— Bagian 43 · المال وفضول الكلام فهذه مذمة فضول الكلام وكثرته … —
Bagian 43
المال وفضول الكلام فهذه مذمة فضول الكلام وكثرته وسببه الباعث عليه وعلاجه ما سبق في الكلام فيما لا يعني الْآفَةُ الثَّالِثَةُ الْخَوْضُ فِي الْبَاطِلِ وَهُوَ الْكَلَامُ فِي الْمَعَاصِي كَحِكَايَةِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ وَمَجَالِسِ الْخَمْرِ ومقامات الفساق وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه وهو حرام وأما الكلام فيما لا يعني أو أكثر مما يعني فهو ترك الأولى ولا تحريم فيه نعم من يكثر الكلام فيما لا يعني لا يؤمن عليه الخوض في الباطل وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَتَجَالَسُونَ لِلتَّفَرُّجِ بِالْحَدِيثِ وَلَا يَعْدُو كَلَامُهُمُ التَّفَكُّهَ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ أَوِ الْخَوْضَ فِي الْبَاطِلِ وَأَنْوَاعُ الْبَاطِلِ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا لِكَثْرَتِهَا وَتَفَنُّنِهَا فَلِذَلِكَ لَا مَخْلَصَ مِنْهَا إِلَّا بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يَعْنِي مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وفي هذا الجنس تقع كلمات يهلك بها صاحبها وهو يستحقرها فقد قال بلال بن الحارث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب
اللَّهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) حديث إن الرجل ليتكلم الكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها أبعد من الثريا أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة بسند حسن وللشيخين والترمذي إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوى بها سبعين خريفا في النار لفظ الترمذي وقال حسن غريب (٢) حديث أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَايَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ خَوْضًا في الباطل أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث قتادة مرسلا ورجاله ثقات ورواه هو والطبراني موقوفا على ابن مسعود بسند صحيح (٣) حديث لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلَا تُمَازِحْهُ وَلَا تَعِدْهُ موعداً فتخلفه أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس وقد تقدم وقال ﷺ ذروا المراء فإنه لا تفهم حكمته ولا تؤمن فتنته (٤) وَقَالَ ﷺ مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي أعلى الجنة ومن تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ في ربض الجنة (٥) وعن أم سلمة ﵂ قالت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن أول ما عهد إلي ربي ونهاني عنه بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر ملاحاة الرجال (٦) وقال أيضاً مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ أَنْ هَدَاهُمُ اللَّهُ تعالى إلا أوتوا الجدل (٧) وقال أيضاً لَا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَدَعَ المراء وإن كان محقاً (٨) وقال أيضاً ست من كن فيه بلغ حقيقة
لا أوتوا الجدل (٧) وقال أيضاً لَا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَدَعَ المراء وإن كان محقاً (٨) وقال أيضاً ست من كن فيه بلغ حقيقة
الإيمان الصيام في الصيف وضرب أعداء الله بالسيف وتعجيل الصلاة في اليوم الدجن والصبر على المصيبات وإسباغ الوضوء على المكاره وترك المراء وهو صادق (١) وقال الزبير لابنه لا تجادل الناس بالقرآن فإنك لا تستطيعهم ولكن عليك بالسنة وقال عمر بن عبد العزيز ﵀ عليه من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل وقال مسلم بن يسار إياكم والمراء فإنه ساعة جهل العالم وعندها يبتغي الشيطان زلته وقيل ما ضل قوم بعد إذ هداهم الله إلا بالجدل وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه ليس هذا الجدال من الدين في شيء وقال أيضاً المراء يقسي القلوب ويورث الضغائن وقال لقمان لابنه يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ لَجُوجًا مُمَارِيًا مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ فَقَدْ تَمَّتْ خَسَارَتُهُ وقال سفيان لو خالفت أخي في رمانة فقال حلوة وقلت حامضة لسعى بي إلى السلطان وقال أيضاً صاف من شئت ثم أغضبه بالمراء فليرمينك بداهية تمنعك العيش وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا أُمَارِي صَاحِبِي فإما أن أكذبه وإما أن أغضبه وقال أبو الدرداء كفى بك إثماً أن لا تزال ممارياً وقال ﷺ تكفير كل لحاء ركعتان (٢) وقال عمر ﵁ لا تتعلم العلم لثلاث ولا تتركه لثلاث لا تتعلمه لتماري به ولا لتباهي به ولا لترائي به ولا تتركه حياء من طلبه ولا زهادة فيه ولا رضا بالجهل منه وقال عيسى ﵇ من كثر كذبه ذهب جماله ومن لاحى الرجال سقطت مروءته ومن كثر همه سقم جسمه ومن ساء خلقه عذب نفسه وقيل لميمون بن مهران مالك لا تترك أخاك عن قلى قال لأني لا أشاريه ولا أماريه وَمَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى
وقيل لميمون بن مهران مالك لا تترك أخاك عن قلى قال لأني لا أشاريه ولا أماريه وَمَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَحَدُّ الْمِرَاءِ هُوَ كُلُّ اعْتِرَاضٍ عَلَى كَلَامِ الْغَيْرِ بِإِظْهَارِ خَلَلٍ فِيهِ إِمَّا فِي اللَّفْظِ وَإِمَّا فِي الْمَعْنَى وَإِمَّا فِي قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ وَتَرْكُ الْمِرَاءِ بِتَرْكِ الْإِنْكَارِ وَالِاعْتِرَاضِ فَكُلُّ كَلَامٍ سَمِعْتَهُ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَصَدِّقْ بِهِ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا أَوْ كَذِبًا وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِأُمُورِ الدِّينِ فَاسْكُتْ عَنْهُ والطعن في كلام الغير تارة يكون في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة أو من جهة العربية أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم أو تأخير وذلك يكون تارة من قصور المعرفة وتارة يكون بطغيان اللسان وكيفما كان فلا وجه لإظهار خلله وأما في المعنى فبأن يقول ليس كما تقول وقد أخطأت فيه من وجه كذا وكذا وأما في قصده فمثل أن يقول هذا الكلام حق ولكن ليس قصدك منه الحق وإنما أنت فيه صاحب غرض وما يجري مجراه وهذا الجنس إن جرى في مسألة علمية ربما خص باسم الجدل وهو أيضاً مذموم بل الواجب السُّكُوتُ أَوِ السُّؤَالُ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِفَادَةِ لَا على وجه العناد والنكارة أَوِ التَّلَطُّفُ فِي التَّعْرِيفِ لَا فِي مَعْرِضِ الطعن وأما المجادلة فعبارة عن قَصْدُ إِفْحَامِ الْغَيْرِ وَتَعْجِيزِهِ وَتَنْقِيصِهِ بِالْقَدْحِ فِي كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه وآية ذلك أن يكون تنبيهه للحق من جهة أخرى مكروها عند المجادل يجب أن يكون هو المظهر له خطأ ليبين به فضل نفسه ونقص صاحبه ولا نجاة من هذا إلا بالسكوت عن كل ما لا يأثم به لو سكت عنه وأما الباعث على هذا فهو التَّرَفُّعُ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالتَّهَجُّمِ عَلَى الْغَيْرِ بإظهار نقصه وهما شهوتان باطنتان
للنفس قويتان لها وأما إظهار الفضل فهو من قبل تزكية النفس وهي من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء وهي من صفات الربوبية وأما تنقيض الآخر فهو من مقتضى طبع السبعية فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويقصمه ويصدمه ويؤذيه وهاتان صفتان مذمومتان مهلكتان وإنما قوتهما المراء والجدال فالمواظب على المراء والجدال مقو لهذه الصفات المهلكة وهذا مجاوز حد الكراهة بل هو معصية مهما حصل فيه إيذاء الغير وَلَا تَنْفَكُّ الْمُمَارَاةُ عَنِ الْإِيذَاءِ وَتَهْيِيجِ الْغَضَبِ وَحَمْلِ الْمُعْتَرَضِ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَعُودَ فَيَنْصُرَ كَلَامَهُ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ وَيَقْدَحَ فِي قَائِلِهِ بِكُلِّ مَا يُتَصَوَّرُ لَهُ فيثور الشجار بين المتماريين كما يثور الهراش بين الكلبين يقصد كل واحد منهما أن يعض صاحبه بما هو أعظم نكاية وأقوى في إفحامه وإلجامه وَأَمَّا عِلَاجُهُ فَهُوَ بِأَنْ يَكْسِرَ الْكِبْرَ الْبَاعِثَ له على إظهار فضله والسبعية الباعث له على تنقيص غيره كما سيأتي ذلك في كتاب ذم الكبر والعجب وكتاب ذم الغضب فإن علاج كل علة بإماطة سببها وسبب المراء والجدال ما ذكرناه ثم المواظبة عليه تجعله عادة وطبعا حتى يتمكن من النفس ويعسر الصبر عنه روي أن أبا حنيفة رحمة الله عليه قال لداود الطائي لم آثرت الإنزواء قال لأجاهد نفسي بترك الجدال فقال احضر المجالس واستمع ما يقال ولا تتكلم قال ففعلت ذلك فما رأيت مجاهدة أشد علي منها وهو كما قال لأن من سمع الخطأ من غيره وهو قادر على كشفه يعسر عليه الصبر عند ذلك جداً ولذلك قَالَ ﷺ مَنْ تَرَكَ المراء وهو محق بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة لشدة ذلك على النفس وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد
الصبر عند ذلك جداً ولذلك قَالَ ﷺ مَنْ تَرَكَ المراء وهو محق بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة لشدة ذلك على النفس وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد فإن المراء طبع فإذا ظن أن له عليه ثواباً اشتد عليه حرصه وتعاون الطبع والشرع عليه وذلك خطأ محض بل ينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن أهل القبلة وإذا رأى مبتدعاً تلطف في نصحه في خلوة لا بطريق الجدال فإن الجدال يخيل إليه أنها حيلة منه في التلبيس وأن ذلك صنعة يقدر المجادلون من أهل مذهبه على أمثالها لو أرادوا فتستمر البدعة في قلبه بالجدل وتتأكد فإذا عرف أن النصح لا ينفع اشتغل بنفسه وتركه وقال ﷺ رحم الله من كف لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه (١) وقال هشام بن عروة كان ﵇ يردد قوله هذا سبع مرات وكل من اعتاد المجادلة مدة وأثنى الناس عليه ووجد لنفسه بسببه عزاً وقبولاً قويت فيه هذه المهلكات ولا يستطيع عنها نزوعاً إذا اجتمع عليه سلطان الغضب والكبر والرياء وحب الجاه والتعزز بالفضل وآحاد هذه الصفات يشق مجاهدتها فكيف بمجموعها الْآفَةُ الْخَامِسَةُ الْخُصُومَةُ وَهِيَ أَيْضًا مَذْمُومَةٌ وَهِيَ وراء الجدال والمراء فالمراء طعن في كلام الغير بإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير وإظهار مزية الكياسة والجدال عبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها والخصومة لَجَاجٌ فِي الْكَلَامِ لِيُسْتَوْفَى بِهِ مَالٌ أَوْ حق مقصود وذلك تارة يكون ابتداء وتارة يكون اعتراضاً والمراء لا يكون إلا باعتراض على كلام سبق فقد قالت عائشة ﵂ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن أبغض
لٌ أَوْ حق مقصود وذلك تارة يكون ابتداء وتارة يكون اعتراضاً والمراء لا يكون إلا باعتراض على كلام سبق فقد قالت عائشة ﵂ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن أبغض
الرجال إلى الله الألد الخصم (١) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع (٢) وقال بعضهم إياك والخصومة فإنها تمحق الدين ويقال ما خاصم ورع قط في الدين وقال ابن قتيبة مر بي بشر بن عبد الله بن أبي بكرة فقال ما يجلسك ههنا قلت خصومة بيني وبين ابن عم لي فقال إن لأبيك عندي يداً وإني أريد أن أجزيك بها وإني والله ما رأيت شيئاً أذهب للدين ولا أنقص للمروءة ولا أضيع للذة ولا أشغل للقلب من الخصومة قال فقمت لأنصرف فقال لي خصمي مالك قلت لا أخاصمك قال إنك عرفت أن الحق لي قلت لا ولكن أكرم نفسي عن هذا قال فإني لا أطلب منك شيئاً هو لك فإن قلت فإذا كان للإنسان حق فلا بد له من الخصومة في طلبه أو في حفظه مهما ظلمه ظالم فكيف يكون حكمه وكيف تذم خصومته فاعلم أن هذا الذم يتناول الذي يخاصم بالباطل والذي يخاصم بغير علم مثل وكيل القاضي فإنه قبل أن يتعرف أن الحق في أي جانب هو يتوكل في الخصومة من أي جانب كان فيخاصم بغير علم ويتناول الذي يطلب حقه ولكنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد في الخصومة على قصد التسلط أو على قصد الإيذاء ويتناول الذي يمزج بالخصومة كلمات مؤذية ليس يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق ويتناول الذي يَحْمِلُهُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَحْضُ الْعِنَادِ لِقَهْرِ الْخَصْمِ وَكَسْرِهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَحْقِرُ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنَ الْمَالِ وَفِي النَّاسِ مَنْ يُصَرِّحُ بِهِ ويقول إنما قصدي عناده وكسر عرضه وَإِنِّي إِنْ أَخَذْتُ مِنْهُ هَذَا الْمَالَ رُبَّمَا رِمَيْتُ بِهِ فِي بِئْرٍ وَلَا أُبَالِي وَهَذَا مَقْصُودُهُ اللَّدَدُ وَالْخُصُومَةُ وَاللَّجَاجُ وَهُوَ مَذْمُومٌ جِدًّا فَأَمَّا الْمَظْلُومُ الَّذِي يَنْصُرُ حُجَّتَهُ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ لَدَدٍ وَإِسْرَافٍ وَزِيَادَةِ لَجَاجٍ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَمِنْ غَيْرِ قَصْدِ عِنَادٍ وَإِيذَاءٍ فَفِعْلُهُ
َهُ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ لَدَدٍ وَإِسْرَافٍ وَزِيَادَةِ لَجَاجٍ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَمِنْ غَيْرِ قَصْدِ عِنَادٍ وَإِيذَاءٍ فَفِعْلُهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَكِنِ الْأَوْلَى تَرْكُهُ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَإِنَّ ضَبْطَ اللِّسَانِ فِي الخصومة على حد الِاعْتِدَالِ مُتَعَذِّرٌ وَالْخُصُومَةُ تُوغِرُ الصَّدْرَ وَتُهَيِّجُ الْغَضَبَ وإذا هاج الغضب نُسِيَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ وَبَقِيَ الْحِقْدُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ حَتَّى يَفْرَحَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَسَاءَةِ صَاحِبِهِ وَيَحْزَنَ بِمَسَرَّتِهِ وَيُطْلِقَ اللِّسَانَ فِي عِرْضِهِ فَمَنْ بَدَأَ بِالْخُصُومَةِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَحْذُورَاتِ وَأَقَلُّ مَا فِيهِ تَشْوِيشُ خَاطِرِهِ حَتَّى إِنَّهُ فِي صَلَاتِهِ يَشْتَغِلُ بِمُحَاجَّةِ خَصْمِهِ فَلَا يَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى حَدِّ الْوَاجِبِ فَالْخُصُومَةُ مَبْدَأُ كُلِّ شَرٍّ وَكَذَا الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْتَحَ بَابَهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْفَظَ اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ عَنْ تَبِعَاتِ الْخُصُومَةِ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ جداً فمن اقتصر على الواجب في خصومته سلم من الإثم ولا تذم خصومته إلا أنه إن كان مستغنياً عن الخصومة فيما خاصم فيه لأن عنده ما يكفيه فيكون تاركاً للأولى ولا يكون آثماً نَعَمْ أَقَلُّ مَا يَفُوتُهُ فِي الْخُصُومَةِ وَالْمِرَاءِ والجدال طيب الكلام وما ورد فيه من الثواب إذ أقل درجات طيب الكلام إظهار الموافقة ولا خشونة في الكلام أعظم من الطعن والاعتراض الذي حاصله إما تجهيل وإما تكذيب فإن من جادل غيره أو ماراه أو خاصمه فقد جهله أو كذبه فيفوت به طيب الكلام وقد قال ﷺ يمكنكم من الجنة طيب الكلام وإطعام الطعام (٣)
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَارْدُدْ ﵇ وَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أو ردوها﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا لَوْ قَالَ لِي فرعون خيراً لرددت عليه وقال أنس قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام (١) وروي أن عيسى ﵇ مر به خنزير فقال مر بسلام فقيل يا روح الله أتقول هذا لخنزير فقال أكره أن أعود لساني الشر وقال نبينا ﷺ الكلمة الطيبة صدقة (٢) وقال اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تجدوا فبكلمة طيبة (٣) وَقَالَ عمر ﵁ الْبِرُّ شَيْءٌ هَيِّنٌ وَجْهٌ طَلِيقٌ وَكَلَامٌ لَيِّنٌ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْكَلَامُ اللَّيِّنُ يَغْسِلُ الضَّغَائِنَ الْمُسْتَكِنَّةَ فِي الجوارح وقال بعض الحكماء كُلُّ كَلَامٍ لَا يُسْخِطُ رَبَّكَ إِلَّا أَنَّكَ تُرْضِي بِهِ جَلِيسَكَ فَلَا تَكُنْ بِهِ عَلَيْهِ بخيلاً فإنه لعله يعوضك منه ثواب المحسنين وهذا كله في فضل الكلام الطيب وتضاده الخصومة والمراء والجدال واللجاج فإنه الكلام المستكره الموحش المؤذي للقلب المنغص للعيش المهيج للغضب الموغر للصدر نسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه الآفة السادسة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه بالتشبيبات والمقدمات وما جرى به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة وكل ذلك من التصنع المذموم ومن التكلف الممقوت الذي قال فيه رسول الله ﷺ أنا وأتقياء أمتي برءاء من التكلف وقال ﷺ إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً الثرثارون المتفيهقون المتشدقون في الكلام (٤) وقالت فاطمة ﵂ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام (٥)
دقون في الكلام (٤) وقالت فاطمة ﵂ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام (٥) وقال ﷺ ألا هلك المتنطعون ثلاث مرات (٦) حديث سعد يأتي على الناس زمان يتخللون الكلام بألسنتهم كما تتخلل البقرة الكلأ بلسانها رواه أحمد // وكأنه أنكر عليه ما قدمه على الكلام من التشبب والمقدمة المصنوعة المتكلفة وهذا أيضاً من آفات اللسان ويدخل فيه كل سجع متكلف وكذلك التفاصح الخارج عن حد العادة وكذلك التكلف بالسجع في المحاورات إذ قضى رسول الله ﷺ بغرة في الجنين فقال بعض قوم الجاني كيف ندى من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل
ومثل ذلك بطل فقال أسجعاً كسجع الأعراب (١) وأنكر ذلك لأن أثر التكلف والتصنع بين عليه بل يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَقْصُودِهِ وَمَقْصُودُ الْكَلَامِ التَّفْهِيمُ لِلْغَرَضِ وَمَا وَرَاءَ ذلك تصنع مذموم ولا يدخل في هذه تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراط وإغراب فإن المقصود منها تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها فلرشاقة اللفظ تأثير فيه فهو لائق به فأما المحاورات التي تجري لقضاء الحاجات فلا يليق بها السجع والتشدق والاشتغال به من التكلف المذموم ولا باعث عليه إلا الرياء وإظهار الفصاحة والتميز بالبراعة وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع ويزجر عنه الْآفَةُ السَّابِعَةُ الْفُحْشُ وَالسَّبُّ وَبَذَاءَةُ اللِّسَانِ
عليه إلا الرياء وإظهار الفصاحة والتميز بالبراعة وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع ويزجر عنه الْآفَةُ السَّابِعَةُ الْفُحْشُ وَالسَّبُّ وَبَذَاءَةُ اللِّسَانِ وَهُوَ مَذْمُومٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَصْدَرُهُ الْخُبْثُ وَاللُّؤْمُ قَالَ ﷺ إِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ (٢) ونهى رسول الله ﷺ عن أَنْ تُسَبَّ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَا تَسُبُّوا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُصُ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ مِمَّا تَقُولُونَ وَتُؤْذُونَ الْأَحْيَاءَ أَلَا إِنَّ البذاء لؤم (٣) حديث لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ ولا البذى أخرجه الترمذي بإسناد صحيح من حديث ابن مسعود وقال حسن غريب وصححه وروي موقوفا قال الدارقطني في العلل والموقوف أصح (٤) حديث الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها أخرجه ابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية من حديث عبد الله بن عمرو (٥) حديث أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى الحديث ﴿وفيه﴾ إن الأبعد كان ينظر إلى كل كلمة خبيثة فيستلذها كما يستلذ الرفث أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث شفى بن مانع واختلف في صحبته فذكره أبو نعيم في الصحابة وذكره البخاري وابن حبان في التابعين (٦) حديث يا عائشة لو كان الفحش رجلاً لكان رجل سوء أخرجه ابن أبي الدنيا من رواية ابن لهيعة عن أبي النضر عن أبي سلمة عنها (٧) حديث البذاء والبيان شعبتان من النفاق أخرجه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه على شرطهما من حديث أبي أمامة وقد تقدم // فيحتمل أن يراد بالبيان كشف ما لا يجوز كشفه ويحتمل أيضا المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حد التكلف ويحتمل أيضا البيان في أمور الدين وفي صفات الله تعالى فإن إلقاء ذلك مجملاً إلى أسماع العوام أولى من المبالغة في بيانه إذ قد يثور من غاية البيان فيه شكوك ووساوس فإذا أجملت بادرت القلوب إلى القبول ولم تضطرب ولكن ذكره مقروناً بالبذاء يشبه أن يكون المراد به المجاهرة بما يستحي الإنسان من بيانه فإن الأولى في مثله الإغماض والتغافل دون الكشف والبيان وَقَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لا يحب الفاحش
المتفحش الصياح في الأسواق (١) وقال جابر بن سمرة كنت جالساً عند النبي ﷺ وأبي أمامي فقال ﷺ إن الفحش والتفاحش ليسا من الإسلام في شيء وإن أحسن الناس إسلاماً أحاسنهم أخلاقاً (٢) وقال إبراهيم بن ميسرة يقال يؤتى بالفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب أو في جوف كلب وقال الأحنف بن قيس ألا أخبركم بأدوإ الداء اللسان البذي والخلق الدني فهذه مذمة الفحش فأما حده وحقيقته فهو التَّعْبِيرُ عَنِ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَحَةِ بِالْعِبَارَاتِ الصَّرِيحَةِ وَأَكْثَرُ ذلك يجري في ألفاظ الوقاع وما يَتَعَلَّقُ بِهِ فَإِنَّ لِأَهْلِ الْفَسَادِ عِبَارَاتٍ صَرِيحَةً فَاحِشَةً يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيهِ وَأَهْلُ الصَّلَاحِ يَتَحَاشَوْنَ عَنْهَا بل يكنون عنها ويدلون عليها بالرموز فيذكرون ما يقربها ويتعلق بها وقال ابن عباس إن الله حي كَرِيمٌ يَعْفُو وَيَكْنُو كَنَّى بِاللَّمْسِ عَنِ الْجِمَاعِ فالمسيس واللمس والدخول والصحبة كِنَايَاتٌ عَنِ الْوِقَاعِ وَلَيْسَتْ بِفَاحِشَةٍ وَهُنَاكَ عِبَارَاتٌ فَاحِشَةٌ يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهَا وَيُسْتَعْمَلُ أَكْثَرُهَا فِي الشَّتْمِ والتعيير وهذه العبارات متفاوتة في الفحش وبعضها أفحش من بعض وربما اختلف ذلك بعادة البلاد وأوائلها مكروهة وأواخرها محظورة وبينهما درجات يتردد فيها وليس يختص هذا بالوقاع بل بالكناية بقضاء الحاجة عن البول والغائط أولى من لفظ التغوط والخراء وغيرهما فإن هذا أيضاً ما يخفى وكل ما يخفى يُسْتَحْيَا مِنْهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ أَلْفَاظُهُ الصريحة فإنه فحش وكذلك يستحسن في العادة الكناية عن النساء فلا يقال قالت زوجتك كذا بل يقال قيل في الحجرة أو من وراء الستر أو قالت أم الأولاد فالتلطف في هذه الألفاظ محمود والتصريح فيها يفضي إلى الفحش وكذلك من به عيوب يستحيا منها فلا ينبغي أن يعبر عنها بصريح لفظها كالبرص والقرع والبواسير بل يقال العارض الذي يشكوه وما يجري مجراه فالتصريح بذلك داخل في الفحش وجميع ذلك من آفات اللسان
ينبغي أن يعبر عنها بصريح لفظها كالبرص والقرع والبواسير بل يقال العارض الذي يشكوه وما يجري مجراه فالتصريح بذلك داخل في الفحش وجميع ذلك من آفات اللسان قال العلاء بن هارون وكان عمر بن عبد العزيز يتحفظ في منطقه فخرج تحت إبطه خراج فأتيناه نسأله لنرى ما يقول فقلنا من أين خرج فقال من باطن اليد وَالْبَاعِثُ عَلَى الْفُحْشِ إِمَّا قَصْدُ الْإِيذَاءِ وَإِمَّا الِاعْتِيَادُ الْحَاصِلُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْفُسَّاقِ وَأَهْلِ الْخُبْثِ واللؤم ومن عادتهم السب وقال أعرابي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْصِنِي فَقَالَ عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِنِ امْرُؤٌ عَيَّرَكَ بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء فِيهِ يَكُنْ وَبَالُهُ عَلَيْهِ وَأَجْرُهُ لَكَ وَلَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا قَالَ فَمَا سَبَبْتُ شَيْئًا بَعْدَهُ (٣) وقال عياض بن حمار قلت يا رسول الله إن الرجل من قومي يسبني وهو دوني هل علي من بأس أن أنتصر منه فقال المستابان شيطانان يتعاويان ويتهارجان (٤) وقال ﷺ سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ وقتاله كفر (٥) وقال ﷺ الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا حَتَّى يعتدي المظلوم (٦) وقال ﷺ مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ وَالِدَيْهِ (٧) وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يسب الرجل
الْبَادِئِ مِنْهُمَا حَتَّى يعتدي المظلوم (٦) وقال ﷺ مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ وَالِدَيْهِ (٧) وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يسب الرجل
وَالِدَيْهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ الآخر أباه الآفة الثامنة اللَّعْنُ إِمَّا لِحَيَوَانٍ أَوْ جَمَادٍ أَوْ إِنْسَانٍ وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المؤمن ليس بلعان (١) حديث لا تلاعنوا بلعنة الله الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود من حديث سمرة بن جندب قال الترمذي حسن صحيح (٢) حديث عمران بن حصين بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره إذا امرأة من الأنصار على ناقة لها فضجرت منها فلعنتها الحديث رواه مسلم (٣) حديث عائشة سمع رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ وهو يلعن رقيقه فالتفت إليه فقال يا أبا بكر لعانين وصديقين الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وشيخه بشار بن موسى الخفاف ضعفه الجمهور وكان أحمد حسن الرأي فيه (٤) حديث إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة أخرجه مسلم من حديث أبي الدرداء (٥) حديث أنس كان رجل مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ على بعير فلعن بعيره فقال يا عبد الله لا تسر معنا على بعير ملعون أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد // وقال ذلك إنكاراً عليه وَاللَّعْنُ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا عَلَى مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ تُبْعِدُهُ مِنَ اللَّهِ ﷿ وهو الكفر والظلم بأن يقول لعنة الله على الظالمين وعلى الكافرين وينبغي أن يتبع فيه لفظ الشرع فإن في اللعنة خطراً لأنه حكم على الله ﷿ بأنه قد أبعد الملعون وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله تعالى ويطلع عليه رسول الله ﷺ إذا أطلعه الله عليه والصفات المقتضية للعن ثلاثة الكفر والبدعة والفسق وللعن في كل واحدة ثلاث مراتب الأولى اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله الكافرين والمبتدعين والفسقة
