إحياء علوم الدين

Kitab adab, dzikir, dan penyucian jiwa karya أبو حامد الغزالي (w. 505 H).

Bagian 55 dari 86 1706 halaman

— Bagian 55 · وحلة لمخرجه لا يستحي من أن يجيب إذا دعى وإن كان … —

Bagian 55

وحلة لمخرجه لا يستحي من أن يجيب إذا دعى وإن كان أشعث أغبر ولا يحقر ما دعى إليه وإن لم يجد إلا حشف الدقل لا يرفع غداء لعشاء ولا عشاء لغداء هين المؤنة

لين الخلق كريم الطبيعة جميل المعاشرة طليق الوجه بسام من غير ضحك محزون من غير عبوس شَدِيدٌ فِي غَيْرِ عُنْفٍ مُتَوَاضِعٌ فِي غَيْرِ مذلة جواد من غير سرف رحيم لكل ذي قربى ومسلم رقيق القلب دائم الإطراق لم يبشم قط من شبع ولا يمد يده من طمع قال أبو سلمة فدخلت على عائشة ﵂ فحدثتها بما قال أبو سعيد في زهد رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ ما أخطأ منه حرفاً ولقد قصر إذ ما أخبرك أن رسول الله ﷺ لَمْ يَمْتَلِئْ قَطُّ شِبَعًا وَلَمْ يَبُثَّ إِلَى أَحَدٍ شَكْوَى وَإِنْ كَانَتِ الْفَاقَةُ لَأَحَبَّ إِلَيْهِ من اليسار والغنى وإن كان ليظل جائعاً يلتوي ليلته حتى يصبح فما يمنعه ذلك عن صيام يومه ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى بكنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها من مشارق الأرض ومغاربها لفعل وربما بكيت رحمة له مما أوتي من الجوع فأمسح بطنه بيدي وأقول نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك ويمنعك من الجوع فيقول يا عائشة إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم وقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحيي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي دونهم فأصبر أياماً يسيرة أحب إلي من أن ينقص حظي غداً في الآخرة وما من شيء أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي قالت عائشة ﵂ فوالله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله ﷿ // حديث أبي سعيد الخدري وعائشة قال الخدري لأبي سلمة عالج في بيتك من الخدمة ما كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعالج في بيته كان يعلف الناضح الحديث وفيه قال أبو سلمة فدخلت على عائشة فحدثتها بذلك عن أبي سعيد فقالت ما أخطأ ولقد قصر أو ما أخبرك أنه لم يمتلئ قط شبعاً الحديث بطوله لم أقف له على إسناد

وفيه قال أبو سلمة فدخلت على عائشة فحدثتها بذلك عن أبي سعيد فقالت ما أخطأ ولقد قصر أو ما أخبرك أنه لم يمتلئ قط شبعاً الحديث بطوله لم أقف له على إسناد فما نقل من أحواله ﷺ يجمع جملة أخلاق المتواضعين فمن طلب التواضع فليقتد به ومن رأى نفسه فوق محله ﷺ ولم يرض لنفسه بما رضي هو به فَمَا أَشَدَّ جَهْلَهُ فَلَقَدْ كَانَ أَعْظَمَ خَلْقِ اللَّهِ مَنْصِبًا فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ فَلَا عِزَّ ولا رفعة إلا في الاقتداء به ولذلك قال عمر ﵁ إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نطلب العز في غيره لما عوتب في بذاذة هيئته عند دخوله الشام وقال أبو الدرداء اعلم أن لله عباداً يقال لهم الأبدال خلف من الأنبياء هم أوتاد الأرض فلما انقضت النبوة أبدل الله مكانهم قوماً من أمة محمد ﷺ لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولا حسن حلية ولكن بصدق الورع وحسن النية وسلامة الصدر لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر من غير تجبن وتواضع في غير مذلة وهم قوم اصطفاهم الله واستخلصهم لنفسه وهم أربعون صديقاً أو ثلاثون رجلاً قلوبهم على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن ﵇ لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه واعلم يا أخي أنهم لا يلعنون شيئاً ولا يؤذونه ولا يحقرونه ولا يتطاولون عليه ولا يحسدون أحداً ولا يحرصون على الدنيا هم أطيب الناس خيراً وألينهم عريكة وأسخاهم نفساً علامتهم السخاء وسجيتهم البشاشة وصفتهم السلامة ليسوا اليوم في خشية وغداً في غفلة ولكن مدامين على حالهم الظاهر وهم فيما بينهم وبين ربهم لا تدركهم الرياح العواصف ولا الخيل المجراة قلوبهم تصعد ارتياحاً إلى الله واشتياقاً إليه وقدماً في استباق الخيرات أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون قال الراوي فقلت يا أبا الدرداء ما سمعت بصفة أشد علي من تلك الصفة وكيف لي أن أبلغها فقال ما بينك وبين أن تكون في أوسعها إلا أن تكون تبغض الدنيا فإنك إذا بغضت الدنيا أقبلت على حب الآخرة وبقدر حبك للآخرة تزهد في الدنيا وبقدر ذلك تبصر ما ينفعك وإذا علم الله من عبد حسن الطلب أفرغ عليه السداد واكتنفه بالعصمة واعلم يا ابن أخي أن ذلك في كتاب الله تعالى المنزل إن

ي الدنيا وبقدر ذلك تبصر ما ينفعك وإذا علم الله من عبد حسن الطلب أفرغ عليه السداد واكتنفه بالعصمة واعلم يا ابن أخي أن ذلك في كتاب الله تعالى المنزل إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قال يحيى بن كثير فنظرنا

في ذلك فما تلذذ المتلذذون بمثل حب الله وطلب مرضاته اللهم اجعلنا من محبي المحبين لك يا رب العالمين فإنه لا يصلح لحبك إلا من ارتضيته وصلى الله عليه وسلم بَيَانُ الطَّرِيقِ فِي مُعَالَجَةِ الْكِبْرِ وَاكْتِسَابِ التَّوَاضُعِ له

اعلم أن الكبر من المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه وَإِزَالَتُهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَلَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي بل بالمعالجة واستعمال الأدوية القامعة له وفي معالجته مقامان أحدهما استئصال أصله من سنخه وقلع شَجَرَتِهِ مِنْ مَغْرِسِهَا فِي الْقَلْبِ الثَّانِي دَفْعُ العارض منه بالأسباب الخاصة التي بها يتكبر الإنسان على غيره المقام الأول في استئصال أصله وعلاجه عِلْمِيٌّ وَعَمَلِيٌّ وَلَا يَتِمُّ الشِّفَاءُ إِلَّا بِمَجْمُوعِهِمَا أَمَّا الْعِلْمِيُّ فَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ وَيَعْرِفَ رَبَّهُ تَعَالَى وَيَكْفِيهِ ذَلِكَ فِي إِزَالَةِ الْكِبْرِ فَإِنَّهُ مَهْمَا عَرَفَ نَفْسَهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ عَلِمَ أنه أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة وَإِذَا عَرَفَ رَبَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا تَلِيقُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ إِلَّا بِاللَّهِ أَمَّا مَعْرِفَتُهُ رَبَّهُ وعظمته ومجده فالقول فيه يطول وهو منتهى علم المكاشفة وَأَمَّا مَعْرِفَتُهُ نَفْسَهُ فَهُوَ أَيْضًا يَطُولُ وَلَكُنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنْفَعُ فِي إِثَارَةِ التواضع والمذلة وَيَكْفِيهِ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى آيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ والآخرين لمن فتحت بصيرته وقد قَالَ تَعَالَى قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إذا شاء أنشره فَقَدْ أَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى أَوَّلِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَإِلَى آخِرِ أَمْرِهِ وَإِلَى وَسَطِهِ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ لِيَفْهَمَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَمَّا أَوَّلُ الْإِنْسَانِ فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا

ِ وَإِلَى وَسَطِهِ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ لِيَفْهَمَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَمَّا أَوَّلُ الْإِنْسَانِ فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا وقد كان في حيز العدم دهوراً بل لم يكن لعدمه أول وأي شيء أخس وأقل من المحو والعدم وقد كان كذلك في القدم ثم خلقه الله من أرذل الأشياء ثم من أقذرها إذ قد خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ثُمَّ جَعَلَهُ عظماً ثم كسا العظم لحماً فقد كان هذا بداية وجوده حيث كان شيئاً مذكوراً فَمَا صَارَ شَيْئًا مَذْكُورًا إِلَّا وَهُوَ عَلَى أَخَسِّ الْأَوْصَافِ وَالنُّعُوتِ إِذْ لَمْ يُخْلَقْ فِي ابْتِدَائِهِ كَامِلًا بَلْ خَلَقَهُ جَمَادًا مَيِّتًا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُحِسُّ وَلَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَنْطِقُ وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يُدْرِكُ وَلَا يَعْلَمُ فَبَدَأَ بِمَوْتِهِ قَبْلَ حَيَاتِهِ وَبِضَعْفِهِ قَبْلَ قُوَّتِهِ وَبِجَهْلِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ وَبِعَمَاهُ قَبْلَ بَصَرِهِ وبصممه قبل سمعه وببكمه قبل نطقه وبضلالته قَبْلَ هُدَاهُ وَبِفَقْرِهِ قَبْلَ غِنَاهُ وَبِعَجْزِهِ قَبْلَ قدرته فهذا معنى قوله مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فقدره ومعنى قوله هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ من نطفة أمشاج نبتليه كذلك خلقه أولاً ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِ فَقَالَ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَيَسَّرَ لَهُ فِي مدة حياته إلى الموت وكذلك قال مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنا هديناه السبيل وإما شاكرا أو كفورا ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جماداً ميتاً تراباً أولاً ونطفة ثانياً وأسمعه بعد ما كان أصم وبصره بعد ما كان فاقداً للبصر وقواه بعد الضعف وعلمه بعد الجهل وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها وأغناه بعد الفقر وأشبعه بعد الجوع وكساه بعد العري وهداه بعد الضلال

عد الضعف وعلمه بعد الجهل وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها وأغناه بعد الفقر وأشبعه بعد الجوع وكساه بعد العري وهداه بعد الضلال فانظر كيف دبره وصوره وإلى السبيل كيف يسره وإلى طغيان الإنسان ما أكفره وإلى جهل الإنسان كيف أظهره فقال أو لم يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هو خصيم مبين ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ فانظر إلى نعمة الله كيف نقله من تلك الذلة والقلة والخسة والقذارة إلى هذه الرفعة والكرامة فصار موجوداً بعد العدم وحياً بعد الموت وناطقاً بعد البكم وبصيراً بعد العمى وقوياً بعد الضعف وعالما بعد الجهل ومهديا بعد

