إحياء علوم الدين

Kitab adab, dzikir, dan penyucian jiwa karya أبو حامد الغزالي (w. 505 H).

Bagian 45 dari 86 1706 halaman

— Bagian 45 · الذين يكثرون البغضاء لإخوانهم في صدورهم فإذا لقو… —

Bagian 45

الذين يكثرون البغضاء لإخوانهم في صدورهم فإذا لقوهم تملقوا لهم والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله كانوا بطاء وإذا دعوا إلى الشيطان وأمره كانوا سراعاً (٣) وقال ابن مسعود لا يكونن أحدكم إمعة قالوا وما الإمعة قال الذي يجري مع كل ريح واتفقوا على أن ملاقاة الاثنين بوجهين نفاق وللنفاق علامات كثيرة وهذه من جملتها وقد روي أن رجلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مات فلم يصل عليه حذيفة فقال له عمر يموت رجل مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولم تصل عليه فقال يا أمير المؤمنين إنه منهم فقال نشدتك الله أنا منهم أم لا قال اللهم لا ولا أؤمن منها أحداً بعدك فإن قلت بماذا يصير الرجل ذا لسانين وما حد ذلك فأقول إِذَا دَخَلَ عَلَى مُتَعَادِيَيْنِ وَجَامَلَ كُلَّ وَاحِدٍ منهما وكان صادقاً فيه لم يكن منافقاً ولا ذا لسانين فإن الواحد قد يصادق متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوة إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معادة الأعداء كما ذكرنا في كتاب آداب الصحبة والأخوة نعم لو نقل

كَلَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَهُوَ ذو لسانين وهو شر من النميمة إذ يصير نماماً بأن ينقل من أحد الجانبين فقط فإذا نقل من الجانبين فهو شر من النمام وإن لم ينقل كلاماً ولكن حسن لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ المعاداة مع صاحبه فهذا ذو لسانين وكذلك إذا وعد كل واحد منهما بأن ينصره وكذلك إذا أثنى على واحد منهما في معاداته وكذلك إذا أثنى على أحدهما وكان إذا خرج من عنده يذمه فهو ذو لسانين بل ينبغي أن يسكت أو يثني على المحق من المتعاديين ويثني عليه في غيبته وفي حضوره وبين يدي عدوه

أثنى على أحدهما وكان إذا خرج من عنده يذمه فهو ذو لسانين بل ينبغي أن يسكت أو يثني على المحق من المتعاديين ويثني عليه في غيبته وفي حضوره وبين يدي عدوه قيل لابن عمر ﵄ إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول فإذا خرجنا قلنا غيره فقال كنا نعد هذا نفاقاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) وهذا نفاق مهما كان مستغنياً عن الدخول على الأمير وعن الثناء عليه فلو استغنى عن الدخول ولكن إذا دخل يخاف إن لم يثن فهو نفاق لأنه الذي أحوج نفسه إلى ذلك فإن كان مستغنياً عن الدخول لو قنع بالقليل وترك المال والجاه فدخل لضرورة الجاه والغنى وأثنى فهو منافق وهذا معنى قوله ﷺ حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل (٢) لأنه يحوج إلى الأمراء وإلى مراعاتهم ومراءاتهم فأما إذا ابتلى به لضرورة وخاف إن لم يثن فَهُوَ مَعْذُورٌ فَإِنَّ اتِّقَاءَ الشَّرِّ جَائِزٌ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ إِنَّا لَنُكَشِّرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ وَقَالَتْ عائشة ﵂ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رسول الله ﷺ فقال ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ هُوَ ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ فِيهِ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ فَقَالَ يَا عائشة إِنَّ شَرَّ النَّاسِ الَّذِي يُكْرَمُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ (٣) وَلَكِنَّ هَذَا وَرَدَ فِي الْإِقْبَالِ وَفِي الكشر والتبسم فأما الثناء فهو كذب صراح ولا يجوز إلا لضرورة أو إكراه يباح الكذب بمثله كما ذكرناه في آفة الكذب بل لا يَجُوزُ الثَّنَاءُ وَلَا التَّصْدِيقُ وَلَا تَحْرِيكُ الرَّأْسِ فِي مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ عَلَى كُلِّ كَلَامٍ بَاطِلٍ فإن فعل ذلك فَهُوَ مُنَافِقٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْكِرَ فَإِنْ لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه الْآفَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ الْمَدْحُ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَمَّا الذَّمُّ فَهُوَ الْغِيبَةُ والوقيعة فقد ذَكَرْنَا حُكْمَهَا وَالْمَدْحُ يَدْخُلُهُ سِتُّ آفَاتٍ أَرْبَعٌ في الْمَادِحِ وَاثْنَتَانِ فِي الْمَمْدُوحِ

الذَّمُّ فَهُوَ الْغِيبَةُ والوقيعة فقد ذَكَرْنَا حُكْمَهَا وَالْمَدْحُ يَدْخُلُهُ سِتُّ آفَاتٍ أَرْبَعٌ في الْمَادِحِ وَاثْنَتَانِ فِي الْمَمْدُوحِ فَأَمَّا الْمَادِحُ فَالْأُولَى أنه قد يفرط فينتهي به إلى الكذب قال خالد بن معدان من مدح إماماً أو أحداً بما ليس فيه على رءوس الأشهاد بعثه الله يوم القيامة يتعثر بلسانه وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ فَإِنَّهُ بِالْمَدْحِ مظهر للحب وقد لا يكون مضمراً له وَلَا مُعْتَقِدًا لِجَمِيعِ مَا يَقُولُهُ فَيَصِيرُ بِهِ مرائياً منافقاً الثالثة أَنَّهُ قَدْ يَقُولُ مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ وَلَا سبيل له إلى الإطلاع عليه وروي أن رجلاً مدح رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فقال له ﵇ ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح ثم قال إن كان أحدكم لا بد مادحا

أَخَاهُ فَلْيَقُلْ أَحْسَبُ فُلَانًا وَلَا أُزَكِّي عَلَى الله أحد حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك (١) وهذه الآفة تتطرق إلى المدح بالأوصاف المطلقة التي تعرف بالأدلة كقولة إنه متق وورع وزاهد وخير وما يجري مجراه فأما إذا قال رأيته يصلي بالليل ويتصدق ويحج فهذه أمور مستيقنة ومن ذلك قوله إنه عدل رضا فإن ذلك خفي فلا ينبغي أن يجزم القول فيه إِلَّا بَعْدَ خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ سَمِعَ عمر ﵁ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ أَسَافَرْتَ مَعَهُ قَالَ لَا قَالَ أَخَالَطْتَهُ فِي الْمُبَايَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ قَالَ لَا قَالَ فَأَنْتَ جَارُهُ صَبَاحَهُ وَمَسَاءَهُ قَالَ لَا فَقَالَ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا أُرَاكَ تَعْرِفُهُ الرابعة أَنَّهُ قَدْ يَفْرَحُ الْمَمْدُوحُ وَهُوَ ظَالِمٌ أَوْ فاسق وذلك غير جائز قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق (٢) وقال الحسن مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِطُولِ الْبَقَاءِ فَقَدْ أحب أن يعصي الله تعالى في أرضه والظالم الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم ولا يمدح ليفرح وَأَمَّا الْمَمْدُوحُ فَيَضُرُّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يحدث فيه كبراً وإعجاباً وهما مهلكان قال الحسن ﵁ كان عمر ﵁ جالساً ومعه الدرة والناس حوله إذ أقبل الجارود بن المنذر فقال رجل هذا سيد ربيعة فسمعها عمر ومن حوله وسمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرة فقال مالي ولك يا أمير المؤمنين قال مالي ولك أما سمعتها قال سمعتها فمه قال خشيت أن يخالط قلبك منها شيء فأحببت أن أطأطيء منك الثاني هو أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه ومن أعجب بنفسه قل تشمره وإنما يتشمر للعمل من يرى نفسه مقصراً فأما إذا انطلقت الألسن بالثناء عليه ظن أنه قد أدرك ولهذا قال ﵇ قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح وقال ﷺ إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما أمررت على حلقه موسى وميضاً (٣)

لقت الألسن بالثناء عليه ظن أنه قد أدرك ولهذا قال ﵇ قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح وقال ﷺ إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما أمررت على حلقه موسى وميضاً (٣) وقال أيضاً لمن مدح رجلاً عقرت الرجل عقرك الله (٤) وقال مطرف ما سمعت قط ثناء ولا مدحة إلا تصاغرت إلى نفسي وقال زياد بن أبي مسلم ليس أحد يسمع ثناء عليه أو مدحة إلا تراءى له الشيطان ولكن المؤمن يراجع فقال ابن المبارك لقد صدق كلاهما أما ما ذكره زياد فذلك قلب العوام وأما ما ذكره مطرف فذلك قلب الخواص وقال ﷺ لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف كان خيراً له من أن يثني عليه في وجهه (٥) حديث لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح تقدم في العلم وقال في عمر لو لم أبعث لبعثت

يا عمر (١) وأي ثناء يزيد على هذا ولكنه ﷺ قال عن صدق وبصيرة وكانوا ﵃ أجل رتبة من أن يورثهم ذلك كبراً وعجباً وفتوراً بل مدح الرجل نفسه قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر إذا قال ﷺ أنا سيد ولد آدم ولا فخر (٢) أي لست أقول هذا تفاخراً كما يقصد الناس بالثناء على أنفسهم وذلك لأن افتخاره ﷺ كان بالله وبالقرب من الله لا بولد آدم وتقدمه عليهم كما أن المقبول عند الملك قبولاً عظيماً إنما يفتخر بقبوله إياه وبه يفرح لا بتقدمه على بعض رعاياه وبتفصيل هذه الآفات تقدر على الجمع بين ذم المدح وبين الحث عليه قال ﷺ وجبت (٣) لما أثنوا على بعض الموتى وقال مجاهد إن لبني آدم جلساء من الملائكة فإذا ذكر الرجل المسلم أخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك بمثله وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة يا ابن آدم المستور عورتك أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر عورتك فهذه آفات المدح بيان ما على الممدوح