ه والصفات المقتضية للعن ثلاثة الكفر والبدعة والفسق وللعن في كل واحدة ثلاث مراتب الأولى اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله الكافرين والمبتدعين والفسقة الثانية اللعن بأوصاف أخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى والمجوس وعلى القدرية والخوارج والروافض أو على الزناة والظلمة وآكلي الربا وكل ذلك جائز ولكن في لعن أوصاف المبتدعة خطر لأن معرفة البدعة غامضة ولم يرد فيه لفظ مأثور فينبغي أن يمنع منه العوام لأن ذلك يستدعي المعارضة بمثله ويثير نزاعاً بين الناس وفساداً الثالثة اللعن للشخص المعين وهذا فيه خطر كقولك زيد لعنه الله وهو كافر أو فاسق أو مبتدع والتفصيل
فيه أن كل شخص ثبتت لعنته شرعاً فتجوز لعنته كقولك فرعون لعنه الله وأبو جهل لعنه الله لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعاً وأما شخص بعينه في زماننا كقولك زيد لعنه الله وهو يهودي مثلاً فهذا فيه خطر فإنه ربما يسلم فيموت مقرباً عند الله فكيف يحكم بكونه ملعوناً فإن قلت يلعن لكونه كافراً في الحال كما يقال للمسلم ﵀ لكونه مسلماً في الحال وإن كان يتصور أن يرتد فاعلم أن معنى قولنا ﵀ أي ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة وعلى الطاعة ولا يمكن أن يقال ثبت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة فإن هذا سؤال للكفر وهو في نفسه كفر بل الجائز أن يقال لعنه الله إن مات على الكفر ولا لعنه الله إن مات على الإسلام وذلك غيب لا يدرى والمطلق متردد بين الجهتين ففيه خطر وليس في ترك اللعن خطر وإذا عرفت هذا في الكافر فهو في زيد الفاسق أو زيد المبتدع أولى فلعن الأعيان فيه خطر لأن الأعيان تتقلب في الأحوال إلا من أعلم به رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ يجوز أن يعلم من يموت على الكفر ولذلك عين قوماً باللعن فكان يقول في دعائه على قريش اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة (١) وذكر جماعة قتلوا على الكفر حتى إن من لم يعلم عاقبته كان يلعنه فنهى عنه إذ روي أنه كان يلعن الذي قتلوا أصحاب بئر معونة في قنوته شهراً فنزل قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (٢)
ه فنهى عنه إذ روي أنه كان يلعن الذي قتلوا أصحاب بئر معونة في قنوته شهراً فنزل قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (٢) يعني أنهم ربما يسلمون فمن أين تعلم أنهم ملعونون وكذلك من بان لنا موته على الكفر جاز لعنه وجاز ذمه إن لم يكن فيه أذى على مسلم فإن كان لم يجز كما رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سأل أبا بكر ﵁ عن قبر مر به وهو يريد الطائف فقال هذا قبر رجل كان عاتياً على الله ورسوله وهو سعيد بن العاص فغضب ابنه عمرو بن سعيد وقال يا رسول الله هذا قبر رجل كان أطعم للطعام وأضرب للهام من أبي قحافة فقال أبو بكر يكلمني هذا يا رسول الله بمثل هذا الكلام فقال ﷺ اكفف عن أبي بكر فانصرف ثم أقبل على أبي بكر فقال يا أبا بكر إذا ذكرتم الكفار فعمموا فإنكم إذا خصصتم غضب الأبناء للآباء فكف الناس عن ذلك (٣) حديث شرب نعمان الخمر فحد مرات في مجلس رسول الله ﷺ فقال بعض الصحابة لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تكن عوناً للشيطان على أخيك وفي رواية لا تقل هذا فإنه يحب الله ورسوله أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب من طريق الزبير بن بكار من رواية محمد بن عمرو بن حزم مرسلا ومحمد هذا ولد في حياته ﷺ وسماه محمدا وكناه عبد الملك وللبخاري من حديث عمر أن رجلا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ قد جلده في الشراب فأتي به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه أكثر ما يؤتى به فقال النبي ﷺ لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله من حديث أبي هريرة في رجل شرب ولم يسم وفيه لا تعينوا عليه الشيطان وفي رواية لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم // وفي رواية لا تقل هذا فإنه يحب الله ورسوله فنهاه عن ذلك وهذا يدل على أن
يسم وفيه لا تعينوا عليه الشيطان وفي رواية لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم // وفي رواية لا تقل هذا فإنه يحب الله ورسوله فنهاه عن ذلك وهذا يدل على أن
لعن فاسق بعينه غير جائز وعلى الجملة ففي لعن الأشخاص خطر فليجتنب ولا خطر في السكوت عن لعن إبليس مثلاً فضلاً عن غيره فإن قيل هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو آمر به قلنا هذا لم يثبت أصلاً فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت فضلاً عن اللعنة لأنه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق نعم يجوز أن يقال قتل ابن ملجم علياً وقتل أبو لؤلؤة عمر ﵄ فإن ذلك ثبت متواتراً فلا يجوز أن يرمى مسلم بفسق أو كفر من غير تحقيق قال ﷺ لا يرمى رجل رجلاً بالكفر ولا يرميه بالفسق إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك (١) وقال ﷺ ما شهد رجل على رجل بالكفر إلا باء به أحدهما إن كان كافراً فهو كما قال وإن لم يكن كافراً فقد كفر بتكفيره إياه (٢) وهذا معناه أن يكفره وهو يعلم أنه مسلم فإن ظن أنه كافر ببدعة أو غيرها كان مخطئاً لا كافراً وقال معاذ قال لي رسول الله ﷺ أنهاك أن تشتم مسلماً أو تعصي إماماً عادلاً والتعرض للأموات أشد (٣) قال مسروق دخلت على عائشة ﵂ فقالت ما فعل فلان لعنه الله قلت توفى قالت ﵀ قلت وكيف هذا قالت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى ما قدموا (٤) وقال ﷺ لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فتؤذوا به الأحياء (٥) وقال ﷺ أيها الناس احفظوني في أصحابي وإخواني وأصهاري ولا تسبوهم أيها الناس إذا مات الميت فاذكروا منه خيراً (٦) فإن قيل فهل يجوز أن يقال قاتل الحسين لعنه الله أو الآمر بقتله لعنه الله قلنا الصواب أن يقال قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله لأنه يحتمل أن يموت بعد التوبة فإن وحشياً قاتل حمزة عم رسول الله قتله وهو كافر ثم تاب عن الكفر والقتل جميعاً ولا يجوز أن يعلن والقتل كبيرة ولا تنتهي إلى رتبة الكفر فإذا لم يقيد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر وليس في السكوت خطر فهو أولى
تاب عن الكفر والقتل جميعاً ولا يجوز أن يعلن والقتل كبيرة ولا تنتهي إلى رتبة الكفر فإذا لم يقيد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر وليس في السكوت خطر فهو أولى وإنما أوردنا هذا لتهاون الناس باللعنة وإطلاق اللسان بها والمؤمن ليس بلعان فلا ينبغي أن يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين فالاشتغال
بذكر الله أولى فإن لم يكن ففي السكوت سلامة قال مكي بن إبراهيم كنا عند ابن عون فذكروا بلال بن أبي بردة فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه وابن عون ساكت فقالوا يا ابن عون إنما نذكره لما ارتكب منك فقال إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة لا إله إلا الله ولعن الله فلاناً فلأن يخرج من صحيفتي لا إله إلا الله أحب إلي من أين يخرج منها لعن الله فلاناً وقال رجل لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْصِنِي فقال أوصيك أن لا تكون لعاناً (١) وقال ابن عمر إن أبغض الناس إلى الله كل طعان لعان وقال بعضهم لعن المؤمن يعد قتله وقال حماد بن زيد بعد أن روى هذا لو قلت إنه مرفوع لم أبال وعن أبي قتادة قال كان يقول من لعن مؤمناً فهو مثل أن يقتله (٢) وقد نقل ذلك حديثاً مرفوعاً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَقْرُبُ مِنَ اللَّعْنِ الدُّعَاءُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالشَّرِّ حتى الدعاء على الظالم كقول الإنسان مثلاً لا صحح الله جسمه ولا سلمه الله وما يجري مجراه فإن ذلك مَذْمُومٌ وَفِي الْخَبَرِ إِنَّ الْمَظْلُومَ لَيَدْعُو عَلَى الظالم حتى يكافئه ثم يبقى للظالم عنده فضلة يوم القيامة (٣) الآفة التاسعة الغناء والشعر وقد ذكرنا في كتاب السماع ما يحرم من الغناء وما يحل فلا نعيده وأما الشعر فكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح إلا أن التجرد له مَذْمُومٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأن يمتليء جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتليء شعرا (٤) وعن مسروق أنه سئل عن بيت من الشعر فكرهه فقيل له في ذلك فقال أنا أكره أن يوجد في صحيفتي شعر وسئل بعضهم عن شيء من الشعر فقال أجعل مكان هذا ذكراً فإن ذكر الله خير من الشعر وعلى الجملة فإنشاد الشعر ونظمه ليس بحرام إذا لم يكن فيه كلام مستكره قال ﷺ إن من الشعر لحكمة (٥) نعم مقصود الشعر المدح والذم والتشبيب وقد يدخله الكذب وقد أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حسان بن ثابت الأنصاري بهجاء الكفار والتوسع في المدح (٦) فإنه وإن كان كذباً فإنه لا يلتحق في التحريم بالكذب كقول الشاعر ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