الضلال وقادراً بعد العجز وغنياً بعد الفقر فكان في ذاته لا شيء وأي شيء أخس من لا شيء وأي قلة أقل من العدم المحض ثم صار بالله شيئاً وَإِنَّمَا خَلَقَهُ مِنَ التُّرَابِ الذَّلِيلِ الَّذِي يُوطَأُ بالأقدام والنطفة القذرة بعد العدم المحض أيضاً ليعرفه خسة ذاته فيعرف به نَفْسَهُ وَإِنَّمَا أَكْمَلَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ لِيَعْرِفَ بِهَا رَبَّهُ وَيَعْلَمَ بِهَا عَظَمَتَهُ وَجَلَالَهُ وَأَنَّهُ لَا يليق الكبرياء إلا به جل وعلا ولذلك امتن عليه فقال ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين وعرف خسته أولاً فقال ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كان علقة﴾ ثم ذكر منته عليه فقال ﴿فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾ ليدوم وجوده بالتناسل كما حصل وجوده أولاً بالاختراع فمن كان هذا بدؤه وَهَذِهِ أَحْوَالَهُ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ الْبَطَرُ وَالْكِبْرِيَاءُ والفخر والخيلاء وهو على التحقيق أخس الأخساء وأضعف الضُّعَفَاءِ وَلَكِنَّ هَذِهِ عَادَةُ الْخَسِيسِ إِذَا رُفِعَ مِنْ خِسَّتِهِ شَمَخَ بِأَنْفِهِ وَتَعَظَّمَ وَذَلِكَ لِدَلَالَةِ خِسَّةِ أَوَّلِهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

ْخَسِيسِ إِذَا رُفِعَ مِنْ خِسَّتِهِ شَمَخَ بِأَنْفِهِ وَتَعَظَّمَ وَذَلِكَ لِدَلَالَةِ خِسَّةِ أَوَّلِهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ نَعَمْ لَوْ أَكْمَلَهُ وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ وَأَدَامَ لَهُ الْوُجُودَ بِاخْتِيَارِهِ لَجَازَ أَنْ يَطْغَى وَيَنْسَى الْمَبْدَأَ وَالْمُنْتَهَى وَلَكِنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِ فِي دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة والآفات المختلفة والطباع المتضادة من المرة والبلغم والريح والدم يَهْدِمُ الْبَعْضُ مِنْ أَجْزَائِهِ الْبَعْضَ شَاءَ أَمْ أبى رضي أم سخط فَيَجُوعُ كُرْهًا وَيَعْطَشُ كُرْهًا وَيَمْرَضُ كُرْهًا وَيَمُوتُ كُرْهًا لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا خَيْرًا وَلَا شَرًّا يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ فَيَجْهَلُهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ فَيَنْسَاهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَنْسَى الشَّيْءَ وَيَغْفُلُ عَنْهُ فَلَا يغفل عنه ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في أودية الوساوس والأفكار بالاضطرار فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه ويشتهى الشيء وربما يكون هلاكه فيه ويكره الشيء وربما تكون حياته فيه يستلذ الأطعمة وتهلكه وترديه ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه وَلَا يَأْمَنُ فِي لَحْظَةٍ مِنْ لَيْلِهِ أَوْ نَهَارِهِ أَنْ يُسْلَبَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَتُفَلَّجَ أَعْضَاؤُهُ وَيُخْتَلَسَ عَقْلُهُ وَيُخْتَطَفَ رُوحُهُ وَيُسْلَبَ جَمِيعَ مَا يَهْوَاهُ فِي دُنْيَاهُ فَهُوَ مُضْطَرٌّ ذَلِيلٌ إِنْ تُرِكَ بَقِيَ وَإِنِ اخْتُطِفَ فَنِيَ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا شَيْءٍ مِنْ غَيْرِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ أَذَلُّ مِنْهُ لَوْ عَرَفَ نَفْسَهُ وَأَنَّى يَلِيقُ الْكِبْرُ بِهِ لولا جهله فهذا أوسط أحواله فليتأمله

ِهِ وَلَا شَيْءٍ مِنْ غَيْرِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ أَذَلُّ مِنْهُ لَوْ عَرَفَ نَفْسَهُ وَأَنَّى يَلِيقُ الْكِبْرُ بِهِ لولا جهله فهذا أوسط أحواله فليتأمله وأما آخره ومورده فَهُوَ الْمَوْتُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره﴾ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسْلَبُ رُوحَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَعِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَحِسَّهُ وَإِدْرَاكَهُ وَحَرَكَتَهُ فَيَعُودُ جَمَادًا كَمَا كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَا يَبْقَى إِلَّا شَكْلُ أَعْضَائِهِ وَصُورَتِهِ لَا حِسَّ فِيهِ وَلَا حَرَكَةَ ثُمَّ يُوضَعُ فِي التُّرَابِ فَيَصِيرُ جِيفَةً مُنْتِنَةً قذرة كما كان في الأول نطفة مذرة ثُمَّ تَبْلَى أَعْضَاؤُهُ وَتَتَفَتَّتُ أَجْزَاؤُهُ وَتَنْخُرُ عِظَامُهُ ويصير رميماً رفاتاً ويأكل الدود أجزاءه فيبتدئ بحدقتيه فيقلعهما وبخديه فيقطعهما وبسائر أجزائه فَيَصِيرُ رَوْثًا فِي أَجْوَافِ الدِّيدَانِ وَيَكُونُ جِيفَةً يَهْرُبُ مِنْهُ الْحَيَوَانُ وَيَسْتَقْذِرُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ وَيَهْرُبُ منه لشدة الإنتان وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير تراباً يعمل منه الكيزان ويعمل منه البنيان فيصير مفقوداً بعد ما أن موجوداً وصار كأن لم يغن بالأمس حصيداً كما كان في أول أمره أمداً مديداً وَلَيْتَهُ بَقِيَ كَذَلِكَ فَمَا أَحْسَنَهُ لَوْ تُرِكَ تراباً

قوداً بعد ما أن موجوداً وصار كأن لم يغن بالأمس حصيداً كما كان في أول أمره أمداً مديداً وَلَيْتَهُ بَقِيَ كَذَلِكَ فَمَا أَحْسَنَهُ لَوْ تُرِكَ تراباً لَا بَلْ يُحْيِيهِ بَعْدَ طُولِ الْبِلَى لِيُقَاسِيَ شديد البلاء فَيَخْرُجُ مِنْ قَبْرِهِ بَعْدَ جَمْعِ أَجْزَائِهِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَيَخْرُجُ إِلَى أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ فَيَنْظُرُ إِلَى قِيَامَةٍ قَائِمَةٍ وَسَمَاءٍ مُشَقَّقَةٍ مُمَزَّقَةٍ وَأَرْضٍ مُبَدَّلَةٍ وَجِبَالٍ مُسَيَّرَةٍ وَنُجُومٍ مُنْكَدِرَةٍ وَشَمْسٍ مُنْكَسِفَةٍ وَأَحْوَالٍ مُظْلِمَةٍ وَمَلَائِكَةٍ غِلَاظٍ شِدَادٍ وَجَهَنَّمَ تَزْفِرُ وَجَنَّةٍ يَنْظُرُ إِلَيْهَا الْمُجْرِمُ فَيَتَحَسَّرُ وَيَرَى صَحَائِفَ مَنْشُورَةً فَيُقَالُ لَهُ ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ فَيَقُولُ وَمَا هُوَ فَيُقَالُ كَانَ قَدْ وُكِّلَ بِكَ فِي حَيَاتِكَ الَّتِي كنت تفرح بها وتتكبر بِنَعِيمِهَا وَتَفْتَخِرُ بِأَسْبَابِهَا مَلَكَانِ رَقِيبَانِ يَكْتُبَانِ عَلَيْكَ

ما كنت تنطق به أو تعمله من قليل وكثير ونقير وقطمير وأكل وشرب وقيام وقعود قَدْ نَسِيتَ ذَلِكَ وَأَحْصَاهُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَهَلُمَّ إِلَى الْحِسَابِ وَاسْتَعِدَّ لِلْجَوَابِ أَوْ تُسَاقُ إِلَى دَارِ الْعَذَابِ فَيَنْقَطِعُ قَلْبُهُ فَزَعًا مِنْ هَوْلِ هَذَا الْخِطَابِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَشِرَ الصَّحِيفَةُ وَيُشَاهِدَ مَا فِيهَا مِنْ مَخَازِيهِ فَإِذَا شَاهَدَهُ قَالَ ﴿يا ويلتنا ما لهذا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أحصاها﴾ فَهَذَا آخِرُ أَمْرِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ فَمَا لِمَنْ هَذَا حَالُهُ وَالتَّكَبُّرُ وَالتَّعَظُّمُ بَلْ ماله وللفرح في لحظة واحدة فضلاً عن البطر والأشر فَقَدْ ظَهَرَ لَهُ أَوَّلُ حَالِهِ وَوَسَطُهُ وَلَوْ ظَهَرَ آخِرُهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى رُبَّمَا اخْتَارَ أن يكون كلباً أو خنزيراً ليصير مَعَ الْبَهَائِمِ تُرَابًا وَلَا يَكُونُ إِنْسَانًا يَسْمَعُ خطاباً أو يلقى عذاباً وإن كان عند الله مستحقاً للنار فالخنزير أشرف منه وأطيب وأرفع إذ أوله التراب وآخره التراب وهو بمعزل عن الحساب والعذاب والكلب والخنزير لا يهرب منه الخلق ولو رأى أهل الدنيا العبد المذنب في النار لصعقوا من وحشة خلقته وقبح صورته ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه ولو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقى منه في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيفة فَمَنْ هَذَا حَالُهُ فِي الْعَاقِبَةِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ عَلَى شَكٍّ مِنَ العفو كيف يفرح ويبطر وكيف يتكبر ويتجبر وكيف يرى نفسه شيئاً حتى يعتقد له فضلاً وأي عبد لم يذنب ذنباً استحق به العقوبة إلا أن يعفو الله الكريم بفضله ويجبر الكسر بمنه والرجاء منه ذلك لكرمه وحسن الظن به ولا قوة إلا بالله

