— Bagian 31 · بلد الطاعون —
Bagian 31
بلد الطاعون والمحمود ينقسم الى وَاجِبٌ كَالْحَجِّ وَطَلَبِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرِيضَةٌ على كل مسلم والى مندوب اليه كزيارة العلماء وزيارة مشاهدهم ومن هذه الأسباب تتبين النية في السفر فإن معنى النية الانبعاث للسبب الباعث والانتهاض لاجابة الداعية ولتكن نيته الآخرة في جميع أسفاره وذلك ظاهر في الواجب والمندوب ومحال في المكروه والمحظور وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَمَرْجِعُهُ إِلَى النِّيَّةِ فَمَهْمَا كَانَ قَصْدُهُ بِطَلَبِ الْمَالِ مَثَلًا التَّعَفُّفُ عَنِ السُّؤَالِ وَرِعَايَةُ سَتْرِ الْمُرُوءَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ وَالتَّصَدُّقُ بِمَا يَفْضُلُ عَنْ مَبْلَغِ الْحَاجَةِ صَارَ هَذَا الْمُبَاحُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ وَلَوْ خَرَجَ إِلَى الْحَجِّ وَبَاعِثُهُ الرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ لَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ إنما الأعمال بالنيات (٤) فقوله ﷺ الأعمال بالنيات عام في الواجبات والمندوبات والمباحات دون المحظورات فإن النية لا تؤثر في إخراجها عن كونها من المحظورات وقد قال بعض السلف إن الله تعالى قد وكل بالمسافرين ملائكة ينظرون الى مقاصدهم فيعطي كل واحد على قدر نيته فمن كانت نيته الدنيا أعطي منها ونقص من آخرته أضعافه وفرق عليه همه وكثر بالحرص والرغبة شغله ومن كانت نيته الآخرة أعطي من البصيرة والحكمة والفطنة وفتح له من التذكرة والعبرة بقدر نيته وجمع له همه ودعت له الملائكة واستغفرت له وأما النظر في أن السفر هو الأفضل أو الإقامة فذلك يضاهي النظر في أن الأفضل هو العزلة أو المخالطة
وقد ذكر منهاجه في كتاب العزلة فليفهم هذا منه فإن السفر نوع مخالطة مع زيادة تعب ومشقة تفرق الهم وتشتت القلب في حق الأكثرين والأفضل في هذا ما هو الأعون على الدين ونهاية ثمرة الدين في الدنيا تحصيل معرفة الله تعالى وتحصيل الأنس بذكر الله تعالى والأنس يحصل بدوام الذكر والمعرفة تحصل بدوام الفكر ومن لم يتعلم طريق الفكر والذكر لم يتمكن منهما والسفر هو المعين على التعلم في الابتداء والإقامة هي المعينة على العمل بالعلم في الانتهاء وأما السياحة في الأرض على الدوام فمن المشوشات للقلب إلا في حق الأقوياء فإن المسافر وماله لعلى قلق إلا ما وقى الله فلا يزال المسافر مشغول القلب تارة بالخوف على نفسه وماله وتارة بمفارقة ما ألفه واعتاده في إقامته وإن لم يكن معه مال يخاف عليه فلا يخلو عن الطمع والاستشراف الى الخلق فتارة يضعف قلبه بسبب الفقر وتارة يقوى باستحكام أسباب الطمع ثم الشغل بالحط والترحال مشوش لجميع الأحوال فلا ينبغي أن يسافر المريد إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدي به في سيرته وتستفاد الرغبة في الخير من مشاهدته فان اشتغل بنفسه واستبصر وانفتح له طريق الفكر أو العمل فالسكون أولى به إلا أن أكثر متصوفة هذه الأعصار لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس بالله تعالى وبذكره في الخلوة وكانوا بطالين غير محترفين ولا مشغولين قد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد واستسخروا الخدم المنتصبين للقيام بخدمة القوم واستخفوا عقولهم وأديانهم من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللاً بكثرة الأتباع فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم ناقذ ولا تأديب للمريد بن نافع ولا حجر عليهم قاهر فبسوا المرقعات واتخذوا في الخانقاهات متنزهات وربما تلقفوا ألفاظاً مزخرفة من أهل الطامات فينظرون الى أنفسهم وقد تشبهوا بالقوم في خرقتهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم فيظنون بأنفسهم خيراً ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ويعتقدون أن كل سوداء تمرة
هوا بالقوم في خرقتهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم فيظنون بأنفسهم خيراً ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ويعتقدون أن كل سوداء تمرة ويتوهمون أن المشاركة في الظاهر توجب المساهمة في الحقائق وهيهات فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم فهؤلاء بغضاء الله فإن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ ولم يحملهم على السياحة إلا الشباب والفراغ إلا من سافر لحج أو عمرة في غير رياء ولا سمعة أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدي به في علمه وسيرته وقد خلت البلاد عنه الآن والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت إلا التصوف فإنه قد انمحق بالكلية وبطل لأن العلوم لم تندرس بعد والعالم وإن كان عالم سوء فإنما فساده في سيرته لا في علمه فيبقى عالماً غير عامل بعلمه والعمل غير العلم وأما التصوف فهو عبارة عن تجرد القلب لله تعالى واستحقار ما سوى الله وحاصله يرجع الى عمل القلب والجوارح ومهما فسد العمل فات الأصل وفي أسفار هؤلاء نظر للفقهاء من حيث أنه إتعاب للنفس بلا فائدة وقد يقال إن ذلك ممنوع ولكن الصواب عندنا أن نحكم بالإباحة فإن حظوظهم التفرج عن كرب البطالة بمشاهدة البلاد المختلفة وهذه الحظوظ وإن كانت خسيسة فنفوس المتحركين لهذه الحظوظ أيضاً خسيسة ولا بأس بإتعاب حيوان خسيس لحظ خسيس يليق به ويعود إليه فهو المتأذي والمتلذذ والفتوى تقتضي تشتيت العوام في المباحات التي لا نفع فيها ولا ضرر فالسابحون في غير مهم في الدين والدنيا بل لمحض التفرج في البلاد كالبهائم المترددة في الصحارى فلا بأس بسياحتهم ما كفوا عن الناس شرهم ولم يلبسوا على الخلق حالهم وإنما عصيانهم في التلبيس والسؤال على اسم التصوف والأكل من الأوقاف التي وقفت على الصوفية لأن الصوفي عبارة عن رجل صالح عدل في دينه مع صفات أخر
ق حالهم وإنما عصيانهم في التلبيس والسؤال على اسم التصوف والأكل من الأوقاف التي وقفت على الصوفية لأن الصوفي عبارة عن رجل صالح عدل في دينه مع صفات أخر
وراء الصلاح ومن أقل صفات أحوال هؤلاء أكلهم أموال السلاطين وأكل الحرام من الكبائر فلا تبقى معه العدالة والصلاح ولو تصور صوفي فاسق لتصور صوفي كافر وفقيه يهودي وكما أن الفقيه عبارة عن مسلم مخصوص فالصوفي عبارة عن عدل مخصوص لا يقتصر في دينه على القدر الذي يحصل به العدالة وكذلك من نظر الى ظواهرهم ولم يعرف بواطنهم وأعطاهم من ماله على سبيل التقرب إلى الله تعالى حرم عليهم الأخذ وكان ما أكلوه سحتاً وأعني به إذا كان المعطي بحيث لو عرف بواطن أحوالهم ما أعطاهم فأخذ المال بإظهار التصوف من غير اتصاف بحقيقته كأخذه بإظهار نسب رسول الله ﷺ على سبيل الدعوى ومن زعم أنه علوى وهو كاذب وأعطاه مسلم مالا لحبه أهل البيت ولو علم أنه كاذب لم يعطه شيئاً فأخذه على ذلك حرام وكذلك الصوفي ولهذا احترز المحتاطون عن الأكل بالدين فإن المبالغ في الاحتياط لدينه لا ينفك في باطنه عن عورات لو انكشفت للراغب في مواساته لفترت رغبته عن المواساة فلا جرم كانوا لا يشترون شيئاً بأنفسهم مخافة أن يسامحوا لأجل دينهم فيكونوا قد أكلوا بالدين وكانوا يوكلون من يشتري لهم ويشترطون على الوكيل أن لا يظهر أنه لمن يشتري نعم إنما يحل أخذ ما يعطي لأجل الدين إذا كان الأخذ بحيث لو علم المعطي من باطنه ما يعلمه الله تعالى لم يقتض ذلك فتورا في رأيه فيه والعاقل المنصف يعلم من نفسه أن ذلك ممتنع أو عزيز والمغرور الجاهل بنفسه أحرى بأن يكون جاهلا بأمر دينه فإن أقرب الأشياء الى قالبه قلبه فإذا التبس عليه أمر قلبه فكيف ينكشف له غيره ومنعرف هذه الحقيقة لزمه لا محالة أن لا يأكل إلا من كسبه ليأمن من هذه الغائلة أو لا يأكل إلا من مال من يعلم قطعاً أنه لو انكسف له عورات باطنه لم يمنعه ذلك عن مواساته
يقة لزمه لا محالة أن لا يأكل إلا من كسبه ليأمن من هذه الغائلة أو لا يأكل إلا من مال من يعلم قطعاً أنه لو انكسف له عورات باطنه لم يمنعه ذلك عن مواساته فإن اضطر طالب الحلال ومريد طريق الآخرة الى أخذ مال غيره فليصرح له وليقل إنك إن كنت تعطيني لما تعتقده في من الدين فلست مستحقاً لذلك ولو كشف الله تعالى ستري لم ترني بعين التوقير بل اعتقدت أبي شر الخلق أو من شرارهم فإن أعطاه مع ذلك فليأخذ فإنه ربما يرضى منه هذه الخصلة وهو اعترافه على نفسه بركاكة الدين وعدم استحقاقه لما يأخذه ولكن ههنا مكيدة للنفس بينة ومخادعة فليتفطن لها وهو أنه قد يقول ذلك مظهراً أنه متشبه بالصالحين في ذمهم نفوسهم واستحقارهم لها ونظرهم اليها بعين المقت والازدراء فتكون صورة الكلام صورة القدح والإزدراء وباطنه وروحه هو عين المدح والإطراء فكم من ذام نفسه وهو لها مادح بعين ذمه فذم النفس في الخلوة مع النفس هو المحمود وأما الذم في الملأ فهو عين الرياء إلا إذا أورده إيرادا يحصل للمستمع يقيناً بأنه مقترف للذنوب ومعترف بها وذلك مما يمكن تفهيمه بقرائن الأحوال ويمكن تلبيسه بقرائن الأحوال والصادق بينه وبين الله تعالى يعلم أن مخادعته لله ﷿ أو مخادعته لنفسه محال فلا يتعذر عليه الاحتراز عن أمثال ذلك فهذا هو القول في أقسام السفر ونية المسافر وفضيلته الفصل الثاني في آدَابُ الْمُسَافِرِ مِنْ أَوَّلِ نُهُوضِهِ إِلَى آخِرِ رجوعه وهي أحد عشر آدبا الْأَوَّلُ أَنْ يَبْدَأَ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَإِعْدَادِ النَّفَقَةِ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَبِرَدِّ الْوَدَائِعِ إِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلَا يَأْخُذُ لِزَادِهِ إِلَّا الْحَلَالَ الطَّيِّبَ وَلْيَأْخُذْ قَدْرًا يُوَسِّعُ بِهِ عَلَى رفقائه قال ابن عمر ﵄ مِنْ كَرَمِ الرَّجُلِ طِيبُ زَادِهِ فِي سَفَرِهِ وَلَا بُدَّ فِي السَّفَرِ مِنْ طِيبِ الْكَلَامِ وإطعام الطعام وإظهار مكارم الأخلاق في السفر فإنه يخرج خبايا الباطن ومن صلح لصحبة السفر صلح لصحبة الحضر وقد يصلح في الحضر من لا يصلح في السفر ولذلك