ء الكفار والتوسع في المدح (٦) فإنه وإن كان كذباً فإنه لا يلتحق في التحريم بالكذب كقول الشاعر ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله فإن هذا عبارة عن الوصف بنهاية السخاء فإن لم يكن صاحبه سخياً كان كاذباً وإن كان سخياً فالمبالغة من صنعة الشعر فلا يقصد منه أن يعتقد صورته وقد أنشدت أبيات بين يدي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ تتبعت لوجد فيها مثل ذلك فلم يمنع منه قالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يخصف نعله وكنت جالسة
أغزل فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نوراً قالت فبهت فنظر إلي فقال مالك بهت فقلت يا رسول الله نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نوراً ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره قال وما يقول يا عائشة أبو كبير الهذلي قلت يقول هذين البيتين ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل قال فوضع ﷺ ما كان بيده وقام إلي وقبل ما بين عيني وقال جزاك الله خيراً يا عائشة ما سررت مني كسروري منك (١) ولما قسم رسول الله ﷺ الغنائم يوم حنين أمر للعباس بن مرداس بأربع قلائص فاندفع يشكو في شعر له وفي آخره وما كان بدر ولا حابس ... يسودان مرداس في مجمع وما كنت دون امرىء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع فقال ﷺ اقطعوا عني لسانه فذهب به أبو بكر الصديق ﵁ حتى اختار مائة من الإبل ثم رجع وهو من أرضى الناس فقال له ﷺ أتقول في الشعر فجعل يعتذر إليه ويقول بأبي أنت وأمي إني لأجد للشعر دبيباً على لساني كدبيب النمل ثم يقرصني كما يقرص النمل فلا أجد بداً من قول الشعر فتبسم ﷺ وقال لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين (٢) الآفة العاشرة المزاح وأصله مذموم منهي عنه إلا قدراً يسيراً يستثنى منه قَالَ ﷺ لَا تُمَارِ أخاك ولا تمازحه (٣) فإن قلت المماراة فيها إيذاء لأن فيها تكذيباً للأخ والصديق أو تجهيلاً له وأما المزاح فمطايبة وفيه انبساط وطيب
قَالَ ﷺ لَا تُمَارِ أخاك ولا تمازحه (٣) فإن قلت المماراة فيها إيذاء لأن فيها تكذيباً للأخ والصديق أو تجهيلاً له وأما المزاح فمطايبة وفيه انبساط وطيب
قلب فلم ينهى عنه فاعلم أن المنهي عنه الإفراط فيه أو المداومة عليه أما المداومة فلأنه اشتغال باللعب والهزل فيه واللعب مباح ولكن المواظبة عليه مذمومة وَأَمَّا الْإِفْرَاطُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُورِثُ كَثْرَةَ الضَّحِكِ وكثرة الضحك تميت القلب وتورث الضغينة في بعض الأحوال وتسقط المهابة والوقار فما يَخْلُو عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَلَا يُذَمُّ كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنِّي لَأَمْزَحُ وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا (١) أَلَا إِنَّ مِثْلَهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْزَحَ وَلَا يَقُولَ إِلَّا حَقًّا وَأَمَّا غَيْرُهُ إِذَا فَتَحَ بَابَ الْمِزَاحِ كَانَ غَرَضُهُ أَنْ يضحك الناس كيفما كان وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى في النار أبعد من الثريا (٢) وقال عمر ﵁ من كثر ضحكه قلت هيبته ومن مزج استخف به ومن أكثر من شيء عرف به ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه ولأن الضحك يدل على الغفلة عن الآخرة قال ﷺ لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً (٣) وقال رجل لأخيه يا أخي هل أتاك أنك وارد النار قال نعم قال فهل أتاك أنك خارج منها قال لا ففيم الضحك قيل فما رؤي ضاحكاً حتى مات وقال يوسف بن أسباط أقام الحسن ثلاثين سنة لم يضحك وقيل أقام عطاء السلمي أربعين سنة لم يضحك ونظر وهيب بن الورد إلى قوم يضحكون في عيد فطر فقال إن كان هؤلاء قد غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين وإن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين وكان عبد الله بن أبي يعلى يقول أتضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار وقال ابن عباس من أذنب ذنباً وهو يضحك دخل النار وهو يبكي
م فما هذا فعل الخائفين وكان عبد الله بن أبي يعلى يقول أتضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار وقال ابن عباس من أذنب ذنباً وهو يضحك دخل النار وهو يبكي وقال محمد بن واسع إذا رأيت في الجنة رجل يبكي ألست تعجب من بكائه قيل بلى قال فالذي يضحك في الدنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجب منه فهذه آفة الضحك والمذموم منه أن يستغرق ضحكاً والمحمود منه التبسم الذي ينكشف فيه السن ولا يسمع له صوت وكذلك كان ضحك رسول الله ﷺ (٤) قال القاسم مولى معاوية أقبل أعرابي إلى النبي ﷺ على قلوص له صعب فسلم فجعل كلما دنا من النبي ﷺ ليسأله يفر به فجعل أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون منه ففعل ذلك مراراً ثم وقصه فقتله فقيل يا رسول الله إن الأعرابي قد صرعه قلوصه وقد هلك فقال نعم وأفواهكم ملأى من دمه (٥) وأما أداء المزاح إلى سقوط الوقار فقد قال عمر ﵁ من مزح استخف به وقال محمد بن المنكدر قالت لي أمي يا بني لا تمازح الصبيان فتهون عندهم وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ لَا تُمَازِحِ الشَّرِيفَ فَيَحْقِدَ عَلَيْكَ وَلَا الدَّنِيءَ فيجترئ عليك وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى اتقوا الله وإياكم والمزاح فإنه يورث الضغينة ويجر إلى القبيح تحدثوا بالقرآن وتجالسوا به فإن ثقل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال وقال عمر ﵁ أتدرون لما سمي المزاح مزاحاً قالوا لا قال لأنه أزاح صاحبه عن الحق وقيل لكل شيء بذور وبذور الْعَدَاوَةِ الْمِزَاحُ وَيُقَالُ الْمِزَاحُ مَسْلَبَةٌ لِلنُّهَى مَقْطَعَةٌ للأصدقاء فإن قلت قد نقل المزاح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابه فكيف ينهى عنه فأقول إن قدرت
على ما قدر عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وهو أَنْ تَمْزَحَ وَلَا تَقُولَ إِلَّا حَقًّا وَلَا تُؤْذِيَ قَلْبًا وَلَا تُفَرِّطَ فِيهِ وَتَقْتَصِرَ عَلَيْهِ أَحْيَانًا عَلَى النُّدُورِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِيهِ ولكن من الغلطالعظيم أن يتخذ الإنسان الْمِزَاحَ حِرْفَةً يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَيُفْرِطُ فِيهِ ثُمَّ يَتَمَسَّكُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ نَهَارَهُ مَعَ الزُّنُوجِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى رَقْصِهِمْ وَيَتَمَسَّكُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لعائشة فِي النَّظَرِ إِلَى رَقْصِ الزُّنُوجِ فِي يَوْمِ عِيدٍ وهو خطأ إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإصرار ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار فلا ينبغي أن يغفل عن هذا (١) نعم روى أبو هريرة أنهم قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا فقال إني وإن داعبتكم لا أقول إلا حقاً (٢) وقال عطاء إن رجلاً سأل ابن عباس أكان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْزَحُ فقال نعم قال فما كان مزاحه قال كان مزاحه أنه ﷺ كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوبا واسعا فقال لها البسيه واحمدي وجري منه ذيلاً كذيل العروس (٣) وقال أنس أن النبي ﷺ كان من أفكه الناس مع نسائه (٤) وروي أنه كان كثير التبسم (٥) وعن الحسن قال أتت عجوز إلى النبي ﷺ فقال لها ﷺ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عجوز فبكت فقال إِنَّكِ لَسْتِ بِعَجُوزٍ يَوْمَئِذٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً﴾ (٦) وقال زيد بن أسلم إن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي ﷺ فَقَالَتْ إِنَّ زَوْجِي يَدْعُوكَ قَالَ وَمَنْ هُوَ أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بياض قالت والله ما بعينه بياض فقال بَلَى إِنَّ بِعَيْنِهِ بَيَاضًا فَقَالَتْ لَا وَاللَّهِ فَقَالَ ﷺ مَا مِنْ أحد إلا وبعينه بياض وأراد به البياض الْمُحِيطَ بِالْحَدَقَةِ (٧) وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ أُخْرَى فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنِي عَلَى بَعِيرٍ فَقَالَ بَلْ نَحْمِلُكِ عَلَى ابْنِ الْبَعِيرِ فَقَالَتْ مَا أَصْنَعُ بِهِ إِنَّهُ لَا يَحْمِلُنِي فَقَالَ ﷺ مَا مِنْ بَعِيرٍ إِلَّا وَهُوَ ابن بعير (٨)