د له فضلاً وأي عبد لم يذنب ذنباً استحق به العقوبة إلا أن يعفو الله الكريم بفضله ويجبر الكسر بمنه والرجاء منه ذلك لكرمه وحسن الظن به ولا قوة إلا بالله أرأيت من جنى على بعض الملوك فاستحق بجنايته ضرب ألف سوط فحبس إلى السجن وهو ينتظر أن يخرج إلى العرض وتقام عليه العقوبة على ملأ من الخلق وليس يدري أيعفى عنه أم لا كيف يكون ذله في السجن أفترى أنه يتكبر على من في السجن وما من عبد مذنب إلا والدنيا سجنه وقد استحق العقوبة من الله تعالى ولا يدري كيف يكون آخر أمره فيكفيه ذَلِكَ حُزْنًا وَخَوْفًا وَإِشْفَاقًا وَمَهَانَةً وَذُلًّا فَهَذَا هُوَ الْعِلَاجُ الْعِلْمِيُّ الْقَامِعُ لِأَصْلِ الْكِبْرِ وَأَمَّا الْعِلَاجُ الْعَمَلِيُّ فَهُوَ التَّوَاضُعُ لِلَّهِ بِالْفِعْلِ وَلِسَائِرِ الْخَلْقِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى أَخْلَاقِ الْمُتَوَاضِعِينَ كَمَا وَصَفْنَاهُ وحكيناه من أحوال الصالحين ومن أحوال رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إنه كان يأكل على الأرض ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد (١) حديث حكيم بن حزام بايعت رسول الله ﷺ على أن لا أخر إلا قائماً الحديث رواه أحمد مقتصرا على هذا وفيه إرسال خفي فَلَمَّا كَانَ السُّجُودُ عِنْدَهُمْ هُوَ مُنْتَهَى الذِّلَّةِ وَالضَّعَةِ أُمِرُوا بِهِ لِتَنْكَسِرَ بِذَلِكَ خُيَلَاؤُهُمْ وَيَزُولَ كِبْرُهُمْ وَيَسْتَقِرَّ التَّوَاضُعُ فِي قُلُوبِهِمْ وَبِهِ أُمِرَ سائر الخلق فإن الركوع والسجود والمثول قائماً هو العمل الذي يقتضيه التواضع فكذلك من عرف نفسه فلينظر كل ما يتقاضاه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضه حتى يصير التواضع له خلقاً فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل جميعاً وذلك لخفاء العلاقة بين القلوب والجوارح وسر

ليواظب على نقيضه حتى يصير التواضع له خلقاً فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل جميعاً وذلك لخفاء العلاقة بين القلوب والجوارح وسر

الارتباط الذي بين عالم الملك وعالم الملكوت والقلب من عالم الملكوت الْمَقَامُ الثَّانِي فِيمَا يَعْرِضُ مِنَ التَّكَبُّرِ بِالْأَسْبَابِ السبعة المذكورة وقد ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ ذَمِّ الْجَاهِ أَنَّ الْكَمَالَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ فَأَمَّا مَا عَدَاهُ مما يفنى بالموت فكمال وهمي فمن هذا يعسر على العالم أن لا يتكبر ولكنا نَذْكُرُ طَرِيقَ الْعِلَاجِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فِي جميع الأسباب السبعة الأول النسب فيمن يَعْتَرِيهِ الْكِبْرُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ فَلْيُدَاوِ قَلْبَهُ بمعرفة أمرين أحدهما أَنَّ هَذَا جَهْلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَعَزَّزَ بكمال غيره ولذلك قيل لئن فخرت بآباء ذوي شرف ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا فالمتكبر بالنسب إن كان خسيساً في صفات ذاته فمن أين يجبر خسته بكمال غيره بل لو كان الذي ينسب إليه حياً لكان له أن يقول الفضل لي ومن أنت وإنما أنت دودة خلقت من بولي أفترى أن الدودة التي خلقت من بول إنسان أشرف من الدودة التي من بول فرس هيهات بل هما متساويان والشرف للإنسان لا للدودة الثاني أن يعرف نسبه الحقيقي فيعرف أَبَاهُ وَجَدَّهُ فَإِنَّ أَبَاهُ الْقَرِيبَ نُطْفَةٌ قَذِرَةٌ وجده البعيد تراب ذليل وقد عرفه الله تعالى نسبه فقال ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نسله من سلالة من ماء مهين﴾ فمن أصله التراب المهين الذي يداس بالأقدام ثم خمر طينة حتى صار حمأ مسنوناً كيف يتكبر وأخس الأشياء ما إليه انتسابه إذ يقال يا أذل من التراب ويا أنتن من الحمأة ويا أقذر من المضغة فإن كان كونه من أبيه أقرب من كونه من التراب فنقول افتخر بالقريب دون البعيد فالنطفة والمضغة أقرب إليه من الأب فليحقر نفسه بذلك ثم إن كان ذلك يوجب رفعة لقربة فالأب الأعلى من التراب فمن أين رفعته وإذا لم يكن له رفعة فمن أين جاءت الرفعة لولده فإذن أصله من التراب وفصله من النطفة فلا أصل له ولا فصل

رفعة لقربة فالأب الأعلى من التراب فمن أين رفعته وإذا لم يكن له رفعة فمن أين جاءت الرفعة لولده فإذن أصله من التراب وفصله من النطفة فلا أصل له ولا فصل وهذه غاية خسة النسب فالأصل يوطأ بالأقدام والفصل تغسل منه الأبدان فَهَذَا هُوَ النَّسَبُ الْحَقِيقِيُّ لِلْإِنْسَانِ وَمَنْ عَرَفَهُ لم يتكبر بالنسب ويكون مثله بعد هذه المعرفة وانكشاف الغطاء له عن حقيقة أصله كرجل لم يزل عند نفسه من بني هاشم وقد أخبره بذلك والداه فلم يزل فيه نخوة الشرف فبينما هو كذلك إذ أخبره عدول لا يشك في قولهم أنه ابن هندي حجام يتعاطى القاذورات وكشفوا له وجه التلبيس عليه فلم يبق له شك في صدقهم أفترى أن ذلك يبقي شيئاً من كبره لا بل يصير عند نفسه أحقر الناس وأذلهم فهو من استشعار الخزي لخسته في شغل عن أن يتكبر على غيره فهذا حال البصير إذا تفكر في أصله وعلم أنه من النطفة والمضغة والتراب إذ لو كان أبوه ممن يتعاطى نقل التراب أو يتعاطى الدم بالحجامة أو غيرها لكان يعلم به خسة نفسه لمماسة أعضاء أبيه للتراب والدم فكيف إذا عرف أنه في نفسه من التراب والدم والأشياء القذرة التي يتنزه عنها هو في نفسه السبب الثاني التكبر بِالْجَمَالِ وَدَوَاؤُهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى بَاطِنِهِ نَظَرَ العقلاء ولا ينظر إلى باطنه نَظَرَ الْبَهَائِمِ وَمَهْمَا نَظَرَ إِلَى بَاطِنِهِ رَأَى مِنَ الْقَبَائِحِ مَا يُكَدِّرُ عَلَيْهِ تَعَزُّزَهُ بِالْجَمَالِ فإنه وكل به الأقذار في جميع أجزائه الرجيع في أمعائه والبول في مثانته والمخاط في أنفه والبزاق في فيه والوسخ في أذنيه والدم في عروقه والصديد تحت بشرته والصنان تحت إبطه يغسل الغائط بيده كل يوم دفعة أو دفعتين ويتردد كل يوم إلى الخلاء مرة أو مرتين ليخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلاً عن أن يمسه أو يشمه كل ذلك ليعرف قذارته وذله هذا في حال توسطه وفي أول أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور من النطفة ودم الحيض وأخرج من مجرى الأقذار

ضلاً عن أن يمسه أو يشمه كل ذلك ليعرف قذارته وذله هذا في حال توسطه وفي أول أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور من النطفة ودم الحيض وأخرج من مجرى الأقذار إذ خرج من الصلب ثم من الذكر مجرى البول ثم من الرحم مفيض دم الحيض ثم خرج من مجرى القذر قال أنس ﵀ كان أبو بكر الصديق ﵁ يخطبنا فيقذر إلينا أنفسنا ويقول خرج أحدكم من مجرى البول

مرتين وكذلك قال طاوس لعمر بن عبد العزيز ما هذه مشية من في بطنه خراء إذ رآه يتبختر وكان ذلك قبل خلافته وهذا أوله ووسطه ولو ترك نفسه في حياته يوماً لم يتعهدها بالتنظيف والغسل لثارت منه الأنتان والأقذار وصار أنتن وأقذر من الدواب المهملة التي لا تتعهد نفسها قط فإذا نظر أنه خلق من أقذار وأسكن في أقذار وَسَيَمُوتُ فَيَصِيرُ جِيفَةً أَقْذَرَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْذَارِ لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن وكلون الأزهار في البوادي فبينما هو كذلك إذ صار هشيماً تذروه الرياح كيف ولو كان جمالة باقياً وعن هذه القبائح خالياً لكان يجب أن لا يتكبر به على القبيح إذ لم يكن قبح القبيح إليه فينفيه ولا كان جمال الجميل إليه حتى يحمد عليه كيف ولا بَقَاءَ لَهُ بَلْ هُوَ فِي كُلِّ حِينٍ يتصور أن يزول بمرض أو جدري أو قرحة أَوْ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ فَكَمْ مِنْ وُجُوهٍ جميلة قد سمجت بهذه الأسباب فمعرفة هذه الأمور تَنْزِعُ مِنَ الْقَلْبِ دَاءَ الْكِبْرِ بِالْجَمَالِ لِمَنْ أكثر تأملها السبب الثالث التكبر بالقوة والأيدي وَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ مَا سَلَّطَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ وَأَنَّهُ لَوْ تَوَجَّعَ عِرْقٌ وَاحِدٌ فِي يَدِهِ لَصَارَ أَعْجَزَ مِنْ كل عاجز وأذل من كل ذليل وأنه لو سلبه الذباب شيئاً لم يستنقذه منه وأن بقة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في أذنه لقتلته وأن شَوْكَةً لَوْ دَخَلَتْ فِي رِجْلِهِ لَأَعْجَزَتْهُ وَأَنَّ حمى يوم تحلل من قوته مالا يَنْجَبِرُ فِي مُدَّةٍ فَمَنْ لَا يُطِيقُ شَوْكَةً ولا يقاوم بقة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْتَخِرَ بِقُوَّتِهِ ثُمَّ إِنْ قَوِيَ الْإِنْسَانُ فَلَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ حِمَارٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ فِيلٍ أَوْ جَمَلٍ وَأَيُّ افتخار في صفة يسبقك فيها الْبَهَائِمُ السَّبَبُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ الْغِنَى وَكَثْرَةُ الْمَالِ وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار والتكبر بولاية السلاطين والتمكن من جهتهم وَكُلُّ ذَلِكَ تَكَبُّرٌ بِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الإنسان كالجمال والقوة والعلم

