— Bagian 75 · قله مرىء والباطل خفيف وهو مع خفته وبىء فإن حفظت … —
Bagian 75
قله مرىء والباطل خفيف وهو مع خفته وبىء فإن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت وهو مدركك وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه ويروى عن إسحق بن سعد بن أبي وقاص قال حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد ألا ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال يارب إني أقسمت عليك إذا لقيت العدو غداً فلقني رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله فيك ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني ويبقر بطني فإذا لقيتك غداً قلت يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك فأقول فيك يارب وفي رسولك فتقول صدقت قال سعد فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط (٢) قال سعيد بن المسيب أرجو أن يبر الله آخر قسمه كما أبر أوله وقد كان الثوري وبشر الحافي يقولان لا يكره الموت إلا مريب لأن الحبيب على كل حال لا يكره لقاء حبيبه وقال البويطي لبعض الزهاد أتحب الموت فكأنه توقف فقال لو كنت صادقاً لأحببته وتلا قوله تعالى فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فقال الرجل فقد قال النبي ﷺ لا يتمنينأحدكم الموت (٣) فقال إنما قاله لضر نزل به لأن الرضا بقضاء الله تعالى أفضل من طلب الفرار منه فإن قلت من لا يحب الموت فهل يتصور أن يكون محباً لله فأقول كراهة الموت قد تكون لحب الدنيا والتأسف على فراق الأهل والمال والولد وهذا ينافي كمال حب الله تعالى لأن الحب الكامل هو الذي يستغرق كل القلب ولكن لا يبعد أن يكون له مع حب الأهل والولد شائبة من حب الله تعالى ضعيفة فإن الناس متفاوتون في الحب ويدل على التفاوت ما روي أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس لما زوج أخته فاطمة من سالم مولاه عاتبته قريش في ذلك وقالوا أنكحت عقيلة من عقائل قريش لمولى فقال والله لقد أنكحته إياها
وإني لأعلم أنه خير منها فكان قوله ذلك أشد عليهم من فعله فقالوا وكيف وهي أختك وهو مولاك فقال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم (١) فهذا يدل على أن من الناس من لا يحب الله بكل قلبه فيحبه ويحب أيضاً غيره فلا جرم يكون نعيمه بلقاء الله عند القدوم عليه على قدر حبه وعذابه بفراق الدنيا عند الموت على قدر حبه لها وأما السبب الثاني للكراهة فهو أن يكون العبد في ابتداء مقام المحبة وليس يكره الموت وإنما يكره عجلته قبل أن يستعد للقاء الله فذلك لا يدل على ضعف الحب وهو كالمحب الذي وصله الخبر بقدوم حبيبه عليه فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليهيء له داره ويعد له أسبابه فيلقاه كما يهواه فارغ القلب عن الشواغل خفيف الظهر عن العوائق فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال الحب أصلاً وعلامته لدءوب في العمل واستغراق الهم في الاستعداد ومنها أن يكون مؤثراً ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه فيلزم مشاق العمل ويجتنب اتباع الهوى ويعرض عن دعة الكسل ولا يزال مواظباً على طاعة الله ومتقرباً إليه بالنوافل وطالباً عنده مزايا الدرجات كما يطلب المحب مزيد القرب في قلب محبوبه وقد وصف الله تعالى المحبين بالإيثار فقال يحبون من هاجر إليهم وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومن بقي مستقراً على متابعة الهوى فمحبوبه ما يهواه بل يترك المحب هوى نفسه كما قيل: أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد
َ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومن بقي مستقراً على متابعة الهوى فمحبوبه ما يهواه بل يترك المحب هوى نفسه كما قيل: أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد بل الحب إذا غلب قمع الهوى فلم يبق له تنعم بغير المحبوب كما روي أن زليخا لما آمنت وتزوج بها يوسف ﵇ انفردت عنه وتخلت للعبادة وانقطعت إلى الله تعالى فكان يدعوها إلى فراشه نهارا فتدافعه إلى الليل فإذا دعاها ليلاً سوفت به إلى النهار وقالت: يا يوسف إنما كنت أحبك قبل أن أعرفه فأما إذ عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه وما