قيل إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه وَالسَّفَرُ مِنْ أَسْبَابِ الضَّجَرِ وَمَنْ أَحْسَنَ خُلُقَهُ في الضجر فهو الحسن الخلق وإلا فعند مساعدة الأمور على وفق الغرض قلما يظهر سوء الخلق وقد قيل ثلاثة لا يلامون على الضجر الصائم والمريض والمسافر وتمام حسن خلق المسافر الإحسان الى المكاري ومعاونة الرفقة بكل ممكن والرفق بكل منقطع بأن لا يجاوزه إلا بالإعانة بمركوب أو زاد أو توقف لأجله وَتَمَامُ ذَلِكَ مَعَ الرُّفَقَاءِ بِمِزَاحٍ وَمُطَايَبَةٍ فِي بعض الأوقات من غير فحش ولا معصية لِيَكُونَ ذَلِكَ شِفَاءً لِضَجَرِ السَّفَرِ وَمَشَاقِّهِ الثَّانِي أَنْ يَخْتَارَ رَفِيقًا فَلَا يَخْرُجُ وَحْدَهُ فَالرَّفِيقُ ثُمَّ الطَّرِيقُ وَلْيَكُنْ رَفِيقُهُ مِمَّنْ يُعِينُهُ عَلَى الدِّينِ فَيُذَكِّرُهُ إِذَا نَسِيَ وَيُعِينُهُ وَيُسَاعِدُهُ إِذَا ذَكَرَ فَإِنَّ الْمَرْءَ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ وَلَا يعرف الرجل إلا برفيقه وقد نهى ﷺ عن أن يسافر الرجل وحده (١) وقال الثلاثة نفر (٢) وقال أيضاً إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فِي السَّفَرِ فَأَمِّرُوا أَحَدَكُمْ (٣) وكانوا يفعلون ذلك ويقولون هذا أميرنا أمره رسول الله ﷺ (٤) وَلْيُؤَمِّرُوا أَحْسَنَهُمْ أَخْلَاقًا وَأَرْفَقَهُمْ بِالْأَصْحَابِ وَأَسْرَعَهُمْ إِلَى الْإِيثَارِ وَطَلَبِ الْمُوَافَقَةِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى الْأَمِيرِ لأن الآراء تختلف في تعيين المنازل والطرق ومصالح السَّفَرِ وَلَا نِظَامَ إِلَّا فِي الْوَحْدَةِ وَلَا فساد إلا في الْكَثْرَةِ وَإِنَّمَا انْتَظَمَ أَمْرُ الْعَالَمِ لِأَنَّ مُدَبِّرَ الكل واحد ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ومهما كان المدبر واحدا انتظم أمر التدبير وإذا كثر المدبرون فسدت الأمور في الحضر والسفر إلا أن مواطن الإقامة لا تخلو عن أمير عام كأمير البلد وأمير خاص كرب الدار وأما السفر فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير فلهذا وجب التأمير ليجتمع شتات الآراء
ا أن مواطن الإقامة لا تخلو عن أمير عام كأمير البلد وأمير خاص كرب الدار وأما السفر فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير فلهذا وجب التأمير ليجتمع شتات الآراء ثم على الأمير أن لا ينظر إلا لمصلحة القوم وأن يجعل نفسه وقاية لهم كما نقل عن عبد الله المروزي أنه صحبه أبو على الرباطي فقال على أن تكون أنت الأمير أو أنا فقال بل أنت فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره فأمطرت السماء ذات ليلة فقام عبد الله طول الليل على رأس رفيقه وفي يده كسا يمنع عنه المطر فكلما قال له عبد الله لا تفعل يقول ألم تقل إن الإمارة مسلمة لي فلا تتحكم علي ولا ترجع عن قولك حتى قال أبو علي وددت أني مت ولم أقل له أنت الأمير فهكذا ينبغي أن يكون الأمير وقد قال ﷺ خير الأصحاب أربعة (٥) وتخصيص الأربعة من بين سائر الأعداد لا بد أن يكون له فائدة والذي ينقدح فيه أن المسافر لا يخلو عن رجل يحتاج الى حفظه وعن حاجة يحتاج الى التردد فيها ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد في الحاجة واحدا فيبقى في السفر بلا رفيق فلا يخلو عن خطر وعن ضيق قلب لفقد أنس الرفيق ولو تردد في الحاجة اثنان لكان الحافظ للرحل واحدا فلا يخلو أيضاً عن الخطر وعن ضيق الصدر فإذن ما دون الأربعة لا يفي بالمقصود وما فوق الأربعة يزيد فلا تجمعهم رابطة واحدة فلا ينعقد بينهم الترافق لأن الخامس زيادة بعد الحاجة ومن يستغني عنه لا تنصرف الهمة اليه فلا تتم المرافقة معه نعم في كثرة الرفقاء فائدة للأمن من المخاوف
ا ينعقد بينهم الترافق لأن الخامس زيادة بعد الحاجة ومن يستغني عنه لا تنصرف الهمة اليه فلا تتم المرافقة معه نعم في كثرة الرفقاء فائدة للأمن من المخاوف
ولكن الأربعة خير للرفاقة الخاصة لا للرفاقة العامة وكم من رفيق في الطريق عند كثرة الرفاق لا يكلم ولا يخالط الى آخر الطريق للاستغناء عنه الثَّالِثُ أَنْ يُودِّعَ رُفَقَاءَ الْحَضَرِ وَالْأَهْلَ وَالْأَصْدِقَاءَ وليدع عند الوداع بدعاء رسول الله ﷺ قال بعضهم صحبت عبد الله بن عمر ﵄ من مكة الى المدينة حرسها الله فلما أردت أن افارقه شيعني وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول قال لقمان إن الله تعالى إذا استودع شيئاً حفظه وإني أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك (١) وروى زيد بن أرقم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال إذا أراد أحدكم سفراً فليودع أخوانه فإن الله تعالى جاعل له في دعائهم البركة (٢) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كان إذا ودع رجلاً قال زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك الى الخير حيث توجهت (٣) فهذا دعاء المقيم للمودع وقال موسى بن وردان أتيت أبا هريرة ﵁ أودعه لسفر أردته فقال ألا أعلمك يا ابن أخي شيئاً علمنيه رسول الله ﷺ عند الوداع فقلت بلى قال قل أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه (٤) وعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال إني أريد سفراً فأوصني فقال له في حفظ الله وفي كنفه زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَوَجَّهَكَ لِلْخَيْرِ حيث كنت أو أينما كنت (٥) شك فيه الراوي وينبغي إذا استودع الله تعالى ما يخلفه أن يستودع الجمع ولا يخصص
ّقْوَى وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَوَجَّهَكَ لِلْخَيْرِ حيث كنت أو أينما كنت (٥) شك فيه الراوي وينبغي إذا استودع الله تعالى ما يخلفه أن يستودع الجمع ولا يخصص فقد روي أن عمر ﵁ كان يعطي الناس عطاياهم إذ جاءه رجل معه ابن له فقال له عمر ما رأيت أشبه بأحد من هذا بك فقال له الرجل أحدثك عنه يا أمير المؤمنين بأمر إني أردت أن أخرج الى سفر وأمه حامل به فقالت تخرج وتدعني على هذه الحالة فقلت أستودع الله ما في بطنك فخرجت ثم قدمت فإذا هي قد ماتت فجلسنا نتحدّث فإذا نار على قبرها فقلت للقوم ما هذه النار فقالوا هذه النار من قبر فلانة نراها كل ليلة فقلت والله إنها كانت لصوامة قوّامة فأخذت المعول حتى انتهينا الى القبر فحفرنا فإذا سراج وإذا هذا الغلام يدب فقيل لي أن هذه وديعتك ولو كنت استودعت أمه لوجدتها فقال عمر ﵁ لهو أشبه بك من الغراب بالغراب الرابع أن يصلي قبل سفره صلاة الإستخارة كما وصفناها في كتاب الصلاة ووقت الخروج يصلي لأجل السفر فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال إني نذرت سفراً وقد كتبت وصيتي فالى أي الثلاثة أدفعها الى ابني أم أخي أم أبي فقال النبي ﷺ ما استخلف عبد في أهله من خليفة أحب إلى الله من أربع ركعات يصليهن في بيته إذا شدّ عليه ثياب سفره يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ثم يقول اللهم إني أتقرب بهن إليك فاخلفني بهن في أهلي ومالي فهي خليفته في أهله وماله وحرز حول داره حتى يرجع الى أهله (٦)
الخامس إذا حَصَلَ عَلَى بَابِ الدَّارِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ توكلت على الله ولا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أجهل أو يجهل علي فإذا مشى قال اللهم بك انتشرت وعليك توكلت وبك اعتصمت وإليك توجهت اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي فاكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت وليدع بهذا الدعاء في كل منزل يرحل عنه فإذا ركب الدابة فليقل بسم الله وبالله والله أكبر توكلت على الله ولا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ما شاءالله كان وما لم يشأ لم يكن سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون فإذا استوت الدابة تحته فليقل ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ اللهم أنت الحامل على الظهر وأنت المستعان على الأمور السادس أن يرحل عن المنزل بكرة روى جابر أن النبي ﷺ رحل يوم الخميس وهو يريد تبوك وقال اللهم بارك لأمتي في بكورها (١) ويستحب أن يبتدئ بالخروج يوم الخميس فقد روى عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال قلما كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يخرج الى سفر إلا يوم الخميس (٢) وروى أنس أنه ﷺ قال اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم السبت وكان ﷺ إذا بعث سرية بعثها أوّل النهار (٣) وروى أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ قال اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم خميسها (٤) وقال عبد الله بن عباس إذا كان لك الى رجل حاجة فاطلبها منه نهارا ولا تطلبها ليلاً واطلبها بكرة فإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول اللهم بارك لأمتي في بكورها (٥) ولا ينبغي أن يسافر بعد طلوع الفجر من يوم الجمعة فيكون عاصياً بترك الجمعة واليوم منسوب اليها فكان أوله من أسباب وجوبها والتشييع للوداع مستحب وهو سنة قال ﷺ لأن أشيع مجاهداً في سبيل الله فأكتنفه على رحله غدوة أو روحه أحب الى من الدنيا وما فيها (٦) السابع أن لا ينزل حتى يحمى النهار فهي السنة ويكون أكثر سيره بالليل