اه كثرة الأتباع والأنصار والتكبر بولاية السلاطين والتمكن من جهتهم وَكُلُّ ذَلِكَ تَكَبُّرٌ بِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الإنسان كالجمال والقوة والعلم وهذا أقبح أنواع الكبر فإن المتكبر بماله كأنه متكبر بفرسه وداره ولو مات فرسه وانهدمت داره لعاد ذليلاً والمتكبر بتمكين السلطان وولايته لا بصفة في نفسه بنى أمره على قلب هو أشد غلياناً من القدر فإن تغير عليه كان أذل الخلق وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته فهو ظاهر الجهل كيف والمتكبر بالغنى لو تأمل لرأى فِي الْيَهُودِ مَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي الْغِنَى والثروة والتجمل فأف لشرف يسبقك به اليهودي وأف لشرف يأخذه السارق في لحظة واحدة فيعود صاحبه ذليلاً مفلساً فهذه أسباب ليست في ذاته وما هو في ذاته ليس إليه دوام وجوده وهو في الآخرة وبال ونكال فالتفاخر به غاية الجهل وكل ما ليس إليك فليس لك وشيء من هذه الأمور ليس إليك بل إلى واهبه إن أبقاه لك وإن استرجعه زال عنك وما أنت إلا عبد مملوك لا تقدر على شيء ومن عرف ذلك لا بد وأن يزول كبره ومثاله أن يفتخر الغافل بقوته وجماله وماله وحريته واستقلاله وسعة منازله وكثرة خيوله وغلمانه إذ شهد عليه شاهدان عدلان عند حاكم منصف بأنه رقيق لفلان وأن أبويه كانا مملوكين له فعلم ذلك وحكم به الحاكم فجاء مالكه فأخذه وأخذ جميع ما في يده وهو مع ذلك يخشى أن يعاقبه وينكل به لتفريطه في أمواله وتقصيره في طلب مالكه ليعرف أن له مالكاً ثم نظر العبد فرأى نفسه محبوساً في منزل قد أحدقت به الحيات والعقارب والهوام وهو في كل حال على وجل من كل واحدة منها وقد بقي لا يملك نفسه ولا ماله ولا يعرف طريقاً في الخلاص البتة أفترى من هذا حاله هل يفخر بقدرته وثروته وقوته وكماله أم يذل نفسه ويخضع وهذا حال كل عاقل بصير فإنه

يملك نفسه ولا ماله ولا يعرف طريقاً في الخلاص البتة أفترى من هذا حاله هل يفخر بقدرته وثروته وقوته وكماله أم يذل نفسه ويخضع وهذا حال كل عاقل بصير فإنه

يرى نفسه كذلك فلا يملك رقبته وبدنه وأعضاءه وماله وهو مع ذلك بين آفات وشهوات وأمراض وأسقام هي كالعقارب والحيات يخاف منها الهلاك فمن هذا حاله لا يتكبر بقوته وقدرته إذ يعلم أنه لا قدرة له ولا قوة فهذا طريق علاج التكبر بالأسباب الخارجة وهو أهون من علاج التكبر بالعلم والعمل فإنهما كمالان في النفس جديران بأن يفرح بهما ولكن التكبر بهما أيضاً نوع من الجهل خفي كما سنذكره السبب السادس الكبر بالعلم وهو أعظم الآفات وأغلب الأدواء وأبعدها عن قبول العلاج إلا بشدة شديدة وجهد جهيد وذلك لأن قدر العلم عظيم عند الله عظيم عند الناس وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما بل لا قدر لهما أصلاً إلا إذا كان معهما علم وعمل ولذلك قال كعب الأحبار إن للعلم طغياناً كطغيان المال وكذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه العالم إذا زل زل بزلته عالم فيعجز العالم عن أن لا يستعظم نفسه بالإضافة إلى الجاهل لكثرة ما نطق الشرع بفضائل العلم ولن يقدر العالم على دفع الكبر إلا بمعرفة أمرين أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ آكَدُ وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ مِنَ الْجَاهِلِ مَا لَا يُحْتَمَلُ عُشْرُهُ مِنَ الْعَالِمِ فَإِنَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى عَنْ مَعْرِفَةٍ وَعِلْمٍ فجنايته أفحش إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم ولذلك قال ﷺ يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحا فيطيف به أهل النار فيقولون مالك فيقول كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهى عن الشر وآتيه // حديث يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه الحديث متفق عليه من حديث أسامة بن زيد بلفظ يؤتى بالرجل وتقدم في العلم وقد مثل الله ﷾ من يعلم ولا يعمل بالحمار والكلب فقال ﷿ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾ أراد به علماء اليهود

ن يعلم ولا يعمل بالحمار والكلب فقال ﷿ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾ أراد به علماء اليهود وقال في بلعم بن باعوراء ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ حتى بلغ ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ قال ابن عباس ﵄ أوتي بلعم كتاباً فأخلد إلى شهوات الأرض أي سكن حبه إليها فمثله بالكلب ﴿إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ أي سواء آتيته الحكمة أو لم أوته لا يدع شهوته ويكفي العالم هذا الخطر فأي عالم لم يتبع شهوته وأي عالم لم يأمر بالخير الذي لا يأتيه فمهما خطر للعالم عظم قدره بالإضافة إلى الجاهل فليتفكر في الخطر العظيم الذي هو بصدده فإن خطره أعظم من خطر غيره كما أن قدره أعظم من قدر غيره فهذا بذاك وهو كالملك المخاطر بروحه في ملكه لكثرة أعدائه فإنه إذا أخذ وقهر اشتهى أن يكون قد كان فقيراً فكم من عالم يشتهي في الآخرة سلامة الجهال والعياذ بالله منه فهذا الخطر يمنع من التكبر فإنه إن كان من أهل النار فالخنزير أفضل منه فكيف يتكبر من هذا حاله فلا ينبغي أن يكون العالم عند نفسه أكبر من الصحابة رضوان الله عليهم وقد كان بعضهم يقول يا ليتني لم تلدني أمي ويأخذ الآخر تبنة من الأرض ويقول يا ليتني كنت هذه التبنة ويقول الآخر ليتني كنت طيراً أوكل ويقول الآخر ليتني لم أك شيئاً مذكوراً كل ذلك خوفاً من خطر العاقبة فكانوا يرون أنفسهم أسوأ حالاً من الطير ومن التراب ومهما أطال فكره في الخطر الذي هو بصدده زال بالكلية كبره ورأى نفسه كأنه شر الخلق ومثاله مثال عبد أمره سيده بأمور فشرع فيها فترك بعضها وأدخل النقصان في بعضها وشك في بعضها أنه هل أداها على ما يرتضيه سيده أم لا فأخبره مخبر أن سيده أرسل إليه رسولاً يخرجه من كل ما هو فيه عرياناً ذليلاً ويلقيه على بابه في الحر والشمس زماناً طويلاً حتى إذا ضاق عليه الأمر وبلغ به المجهود أمر برفع حسابه

وفتش عن جميع أعماله قليلها وكثيرها ثم أمر به إلى سجن ضيق وعذاب دائم لا يروح عنه ساعة وقد علم أن سيده قد فعل بطوائف من عبيده مثل ذلك وعفا عن بعضهم وهو لا يدري من أي الفريقين يكون فإذا تفكر في ذلك انكسرت نفسه وذل وبطل عزه وكبره وظهر حزنه وخوفه ولم يتكبر على أحد من الخلق بل تواضع رجاء أن يكون هو من شفعائه عند نزول العذاب فكذلك العالم إذا تفكر فيما ضيعه من أوامر ربه بجنايات على جوارحه وبذنوب في باطنه من الرياء والحقد والحسد والعجب والنفاق وغيره وعلم بما هو بصدده من الخطر العظيم فارقه كبره لا محالة الأمر الثاني أن العالم يَعْرِفَ أَنَّ الْكِبْرَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ ﷿ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ إِذَا تَكَبَّرَ صَارَ ممقوتاً عند الله بغيضاً وقد أحب الله منه أن يتواضع وقال له إن لك عندي قدراً ما لم تر لنفسك قدراً فإن رأيت لنفسك قدراً فلا قدر لك عندي فلا بد وأن يكلف نفسه ما يحبه مولاه منه وهذا يزيل التكبر عن قلبه وإن كان يستيقن أنه لا ذنب له مثلاً أو تصور ذلك وبهذا زال التكبر عن الأنبياء ﵈ إذ علموا أن من نازع الله تعالى في رداء الكبرياء قصمه وقد أمرهم الله بأن يصغروا أنفسهم حتى يعظم عند الله محلهم فهذا أيضاً مما يبعثه على التواضع لا محالة فإن قلت فكيف يتواضع للفاسق المتظاهر بالفسق وللمبتدع وكيف يرى نفسه دونهم وهو عالم عابد وكيف يجهل فضل العلم والعبادة عند الله تعالى وكيف يغنيه أن يخطر بباله خطر العلم وهو يعلم أن خطر الفاسق والمبتدع أكثر فاعلم أن ذلك إنما يمكن بالتفكر في خطر الخاتمة بل لو نظر إلى كافر لم يمكنه أن يتكبر عليه إذ يتصور أن يسلم الكافر فيختم له بالإيمان ويضل هذا العالم فيختم له بالكفر والكبير من هو كبير عند الله في الآخرة والكلب والخنزير أعلى رتبة ممن هو عند الله من أهل النار وهو لا يدري ذلك فكم من مسلم نظر إلى عمر ﵁ قبل إسلامه فاستحقره وازدراه لكفره وقد رزقه الله الإسلام وفاق جميع المسلمين إلا أبا بكر وحده فالعواقب مطوية عن العباد ولا ينظر العاقل إلا إلى العاقبة وجميع الفضائل في الدنيا تراد للعاقبة فإذن من حق العبد أن لا يتكبر على أحد

ن إلا أبا بكر وحده فالعواقب مطوية عن العباد ولا ينظر العاقل إلا إلى العاقبة وجميع الفضائل في الدنيا تراد للعاقبة فإذن من حق العبد أن لا يتكبر على أحد بل إن نظر إلى جاهل قال هذا عصى الله بجهل وأنا عصيته بعلم فهو أعذر مني وإن نظر إلى عالم قال هذا قد علم ما لم أعلم فكيف أكون مثله وإن نظر إلى كبير هو أكبر منه سناً قال هذا قد أطاع الله قبلي فكيف أكون مثله وإن نظر إلى صغير قال إني عصيت الله قبله فكيف أكون مثله وإن نظر إلى مبتدع أو كافر قال ما يدريني لعله يختم له بالإسلام ويختم لي بما هو عليه الآن فليس دوام الهداية إلي كما لم يكن ابتداؤها إلي فبملاحظة الخاتمة يقدر على أن ينفي الكبر عن نفسه وكل ذلك بأن يعلم أن الكمال في سعادة الآخرة والقرب من الله لا فيما يظهر في الدنيا مما لا بقاء له ولعمري هذا الخطر مشترك بين المتكبر والمتكبر عليه ولكن حق على كل واحد أن يكون مصروف الهمة إلى نفسه مشغول القلب بخوفه لعاقبته لا أن يشتغل بخوف غيره فإن الشفيق بسوء الظن مولع وشفقه كل إنسان على نفسه فإذا حبس جماعة في جناية ووعدوا بأن تضرب رقابهم لم يتفرغوا لتكبر بعضهم على بعض وإن عمهم الخطر إذ شغل كل واحد نفسه عن الالتفات إلى هم غيره حتى كأن كل واحد هو وحده في مصيبته وخطره فإن قلت فكيف أبغض المبتدع في الله وأبغض الفاسق وقد أمرت ببغضهما ثم مع ذلك أتواضع لهما والجمع بينهما متناقض فاعلم أن هذا أمر مشتبه يلتبس على أكثر الخلق إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة والفسق