أريد به بدلا حتى قال لها إن الله جل ذكره أمرني بذلك وأخبرني أنه مخرج منك ولدين وجاعلهما نبيين فقالت: أما إذا كان الله تعالى أمرك بذلك وجعلني طريقاً إليه فطاعة لأمر الله تعالى فعندها سكنت إليه فإذن من أحب الله لا يعصيه ولذلك قال ابن المبارك فيه: تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في الفعال بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع وفي هذا المعنى قيل أيضا: وأترك ما أهوى ... لما قد هويته ... فأرضى بما ترضى وإن سخطت نفسي وقال سهل رحمه الله تعالى: علامة الحب إيثاره على نفسك وليس كل من عمل بطاعة الله ﷿ صار حبيباً وإنما الحبيب من اجتنب المناهي: وهو كما قال لأن محبته لله تعالى سبب محبة الله له كما قال تعالى يحبهم ويحبونه وإذا أحبه الله تولاه ونصره على أعدائه وإنما عدوه نفسه وشهواته فلا يخذله الله ولا يكله إلى هواه وشهواته
سبب محبة الله له كما قال تعالى يحبهم ويحبونه وإذا أحبه الله تولاه ونصره على أعدائه وإنما عدوه نفسه وشهواته فلا يخذله الله ولا يكله إلى هواه وشهواته
ولذلك قال تعالى والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً فإن قلت: فالعصيان هل يضاد أصل المحبة فأقول: إنه يضاد كمالها ولا يضاد أصلها فكم من إنسان يحب نفسه وهو مريض ويحب الصحة ويأكل ما يضره مع العلم بأنه يضره وذلك لا يدل على عدم حبه لنفسه ولكن المعرفة قد تضعف والشهوة قد تغلب فيعجز عن القيام بحق المحبة ويدل عليه ما روي أن نعيمان كان يؤتى به رسول الله ﷺ في كل قليل فيحده في معصية يرتكبها إلى أن أتي به يوماً فحده فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به رسول الله ﷺ فقال ﷺ لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ١ فلم يخرجه بالمعصية عن المحبة نعم تخرجه المعصية عن كمال الحب وقد قال بعض العارفين: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب أحب الله تعالى حباً متوسطاً فإذا دخل سويداء القلب أحبه الحب البالغ وترك المعاصي وبالجملة في دعوى المحبة خطر ولذلك قال الفضيل: إذا قيل لك أتحب الله تعالى فاسكت فإنك إن قلت لا كفرت وإن قلت نعم فليس وصفك وصف المحبين فاحذر المقت ولقد قال بعض العلماء: ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ولم يتحقق بشيء من ذلك
ت ولقد قال بعض العلماء: ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ولم يتحقق بشيء من ذلك ومنها أن يكون مستهتراً بذكر الله تعالى لا يفتر عنه لسانه ولا يخلو عنه قلبه فمن أحب شيئاً أكثر بالضرورة من ذكره وذكر ما يتعلق به فعلامة حب الله: حب ذكره وحب القرآن الذي هو كلامه وحب رسول الله ﷺ وحب كل من ينسب إليه فإن من يحب إنساناً يحب كلب محلته فالمحبة إذا قويت تعدت من المحبوب إلى كل ما يكتنف بالمحبوب ويحيط به ويتعلق بأسبابه وذلك ليس شركة في الحب فإن من أحب رسول المحبوب لأنه رسوله وكلامه لأنه كلامه فلم يجاوز حبه إلى غيره بل هو دليل على كمال حبه ومن غلب حب الله على قلبه أحب جميع خلق الله لأنهم خلقه فكيف لا يحب القرآن والرسول وعباد الله الصالحين وقد ذكرنا تحقيق هذا في كتاب الأخوة والصحبة ولذلك قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لله تعالى وقال سفيان // حديث أحبوا الله: من أحب من يحب الله تعالى فإنما أحب الله ومن أكرم من يكرم الله تعالى فإنما يكرم الله وحكي عن بعض المريدين قال: كنت قد وجدت حلاوة المناجاة في سن الإرادة فأدمنت قراءة القرآن ليلاً ونهاراً ثم لحقتني فترة فانقطعت عن التلاوة قال: فسمعت قائلاً يقول في المنام إن كنت تزعم أنك تحبني فلم جفوت كتابي أما تدبرت ما فيه من لطيف عتابي قال: فانتبهت وقد أشرب في قلبي محبة القرآن فعاودت إلى حالي وقال ابن مسعود: لا ينبغي أن يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ﷿ وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله وقال سهل رحمه الله تعالى عليه علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب الله وحب القرآن حب النبي ﷺ وعلامة حب النبي ﷺ حب السنة وعلامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا زاداً وبلغة إلى الآخرة