َالَ بَلْ نَحْمِلُكِ عَلَى ابْنِ الْبَعِيرِ فَقَالَتْ مَا أَصْنَعُ بِهِ إِنَّهُ لَا يَحْمِلُنِي فَقَالَ ﷺ مَا مِنْ بَعِيرٍ إِلَّا وَهُوَ ابن بعير (٨) فكان يمزح به وَقَالَ أنس كَانَ لأبي طلحة ابْنٌ يُقَالُ له أبو عمير وكان رسول الله ﷺ يأتيهم ويقول يا أبا عمير مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ (٩) النُّغَيْرُ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ وَهُوَ فَرْخُ الْعُصْفُورِ وَقَالَتْ عائشة ﵂ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ فقال تعالي حتى أسابقك فشددت درعي على بطني ثُمَّ خَطَطْنَا خَطًّا فَقُمْنَا عَلَيْهِ وَاسْتَبَقْنَا فَسَبَقَنِي وقال هذهمكان ذي المجاز (١٠) وذلك أنه جاء يوم ونحن بذي المجاز وأنا جارية قد بعثني أبي بشيء فقال أعطنيه فَأَبَيْتُ وَسَعَيْتُ وَسَعَى فِي أَثَرِي فَلَمْ يُدْرِكْنِي وقالت أيضاً سابقني رسول الله ﷺ فسبقته فلما حملت اللحم سابقني فسبقني وقال هذه بتلك (١١) وقالت أيضاً ﵂ كَانَ عِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسودة بنت زمعة فصنعت حريرة وَجِئْتُ بِهِ فَقُلْتُ لسودة كُلِي فَقَالَتْ لَا أُحِبُّهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَتَأْكُلِنَّ أَوْ لَأُلَطِّخَنَّ بِهِ وجهك فقالت ما أنا بذائقته فأخذت
وَجِئْتُ بِهِ فَقُلْتُ لسودة كُلِي فَقَالَتْ لَا أُحِبُّهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَتَأْكُلِنَّ أَوْ لَأُلَطِّخَنَّ بِهِ وجهك فقالت ما أنا بذائقته فأخذت
بِيَدِي مِنَ الصَّحْفَةِ شَيْئًا مِنْهُ فَلَطَّخْتُ بِهِ وجههاً ورسول الله ﷺ جالس بيني وبينها فخفض لها رسول الله ركبتيه لتستقيد مني فَتَنَاوَلَتْ مِنَ الصَّحْفَةِ شَيْئًا فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يضحك (١) وروي أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلاً دميماً قبيحاً فلما بايعه النبي ﷺ قال إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها وعائشة جالسة تسمع فقالت أهي أحسن أم أنت فقال بل أنا أحسن منها وأكرم فضحك رسول الله ﷺ من سؤالها إياه لأنه كان دميماً (٢) وروى علقمة عن أبي سلمة أَنَّهُ كَانَ ﷺ يدلع لسانه للحسن ابن علي ﵉ فيرى الصبي لسانه فيهش له فقال له عيينة بن بدر الفزاري وَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِيَ الِابْنُ قَدْ تَزَوَّجَ وَبَقَلَ وَجْهُهُ وَمَا قَبَّلْتُهُ قَطُّ فَقَالَ ﷺ إِنَّ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ (٣) فَأَكْثَرُ هَذِهِ الْمُطَايَبَاتِ مَنْقُولَةٌ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ مُعَالَجَةً لِضَعْفِ قُلُوبِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ إِلَى هَزْلٍ وَقَالَ ﷺ مَرَّةً لصهيب وَبِهِ رَمَدٌ وَهُوَ يَأْكُلُ تَمْرًا أَتَأْكُلُ التَّمْرَ وَأَنْتَ رَمِدٌ فَقَالَ إِنَّمَا آكُلُ بِالشِّقِّ الْآخَرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَتَبَسَّمَ ﷺ (٤) قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ حتى نظرت إلى نواجذه
لتَّمْرَ وَأَنْتَ رَمِدٌ فَقَالَ إِنَّمَا آكُلُ بِالشِّقِّ الْآخَرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَتَبَسَّمَ ﷺ (٤) قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ حتى نظرت إلى نواجذه وروي أن خوات ابن جبير الأنصاري كان جالساً إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة فطلع عليه رسول الله ﷺ فقال يا أبا عبد الله مالك مع النسوة فقال يفتلن ضغيرا لجمل لي شرود قال فمضى رسول الله ﷺ لحاجته ثم عاد فقال يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد قال فسكت واستحييت وكنت بعد ذلك أتفرر منه كلما رأيته حياء منه حتى قدمت المدينة وبعد ما قدمت المدينة قال فرآني في المسجد يوماً أصلي فجلس إلي فطولت ﴿فقال﴾ لا تطول فإني أنتظرك فلما سلمت قال يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد قال فسكت واستحييت فقام وكنت بعد ذلك أتفرر منه حتى لحقني يوماً وهو على حمار وقد جعل رجليه في شق واحد فقال أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد فقلت والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت فقال الله أكبر الله أكبر اللهم اهد أبا عبد الله قال فحسن إسلامه وهداه الله // حديث إن خوات بن جبير كان جالساً إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة فطلع عليه النبي ﷺ فقال يا أبا عبد الله مالك مع النسوة فقال يفتلن ضغيرا لجمل لي شرود الحديث أخرجه الطبراني في الكبير من رواية زيد بن أسلم عن خوات بن جبير مع اختلاف ورجاله ثقات وأدخل بعضهم بين زيد وبين خوات ربيعة بن عمرو وكان نعيمان الأنصاري رجلاً مزاحاً فكان يشرب الخمر في المدينة فيؤتي بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم فلما كثر ذلك منه
قال له رجل من الصحابة لعنك الله فقال النبي ﷺ لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله وكان لا يدخل المدينة رسل ولا طرفة إلا اشترى منها ثم أتى النَّبِيَّ ﷺ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا قَدِ اشْتَرَيْتُهُ لَكَ وَأَهْدَيْتُهُ لَكَ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا يَتَقَاضَاهُ بِالثَّمَنِ جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِهِ ثَمَنَ مَتَاعِهِ فيقول له ﷺ أو لم تُهْدِهِ لَنَا فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي ثَمَنُهُ وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهُ فَيَضْحَكُ النَّبِيُّ ﷺ وَيَأْمُرُ لِصَاحِبِهِ بِثَمَنِهِ (١) فَهَذِهِ مُطَايَبَاتٌ يُبَاحُ مِثْلُهَا على الندور لا على الدوام والمواظبة عليها هزل مذموم وسبب للضحك المميت للقلب الآفة الحادية عشر السخرية والاستهزاء وهذا محرم مهما كان مؤذياً كما قَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أن يكن خيراً منهن وَمَعْنَى السُّخْرِيَةِ الِاسْتِهَانَةُ وَالتَّحْقِيرُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعُيُوبِ والنقائص عَلَى وَجْهٍ يُضْحَكُ مِنْهُ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم ذلك غيبة وفيه معنى الغيبة قالت عائشة ﵂ حاكيت إنساناً فقال لي النبي ﷺ والله ما أحب أني حاكيت إنساناً ولي كذا وكذا (٢) وقال ابن عباس في قوله تعالى يا ويلتنا ما لهذا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أحصاها إن الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمن والكبيرة القهقهة بذلك وهذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب والكبائر وعن عبد الله بن زمعة أنه قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يخطب فوعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال علام يضحك أحدكم مما يفعل (٣) وقال ﷺ إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن
ن الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له الباب فيقال له هلم هلم فلا يأتيه (٤) وقال معاذ بن جبل قال النبي ﷺ من عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله (٥) وكل هذا يرجع إلى استحقار الغير والضحك عليه استهانة به واستصغاراً لَهُ وَعَلَيْهِ نَبَّهَ قَوْلُهُ تَعَالَى عَسَى أَنْ يكونوا خيراً منهم أَيْ لَا تَسْتَحْقِرْهُ اسْتِصْغَارًا فَلَعَلَّهُ خَيْرٌ مِنْكَ وهذا إنما يحرم في حَقُّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَسْخَرَةً وَرُبَّمَا فَرِحَ مِنْ أَنْ يُسْخَرَ بِهِ كَانَتِ السُّخْرِيَةُ فِي حَقِّهِ مِنْ جُمْلَةِ المزاح وَقَدْ سَبَقَ مَا يُذَمُّ مِنْهُ وَمَا يُمْدَحُ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ اسْتِصْغَارٌ يَتَأَذَّى بِهِ الْمُسْتَهْزَأُ بِهِ لما
فِيهِ مِنَ التَّحْقِيرِ وَالتَّهَاوُنِ وَذَلِكَ تَارَةً بِأَنْ يَضْحَكَ عَلَى كَلَامِهِ إِذَا تَخَبَّطَ فِيهِ وَلَمْ ينتظم أو على أفعاله إذا كنت مشوشة كالضحك على خطه وعلى صنعته أو على صورته وخلقته إذا كان قصيراً أو ناقصاً لعيب من العيوب فَالضَّحِكُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي السُّخْرِيَةِ المنهي عنها الآفة الثانية عشر إِفْشَاءُ السِّرِّ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيذَاءِ وَالتَّهَاوُنِ بِحَقِّ الْمَعَارِفِ وَالْأَصْدِقَاءِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَدَّثَ الرجل ثم التفت فهي أمانة (١)
َنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيذَاءِ وَالتَّهَاوُنِ بِحَقِّ الْمَعَارِفِ وَالْأَصْدِقَاءِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَدَّثَ الرجل ثم التفت فهي أمانة (١) وقال مطلقاً الحديث بينكم أمانة (٢) حديث العدة عطية أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث قباث بن أشيم بسند ضعيف وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث الحسن مرسلا (٣) حديث الوأي مثل الدين أو أفضل أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت من رواية ابن لهيعة مرسلا وقال الوأي يعني الوعد ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي بسند ضعيف (٤) حديث عبد الله بن أبي الخنساء بايعت النبي ﷺ فوعدته أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ فَنَسِيتُ يومي والغد فأتيه الْيَوْمَ الثَّالِثَ وَهُوَ فِي مَكَانِهِ فَقَالَ يَا بني قد شققت علي أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك رواه أبو داود واختلف في إسناده وقال ابن مهدي ما أظن إبراهيم بن طهمان إلا أخطأ فيه // وقيل
لإبراهيم الرجل يواعد الرجل الميعاد فلا يجيء قال ينتظره إلى أن يدخل وقت الصلاة التي تجيء وكان رسول الله ﷺ إذا وعد وعداً قال ﴿عسى﴾ (١) وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَعِدُ وَعْدًا إِلَّا وَيَقُولُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ الْأَوْلَى ثُمَّ إِذَا فَهِمَ مَعَ ذَلِكَ الْجَزْمِ فِي الْوَعْدِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ إِلَّا أَنْ يُتَعَذَّرَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْوَعْدِ عَازِمًا عَلَى أَنْ لا يفي فهذا هو النفاق وقال أبو هريرة قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان (٢) وقال عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خُلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خُلَّةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خاصم فجر (٣) وهذا ينزل على عَزَمَ الْخُلْفَ أَوْ تَرَكَ الْوَفَاءَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَأَمَّا مَنْ عَزَمَ عَلَى الْوَفَاءِ فَعَنَّ لَهُ عُذْرٌ مَنَعَهُ مِنَ الْوَفَاءِ لَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ مَا هُوَ صُورَةُ النِّفَاقِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ صُورَةِ النفاق أيضاً كما يتحرز مِنْ حَقِيقَتِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ معذوراً من غير ضرورة حاجزة فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان وعد أبا الهيثم بن التيهان خادماً فأتى بثلاثة من السبى فأعطى اثنين وبقي واحداً فَأَتَتْ فاطمة ﵂ تَطْلُبُ مِنْهُ خَادِمًا وَتَقُولُ أَلَا تَرَى أَثَرَ الرَّحَى بِيَدِي فَذَكَرَ مَوْعِدَهُ لأبي الهيثم فَجَعَلَ يَقُولُ كَيْفَ بموعدي لأبي الهيثم (٤) فآثره به عَلَى فاطمة لِمَا كَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْ مَوْعِدِهِ لَهُ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تُدِيرُ الرَّحَى بِيَدِهَا الضَّعِيفَةِ
موعدي لأبي الهيثم (٤) فآثره به عَلَى فاطمة لِمَا كَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْ مَوْعِدِهِ لَهُ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تُدِيرُ الرَّحَى بِيَدِهَا الضَّعِيفَةِ وَلَقَدْ كَانَ ﷺ جَالِسًا يُقَسِّمُ غَنَائِمَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ إِنَّ لِي عِنْدَكَ مَوْعِدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ صَدَقْتَ فَاحْتَكِمْ مَا شِئْتَ فَقَالَ أَحْتَكِمُ ثَمَانِينَ ضَائِنَةً وَرَاعِيَهَا قَالَ هِيَ لَكَ وَقَالَ احْتَكَمْتَ يَسِيرًا (٥) ولصاحبه موسى ﵇ التي دلته على عظام يوسف كانت أحزم منك وأجزل حكماً منك حين حكمها موسى ﵇ فقال حكمي أن تردني شابة وأدخل معك الجنة قيل فكان الناس يضعفون ما احتكم به حتى جعلا مثلاً فقيل أشح من صاحب الثمانين والراعي وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ليس الخلف أن يعد الرجل الرجل وفي نيته أن يفي (٦) وفي لفظ آخر إذا وعد الرجل أخاه وفي نيته أن يفي فلم يجد فلا إثم عليه الْآفَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الْكَذِبُ فِي الْقَوْلِ وَالْيَمِينِ وَهُوَ مِنْ قَبَائِحَ الذُّنُوبِ وَفَوَاحِشِ الْعُيُوبِ قَالَ إسماعيل بن واسط سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يخطب بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال قام فينا رسول الله ﷺ مقامي هذا عام أول ثم بكى
ُوبِ وَفَوَاحِشِ الْعُيُوبِ قَالَ إسماعيل بن واسط سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يخطب بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال قام فينا رسول الله ﷺ مقامي هذا عام أول ثم بكى
وقال إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ وَهُمَا فِي النار (١) وقال أبو أمامة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الكذب باب من أبواب النفاق (٢) حديث كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لك به مصدق وأنت له به كاذب أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد وأبو داود من حديث سفيان بن أسيد وضعفه ابن عدي ورواه أحمد والطبراني من حديث النواس بن سمعان بإسناد جيد (٣) حديث ابن مسعود لا يزال العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذابا متفق عليه (٤) حديث مر برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان الحديث وفيه فقال أوجب أحدهما بالإثم والكفارة أخرجه أبو الفتح الأزدي في كتاب الأسماء المفردة من حديث ناسخ الحضرمي وهكذا رويناها في أمالي ابن سمعون وناسخ ذكره البخاري هكذا في التاريخ وقال أبو حاتم هو عبد الله ابن ناسخ (٥) حديث الكذب ينقص الرزق أخرجه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث أبي هريرة ورويناه كذلك في مشيخة القاضي أبو بكر وإسناده ضعيف (٦) حديث إن التجار هم الفجار الحديث وفيه ويحدثون فيكذبون أخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن شبل وقال ﷺ ثلاثة نفر لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ الْمَنَّانُ بِعَطِيَّتِهِ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ والمسبل إزاره (٧) وقال ﷺ من حلف حالف بالله فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة (٨) حديث أبي ذر ثلاثة يحبهم الله الحديث وفيه وثلاثة يشنؤهم الله التاجر أو البائع الحلاف أخرجه أحمد واللفظ له وفيه ابن الأحمس ولا يعرف حاله ورواه هو والنسائي بلفظ آخر بإسناد جيد وللنسائي من حديث أبي هريرة أربعة يبغضهم الله البياع الحلاف الحديث وإسناده جيد (٩) حديث ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي في الكبرى من رواية يهز بن حكيم عن أبيه عن جده
وقال ﷺ رأيت كأن رجلاً جاءني فقال لي قم فقمت معه فإذا أنا برجلين أحدهما قائم والآخر جالس بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله ثم يجذبه فيلقمه الجانب الآخر فيمده فإذا مده رجع الآخر كما كان فقلت للذي أقامني ما هذا فقال هذا رجل كذاب يعذب في قبره إلى يوم القيامة (١) وعن عبد الله بن جراد قال سألت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله هل يزني المؤمن قال قد يكون ذلك قال يا نبي الله هل يكذب المؤمن قال ﴿لا﴾ ثم أتبعها ﷺ بقول الله تعالى ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾ (٢) وقال أبو سعيد الخدري سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يدعو فيقول في دعائه اللهم طهر قلبي من النفاق وفرجي من الزنا ولساني من الكذب (٣) وقال ﷺ ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر (٤) حديث عبد الله بن عامر جاء رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله تعال أعطيك فقال وما أردت أن تعطيه قالت تمرا فقال إن لم تفعلي كتبت عليك كذبة رواه أبو داود وفيه من لم يسم وقال الحاكم أن عبد الله بن عامر ولد في حياته ﷺ ولم يسمع منه قلت وله شاهد من حديث أبي هريرة وابن مسعود ورجالهما ثقات إلا أن الزهري لم يسمع من أبي هريرة وقال ﷺ لو أفاء الله على نعماً عدد هذا الحصى لَقَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كذاباً ولا جباناً (٥) وقال ﷺ وكان متكئاً ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ثم قعد وقال إلا وقول الزور (٦) وقال ابن عمر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن العبد ليكذب الكذبة ليتباعد الملك عنه مسيرة ميل من نتن ما جاء به (٧) وقال أنس قال النبي ﷺ تقبلوا إلي بست أتقبل لكم بالجنة فقالوا وما هن قال إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا وعد فلا يخلف وإذا ائتمن فلا يخن وغضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وكفوا أيديكم (٨) وقال ﷺ إن للشيطان كحلاً ولعوقاً ونشوقاً أما لعوقه فالكذب وأما نشوقه فالغضب وأما كحله فالنوم (٩) وخطب عمر ﵁ يوماً فقال قام فينا رسول الله ﷺ كقيامي هذا فيكم فقال أحسنوا إلي أصحابي