اسق وقد أمرت ببغضهما ثم مع ذلك أتواضع لهما والجمع بينهما متناقض فاعلم أن هذا أمر مشتبه يلتبس على أكثر الخلق إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة والفسق

بكبر النفس والإدلال بالعلم والورع فكم من عابد جاهل وعالم مغرور إذا رأى فاسقاً جلس بجنبه أزعجه من عنده وتنزه عند بكبر باطن في نفسه وهو ظان أنه قد غضب لله كما وقع لعابد بني إسرائيل مع خليعهم وذلك لأن الكبر على المطيع ظاهر كونه شراً والحذر منه ممكن والكبر على الفاسق والمبتدع يشبه الغضب لله وهو خير فإن الغضبان أيضاً يتكبر على من غضب عليه والمتكبر يغضب وأحدهما يثمر الآخر ويوجبه وهما ممتزجان ملتبسان لا يميز بينهما إلا الموفقون والذي يخلصك من هذا أن يكون الحاضر على قلبك عند مشاهدة المبتدع أو الفاسق أو عند أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر ثلاثة أمور أحدهما التفاتك إلى ما سبق من ذنوبك وخطاياك ليصغر عند ذلك قدرك في عينك والثاني أن تكون ملاحظتك لما أنت متميز به من العلم واعتقاد الحق والعمل الصالح من حيث إنها نعمة من الله تعالى عليك فله المنة فيه لا لك فترى ذلك منه حتى لا تعجب بنفسك وإذا لم تعجب لم تتكبر والثالث ملاحظة إبهام عاقبتك وعاقبتك أنه ربما يختم لك بالسوء ويختم له بالحسنى حتى يشغلك الخوف عن التكبر عليه فإن قلت فكيف أغضب مع هذه الأحوال فأقول تغضب لمولاك وسيدك إذ أمرك أن تغضب له لا لنفسك وأنت في غضبك لا ترى نفسك ناجياً وصاحبك هالكاً بل يكون خوفك على نفسك بما علم الله من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليه مع الجهل بالخاتمة وأعرفك ذلك بمثال لتعلم أنه ليس من ضرورة الغضب لله أن تتكبر على المغضوب عليه وترى قدرك فوق قدره فأقول إذا كان للملك غلام وولد هو قرة عينه وقد وكل الغلام بالولد ليراقبه وأمره أن يضربه مهما أساء أدبه واشتغل بما لا يليق به ويغضب عليه

قدرك فوق قدره فأقول إذا كان للملك غلام وولد هو قرة عينه وقد وكل الغلام بالولد ليراقبه وأمره أن يضربه مهما أساء أدبه واشتغل بما لا يليق به ويغضب عليه فإن كان الغلام محباً مطيعاً لمولاه فلا يجد بداً أن يغضب مهما رأى ولده قد أساء الأدب وإنما يغضب عليه لمولاه ولأنه أمره به ولأنه يريد التقرب بامتثال أمره إليه ولأنه جرى من ولده ما يكره مولاه فيضرب ولده ويغضب عليه من غير تكبر عليه بل هو متواضع له يرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه لأن الولد أعز لا محالة من الغلام فإذن ليس من ضرورة الغضب التكبر وعدم التواضع فكذلك يمكنك أن تنظر إلى المبتدع والفاسق وتظن أنه ربما كان قدرهما في الآخرة عند الله أعظم لما سبق لهما من الحسنى في الأزل ولما سبق لك من سوء القضاء في الأزل وأنت غافل عنه ومع ذلك فتغضب بحكم الأمر محبة لمولاك إذ جرى ما يكرهه مع التواضع لمن يجوز أن يكون عنده أقرب منك في الآخرة فهكذا يكون بعض العلماء الأكياس فينضم إليه الخوف والتواضع وأما المغرور فإنه يتكبر ويرجو لنفسه أكثر مما يرجوه لغيره مع جهله بالعاقبة وذلك غاية الغرور فهذا سبيل التواضع لمن عصى الله أو اعتقد البدعة مع الغضب عليه ومجانبته بحكم الأمر السبب السابع التكبر بالورع والعبادة وذلك أيضاً فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الْعِبَادِ وَسَبِيلُهُ أَنْ يُلْزِمَ قلبه التواضع لسائر العباد وهو أن يعلم أن من يتقدم عليه بالعلم لا ينبغي أن يتكبر عليه كيفما كان لما عرفه من فضيلة العلم وقد قال تعالى ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ ﷺ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَى رَجُلٍ مِنْ أصحابي // حديث فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَى رجل من أصحابي أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة وتقدم في العلم إلى غير ذلك مما ورد في فضل العلم

فإن قال العابد ذلك لعالم عامل بعلمه وهذا عالم فاجر فيقال له أما عرفت أن الحسنات يذهبن السيئات وكما أن العلم يمكن أن يكون حجة على العالم فكذلك يمكن أن يكون وسيلة له وكفارة لذنوبه وكل واحد منهما ممكن وقد وردت الأخبار بما يشهد لذلك وإذا كان هذا الأمر غائباً عنه لم يجز له أن يحتقر عالماً بل يجب عليه التواضع له فإن قلت فإن صح هذا فينبغي أن يكون للعالم أن يرى نفسه فوق العابد لقوله ﷺ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي فاعلم أن ذلك كان ممكناً لو علم العالم عاقبة أمره وخاتمة الأمر مشكوك فيها فيحتمل أن يموت بحيث يكون حاله عند الله أشد من حال الجاهل الفاسق لذنب واحد كان يحسبه هيناً وهو عند الله عظيم وقد مقته به وإذا كان هذا ممكناً كان على نفسه خائفاً فإذا كان كل واحد من العابد والعالم خائفاً على نفسه وقد كلف أمر نفسه لا أمر غيره فينبغي أن يكون الغالب عليه في حق نفسه الخوف وفي حق غيره الرجاء وذلك يمنعه من التكبر بكل حال فهذا العابد مع العالم فأما مع غير العالم فهم منقسمون في حقه إلى مستورين وإلى مكشوفين فينبغي أن لا يتكبر على المستور فلعله أقل عنه ذنوباً وأكثر منه عبادة وأشد منه حباً لله وأما المكشوف حاله إن لم يظهر لك من الذنوب إلا ما تزيد عليه ذنوبك في طول عمرك

يتكبر على المستور فلعله أقل عنه ذنوباً وأكثر منه عبادة وأشد منه حباً لله وأما المكشوف حاله إن لم يظهر لك من الذنوب إلا ما تزيد عليه ذنوبك في طول عمرك فلا ينبغي أن تتكبر عليه ولا يمكن أن تقول هو أكثر مني ذنباً لأن عدد ذنوبك في طول عمرك وذنوب غيرك في طول العمر لا تقدر على إحصائها حتى تعلم الكثرة نعم يمكن أن تعلم أن ذنوبه أشد كما لو رأيت منه القتل والشرب والرياء ومع ذلك فلا ينبغي أن تتكبر عليه إذ ذنوب القلوب من الكبر والحسد والرياء والغل واعتقاد الباطل والوسوسة في صفات الله تعالى وتخيل الخطأ في ذلك كل ذلك شديد عند الله فربما جرى عليك في باطنك من خفايا الذنوب ما صرت به عند الله ممقوتاً وقد جرى للفاسق الظاهر الفسق من طاعات القلوب من حب الله وإخلاص وخوف وتعظيم ما أنت خال عنه وقد كفر الله بذلك عنه سيئاته فينكشف الغطاء يوم القيامة فتراه فوق نفسك بدرجات فهذا ممكن والإمكان البعيد فيما عليك ينبغي أن يكون قريباً عندك إن كنت مشفقاً على نفسك فلا تتفكر فيما هو ممكن لغيرك بل فيما هو مخوف في حقك فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى وعذاب غيرك لا يخفف شيئاً من عذابك فإذا تفكرت في هذا الخطر كان عندك شغل شاغل عن التكبر وعن أن ترى نفسك فوق غيرك وقد قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ مَا تَمَّ عَقْلُ عبد حتى يكون فيه عشر خصال فعد تسعة حتى بلغ العاشر فقال العاشرة وما العاشرة بها شاد مَجْدُهُ وَبِهَا عَلَا ذِكْرُهُ أَنْ يَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْرًا مِنْهُ وَإِنَّمَا النَّاسُ عِنْدَهُ فِرْقَتَانِ فِرْقَةٌ هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَرْفَعُ وَفِرْقَةٌ هِيَ شَرٌّ مِنْهُ وَأَدْنَى

اسَ كُلَّهُمْ خَيْرًا مِنْهُ وَإِنَّمَا النَّاسُ عِنْدَهُ فِرْقَتَانِ فِرْقَةٌ هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَرْفَعُ وَفِرْقَةٌ هِيَ شَرٌّ مِنْهُ وَأَدْنَى فَهُوَ يَتَوَاضَعُ لِلْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعًا بقلبه إن رَأَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ سَرَّهُ ذَلِكَ وَتَمَنَّى أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَإِنْ رَأَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ قَالَ لَعَلَّ هَذَا يَنْجُو وَأَهْلِكُ أَنَا فَلَا تَرَاهُ إِلَّا خَائِفًا مِنَ العاقبة ويقوم لَعَلَّ بِرَّ هَذَا بَاطِنٌ فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ وَلَا أَدْرِي لَعَلَّ فِيهِ خُلُقًا كَرِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَتُوبَ عَلَيْهِ وَيَخْتِمَ له بأحسن الأعمال ويرى ظَاهِرٌ فَذَلِكَ شَرٌّ لِي فَلَا يَأْمَنُ فِيمَا أَظْهَرَهُ مِنَ الطَّاعَةِ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهَا الْآفَاتُ فأحبطتها ثم قَالَ فَحِينَئِذٍ كَمُلَ عَقْلُهُ وَسَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ فهذا كلامه وبالجملة فمن جوز أن يكون عند الله شقياً وقد سبق القضاء في الأزل بشقوته فماله سبيل إلى أن يتكبر بحال من الأحوال نعم إذا غلب عليه الخوف رأى كل أحد خيراً من نفسه وذلك هو الفضيلة كما روي أن عابداً أوى إلى جبل فقيل له في النوم ائت فلاناً الإسكاف فسله أن يدعو لك فأتاه فسأله عن عمله فأخبره أنه يصوم النهار ويكتسب

وذلك هو الفضيلة كما روي أن عابداً أوى إلى جبل فقيل له في النوم ائت فلاناً الإسكاف فسله أن يدعو لك فأتاه فسأله عن عمله فأخبره أنه يصوم النهار ويكتسب