مجاهداً في سبيل الله فأكتنفه على رحله غدوة أو روحه أحب الى من الدنيا وما فيها (٦) السابع أن لا ينزل حتى يحمى النهار فهي السنة ويكون أكثر سيره بالليل قال ﷺ عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوي بالليل ما لا تطوي بالنهار (٧) ومهما أشرف على المنزل فليقل اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين ورب البحار وما جرين أسالك خير هذا المنزل وخير أهله وأعوذ بك من شر هذا المنزل وشر ما فيه اصرف عني شر شرارهم فإذا نزل المنزل فليصل فيه ركعتين ثم ليقل اللهم إني أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق فإذا جن عليه الليل فليقل يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك ومن شر ما فيك وشر ما دب عليك أعوذ بالله
من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب ومن شر ساكني البلد ووالد وما ولد ﴿وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم﴾ ومهما علا شرفاً من الأرض في وقت السير فينبغي أن يقول اللهم لك الشرف على كل شرف ولك الحمد على كل حال ومهما هبط سبح ومهما خاف الوحشة في سفره قال سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح جللت السماوات بالعزة والجبروت الثامن أن يحتاط بالنهار فلا يمشي منفرداً خارج القافلة لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُغْتَالُ أَوْ يَنْقَطِعُ وَيَكُونُ بِاللَّيْلِ متحفظاً عند النوم كان ﷺ إذا نام في ابتداء الليل في السفر افترش ذراعيه وإن نام في آخر الليل نصب ذراعيه نصباً وجعل رأسه في كفه (١) والغرض من ذلك أن لا يستثقل في النوم فتطلع الشمس وهو نائم لا يدري فيكون ما يفوته من الصلاة أفضل مما يطلبه بسفره والمستحب بالليل أن يتناوب الرفقاء في الحراسة فإذا نام واحد حرس آخر (٢) فهذه السنة ومهما قصده عدوّ أو سبع في ليل أو نهار فليقرأ آية الكرسي وشهد الله وسور الإخلاص والمعوّذتين
وب الرفقاء في الحراسة فإذا نام واحد حرس آخر (٢) فهذه السنة ومهما قصده عدوّ أو سبع في ليل أو نهار فليقرأ آية الكرسي وشهد الله وسور الإخلاص والمعوّذتين وليقل بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله حسبي الله توكلت على الله ما شاء الله لا يأتي بالخيرات إلا الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله منتهى ولا دون الله ملجأ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز تحصنت بالله العظيم واستعنت بالحي القيوم الذي لا يموت اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واكنفنا بركنك الذي لا يرام اللهم ارحمنا بقدرتك علينا فلا تهلك وانت ثقتنا ورجاؤنا اللهم أعطف علينا قلوب عبادك وإمائك برأفة ورحمة إنك أنت أرحم الراحمين التاسع أَنْ يَرْفُقَ بِالدَّابَّةِ إِنْ كَانَ رَاكِبًا فَلَا يُحَمِّلُهَا مَا لَا تُطِيقُ وَلَا يَضْرِبُهَا فِي وجهها فإنه منهي عنه ولا ينام عليها فإنه يثقل بالنوم وتتأذى به الدابة كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة وقال ﷺ لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي (٣) ويستحب أن ينزل عن الدابة غدوة وعشية يروحها بذلك (٤) فهو سنة وفيه آثار عن السلف وكان بعض السلف يكتري بشرط أن لا ينزل ويوفي الأجرة ثم كان ينزل ليكون بذلك محسنا إلى الدابة فيوضع في ميزان حسناته لا في ميزان حسنات المكارى ومن آذى بهيمة بضرب أو حمل ما لا تطيق طولب به يوم القيامة إذ في كل كبد حراء أجر قال أبو الدرداء ﵁ لبعير له عند الموت أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أك أحملك فوق طاقتك وفي النزول ساعة صدقتان إحداهما ترويح الدابة والثانية إدخال السرور على قلب المكاري وفي فائدة أخرى وهي رياضة البدن وتحريك الرجلين والحذر من خدر الأعضاء بطول الركوب وينبغي أن يقرّر مع المكاري ما يحمله عليها شيئاً شيئاً ويعرضه عليه ويستأجر الدابة بعقد صحيح لئلا يثور بينهما نزاع يؤذي القلب ويحمل على الزيادة في الكلام فما يلفظ العبد من قول إلا لديه رقيب عتيد فليحترز عن كثرة الكلام واللجاج مع المكارى فلا ينبغي أَنْ يَحْمِلَ فَوْقَ الْمَشْرُوطِ شَيْئًا وَإِنْ خَفَّ
م فما يلفظ العبد من قول إلا لديه رقيب عتيد فليحترز عن كثرة الكلام واللجاج مع المكارى فلا ينبغي أَنْ يَحْمِلَ فَوْقَ الْمَشْرُوطِ شَيْئًا وَإِنْ خَفَّ فإن القليل يجر الكثير ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ الْمُبَارَكِ وَهُوَ عَلَى دَابَّةٍ احْمِلْ لِي هَذِهِ الرُّقْعَةَ إِلَى فُلَانٍ فَقَالَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ الْمَكَارِي فَإِنِّي لَمْ أُشَارِطْهُ عَلَى هَذِهِ الرُّقْعَةِ فَانْظُرْ كَيْفَ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إِنَّ هَذَا مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيهِ ولكن
سلك طريق الورع العاشر ينبغي أن يستصحب ستة أشياء قالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ إذا سافر حمل معه خمسة أشياء المرآة والمكحلة والمقراض والسواك والمشط (١) وفي رواية أخرى عنها ستة أشياء المرآة والقارورة والمقراض والسواك والمكحلة والمشط وقالت أم سعد الأنصارية كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يفارقه في السفر المرآة والمكحلة (٢) وقال صهيب قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليكم بالإثمد عند مضجعكم فإنه مما يزيد في البصر وينبت الشعر (٣) وروي أنه كان يكتحل ثلاثاً ثلاثا وفي رواية أنه اكتحل لليمنى ثلاثا ولليسرى ثنتين (٤) وقد زاد الصوفية الركوة والحبل وقال بعض الصوفية إذا لم يكن مع الفقير ركوة وحبل دل على نقصان دينه وإنما زادوا هذا لما رأوه من الإحتياط في طهارة الماء وغسل الثياب فالركوة لحفظ الماء الطاهر والحبل لتجفيف الثوب المغسول ولنزع الماء من الآبار وكان الْأَوَّلُونَ يَكْتَفُونَ بِالتَّيَمُّمِ وَيُغْنُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ نَقْلِ الْمَاءِ وَلَا يُبَالُونَ بِالْوُضُوءِ مِنَ الْغُدْرَانِ وَمِنَ الْمِيَاهِ كُلِّهَا مَا لَمْ يَتَيَقَّنُوا نَجَاسَتَهَا حَتَّى تَوَضَّأَ عُمَرُ ﵁ مِنْ مَاءٍ في جرة نصرانية وكانوا يكتفون بالأرض والجبال عن الحبل فيفرشون الثياب المغسولة عليها فهذه بدعة إلا أنها بدعة حسنة وإنما البدعة المذمومة ما تضاد السنن الثابتة وأما ما يعين على الإحتياط في الدين فمستحسن وقد ذكرنا أحكام المبالغة في الطهارات في كتاب الطهارة وأن المتجرد لأمر الدين لا ينبغي أن يؤثر طريق الرخصة بل يحتاط في الطهارة ما لم يمنعه ذلك عن عمل أفضل منه وقيل كان الخواص من المتوكلين وكان لا يفارقه أربعة أشياء في السفر والحضر الركوة والحبل والإبرة بخيوطها والمقراض وكان يقول هذه ليست من الدنيا
أفضل منه وقيل كان الخواص من المتوكلين وكان لا يفارقه أربعة أشياء في السفر والحضر الركوة والحبل والإبرة بخيوطها والمقراض وكان يقول هذه ليست من الدنيا الحادي عشر فِي آدَابِ الرُّجُوعِ مِنَ السَّفَرِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنْ غزو أو حج أو عمرة أو غيره يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ وَيَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده (٥) وإذا أشرف على مدينته فليقل اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقاً حسناً ثم ليرسل الى أهله من يبشرهم بقدومه كيلا يقدم عليهم بغتة فيرى ما يكرهه ولا ينبغي له أن يطرقهم ليلا (٦) فقد ورد النهي عنه وَكَانَ ﷺ إِذَا قَدِمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَوَّلًا وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ البيت (٧) وإذا دخل قال توباً توباً لربنا أوبا أوبا لا يغادر علينا حوبا (٨)
ذَا قَدِمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَوَّلًا وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ البيت (٧) وإذا دخل قال توباً توباً لربنا أوبا أوبا لا يغادر علينا حوبا (٨)
وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ وَأَقَارِبِهِ تُحْفَةً مِنْ مَطْعُومٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى قَدْرِ إِمْكَانِهِ فهو سنة فقد روي أنه إن لم يجد شيئاً فليضع في مخلاته حجرا (١) وكأن هذا مبالغة في الإستحثاث على هذه المكرمة لأن الْأَعْيُنَ تَمْتَدُّ إِلَى الْقَادِمِ مِنَ السَّفَرِ وَالْقُلُوبُ تَفْرَحُ بِهِ فَيَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابُ فِي تَأْكِيدِ فَرَحِهِمْ وَإِظْهَارِ الْتِفَاتِ الْقَلْبِ فِي السَّفَرِ إِلَى ذِكْرِهِمْ بما يستصحبه في الطريق لهم فهذه جُمْلَةٌ مِنَ الْآدَابِ الظَّاهِرَةِ وَأَمَّا الْآدَابُ الْبَاطِنَةُ فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ بَيَانُ جُمْلَةٍ مِنْهَا وَجُمْلَتُهُ أَنْ لَا يُسَافِرَ إِلَّا إِذَا كَانَ زِيَادَةً دينه في السفر ومهما وجد قلبه متغيراً الى نقصان فيقف ولينصرف ولا ينبغي أن يجاوز همه منزله بل ينزل حيث ينزل قلبه وَيَنْوِي فِي دُخُولِ كُلِّ بَلْدَةٍ أَنْ يَرَى شيوخها ويجتهد أن يستفيد من كل واحد منهم أدباً أو كلمة لينتفع بها لا ليحكي ذلك ويظهر أنه لقى المشايخ ولا يقيم ببلدة أكثر من أسبوع أو عشرة أيام إلا أن يأمره الشيخ المقصود بذلك ولا يجالس في مدّة الإقامة إلا الفقراء الصادقين وإن كان قصده زيارة أخ فلا يزيد على ثلاثة أيام فهو حَدُّ الضِّيَافَةِ إِلَّا إِذَا شَقَّ عَلَى أَخِيهِ مفارقته وإذا قصد زيارة شيخ فلا يقيم عنده أكثر من يوم وليلة ولا يشغل نفسه بالعشرة فإن ذلك يقطع بركة سفره وكلما دخل بلداً لا يشتغل بشيء سوى زيارة الشيخ بزيارة منزله فإن كان في بيته فلا يدق عليه بابه ولا يستأذن عليه إلى أن يخرج فإذا خرج تقدم إليه بأدب فسلم عليه ولا يتكلم بين يديه إلا أن يسأله فإن سأله أجاب بقدر السؤال ولا يسأله عن مسألة ما لم يستأذن أولاً وإذا كان في السفر فلا يكثر ذكر أطعمة البلدان وأسخيائها ولا ذكر أصدقائه فيها وليذكر مشايخها وفقراءها ولا يهمل في سفره زيارة قبور الصالحين بل يتفقدها في كل قرية وبلدة
فر فلا يكثر ذكر أطعمة البلدان وأسخيائها ولا ذكر أصدقائه فيها وليذكر مشايخها وفقراءها ولا يهمل في سفره زيارة قبور الصالحين بل يتفقدها في كل قرية وبلدة ولا يظهر حاجته إلا بقدر الضرورة ومع من يقدر على إزالتها ويلازم في الطريق الذكر وقراءة القرآن بحيث لا يسمع غيره وإذا كلمه إنسان فليترك الذكر وليجبه ما دام يحدثه ثم ليرجع إلى ما كان عليه فإن تبرمت نفسه بالسفر أو بالإقامة فليخالفها فالبركة في مخالفة النفس وإذا تيسرت له خدمة قوم صالحين فلا ينبغي له أن يسافر تبرماً بالخدمة فذلك كفران نعمة ومهما وجد نفسه في نقصان عما كان عليه في الحضر فليعلم أن سفره معلول وليرجع إذ لو كان لحق لظهر أثره قال رجل لأبي عثمان المغربي خرج فلان مسافراً فقال السفر غربة والغربة ذلة وليس للمؤمن أن يذل نفسه وأشار به إلى أن من ليس له في السفر زيادة دين فقد أذل نفسه وإلا فعز الدين لا ينال إلا بذلة الغربة فليكن سفر المريد من وطن هواه ومراده وطبعه حتى يعز في هذه الغربة ولا يذل فإن من اتبع هواه في سفره ذل لا محالة إما عاجلاً وإما آجلاً الباب الثاني فيما لَا بُدَّ لِلْمُسَافِرِ مِنْ تَعَلُّمِهِ مِنْ رُخَصِ السفر وأدلة القبلة والأوقات اعْلَمْ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَحْتَاجُ فِي أَوَّلِ سَفَرِهِ الى أن يتزوّد لدنياه ولآخرته أما زَادُ الدُّنْيَا فَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ من نفقة فإن خرج متوكلاً مِنْ غَيْرِ زَادٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ فِي قَافِلَةٍ أَوْ بَيْنَ قُرًى مُتَّصِلَةٍ وَإِنْ رَكِبَ الْبَادِيَةَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ قَوْمٍ لَا طَعَامَ مَعَهُمْ وَلَا شَرَابَ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْبِرُ عَلَى الْجُوعِ أُسْبُوعًا أَوْ عشراً مثلاً أو يقدر على أن يَكْتَفِي بِالْحَشِيشِ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ له قوّة الصبر على الجوع ولا القدرة على الاجتزاء بالحشيش فخروجه منغير زَادٍ مَعْصِيَةٌ فَإِنَّهُ أَلْقَى نَفْسَهُ بِيَدِهِ إِلَى التهلكة ولهذا سر سيأتي في كتاب التوكل
وَلَيْسَ مَعْنَى التَّوَكُّلِ التَّبَاعُدُ عَنِ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ ولو كان كذلك لبطل التوكل بطلب الدلو والحبل ونزع الماء من البئر ولوجب أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يُسَخِّرَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا أَوْ شَخْصًا آخَرَ حَتَّى يَصُبَّ الْمَاءَ فِي فيه فإن كان حفظ الدلو والحبل لا يقدح في التوكل وهو آلة الوصول إلى المشروب فحمل عين المطعوم والمشروب حيث لا ينتظر له وجود أولى بأن لا يقدح فيه وستأتي حقيقة التوكل في موضعها فإنه يلتبس إلا على المحققين من علماء الدين وَأَمَّا زَادُ الْآخِرَةِ فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَحْتَاجُ إليه في طهارته وصومه وصلاته وعبادته فلا بد وأن يتزود منه إذ السفر تارة يخفف عنه أموراً فيحتاج الى معرفة القدر الذي يخففه السفر كالقصر والجمع والفطر وتارة يشدد عليه أموراً كان مستغنياً عنها في الحضر كالعلم بالقبلة وأوقات الصلوات فإنه في البلد يكتفي بغيره من محاريب المساجد وأذان المؤذنين وفي السفر قد يحتاج الى أن يتعرّف بنفسه فإذن ما يفتقر الى تعلمه ينقسم الى قسمين القسم الأول العلم برخص السفر والسفر يُفِيدُ فِي الطَّهَارَةِ رُخْصَتَيْنِ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ وَالتَّيَمُّمَ وَفِي صَلَاةِ الْفَرْضِ رُخْصَتَيْنِ الْقَصْرَ وَالْجَمْعَ وَفِي النفل رخصتين أداؤه على الراحلة وأداؤه مَاشِيًا وَفِي الصَّوْمِ رُخْصَةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْفِطَرُ فهذه سبع رخص الرخصة الأولى المسح على الخفين قال صفوان بن عسال أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كنا مسافرين أو سفر أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامِ وَلَيَالِيهِنَّ (١) فَكُلُّ مَنْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ مُبِيحَةٍ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفِّهِ مِنْ وَقْتِ حَدَثِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِنْ كان مقيماً ولكن بخمسة شروط الأول أن يكون اللبس بعد كمال الطهارة فلو غسل الرجل اليمنى وأدخلها في الخف ثم غسل اليسرى فأدخلها في الخف لم يجز له المسح عند الشافعي ﵀ حتى ينزع اليمنى ويعيد لبسه
ون اللبس بعد كمال الطهارة فلو غسل الرجل اليمنى وأدخلها في الخف ثم غسل اليسرى فأدخلها في الخف لم يجز له المسح عند الشافعي ﵀ حتى ينزع اليمنى ويعيد لبسه الثاني أن يكون الخف قوياً يمكن المشي فيه ويجوز المسح على الخف وإن لم يكن منعلاً إذ العادة جارية بالتردد فيه في المنازل لأن فيه قوة على الجملة بخلاف جورب الصوفية فإنه لا يجوز المسح عليه وكذا الجرموق الضعيف الثالث أن لا يكون في موضع فرض الغسل خرق فإن تخرق بحيث انكشف محل الفرض لم يجز المسح عليه وللشافعي قول قديم إنه يجوز ما دام يستمسك على الرجل وهو مذهب مالك ﵁ ولا بأس به لمسيس الحاجة إليه وتعذر الخرز في السفر في كل وقت والمداس المنسوج يجوز المسح عليه مهما كان ساترا لا تبدو بشرة القدم من خلاله وكذا المشقوق الذي يرد على محل الشق بشرج لأن الحاجة تمس الى جميع ذلك فلا يعتبر إلا أن يكون ساتراإلى ما فوق الكعبين كيفما كان فأما إذا ستر بعض ظهر القدم وستر الباقي باللفافة لم يجز المسح عليه الرابع أن لا ينزع الخف بعد المسح عليه فإن نزع فالأولى له استئناف الوضوء فإن اقتصر على غسل القدمين جاز الخامس أن يمسح على الموضع المحاذي لمحل فرض الغسل لا على الساق وأقله ما يسمى مسحاً على ظهر القدم
أولى له استئناف الوضوء فإن اقتصر على غسل القدمين جاز الخامس أن يمسح على الموضع المحاذي لمحل فرض الغسل لا على الساق وأقله ما يسمى مسحاً على ظهر القدم
