إحياء علوم الدين

Kitab adab, dzikir, dan penyucian jiwa karya أبو حامد الغزالي (w. 505 H).

Bagian 69 dari 86 1706 halaman

— Bagian 69 · لضرورة كما يباح شرب الخمر لمن غص بلقمة وهو لا يج… —

Bagian 69

لضرورة كما يباح شرب الخمر لمن غص بلقمة وهو لا يجد غيره وقال ﷺ مَنْ سَأَلَ عَنْ غِنًى فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ (١) وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ يَتَقَعْقَعُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ خُدُوشًا وَكُدُوحًا فِي وَجْهِهِ (٢) وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ صَرِيحَةٌ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّشْدِيدِ وبايع رسول الله ﷺ قوماً على الإسلام فاشترط عليهم السمع والطاعة ثم قال لهم كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئاً (٣) وَكَانَ ﷺ يَأْمُرُ كَثِيرًا بالتعفف عن السؤال ويقول من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله ومن لم يسألنا فهو أحب إلينا وقال ﷺ استغنوا عن الناس وما قل من السؤال فهو خير قالوا ومنك يا رسول الله قال ومني وَسَمِعَ عمر ﵁ سَائِلًا يَسْأَلُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ لِوَاحِدٍ مَنْ قَوْمِهِ عَشِّ الرَّجُلَ فَعَشَّاهُ ثُمَّ سَمِعَهُ ثَانِيًا يَسْأَلُ فَقَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ عَشِّ الرَّجُلَ قَالَ قَدْ عَشَّيْتُهُ فَنَظَرَ عمر فَإِذَا تَحْتَ يَدِهِ مِخْلَاةٌ مَمْلُوءَةٌ خُبْزًا فَقَالَ لَسْتَ سَائِلًا وَلَكِنَّكَ تَاجِرٌ ثُمَّ أَخَذَ الْمِخْلَاةَ وَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ لَا تَعُدْ

لَسْتَ سَائِلًا وَلَكِنَّكَ تَاجِرٌ ثُمَّ أَخَذَ الْمِخْلَاةَ وَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ لَا تَعُدْ وَلَوْلَا أن سُؤَالُهُ كَانَ حَرَامًا لَمَا ضَرَبَهُ وَلَا أَخَذَ مخلاته ولعل الفقيه الضعيف المنة الضيق الحوصلة يستبعد هذا من فعل عمر ويقول أما ضربه فهو تأديب وقد ورد الشرع بالتعزير وأما أخذه ماله فهو مصادرة والشرع لم يرد بالعقوبة بأخذ المال فكيف استجازه وهو استبعاد مصدره القصور في الفقه فأين يظهر فقه الفقهاء كلهم في حوصلة عمر بن الخطاب ﵁ وإطلاعه على أسرار دين الله ومصالح عباده أفترى أنه لم يعلم أن المصادرة بالمال غير جائزة أو علم ذلك ولكن أقدم عليه غضباً في معصية الله وحاشاه أو أراد الزجر بالمصلحة بغير طريق شرعها نبي الله وهيهات فإن ذلك أيضاً معصية بل الفقه الذي لَاحَ لَهُ فِيهِ أَنَّهُ رَآهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ السُّؤَالِ وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَعْطَاهُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ وَقَدْ كَانَ كاذباً فلم يدخل في ملكه بأخذه مع التَّلْبِيسِ وَعَسُرَ تَمْيِيزُ ذَلِكَ وَرَدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ إِذْ لَا يُعْرَفُ أَصْحَابُهُ بِأَعْيَانِهِمْ فَبَقِيَ مَالًا لَا مَالِكَ لَهُ فَوَجَبَ صَرْفُهُ إِلَى الْمَصَالِحِ وإبل الصدقة وعلفها من المصالح ويتنزل أخذ السائل مع إظهار الحاجة كاذباً كأخذ العلوي بقوله إني علوي وهو كاذب فإنه لا يملك ما يأخذه كأخذ الصوفي الصالح الذي يعطي لصلاحه وهو في الباطن مقارف لمعصية لو عرفها المعطي لما أعطاه وقد ذكرنا في مواضع أن ما أخذوه على هذا الوجه لا يملكونه وهو حرام عليهم ويجب عليهم الرد إلى مالكه فاستدل بفعل عمر ﵁ على صحة هذا المعنى الذي يغفل عنه كثير من الفقهاء وقد قررناه في مواضع ولا تستدل بغفلتك عن هذا الفقه على بطلان فعل عمر فإذا عرفت أن السؤال يباح لضرورة فاعلم أن الشيء إما أن يكون مضطراً إليه أو محتاجاً إليه حاجة

في مواضع ولا تستدل بغفلتك عن هذا الفقه على بطلان فعل عمر فإذا عرفت أن السؤال يباح لضرورة فاعلم أن الشيء إما أن يكون مضطراً إليه أو محتاجاً إليه حاجة

مهمة أو حاجة خفيفة أو مستغنى عنه فهذه أربعة أحوال أما المضطر إليه فهو سؤال الْجَائِعِ عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا وَسُؤَالُ الْعَارِي وَبَدَنُهُ مَكْشُوفٌ لَيْسَ مَعَهُ ما يواريه وهو مباح مهما وجدت بقية الشروط في المسئول بكونه مباحا والمسئول منه بكونه راضياً في الباطن وفي السائل بكونه عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ وهو بطال لَهُ السُّؤَالُ إِلَّا إِذَا اسْتَغْرَقَ طَلَبُ الْعِلْمِ أوقاته وكل من له خط فهو قادر على الكسب بالوراقة وأما المستغني فهو الذي يطلب شيئاً وعنده مثله وأمثاله فسؤاله حرام قطعاً وهذان طرفان واضحان وَأَمَّا الْمُحْتَاجُ حَاجَةً مُهِمَّةً فَكَالْمَرِيضِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلى دواء ليس يظهر خوفه لو لم يستعمله ولكن لا يخلو عن خوف وَكَمَنَ لَهُ جُبَّةٌ لَا قَمِيصَ تَحْتَهَا فِي الشتاء وهو يتأذى بالبرد تأذياً لا ينتهي إلى حد الضرورة وكذلك من يسأل لأجل الكراء وهو قادر على المشي بمشقة فهذا أيضاً ينبغي أن تسترسل عليه الإباحة لأنها أيضاً حاجة محققة ولكن الصبر عنه أولى وهو بالسؤال تارك للأولى ولا يسمى سؤاله مكروهاً مهما صدق في السؤال وقال ليس تحت جبتي قميص والبرد يؤذيني أذىً أطيقه ولكن يشق علي فإذا صدق فصدقه يكون كفارة لسؤاله إن شاء الله تعالى وأما الحاجة الخفيفة فمثل سؤال قميصاً ليلبسه فوق ثيابه عند خروجه ليستر الخروق من ثيابه عن أعين الناس وكمن يسأل لأجل الأدم وهو واجد للخبز وكمن يسأل الكراء لفرس في الطريق وهو واجد كراء الحمار أو يسأل كراء المحمل وهو قادر على الراحلة فهذا ونحوه إن كان فيه تلبيس حال بإظهار حاجة غير هذه فهو حرام وإن لم يكن وكان فيه شيء من المحذورات الثلاثة من الشكوى والذل وإيذاء المسؤل فهو حرام لأن مثل هذه الحاجة لا تصلح لأن تباح بها هذه المحذورات وإن لم يكن فيها شيء من ذلك فهو مباح مع الكراهة

ت الثلاثة من الشكوى والذل وإيذاء المسؤل فهو حرام لأن مثل هذه الحاجة لا تصلح لأن تباح بها هذه المحذورات وإن لم يكن فيها شيء من ذلك فهو مباح مع الكراهة فإن قلت فكيف يمكن إخلاء السؤال عن هذه المحذورات فاعلم أن الشكوى تندفع بأن يظهر الشكر لله والاستغناء عن الخلق ولا يسأل سؤال محتاج ولكن يقول أنا مستغن بما أملكه ولكن تطالبني رعونة النفس بثوب فوق ثيابي وهو فضلة عن الحاجة وفضول من النفس فيخرج به عن حد الشكوى وأما الذل فبأن يسأل أباه أو قريبه أو صديقه الذي يعلم أنه لا ينقصه ذلك في عينه ولا يزدريه بسبب سؤاله أو الرجل السخي الذي قد أعد ماله لمثل هذه المكارم فيفرح بوجود مثله ويتقلد منه منة بقبوله فيسقط عنه الذل بذلك فإن الذل لازم للمنة لا محالة وأما الإيذاء فسبيل الخلاص عنه أن لا يعين شخصاً بالسؤال بعينه بل يلقي الكلام عرضاً بحيث لا يقدم على البذل إلا متبرع بصدق الرغبة وإن كان في القوم شخص مرموق لو لم يبذل لكان يلام فهذا إيذاء فإنه ربما يبذل كرها خوفاً من الملامة ويكون الأحب إليه في الباطن الخلاص لو قدر عليه من غير الملامة وأما إذا كان يسأل شخصاً معيناً فينبغي أن لا يصرح بل يعرض تعريضاً يبقى له سبيلاً إلى التغافل إن أراد فإذا لم يتغافل مع القدرة عليه فذلك لرغبته وأنه غير متأذٍ به وينبغي أن يسأل من لا يستحيا منه لو رده أو تغافل عنه فإن الحياء من السائل يؤذي كما أن الرياء مع غير السائل يؤذي فإن قلت فإذا أخذ مع العلم بأن باعث المعطي هو الحياء منه أو من الحاضرين ولولاه لما ابتدأه به فهل هو حلال أو شبهة فأقول ذلك حرام محض لا خلاف فيه بين الأمة وحكمه حكم أخذ مال الغير بالضرب والمصادرة إذ لا فرق بين أن يضرب ظاهر جلده بسياط الخشب أو يضرب باطن قلبه بسوط الحياء وخوف الملام وضرب الباطن أشد نكاية في قلوب العقلاء ولا يجوز أن يقال هو في الظاهر قد رضي به وقد قال صلى الله عليه وسلم

إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر (١) فإن هذه ضرورة القضاء في فصل الخصومات إذ لا يمكن ردهم إلى البواطن وقرائن الأحوال فاضطروا إلى الحكم بظاهر القول باللسان مع أنه ترجمان كثير الكذب ولكن الضرورة دعت إليه وهذا سؤال عما بين العبد وبين الله تعالى والحاكم فيه أحكم الحاكمين والقلوب عنده كالألسنة عند سائر الحكام فلا تنظر في مثل هذا إلا إلى قلبك وإن أفتوك وأفتوك فإن المفتي معلم للقاضي والسلطان ليحكموا في عالم الشهادة ومفتي القلوب هم علماء الآخرة وبفتواهم النجاة من سلطان الآخرة كما أن بفتوى الفقيه النجاة من سطوة سلطان الدنيا فإذا ما أخذه مع الكراهة لا يملكه بينه وبين الله تعالى ويجب عليه رده إلى صاحبه فإن كان يستحيي من أن يسترده ولم يسترده فعليه أن يثيبه على ذلك بما يساوي قيمته في معرض الهدية والمقابلة ليتفصى عن عهدته فإن لم يقبل هديته فعليه أن يرد ذلك إلى ورثته فإن تلف في يده فهو مضمون عليه بينه وبين الله تعالى وهو عاص بالتصرف فيه وبالسؤال الذي حصل به الأذى فإن قلت فهذا أمر باطن يعسر الإطلاع عليه فكيف السبيل إلى الخلاص منها فربما يظن السائل أنه راض ولا يكون هو في الباطن راضياً فأقول لهذا ترك المتقون السؤال رأساً فما كانوا يأخذون من أحد شيئاً أصلاً فكان بشر لا يأخذ من أحد أصلاً إلا من السري رحمة الله عليهما وقال لأني علمت أنه يفرح بخروج المال من يده فأنا أعينه على ما يحب وإنما عظم النكير في السؤال وتأكد الأمر بالتعفف لهذا لأن الأذى إنما يحل بضرورة وهو أن يكون السائل مشرفاً على الهلاك ولم يبق له سبيل إلى الخلاص ولم يجد من يعطيه من غير كراهة وأذى فيباح له ذلك كما يباح له أكل لحم الخنزير وأكل لحم الميتة فكان الامتناع طريق الورعين ومن أرباب القلوب من كان واثقاً ببصيرته في الإطلاع على قرائن الأحوال فكانوا يأخذون من بعض الناس دون البعض ومنهم من كان لا يأخذ إلا من أصدقائه ومنهم من كان يأخذ مما يعطي بعضاً ويرد بعضاً كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الكبش والسمن والأقط وكان هذا يأتيهم من غير سؤال فإن ذلك لا يكون إلا عن رغبة ولكن قد تكون رغبته طمعاً في جاه أو طلباً للرياء والسمعة

ُولُ اللَّهِ ﷺ في الكبش والسمن والأقط وكان هذا يأتيهم من غير سؤال فإن ذلك لا يكون إلا عن رغبة ولكن قد تكون رغبته طمعاً في جاه أو طلباً للرياء والسمعة فكانوا يحترزون من ذلك فأما السؤال فقد امتنعوا عنه رأساً إلا في موضعين أحدهما الضرورة فقد سأل ثلاثة من الأنبياء في موضع الضرورة سليمان وموسى والخضر ﵈ ولا شك في أنهم ما سألوا إلا من علموا أنه يرغب في إعطائهم والثاني السؤال من الأصدقاء والإخوان فقد كانوا يأخذون مالهم بغير سؤال واستئذان لأن أرباب القلوب علموا أن المطلوب رضا القلب لا نطق اللسان وقد كانوا وثقوا بإخوانهم أنهم كانوا يفرحون بمباسطتهم فإذا كانوا يسألون الإخوان عند شكهم في اقتدار إخوانهم على ما يريدونه وإلا فكانوا يستغنون عن السؤال وحد إباحة السؤال أن تعلم أن المسئول بصفة لو علم ما بك من الحاجة لا لابتدأك دون السؤال فلا يكون لسؤالك تأثير إلا بتعريف حاجتك فأما في تحريكه بالحياء وإثارة داعيته بالحيل فلا ويتصدى للسائل حالة لا يشك فيها في الرضا بالباطن وحالة لا يشك في الكراهة ويعلم ذلك بقرينة الأحوال فالأخذ في الحالة الأولى حلال طلق وفي الثانية سحت ويتردد بين الحالتين أحوال يشك فيها فليستفت قلبه فيها وَلْيَتْرُكْ حَزَازَ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ الْإِثْمُ وَلْيَدَعْ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُهُ وَإِدْرَاكُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ سَهْلٌ عَلَى مَنْ قَوِيَتْ فِطْنَتُهُ وَضَعُفَ حِرْصُهُ وَشَهْوَتُهُ فَإِنْ قَوِيَ الْحِرْصُ وَضَعُفَتِ الْفَطِنَةُ تَرَاءَى لَهُ مَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ فَلَا يَتَفَطَّنُ لِلْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَبِهَذِهِ الدَّقَائِقِ يطلع على سر قوله

َطِنَةُ تَرَاءَى لَهُ مَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ فَلَا يَتَفَطَّنُ لِلْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَبِهَذِهِ الدَّقَائِقِ يطلع على سر قوله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَطْيَبَ مَا أكل الرجل من كسبه (١) وقد أوتي جوامع الكلم لأن من لا كسب له ولا مال ورثه من كسب أبيه أو أحد قرابته فليأكل من أيدي الناس وإن أعطى بغير سؤال فإنما يعطي بدينه ومتى يكون باطنه بحيث لو انكشف لا يعطي بدينه فيكون ما يأخذه حراماً وإن أعطي بسؤال فأين من يطيب قلبه بالعطاء إذا سئل وأين من يقتصر في السؤال على حد الضرورة فإذا فتشت أحوال من يأكل من أيدي الناس علمت أن جميع ما يأكله أو أكثره سحت وأن الطيب هو الكسب الذي اكتسبته بحلالك أنت أو مورثك فإذن بعيد أن يجتمع الورع مع الأكل من أيدي الناس فنسأل الله تعالى أن يقطع طمعنا عن غيره وأن يغنينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه بمنه وسعة جوده فإنه على ما يشاء قدير بيان مقدار الغنى المحرم للسؤال

اعلم أن قَوْلُهُ ﷺ مَنْ سَأَلَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ منه أو ليستكثر صريح في التحريم ولكن حد الغنى مشكل وتقديره عسير وليس إلينا وضع المقادير بل يستدرك ذلك بالتوقيف وقد ورد في الحديث استغنوا بغنى الله تعالى عن غيره قالوا وما هو قال غداء يوم وعشاء ليلة (٢) وفي حديث آخر من سأل وله خمسون درهماً أو عدلها من الذهب فقد سأل إلحافاً (٣) وورد في لفظ آخر أربعون درهماً ومهما اختلفت التقديرات وصحت الأخبار فينبغي أن يقطع بورودها على أحوال مختلفة فإن الحق في نفسه لا يكون إلا واحداً والتقدير ممتنع وغاية الممكن فيه تقريب ولا يتم ذلك إلا بتقسيم محيط بأحوال المحتاجين فنقول قال رسول ﷺ لا حق لابن آدم إلا في ثلاث طعام يقيم صلبه وثوب يواري به عورته وبيت يكنه فما زاد فهو حساب فلنجعل هذه الثلاث أصلاً في الحاجات لبيان أجناسها والنظر في الأجناس والمقادير والأوقات فأما الأجناس فهي هذه الثلاث ويلحق بها ما في معناها حتى يلحق بها الكراء للمسافر إذا كان لا يقدر على المشي وكذلك ما يجري مجراه من المهمات ويلحق بنفسه عياله وولده وكل من تحت

الثلاث ويلحق بها ما في معناها حتى يلحق بها الكراء للمسافر إذا كان لا يقدر على المشي وكذلك ما يجري مجراه من المهمات ويلحق بنفسه عياله وولده وكل من تحت كفالته كالدابة أيضاً وأما المقادير فالثوب يراعى فيه ما يليق بذوي الدين وهو ثوب واحد وقميص ومنديل وسراويل ومداس وأما الثاني من كل جنس فهو مستغن عنه وليقس على هذا أثاث البيت جميعاً ولا ينبغي أن يطلب رقة الثياب وكون الأواني من النحاس والصفر فيما يكفي فيه الخزف فإن ذلك مستغنى عنه فيقتصر من العدد على واحد ومن النوع على أخس أجناسه ما لم يكن في غاية البعد عن العادة وأما الطعام فقدره في اليوم مد وهو ما قدره الشرع ونوعه ما يقتات ولو كان من الشعير والأدم على الدوام فضلة وقطعة بالكلية إضرار ففي طلبه في بعض الأحوال رخصة وأما المسكن فأقله ما يجزئ من حيث المقدار وذلك من غير زينة فأما السؤال للزينة والتوسع فهو سؤال عن ظهر غنى وأما بالإضافة إلى الأوقات فما يحتاج إليه في الحال من طعام يوم وليلة وثوب يلبسه ومأوى يكنه فلا شك فيه فأما سؤاله للمستقبل فهذا له ثلاث درجات إحداها ما يحتاج إليه في غد والثانية ما يحتاج إليه في أربعين يوماً أو خمسين يوماً والثالثة ما يحتاج إليه في السنة ولنقطع بأن من معه ما يكفيه له ولعياله إن كان له عيال