النبي ﷺ وعلامة حب النبي ﷺ حب السنة وعلامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا زاداً وبلغة إلى الآخرة ومنها أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه فيواظب على التهجد ويغتنم هدء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق وأقل درجات الحب التلذذ بالخلوة بالحبيب والتنعم بمناجاته فمن كان النوم والاشتغال بالحديث ألذ عنده وأطيب من مناجاة الله كيف تصح محبته قيل لإبراهيم بن أدهم وقد نزل من الجبل: من أين أقبلت
فقال من الأنس بالله وفي أخبار داود ﵇ لا تستأنس إلى أحد من خلقي فإني إنما أقطع عني رجلين رجل استبطأ ثوابي فانقطع ورجلاً نسيني فرضي بحاله وعلامة ذلك أن أكله إلى نفسه وأن أدعه في الدنيا حيران ومهما أنس بغير الله كان بقدر أنسه بغير الله مستوحشاً من الله تعالى ساقطاً عن درجة محبته وفي قصة برخ وهو العبد الأسود الذي استسقى به موسى ﵇ إن الله تعالى قال لموسى ﵇ إن برخاً نعم العبد هو لي إلا أن فيه عيبا قال يارب وما عيبه فقال يعجبه نسيم الأسحار فيسكن إليه ومن أحبني لم يسكن إلى شيء وروي أن عابداً عبد الله تعالى في غيضة دهراً طويلاً فنظر إلى طائر وقد عشش في شجرة يأوي إليها ويصفر عندها فقال لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال: ففعل فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان قل لفلان العابد استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبداً فإذن علامة المحبة كمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال التنعم بالخلوة به وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذة المناجاة وعلامة الأنس مصير العقل والفهم كله مستغرقاً بلذة المناجاة كالذي يخاطب معشوقه ويناجيه وقد انتهت هذه اللذة ببعضهم حتى كان في صلاته ووقع الحريق في داره فلم يشعر به وقطعت رجل بعضهم بسبب علة أصابته وهو في الصلاة فلم يشعر به ومهما غلب عليه الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عينه يدفع بها جميع الهموم بل يستغرق الأنس والحب قلبه حتى لا يفهم أمور الدنيا ما لم تكرر على سمعه مراراً مثل العاشق الولهان فإنه يكلم الناس بلسانه وأنسه في الباطن بذكر حبيبه فالمحب من لا يطمئن إلا بمحبوبه وقال قتادة في قوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب قال هشت إليه واستأنست به وقال الصديق رضي الله تعالى عنه من ذاق من خالص محبة الله شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر
ا بذكر الله تطمئن القلوب قال هشت إليه واستأنست به وقال الصديق رضي الله تعالى عنه من ذاق من خالص محبة الله شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر وقال مطرف بن أبي بكر: الحب لا يسأم من حديث حبيبه وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇ قد كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني أليس كل محب يحب لقاء حبيبه فها أنا ذا موجود لمن طلبني وقال موسى ﵇ يا رب أين أنت فأقصدك فقال إذا قصدت فقد وصلت وقال يحيى بن معاذ من أحب الله أبغض نفسه وقال أيضاً من لم تكن فيه ثلاث خصال فليس بمحب يؤثر كلام الله تعالى على كلام الخلق ولقاء الله تعالى على لقاء الخلق والعبادة على خدمة الخلق ومنها أن لا يتأسف على مما يفوته ما سوى الله ﷿ ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله تعالى وطاعته فيكثر رجوعه عند الغفلات بالاستعطاف والاستعتاب والتوبة قال بعض العارفين إن لله عباداً أحبوه واطمأنوا إليه فذهب عنهم التأسف على الفائت فلم يتشاغلوا بحظ أنفسهم إذ كان ملك مليكهم تاماً وما شاء كان فما كان لهم فهو واصل إليهم وما فاتهم فبحسن تدبيره لهم وحق المحب إذا رجع من غفلته في لحظته أن يقبل على محبوبه ويشتغل بالعتاب ويسأله ويقول رب بأي ذنب قطعت برك عني وأبعدتني عن حضرتك وشغلتني بنفسي وبمتابعة الشيطان فيستخرج ذلك منه صفاء ذكر ورقة قلب يكفر عنه ما سبق من الغفلة وتكون هفوته سبباً لتجدد ذكره وصفاء قلبه ومهما لم ير المحب إلا المحبوب ولم ير شيئاً إلا منه لم يتأسف ولم يشك واستقبل الكل بالرضا وعلم أن المحبوب لم يقدر له إلا ما فيه خيرته ويذكر قوله وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ومنها أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها كما قال بعضهم كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به