الملائكة ولك بمثله وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة يا ابن آدم المستور عورتك أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر عورتك فهذه آفات المدح بيان ما على الممدوح

اعلم أن على الْمَمْدُوحِ أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ آفَةِ الكبر والعجب وآفة الفتور ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ودقائق الرياء وآفات الأعمال فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح ولو انْكَشَفَ لَهُ جَمِيعُ أَسْرَارِهِ وَمَا يَجْرِي عَلَى خواطره لكف المادح عن مدحه وعليه أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح قال ﷺ احثوا التراب في وجوه المادحين (٤) وقال سفيان بن عيينة لا يضر المدح من عرف نفسه وأثنى على رجل من الصالحين فقال اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني وقال آخر لما أثنى عليه اللهم إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك وأنا أشهدك على مقته وقال علي ﵁ لما أثنى عليه اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ وَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ وأثنى رجل على عمر ﵁ فقال أتهلكني وتهلك نفسك وأثنى رجل على علي كرم الله وجهه في وجهه وكان قد بلغه أنه يقع فيه فقال أنا دون ما قلت وفوق ما في نفسك الآفة التاسعة عشر الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته ويرتبط بأمور الدين فلا يقدر على تقويم اللفظ في أمور الدين إلا العلماء الفصحاء فمن قصر في علم أو فصاحة لم يخل كلامه عن الزلل لكن الله تعالى يعفو عنه لجهله مثاله ما قال حذيفة قال النبي ﷺ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ وَلَكِنْ لِيَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ (٥) وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الْعَطْفِ الْمُطْلَقِ تَشْرِيكًا وَتَسْوِيَةً وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الاحترام وقال ابن عباس ﵄ جاء رجل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يكلمه في بعض الأمر فقال ما شاء الله وشئت فقال

صلى الله عليه وسلم أجعلتني لله عديلاً بل ما شاء الله وحده (١) وخطب رجل عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى (٢) فكره رسول الله ﷺ قوله ومن يعصهما لأنه تسوية وجمع وَكَانَ إبراهيم يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَعُوذُ بالله وبك وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ وأن يقول لولا الله ثم فلان ولا يقول لولا الله وفلان وكره بعضهم أن يقال اللهم أعتقنا من النار وكان يقول العتق يكون بعد الورود وكانوا يستجيرون من النار ويتعوذون من النار وقال رجل اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد ﷺ فقال حذيفة إن الله يغني المؤمنين عن شفاعة محمد وتكون شفاعته للمذنبين من المسلمين وقال إبراهيم إذا قال الرجل للرجل يا حمار يا خنزير قيل له يوم القيامة حماراً رأيتني خلقته خنزيراً رأيتني خلقته وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُشْرِكُ حَتَّى يُشْرِكَ بِكَلْبِهِ فَيَقُولُ لَوْلَاهُ لسرقنا الليلة وقال عمر ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت (٣) قال عمر ﵁ فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُهَا وَقَالَ ﷺ لا تسموا العنب كرماً إنما الكرم الرجل المسلم (٤) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَلَا أَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إماء الله وليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي ولا يقول الْمَمْلُوكُ رَبِّي وَلَا رَبَّتِي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي فكلكم عَبِيدُ اللَّهِ وَالرَّبُّ اللَّهُ ﷾ وَقَالَ ﷺ لا تقولوا للفاسق سَيِّدَنَا فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ سَيِّدَكُمْ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ ربكم (٥) وَقَالَ ﷺ مَنْ قَالَ أنا بريء من الإسلام فإن كان صادقاً فهو كما قال وإن كان كاذباً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً (٦) فهذا وأمثاله مما يدخل في الكلام ولا يمكن حصره

َنْ قَالَ أنا بريء من الإسلام فإن كان صادقاً فهو كما قال وإن كان كاذباً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً (٦) فهذا وأمثاله مما يدخل في الكلام ولا يمكن حصره ومن تأمل جميع ما أوردنا من آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم وعند ذلك يعرف سر قوله ﷺ من صمت نجا (٧) لأن هذه الآفات كلها مهالك ومعاطب وهي على طريق المتكلم فإن سكت سلم من الكل وإن نطق وتكلم خاطر بنفسه إلا أن يوافقه لسان فصيح وعلم غزير وورع حافظ ومراقبة لازمة ويقلل من الكلام فعساه يسلم عند ذلك وهو مع جميع ذلك لا ينفك عن الخطر فإن كنت لا تقدر على أن تكون ممن تكلم فغنم فكن ممن سكت فسلم فالسلامة إحدى الغنيمتين الآفة العشرون سؤال العوام عن صفات الله تعالى وعن كلامه وعن الحروف وأنها قديمة أو محدثة ومن حقهم الاشتغال بالعمل بما في القرآن إلا أن ذلك ثقيل على النفوس والفضول خفيف على القلب والعامي يَفْرَحُ بِالْخَوْضِ فِي الْعِلْمِ إِذِ الشَّيْطَانُ يُخَيِّلُ إليه أنك مِنَ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَلَا يَزَالُ يُحَبِّبُ إليه ذلك حتى يتكلم في العلم بما هو كفر وهو

ْعِلْمِ إِذِ الشَّيْطَانُ يُخَيِّلُ إليه أنك مِنَ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَلَا يَزَالُ يُحَبِّبُ إليه ذلك حتى يتكلم في العلم بما هو كفر وهو

لا يدري وكل كبيرة يرتكبها العامي فهي أسلم له من أن يتكلم في العلم لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته وإنما شأن العوام الاشتغال بالعبادات والإيمان بما ورد به القرآن والتسليم لما جاء به الرسل من غير بحث وسؤالهم عن غير ما يتعلق بالعبادات وسوء أدب منهم يستحقون به المقت من الله ﷿ ويتعرضون لخطر الكفر وهو كسؤال ساسة الدواب عن أسرار الملوك وهو موجب للعقوبة وَكُلُّ مَنْ سَأَلَ عَنْ عِلْمٍ غَامِضٍ وَلَمْ يَبْلُغْ فَهْمُهُ تِلْكَ الدَّرَجَةَ فَهُوَ مَذْمُومٌ فَإِنَّهُ بالإضافة إليه عامي ولذلك قال ﷺ ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم (١) وقال أنس سأل الناس رسول الله ﷺ يوماً فأكثروا عليه وأغضبوه فصعد المنبر وقال سلوني لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به فقام إليه رجل فقال يا رسول الله من أبي فقال أبوك حذافة فقام إليه شابان أخوان فقالا يا رسول الله من أبوناً فقال أبوكما الذي تدعيان إليه ثم قام إليه رجل آخر فقال يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار فقال لا بل في النار فلما رأى الناس غضب رسول الله ﷺ أمسكوا فقام إليه عمر ﵁ فقال رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً فقال اجلس يا عمر رحمك الله إنك ما علمت لموفق (٢) وَفِي الْحَدِيثِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وكثرة السؤال (٣) حديث يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقولوا قد خلق الله الخلق الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم (٤) حديث جابر ما نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال رواه البزار بإسناد جيد //

حتى يقولوا قد خلق الله الخلق الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم (٤) حديث جابر ما نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال رواه البزار بإسناد جيد // وفي قصة موسى والخضر ﵉ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ السُّؤَالِ قَبْلَ أَوَانِ اسْتِحْقَاقِهِ إِذْ قَالَ ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ منه ذكراً﴾ فَلَمَّا سَأَلَ عَنِ السَّفِينَةِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ حَتَّى اعْتَذَرَ وَقَالَ ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا ترهقني من أمري عسراً﴾ فلم يَصْبِرْ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا قَالَ ﴿هَذَا فِرَاقُ بيني وبينك﴾ وَفَارَقَهُ فَسُؤَالُ الْعَوَامِّ عَنْ غَوَامِضِ الدِّينِ مِنْ أعظم الآفات وهو من المثيرات للفتن فيجب قمعهم ومنعهم من ذلك وخوضهم في حروف القرآن يضاهي حال من كتب الملك إليه كتاباً ورسم له فيه أموراً فلم يشتغل بشيء منها وضيع زمانه في أن قرطاس الكتاب عتيق أم حديث فاستحق بذلك العقوبة لا محالة فكذلك تضييع العامي حدود القرآن واشتغاله بحروفه أهي قديمة أم حديثة وكذلك سائر صفات الله ﷾ والله تعالى أعلم