لسنة فسؤاله حرام فإن ذلك غاية الغنى وعليه ينزل التقدير بخمسين درهماً في الحديث فإن خمسة دنانير تكفي المنفرد في السنة إذا اقتصد أما المعيل فربما لا يكفيه ذلك وإن كان يحتاج إليه قبل السنة فإن كان قادراً على السؤال ولا تفوته فرصته فلا يحل له السؤال لأنه مستغن في الحال وربما لا يعيش إلى الغد فيكون قد سأل مالا يحتاج فيكفيه غداء يوم وعشاء ليلة وعليه ينزل الخبر الذي ورد في التقدير بهذا القدر وإن كان يفوته فرصة السؤال ولا يجد من يعطيه لو أخر فيباح له السؤال لأن أمل البقاء سنة غير بعيد فهو بتأخير السؤال خائف أن يبقى مضطراً عاجزاً عما يعينه فإن كان خوف العجز عن السؤال في المستقبل ضعيفاً وكان ما لأجله السؤال خارجاً عن محل الضرورة لم يخل سؤاله عن كراهية وتكون كراهته بحسب درجات ضعف الاضطرار وخوف الفوت وتراخي المدة التي فيها يحتاج إلى السؤال وكل ذلك لا يقبل الضبط وهو مَنُوطٌ بِاجْتِهَادِ الْعَبْدِ وَنَظَرِهِ لِنَفْسِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْتَفْتِي فِيهِ قَلْبَهُ وَيَعْمَلُ بِهِ إن سالكاً طريق الآخرة وكل من كان يقينه أقوى وثقته بمجيء الرزق في المستقبل أتم وقناعته بقوت الوقت أظهر فدرجته عند الله تعالى أعلى فلا يكون خوف الاستقبال وقد آتاك الله قوت يومك لك ولعيالك إلا من ضعف اليقين والإصغاء إلى تخويف الشيطان وقد قال تعالى فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين وقال ﷿ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والسؤال من الفحشاء التي أبيحت بالضرورة وحال من يسأل لحاجة متراخية عن يومه وإن كان مما يحتاج إليه في السنة أشد من حال من ملك مالاً موروثاً وادخره لحاجة وراء السنة وكلاهما مباحان في الفتوى الظاهرة ولكنهما صادران عن حب الدنيا وطول الأمل وعدم الثقة بفضل الله وهذه الخصلة من أمهات المهلكات نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه بيان أحوال السائلين كان بشر ﵀ يقول الفقراء ثلاثة فقير لا يسأل وإن أعطي لا يأخذ فهذا مع الروحانيين في عليين وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ فهذا مع المقربين في جنات الفردوس وفقير يسأل عند الحاجة فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين

ا يأخذ فهذا مع الروحانيين في عليين وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ فهذا مع المقربين في جنات الفردوس وفقير يسأل عند الحاجة فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين فإذن قد اتفق كلهم على ذم السؤال وعلى أنه مع الفاقة يحط المرتبة والدرجة قال شقيق البلخي لإبراهيم بن أدهم حين قدم عليه من خراسان كيف تركت الفقراء من أصحابك قال تركتهم إن أعطوا شكروا وإن منعوا صبروا وظن أنه لما وصفهم بترك السؤال قد أثنى عليهم غاية الثناء فقال شقيق هكذا تركت كلاب بلخ عندنا فقال له إبراهيم فكيف الفقراء عندك يا أبا إسحاق فقال الفقراء عندنا إن منعوا شكروا وإن أعطوا آثروا فقبل رأسه وقال صدقت يا أستاذ فإذن درجات أرباب الأحوال في الرضا والصبر والشكر والسؤال كثيرة فلا بد لسالك طريق الآخرة من معرفتها ومعرفة انقسامها واختلاف درجاتها فإنه إذا لم يعلم لم يقدر على الرقي من حضيضها إلى قلاعها ومن أسفل سافلين إلى أعلى أعليين وقد خلق الإنسان في أحسن تقويم ثم رد إلى أسفل سافلين ثم أمر أن يترقى إلى أعلى عليين ومن لا يميز بين السفل والعلو لا يقدر على الرقي قطعاً وإنما الشك فيمن عرف ذلك فإنه ربما لا يقدر عليه وأرباب الأحوال قد تغلبهم حالة تقتضي أن يكون السؤال مزيداً لهم في درجاتهم ولكن بالإضافة إلى حالهم فإن مثل هذه الأعمال بالنيات وذلك كما روي أن بعضهم رأى أبا إسحاق النوري ﵀ يمد يده ويسأل الناس في بعض المواضع قال فاستعظمت ذلك واستقبحته له فأتيت الجنيد ﵀ فأخبرته بذلك فقال لا يعظم هذا

ما روي أن بعضهم رأى أبا إسحاق النوري ﵀ يمد يده ويسأل الناس في بعض المواضع قال فاستعظمت ذلك واستقبحته له فأتيت الجنيد ﵀ فأخبرته بذلك فقال لا يعظم هذا

عليك فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم وإنما سألهم ليثيبهم في الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضرهم وكأنه أشار به إلى قوله ﷺ يد المعطى هي العليا (١) فقال بعضهم يد المعطى هي يد الآخذ للمال لأنه يعطى الثواب والقدر له لا لما يأخذه ثم قال الجنيد هات الميزان فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ثم قال احملها إليه فقلت في نفسي إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره فكيف خلط به مجهولاً وهو رجل حكيم واستحييت أن أسأله فذهبت بالصرة إلى النوري فقال هات الميزان فوزن مائة درهم وقال ردها عليه وقل له أنا لا أقبل منك أنت شيئاً وأخذ ما زاد على المائة قال فزاد تعجبي فسألته فقال الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن المائة لنفسه طلباً لثواب الآخرة وطرح عليها قبضة بلا وزن لله ﷿ فأخذت ما كان لله ﵎ ورددت ما جعله لنفسه قال فرددتها إلى الجنيد فبكى وقال أخذ ماله ورد مالنا الله المستعان فانظر الآن كيف صفت قلوبهم وأحوالهم وكيف خلصت لله أعمالهم حتى كان يشاهد كل واحد منهم قلب صاحبه من غير مناطقة باللسان ولكن بتشاهد القلوب وتناجي الأسرار وذلك نتيجة أكل الحلال وخلو القلب عن حب الدنيا والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة فمن أنكر ذلك قبل تجربة طريقه فهو جاهل كمن ينكر مثلاً كون الدواء مسهلاً قبل شربه ومن أنكره بعد أن طال اجتهاده حتى بذل كنه مجهوده ولم يصل فأنكر ذلك لغيره كان كمن شرب المسهل فلم يؤثر في حقه خاصة لعلة في باطنه فأخذ ينكر كون الدواء مسهلاً وهذا وإن كان في الجهل دون الأول ولكنه ليس خالياً عن حط وافٍ من الجهل بل البصير أحد رجلين إما رجل سالك الطريق فظهر له مثل ما ظهر لهم فهو صاحب الذوق والمعرفة وقد وصل إلى عين اليقين وإما رجل لم يسلك الطريق أو سلك ولم يصل ولكنه آمن بذلك وصدق به فهو صاحب علم اليقين وإن لم يكن واصلاً إلى عين اليقين

وق والمعرفة وقد وصل إلى عين اليقين وإما رجل لم يسلك الطريق أو سلك ولم يصل ولكنه آمن بذلك وصدق به فهو صاحب علم اليقين وإن لم يكن واصلاً إلى عين اليقين ولعلم اليقين أيضاً رتبة وإن كان دون عين اليقين ومن خلا عن علم اليقين وعين اليقين فهو خارج عن زمرة المؤمنين ويحشر يوم القيامة في زمرة الجاحدين المستكبرين الذين هم قتلى القلوب الضعيفة وأتباع الشياطين فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من الراسخين في العلم القائلين آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب الشطر الثاني من الكتاب في الزهد وفيه بيان حقيقة الزهد وبيان فضيلة الزهد وبيان درجات الزهد وأقسامه وبيان تفصيل الزهد في المطعم والملبس والمسكن والأثاث وضروب المعيشة وبيان علامة الزهد بيان حقيقة الزهد اعلم أن الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين وينتظم هذا المقام من علم وحال وعمل كسائر المقامات لأن أبواب الإيمان كلها كما قال السلف ترجع إلى عقد وقول وعمل وكأن القول لظهوره أقيم مقام الحال إذ به يظهر الحال الباطن وإلا فليس القول مراداً لعينه وإن لم يكن صادراً عن حال سمي إسلاماً ولم يسم إيمانا والعلم هو السبب في حال يجري مجرى المثمر والعمل يجري من الحال مجرى الثمرة فلنذكر الحال مع كلا طرفيه من العلم والعمل أما الحال فنعني بها ما يسمى زهداً وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه وإنما عدل إلى غيره لرغبته

في غيره فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهداً وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحباً فإذن يستدعي حال الزهد مرغوباً عنه ومرغوباً فيه هو خير من المرغوب عنه وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضاً مرغوباً فيه بوجه من الوجوه فمن رغب عما ليس مطلوباً في نفسه لا يسمى زاهداً إذ تارك الحجر والتراب وما أشبهه لا يسمى زاهداً وإنما يسمى زاهداً من ترك الدراهم والدنانير لأن التراب والحجر ليسا في مظنة الرغبة وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشتري عنده خير من المبيع فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهداً فيه وبالإضافة إلى العوض عنه رغبة فيه وحباً ولذلك قال الله تعالى وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين معناه باعوه فقد يطلق الشراء بمعنى البيع ووصف أخوة يوسف بالزهد فيه إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم وكان ذلك عندهم أحب إليهم من يوسف فباعوه طمعاً في العوض فإذن كل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضاً زاهد ولكن في الآخرة ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن يزهد في الدنيا كما خصص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصة وإن كان هو للميل في وضع اللسان