فيتصدق ببعضه ويطعم عياله ببعضه فرجع وهو يقول إن هذا لحسن ولكن ليس هذا كالتفرغ لطاعة الله فأتى في النوم ثانياً فقيل له ائت فلاناً الإسكاف فقل له ما هذا الصفار الذي بوجهك فأتاه فسأله فقال له ما رأيت أحداً من الناس إلا وقع لي أنه سينجو وأهلك أنا فقال العابد بهذه والذي يدل على فضيلة هذه الخصلة قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أنهم إلى ربهم راجعون﴾ أَيْ أَنَّهُمْ يُؤْتُونَ الطَّاعَاتِ وَهُمْ عَلَى وَجَلٍ عَظِيمٍ مِنْ قَبُولِهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ هم من خشية ربهم مشفقون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مشفقين﴾ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ ﵈ مَعَ تَقَدُّسِهِمْ عَنِ الذُّنُوبِ وَمُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى الْعِبَادَاتِ على الدءوب بالإشفاق فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يفترون وهم من خشيته مشفقون فمتى زال الإشفاق والحذر مما سبق به القضاء في الأزل وينكشف عند خاتمة الأجل غَلَبَ الْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْكِبْرَ وَهُوَ سَبَبُ الْهَلَاكِ فَالْكِبْرُ دَلِيلُ الْأَمْنِ وَالْأَمْنُ مُهْلِكٌ وَالتَّوَاضُعُ دَلِيلُ الْخَوْفِ وَهُوَ مُسْعِدٌ فإذن ما يفسده العابد بإضمار الكبر واحتقار الخلق والنظر إليهم بعين الاستصغار أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُهُ بِظَاهِرِ الْأَعْمَالِ

ْخَوْفِ وَهُوَ مُسْعِدٌ فإذن ما يفسده العابد بإضمار الكبر واحتقار الخلق والنظر إليهم بعين الاستصغار أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُهُ بِظَاهِرِ الْأَعْمَالِ فَهَذِهِ مَعَارِفُ بها يزال داء الكبر عن القلب لا غير إِلَّا أَنَّ النَّفْسَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ قَدْ تُضْمِرُ التَّوَاضُعَ وَتَدَّعِي الْبَرَاءَةَ مِنَ الْكِبْرِ وَهِيَ كَاذِبَةٌ فَإِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ عَادَتْ إِلَى طَبْعِهَا ونسيت وعدها فعلى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِي الْمُدَاوَاةِ بِمُجَرَّدِ الْمَعْرِفَةِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَكْمُلَ بِالْعَمَلِ وَتُجَرَّبَ بِأَفْعَالِ الْمُتَوَاضِعِينَ فِي مَوَاقِعِ هَيَجَانِ الْكِبْرِ في النفس وبيانه أن يمتحن النفس بخمس امتحانان هي أدلة على استخراج ما في الباطن وإن كانت الامتحانات كثيرة الامتحان الأول أَنْ يُنَاظِرَ فِي مَسْأَلَةٍ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ أَقْرَانِهِ فَإِنْ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنَ الْحَقِّ عَلَى لِسَانِ صَاحِبِهِ فَثَقُلَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ وَالِانْقِيَادُ لَهُ والاعتراف به والشكر له على تنبيهه وتعريفه وإخراجه الحق فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ كِبْرًا دَفِينًا فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِيهِ وَيَشْتَغِلْ بِعِلَاجِهِ أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ فَبِأَنْ يُذَكِّرَ نَفْسَهُ خِسَّةَ نَفْسِهِ وَخَطَرَ عَاقِبَتِهِ وَأَنَّ الْكِبْرَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الْعَمَلُ فَبِأَنْ يُكَلِّفَ نَفْسَهُ مَا ثَقُلَ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِالْحَقِّ وَأَنْ يطلق اللسا ٦ ن بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَيُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ وَيَشْكُرَهُ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ وَيَقُولَ مَا أَحْسَنَ مَا فَطِنْتَ لَهُ وَقَدْ كُنْتُ غَافِلًا عَنْهُ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا كَمَا نَبَّهْتَنِي لَهُ فَالْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَإِذَا وَجَدَهَا يَنْبَغِيَ أَنْ يَشْكُرَ مَنْ دَلَّهُ عَلَيْهَا

َجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا كَمَا نَبَّهْتَنِي لَهُ فَالْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَإِذَا وَجَدَهَا يَنْبَغِيَ أَنْ يَشْكُرَ مَنْ دَلَّهُ عَلَيْهَا فَإِذَا وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَةً صَارَ ذَلِكَ لَهُ طَبْعًا وَسَقَطَ ثِقَلُ الْحَقِّ عَنْ قَلْبِهِ وَطَابَ لَهُ قَبُولُهُ وَمَهْمَا ثَقُلَ عَلَيْهِ الثَّنَاءُ عَلَى أَقْرَانِهِ بِمَا فِيهِمْ فَفِيهِ كبر فإن كان ذلك لا يثقل عليه في الخلوة ويثقل عليه في الملأ فليس فيه كبر وإنما فيه رياء فليعالج الرياء بما ذكرناه من قطع الطمع عن الناس ويذكر القلب بأن منفعته في كماله في ذاته وعند الله لا عند الخلق إلى غير ذلك من أدوية الرياء وإن ثقل عليه في الخلوة والملأ جميعاً ففيه الكبر والرياء جميعاً ولا ينفعه الخلاص من أحدهما ما لم يتخلص من الثاني فليعالج كلا الداءين فإنهما جميعاً مهلكان الِامْتِحَانُ الثَّانِي أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ الْأَقْرَانِ وَالْأَمْثَالِ فِي الْمَحَافِلِ وَيُقَدِّمَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَيَمْشِيَ خَلْفَهُمْ ويجلس في الصدور تحتهم فإن ثقل عليه ذلك فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ فَلْيُوَاظِبْ عَلَيْهِ تَكَلُّفًا حَتَّى يَسْقُطَ عنه ثقله فبذلك يزايله الكبر وههنا لِلشَّيْطَانِ مَكِيدَةٌ وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَفِّ النعال أو يجعل بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَقْرَانِ بَعْضُ الْأَرْذَالِ فَيَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ تَوَاضُعٌ وَهُوَ عَيْنُ الْكِبْرِ فَإِنَّ ذَلِكَ يخف على صدور الْمُتَكَبِّرِينَ إِذْ يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا مَكَانَهُمْ بِالِاسْتِحْقَاقِ والتفضل فيكون قد تكبر وتكبر بِإِظْهَارِ التَّوَاضُعِ أَيْضًا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ أقرانه ويجلس بينهم بِجَنْبِهِمْ وَلَا يَنْحَطَّ عَنْهُمْ إِلَى صَفِّ

النِّعَالِ فَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُخْرِجُ خُبْثَ الْكِبْرِ مِنَ الْبَاطِنِ الِامْتِحَانُ الثَّالِثُ أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ الْفَقِيرِ وَيَمُرَّ إِلَى السُّوقِ فِي حَاجَةِ الرُّفَقَاءِ وَالْأَقَارِبِ فَإِنْ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَهُوَ كِبْرٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالثَّوَابَ عَلَيْهَا جَزِيلٌ فَنُفُورُ النَّفْسِ عَنْهَا لَيْسَ إِلَّا لِخُبْثٍ فِي الْبَاطِنِ فَلْيَشْتَغِلْ بِإِزَالَتِهِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ مَعَ تَذَكُّرِ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَعَارِفِ الَّتِي تُزِيلُ دَاءَ الْكِبْرِ الِامْتِحَانُ الرَّابِعُ أَنْ يَحْمِلَ حَاجَةَ نَفْسِهِ وَحَاجَةَ أَهْلِهِ وَرُفَقَائِهِ مِنَ السُّوقِ إِلَى الْبَيْتِ فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُهُ ذَلِكَ فهو كبر أو رياء فإن كان يثقل ذلك عليه مع خلو الطريق فهو كبر وإن كان لا يثقل عليه إلا مع مشاهدة الناس فهو رياء وكل ذلك من أمراض القلب وَعِلَلِهِ الْمُهْلِكَةِ لَهُ إِنْ لَمْ تَتَدَارَكْ وَقَدْ أَهْمَلَ النَّاسُ طِبَّ الْقُلُوبِ وَاشْتَغَلُوا بِطِبِّ الْأَجْسَادِ مَعَ أَنَّ الْأَجْسَادَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ لَا مَحَالَةَ وَالْقُلُوبُ لَا تُدْرِكُ السَّعَادَةَ إِلَّا بِسَلَامَتِهَا إِذْ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى الله بقلب سليم﴾ ويروى عن عبد الله بن سلام أنه حمل حزمة حطب فقيل له يا أبا يوسف قد كان في غلمانك وبنتك ما يكفيك قال أجل ولكن أردت أن أجرب نفسي هل تنكر ذلك فلم يقنع منها بما أعطته من العزم على ترك الأنفة حتى جربها أهي صادقة أم كاذبة وفي الخبر من حمل الفاكهة أو الشيء فقد برئ من الكبر (١) حديث من اعتقل البعير ولبس الصوف فقد برئ من الكبر أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة بزيادة فيه وفي إسناده القاسم اليعمري ضعيف جدا وقال ﷺ إنما أنا عبد آكل بالأرض وألبس الصوف وأعقل البعير وألعق أصابعي وأجيب دعوة المملوك فمن رغب عن سنتي فليس مني // حديث إنما أن عبد آكل بالأرض وألبس الصوف الحديث تقدم بعضه ولم أجد بقيته

الصوف وأعقل البعير وألعق أصابعي وأجيب دعوة المملوك فمن رغب عن سنتي فليس مني // حديث إنما أن عبد آكل بالأرض وألبس الصوف الحديث تقدم بعضه ولم أجد بقيته وروي أن أبا موسى الأشعري قيل له إن أقواماً يتخلفون عن الجمعة بسبب ثيابهم فلبس عباءة فصلى فيها بالناس وهذه مواضع يجتمع فيها الرياء والكبر فما يختص بالملأ فهو الرياء وما يكون في الخلوة فهو الكبر فاعرف فإن من لا يعرف الشر لا يتقيه ومن لا يدرك المرض لا يداويه بَيَانُ غَايَةِ الرِّيَاضَةِ فِي خُلُقِ التَّوَاضُعِ

اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخُلُقَ كَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ لَهُ طَرَفَانِ وواسطة فَطَرَفُهُ الَّذِي يَمِيلُ إِلَى الزِّيَادَةِ يُسَمَّى تَكَبُّرًا وطرفه الذي يَمِيلُ إِلَى النُّقْصَانِ يُسَمَّى تَخَاسُسًا وَمَذَلَّةً وَالْوَسَطُ يُسَمَّى تَوَاضُعًا وَالْمَحْمُودُ أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي غَيْرِ مذلة ومن غير تخاسس فإن كلا طرفي الْأُمُورِ ذَمِيمُ وَأَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْسَاطُهَا فَمَنْ يَتَقَدَّمْ عَلَى أَمْثَالِهِ فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ وَمَنْ يَتَأَخَّرْ عَنْهُمْ فَهُوَ مُتَوَاضِعٌ أَيْ وَضَعَ شَيْئًا مِنْ قَدْرِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ وَالْعَالِمُ إِذَا دخل عليه إسكاف فَتَنَحَّى لَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ وَأَجْلَسَهُ فِيهِ ثُمَّ تقدم وسوى له نعله وعدا إِلَى بَابِ الدَّارِ خَلْفَهُ فَقَدْ تَخَاسَسَ وَتَذَلَّلَ وهذا أَيْضًا غَيْرُ مَحْمُودٍ بَلِ الْمَحْمُودُ عِنْدَ اللَّهِ الْعَدْلُ وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَاضَعَ بِمِثْلِ هَذَا لِأَقْرَانِهِ وَمَنْ يَقْرُبُ مِنْ دَرَجَتِهِ فَأَمَّا تَوَاضُعُهُ لِلسُّوقِيِّ فَبِالْقِيَامِ وَالْبِشْرِ فِي الْكَلَامِ وَالرِّفْقِ فِي السُّؤَالِ وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَالسَّعْيِ فِي حَاجَتِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ وأن لا يرى نفسه خيراً منه بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره فَلَا يَحْتَقِرُهُ وَلَا يَسْتَصْغِرُهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ خاتمة

هِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ وأن لا يرى نفسه خيراً منه بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره فَلَا يَحْتَقِرُهُ وَلَا يَسْتَصْغِرُهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ خاتمة

أمره فإذن سبيله في اكتساب التواضع أن يتواضع للأقران ولمن دونهم حتى يخف عليه التواضع المحمود في محاسن العادات ليزول به الكبر عنه فإن خف عليه ذلك فقد حصل له خلق التواضع وإن كان يثقل عليه وهو يفعل ذلك فهو متكلف لا متواضع بل الخلق ما يصدر عنه الفعل بسهولة من غير ثقل ومن غير روية فإن خف ذلك وصار بحيث يثقل عليه رعاية قدره حتى أحب التملق والتخاسس فقد خرج إلى طرف النقصان فليرفع نفسه إذ ليس للمؤمن أن تذل نفسه إلى أن يعود إلى الوسط الذي هو الصراط المستقيم وذلك غامض في هذا الخلق وفي سائر الأخلاق والميل عن الوسط إلى طرف النقصان وهو التملق أهون من الميل إلى طرف الزيادة بالتكبر كما أن الميل إلى طرف التبذير في المال أحمد عند الناس من الميل إلى طرف البخل فنهاية التبذير ونهاية البخل مذمومان وأحدهما أفحش وكذلك نهاية التكبر ونهاية التنقص والتذلل مذمومان وأحدهما أقبح من الآخر والمحمود المطلق هو العدل ووضع الأمور مواضعها كما يجب وعلى ما يجب كما يعرف ذلك بالشرع والعادة ولنقتصر على هذا القدر من بيان أخلاق الكبر والتواضع الشطر الثاني من الكتاب في العجب وفيه بيان ذم العجب وآفاته وبيان حقيقة العجب والإدلال وحدهما وبيان علاج العجب على الجملة وبيان أقسام ما به العجب وتفصيل علاجه بَيَانُ ذَمِّ الْعُجْبِ وَآفَاتِهِ اعْلَمْ أَنَّ الْعُجْبَ مَذْمُومٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عنكم شيئاً﴾ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْإِنْكَارِ وَقَالَ ﷿ ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ فَرَدَّ عَلَى الْكُفَّارِ فِي إِعْجَابِهِمْ بِحُصُونِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وَهَذَا أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى الْعُجْبِ بِالْعَمَلِ

بِحُصُونِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وَهَذَا أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى الْعُجْبِ بِالْعَمَلِ وَقَدْ يعجب الإنسان بالعمل هُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ كَمَا يُعْجَبُ بِعَمَلٍ هُوَ مُصِيبٌ فِيهِ وَقَالَ ﷺ ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ المرء بنفسه (١) حديث أبي ثعلبة إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وقد تقدم وقال ابن مسعود الهالك فِي اثْنَتَيْنِ الْقُنُوطِ وَالْعُجْبِ وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ السَّعَادَةَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالسَّعْيِ وَالطَّلَبِ وَالْجِدِّ وَالتَّشَمُّرِ وَالْقَانِطُ لَا يَسْعَى وَلَا يَطْلُبُ وَالْمُعْجَبُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَدْ سَعِدَ وَقَدْ ظَفِرَ بمراده فلا يسعى فالموجود لا يطلب والمحال لا يطلب والسعادة موجودة في اعتقاد المعجب حاصلة له ومستحيلة في اعتقاد القانط فمن ههنا جمع بينهما وقد قال تعالى ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ قال ابن جريج معناه إذا عملت خيراً فلا تقل عملت وقال زيد بن أسلم لا تبروها أي لا تعتقدوا أنها بارة وهو معنى العجب ووقى طلحة رسول الله ﷺ يوم أحد بنفسه فأكب عليه حتى أصيبت كفه فكأنه أعجبه فعله العظيم إذ فداه بروحه حتى جرح فتفرس ذلك عمر فيه فقال مازال يعرف في طلحة فأو منذ أصيبت إصبعه مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ // حديث وقى طلحة رسول الله ﷺ بنفسه وأكب عليه حتى أصيبت كفه أخرجه البخاري من وراية قيس بن أبي حازم قال رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ والنأو هو العجب في اللغة إلا أنه لم ينقل فيه أنه أظهره واحتقر مسلماً ولما كان وقت الشورى قال له ابن عباس أين أنت من طلحة قال ذلك رجل فيه تحوة فإذا كان لا يتخلص من العجب أمثالهم فكيف يتخلص من الضعفاء إن

لم يأخذوا حذرهم وقال مطرف لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إلي من أبيت قائماً وأصبح معجباً وقال ﷺ لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب // حديث لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب أخرجه البزار وابن حبان في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث أنس وفيه سلام بن أبي الصهباء قال البخاري منكر الحديث وقال أحمد حسن الحديث ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي سعيد بسند ضعيف جدا فجعل العجب أكبر الذنوب وكان بشر بن منصور من الذين إذا رءوا ذكر الله تعالى والدار الآخرة لمواظبته على العبادة فأطال الصلاة يوماً ورجل خلفه ينظر ففطن له بشر فلما انصرف عن الصلاة قال له لا يعجبنك ما رأيت مني فإن إبليس لعنه الله قد عبد الله تعالى مع الملائكة مدة طويلة ثم صار إلى ما صار إليه وقيل لعائشة ﵂ متى يكون الرجل مسيئاً قالت إذا ظن أنه محسن وقد قال تعالى ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ وَالْمَنُّ نَتِيجَةُ اسْتِعْظَامِ الصَّدَقَةِ وَاسْتِعْظَامُ الْعَمَلِ هُوَ العجب فظهر بهذا أن العجب مذموم جداً بَيَانُ آفَةِ الْعُجْبِ

المن والأذى﴾ وَالْمَنُّ نَتِيجَةُ اسْتِعْظَامِ الصَّدَقَةِ وَاسْتِعْظَامُ الْعَمَلِ هُوَ العجب فظهر بهذا أن العجب مذموم جداً بَيَانُ آفَةِ الْعُجْبِ

اعْلَمْ أَنَّ آفَاتِ الْعُجْبِ كَثِيرَةٌ فَإِنَّ الْعُجْبَ يَدْعُو إِلَى الْكِبْرِ لِأَنَّهُ أحد أسبابه كما ذكرناه فَيَتَوَلَّدُ مِنَ الْعُجْبِ الْكِبْرُ وَمِنَ الْكِبْرِ الْآفَاتُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي لَا تَخْفَى هَذَا مَعَ الْعِبَادِ وَأَمَّا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَالْعُجْبُ يَدْعُو إِلَى نِسْيَانِ الذُّنُوبِ وَإِهْمَالِهَا فَبَعْضُ ذُنُوبِهِ لَا يَذْكُرُهَا ولا يتفقدها لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها وما يتذكره منها فيستصغره ولا يستعظمه فلا يجتهد في تداركه وتلافيه بَلْ يَظُنُّ أَنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ والأعمال فإنه يستعظمها ويتبجح بها وَيَمُنُّ عَلَى اللَّهِ بِفِعْلِهَا وَيَنْسَى نِعْمَةَ اللَّهِ عليه بالتوفيق والتمكين منها ثم إذا عجب بها عمي عن آفاتها ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعاً فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجب والمعجب يَغْتَرُّ بِنَفْسِهِ وَبِرَأْيِهِ وَيَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ وَعَذَابَهُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ بِمَكَانٍ وَأَنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَّةً وَحَقًّا بِأَعْمَالِهِ الَّتِي هِيَ نعمة وعطية من عطاياه وَيُخْرِجُهُ الْعُجْبُ إِلَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَحْمَدَهَا وَيُزَكِّيَهَا وَإِنْ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعَقْلِهِ مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِفَادَةِ وَمِنَ الِاسْتِشَارَةِ وَالسُّؤَالِ فَيَسْتَبِدُّ بِنَفْسِهِ وَرَأْيِهِ وَيَسْتَنْكِفُ مِنْ سُؤَالِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَرُبَّمَا يُعْجَبُ بِالرَّأْيِ الْخَطَأِ الَّذِي خَطَرَ لَهُ فَيَفْرَحُ بِكَوْنِهِ مِنْ خَوَاطِرِهِ وَلَا يَفْرَحُ بِخَوَاطِرِ غَيْرِهِ فَيُصِرُّ عَلَيْهِ وَلَا يسمع نصح وَلَا وَعْظَ وَاعِظٍ بَلْ يَنْظُرُ إِلَى غَيْرِهِ بعين الاستجهال ويصر على خطئه فإن كان رأيه في أمر دنيوي فيحقق فيه وإن

ُصِرُّ عَلَيْهِ وَلَا يسمع نصح وَلَا وَعْظَ وَاعِظٍ بَلْ يَنْظُرُ إِلَى غَيْرِهِ بعين الاستجهال ويصر على خطئه فإن كان رأيه في أمر دنيوي فيحقق فيه وإن كان في أمر ديني لا سيما فيما يتعلق بأصول العقائد فيهلك به ولو اتهم نفسه ولم يثق برأيه واستضاء بنور القرآن واستعان بعلماء الدين وواظب على مدارسة العلم وتابع سؤال أهل البصيرة لكان ذلك يوصله إلى الحق فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ آفَاتِ الْعُجْبِ فَلِذَلِكَ كَانَ من المهلكات ومن أعظم آفاته أن يفتر فِي السَّعْيِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ فَازَ وَأَنَّهُ قد استغنى وهو الهلاك الصريح الذي لا شبهة فيه نسأل الله تعالى العظيم حسن التوفيق لطاعته بيان حقيقة العجب والإدلال وحدهما