كتاب ذم الغضب والحقد والحسد وهو الكتاب الخامس من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي له يتكل على عفوه ورحمته إلا الراجون ولا يحذر سوء غضبه وسطوته إلا الخائفون الذي استدرج عباده من حديث لا يعلمون وسلط عليهم الشهوات وأمرهم بترك ما يشتهون وابتلاهم بالغضب وكلفهم كظم الغيظ فيما يغضبون ثم حفهم بالمكاره واللذات وأملى لهم لينظر كيف يعملون وامتحن بهم حبهم ليعلم صدقهم فيما يدعون وعرفهم أنه لا يخفى عليه شيء مما يسرون وما يعلنون وحذرهم أن يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون فقال ﴿ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون﴾ والصلاة والسلام على محمد رسوله الذي يسير تحت لوائه النبيون وعلى آله وأصحابه الأئمة المهديين والسادة المرضيين صلاة يوازي عددها عدد ما كان من خلق الله وما سيكون ويحظى ببركتها الأولون والآخرون وسلم تسليماً كثيراً أما بعد فإن الْغَضَبَ شُعْلَةُ نَارٍ اقْتُبِسَتْ مِنْ نَارِ اللَّهِ الموقدة التي تطلع على الْأَفْئِدَةَ وَإِنَّهَا لَمُسْتَكِنَّةٌ فِي طَيِّ الْفُؤَادِ اسْتِكْنَانَ الجمر تحت الرماد ويستخرجه الْكِبْرُ الدَّفِينُ فِي قَلْبِ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ كَاسْتِخْرَاجِ الْحَجَرِ النَّارَ مِنَ الْحَدِيدِ وَقَدِ انْكَشَفَ لِلنَّاظِرِينَ بِنُورِ الْيَقِينِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْزِعُ مِنْهُ عِرْقٌ إِلَى الشَّيْطَانِ اللَّعِينِ فَمَنِ اسْتَفَزَّتْهُ نَارُ الْغَضَبِ فَقَدْ قَوِيَتْ فِيهِ قَرَابَةُ الشَّيْطَانِ حَيْثُ قَالَ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ فَإِنَّ شَأْنَ الطِّينِ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ وَشَأْنَ النَّارِ التَّلَظِّي وَالِاسْتِعَارُ وَالْحَرَكَةُ وَالِاضْطِرَابُ وَمِنْ نَتَائِجِ الْغَضَبِ الْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَبِهِمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَفَسَدَ مَنْ فَسَدَ وَمُفِيضُهُمَا مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ معها سائر الْجَسَدُ وَإِذَا كَانَ الْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَالْغَضَبُ مِمَّا يَسُوقُ الْعَبْدَ إِلَى مُوَاطِنِ الْعَطَبِ فَمَا أَحْوَجَهُ إلى معرفة معاطبه ومساويه

لْجَسَدُ وَإِذَا كَانَ الْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَالْغَضَبُ مِمَّا يَسُوقُ الْعَبْدَ إِلَى مُوَاطِنِ الْعَطَبِ فَمَا أَحْوَجَهُ إلى معرفة معاطبه ومساويه لِيَحْذَرَ ذَلِكَ وَيَتَّقِيَهُ وَيُمِيطَهُ عَنِ الْقَلْبِ إِنْ كان وينفيه ويعالجه إن رسخ في قلبه ويداويه فإن من لا يعرف الشر يقع فيه ومن عرفه فالمعرفة لا تكفيه ما لم يعرف الطريق الذي به يدفع الشر ويقصيه ونحن نذكر ذم الغضب وآفات الحقد والحسد في هذا الكتاب ويجمعها بيان ذم الغضب ثم بيان حقيقة الغضب ثم بيان أن الغضب هل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا ثم بيان الأسباب المهيجة للغضب ثم بيان علاج الغضب بعد هيجانه ثم بيان فضيلة كظم الغيظ ثم بيان فضيلة الحلم ثم بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام ثم القول في معنى الحقد ونتائجه وفضيلة العفو والرفق ثم القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب في إزالته ثم بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العم والأقارب وتأكده وقلته في غيرهم وضعفه ثم بيان الدواء الذي به ينفى مرض الحسد عن القلب ثم بيان القدر الواجب في نفي الحسد عن القلب وبالله التوفيق بَيَانُ ذَمِّ الْغَضَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى﴾

َالَى ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى﴾

﴿المؤمنين﴾ الْآيَةَ ذَمَّ الْكُفَّارَ بِمَا تَظَاهَرُوا بِهِ مِنَ الْحَمِيَّةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْغَضَبِ بِالْبَاطِلِ وَمَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ بما أنزل الله عليهم من السكينة وروى أبو هريرة أَنْ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِعَمَلٍ وَأَقْلِلْ قَالَ لَا تَغْضَبْ ثُمَّ أَعَادَ عليه فقال لا تغضب (١) وقال ابن عمر قلت لرسول الله ﷺ قل لي قولاً وأقلله لعلي أعقله فقال لا تغضب فأعدت عليه مرتين كل ذلك يرجع إلى لا تغضب (٢) وعن عبد الله بن عمرو أنه سأل رسول الله ﷺ ماذا ينقذني من غضب الله قال لا تغضب (٣) وقال ابن مسعود قال النبي ﷺ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ قُلْنَا الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغضب (٤) وقال أبو هريرة قال النبي ﷺ ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب (٥) وقال ابن عمر قال النبي ﷺ من كف غضبه ستر الله عورته (٦) وقال سليمان ابن داود ﵉ يا بني إياك وكثرة الغضب فإن كثرة الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم وعن عكرمة في قوله تعالى ﴿وسيداً وحصوراً﴾ قال السيد الذي لا يغلبه الغضب وقال أبو الدرداء قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال لا تغضب (٧) وقال يحيى لعيسى ﵉ لا تغضب قال لا أستطيع أن لا أغضب إنما أنا بشر قال لا تقتن مالاً قال هذا عسى وقال ﷺ الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل (٨) وقال ﷺ ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم (٩) وقال له رجل أي شيء أشد على الله قال ﴿غضب الله﴾ قال فما يبعدني عن غضب الله قال لا تغضب (١٠)

سد الصبر العسل (٨) وقال ﷺ ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم (٩) وقال له رجل أي شيء أشد على الله قال ﴿غضب الله﴾ قال فما يبعدني عن غضب الله قال لا تغضب (١٠) الآثار قال الحسن يا ابن آدم كلما غضبت وثبت ويوشك أن تثب وثبة فتقع في النار وعن ذي القرنين أنه لقي ملكاً من الملائكة فقال علمني علماً أزداد به إيماناً ويقيناً قال لا تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب فرد الغضب بالكظم وسكنه بالتؤدة وإياك والعجلة فإنك إذا عجلت أخطأت حظك وكن سهلاً ليناً للقريب والبعيد ولا تكن جباراً عنيداً وعن وهب بن منبه إن راهباً كان في صومعته فأراد الشيطان أن يضله فلم يستطع فجاءه حتى ناداه فقال له افتح فلم يجبه فقال افتح فإني إن ذهبت ندمت فلم يلتفت إليه فقال إني أنا المسيح قال الراهب وإن كنت المسيح فما أصنع بك أليس قد أمرتنا بالعبادة والاجتهاد ووعدتنا القيامة فلو جئتنا اليوم بغيره لم نقبله منك فقال إني الشيطان وقد أردت أن أضلك فلم أستطع فجئتك لتسألني

عما شئت فأخبرك فقال ما أريد أن أسألك عن شيء قال فولى مدبراً فقال الراهب ألا تسمع قال بلى قال أخبرني أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم فقال الحدة إن الرجل إذا كان حديداً قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة وقال خيثمة الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه وقال جعفر بن محمد الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ وَقَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ رَأْسُ الْحُمْقِ الْحِدَّةُ وَقَائِدُهُ الْغَضَبُ وَمَنْ رَضِيَ بِالْجَهْلِ اسْتَغْنَى عَنِ الْحِلْمِ وَالْحِلْمُ زَيْنٌ وَمَنْفَعَةٌ وَالْجَهْلُ شَيْنٌ وَمَضَرَّةٌ وَالسُّكُوتُ عَنْ جَوَابِ الْأَحْمَقِ جوابه وقال مجاهد قال إبليس ما أعجزني بنو آدم فلن يعجزوني في ثلاث إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامته فقدناه حيث شئنا وعمل لنا بما أحببنا وإذا غضب قال بما لا يعلم وعمل بما يندم ونبخله بما في يديه ونمنيه بما لا يقدر عليه وقيل لحكيم ما أملك فلاناً لنفسه قال إذاً لا تذله الشهوة ولا يصرعه الهوى ولا يغلبه الغضب وقال بعضهم إياك والغضب فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار وقيل اتقوا الغضب فإنه يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل وقال عبد الله بن مسعود انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه وأمانته عند طمعه وما علمك بحلمه إذا لم يغضب وما علمك بأمانته إذا لم يطمع وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله أن لا تعاقب عند غضبك وإذا غضبت على رجل فأحبسه فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ولا تجاوز به خمسة عشر سوطاً وقال علي بن زيد أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول فأطرق عمر زماناً طويلاً ثم قال أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً وقال بعضهم لابنه يا بني لا يثبت العقل عند الغضب كما لا تثبت روح الحي في التنانير المسجورة فأقل الناس غضباً أعقلهم فإن كان للدنيا كان دهاء ومكراً وإن كان للآخرة كان حلماً وعلماً فقد قيل الغضب عدو العقل والغضب غول العقل