زاهد ولكن في الآخرة ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن يزهد في الدنيا كما خصص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصة وإن كان هو للميل في وضع اللسان ولما كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة لم يتصور إلا بالعدول إلى شيء هو أحب منه وإلا فترك المحبوب بغير الأحب محال والذي يرغب عن كل ما سوى الله تعالى حتى الفراديس ولا يحب إلا الله تعالى فهو الزاهد المطلق والذي يرغب عن كل حظ ينال في الدنيا ولم يزهد في مثل تلك الحظوظ في الآخرة بل طمع في الحور والقصور والأنهار والفواكه فهو أيضاً زاهد ولكنه دون الأول والذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض كالذي يترك المال دون الجاه أو يترك التوسع في الأكل ولا يترك التجمل في الزينة فلا يستحق اسم الزاهد مطلقاً ودرجته في الزهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصي في التائبين وهو زهد صحيح كما أن التوبة عن بعض المعاصي صحيحة فإن التوبة عبارة عن ترك المحظورات والزهد عبارة عن ترك المباحات التي هي حظ النفس ولا يبعد أن يقدر على ترك بعض المباحات دون بعض كما لا يبعد ذلك في المحظورات والمقتصر على ترك المحظورات لا يسمى زاهداً وإن كان قد زهد في المحظور وانصرف عنه ولكن العادة تخصص هذا الاسم بترك المباحات فإذن الزهد عبارة عن رغبته عن الدنيا عدولاً إلى الآخرة أو عن غير الله تعالى عدولاً إلى الله تعالى وهي الدرجة العليا وكما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيراً عنده فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدوراً عليه فإن ترك ما لا يقدر عليه محال وبالترك يتبين زوال الرغبة ولذلك قيل لابن المبارك يا زاهد فقال الزاهد عمر بن عبد العزيز إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها وأما أنا ففيماذا زهدت وأما العلم الذي هو مثمر لهذه الحال فهو العلم بكون المتروك حقيراً بالإضافة إلى المأخوذ كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه وما لم يتحقق هذا العلم لم يتصور أن تزول الرغبة عن المبيع فكذلك من عرف أن ما عند الله باق وأن الآخرة خير وأبقى أي لذاتها خير في أنفسها وأبقى كما تكون الجواهر خيراً وأبقى من الثلج مثلاً

تزول الرغبة عن المبيع فكذلك من عرف أن ما عند الله باق وأن الآخرة خير وأبقى أي لذاتها خير في أنفسها وأبقى كما تكون الجواهر خيراً وأبقى من الثلج مثلاً ولا بعسر على مالك الثلج بيعه بالجواهر واللآلئ فهكذا مثال الدنيا والآخرة فالدنيا كالثلج الموضوع في الشمس لا يزال في الذوبان إلى الانقراض والآخرة كالجوهر الذي لا فناء له فبقدر قوة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع والمعاملة حتى إن من قوي يقينه يبيع نفسه وماله كما قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ثم بين أن صفقتهم رابحة فقال تعالى فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر وهو أن الآخرة

خير وأبقى وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا إما لضعف علمه ويقينه وإما لاستيلاء الشهوة في الحال عليه وكونه مقهوراً في يد الشيطان وإما لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوماً بعد يوم إلى أن يختطفه الموت ولا يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت وإلى تعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى قل متاع الدنيا قليل وإلى تعريف نفاسة الآخرة الإشارة بقوله ﷿ وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير فنبه على أن العلم بنفاسة الجوهر هو المرغب عن عوضه ولما لم يتصور الزهد إلا بمعاوضة ورغبة عن المحبوب في أحب منه قال رجل في دعائه اللهم أرني الدنيا كما تراها فقال له النبي ﷺ لا تقل هكذا ولكن قل أرني الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك (١) وهذا لأن الله تعالى يراها حقيرة كما هي وكل مخلوق فهو بالإضافة إلى جلاله حقيرة والعبد يراها حقيرة في نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له ولا يتصور أن يرى بائع الفرس وإن رغب عنه فرسه كما يرى حشرات الأرض مثلاً لأنه مستغن عن الحشرات أصلاً وليس مستغنياً عن الفرس والله تعالى غني بذاته عن كل ما سواه فيرى الكل في درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله ويراه متفاوتاً بالإضافة إلى غيره والزاهد هو الذي يرى تفاوته بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره وأما العمل الصادر عن حال الزهد فهو ترك واحد لأنه بيع ومعاملة واستبدال للذي هو خير بالذي هو

ه والزاهد هو الذي يرى تفاوته بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره وأما العمل الصادر عن حال الزهد فهو ترك واحد لأنه بيع ومعاملة واستبدال للذي هو خير بالذي هو أدنى فكما أن العمل الصادر من عقد البيع هو ترك المبيع وإخراجه من اليد وأخذ العوض فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلية وهي الدنيا بأسرها مع أسبابها ومقدماتها وعلائقها فيخرج من القلب حبها ويدخل حب الطاعات ويخرج من العين واليد ما أخرجه من القلب ويوظف على اليد والعين وسائر الجوارح وظائف الطاعات وإلا كان كمن سلم المبيع ولم يأخذ الثمن فإذا وفى بشرط الجانبين في الآخذ والترك فليستبشر ببيعه الذي بايع به فإن الذي بايعه بهذا البيع وفي بالعهد فمن سلم حاضراً في غائب وسلم الحاضر وأخذ يسعى في طلب الغائب سلم إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ممن يوثق بصدقه وقدرته ووفائه بالعهد وما دام ممسكاً للدنيا لا يصح زهده أصلاً ولذلك لم يصف الله تعالى أخوة يوسف بالزهد في بنيامين وإن كانوا قد قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا وعزموا على إبعاده كما عزموا على يوسف حتى تشفع فيه أحدهم فترك ولا وصفهم أيضاً بالزهد في يوسف عند العزم على إخراجه بل عند التسليم والبيع فعلامة الرغبة والإمساك وعلامة الزهد والإخراج فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط ولست زاهداً مطلقاً وإن لم يكن لك مال ولم تساعدك الدنيا لم يتصور منك الزهد لأن ما لا يقدر عليه لا يقوى على تركه وربما يستهويك الشيطان بغروره ويخيل إليك أن الدنيا وإن لم تأتك فأنت زاهدا فيها فلا ينبغي أن تتدلى بحبل غروره دون أن تستوثق وتستظهر بموثق غليظ من الله فإنك إذا لم تجرب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها فكم من ظان بنفسه كراهة المعاصي عند تعذرها فلما تيسرت له أسبابها من غير مكدر ولا خوف من الخلق وقع فيها وإذا كان هذا غرور النفس في المحظورات فإياك أن تثق بوعدها في المباحات والموثق الغليظ الذي تأخذه عليها أن تجربها مرة بعد مرة في حال القدرة فإذا وفت بما وعدت على الدوام مع انتقاء الصوارف والأعذار ظاهراً وباطناً فلا بأس أن تثق بها وثوقاً ما ولكن تكون من تغيرها

بها مرة بعد مرة في حال القدرة فإذا وفت بما وعدت على الدوام مع انتقاء الصوارف والأعذار ظاهراً وباطناً فلا بأس أن تثق بها وثوقاً ما ولكن تكون من تغيرها أيضاً على حذر فإنها سريعة النقض للعهد قريبة الرجوع إلى مقتضى الطبع وبالجملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما ترك فقط وذلك عند القدرة قال ابن أبي ليلى لابن شبرمة ألا ترى إلى ابن الحائك هذا

لا نفتي في مسألة إلا رد علينا يعني أبا حنيفة فقال ابن شبرمة لا أدري أهو ابن الحائك أم ما هو لكن اعلم أن الدنيا غدت إليه فهرب منها وهربت منا فطلبناها وكذلك قال جميع المسلمين عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنا نحب ربنا ولو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه حتى نزل قوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم (١) قال ابن مسعود ﵀ قال لي رسول الله ﷺ أنت منهم يعني من القليل قال وما عرفت أن فينا من يحب الدنيا حتى نزل قوله تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة واعلم أنه ليس من الزهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء والفتوة وعلى سبيل استمالة القلوب وعلى سبيل الطمع فذلك كله من محاسن العادات ولكن لا مدخل لشيء منه في العبادات وإنما الزهد أن تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة فأما كل نوع من الترك فإنه يتصور ممن لا يؤمن بالآخرة فذلك قد يكون مروءة وفتوة وسخاء وحسن خلق ولكن لا يكون زهداً إذ حسن الذكر وميل القلوب من حظوظ العاجلة وهي ألذ وأهنأ من المال وكما أن ترك المال على سبيل السلم طمعاً في العوض ليس من الزهد فكذلك تركه طمعاً في الذكر والثناء والاشتهار بالفتوة والسخاء واستثقالاً له لما في حفظ المال من المشقة والعناء والحاجة إلى التذلل للسلاطين والأغنياء ليس من الزهد أصلاً بل هو استعجال حظ آخر للنفس بل الزاهد من أتته الدنيا راغمة صفواً عفواً وهو قادر على التنعم بها من غير نقصان جاه وقبح اسم ولا فوات حظ للنفس فتركها خوفاً من أن يأنس بها فيكون آنساً بغير الله ومحباً لما سوى الله ويكون مشركاً في حب الله تعالى غيره

من غير نقصان جاه وقبح اسم ولا فوات حظ للنفس فتركها خوفاً من أن يأنس بها فيكون آنساً بغير الله ومحباً لما سوى الله ويكون مشركاً في حب الله تعالى غيره أو تركها طمعاً في ثواب الله في الآخرة فترك التمتع بأشربة الدنيا طمعاً في أشربة الجنة وترك التمتع بالسراري والنسوان طمعاً في الحور العين وترك التفرج في البساتين طمعاً في بساتين الجنة وأشجارها وترك التزين والتجمل بزينة الدنيا طمعاً في زينة الجنة وترك المطاعم اللذيذة طمعاً في فواكه الجنة وخوفاً من أن يقال له أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا فآثر في جميع ذلك ما وعد به في الجنة على ما تيسر له في الدنيا عفوا وصفوا لعلمه بأن ما في الآخرة خير وأبقى وأن ما سوى هذا فمعاملات دنيوية لا جدوى لها في الآخرة أصلاً بيان فضيلة الزهد قال الله تعالى فخرج على قومه في زينته إلى قوله تعالى وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن فنسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غاية الثناء وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صبروا وجاء في التفسير على الزهد في الدنيا وقال ﷿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لنبلوهم أيهم أحسن عملاً قيل معناه أيهم أزهد فيها فوصف الزهد بأنه من أحسن الأعمال وَقَالَ تَعَالَى مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة من نصيب وقال تَعَالَى وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فيه ورزق ربك خير وأبقى وقال تعالى الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فوصف الكفار بذلك فمفهومه أن المؤمن هو الذي يتصف بنقيضه وهو أن يستحب الآخرة على الحياة الدنيا

وأبقى وقال تعالى الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فوصف الكفار بذلك فمفهومه أن المؤمن هو الذي يتصف بنقيضه وهو أن يستحب الآخرة على الحياة الدنيا