يرته ويذكر قوله وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ومنها أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها كما قال بعضهم كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به
عشرين سنة وقال الجنيد علامة المحب دوام النشاط والدعوب بشهوة تفتر بدنه ولا تفتر قلبه وقال بعضهم العمل على المحبة لا يدخله الفتور وقال بعض العلماء والله ما اشتفى محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل فكل هذا وأمثاله موجود في المشاهدات فإن العاشق لا يستثقل السعي في هوى معشوقه ويستلذ خدمته بقلبه وإن كان شاقاً على بدنه ومهما عجز بدنه كان أحب الأشياء إليه أن تعاوده القدرة وأن يفارقه العجز حتى يشغل به فهكذا يكون حب الله تعالى فإن كل حب صار غالباً قهر لا محالة ماهو دونه فمن كان محبوبه أحب إليه من الكسل ترك الكسل في خدمته وإن كان أحب إليه من المال ترك المال في حبه وقيل لبعض المحبين وقد كان بذل نفسه وماله حتى لم يبق له شيء ما كان سبب حالك هذه في المحبة فقال سمعت يوماً محباً وقد خلا بمحبوبه وهو يقول أنا والله أحبك بقلبي كله وأنت معرض عني بوجهك كله فقال له المحبوب إن كنت تحبني فأيش تنفق علي قال يا سيدي أملكك ما أملك ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك فقلت هذا خلق لخلق وعبد لعبد فكيف بعبيد لمعبود فكل هذا بسببه
ه المحبوب إن كنت تحبني فأيش تنفق علي قال يا سيدي أملكك ما أملك ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك فقلت هذا خلق لخلق وعبد لعبد فكيف بعبيد لمعبود فكل هذا بسببه ومنها أن يكون مشفقاً على جميع عباد الله رحيماً بهم شديداً على جميع أعداء الله وعلى كل من يقارف شيئاً مما يكرهه كما قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بينهم ولا تأخذه لومة لائم ولا يصرفه عن الغضب لله صارف وبه وصف الله أولياءه إذ قال الذين يكلفون بحبي كما يكلف الصبي بالشيء ويأوون إلى ذكري كما يأوي النسر إلى وكره ويغضبون لمحارمه كما يغضب النمر إذا حرد فإنه لا يبالي قل الناس أو كثروا فانظر إلى هذا المثال فإن الصبي إذا كلف بالشيء لم يفارقه أصلاً وإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا البكاء والصياح حتى يرد إليه فإن نام أخذه معه في ثيابه فإذا انتبه عاد وتمسك به ومهما فارقه بكى ومهما وجده ضحك ومن نازعه فيه أبغضه ومن أعطاه أحبه وأما النمر فإنه لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أنه يهلك نفسه فهذه علامات المحبة فمن تمت فيه هذه العلامات فقد تمت محبته وخلص حبه فصفا في الآخرة شرابه وعذب مشربه ومن امتزج بحبه حب غير الله تنعم في الآخرة بقدر حبه إذ يمزج شرابه بقدر من شراب المقربين كما قال تعالى في الأبرار إن الأبرار لفي نعيم ﴿ثم قال﴾ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يشرب بها المقربون فإذا طاب شراب الأبرار لشوب الشراب الصرف الذي هو للمقربين والشراب عبارة عن جملة نعيم الجنان كما أن الكتاب عبر به عن جميع الأعمال فقال إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴿ثم قال﴾ يشهده المقربون فكان أمارة علو كتابهم أنه ارتفع إلى حيث يشهده المقربون وكما أن الأبرار يجدون المزيد في حالهم ومعرفتهم بقربهم من المقربين ومشاهدتهم لهم فكذلك يكون حالهم في الآخرة ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة كما بدأنا أول خلق نعيده وكما قال تعالى جزاء وفاقاً أي وافق الجزاء أعمالهم فقوبل الخالص بالصرف من الشراب وقوبل المشوب بالمشوب
ولا بعثكم إلا كنفس واحدة كما بدأنا أول خلق نعيده وكما قال تعالى جزاء وفاقاً أي وافق الجزاء أعمالهم فقوبل الخالص بالصرف من الشراب وقوبل المشوب بالمشوب وشوب كل شراب على قدر ما سبق من الشوب في حبه وأعماله فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يعمل مثقال ذرة شراً يره وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بها وكفى بنا حاسبين فمن كان حبه في الدنيا رجاءه لنعيم الجنة والحور العين والقصور مكن من الجنة ليتبوأ منها حيث يشاء فيلعب مع الولدان ويتمتع بالنسوان فهناك تنتهي لذته في الآخرة لأنه إنما يعطى كل إنسان في المحبة ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه ومن كان مقصده رب الدار ومالك الملك ولم يغلب عليه إلا حبه بالإخلاص والصدق أنزل في مقعد
