خاصة فنقول الذي نراه أن تركه ورع وأن أخذه ليس بحرام لأن الأصل الحل ولا يرفع إلا بعلامة معينة كما في طين الشوارع ونظائرها بل أزيد وأقول لو طبق الحرام الدنيا حتى علم يقيناً أنه لم يبق في الدنيا حلال لكنت أقول نستأنف تمهيد الشروط من وقتنا ونعفو عما سلف ونقول ما جاوز حده انعكس إلى ضده فمهما حرم الكل حل الكل وبرهانه أنه إذا وقعت هذه الواقعة فالاحتمالات خمسة أحدها أن يقال يدع الناس الأكل حتى يموتوا من عند آخرهم الثاني أن يقتصروا منها على قدر الضرورة وسد الرمق يزجون عليها أياماً إلى الموت الثالث أن يقال يتناولون قدر الحاجة كيف شاءوا سرقة وغصبا وتراضياً من غير تمييز بين مال ومال وجهة وجهة الرابع أن يتبعوا شروط الشرع ويستأنفوا قواعده من غير اقتصار على قدر الحاجة الخامس