من الخف وإذا مسح بثلاث أصابع أجزأه والأولى أن يخرج من شبهة الخلاف وأكمله أن يمسح أعلاه وأسفله دفعة واحدة من غير تكرار (١) كذلك فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووصفه أن يبل اليدين ويضع رءوس أصابع اليمنى من يده على رءوس أصابع اليمنى من رجله ويمسحه بأن يجر أصابعه الى جهة نفسه ويضع رءوس أصابع يده اليسرى على عقبه من أسفل الخف ويمرها الى رأس القدم ومهما مسح مقيماً ثم سافر أو مسافراً ثم أقام غلب حكم الإقامة فليقتصر على يوم وليلة وعدد الأيام الثلاثة محسوب من وقت حدثه بعد المسح على الخف فلو لبس الخف في الحضر ومسح في الحضر ثم خرج وأحدث في السفر وقت الزوال مثلاً مسح ثلاثة أيام ولياليهن من وقت الزوال الى الزوال من اليوم الرابع فإذا زالت الشمس من اليوم الرابع لم يكن له أن يصلي إلا بعد غسل الرجلين فيغسل رجليه ويعيد لبس الخف ويراعي وقت الحدث ويستأنف الحساب من وقت الحدث ولو أحدث بعد لبس الخف في الحضر ثم خرج بعد الحدث فله أن يمسح ثلاثة أيام لأن العادة قد تقتضي اللبس قبل الخروج ثم لا يمكن الاحتراز من الحدث فأما إذا مسح في الحضر ثم سافر اقتصر على مدة المقيمين ويستحب لكل من يريد لبس الخف في حضر أو سفر أن ينكس الخف وينفض ما فيه حذراً من حية أو عقرب أو شوكة فقد روي عن أبي أمامة أنه قال دعا رسول الله ﷺ بخفيه فلبس أحدهما فجاء غراب فاحتمل الآخر ثم رمى به فخرجت منه حية فقال ﷺ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما (٢) الرخصة الثانية التيمم بالتراب بدلا عن الماء عند العذر إنما يتعذر الماء بأن يكون بعيدا عن المنزل بعدا لَوْ مَشَى إِلَيْهِ لَمْ يَلْحَقْهُ غَوْثُ الْقَافِلَةِ إن صاح أو استغاث وهو البعد الذي لا يعتاده أهل المنزل في تردادهم لقضاء الحاجة التردد إليه وكذا إن نزل على الماء عدوّ أو سبع فيجوز التيمم وإن كان الماء قريباً
أو استغاث وهو البعد الذي لا يعتاده أهل المنزل في تردادهم لقضاء الحاجة التردد إليه وكذا إن نزل على الماء عدوّ أو سبع فيجوز التيمم وإن كان الماء قريباً وكذا إن احتاج إليه لعطشه في يومه أو بعد يومه لفقد الماء بين يديه فله التيمم وكذا إن احتاج إليه لعطش أحد رفقائه فلا يجوز له الوضوء ويلزمه بذله إما بثمن أو بغير ثمن ولو كان يحتاج إليه لطبخ مرقة أو لحم أو لبل فتيت يجمعه به لم يجز له التيمم بل عليه أن يجتزي بالفتيت اليابس ويترك تناول المرقة ومهما وهب له الماء وجب قبوله وإن وهب له ثمنه لم يجب قبوله لما فيه من المنة وإن بيع بثمن المثل لزمه الشراء وإن بيع بغبن لم يلزمه فإذا لم يكن معه ماء وأراد أن يتيمم فأول ما يلزمه طلب الماء مهما جوّز الوصول إليه بالطلب وذلك بالتردد حوالي المنزل وتفتيش الرحل وطلب البقايا من الأواني والمطاهر فإن نسي الماء في رحله أو نسي بئراً بالقرب منه لزمه إعادة الصلاة لتقصيره في الطلب وإن علم أنه سيجد الماء في آخر الوقت فالأولى أن يصلي بالتيمم في أول الوقت فإن العمر لا يوثق به وأول الوقت رضوان الله تيمم ابن عمر ﵄ فقيل له أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك فقال أو أبقى الى أن أدخلها ومهما وجد الماء بعد الشروع في الصلاة لم تبطل صلاته ولم يلزمه الوضوء وإذا وجده قبل الشروع في الصلاة لزمه الوضوء ومهما طلب فلم يجد فليقصد صعيداً طيباً عليه تراب يثور منه غبار وليضرب عليه كفيه بعد ضم أصابعهما
ضربة فيمسح بها وجهه ويضرب ضربة أخرى بعد نزع الخاتم ويفرج الأصابع ويمسح بها يديه الى مرفقيه فإن لم يستوعب بضربة واحدة جميع يديه ضرب ضربة أخرى وكيفية التلطف فيه ما ذكرناه في كتاب الطهارة فلا نعيده ثم اذا صلى به فريضة واحدة فله ان يتنفل ما شاء بذلك التيمم وان اراد الجمع بين فريضتين فعليه أن يعيد التيمم للصلاة الثانية فلا يصلى فريضتين الا بتيممين ولا ينبغي ان يتيمم لصلاة قبل دخول وقتها فإن فعل وجب عليه اعادة التيمم ولينو عند مسح الوجه استباحة الصلاة ولو وجد من الماء ما يكفيه لبعض طهارته فيستعمله ثم ليتيمم بعده تيمما تاما الرخصة الثالثة في الصلاة المفروضة القصر وله أَنْ يَقْتَصِرَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الظُّهْرِ والعصر والعشاء على ركعتين ولكن بشروط ثلاثة الأول أن يؤديها في أوقاتها فلو صارت قضاء فالأظهر لزوم الاتمام الثاني أى ينوي القصر فلو نوى الإتمام لزمه الإتمام ولو شك في أنه نوى القصر أو الإتمام لزمه الإتمام الثالث أي لا يقتدي بمقيم ولا بمسافر متم فإن فعل لزمه الإتمام بل إن شك في ان إمامه مقيم أو مسافر لزمه الإتمام وان تيقن بعده أنه مسافر لان شعار المسافر لا تخفى فليكن متحققا عند النية وان شك في أن إمامه هل نوى القصر أم لا بعد أن عرف أنه مسافر لم يضره ذلك لان النيات لا يطلع عليها وهذا كله إذا كان في سفر طويل مباح وحد السفر من جهة البداية والنهاية فيه إشكال فلا بد من معرفته والسفر هو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بمقصد معلوم فالهائم وراكب التعاسيف ليس له الترخص وهو الذي لا يقصد موضعا معينا ولا يصير مسافرا ما لم يفارق عمران البلد ولا يشترط أن يجاوز خراب البلدة وبساتينها التى يخرج أهل البلدة إليها للتنزه وأما القرية فالمسافر منها ينبغي أن يجاوز البساتين المحوطة دون التى ليست بمحوطة ولو رجع المسافر إلى البلد لأخذ شىء نسيه لم يترخص إن كان ذلك وطنه ما لم يجاوز العمران وإن لم يكن ذلك هو الوطن فله الترخص إذ صار مسافرا بالانزعاج والخروج منه وأما نهاية السفر فبأحد أمور ثلاثة الاول الوصول إلى العمران من البلد الذي عزم على الإقامة به
ك هو الوطن فله الترخص إذ صار مسافرا بالانزعاج والخروج منه وأما نهاية السفر فبأحد أمور ثلاثة الاول الوصول إلى العمران من البلد الذي عزم على الإقامة به الثاني العزم على الإقامة ثلاثة أيام فصاعدا إما في بلد أو في صحراء الثالث صورة الاقامة وأن لم يعزم كما إذا أقام على موضع واحد ثلاثة أيام سوى يوم الدخول لم يكن له الترخص بعده وإن لم يعزم على الإقامة وكان له شغل وهو يتوقع كل يوم إنجازه ولكنه يتعوق عليه ويتاخر فله أن يترخص وإن طالت المدة على أقيس القولين لأنه منزعج بلقبه ومسافر عن الوطن بصورته ولا مبالاة بصورة الثبوت على موضع واحد مع انزعاج القلب ولا فرق بين أن يكون هذا الشغل قتالا أو غيره ولا بين أن تطول المدة أو تقصر ولا بين أن يتأخر الخروج لمطر لا يعلم بقاؤه ثلاثة أيام أو لغيره إذ ترخص رسول الله ﷺ فقصر فى بعض الغزوات ثمانية عشر يوما على موضع واحد (١) وظاهر الأمر أنه لو تمادى القتال لتمادى ترخصه إذ لا معنى للتقدير بثمانية عشر يوما والظاهر أن قصره كان لكونه مسافرا لا لكونه غازيا مقاتلا هذا معنى القصر وأما معنى التطويل فهو أن يكون مرحلتين كل مرحلة ثمانية فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال وكل ميل
قصره كان لكونه مسافرا لا لكونه غازيا مقاتلا هذا معنى القصر وأما معنى التطويل فهو أن يكون مرحلتين كل مرحلة ثمانية فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال وكل ميل
أربعة آلاف خطوة وكل خطوة ثلاثة أقدام ومعنى المباح أن لا يكون عاقا لوالديه هاربا منهما ولا هاربا من مالكه ولا تكون المرأة هاربة من زوجها ولا أن يكون من عليه الدين هاربا من المستحق مع اليسار ولا يكون متوجها في قطع طريق إو قتل إنسان أو طلب إدرار حرام من سلطان ظالم أو سعى بالفساد بين المسلمين وبالجملة فلا يسافر الإنسان إلا فى غرض والغرض هو المحرك فإن كان تحصيل ذلك الغرض حراما ولولا ذلك الغرض لكان لا ينبعث لسفره فسفره معصية ولا يجوز فيه الترخص واما الفسق في السفر بشرب الخمر وغيره فلا يمنع الرخصة بل كل سفر ينهى الشرع عنه فلا يعين عليه بالرخصة ولو كان له باعثان أحدهما مباح والاخر محظور وكان بحيث لو لم يكن الباعث له المحظور لكان المباح مستقلا بتحريكه ولكان لا محالة يسافر لأجله فله الترخص والمتصوفة الطوافون في البلاد من غير غرض صحيح سوى التفرج لمشاهدة البقاع المختلفة في ترخصهم خلاف والمختار أن لهم الترخص الرخصة الرابعة الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتَيْهِمَا وَبَيْنَ المغرب والعشاء في وقتيهما فذلك أيضا جائز فِي كُلِّ سَفَرٍ طَوِيلٍ مُبَاحٌ وَفِي جَوَازِهِ في السفر القصير قولان ثُمَّ إِنْ قَدَّمَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ فَلْيَنْوِ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتَيْهِمَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنَ الظُّهْرِ وَلْيُؤَذِّنْ لِلظُّهْرِ وَلْيُقِمْ وَعِنْدَ الفراغ يقيم للعصر ويجدد التيمم أولا ان كان فرضه التيمم ولا يفرق بينهما بأكثر من تيمم واقامة فان قدم العصر لم يجز وان نوى الجمع عند التحرم بصلاة العصر جاز عند المزنى وله وجه فى القياس إذ لا مستند لا لايجاب تقديم النية بل الشرع جوز الجمع وهذا جمع وإنما الرخصة فى العصر فتكفى النية فيها وأما الظهر فجار على القانون