في التنانير المسجورة فأقل الناس غضباً أعقلهم فإن كان للدنيا كان دهاء ومكراً وإن كان للآخرة كان حلماً وعلماً فقد قيل الغضب عدو العقل والغضب غول العقل وكان عمر ﵁ إذا خطب قال في خطبته أفلح منكم من حفظ من الطمع والهوى والغضب وقال بعضهم من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النار وَقَالَ الحسن مِنْ عَلَامَاتِ الْمُسْلِمِ قُوَّةٌ فِي دِينٍ وَحَزْمٌ فِي لِينٍ وَإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ وَعِلْمٌ فِي حِلْمٍ وَكَيْسٌ فِي رِفْقٍ وَإِعْطَاءٌ فِي حَقٍّ وَقَصْدٌ فِي غِنًى وَتَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ وَإِحْسَانٌ فِي قُدْرَةٍ وَتَحَمُّلٌ فِي رَفَاقَةٍ وَصَبْرٌ فِي شِدَّةٍ لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ وَلَا تَجْمَحُ بِهِ الْحَمِيَّةُ وَلَا تَغْلِبُهُ شَهْوَةٌ وَلَا تَفْضَحُهُ بِطْنَةٌ وَلَا يَسْتَخِفُّهُ حِرْصُهُ وَلَا تَقْصُرُ بِهِ نِيَّتُهُ فَيَنْصُرُ الْمَظْلُومَ وَيَرْحَمُ الضَّعِيفَ وَلَا يَبْخَلُ وَلَا يُبَذِّرُ وَلَا يُسْرِفُ وَلَا يُقَتِّرُ يَغْفِرُ إِذَا ظُلِمَ وَيَعْفُو عَنِ الْجَاهِلِ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَخَاءٍ وقيل لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة فقال اترك الغضب وقال نبي من الأنبياء لمن تبعه من يتكفل لي أن لا يغضب فيكون معي في درجتي ويكون بعدي خليفتي فقال شاب من القوم أنا ثم أعاد عليه فقال الشاب أنا أوفي به فلما مات كان في منزلته بعده وهو ذو الكفل سمي به لأنه تكفل بالغضب ووفى به وقال وهب بن منبه للكفر أربعة أركان الغضب والشهوة والخرق والطمع بيان حقيقة الغضب

اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معرضاً للفساد والموتان بأسباب في داخل بدنه وأسباب خارجة عنه أنعم عليه بما يحميه عن الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه أما السبب الداخلي فهو أنه ركبه من الحرارة والرطوبة وجعل بين الحرارة والرطوبة عداوة ومضادة فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة وتجففها وتبخرها حتى تصير أجزاؤها بخاراً يتصاعد منها فلو لم يصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في

جزاؤها بخاراً يتصاعد منها فلو لم يصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في

الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم ليكون ذلك حافظاً له من الهلاك بهذا السبب وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإنسان فكالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه فتدفع المهلكات عنه فخلق الله طبيعة الغضب من النار وغرزها في الإنسان وعجنها بطينته فمهما صد عن غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب وثارت ثوراناً يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يَغْلِي فِي الْقِدْرِ فَلِذَلِكَ يَنْصَبُّ إِلَى الْوَجْهِ فَيَحْمَرُّ الْوَجْهُ وَالْعَيْنُ وَالْبَشَرَةُ لِصَفَائِهَا تَحْكِي لَوْنَ مَا وَرَاءَهَا مِنْ حُمْرَةِ الدَّمِ كَمَا تَحْكِي الزجاجة لون ما فيها وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه فإن صدر الغضب على من فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزناً ولذلك يصفر اللون وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويضطرب وبالجملة فقوة الْغَضَبِ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَمَعْنَاهَا غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ بطلب الانتقام وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها ولا تسكن إلا به ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ فِي هَذِهِ الْقُوَّةِ عَلَى درجات ثلاث في أول الفطرة من التفريط والإفراط والاعتدال

هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها ولا تسكن إلا به ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ فِي هَذِهِ الْقُوَّةِ عَلَى درجات ثلاث في أول الفطرة من التفريط والإفراط والاعتدال أما التفريط فبفقد هَذِهِ الْقُوَّةِ أَوْ ضَعْفُهَا وَذَلِكَ مَذْمُومٌ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُ لَا حَمِيَّةَ لَهُ ولذلك قال الشافعي ﵀ من استغضب فلم يغضب فهو حمار فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلاً فهو ناقص جداً وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِالشِّدَّةِ وَالْحَمِيَّةِ فَقَالَ ﴿أَشِدَّاءُ على الكفار رحماء بينهم﴾ وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ الآية وَإِنَّمَا الْغِلْظَةُ وَالشِّدَّةُ مِنْ آثَارِ قُوَّةِ الْحَمِيَّةِ وَهُوَ الْغَضَبُ وَأَمَّا الْإِفْرَاطُ فَهُوَ أَنْ تَغْلِبَ هَذِهِ الصِّفَةُ حَتَّى تَخْرُجَ عَنْ سِيَاسَةِ الْعَقْلِ والدين وطاعته ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وَفِكْرَةٌ وَلَا اخْتِيَارٌ بَلْ يَصِيرُ فِي صُورَةِ المضطر وسبب غلبته أمور غريزية وأمور اعتيادية فرب إنسان هو بالفطرة مستعد لسرعة الغضب حتى كأن صورته في الفطرة صورة غضبان ويعين على ذلك حرارة مزاج القلب لأن الغضب من النار (١) كما قال ﷺ وإنما برودة المزاج تطفئه وتكسر سورته

د لسرعة الغضب حتى كأن صورته في الفطرة صورة غضبان ويعين على ذلك حرارة مزاج القلب لأن الغضب من النار (١) كما قال ﷺ وإنما برودة المزاج تطفئه وتكسر سورته وأما الأسباب الاعتيادية فهو أن يخالط قوماً يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية فيقول الواحد منهم أنا الذي لا أصبر على المكر والمحال ولا أحتمل من أحد أمرا ومعناه لا عقل في ولا حلم ثم يذكره في معرض الفخر بجهله فمن سمعه رسخ في نفسه حسن الغضب وحب التشبه بالقوم فيقوى به الغضب ومهما اشتدت نار الغضب وقوى اضطرامها أعمت صاحبها وأصمته عن كل موعظة فإذا وعظ لم يسمع بل زاده ذلك غضباً وإذا استضاء بنور عقله وراجع نفسه لم يقدر إذ ينطفيء نور العقل وينمحي في الحال بدخان الغضب فإن معدن الفكر الدماغ ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان مظلم إلى الدماغ يستولي على معادن الفكر وربما يتعدى إلى معادن الحس فتظلم عينه حتى لا يرى بعينه وتسود عليه الدنيا بأسرها ويكون دماغه على مثال كهف اضطرمت فيه نار فاسود جوه وحمى مستقره وامتلأ بالدخان جوانيه وكان فيه سراج ضعيف فانمحى أو انطفأ نوره فلا تثبت فيه قدم ولا يسمع فيه كلام ولا ترى فيه صورة ولا يقدر على إطفائه لا من داخل ولا من خارج بل ينبغي

أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق فكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ وربما تقوى نار الغضب فتفني الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظاً كما تقوى النار في الكهف فينشق وتنهد أعاليه على أسفله وذلك لإبطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه فهكذا حال القلب عند الغضب وبالحقيقة فالسفينة في ملتطم الأمواج عند اضطراب الرياح في لجة البحر أحسن حالاً وأرجى سلامة من النفس المضطربة غيظاً إذ في السفينة من يحتال لتسكينها وتدبيرها وينظر لها ويسوسها وأما القلب فهو صاحب السفينة وقد سقطت حيلته إذا أعماه الغضب وأصمه وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْغَضَبِ فِي الظَّاهِرِ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ وَشِدَّةُ الرِّعْدَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَخُرُوجُ الْأَفْعَالِ عَنِ التَّرْتِيبِ وَالنِّظَامِ وَاضْطِرَابُ الْحَرَكَةِ وَالْكَلَامِ حَتَّى يَظْهَرَ الزَّبَدُ عَلَى الْأَشْدَاقِ وَتَحْمَرَّ الْأَحْدَاقُ وَتَنْقَلِبَ الْمَنَاخِرُ وَتَسْتَحِيلَ الْخِلْقَةُ وَلَوْ رَأَى الْغَضْبَانُ فِي حالة غَضَبِهِ قُبْحَ صُورَتِهِ لَسَكَنَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَاسْتِحَالَةِ خِلْقَتِهِ وَقُبْحُ بَاطِنِهِ أَعْظَمُ مَنْ قُبْحِ ظَاهِرِهِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ وَإِنَّمَا قَبُحَتْ صُورَةُ الْبَاطِنِ أَوَّلًا ثُمَّ انْتَشَرَ قُبْحُهَا إِلَى الظَّاهِرِ ثَانِيًا فَتَغَيُّرُ الظَّاهِرِ ثَمَرَةُ تغير الباطن فقس الثمرة بالمثمرة فَهَذَا أَثَرُهُ فِي الْجَسَدِ وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقُهُ بِالشَّتْمِ وَالْفُحْشِ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ ذُو الْعَقْلِ وَيَسْتَحِي مِنْهُ قَائِلُهُ عِنْدَ فُتُورِ الْغَضَبِ وَذَلِكَ مَعَ تَخَبُّطِ النَّظْمِ واضطراب اللفظ

ْكَلَامِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ ذُو الْعَقْلِ وَيَسْتَحِي مِنْهُ قَائِلُهُ عِنْدَ فُتُورِ الْغَضَبِ وَذَلِكَ مَعَ تَخَبُّطِ النَّظْمِ واضطراب اللفظ أما أَثَرُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ فَالضَّرْبُ وَالتَّهَجُّمُ وَالتَّمْزِيقُ وَالْقَتْلُ والجرح عند التمكن من غير مبالاة فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه فمزق ثَوْبَ نَفْسِهِ وَيَلْطُمُ نَفْسَهُ وَقَدْ يَضْرِبُ بِيَدِهِ على الأرض ويعدو عدو الواله السكران والمدهوش المتحير وربما يسقط سريعاً لا يطيق العدو والنهوض بسبب شدة الغضب ويعتر به مثل الغشية وربما يضرب الجمادات والحيوانات فيضرب القصعة مثلاً على الأرض وقد يكسر المائدة إذا غضب عليها ويتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجمادات ويخاطبها ويقول إلى متى منك هذا يا كيت وكيت كأنه يخاطب عاقلاً حتى ربما رفسته دابة فيرفس الدابة ويقابلها بذلك وأما أثرة في القلب مع المغضوب عليه فَالْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَإِضْمَارُ السُّوءِ وَالشَّمَاتَةُ بِالْمَسَاءَاتِ وَالْحُزْنُ بِالسُّرُورِ وَالْعَزْمُ عَلَى إِفْشَاءِ السِّرِّ وَهَتْكِ السِّتْرِ وَالِاسْتِهْزَاءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ فَهَذِهِ ثَمَرَةُ الْغَضَبِ الْمُفْرِطِ وَأَمَّا ثَمَرَةُ الْحَمِيَّةِ الضَّعِيفَةِ فَقِلَّةُ الْأَنَفَةِ مِمَّا يُؤْنَفُ مِنْهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْحُرُمِ والزوجة والأمة واحتمال الذل من الأخساء وصغر النفس والقماءة وَهُوَ أَيْضًا مَذْمُومٌ إِذْ مِنْ ثَمَرَاتِهِ عَدَمُ الغيرة على الحرام وهو خنوثة قَالَ ﷺ إِنَّ سعدا لغيور وأنا أغير من سعد وأن الله أَغْيَرُ مِنِّي (١) وَإِنَّمَا خُلِقَتِ الْغَيْرَةَ لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ وَلَوْ تَسَامَحَ النَّاسُ بِذَلِكَ لَاخْتَلَطَتِ الْأَنْسَابُ وَلِذَلِكَ قِيلَ كُلُّ أُمَّةٍ وُضِعَتِ الْغَيْرَةُ فِي رِجَالِهَا وُضِعَتِ الصِّيَانَةُ فِي نِسَائِهَا وَمِنْ ضَعْفِ الْغَضَبِ الْخَوَرُ وَالسُّكُوتُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَقَدْ قَالَ ﷺ خير أمتي أحداؤها (٢)

عَتِ الصِّيَانَةُ فِي نِسَائِهَا وَمِنْ ضَعْفِ الْغَضَبِ الْخَوَرُ وَالسُّكُوتُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَقَدْ قَالَ ﷺ خير أمتي أحداؤها (٢) يعني في الدين وقال تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ بل من فقد الغضب عجز عن رياضة نفسه إذ لا تتم الرياضة إلا بتسليط الغضب على الشهوة حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة فَفَقْدُ الْغَضَبِ مَذْمُومٌ وَإِنَّمَا الْمَحْمُودُ غَضَبٌ يَنْتَظِرُ إِشَارَةَ الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَيَنْبَعِثُ حَيْثُ تَجِبُ الْحَمِيَّةُ وينطفيء حَيْثُ يَحْسُنُ الْحِلْمُ وَحِفْظُهُ عَلَى حَدِّ الِاعْتِدَالِ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ وَهُوَ الْوَسَطُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

حيث قال خير الأمور أوساطها (١) فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين فهو الصراط المستقيم وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف فأن عجز عنه فليطلب القرب منه قال تعالى ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ فليس كل من عجز عن الإتيان بالخير كله ينبغي أن يأتي بالشر كله ولكن بعض الشر أهون من بعض وبعض الخير أرفع من بعض فهذه حقيقة الغضب ودرجاته نسأله الله حسن التوفيق لما يرضيه إنه على ما يشاء قدير بيان الغضب هل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا اعلم أنه ظن ظانون أنه يتصور محو الغضب بالكلية وزعموا أن الرياضة إليه تتوجه وإياه تقصد وظن آخرون أنه أصل لا يقبل العلاج وهذا رأي من يظن أن الخلق كالخلق وكلاهما لا يقبل التغيير وكلا الرأيين ضعيف بل الحق فيه ما نذكره وهو أنه ما بقي الْإِنْسَانُ يُحِبُّ شَيْئًا وَيَكْرَهُ شَيْئًا فَلَا يَخْلُو من الغيظ والغضب وما دام يوافقه شيء ويخالفه آخر فلا بد من أن يحب ما يوافقه ويكره ما يخالفه والغضب يتبع ذلك فإنه مهما أخذ منه محبوبه غضب لا محالة وإذا قصد بمكروه غضب لا محالة إلا أن ما يحبه الإنسان ينقسم إلى ثلاثة أقسام الأول ما هو ضرورة في حق الكافة كالقوت والمسكن والملبس وصحة البدن فمن قصد بدنه بالضرب والجرح فلا بد وأن يغضب وكذلك إذا أخذ منه ثوبه الذي يستر عورته وكذلك إذا أخرج من داره التي هي مسكنه أو أريق ماؤه الذي لعطشه فهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها ومن غيظ على من يتعرض لها

وبه الذي يستر عورته وكذلك إذا أخرج من داره التي هي مسكنه أو أريق ماؤه الذي لعطشه فهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها ومن غيظ على من يتعرض لها القسم الثاني ما ليس ضرورياً لأحد من الخلق كالجاه والمال الكثير والغلمان والدواب فإن هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة والجهل بمقاصد الأمور حتى صار الذهب والفضة محبوبين في أنفسهما فيكنزان ويغضب على من يسرقهما وإن كان مستغنياً عنهما في القوت فهذا الجنس مما يتصور أن ينفك الإنسان عن أصل الغيظ عليه فإذا كانت له دار زائدة على مسكنه فهدمه ظالم فيجوز أن لا يغضب إذ يجوز أن يكون بصيراً بأمر الدنيا فيزهد في الزيادة على الحاجة فلا يغضب بأخذها فإنه لا يحب وجودها ولو أحب وجودها لغضب على الضرورة بأخذها وأكثر غضب الناس على ما هو غير ضروري كالجاه والصيت والتصدر في المجالس والمباهاة في العلم فمن غلب هذا الحب عليه فلا محالة يغضب إذا زاحمه مزاحم على التصدر في المحافل ومن لا يحب ذلك فلا يبالي ولو جلس في صف النعال فلا يغضب إذا جلس غيره فوقه وهذه العادات الرديئة هي التي أكثرت محاب الإنسان ومكارهه فأكثرت غضبه وكلما كانت الإرادات والشهوات أكثر كان صاحبها أحط رتبة وأنقص لأن الحاجة صفة نقص فمهما كثرة كثر النقص والجاهل أبدا جهده في أن يزيد في حاجاته وفي شهواته وهو لا يدري أنه مستكثر من أسباب الغم والحزم حتى ينتى بعض الجهال بالعادات الرديئة ومخالطة قرناء السوء إلى أن يغضب لو قيل له إنك لا تحسن اللعب بالطيور واللعب بالشطرنج ولا تقدر على شرب الخمر الكثير وتناول الطعام الكثير وما يجري مجراه من الرذائل فالغضب على هذا الجنس ليس بضروري لأن حبه ليس بضروري

طيور واللعب بالشطرنج ولا تقدر على شرب الخمر الكثير وتناول الطعام الكثير وما يجري مجراه من الرذائل فالغضب على هذا الجنس ليس بضروري لأن حبه ليس بضروري

القسم الثالث ما يكون ضرورياً في حق بعض الناس دون البعض كالكتاب مثلاً في حق العالم لأنه مضطر إليه فيحبه فيغضب على من يحرقه ويغرقه وكذلك أدوات الصناعات في حق المكتسب الذي لا يمكنه التوصل إلى القوت إلا بها فإنما هو وسيلة إلى الضروري والمحبوب يصير ضرورياً ومحبوباً وهذا يختلف بالأشخاص وإنما الحب الضروري ما أشار إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بقوله من أصبح آمناً في سربه معافى في بدنه وله قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا (١) ومن كان بصيراً بحقائق الأمور وسلم له هذه الثلاثة يتصور أن لا يغضب في غيرها فهذه ثلاثة أقسام فلنذكر غاية الرياضة في كل واحد منها أما القسم الأول فليست الرياضة فيها لينعدم غيظ القلب ولكن لكي يقدر على أن لا يطيع الغضب ولا يستعمله في الظاهر إلا عَلَى حَدٍّ يَسْتَحِبُّهُ الشَّرْعُ وَيَسْتَحْسِنُهُ الْعَقْلُ وَذَلِكَ ممكن بِالْمُجَاهَدَةِ وَتَكَلُّفِ الْحِلْمِ وَالِاحْتِمَالِ مُدَّةً حَتَّى يَصِيرَ الحلم والاحتمال خلقاً راسخاً فأما قمع أصل الغيظ من القلب فذلك ليس مقتضى الطبع وهو غير ممكن نعم يمكن كسر سَوْرَتِهِ وَتَضْعِيفِهِ حَتَّى لَا يَشْتَدَّ هَيَجَانُ الْغَيْظِ فِي الْبَاطِنِ وَيَنْتَهِيَ ضَعْفُهُ إِلَى أَنْ لَا يظهر أثره في الوجه ولكن ذلك شديد جداً وهذا حكم القسم الثالث أيضاً لأن ما صار ضرورياً في حق شخص فلا يمنعه من الغيظ استغناء غيره عنه فالرياضة فيه تمنع العمل به وتضعف هيجانه في الباطن حتى لا يشتد التألم بالصبر عليه