اعلم أن العجب إنما يكون بوصف هو كمال لا محالة وللعالم بكمال نفسه في علم وعمل ومال وغيره حالتان إحداهما أن يكون خائفاً على زواله ومشفقاً على تكدره أو سلبه من أصله فهذا ليس بمعجب والأخرى أن لا يكون خائفاً من زواله لكن يكون فرحاً به من حيث إنه نعمة من الله تعالى عليه لا من حيث إضافته إلى نفسه

دره أو سلبه من أصله فهذا ليس بمعجب والأخرى أن لا يكون خائفاً من زواله لكن يكون فرحاً به من حيث إنه نعمة من الله تعالى عليه لا من حيث إضافته إلى نفسه

وهذا أيضاً ليس بمعجب وله حالة ثالثة هي العجب وهي أن يكون غير خائف عليه بل يكون فرحاً به مطمئناً إليه ويكون فرحه به من حيث إنه كمال ونعمة وخير ورفعة لا من حيث إنه عطية من الله تعالى ونعمة منه فيكون فرحه من حيث إنه صفته ومنسوب إليه بأنه له لا من حيث إنه منسوب إلى الله تعالى بأنه منه فمهما غلب على قلبه أنه نعمة من الله مهما شاء سلبها عنه زال العجب بذلك عن نفسه فإذن العجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم فإن انضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه أن له عند الله حقاً وأنه منه بمكان حتى يتوقع بعمله كرامة في الدنيا واستبعد أن يجري عليه مكروه استبعاداً يزيد على استبعاده ما يجري على الفساق سمي هذا إدلالاً بالعمل فكأنه يرى لنفسه على الله دالة وكذلك قد يعطى غيره شيئاً فيستعظمه ويمن عليه فيكون معجباً فإن استخدمه أو اقترح عليه الاقتراحات أو استبعد تخلفه عن قضاء حقوقه كان مدلاً عليه وقال قتادة في قوله تعالى ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ أي لا تدل بعملك وفي الخبر إن صلاة المدل لا ترفع فوق رأسه ولأن تضحك وأنت معترف بذنبك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك // حديث إن صلاة المدل لا ترفع فوق رأسه الحديث لم أجد له أصلا والإدلال وراء العجب فلا مدل إلا وهو معجب ورب معجب لا يدل إذ العجب يحصل بالاستعظام ونسيان النعمة دون توقع جزاء عليه والإدلال لا يتم إلا مع توقع جزاء فإن توقع إجابة دعوته واستنكر ردها بباطنه وتعجب منه كان مدلاً بعمله لأنه لا يتعجب من رد دعاء الفاسق ويتعجب من رد دعاء نفسه لذلك فهذا هو العجب والإدلال وهو من مقدمات الكبر وأسبابه والله تعالى أعلم بَيَانُ عِلَاجِ الْعُجْبِ عَلَى الْجُمْلَةِ

ء الفاسق ويتعجب من رد دعاء نفسه لذلك فهذا هو العجب والإدلال وهو من مقدمات الكبر وأسبابه والله تعالى أعلم بَيَانُ عِلَاجِ الْعُجْبِ عَلَى الْجُمْلَةِ

اعْلَمْ أَنَّ عِلَاجَ كُلِّ عِلَّةٍ هُوَ مُقَابَلَةُ سَبَبِهَا بِضِدِّهِ وَعِلَّةُ الْعُجْبِ الْجَهْلُ الْمَحْضُ فَعِلَاجُهُ الْمَعْرِفَةُ الْمُضَادَّةُ لذلك الجهل فقط فلنفرض العجب بفعل داخل تحت اختيار العبد كالعبادة والصدقة والغزو وسياسة الخلق وإصلاحهم فإن العجب بهذا أغلب من العجب بالجمال والقوة والنسب وما لا يدخل تحت اختياره ولا يراه من نفسه فنقول الورع والتقوى والعبادة والعمل الذي به يعجب إنما يعجب به من حيث إنه فيه فهو محله ومجراه أو من حيث إنه منه وبسببه وبقدرته وقوته فإن كان يعجب به من حيث إنه فيه وهو محله ومجراه يجري فيه وعليه من جهة غيره فهذا جهل لأن المحل مسخر ومجرى لا مدخل له في الإيجاد والتحصيل فكيف يعجب بما ليس إليه وإن كان يعجب به من حيث إنه هو منه وإليه وباختياره حصل وبقدرته تم فينبغي أن يتأمل في قدرته وإرادته وأعضائه وسائر الأسباب التي بها يتم عمله أنها من أين كانت له فإن كان جميع ذلك نعمة من الله عليه من غير حق سبق له ومن غير وسيلة يدلي بها فينبغي أن يكون إعحابه بجود الله وكرمه وفضله إذ أفاض عليه مَا لَا يَسْتَحِقُّ وَآثَرَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ من غير سابقة ووسيلة فمهما برز الملك لغلمانه ونظر إليهم وخلع من جملتهم على واحد منهم لا لصفة فيه ولا لوسيلة ولا لجماله ولا لخدمة فينبغي أن يتعجب المنعم عليه من فضل الملك وحكمه وإيثاره من غير استحقاق وإعجابه بنفسه من أين وما سببه ولا ينبغي أن يعجب بنفسه نعم يجوز أن يعجب العبد فيقول الملك حكم عدل لا يظلم ولا يقدم ولا يؤخر إلا لسبب فلولا أنه تفطن في صفة من الصفات المحمودة الباطنة لما اقتضى الإيثار بالخلعة ولما آثرني بها فيقال وتلك الصفة أيضاً هي من خلعة الملك وعطيته التي خصصك بها من غيرك من غير وسيلة أو هي عطية غيره فإن كانت من عطية الملك أيضاً لم يكن لك أن تعجب بها بل كانوا كما لو أعطاك فرساً

فلم تعجب به فأعطاك علاما فصرت تعجب به وتقول إنما أعطاني غلاماً لأني صاحب فرس فأما غيري فلا فرس له فيقال وهو الذي أعطاك الفرس فلا فرق بين أن يعطيك الفرس والغلام معاً أو يعطيك أحدهما بعد الآخر فإذا كان الكل منه فينبغي أن يعجبك جوده وفضله لا نفسك وأما إن كانت تلك الصفة من غيره فلا يبعد أن تعجب بتلك الصفة وهذا يتصور في حق الملوك ولا يتصور في حق الجبار القاهر ملك الملوك المنفرد باختراع الجميع المنفرد بإيجاد الموصوف والصفة فإنك إن أعجبت بعادتك وقلت وفقني للعبادة لحبي له فيقال ومن خلق الحب في قلبك فتقول هو فيقال فالحب والعبادة كلاهما نعمتان من عنده ابتدأك بهما من غير استحقاق من جهتك إذ لا وسيلة لك ولا علاقة فيكون الإعجاب بجوده إذ أنعم بوجودك ووجود صفاتك وبوجود أعمالك وأسباب أعمالك فإذاً لا معنى لعجب العابد بعبادته وعجب العالم بعلمه وعجب الجميل بجماله وعجب الغني بغناه لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَإِنَّمَا هو محل لفيضان فضل الله تعالى وجوده والمحل أيضاً من فضله وجوده فإن قلت لا يمكنني أن أجهل أعمالي وإني أنا عملتها فإني أنتظر عليها ثواباً ولولا أنها عملي لما انتظرت ثواباً فإن كانت الأعمال مخلوقة لله على سبيل الاختراع فمن أين لي الثواب وإن كانت الأعمال مني وبقدرته فكيف لا أعجب بها فاعلم أن جوابك من وجهين أحدهما هو صريح الحق والآخر فيه مسامحة

ة لله على سبيل الاختراع فمن أين لي الثواب وإن كانت الأعمال مني وبقدرته فكيف لا أعجب بها فاعلم أن جوابك من وجهين أحدهما هو صريح الحق والآخر فيه مسامحة أما صريح الحق فهو أنك وقدرتك وإرادتك وحركتك وجميع ذلك من خلق الله واختراعه فما عملت إذ عملت وما صليت إذ صليت ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فهذا هو الحق الذي انكشف لأرباب القلوب بمشاهدة أوضح من إبصار العين بل خلقك وخلق أعضاءك وخلق فيها القوة والقدرة والصحة وخلق لك العقل والعلم وخلق لك الإرادة ولو أردت أن تنفي شيئاً من هذا عن نفسك لم تقدر عليه ثم خلق الحركات في أعضائك مستبداً باختراعها من غير مشاركة من جهتك معه في الاختراع إلا أنه خلقه على ترتيب فلم يخلق الحركة ما لم يخلق في العضو قوة وفي القلب إرادة ولم يخلق إرادة ما لم يخلق علماً بالمراد ولم يخلق علماً ما لم يخلق القلب الذي هو محل العلم فتدريجه في الخلق شيئاً بعد شيء هو الذي خيل لك أنك أوجدت عملك وقد غلطت وإيضاح ذلك وكيفية الثواب على عمل هو من خلق الله سيأتي تقريره في كتاب الشكر فإنه أليق به فارجع إليه ونحن الآن نزيل إشكالك بالجواب الثاني الذي فيه مسامحة ما وهو أن تحسب أن العمل حصل بقدرتك فمن أين قدرتك ولا يتصور العمل إلا بوجودك ووجود عملك وإرادتك وسائر أسباب عملك وكل ذلك من الله تعالى لا منك فإن كان العمل بالقدرة فالقدرة مفتاحه وهذا المفتاح بيد الله ومهما لم يعطك المفتاح فلا يمكنك العمل فالعبادات خزائن بها يتوصل إلى السعادات ومفاتيحها القدرة والإرادة والعلم وهي بيد الله لا محالة أرأيت لو رأيت خزائن الدنيا مجموعة في قلعة حصينة ومفتاحها بيد خازن ولو جلست على بابها وحول حيطانها ألف سنة لم يمكنك أن تنظر إلى دينار مما فيها ولو أعطاك المفتاح لأخذته من قريب بأن تبسط يدك إليه فتأخذه فقط فإذا أعطاك الخازن المفاتيح وسلطك عليها ومكنك منها فمددت يدك وأخذتها كان إعجابك بإعطاء الخازن المفاتيح أو بما إليك من مد اليد وأخذها فلا تشك في أنك ترى ذلك نعمة من الخازن لأن المؤنة في تحريك اليد بأخذ المال قريبة وإنما الشأن كله في تسليم المفاتيح

Bagian 55 dari 86