نى وله وجه فى القياس إذ لا مستند لا لايجاب تقديم النية بل الشرع جوز الجمع وهذا جمع وإنما الرخصة فى العصر فتكفى النية فيها وأما الظهر فجار على القانون ثم إذا فرغ من الصلاتين فينبغي أن يجمع بين سنن الصلاتين أما العصر فلا سنة بعدها ولكن السنة التى بعد الظهر يصليها بعد الفراغ من العصر إما راكبا أو مقيما لأنه لو صلى راتبة الظهر قبل العصر لانقطعت الموالاة وهي واجبة على وجه ولو أراد أن يقيم الأربع المسنونة قبل الظهر والأربع المسنونة قبل العصر فليجمع بينهن قبل الفريضتين فيصلى سنة الظهر أولا ثم سنة العصر ثم فريضة الظهر ثم فريضة العصر ثم سنة الظهر الركعتان اللتان هما بعد الفرض ولا ينبغي أن يهمل النوافل فى السفر فما يفوته من أبوابها أكثر مما يناله من الربح لا سيما وقد خفف الشرع عليه وجوز له أداءها عَلَى الرَّاحِلَةِ كَيْ لَا يَتَعَوَّقَ عَنِ الرُّفْقَةِ بسببها وَإِنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى الْعَصْرِ فَيَجْرِي عَلَى هذا الترتيب ولا يبالي بوقوع راتبة الظهر بعد العصر فى الوقت المكروه لأن ما له سبب لا يكره فى هذا الوقت وكذلك يفعل في المغرب والعشاء والوتر وإذا قدم أو أخر فبعد الفراغ من الفرض يشتغل بجميع الرواتب ويختم الجميع بالوتر وإن خطر له ذكر الظهر قبل خروج وقته فليعزم على أدائه مع العصر جميعا فهو نية الجمع لأنه إنما يخلو عن هذه النية إما بنية الترك أو بنية التأخير عن وقت العصر وذلك حرام والعزم عليه حرام وإن لم يتذكر الظهر حتى خرج وقته إما لنوم أو لشغل فله أن يؤدى الظهر مع العصر ولا يكون عاصيا لأن السفر كما يشغل عن فعل الصلاة فقد يشغل عن ذكرها ويحتمل أن يقال إن الظهر إنما تقع أداء إذا عزم على فعلها قبل خروج وقتها ولكن الأظهر أن وقت الظهر والعصر صار مشتركا فى السفر بين الصلاتين ولذلك يجب على الحائض قضاء الظهر إذا طهرت قبل الغروب ولذلك ينقدح أن لا تشترط الموالاة ولا الترتيب بين الظهر والعصر عند تأخير الظهر أما إذا قدم العصر على الظهر لم يجز لأن ما بعد الفراغ من الظهر هو الذى جعل وقتا للعصر إذ يبعد أن يشتغل بالعصر من هو عازم على ترك الظهر أو على تأخيره
ر أما إذا قدم العصر على الظهر لم يجز لأن ما بعد الفراغ من الظهر هو الذى جعل وقتا للعصر إذ يبعد أن يشتغل بالعصر من هو عازم على ترك الظهر أو على تأخيره وعذر المطر مجوز للجمع كعذر السفر وترك الجمعة أيضا من رخص السفر وهي متعلقة أيضا بفرائض الصلوات ولو نوى
الإقامة بعد أن صلى العصر فأدرك وقت العصر في الحضر فعليه أداء العصر وما مضى إنما كان مجزئا بشرط أن يبقى العذر إلى خروج وقت العصر الرخصة الخامسة التنفل راكبا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ دَابَّتُهُ (١) وأوتر رسول الله ﷺ على الرَّاحِلَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَنَفِّلِ الرَّاكِبِ فِي الرُّكُوعِ والسجود إلا الايماء وينبغي أن يجعل سجوده أخفض من ركوعه ولا يلزمه الانحناء إلى حد يتعرض به لخطر بسبب الدابة فإن كان في مرقد فليتم الركوع والسجود فإنه قادر عليه وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلَا يَجِبُ لَا فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَلَا فِي دَوَامِهَا وَلَكِنْ صَوْبُ الطريق يدل عَنِ الْقِبْلَةِ فَلْيَكُنْ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ إِمَّا مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ أَوْ مُتَوَجِّهًا فِي صَوْبِ الطَّرِيقِ لتكون له جهة يثبت فيها فلو حرف دابته عن الطريق قصدا بطلت صلاته إلا إذا حرفها إلى القبلة ولو حرفها ناسيا وقصر الزمان لم تبطل صلاته وإن طال ففيه خلاف وإن جمحت به الدابة فانحرفت لم تبطل صلاته لأن ذلك مما يكثر وقوعه وليس عليه سجود سهو إذ الجماح غير منسوب إليه بخلاف ما لو حرف ناسيا فإنه يسجد للسهو بالايماء الرخصة السادسة التنفل للماشى جائز في السفر ويومئ بالركوع والسجود ولا يقعد للتشهد لأن ذلك يبطل فائدة الرخصة وَحُكْمُهُ حُكْمُ الرَّاكِبِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّمَ بالصلاة مستقبلا للقبلة لأن الانحراف في لحظة لا عسر عليه فيه بخلاف الراكب فان في تحريف الدابة وإن كان العنان بيده نوع عسر وربما تكثر الصلاة فيطول عليه ذلك ولا ينبغي أن يمشى في نجاسة رطبة عمدا فإن فعل بطلت صلاته بخلاف ما لو وطئت دابة الراكب نجاسة وليس عليه أن يشوش المشي على نفسه بالاحتراز من النجاسات التي لا تخلو الطريق عنها غالبا وَكُلُّ هَارِبٍ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ رَاكِبًا أَوْ ماشيا كما ذكرناه في التنفل الرخصة السابعة الفطر وهو في الصوم فللمسافر أن يفطر إلا إذا أصبح مقيما ثم سافر فعليه إتمام ذلك اليوم
َرِيضَةَ رَاكِبًا أَوْ ماشيا كما ذكرناه في التنفل الرخصة السابعة الفطر وهو في الصوم فللمسافر أن يفطر إلا إذا أصبح مقيما ثم سافر فعليه إتمام ذلك اليوم وإن أصبح مسافرا صائما ثم أقام فعليه الإتمام وإن أقام مفطر فليس عليه الإمساك بقية النهار وإن أصبح مسافرا على عزم الصوم لم يلزمه بل له أن يفطر إذا أراد والصوم أفضل من الفطر والقصر أفضل من الإتمام للخروج عن شبهة الخلاف ولأنه ليس فى عهدة القضاء بخلاف المفطر فإنه في عهدة القضاء وربما يتعذر عليه ذلك بعائق فيبقى في ذمته إلا إذا كان الصوم يضر به فالإفطار أفضل فهذه سبع رخص تتعلق ثلاث منها بالسفر الطويل وهى القصر والفطر والمسح ثلاثة أيام وتتعلق اثنتان منها بالسفر طويلا كان أو قصيرا وهما سقوط الجمعة وسقوط القضاء عند أداء الصلاة بالتيمم وأما صلاة النافلة ماشيا وراكبا ففيه خلاف والأصح جوازه في القصير والجمع بين الصلاتين فيه خلاف والأظهر اختصاصه بالطويل وأما صلاة الفرض راكبا وماشيا للخوف فلا تتعلق بالسفر وكذا أكل الميتة وكذا أداء الصلاة في الحال بالتيمم عند فقد الماء بل يشترك فيها الحضر والسفر مهما وجدت أسبابها فإن قلت فالعلم بهذه الرخص هل يجب على المسافر تعلمه قبل السفر أم يستحب له ذلك فاعلم أنه إن كان عازماً على ترك المسح والقصر والجمع والفطر وترك التنفل راكباً وماشياً لم يلزمه علم شروط الترخص في ذلك لآن الترخص ليس بواجب عليه وأما علم رخصة التيمم فيلزمه لآن فقد الماء ليس إليه إلا أن يسافر على شاطىء نهر
كباً وماشياً لم يلزمه علم شروط الترخص في ذلك لآن الترخص ليس بواجب عليه وأما علم رخصة التيمم فيلزمه لآن فقد الماء ليس إليه إلا أن يسافر على شاطىء نهر
يوثق ببقاء مائه أو يكون معه في الطريق عالم يقدر على استفتائه عند الحاجة فله أن يؤخر إلى وقت الحاجة إما إذا كان يظن عدم الماء ولم يكن معه فيلزمه التعلم لا محالة فإن قلت التيمم يحتاج إليه لصلاة لم يدخل بعد وقتها فكيف يجب علم الطهارة لصلاة بعد لم تجب وربما لا تجب فأقول من بينه وبين الكعبة مسافة لا تقطع إلا في سنة فيلزمه قبل أشهر الحج إبتداء السفر ويلزمه تعلم المناسك لا محالة إذا كان يظن أنه لا يجد في الطريق من يتعلم منه لأن الأصل الحياة واستمرارها وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب وكل ما يتوقع وجوبه توقعا ظاهرا على الظن وله شرط لا يتوصل إليه إلا بتقديم ذلك الشرط على وقت الوجوب فيحب تقديم تعلم الشرط لا محالة كعلم المناسك قبل وقت الحج وقبل مباشرته فلا يحل إذن للمسافر أن ينشىء السفر ما لم يتعلم هذا القدر من علم التيمم وإن كان عازما على سائر الرخص فعليه أن يتعلم أيضا القدر الذي ذكرناه من علم التيمم وسائر الرخص فإنه إذا لم يعلم القدر الجائز لرخصة السفر لم يمكنه الاقتصار عليه فإن قلت إنه إن لم يتعلم كيفية التنفل راكبا وماشيا ماذا يضره وغايته إن صلى أن تكون صلاته فاسدة وهي غير واجبة فكيف يكون علمها واجباً فأقول من الواجب أن لا يصلى النفل على نعت الفساد فالتنفل مع الحدث والنجاسة وإلى غير القبلة ومن غير إتمام شروط الصلاة وأركانها حرام فعليه أن يتعلم ما يحترز به عن النافلة الفاسدة حذراً عن الوقوع في المحظورات فهذا بيان علم ما خفف عن المسافر في سفره القسم الثاني ما يتجدد من الوظيفة بسبب السفر وهو علم القبلة والأوقات وذلك أيضا واجب في الحضر ولكن في الحضر من يكفيه من محراب متفق عليه يغنيه عن طلب القبلة ومؤذن يراعي الوقت فيغنيه عن طلب علم الوقت والمسافر قد تشتبه عليه القبلة وقد يلتبس عليه الوقت فلا بد له من العلم بأدلة القبلة والمواقيت أما أدلة القبلة فهي ثلاثة أقسام أرضية كالاستدلال بالجبال والقرى والأنهار
ه عليه القبلة وقد يلتبس عليه الوقت فلا بد له من العلم بأدلة القبلة والمواقيت أما أدلة القبلة فهي ثلاثة أقسام أرضية كالاستدلال بالجبال والقرى والأنهار وهوائية كالاستدلال بالرياح شمالها وجنوبها وصباها ودبورها وسماوية وهي النجوم فأما الأرضية والهوائية فتخلف باختلاف البلاد فرب طريق فيه جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو ورائه أو قدامه فليعلم ذلك وليفهمه وكذلك الرياح قد تدل في بعض البلاد فليفهم ذلك ولسنا نقدر على استقصاء ذلك إذ لكل بلد وإقليم حكم آخر وأما السماوية فأدلتها تنقسم إلى نهارية وإلى ليلية أما النهارية فالشمس فلا بد أن يراعى قبل الخروج من البلد أن الشمس عند الزوال أين تقع منه أهي بين الحاجبين او على العين اليمنى او اليسرى أو تميل إلى الجبين ميلاأكثر من ذلك فإن الشمس لا تعدو في البلاد الشمالية هذه المواقع فإذا حفظ ذلك فمهما عرف الزوال بدليله الذي سنذكره عرف القبلة به وكذلك يراعي مواقع الشمس منه وقت العصر فإنه في هذين الوقتين يحتاج إلى القبلة بالضرورة وهذا أيضا لما كان يختلف بالبلاد فليس يمكن إستقصاؤه وأما القبلة وقت المغرب فإنها تدرك بموضع الغروب وذلك بأن يحفظ أن الشمس تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه وبالشفق أيضا تعرف القبلة للعشاء الأخيرة