ضاً لأن ما صار ضرورياً في حق شخص فلا يمنعه من الغيظ استغناء غيره عنه فالرياضة فيه تمنع العمل به وتضعف هيجانه في الباطن حتى لا يشتد التألم بالصبر عليه وأما القسم الثاني فيمكن التوصل بالرياضة إلى الانفكاك عن الغضب عليه إذ يمكن إخراج حبه من القلب وذلك بأن يعلم الإنسان أن وطنه القبر مستقره الآخرة وأن الدنيا معبر يعبر عليها ويتزود منها قدر الضرورة وما وراء ذلك عليه وبال في وطنه ومستقره فيزهد في الدنيا ويمحو حبها عن قلبه ولو كان للإنسان كلب لا يحبه لا يغضب إذا ضربه غيره فالغضب تبع للحب فالرياضة في هذا تنتهي إلى قمع أصل الغضب وهو نادر جداً وقد تنتهي إلى المنع من استعمال الغضب والعمل بموجبه وهو أهون فإن قلت الضروري من القسم الأول التألم بفوات المحتاج إليه دون الغضب فمن له شاة مثلاً وهي قوته فماتت لا يغضب على أحد وإن كان يحصل فيه كراهة وليس من ضرورة كل كراهة غضب فإن الإنسان يتألم بالفصد والحجامة ولا يغضب على الفصاد والحجام فمن غلب عليه التوحيد حتى يرى الأشياء كلها بيد الله ومنه فلا يغضب على أحد من خلقه إذ يراهم مسخرين في قبضة قدرته كالقلم في يد الكاتب ومن وقع ملك بضرب رقبته لم يغضب على القلم فلا يغضب على من يذبح شاته التي هي قوته كما لا يغضب على موتها إذ يرى الذبح والموت من الله ﷿ فيندفع الغضب بغلبة التوحيد ويندفع أيضا بحسن الظن بالله وهو أن يرى أن الكل من الله تعالى وإن الله لا يقدر له إلا ما فيه الخيرة وربما تكون الخيرة في مرضه وجوعه وجرحه وقتله فلا يغضب كما لا يغضب على الفصاد والحجام لأنه يرى أن الخيرة فيه فيقول هذا على هذا الوجه غير محال ولكن غلبة التوحيد إلى هذا الحد إنما تكون كالبرق الخاطف تغلب في أحوال مختلفة ولا تدوم ويرجع القلب إلى الالتفات إلى الوسائط رجوعاً طبيعياً لا يندفع عنه ولو تصور ذلك على الدوام لبشر لتصور لرسول الله ﷺ فإنه كان يغضب حتى تحمر وجنتاه // حديث كان ﷺ يغضب حتى تحمر وجنتاه أخرجه مسلم من حديث جابر كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه وللحاكم كان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه واشتد غضبه وقد تقدم في أخلاق النبوة

نتاه أخرجه مسلم من حديث جابر كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه وللحاكم كان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه واشتد غضبه وقد تقدم في أخلاق النبوة حتى قال اللهم أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته

أو لعنته أو ضربته فاجعلها مني صلاة عليه وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة (١) وقال عبد الله بن عمرو بن العاص يا رسول الله أكتب عنك كل ما قلت في الغضب والرضا فقال اكتب فوالذي بعثني بالحق نبياً ما يخرج منه إلا حق وأشار إلى لسانه (٢) فلم يقل إني لا أغضب ولكن قال إن الغضب لا يخرجني عن الحق أي لا أعمل بموجب الغضب وغضبت عائشة رضي الله تعالى عنها مرة فقال لها رسول الله ﷺ مالك جاءك شيطانك فقالت ومالك شيطان قال بلى ولكني دعوت الله فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بالخير (٣) ولم يقل لا شيطان لي وأراد شيطان الغضب لكن قال لا يحملني على الشر وقال علي رضي الله تعالى عَنْهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يغضب للدنيا فإذا أغضبه الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له (٤) فكان يغضب على الحق وإن كان غضبه لله فهو التفات إلى الوسائط على الجملة بل كل من يغضب على من يأخذ ضرورة قوته وحاجته التي لا بد له في دينه منها فإنما غضب لله فلا يمكن الانفكاك عنه نعم قد يفقد أصل الغضب فيما هو ضروري إذا كان القلب مشغولاً بضروري أهم منه فَلَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ مُتَّسَعٌ لِلْغَضَبِ لِاشْتِغَالِهِ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ اسْتِغْرَاقَ الْقَلْبِ بِبَعْضِ الْمُهِمَّاتِ يَمْنَعُ الإحساس بما عداه وهذا كما أن سلمان لما شتم قال إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول فقد كان همه مصروفاً إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه بالشتم وكذلك شتم الربيع بن خثيم فقال يا هذا قد سمع الله كلامك وإن دون الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول وسب رجل أبا بكر ﵁ فقال ما ستر الله عنك أكثر فكأنه كان مشغولاً بالنظر في تقصير نفسه عن أن يتقي الله حق تقاته ويعرفه حق معرفته فلم يغضبه نسبة غيره إياه إلى نقصان إذ كان ينظر إلى نفسه بعين النقصان وذلك لجلالة قدره

بالنظر في تقصير نفسه عن أن يتقي الله حق تقاته ويعرفه حق معرفته فلم يغضبه نسبة غيره إياه إلى نقصان إذ كان ينظر إلى نفسه بعين النقصان وذلك لجلالة قدره وقالت امرأة لمالك بن دينار يا مرائي فقال ما عرفني غيرك فكأنه كان مشغولاً بأن ينفي عن نفسه آفة الرياء ومنكراً على نفسه ما يلقيه الشيطان إليه فلم يغضب لما نسب إليه وسب رجل الشعبي فقال إن كنت صادقاً فغفر الله لي وإن كنت كاذباً فغفر الله لك فهذه الأقاويل دالة في الظاهر على أنهم لم يغضبوا لاشتغال قلوبهم بمهمات دينهم ويحتمل أن يكون ذلك قد أثر في قلوبهم ولكنهم لم يشتغلوا به واشتغلوا بما كان هو الأغلب على قلوبهم فإذاً اشتغال القلب ببعض المهمات لا يبعد أن يمنع هيجان الغضب عند فوات بعض المحاب فإذاً يتصور فقد الغيظ إما باشتغال القلب بمهم أو بغلبة نظر التوحيد أو بسبب ثالث وهو أن يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْهُ أَنْ لَا يغتاظ فيطفئ شدة حبه لله غيظه وذلك غير محال في أحوال نادرة وقد عرفت بهذا أن الطريق للخلاص من نار الغضب محو حب الدنيا عن القلب وذلك بمعرفة آفات الدنيا وغوائلها كما سيأتي في كتاب ذم الدنيا ومن أخرج حب المزايا عن القلب تخلص من أكثر

أسباب الغضب وما لا يمكن محوه يمكن كسره وتضعيفه فيضعف الغضب بسببه ويهون دفعه نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه أنه على كل شيء قدير والحمد لله وحده بَيَانُ الْأَسْبَابِ الْمُهَيِّجَةِ لِلْغَضَبِ

فه فيضعف الغضب بسببه ويهون دفعه نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه أنه على كل شيء قدير والحمد لله وحده بَيَانُ الْأَسْبَابِ الْمُهَيِّجَةِ لِلْغَضَبِ

قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ علاج كل علة حسم مَادَّتِهَا وَإِزَالَةِ أَسْبَابِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أسباب الغضب وقد قال يحيى لعيسى ﵉ أي شيء أشد قال غضب الله قال فما يقرب من غضب الله قال أن تغضب قال فما بيدي الغضب وما ينبته قال عيسى الكبر والفخر والتعزز والحمية والأسباب المهيجة للغضب هِيَ الزَّهْوُ وَالْعُجْبُ وَالْمِزَاحُ وَالْهَزْلُ وَالْهُزْءُ وَالتَّعْيِيرُ والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول الْمَالِ وَالْجَاهِ وَهِيَ بِأَجْمَعِهَا أَخْلَاقٌ رَدِيئَةٌ مَذْمُومَةٌ شَرْعًا وَلَا خَلَاصَ مِنَ الْغَضَبِ مَعَ بَقَاءِ هذه الأسباب فلا بد من إزالة هذه الأسباب بِأَضْدَادِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تُمِيتَ الزَّهْوَ بِالتَّوَاضُعِ وَتُمِيتَ العجب بمعرفتك بنفسك كما سيأتي بيانه في كتاب الكبر والعجب وتزيل الفخر بأنك من جنس عبدك إِذِ النَّاسُ يَجْمَعُهُمْ فِي الِانْتِسَابِ أَبٌ وَاحِدٌ وإنما اختلفوا في الفضل أشتاتاً فبنو آدم جنس واحد وإنما الفخر بالفضائل والفخر والعجب والكبر أكبر الرذائل وهي أصلها ورأسها فإذا لم تخل عنها فلا فضل لك على غيرك فلم تفتخر وأنت من جنس عبدك من حيث البنية والنسب والأعضاء الظاهرة والباطنة وَأَمَّا الْمِزَاحُ فَتُزِيلُهُ بِالتَّشَاغُلِ بِالْمُهِمَّاتِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تستوعب العمر وتفضل عنه إذا عرفت ذلك وَأَمَّا الْهَزْلُ فَتُزِيلُهُ بِالْجِدِّ فِي طَلَبِ الْفَضَائِلِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَالْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تُبْلِغُكَ إِلَى سعادة الآخرة وأما الهزء فتزيله بالتكرم عن إِيذَاءِ النَّاسِ وَبِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ أَنْ يُسْتَهْزَأَ بك وأما التعيير فالحذر عَنِ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ وَصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ مُرِّ الجواب وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ طَلَبًا لِعِزِّ الِاسْتِغْنَاءِ وَتَرَفُّعًا عَنْ ذُلِّ الْحَاجَةِ