وأما الأخبار فما ورد منها في ذم الدنيا كثير وقد أوردنا بعضها في كتاب ذم الدنيا مع ربع المهلكات إذ حب الدنيا من المهلكات ونحن الآن نقتصر على فضيلة بغض الدنيا فإنه من المنجيات وهو المعني بالزهد وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة (١) وقال ﷺ إذا رأيتم العبد وقد أعطي صمتاً وزهداً في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة (٢) وقال تعالى ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ ولذلك قيل من زهد في الدنيا أربعين يوماً أجرى الله ينابيع الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وعن بعض الصحابة أنه قال قلنا يا رسول الله أي الناس خير قال كل مؤمن محموم القلب صدوق اللسان قلنا يا رسول الله وما محموم القلب قال التقي النقي الذي لا غل فيه ولا غش ولا بغي ولا حسد قلنا يا رسول الله فمن على أثره قال الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة (٣) ومفهوم هذا أن شر الناس الذي يحب الدنيا وقال ﷺ إن أردت أن يحبك الله فازهد في الدنيا (٤) فجعل الزهد سبباً للمحبة فمن أحبه الله تعالى فهو في أعلى الدرجات فينبغي أن يكون الزهد في الدنيا من أفضل المقامات ومفهومه أيضاً أن من محب الدنيا متعرض لبغض الله تعالى وفي خبر من طريق أهل البيت الزهد والورع يجولان في القلوب كل ليلة فإن صادفا قلباً فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ارتحلا (٥) ولما قال حارثة لرسول الله ﷺ أنا مؤمن حقاً قال وما حقيقة إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزاً فقال ﷺ اعرفت فالزم عبد نور الله قلبه بالإيمان (٦) فانظر كيف بدأ في إظهار حقيقة الإيمان بعزوف النفس عن الدنيا وقرنه باليقين وكيف زكاه رسول الله ﷺ إذ قال عبد نور الله قلبه بالإيمان

له قلبه بالإيمان (٦) فانظر كيف بدأ في إظهار حقيقة الإيمان بعزوف النفس عن الدنيا وقرنه باليقين وكيف زكاه رسول الله ﷺ إذ قال عبد نور الله قلبه بالإيمان ولما سئل رسول الله ﷺ عن معنى الشرح في قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام وقيل له ما هذا الشرح قال إن النور إذا دخل في القلب انشرح له الصدر وانفسح قيل يا رسول الله وهل لذلك من علامة قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله (٧) وقد تقدم فانظر كيف جعل الزهد شرطاً للإسلام وهو التجافي عن دار الغرور وقال ﷺ استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا لنستحي منه تعالى فقال ليس كذلك تبنون مالا تسكنون وتجمعون مالا تأكلون (٨) فبين أن ذلك يناقض الحياء من الله تعالى ولما قدم عليه بعض الوفود قالوا إنا مؤمنون قال وما علامة إيمانكم فذكروا

الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمواقع القضاء وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء فقال ﷺ إن كنتم كذلك فلا تجمعوا مالا تأكلون ولا تبنوا مالا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون (١) حديث جابر من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها شيئا وجبت له الجنة لم أره من حديث جابر وقد رواه الترمذي الحكيم في النوادر من حديث زيد بن أرقم بإسناد ضعيف (٢) حديث السخاء من اليقين ولا يدخل النار موقن الحديث ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي الدرداء ولم يخرجه ولده في مسنده (٣) حديث السخي قريب من الله الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقد تقدم وَالْبُخْلُ ثَمَرَةُ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالسَّخَاءُ ثَمَرَةُ الزُّهْدِ وَالثَّنَاءُ عَلَى الثَّمَرَةِ ثَنَاءٌ عَلَى الْمُثْمِرِ لا محالة وروي عن ابن المسيب عن أبي ذر عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال من زهد في الدنيا أدخل الله الحكمة قلبه فأنطق بها لسانه وعرفه داء الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام (٤) وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ مَرَّ في أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسها عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والوبر ولعظمها في قلوبهم قال الله تعالى ﴿وإذا العشار عطلت﴾ قال فأعرض عنها رسول الله ﷺ وغض بصره فقيل له يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لم لا تنظر إليها فقال قد نهاني الله عن ذلك ثم تلا قوله تَعَالَى ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا به﴾ الآية (٥) وروى مسروق عن عائشة ﵂ قالت قلت يا رسول الله ألا تستطعم لله فيطعمك قالت وبكيت لما رأيت به من الجوع فقال يا عائشة والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهباً لأجراها حيث شئت من الأرض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل إلا الصبر على مكروه الدنيا والصير عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل والله مالي بد من طاعته وإني والله لأصبرن كما صبروا بجهدي

يا والصير عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل والله مالي بد من طاعته وإني والله لأصبرن كما صبروا بجهدي ولا قوة إلا بالله (٦) وروي عن عمر ﵁ أنه حين فتح عليه الفتوحات قالت له ابنته حفصة ﵂

البس ألين الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق ومر بصنعة طعام تطعمه وتطعم من حضر فقال عمر يا حفصة ألست تعلمين أن أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته فقالت بلى قال ناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله ﷺ لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية ولا شبعوا عشية إلا جاعوا غدوة وناشدتك الله هل تعلمين أن النبي ﷺ لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع من التمر وهو وأهله حتى فتح الله عليه خيبر وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله ﷺ قربتم إليه يوماً طعاماً على مائدة فيها ارتفاع فشق ذلك عليه حتى تغير لونه ثم أمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على دون ذلك أو وضع على الأرض وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله ﷺ كان ينام على عباءة مثنية فثنيت له ليلة أربع طاقات فنام عليها فلما استيقظ قال منعتموني قيام الليلة بهذه العباءة اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله ﷺ كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوباً يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله ﷺ صنعت له امرأة من بني ظفر كساءين إزاراً ورداء وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره وقد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك فما زال يقول حتى أبكاها وبكى عمر ﵁ وانتحب حتى ظننا أن نفسه ستخرج (١) وفي بعض الروايات زيادة من قول عمر وهو أنه قال كان لي صاحبان سلكا طريقاً فإن سلكت غير طريقهما سلك بي طريق غير طريقهما وإني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرغيد وعن أبي سعيد الخدري عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس إلا العباءة وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم (٢)

قال لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس إلا العباءة وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم (٢) وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال لما ورد موسى ﵇ ماء مدين كانت خضرة البقل ترى في بطنه من الهزال فهذا ما كان قد اختاره أنبياء الله ورسله وهم أعرف خلق الله بالله وبطريق الفوز في الآخرة وَفِي حَدِيثِ عمر ﵁ أَنَّهُ قال لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفضة ولا ينفقونها

في سبيل الله قَالَ ﷺ تَبًّا لِلدُّنْيَا تَبًّا لِلدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَهَانَا اللَّهُ عَنْ كَنْزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَأَيُّ شَيْءٍ نَدَّخِرُ فَقَالَ ﷺ ليتخذ أحدكم لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً أو زوجة صالحة تعينه على أمر آخرته (١) وفي حديث حذيفة ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من آثر الدنيا على الآخرة ابتلاه الله بثلاث هماً لا يفارق قلبه أبداً وفقراً لا يستغنى أبداً وحرصاً لا يشبع أبداً (٢) وقال النبي ﷺ لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته (٣) حديث ابن عباس خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذات يوم وجبريل معه فصعد على الصفا الحديث في نزول إسرافيل وقوله إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمرداً وياقوتا وذهبا وفضة الحديث تقدم مختصرا (٤) حديث إذا أراد الله بعبد خيراً زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس دون قوله ورغبه في الآخرة وزاد فقهه في الدين وإسناده ضعيف //

ً زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس دون قوله ورغبه في الآخرة وزاد فقهه في الدين وإسناده ضعيف //

وقال ﷺ لرجل ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا في أيدي الناس يحبك الناس (١) وَقَالَ ﷺ مَنْ أَرَادَ أن يؤتيه الله علماً بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا (٢) وقال ﷺ من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لها عن الشهوات ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات (٣) ويروى عن نبينا وعن المسيح ﵉ أربع لا يدركن إلا بتعب الصمت وهو أول العبادة والتواضع وكثرة الذكر وقلة الشيء (٤) وإيراد جميع الأخبار الواردة في مدح بغض الدنيا وذم حبها لا يمكن فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لصرف الناس عن الدنيا إلى الآخرة وإليه يرجع أكثر كلامهم مع الخلق وفيما أوردناه كفاية والله المستعان وأما الآثار فقد جاء في الأثر لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد سخط الله ﷿ ما لم يسألوا ما نقص من دنياهم وفي لفظ آخر ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا لا إله إلا الله قال الله تعالى كذبتم لستم بها صادقين وعن بعض الصحابة ﵃ أنه قال تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الآخرة أبلغ من زهد في الدنيا وقال بعض الصحابة لصدر من التابعين أنتم أكثر أعمالاً واجتهاداً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانوا خيراً منكم قيل ولم ذلك قال كانوا أزهد في الدنيا منكم وقال عمر ﵁ الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد وقال بلال بن سعد كفى به ذنباً أن الله تعالى يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها وقال رجل لسفيان أشتهي أن أرى عالماً زاهداً فقال ويحك تلك ضالة لا توجد وقال وهب بن منبه إن للجنة ثمانية أبواب فإذا صار أهل الجنة إليها جعل البوابون يقولون وعزة ربنا لا يدخلها أحد قبل الزاهدين في الدنيا العاشقين للجنة وقال يوسف بن أسباط ﵀ إني لأشتهي من الله ثلاث خصال أن أموت حين أموت وليس في ملكي درهم ولا يكون علي دين ولا علي عظمي لحم فأعطى ذلك كله