وبمشرق الشمس تعرف القبلة لصلاة الصبح فكأن الشمس تدل على القبلة في الصلوات الخمس ولكن يختلف ذلك بالشتاء والصيف فإن المشارق والمغارب كثيرة وإن كانت محصورة في جهتين فلا بد من تعلم ذلك أيضا ولكن قد يصلى المغرب والعشاء بعد غيبوبة الشفق فلا يمكنه أن يستدل على القبلة به فعليه أن يراعي موضع القطب وهو الكوكب الذي يقال له الجدى فإنه كوكب كالثابت لا تظهر حركته عن موضعه وذلك إما أن يكون على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن من ظهره أو منكبه الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية كاليمن وما والاها فيقع فى مقابلة المستقبل فيتعلم ذلك وما عرفه في بلده فليعول عليه في الطريق كله إلا إذا طال السفر فإن المسافة إذ بعدت اختلف موقع الشمس وموقع القطب وموقع المشارق والمغارب إلا أن ينتهي في أثناء سفره إلى بلاد فينبغي أن يسأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو مستقبل محراب جامع البلد حتى يتضح له ذلك فمهما تعلم هذه الأدلة فله أن يعول عليها فإن بان له أنه أخطأ من جهة القبلة إلى جهة أخرى من الجهات الأربع فينبغي أن يقضي وإن انحرف عن حقيقة محاذاة القبلة ولكن لم يخرج عن جهتها لم يلزمه القضاء وقد أورد الفقهاء خلافا في أن المطلوب جهة الكعبة أو عينها وأشكل معنى ذلك على قوم إذ قالوا إن قلنا إن المطلوب العين فمتى يتصور هذا مع بعد الديار وإن قلنا إن المطلوب الجهة فالواقف في المسجد إن استقبل جهة الكعبة وهو خارج ببدنه عن موازاة الكعبة لا خلاف في أنه لا تصح صلاته وقد طولوا في تأويل معنى الخلاف في الجهة والعين ولا بد أولا من فهم معنى مقابلة العين ومقابلة الجهة فمعنى مقابلة العين أن يقف موقفا لو خرج خط مستقيم من بين عينيه إلى جدار الكعبة لا تصل به وحصل من جانبي الخط زاويتان متساويتان وهذه صورته والخط الخارج من موقف المصلى يقدر أنه خارج من بين عينيه فهذه صورة مقابلة العين وأما مقابلة الجهة فيجوز فيها أن يتصل طرف الخط الخارجي من بين العينين إلى الكعبة من غير أن يتساوى الزاويتان عن جهتى الخط بل لا يتساوى الزاويتان إلا إذا انتهى الخط إلى نقطة معينة هي واحدة
طرف الخط الخارجي من بين العينين إلى الكعبة من غير أن يتساوى الزاويتان عن جهتى الخط بل لا يتساوى الزاويتان إلا إذا انتهى الخط إلى نقطة معينة هي واحدة فلو مد هذا الخط على الاستقامة إلى سائر النقط من يمينها أو شمالها كانت إحدى الزاويتان أضيق فيخرج عن مقابلة العين ولكن لا يخرج عن مقابلة الجهة كالخط الذي كتبنا عليه مقابلة الجهة فإنه لو قدر الكعبة على طرف ذلك الخط لكان الواقف مستقبلا لجهة الكعبة لا لعينها وحد تلك الجهة ما يقع بين خطين يتوهمهما الواقف مستقبلا لجهة خارجين من العينين فيلتقي طرفاهما في داخل الرأس بين العينين على زاوية قائمة فما يقع بين الخطين الخارجين من العينين فهو داخل في الجهة وسعة ما بين الخطين تتزايد بطول الخطين وبالبعد عن الكعبة وهذه صورته
عليه السلام فإذا فهم معنى العين والجهة فأقول الذى يصح عندنا في الفتوى أن المطلوب العين إن كانت الكعبة مما يمكن رؤيتها وإن كان يحتاج إلى الاستدلال عليها لتعذر رؤيتها فيكفي استقبال الجهة فأما طلب العين عند المشاهدة فمجمع عليه وأما الاكتفاء بالجهة عند تعذر المعاينة فيدل عليه الكتاب والسنة وفعل الصحابة ﵃ والقياس أما الكتاب فقوله تعالى وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره أي نحوه ومن قابل جهة الكعبة يقال قد ولى وجهه شطرها وأما السنة فما روي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال لأهل المدينة ما بين المغرب والمشرق قبلة (١) والمغرب يقع على يمين أهل المدينة والمشرق على يسارهم فجعل رسول الله ﷺ جميع ما يقع بينهما قبلة ومساحة الكعبة لا تفي بما بين المشرق والمغرب وإنما يفى بذلك جهتها وروى هذا اللفظ أيضا عن عمر وابنه رضى الله عنهما وأما فعل الصحابة ﵃ فما روى أن مسجد قباء كانوا فى صلاة الصبح بالمدينة مستقبلين لبيت المقدس مستدبرين الكعبة لأن المدينة بينهما فقيل لهم الآن قد حولت القبلة إلى الكعبة فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة (٢) ولم ينكر عليهم
لبيت المقدس مستدبرين الكعبة لأن المدينة بينهما فقيل لهم الآن قد حولت القبلة إلى الكعبة فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة (٢) ولم ينكر عليهم وسمي مسجدهم ذا القبلتين ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لا تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها فكيف أدركوا ذلك على البديهة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ويدل أيضا من فعلهم أنهم بنوا المساجد حوالي مكة وفي سائر بلاد الإسلام ولم يحضروا قط مهندسا عند تسوية المحاريب ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق النظر الهندسي وأما القياس فهو أن الحاجة تمس إلى الاستقبال وبناء المساجد في جميع أقطار الأرض ولا يمكن مقابلة العين إلا بعلوم هندسية لم يرد الشرع بالنظر فيها بل ربما يزجر عن التعمق في علمها فكيف ينبنى أمر الشرع عليها فيجب الاكتفاء بالجهة للضرورة وأما دليل صحة الصورة التى صورناها وهو حصر جهات العالم في أربع جهات فقوله ﷺ فى آداب قضاء الحاجة لا تستقبلوا بها القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا (٣) وقال هذا بالمدينة والمشرق على يسار المستقبل بها والمغرب على يمينه فنهى عن جهتين ورخص فى جهتين ومجموع ذلك أربع جهات ولم يخطر ببال أحد أن جهات العالم يمكن أن تفرض في ست أو سبع أو عشر وكيفما كان فما حكم الباقي بل الجهات تثبت في الاعتقادات بناء على خلقه الإنسان وليس له إلا أربع جهات قدام وخلف ويمين وشمال فكانت الجهات بالإضافة الى الإنسان في ظاهر النظر أربعاً والشرع لا يبنى إلا على مثل هذه الإعتقادات فظهر أن المطلوب الجهة وذلك يسهل أمر الإجتهاد فيها وتعلم به أداة القبلة فأما مقابلة العين فإنها تعرف بمعرفة مقدار عرض مكة عن خط الإستواء ومقدار درجات طولها وهو بعدها عن أول عمارة في المشرق ثم يعرف ذلك أيضاً في موقف المصلي ثم يقابل أحدهما بالآخر ويحتاج فيه الى آلات وأسباب طويلة والشرع غير مبني عليها قطعاً فإذن القدر الذي
عليه السلام لا بد من تعلمه من أدلة القبلة موقع المشرق والمغرب في الزوال وموقع الشمس وقت العصر فبهذا يسقط الوجوب فإن قلت فلو خرج المسافر من غير تعلم ذلك هل يعصى فأقول إن كان طريقه على قرى متصلة فيها محاريب أو كان معه في الطريق بصير بأدلة القبلة موثوق بعدالته وبصيرته ويقدر على تقليده فلا يعصى وإن لم يكن معه شيء من ذلك عصى لأنه سيتعرض لوجوب الاستقبال ولم يكن قد حصل علمه فصار ذلك كعلم التيمم وغيره فإن تعلم هذه الأدلة واستبهم عليه الأمر بغيم مظلم أو ترك التعلم ولم يجد في الطريق من يقلده فعليه أن يصلي في الوقت على حسب حاله ثم عليه القضاء سواء أصاب أم أخطأ والأعمى ليس له إلا التقليد فليقلد من يوثق بدينه وبصيرته إن كان مقلده مجتهداً في القبلة وإن كانت القبلة ظاهرة فله اعتماد قول كل عدل يخبره بذلك في حضر أو سفر وليس للأعمى ولا للجاهل أن يسافر في قافلة ليس فيها من يعرف أدلة القبلة حيث يحتاج الى الإستدلال كما ليس للعامي أن يقيم ببلدة ليس فيها فقيه عالم بتفصيل الشرع بل يلزمه الهجرة الى حيث يجد من يعلمه دينه وكذا إن لم يكن في البلد إلا فقيه فاسق فعليه الهجرة أيضاً إذ لا يجوز له اعتماد فتوى الفاسق بل العدالة شرط لجواز قبول الفتوى كما في الرواية وإن كان معروفاً بالفقه مستور الحال في العدالة والفسق فله القبول مهما لم يجد من له عدالة ظاهرة لأن المسافر في البلاد لا يقدر أن يبحث عن عدالة المفتين فإن رآه لابساً للحرير أو ما يغلب عليه الإبريسم أو راكباً لفرس عليه مركب ذهب فقد ظهر فسقه وامتنع عليه قبول قوله فليطلب غيره وكذلك إذا رآه يأكل على مائدة سلطان أغلب ماله حرام أو يأخذ منه إدراراً أو صلة من غير أن يعلم أن الذي يأخذه من وجه حلال فكل ذلك فسق يقدح في العدالة ويمنع من قبول الفتوى والرواية والشهادة وأما معرفة أوقات الصلوات الخمس فلا بد منها فوقت الظهر يدخل بالزوال فإن كل شخص لا بد أن يقع له في ابتداء النهار ظل مستطيل في جانب المغرب ثم لا يزال ينقص إلى وقت الزوال ثم يأخذ في الزيادة في جهة المشرق ولا يزال يزيد الى الغروب
خص لا بد أن يقع له في ابتداء النهار ظل مستطيل في جانب المغرب ثم لا يزال ينقص إلى وقت الزوال ثم يأخذ في الزيادة في جهة المشرق ولا يزال يزيد الى الغروب فليقم المسافر في موضع أو لينصب عوداً مستقيماً وليعلم على رأس الظل ثم لينظر بعد ساعة فإن رآه في النقصان فلم يدخل بعد وقت الظهر وطريقه في معرفة ذلك أن ينظر في البلد وقت آذان المؤذن المعتمد ظل قامته فإن كان مثلا ثلاثة أقدام بقدمه فمهما صار كذلك في السفر وأخذ في الزيادة صلى فإن زاد عليه ستة أقدام ونصفا بقدمه دخل وقت العصر إذ ظل كل شخص بقدمه ستة أقدام ونصف بالتقريب ثم ظل الزوال يزيد كل يوم إن كان سفره من أوّل الصيف وإن كان من أول الشتاء فينقص كل يوم وأحسن ما يعرف به ظل الزوال الميزان فليستصحبه المسافر وليتعلم اختلاف الظل به في كل وقت وإن عرف موقع الشمس من مستقبل القبلة وقت الزوال وكان في السفر في موضع ظهرت القبلة فيه بدليل آخر فيمكنه أن يعرف الوقت بالشمس بأن تصير بين عينيه مثلاً إن كانت كذلك في البلد وأما وقت المغرب فيدخل بالغروب ولكن قد تحجب الجبال المغرب عنه فينبغي أن ينظر الى جانب المشرق فمهما ظهر سواد في الأفق مرتفع من الأرض قدر رمح فقد دخل وقت المغرب وأما العشاء فيعرف بغيبوبة الشفق وهو الحمرة فإن كانت محجوبة عنه بجبال فيعرفه بظهور والكواكب الصغار وكثرتها فإن ذلك يكون بعد غيبوبة الحمرة وأما الصبح فيبدو في الأول مستطيلاً كذنب السرحان فلا يحكم به الى أن ينقضي زمان ثم يظهر بياض