ْ مُرِّ الجواب وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ طَلَبًا لِعِزِّ الِاسْتِغْنَاءِ وَتَرَفُّعًا عَنْ ذُلِّ الْحَاجَةِ وَكُلُّ خُلُقٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ وَصِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَفْتَقِرُ فِي عِلَاجِهِ إلى رياضة وتحمل مشقة وحاصل رياضتها يرجع إِلَى مَعْرِفَةِ غَوَائِلِهَا لِتَرْغَبَ النَّفْسُ عَنْهَا وَتَنْفِرَ عن قبحها ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة مألوفة هينة عَلَى النَّفْسِ فَإِذَا انْمَحَتْ عَنِ النَّفْسِ فَقَدْ زَكَتْ وَتَطَهَّرَتْ عَنْ هَذِهِ الرَّذَائِلِ وَتَخَلَّصَتْ أَيْضًا عن الغضب الذي يتولد منها ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكبر همة وتلقيبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلاً حتى تميل النفس إليه وتستحسنه وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكابر في معرض المدح بالشجاعة والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى القلب بسببه وتسمية هذا عزة نفس وشجاعة جهل بل هو مرض قلب ونقصان عقل وهو لضعف النفس ونقصانها وآية أنه لضعف النفس أن المريض أسرع غضباً من الصحيح والمرأة أسرع غضباً من الرجل والصبي أسرع غضباً من الرجل الكبير والشيخ الضعيف أسرع غضباً من الكهل وذو الخلق السيء والرذائل القبيحة أسرع غضباً من صاحب الفضائل فالرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللقمة ولبخله إذا فاتته الحبة حتى أنه يغضب على أهله وولده وأصحابه بل القوي من يملك نفسه عند الغضب كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب (١) بل ينبغي أن يعالج هذا الجاهل بأن تتلي عليه

حِكَايَاتُ أَهْلِ الْحِلْمِ وَالْعَفْوِ وَمَا اسْتُحْسِنَ مِنْهُمْ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنِ الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء وأكابر الملوك الفضلاء وضد ذلك منقول عن الأكراد والأتراك والجهلة والأغبياء الذين لا عقول لهم ولا فضل فيهم بيان علاج الغضب بعد هيجانه

ما ذكرناه هو حسم لمواد الغضب وقطع لأسبابه حَتَّى لَا يَهِيجَ فَإِذَا جَرَى سَبَبٌ هَيَّجَهُ فَعِنْدَهُ يَجِبُ التَّثَبُّتُ حَتَّى لَا يَضْطَرَّ صَاحِبُهُ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْمُومِ وَإِنَّمَا يُعَالَجُ الْغَضَبُ عِنْدَ هَيَجَانِهِ بِمَعْجُونِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ أما العلم فهو ستة أمور الأول أن يتفكر في الأخبار التي سنوردها فِي فَضْلِ كَظْمِ الْغَيْظِ وَالْعَفْوِ وَالْحِلْمِ وَالِاحْتِمَالِ فيرغب في ثوابه فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم عن التشفي والانتقام وينطفيء عنه غيظه قال مالك بن أوس ابن الحدثان غضب عمر على رجل وأمر بضربه فقلت يا أمير المؤمنين ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فكان عمر يقول ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فكان يتأمل في الآية وكان وقافاً عند كتاب الله مهما تلي عليه كثير التدبر فيه فتدبر فيه وخلى الرجل وأمر عمر بن عبد العزيز بضرب رجل ثم قرأ قوله تعالى ﴿والكاظمين الغيظ﴾ فقال لغلامه خل عنه الثاني أن يخوف نفسه بعقاب الله وهو أن يقول قدرة الله على أعظم من قدرتي على هذا الإنسان فلو أمضيت غضبي عليه لم آمن أن يمضي الله غضبه علي يوم القيامة أحوج ما أكون إلى العفو فقد قال تعالى في بعض الكتب القديمة يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق وبعث رسول الله ﷺ وصيفاً إلى حاجة فأبطأ عليه فلما جاء قال لولا القصاص لأوجعتك (١) أي القصاص في القيامة وقيل ما كان في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم إذا غضب أعطاه صحيفة فيها ارحم المسكين واخش الموت واذكر الآخرة فكان يقرؤها حتى يسكن غضبه

لقصاص في القيامة وقيل ما كان في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم إذا غضب أعطاه صحيفة فيها ارحم المسكين واخش الموت واذكر الآخرة فكان يقرؤها حتى يسكن غضبه الثَّالِثُ أَنْ يُحَذِّرَ نَفْسَهُ عَاقِبَةَ الْعَدَاوَةِ وَالِانْتِقَامِ وَتَشَمُّرَ الْعَدُوِّ لِمُقَابَلَتِهِ وَالسَّعْيِ فِي هَدْمِ أَغْرَاضِهِ وَالشَّمَاتَةِ بِمَصَائِبِهِ وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنِ الْمَصَائِبِ فَيُخَوِّفُ نَفْسَهُ بِعَوَاقِبِ الْغَضَبِ فِي الدُّنْيَا إِنْ كان لا يخاف من الآخرة وهذا يرجع إلى تسليط شهوة على غضب وليس هذا من أعمال الآخرة ولا ثواب عليه لأنه متردد على حظوظه العاجلة يقدم بعضها على بعض إلا أن يكون محذوره أن تتشوش عليه في الدنيا فراغته للعلم والعمل وما يعينه على الآخرة فيكون مثاباً عليه الرَّابِعُ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي قُبْحِ صُورَتِهِ عِنْدَ الْغَضَبِ بِأَنْ يَتَذَكَّرَ صُورَةَ غَيْرِهِ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ وَيَتَفَكَّرَ فِي قُبْحِ الْغَضَبِ فِي نَفْسِهِ وَمُشَابَهَةِ صَاحِبِهِ لِلْكَلْبِ الضَّارِي وَالسَّبُعِ الْعَادِي وَمُشَابَهَةِ الْحَلِيمِ الْهَادِي التَّارِكِ لِلْغَضَبِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ وَيُخَيِّرَ نَفْسَهُ بَيْنَ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِالْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ وَأَرَاذِلِ النَّاسِ وَبَيْنَ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِالْعُلَمَاءِ وَالْأَنْبِيَاءِ فِي عَادَتِهِمْ لِتَمِيلَ نَفْسُهُ إِلَى حُبِّ الِاقْتِدَاءِ بِهَؤُلَاءِ إِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ مَعَهُ مُسْكَةٌ مِنْ عَقْلٍ الْخَامِسُ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي السَّبَبِ الَّذِي يَدْعُوهُ إِلَى الِانْتِقَامِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ كظم الغيظ ولا بد وأن يكون له سبب مِثْلَ قَوْلِ الشَّيْطَانِ لَهُ إِنَّ هَذَا يُحْمَلُ منك على العجز وصغر النفس والذلة والمهانة وَتَصِيرُ حَقِيرًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ فَيَقُولُ لِنَفْسِهِ مَا أَعْجَبَكِ تَأْنَفِينَ مِنَ الِاحْتِمَالِ الْآنَ وَلَا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم

النَّاسِ فَيَقُولُ لِنَفْسِهِ مَا أَعْجَبَكِ تَأْنَفِينَ مِنَ الِاحْتِمَالِ الْآنَ وَلَا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم

منك وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس وَلَا تَحْذَرِينَ مِنْ أَنْ تَصْغُرِي عِنْدَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ فَمَهْمَا كَظَمَ الْغَيْظَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْظِمَهُ لِلَّهِ وَذَلِكَ يُعَظِّمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَمَا له وللناس وذل من ظلمه يوم القيامة أشد من ذله لو انتقم الآن أفلا يحب أن يكون هو القائم إذا نودي يوم القيامة ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا فهذا وأمثاله من معارف الإيمان ينبغي أن يكرره على قلبه السادس أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على وفق مراده فكيف يقول مرادي أولى من مراد الله ويوشك أن يكون غضب الله عليه أعظم من غضبه وَأَمَّا الْعَمَلُ فَأَنْ تَقُولَ بِلِسَانِكَ أَعُوذُ بِاللَّهِ من الشيطان الرجيم هكذا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن يقال عند الغيظ (١) حديث كان إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها وقال يا عويش قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي الحديث أخرجه ابن السني في اليوم والليلة من حديثها وتقدم في الأذكار والدعوات فيستحب أن تقول ذلك فإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائماً واضجع إن كنت جالساً واقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك ذل نفسك واطلب بالجلوس والاضجاع السكون فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الغضب جمرة توقد في القلب (٢) ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمره عينيه فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئاً فإن كان قائماً فليجلس وإن كان جالساً فلينم فإن لم يزل ذلك فليتوضاً بالماء البارد أو يغتسل فإن النار لا يطفئها إلا الماء فقد قال ﷺ إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء فإنما الغضب من النار (٣) وفي رواية إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ وقال ابن عباس قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وإذا غضبت فاسكت (٤)

إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ وقال ابن عباس قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وإذا غضبت فاسكت (٤) وقال أبو هريرة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا غضب وهو قائم جلس وإذا غضب وهو جالس اضطجع فيذهب غضبه (٥) وقال أبو سعيد الخدري قال النبي ﷺ ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم (٦) ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن وجد من ذلك شيئاً فليلصق خده بالأرض وكأن هذا إشارة إلى السجود وتمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع وهو التراب لتستشعر به النفس الذل وتزايل به العزة والزهو الذي هو سبب الغضب وروي أن عمر غضب يوماً فدعا بماء فاستنشق وقال إن الغضب من الشيطان وهذا يذهب الغضب وقال عروة