اً ونشوقاً أما لعوقه فالكذب وأما نشوقه فالغضب وأما كحله فالنوم (٩) وخطب عمر ﵁ يوماً فقال قام فينا رسول الله ﷺ كقيامي هذا فيكم فقال أحسنوا إلي أصحابي
ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل على اليمين ولم يستحلف ويشهد ولم يستشهد (١) وقال النبي ﷺ من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (٢) وقال ﷺ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِإِثْمٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ ﷿ وَهُوَ عليه غضبان (٣) وروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رد شهادة رجل في كذبة كذبها (٤) وقال ﷺ كل خصلة يطبع أو يطوى عليها المسلم إلا الخيانة والكذب (٥) حديث ما كان من خلق الله شيء أشد عند أصحاب رسول الله ﷺ من الكذب ولقد كان يطلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه قد أحدث لله منها توبة أخرجه أحمد من حديث عائشة ورجاله ثقات إلا أنه قال عن ابن أبي مليكة أو غيره وقد رواه أبو الشيخ في الطبقات فقال ابن أبي مليكة ولم يشك وهو صحيح (٦) حديث أربع إذا كن فيك فلا يضرك ما فاتك من الدنيا صدق الحديث الحديث أخرجه الحاكم والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عبد الله بن عمرو وفيه ابن لهيعة (٧) حديث أبي بكر عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة أخرجه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة وقد تقدم بعضه في أول هذا النوع (٨) حديث معاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية وقد تقدم //
رجه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة وقد تقدم بعضه في أول هذا النوع (٨) حديث معاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية وقد تقدم // وأما الآثار فقد قال علي ﵁ أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب وشر الندامة ندامة يوم القيامة وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه ما كذبت كذبة منذ شددت علي إزاري وقال عمر ﵁ أحبكم إلينا ما لم نركم أحسنكم اسماً فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقاً فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة وعن ميمون بن أبي شبيب قال جلست أكتب كتاباً فأتيت على حرف إن أنا كتبته زينت الكتاب وكنت قد كذبت فعزمت على تركه فنوديت من جانب البيت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقال الشعبي ما أدري أيهما أبعد غور في النار الكذاب أو البخيل وقال ابن السماك ما أراني أوجر على ترك الكذب لأني إنما أدعه أنفه وقيل الخالدين صبيح أيسمى الرجل كاذباً بكذبة واحدة قال نعم وقال مالك بن دينار قرأت في بعض الكتب ما من خطيب إلا وتعرض خطبته على عمله فإن كان صادقاً صدق وإن
كان كاذباً قرضت شفتاه بمقاريض من نار كلما قرضتا نبتتا وقال مالك بن دينار الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه وكلم عمر بن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء فقال له كذبت فقال عمر والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه بَيَانُ مَا رُخِّصَ فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ
اعْلَمْ أن الكذب ليس حراماً لعينه بل لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْمُخَاطَبِ أَوْ على غيره فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلاً وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة فالكذب محصل لذلك الجهل فيكون مأذوناً فيه وربما كان واجباً قال ميمون بن مهران الكذب في بعض المواطن خير من الصدق أرأيت لو أن رجلاً سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله فدخل داراً فانتهى إليك فقال أرأيت فلاناً ما كنت قائلاً ألست تقول لم أره وما تصدق به وهذا الكذب واجب فنقول الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحاً وواجب إن كان المقصود واجباً كما أن عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم أمرىء مسلم قَدِ اخْتَفَى مِنْ ظَالِمٍ فَالْكَذِبُ فِيهِ وَاجِبٌ ومهما كَانَ لَا يَتِمُّ مَقْصُودُ الْحَرْبِ أَوْ إِصْلَاحُ ذات البين أن استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراماً في الأصل إلا لضرورة
منه ما أمكن لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراماً في الأصل إلا لضرورة والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث الرجل يقول القول يريد به الإصلاح والرجل يقول القول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها (١) وقالت أيضاً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ خيراً أو نمى خيرا (٢) حديث أسماء بنت يزيد كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما أخرجه أحمد بزيادة فيه وهو عند الترمذي مختصرا وحسنه وروي عن أبي كامل قال وقع بين اثنين من أصحاب النبي ﷺ كلام حتى تصارما فلقيت أحدهما فقلت مالك ولفلان فقد سمعته يحسن عليك الثناء ثم لقيت الآخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين فأخبرت النبي ﷺ فقال يا أبا كاهل أصلح بين الناس (٣) أي ولو بالكذب وقال عطاء بن يسار قال رجل للنبي ﷺ أكذب على أهلي قال لا خير في الكذب قال أعدها وأقول لها قال لا جناح عليك (٤)
ا كاهل أصلح بين الناس (٣) أي ولو بالكذب وقال عطاء بن يسار قال رجل للنبي ﷺ أكذب على أهلي قال لا خير في الكذب قال أعدها وأقول لها قال لا جناح عليك (٤)
وروي أن ابن أبي عذرة الدؤلي وكان في خلافة عمر ﵁ كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن فطارت له في الناس من ذلك أحدوثة يكرهها فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله ثم قال لامرأته أنشدك بالله هل تبغضيني قالت لا تنشدني قال فإني أنشدك الله قالت نعم فقال لابن الأرقم أتسمع ثم انطلقا حتى أتيا عمر ﵁ فقال إنكم لتحدثون إني أظلم النساء وأخلعهن فأسأل ابن الأرقم فسأله فأخبره فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمتها فقال أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه فقالت إني أول من تاب وراجع أمر الله تعالى إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب أفأكذب يا أمير المؤمنين قال نعم فاكذبي فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب وعن النواس بن سمعان الكلابي قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب يكتب على ابن آدم لا محالة إِلَّا أَنْ يَكْذِبَ الرَّجُلُ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّ الحرب خدعة أو يكون بين الرجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها (١) وقال ثَوْبَانُ الْكَذِبُ كُلُّهُ إِثْمٌ إِلَّا مَا نَفَعَ به مسلماً أو دفع عنه ضرراً وقال علي ﵁ إذا حدثتكم عن النبي ﷺ فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب خدعة فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكره أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكر ذلك فيقول ما زنيت وما سرقت وقال ﷺ من ارتكب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله (٢) وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلماً وعرضه بلسانه وإن كان كاذباً
كب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله (٢) وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلماً وعرضه بلسانه وإن كان كاذباً وأما عرض غيره فبأن يسأله عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين اثنين وأن يصلح بين الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه وإن كانت امرأته لا تطاوعه إلا بوعد لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييباً لقلبها أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به ولكن الحد فيه أن الكذب محذور ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعاً في الشرع من الكذب فله الكذب وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب يباح لضرورة أو حاجة مهمة فإن شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه وكذلك مهما كانت الحاجة له فيستحب له أن يترك أغراضه ويهجر الكذب فأما إذا تعلق بغرض غيره فلا تجوز المسامحة لحق الغير والإضرار به وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم ثم هو لزيادات المال والجاه ولأمور ليس فواتها