ا العاشقين للجنة وقال يوسف بن أسباط ﵀ إني لأشتهي من الله ثلاث خصال أن أموت حين أموت وليس في ملكي درهم ولا يكون علي دين ولا علي عظمي لحم فأعطى ذلك كله وروي أن بعض الخلفاء أرسل إلى الفقهاء بجوائز فقبلوها وأرسل إلى الفضيل بعشرة آلاف فلم يقبلها فقال له بنوه قد قبل الفقهاء وأنت ترد على حالتك هذه فبكى الفضيل وقال أتدرون ما مثلي ومثلكم كمثل قوم كانت لهم بقرة يحرثون عليها فلما هرمت ذبحوها لأجل أن ينتفعوا بجلدها كذلك أنتم أردتم ذبحي على كبر سني موتوا يا أهلي جوعاً خير لكم من أن تذبحوا فضيلاً وقال عبيد بن عميرة كان المسيح ابن مريم ﵇ يلبس الشعر ويأكل الشجر وليس له ولد يموت ولا بيت يخرب ولا يدخر لغد أينما أدركه المساء نام وقالت امرأة أبي حازم لأبي هذا الشتاء قد هجم علينا ولا بد لنا من الطعام والثياب والحطب

فقال لها أبو حازم من هذا كله بد ولكن لا بد لنا من الموت ثم البعث ثم الوقوف بين يدي الله تعالى ثم الجنة أو النار وقيل للحسن لم لا تغسل ثيابك قال الأمر أعجل من ذلك وقال إبراهيم ابن أدهم قد حجبت قلوبنا بثلاثة أغطية فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب الفرح بالموجود والحزن على المفقود والسرور بالمدح فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب وإذا سررت بالمدح فأنت معجب والعجب يحبط العمل وقال ابن مسعود ﵁ ركعتين من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبداً سرمداً وقال بعض السلف نعمة الله علينا فيما صرف عنا أكثر من نعمته فيما صرف إلينا وكأنه التفت إلى معنى قَوْلَهُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه (١) فإذا فهم هذا علم أن النعمة في المنع المؤدي إلى الصحة أكبر منها في الإعطاء المؤدي إلى السقم وكان الثوري يقول الدنيا دار التواء لا دار استواء ودار ترح لا دار فرح من عرفها لم يفرح برخاء ولم يحزن على شقاء وقال سهل لا يخلص العمل لمتعبد حتى يفرغ من أربعة أشياء الجوع والعري والفقر والذل

استواء ودار ترح لا دار فرح من عرفها لم يفرح برخاء ولم يحزن على شقاء وقال سهل لا يخلص العمل لمتعبد حتى يفرغ من أربعة أشياء الجوع والعري والفقر والذل

وقال الحسن البصري أدركت أقواماً وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ولا يأسفون على شيء منها أدبر ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب كان أحدهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطوله ثوب ولم ينصب له قدر ولم يجعل بينه وبين الأرض شيئاً ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم يفترشون وجوههم تجري دموعهم على خدودهم يناجون ربهم في فكاك رقابهم كانوا إذا عملوا الحسنة دأبوا في شكرها وسألوا الله أن يقبلها وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسألوا الله أن يغفرها لهم فلم يزالوا على ذلك ووالله ما سلموا من الذنوب ولا نجوا إلا بالمغفرة رحمة الله عليهم ورضوانه

بيان درجات الزهد وأقسامه بالإضافة إلى نفسه وإلى المرغوب عنه وإلى المرغوب فيه اعلم أن الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوته على درجات ثلاث الدرجة الأولى وهي السفلى منها أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة ولكنه يجاهدها ويكفها وهذا يسمى المتزهد وهو مبدأ الزهد في حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد والمتزهد يذيب أولاً نفسه ثم كيسه والزاهد أولاً يذيب كيسه ثم يذيب نفسه في الطاعات لا في الصبر على ما فارقه والمتزهد على خطر فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا وإلى الاستراحة بها في قليل أو كثير الدرجة الثانية الذي يترك الدنيا طوعاً لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذي يترك درهماً لأجل درهمين فإنه لا يشق عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه فيكاد يكون معجباً بنفسه وبزهده ويظن في نفسه أنه ترك شيئاً له قدر لما هو أعظم قدراً منه وهذا أيضاً نقصان الدرجة الثالثة وهي العليا أن يزهد طوعاً ويزهد في زهده فلا يرى زهده إذ لا يرى أنه ترك شيئا إذ عرف أن الدنيا لا شىء

فيكون كمن ترك خزفة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ولا يرى نفسه تاركاً شيئاً والدنيا بالإضافة إلى الله تعالى ونعيم الآخرة أخس من خزفة بالإضافة إلى جوهرة فهذا هو الكمال في الزهد وسببه كمال المعرفة ومثل هذا الزاهد آمن من خطر الالتفات إلى الدنيا كما أن تارك الخزفة بالجوهرة أمن من طلب الإقالة في البيع قال أبو يزيد رحمه الله تعالى لأبي موسى عبد الرحيم في أي شيء تتكلم قال في الزهد قال في أي شيء قال في الدنيا فنفض يده وقال ظننت أنه يتكلم في شيء والدنيا لا شيء إيش يزهد فيها ومثل من ترك الدنيا للآخرة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب المعمورة بالمشاهدات والمكاشفات مثل من منعه من باب الملك كلب على بابه فألقى إليه لقمة من خبز فشغله بنفسه ودخل الباب ونال القرب عند الملك حتى نفذ أمره في جميع مملكته أفترى أنه يرى لنفسه يداً عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى كلبه في مقابلة ما قد ناله فالشيطان كلب على باب الله تعالى يمنع الناس من الدخول مع أن الباب مفتوح والحجاب مرفوع والدنيا كلقمة خبز إن أكلت فلذتها في حال المضغ وتنقضي على القرب بالابتلاع ثم يبقى ثقلها في المعدة ثم تنتهي إلى النتن والقذر ثم يحتاج بعد ذلك إلى إخراج ذلك الثقل فمن تركها لينال عز الملك كيف يلتفت إليها ونسبة الدنيا كلها أعني ما يسلم لكل شخص منها وإن عمر مائة سنة بالإضافة إلى نعيم الآخرة أقل من لقمة بالإضافة إلى ملك الدنيا إذ لا نسبة للمتناهي إلى مالا نهاية له والدنيا متناهية على القرب ولو كانت تتمادى ألف ألف سنة صافية عن كل كدر لكان لا نسبة لها إلى نعيم الأبد فكيف ومدة العمر قصيرة ولذات الدنيا مكدرة غير صافية فأي نسبة لها إلى نعيم الأبد فإذن لا يلتفت الزاهد إلى زهده إلا إذا التفت إلى ما زهد فيه ولا يلتفت إلى ما زهد فيه إلا لأنه يراه شيئاً معتداً به ولا يراه شيئاً معتداً به إلا لقصور معرفته فسبب نقصان الزهد نقصان المعرفة فهذا تفاوت درجات الزهد وكل درجة من هذه أيضاً لها درجات إذ تصبر المتزهد يختلف ويتفاوت أيضاً باختلاف قدر المشقة في الصبر وكذلك درجة المعجب بزهده بقدر التفاته إلى زهده

ت الزهد وكل درجة من هذه أيضاً لها درجات إذ تصبر المتزهد يختلف ويتفاوت أيضاً باختلاف قدر المشقة في الصبر وكذلك درجة المعجب بزهده بقدر التفاته إلى زهده وأما انقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه فهو أيضاً على ثلاث درجات الدرجة السفلى أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار ومن سائر الآلام كعذاب القبر ومناقشة الحساب وخطر الصراط وسائر ما بين يدي العبد من الأهوال كما وردت به الأخبار إذ فيها إن الرجل ليوقف في الحساب حتى لو وردت مائة بعير عطاشاً على عرقه لصدرت رواء (١) فهذا هو زهد الخائفين وكأنهم رضوا بالعدم لو أعدموا فإن الخلاص من الألم يحصل بمجرد العدم الدرجة الثانية أن يزهد رغبة في ثواب الله ونعيمه واللذات الموعودة في جنته من الحور والقصور وغيرها وهذا زهد الراجين فإن هؤلاء ما تركوا الدنيا قناعة بالعدم والخلاص من الألم بل طمعوا في وجود دائم ونعيم سرمد لا آخر له الدرجة الثالثة وهي العليا أن لا يكون له رغبة إلا في الله وفي لقائه فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ولا إلى اللذات ليقصد نيلها والظفر بها بل هو مستغرق الهم بالله تعالى وهو الذي أصبح وهمومه هم واحد وهو الموحد الحقيقي الذي لا يطلب غير الله تعالى لأن من طلب غير الله فقد عبده وكل مطلوب معبود وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه وطلب غير الله من الشرك الخفي وهذا زهد

حقيقي الذي لا يطلب غير الله تعالى لأن من طلب غير الله فقد عبده وكل مطلوب معبود وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه وطلب غير الله من الشرك الخفي وهذا زهد

المحبين وهم العارفون لأنه لا يحب الله تعالى خاصة إلا من عرفه وكما أن من عرف الدينار والدرهم وعلم أنه لا يقدر على الجمع بينهما لم يحب إلا الدينار فكذلك من عرف الله وعرف لذة النظر إلى وجهه الكريم وعرف أن الجمع بين تلك اللذة وبين لذة التنعم بالحور العين والنظر إلى نقش القصور وخضرة الأشجار غير ممكن فلا يحب إلا لذة النظر ولا يؤثر غيره ولا تظنن أن أهل الجنة عند النظر إلى وجه الله تعالى يبقى للذة الحور والقصور متسع في قلوبهم بل تلك اللذة بالإضافة إلى لذة نعيم أهل الجنة كلذة ملك الدنيا والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على عصفور واللعب به والطالبون لنعيم الجنة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب كالصبي الطالب للعب بالعصفور التارك للذة الملك وذلك لقصوره عن إدراك لذة الملك لا لأن اللعب بالعصفور في نفسه أعلى وألذ من الاستيلاء بطريق الملك على كافة الخلق وأما انقسامه بالإضافة إلى المرغوب عنه فقد كثرت فيه الأقاويل ولعل المذكور فيه يزيد على مائة قول فلا نشتغل بنقل الأقاويل ولكن نشير إلى كلام محيط بالتفاصيل حتى يتضح أن أكثر ما ذكر فيه قاصر عن الإحاطة بالكل فنقول المرغوب عنه بالزهد له إجمال وتفصيل ولتفصيله مراتب بعضها أشرح لآحاد الأقسام وبعضها أجمل للجمل أما الإجمال في الدرجة الأولى فهو كل ما سوى الله فينبغي أن يزهد فيه حتى يزهد في نفسه أيضاً والإجمال في الدرجة الثانية أن يزهد فى كل صفة للنفس فيها متعة وهذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة والغضب والكبر والرياسة والمال والجاه وغيرها وفي الدرجة الثالثة أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما إذ إليهما ترجع جميع حظوظ النفس