ابن محمد لما استعملت على اليمن قال لي أبي أوليت قلت نعم قال فإذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم عظم خالقهما وروي أن أبا ذر قال لرجل يا ابن الحمراء في خصومة بينهما فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال يا أبا ذر بلغني أنك اليوم عيرت أخاك بأمه فقال نعم فانطلق أبو ذر ليرضي صاحبه فسبقه الرجل فسلم عليه فذكر ذلك لرسول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا أبا ذر ارفع رأسك فانظر ثم اعلم أنك لست بأفضل من أحمر فيها ولا أسود إلا أن تفضله بعمل ثم قال إذا غضبت فإن كنت قائماً فاقعد وإن كنت قاعدا فاتكيء وإن كنت متكئاً فاضطجع (١) وقال المعتمر بن سليمان كان رجل ممن كان قبلكم يغضب فيشتد غضبه فكتب صحائف وأعطى كل صحيفة رجلاً وقال للأول إذا غضبت فأعطني هذه وقال للثاني إذا سكن بعض غضبي فأعطني هذه وقال للثالث إذا ذهب غضبي فأعطني هذه فاشتد غضبه يوماً فأعطى الصحيفة الأولى فإذا فيها ما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضاً فسكن بعض غضبه فأعطي الثانية فإذا فيها ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء فأعطي الثالثة فإذا فيها خذ الناس بحق الله فإنه لا يصلهم إلا ذلك أي لا تعطل الحدود وغضب المهدي على رجل فقال شبيب لا تغضب لله بأشد من غضبه لنفسه فقال خلوا سبيله فضيلة كظم الغيظ قال الله تعالى ﴿والكاظمين الغيظ﴾ وذكر ذلك في معرض المدح وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى رَبِّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ وَمَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ (٢) وَقَالَ ﷺ أَشَدُّكُمْ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَأَحْلَمُكُمْ مَنْ عَفَا عِنْدَ القدرة (٣) وقال ﷺ من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه لأمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا وفي رواية ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً (٤) وقال ابن عمر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما جرع عبد جرعة أعظم أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى (٥) وقال ابن عباس ﵄ قال ﷺ إن لجهنم بابا

(٤) وقال ابن عمر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما جرع عبد جرعة أعظم أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى (٥) وقال ابن عباس ﵄ قال ﷺ إن لجهنم بابا

لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية اللَّهُ تَعَالَى (١) وَقَالَ ﷺ ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها عبد وما كظمها عبد إلا ملأ الله قلبه إيمانا (٢) وقال ﷺ من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق ويخيره من أي الحور شاء (٣) الآثار قال عمر ﵁ من اتقى الله لم يشف غيظه ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون وقال لقمان لابنه يا بني لا تذهب ماء وجهك بالمسألة ولا تشف غيظك بفضيحتك واعرف قدرك تنفعك معيشتك وقال أيوب حلم ساعة يدفع شراً كثيراً واجتمع سفيان الثوري وأبو خزيمة اليربوعي والفضيل بن عياض فتذاكروا الزهد فأجمعوا على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب والصبر عند الجزع وقال رجل لعمر ﵁ وَاللَّهِ مَا تَقْضِي بِالْعَدْلِ وَلَا تُعْطِي الْجَزْلَ فَغَضِبَ عمر حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يا أمير المؤمنين ألا تسمع إلى الله تعالى يقول ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فهذا من الجاهلين فقال عمر صدقت فكأنما كانت ناراً فأطفئت وقال محمد بن كعب ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا قدر لم يتناول ما ليس له وجاء رجل إلى سلمان فقال يا عبد الله أوصني قال لا تغضب قال لا أقدر قال فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك بيان فَضِيلَةُ الْحِلْمِ

إذا قدر لم يتناول ما ليس له وجاء رجل إلى سلمان فقال يا عبد الله أوصني قال لا تغضب قال لا أقدر قال فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك بيان فَضِيلَةُ الْحِلْمِ

اعْلَمْ أَنَّ الْحِلْمَ أَفْضَلُ مِنْ كظم الغيظ لِأَنَّ كَظْمَ الْغَيْظِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّحَلُّمِ أَيْ تَكَلُّفِ الْحِلْمِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى كَظْمِ الْغَيْظِ إِلَّا مِنْ هَاجَ غَيْظُهُ وَيَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مُجَاهَدَةٍ شَدِيدَةٍ وَلَكِنْ إِذَا تَعَوَّدَ ذَلِكَ مُدَّةً صار ذلك اعتياداً فَلَا يَهِيجُ الْغَيْظُ وَإِنْ هَاجَ فَلَا يَكُونُ فِي كَظْمِهِ تَعَبٌ وَهُوَ الْحِلْمُ الطَّبِيعِيُّ وَهُوَ دَلَالَةُ كَمَالِ الْعَقْلِ وَاسْتِيلَائِهِ وَانْكِسَارِ قُوَّةِ الْغَضَبِ وَخُضُوعِهَا لِلْعَقْلِ وَلَكِنِ ابْتِدَاؤُهُ الْتَّحَلُّمُ وَكَظْمُ الْغَيْظِ تكلفاً قال ﷺ إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتخير الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه (٤) وأشار بهذا إِلَى أَنَّ اكْتِسَابَ الْحِلْمِ طَرِيقُهُ التَّحَلُّمُ أَوَّلًا وَتَكَلُّفُهُ كَمَا أَنَّ اكْتِسَابَ الْعِلْمِ طَرِيقُهُ التَّعَلُّمُ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة والحلم لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه ولا تكونوا من جبابرة العلماء فيغلب جهلكم حلمكم (٥) وأشار بهذا إلى أن التكبر والتجبر هو الذي يهيج الغضب ويمنع من الحلم واللين وكان من دعائه ﷺ اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم وأكرمني بالتقوى وجملني بالعافية (٦) وقال أبو هريرة قال النبي ﷺ ﴿ابتغوا﴾

الرفعة عند الله قالوا وما هي يا رسول الله قال تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عمن جهل عليك (١) وقال ﷺ خمس من سنن المرسلين الحياء والحلم والحجامة والسواك والتعطر (٢) حديث علي إِنَّ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ لَيُدْرِكُ بِالْحِلْمِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القائم الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف (٣) حديث أبي هريرة أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي ويجهلون علي وأحلم عنهم الحديث رواه مسلم (٤) حديث قال رجل من المسلمين اللهم ليس عندي صدقة أتصدق بها فأيما رجل أصاب من عرضي شيئاً فهو صدقة عليه الحديث أخرجه أبو نعيم في الصحابة والبيهقي في الشعب من رواية عبد المجيد بن أبي عبس بن جبر عن أبيه عن جده بإسناد لين زاد البيهقي عن علية بن زيد وعلية هو الذي قال ذلك كما في أثناء الحديث وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب أنه رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا من المسلمين ولم يسمه وقال أظنه أبا ضمضم قلت وليس بأبي ضمضم إنما هو علية بن زيد وأبو ضمضم ليس له صحبة وإنما هو متقدم (٥) حديث أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم الحديث تقدم في آفات اللسان (٦) حديث أن ابن مسعود مر بلغو معرضا فقال النبي ﷺ أصبح ابن مسعود وأمسى كريما أخرجه ابن المبارك في البر والصلة (٧) حديث اللهم لا يدركني ولا أدركه زمان لا يتعبون فيه العليم ولا يستحيون فيه من الحليم الحديث أخرجه أحمد من حديث سهل بن سعد بسند ضعيف (٨) حديث ليليني منكم أولو الأحلام والنهى الحديث أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود دون قوله ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم فهي عند أبي داود والترمذي وحسنه وهي عند مسلم في حديث آخر لابن مسعود // وروي أنه وفد على النبي ﷺ الأشج فأناخ راحلته ثم عقلها وطرح عنه ثوبين كانا عليه وأخرج من العيبة ثوبين حسنين فلبسهما وذلك بعين رسول الله

لابن مسعود // وروي أنه وفد على النبي ﷺ الأشج فأناخ راحلته ثم عقلها وطرح عنه ثوبين كانا عليه وأخرج من العيبة ثوبين حسنين فلبسهما وذلك بعين رسول الله

صلى الله عليه وسلم يرى ما يصنع ثم أقبل يمشي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال ﵇ إن فيك يا أشج خلقين يحبهما الله ورسوله قال ما هما بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال الحلم والأناة فقال خلتان تخلقتهما أو خلقان جبلت عليهما فقال بل خلقان جبلك الله عليهما فقال الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله (١) وَقَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يحب الحليم الحي الغني المتعفف أبا العيال التقي ويبغض الفاحش البذي السائل الملحف الغبي (٢) وقال ابن عباس قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثٌ من لم تكن فيه واحدة منهن فلا تعتدوا بشيء من عمله تقوى تحجزه عن معاصي الله ﷿ وحلم يكف به السفيه وخلق يعيش به في الناس (٣) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد أين أهل الفضل فيقوم ناس وهم يسير فينطلقون سراعاً إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فتقولون لهم إنا نراكم سراعاً إلى الجنة فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون لهم ما كان فضلكم فيقولون كنا إذا ظلمنا صبرنا وإذا أسيء إلينا عفونا وإذ جهل علينا حلمنا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين // حديث إذا جمع الخلائق نادى مناد أين أهل الفضل فيقوم ناس الحديث وفيه إذا جهل علينا حلمنا أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال البيهقي في إسناده ضعف

Bagian 45 dari 86