ور والكواكب الصغار وكثرتها فإن ذلك يكون بعد غيبوبة الحمرة وأما الصبح فيبدو في الأول مستطيلاً كذنب السرحان فلا يحكم به الى أن ينقضي زمان ثم يظهر بياض
معترض لا يعسر إدراكه بالعين لظهوره فهذا أول الوقت قال ﷺ ليس الصبح هكذا وجمع بين كفيه وإنما الصبح هكذا ووضع أحدى سبابتيه على الأخرى وفتحهما (١) وأشار به الى انه معترض وقد يستدل عليه بالمنازل وذلك تقريب لا تحقيق فيه بل الإعتماد على مشاهدة انتشار البياض عرضاً لأن قوماً ظنوا أن الصبح يطلع قبل الشمس بأربع منازل وهذا خطأ لأن ذلك هو الفجر الكاذب والذي ذكره المحققون أنه يتقدم على الشمس بمنزلتين وهذا تقريب ولكن لا اعتماد عليه فإن بعض المنازل تطلع معترضة منحرفة فيقصر زمان طلوعها وبعضها منتصبة فيطول زمان طلوعها ويختلف ذلك في البلد اختلافاً يطول ذكره نعم تصلح المنازل لأن يعلم بها قرب وقت الصبح وبعده فأما حقيقة أول الصبح فلا يمكن ضبطه بمنزلتين أصلاً وعلى الجملة فإذا بقيت أربع منازل الى طلوع قرن الشمس بمقدار منزلة يتيقن أنه الصبح الكاذب وإذا بقي قريب من منزلتين يتحقق طلوع الصبح الصادق ويبقى بين الصبحين قدر ثلثي منزلة بالتقريب يشك فيه أنه من وقت الصبح الصادق أو الكاذب وهو مبدأ ظهور البياض وانتشاره قبل اتساع عرضه فمن وقت الشك ينبغي أن يترك الصائم السحور ويقدم القائم الوتر عليه ولا يصلي صلاة الصبح حتى تنقضي مدة الشك فإذا تحقق صلى ولو أراد مريد أن يقدّر على التحقيق وقتاً معيناً يشرب فيه متسحرا ويقوم عقبيه ويصلي الصبح متصلاً به لم يقدر على ذلك فليس معرفة ذلك في قوة البشر أصلاً بل لا بد من مهلة للتوقف والشك ولا اعتماد إلا على العيان ولا اعتماد في العيان إلا على أن يصير الضوء منشرا في العرض حتى تبدو مبادي الصفرة وقد غلط في هذا جمع من الناس كثير يصلون قبل الوقت ويدل عليه ما روي ابو عيسى الترمذي في جامعه باسناده عن طلق بن علي أن رسول الله ﷺ قال كلوا واشربوا ولا يهيبنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر (٢) وهذا صريح في رعاية الحمرة
امعه باسناده عن طلق بن علي أن رسول الله ﷺ قال كلوا واشربوا ولا يهيبنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر (٢) وهذا صريح في رعاية الحمرة قال أبو عيسى وفي الباب عن عدي بن حاتم وأبي ذرّ وسمرة بن جندب وهو حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم وقال ابن عباس ﵄ كلوا واشربوا ما دام الضوء ساطعاً قال صاحب الغريبين أي مستطيلا فإذاً لا ينبغي أن يعوّل إلا على ظهور الصفرة وكأنها مبادي الحمرة وإنما يحتاج المسافر الى معرفة الأوقات لأنه قد يبادر بالصلاة قبل الرحيل حتى لا يشق عليه النزول أو قبل النوم حتى يستريح فإن وطن نفسه على تأخير الصلاة الى أن يتيقن فتسمح نفسه بفوات فضيلة أول الوقت ويتجشم كلفة النزول وكلفة تأخير النوم الى التيقن استغنى عن تعلم علم الأوقات فإن المشكل أوائل الأوقات لا أوساطها
كتاب آداب السماع والوجد وهو الكتاب الثامن من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين ﷽ الحمد لله الذي أحرق قلوب أوليائه بنار محبته واسترق هممهم وأرواحهم بالشوق الى لقائه ومشاهدته ووقف أبصارهم وبصائرهم على ملاحظة جمال حضرته حتى أصبحوا من تنسم روح الوصال سكرى وأصبحت قلوبهم من ملاحظة سبحات الجلال والهة حيرى فلم يروا في الكونين شيئاً سواه ولم يذكروا في الدارين إلا إياه إن سنحت لأبصارهم صورة عبرت الى المصور بصائرهم وإن قرعت أسماعهم نغمة سبقت الى المحبوب سرائرهم وإن ورد عليهم صوت مزعج أو مقلق أو مطرب أو محزن أو مهيج أو مشوق أو مهيج لم يكن انزعاجهم إلا إليه ولا طربهم إلا به ولا قلقهم إلا عليه ولا حزنهم إلا فيه ولا شوقهم إلا إلى ما لديه ولا انبعاثهم إلا له ولا ترددهم إلا حواليه فمنه سماعهم وإليه استماعهم فقد أقفل عن غيره أبصارهم وأسماعهم أولئك الذين اصطفاهم الله لولايته واستخلصهم من بين أصفيائه وخاصته والصلاة على محمد المبعوث برسالته وعلى آله وأصحابه أئمة الحق وقادته وسلم كثيراً أما بعد فإن القلوب والسرائر خزائن الأسرار ومعادن الجواهر وقد طويت فيها جواهرها كما طويت النار في الحديد والحجر كما أخفى الماء تحت التراب والمدر ولا سبيل الى استثارة خفاياها إلا بقوادح السماع ولا منفذ الى القلوب الى من دهليز الأسماع فالنغمات الموزونة المستلذة تخرج ما فيها وتظهر محاسنها أو مساويها فلا يظهر من القلب عند التحريك إلا ما يحويه كما لا يرشح الإناء إلا بما فيه فالسماع للقلب محك صادق ومعيار ناطق فلا يصل نفس السماع إليه إلا وقد تحرك فيه ما هو الغالب عليه وإذا كانت القلوب بالطباع مطيعة للأسماع حتى أبدت بوارداتها مكامنها وكشفت بها عن مساويها وأظهرت محاسنها وجب شرح القول في السماع والوجد وبيان ما فيهما من الفوائد والآفات وما يستحب فيهما من الآداب والهيئات وما يتطرّق إليهما من خلاف العلماء في أنهما من المحظورات أو المباحات ونحن نوضح ذلك في بابين الباب الأول في إباحة السماع الباب الثاني في آداب السماع وآثاره في القلب بالوجد وفي الجوارح بالرقص والزعق وتمزيق الثياب
لمباحات ونحن نوضح ذلك في بابين الباب الأول في إباحة السماع الباب الثاني في آداب السماع وآثاره في القلب بالوجد وفي الجوارح بالرقص والزعق وتمزيق الثياب الباب الأول في ذكر اختلاف العلماء في إباحة السماع وكشف الحق فيه بيان أقاويل العلماء والمتصوفة في تحليله وتحريمه اعلم أن السماع هو أول الأمر ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة فتسمى الإضطراب وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص فلنبدأ بحكم السماع وهو الأول وننقل فيه الأقاويل المعربة عن المذاهب فيه ثم نذكر الدليل على إباحته ثم نردفه بالجواب عما تمسك به القائلون بتحريمه فأما نقل المذاهب فقد حكى القاضي أبو الطيب الطبري عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وجماعة من
العلماء ألفاظاًً يستدل بها على أنهم رأوا تحريمه وقال الشافعي ﵀ في كتاب آداب القضاء إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته وقال القاضي أبو الطيب استماعة من المرأة التي ليست بمحرم له لا يجوز عند أصحاب الشافعي ﵀ بحال سواء كانت مكشوفة أو من وراء حجاب وسواء كانت حرة أو مملوكة وقال قال الشافعي ﵁ صاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته وقال وحكي عن الشافعي أنه كان يكره الطقطقة بالقضيب ويقول وضعته الزنادقة ليشتغلوا به عن القرآن وقال الشافعي ﵀ ويكره من جهة الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي ولا أحب اللعب بالشطرنج وأكره كل ما يلعب به الناس لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة وأما مالك ﵀ فقد نهى عن الغناء وقال إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا ابن سعد وحده وأما أبو حنيفة ﵁ فإنه كان يكره ذلك ويجعل سماع الغناء من الذنوب وكذلك سائر أهل الكوفة سفيان الثوري وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم فهذا كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري
فإنه كان يكره ذلك ويجعل سماع الغناء من الذنوب وكذلك سائر أهل الكوفة سفيان الثوري وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم فهذا كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري ونقل أبو طالب المكي إباحة السماع من جماعة فقال سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة ومعاوية وغيرهم وقال قد فعل ذلك كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي بإحسان وقال لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهى الايام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية قال وكان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إليهما قال وقيل لأبي الحسن بن سالم كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسرى السقطى وذو النون يستمعون فقال وكيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني فقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع وروي عن يحيى بن معاذ أنه قال فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ولا أراها تزداد إلا قلة حسن الوجه مع الصيانة وحسن القول مع الديانة وحسن الإخاء مع الوفاء ورأيت في بعض الكتب هذا محكياً بعينه عن الحارث المحاسبي وفيه ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره قال وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيه سماع