تضيات الطبع من الشهوة والغضب والكبر والرياسة والمال والجاه وغيرها وفي الدرجة الثالثة أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما إذ إليهما ترجع جميع حظوظ النفس وفي الدرجة الرابعة أن يزهد في العلم والقدرة والدينار والدرهم والجاه إذا الأموال وإن كثرت أصنافها فيجمعها الدينار والدرهم والجاه وإن كثرت أسبابه فيرجع إلى العلم والقدرة وأعني به كل علم وقدرة مقصودها ملك القلوب إذ معنى الجاه هو ملك القلوب والقدرة عليها كما أن معنى المال ملك الأعيان والقدرة عليها فإن جاوزت هذا التفصيل إلى شرح وتفصيل أبلغ من هذا فيكاد يخرج ما فيه الزهد عَنِ الْحَصْرِ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آية واحدة سبعة منها فقال زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ثُمَّ رَدَّهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى إِلَى خَمْسَةٍ فَقَالَ ﷿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد ثم رده تعالى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَى اثْنَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى وإنما الحياة الدنيا لعب ولهو ثُمَّ رَدَّ الْكُلَّ إِلَى وَاحِدٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الجنة هي المأوى فَالْهَوَى لَفْظٌ يَجْمَعُ جَمِيعَ حُظُوظِ النَّفْسِ فِي الدنيا فينبغي أن يكون الزهد فيه وإذا فهمت طريق الإجمال والتفصيل عرفت أن البعض من هذه لا يخالف البعض وإنما يفارقه في الشرح مرة والإجمال أخرى

ّفْسِ فِي الدنيا فينبغي أن يكون الزهد فيه وإذا فهمت طريق الإجمال والتفصيل عرفت أن البعض من هذه لا يخالف البعض وإنما يفارقه في الشرح مرة والإجمال أخرى فالحاصل أَنَّ الزُّهْدَ عِبَارَةٌ عَنِ الرَّغْبَةِ عَنْ حُظُوظِ النفس كلها ومهما رغب عن حظوظ النفس رغب عن البقاء في الدنيا فقصر أمله لا محالة لأنه إنما يريد البقاء ليتمتع ويريد التمتع الدائم بإرادة البقاء فإن من أراد شيئاً أراد دوامه ولا معنى لحب الحياة إلا حب دوام ما هو موجود أو ممكن في هذه الحياة فإذا رغب عنها لم يردها ولذلك لما كتب عليهم القتال قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجلٍ قريب فقال تعالى قل متاع الدنيا قليل أي لستم تريدون البقاء إلا لمتاع الدنيا فظهر عند ذلك الزاهدون وانكشف حال المنافقين أما الزاهدون المحبون لله تعالى فقاتلوا في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص وانتظروا إحدى الحسنيين وكانوا إذا دعوا إلى القتال يستنشقون رائحة الجنة ويبادرون إليه مبادرة الظمآن إلى الماء البارد حرصاً على نصرة دين الله

أو نيل رتبة الشهادة وكان من مات منهم على فراشه يتحسر على فوت الشهادة حتى إن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه لما احتضر للموت على فراشه كان يقول كم غررت بروحي وهجمت على الصفوف طمعاً في الشهادة وأنا الآن أموات موت العجائز فلما مات عد على جسده ثمانمائة ثقب من آثار الجراحات هكذا كان حال الصادقين في الإيمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين وأما المنافقون ففروا من الزحف خوفاً من الموت فقيل لهم إن الموت الذين تفرون منه فإنه ملاقيكم فإيثارهم البقاء على الشهادة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير فأولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين وأما المخلصون فإن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فلما رأوا أنهم تركوا تمتع عشرين سنة مثلاً أو ثلاثين سنة بتمتع الأبد استبشروا ببيعهم الذي بايعوا به فهذا بيان المزهود فيه وإذا فهمت هذا علمت أن ما ذكره المتكلمون في حد الزهد لم يشيروا به إلا إلى بعض أقسامه فذكر كل واحد منهم ما رآه غالباً على نفسه أو على من كان يخاطبه فقال بشر رحمه الله تعالى الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس وهذا إشارة إلى الزهد في الجاه خاصة وقال قاسم الجوعي الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف فبقدر ما تملك من بطنك كذلك تملك من الزهد وهذا إشارة إلى الزهد في شهوة واحدة ولعمري هي أغلب الشهوات على الأكثر وهي المهيجة لأكثر الشهوات وقال الفضيل الزهد في الدنيا هو القناعة وهذا إشارة إلى المال خاصة وقال الثوري الزهد هو قصر الأمل وهو جامع لجميع الشهوات فإن من يميل إلى الشهوات يحدث نفسه بالبقاء فيطول أمله ومن قصر أمله فكأنه رغب عن الشهوات كلها وقال أويس إذا خرج الزاهد يطلب ذهب الزهد عنه وما قصد بهذا حد الزهد ولكن جعل التوكل شرطاً في الزهد

اء فيطول أمله ومن قصر أمله فكأنه رغب عن الشهوات كلها وقال أويس إذا خرج الزاهد يطلب ذهب الزهد عنه وما قصد بهذا حد الزهد ولكن جعل التوكل شرطاً في الزهد وقال أويس أيضاً الزهد هو ترك الطلب للمضمون وهو إشارة إلى الرزق وقال أهل الحديث حب الدنيا هو العمل بالرأي والمعقول والزهد إنما هو أتباع العلم ولزوم السنة وهذا إن أريد به الرأي الفاسد والمعقول الذي يطلب به الجاه في الدنيا فهو صحيح ولكنه إشارة إلى بعض أسباب الجاه خاصة أو إلى بعض ما هو من فضول الشهوات فإن من العلوم ما لا فائدة فيه في الآخرة وقد طولوها حتى ينقضي عمر الإنسان في الاشتغال بواحد منها فشرط الزاهد أن يكون الفضول أول مرغوب عنه عنده وقال الحسن الزاهد الذى إذا رأى أحداً قال هذا أفضل مني فذهب إلى أن الزهد هو التواضع وهذا إشارة إلى نفي الجاه والعجب وهو بعض أقسام الزهد وقال بعضهم الزهد هو طلب الحلال وأين هذا ممن يقول الزهد هو ترك الطلب كما قال أويس ولا شك في أنه أراد به ترك طلب الحلال وقد كان يوسف بن أسباط يقول من صبر على الأذى وترك الشهوات وأكل الخبز من الحلال فقد أخذ بأصل الزهد وفي الزهد أقاويل وراء ما نقلناه فلم نر في نقلها فائدة فإن من طلب كشف حقائق الأمور من أقاويل الناس رآها مختلفة فلا يستفيد إلا الحيرة وأما من انكشف له الحق في نفسه وأدركه بمشاهدة من قلبه لا بتلقف من سمعه فقد وثق بالحق واطلع على قصور من قصر لقصور بصيرته وعلى اقتصار من اقتصر من اقتصر مع كمال المعرفة لاقتصار حاجته وهؤلاء كلهم اقتصروا لا لقصور في البصيرة لكنهم ذكروا ما ذكروه عند الحاجة فلا جرم ذكروه بقدر الحاجة والحاجات تختلف فلا جرم الكلمات تختلف وقد يكون سبب الاقتصار الإخبار عن الحالة الراهنة التي هي مقام العبد في نفسه والأحوال تختلف فلا جرم الأقوال المخبرة عنها تختلف وأما الحق في نفسه

تختلف وقد يكون سبب الاقتصار الإخبار عن الحالة الراهنة التي هي مقام العبد في نفسه والأحوال تختلف فلا جرم الأقوال المخبرة عنها تختلف وأما الحق في نفسه

فلا يكون إلا واحداً ولا يتصور أن يختلف وإنما الجامع من هذه الأقاويل الكامل في نفسه وإن لم يكن فيه تفصيل ما قاله أبو سليمان الداراني إذ قال سمعنا في الزهد كلاماً كثيراً والزهد عندنا ترك كل شيء يشغلك عن الله ﷿ وقد فصل مرة وقال من تزوج أو سافر في طلب المعيشة أو كتب الحديث فقد ركن إلى الدنيا فجعل جميع ذلك ضداً للزهد وقد قرأ أبو سفيان قوله تَعَالَى إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بقلبٍ سَلِيمٍ فقال هو القلب الذي ليس فيه غير الله تعالى وقال إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة فهذا بيان انقسام الزهد بالإضافة إلى أصناف المزهود فيه فأما بالإضافة إلى أحكامه فينقسم إلى فرض ونفل وسلامة كما قاله إبراهيم بن أدهم فالفرض هو الزهد في الحرام والنفل هو الزهد في الحلال والسلامة هو الزهد في الشبهات وقد ذكرنا تفاصيل درجات الورع في كتاب الحلال والحرام وذلك من الزهد إذ قيل لمالك بن أنس ما الزهد قال التقوى وأما بالإضافة إلى خفايا ما يتركه فلا نهاية للزهد فيه إذ لا نهاية لما تتمتع به النفس في الخطرات واللحظات وسائر الحالات لا سيما خفايا الرياء فإن ذلك لا يطلع عليه إلا سماسرة العلماء بل الأحوال الظاهرة أيضاً درجات الزهد فيها لا تتناهى فممن أقصى درجاته زهد عيسى ﵇ إذ توسد حجراً في نومه فقال له الشيطان أما كنت تركت الدنيا فما الذي بدا لك قال وما الذي تجدد قال توسدك الحجر أي تنعمت برفع رأسك عن الأرض في النوم فرمى الحجر وقال خذه مع ما تركته لك وروي عن يحيى بن زكريا ﵉ أنه لبس المسوح حتى ثقب جلده تركاً للتنعم بلين اللباس واستراحة حس اللمس فسألته أمه أن يلبس مكان المسح جبة من صوف ففعل فأوحى الله تعالى إليه يا يحيى آثرت على الدنيا فبكى ونزع الصوف وعاد إلى ما كان عليه وقال أحمد رحمه الله تعالى الزهد زهد أويس بلغ من العري أن جلس في قوصرة

حى الله تعالى إليه يا يحيى آثرت على الدنيا فبكى ونزع الصوف وعاد إلى ما كان عليه وقال أحمد رحمه الله تعالى الزهد زهد أويس بلغ من العري أن جلس في قوصرة وجلس عيسى ﵇ في ظل حائط إنسان فأقامه صاحب الحائط فقال ما أقمتني أنت إنما أقامني الذي لم يرض لي أن أتنعم بظل الحائط فإذن درجات الزهدد ظاهراً وباطناً لا حصر لها وأقل درجاته الزهد في كل شبهة ومحظور وقال قوم الزهد هو الزهد الحلال لافى الشبهة والمحظور فليس ذلك من درجاته في شيء ثم رأوا أنه لم يبق حلال في أموال الدنيا فلا يتصور الزهد الآن فإن قلت مهما كان الصحيح هو أن الزهد ترك ما سوى الله فكيف يتصور ذلك مع الأكل والشرب واللبس ومخالطة الناس ومكالمتهم وكل ذلك اشتغال بما سوى الله تعالى فاعلم أن معنى الانصراف عن الدنيا إلى الله تعالى هو الإقبال بكل القلب عليه ذكراً وفكراً ولا يتصور ذلك إلا مع البقاء ولا بقاء إلا بضروريات النفس فمهما اقتصرت من الدنيا على دفع المهلكات عن البدن وكان غرضك الاستعانة بالبدن على العبادة لم تكن مشتغلاً بغير الله فإن ما لا يتوصل إلى الشيء إلا به فهو منه فالمشتغل بعلف الناقة وبسقيها في طريق الحج ليس معرضاً عن الحج ولكن ينبغي أن يكون بدنك في طريق الله مثل ناقتك في طريق الحج ولا غرض لك في تنعم ناقتك باللذات بل غرضك مقصور على دفع المهلكات عنها حتى تسير بك إلى مقصدك فكذلك ينبغي أن تكون في صيانة بدنك عن الجوع والعطش المهلك بالأكل والشرب وعن الحر والبرد المهلك باللباس والمسكن فتقصر على قدر الضرورة ولا تقصد التلذذ بل التقوى على طاعة الله تعالى فذلك لا يناقض الزهد بل هو شرط الزهد وإن قلت فلا بد وأن أتلذذ بالأكل عند الجوع فاعلم أن ذلك لا يضرك إذا لم يكن قصدك التلذذ فإن شارب الماء البارد قد يستلذ الشرب ويرجع حاصله إلى زوال ألم العطش ومن يقضي حاجته قد يستريح بذلك

ولكن لا يكون ذلك مقصوداً عنده ومطلوباً بالقصد فلا يكون القلب منصرفاً إليه فالإنسان قد يستريح في قيام الليل بتنسم الأسحار وصوت الأطيار ولكن إذا لم يقصد طلب موضع لهذه الاستراحة فما يصيبه من ذلك بغير قصد لا يضره ولقد كان في الخائفين من طلب موضعاً لا يصيبه فيه نسيم الأسحار خيفة من الاستراحة به وأنس القلب معه فيكون فيه أنس بالدنيا ونقصان في الأنس بالله بقدر وقوع الأنس بغير الله ولذلك كان داود الطائي له جب مكشوف فيه ماؤه فكان لا يرفعه من الشمس ويشرب الماء الحار ويقول من وجد لذة الماء البارد شق عليه مفارقة الدنيا فهذه مخاوف المحتاطين والحزم في جميع ذلك الاحتياط فإنه وإن كان شاقاً فمدته قريبة والاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأبيد لا يثقل على أهل المعرفة القاهرين لأنفسهم بسياسة الشرع المعتصمين بعروة اليقين في معرفة المضادة التي بين الدنيا والدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين بيان تفضيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة

اعلم أن ما الناس منهمكون فيه ينقسم إلى فضول وإلى مهم فالفضول كالخيل المسومة مثلاً إذ غالب الناس إنما يقتنيها للترفه بركوبها وهو قادر على المشي والمهم كالأكل والشرب ولسنا نقدر على تفصيل أصناف الفضول فإن ذلك لا ينحصر وإنما ينحصر المهم الضروري والمهم أيضا يتطرق إليه فضول في مقداره وجنسه وأوقاته فلا بد من بيان وجه الزهد فيه والمهمات ستة أمور المطعم والملبس والمسكن وأثاثه والمنكح والمال والجاه يطلب لأغراض وهذه الستة من جملتها وقد ذكرنا معنى الجاه وسبب حب الخلق وكيفية الاحتراز منه في كتاب الرياء من ربع المهلكات ونحن الآن نقتصر على بيان هذه المهمات الستة

وهذه الستة من جملتها وقد ذكرنا معنى الجاه وسبب حب الخلق وكيفية الاحتراز منه في كتاب الرياء من ربع المهلكات ونحن الآن نقتصر على بيان هذه المهمات الستة الأول المطعم ولا بد للإنسان من قوت حلال يقيم صلبه ولكن له طول وعرض فلا بد من قبض طوله وعرضه حتى يتم به الزهد فأما طوله فبالإضافة إلى جملة العمر فإن من يملك طعام يومه فلا يقنع به وأما عرضه ففي مقدار الطعام وجنسه ووقت تناوله أما طوله فلا يقصر إلا بقصر الأمل وأقل درجات الزهد فيه الاقتصار على قدر دفع الجوع عند شدة الجوع وخوف المرض ومن هذا حاله فإذا استقل بما تناوله لم يدخر من غدائه لعشائه وهذه هي الدرجة العليا الدرجة الثانية أن يدخر لشهر أو أربعين يوماً الدرجة الثالثة أن يدخر لسنة فقط وهذه رتبة ضعفاء الزهاد ومن ادخر لأكثر من ذلك فتسميته زاهداً محال لأن من أمل بقاء أكثر من سنة فهو طويل الأمل جداً فلا يتم منه الزهد إلا إذا لم يكن له كسب ولم يرض لنفسه الأخذ من أيدي الناس كداود الطائي فإنه ورث عشرين ديناراً فأمسكها وأنفقها في عشرين سنة فهذا لا يضاد أصل الزهد إلا عند من جعل التوكل شرط الزهد وأما عرضه فبالإضافة إلى المقدار وأقل درجاته في اليوم والليلة نصف رطل وأوسطه رطل وأعلاه مد واحد وهو ما قدره الله تعالى في إطعام المسكين في الكفارة وما وراء ذلك فهو من اتساع البطن والاشتغال به ومن لم يقدر على الاقتصار على مد لم يكن له من الزهد في البطن نصيب وأما بالإضافة إلى الجنس فأقله كل ما يقوت ولو الخبز من النخالة وأوسطه خبز الشعير والذرة وأعلاه خبز البر غير منخول فإذا ميز من النخالة وصار حواري فقد دخل في التنعم وخرج عن آخر أبواب الزهد فضلاً عن أوائله وأما الأدم فأقله الملح أو البقل والخل وأوسطه الزيت أو يسير من الأدهان أي دهن كان وأعلاه اللحم أي لحم كان وذلك في الأسبوع مرة أو مرتين فإن صار دائماً أو أكثر من مرتين في الأسبوع خرج عن آخر أبواب الزهد فلم يكن صاحبه زاهداً في البطن أصلاً وأما بالإضافة إلى الوقت فأقله في اليوم والليلة مرة وهو أن يكون صائماً وأوسطه

ن في الأسبوع خرج عن آخر أبواب الزهد فلم يكن صاحبه زاهداً في البطن أصلاً وأما بالإضافة إلى الوقت فأقله في اليوم والليلة مرة وهو أن يكون صائماً وأوسطه

أن يصوم ويشرب ليلة ولا يأكل ويأكل ليلة ولا يشرب وأعلاه أن ينتهي إلى أن يطوي ثلاثة أيام أو أسبوعاً وما زاد عليه وقد ذكرنا طريق تقليل الطعام وكسر شرهه في ربع المهلكات ولينظر إلى أحوال رسول الله ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم في كيفية زهدهم في المطاعم وتركهم الأدم قالت عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تأتي علينا أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول الله ﷺ مصباح ولا نار قيل لها فبم كنتم تعيشون قالت بالأسودين التمر والماء (١) وهذا ترك اللحم والمرقة والأدم وقال الحسن كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يركب الحمار ويلبس الصوف وينتعل المخصوف ويلعق أصابعه ويأكل على الأرض ويقول إنما أنا عبد آكل كما تأكل العبيد وأجلس كما تجلس العبيد (٢) وقال المسيح ﵇ بحق أقول لكم إنه من طلب الفردوس فخبز الشعير له والنوم على المزابل مع الكلاب كثير وقال الفضيل ما شبع رسول الله ﷺ منذ قدم المدينة ثلاثة أيام من خبز البر (٣) وكان المسيح ﷺ يقول يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البري وخبز الشعير وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكره وقد ذكرنا سيرة الأنبياء والسلف في المطعم والمشرب في ربع المهلكات فلا نعيده ولما أتى النبي ﷺ أهل قباء أتوه بشربة من لبن مشوبة بعسل فوضع القدح من يده وقال أما إني لست أحرمه ولكن أتركه تواضعاً لله تعالى (٤) وأتي عمر ﵁ بشربة من ماء بارد وعسل في يوم صائف فقال اعزلوا عني حسابها وقد قال يحيى ابن معاذ الرازي الزاهد الصادق قوته ما وجد ولباسه ما ستر ومسكنه حيث أدرك الدنيا سجنه والقبر مضجعه والخلوة مجلسه والاعتبار فكرته والقرآن حديثه والرب أنيسه والذكر رفيقه والزهد قرينه والحزن شأنه والحياء شعاره والجوع إدامه والحكمة كلامه والتراب فراشه والتقوى زاده والصمت غنيمته والصبر معتمده والتوكل حسبه والعقل دليله والعبادة حرفته والجنة مبلغه إن شاء الله تعالى المهم الثاني الملبس

Bagian 69 dari 86