صدق عند مليك مقتدر فالأبرار يرتعون في البساتين ويتنعمون في الجنان مع الحورالعين والولدان والمقربون ملازمون للحضرة عاكفون بطرفهم عليها يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذرة منها فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مشغولون وللمجالسة أقوام آخرون وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوى الألباب (١) حديث شيبتنى هود أخرجه الترمذى وقد تقدم غير مرة (٢) حديث من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون لا أعلم هذا إلا في منام لعبد العزيز بن أبي رواد قال رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت يا رسول الله أوصنى فقال ذلك بزيادة في آخره رواه البيهقى في الزهد (٣) حديث إنه ليغان على قلبي متفق عليه من حديث الأغر وقد تقدم // وإنما كان استغفاره من القدم الأول فإنه كان بعداً بالإضافة إلى القدم الثاني ويكون ذلك عقوبة لهم على الفتور في الطريق والالتفات إلى غير المحبوب كما روي أن الله تعالى يقول إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوات الدنيا على طاعتي أن أسلبه لذيذ مناجاتي فسلب المزيد بسبب الشهوات عقوبة للعموم فأما الخصوص فيحجبهم عن المزيد مجرد الدعوى والعجب والركون إلى ما ظهر من مبادىء اللطف وذلك هو المكر الخفي الذي لا يقدر على الاحتراز منه إلا ذوو الأقدام الراسخة ثم خوف فوت ما لا يدرك بعد فوته سمع إبراهيم بن أدهم قائلاً يقول وهو في سياحة وكان على الجبل كل شيء منك مغفو ... ر سوى الإعراض عنا قد وهبنا لك ما فا ... ت فهب لنا ما فات منا فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوماً وليلة وطرأت عليه أحوال ثم قال سمعت النداء من الجبل يا إبراهيم كن عبداً فكنت عبداً واسترحت ثم خوف السلو عنه فإن المحب يلازمه الشوق والطلب الحثيث فلا يفتر عن طلب المزيد ولا يتسلى إلا بلطف جديد فإن تسلى عن ذلك كان ذلك سبب وقوفه أو سبب رجعته والسلو يدخل عليه من حيث لا يشعر كما قد يدخل عليه الحب من حيث لا يشعر فإن هذه التقلبات لها أسباب خفية سماوية ليس في قوة البشر الإطلاع عليها فإذا
جعته والسلو يدخل عليه من حيث لا يشعر كما قد يدخل عليه الحب من حيث لا يشعر فإن هذه التقلبات لها أسباب خفية سماوية ليس في قوة البشر الإطلاع عليها فإذا
أراد الله المكر به واستدراجه أخفى عنه ما ورد عليه من السلو فيقف مع الرجاء ويغتر بحسن النظر أو بغلبة الغفلة أو الهوى أو النسيان فكل ذلك من جنود الشيطان التي تغلب جنود الملائكة من العلم والعقل والذكر والبيان وكما أن من أوصاف الله تعالى ما يظهر فيقتضى هيجان الحب وهي أوصاف اللطف والرحمة والحكمة فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلو كأوصاف الجبرية والعزة والاستغناء وذلك من مقدمات المكر والشقاء والحرمان ثم خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبه إلى حب غيره وذلك هو المقت والسلو عنه مقدمة هذا المقام والإعراض والحجاب مقدمة السلو وضيق الصدر بالبر وانقباضه عن دوام الذكر وملاله لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني ومقدماتها وظهور هذه الأسباب دليل على النقل عن مقام الحب إلى مقام المقت نعوذ بالله منه وملازمة الخوف لهذه الأمور وشدة الحذر منها بصفاء المراقبة دليل صدق الحب فإن من أحب شيئاً خاف لا محالة فقده فلا يخلو المحب عن خوف إذا كان المحبوب مما يمكن فواته وقد قال بعض العارفين من عبد الله تعالى بمحبة من غير خوف هلك بالبسط والإدلال ومن عبده من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد والاستيحاش ومن عبده من طريق المحبة والخوف أحبه الله تعالى فقربه ومكنه وعلمه فالمحب لا يخلو عن خوف والخائف لا يخلو عن محبة ولكن الذي غلبت عليه المحبة حتى اتسع فيها ولم يكن له من الخوف إلا يسير يقال هو في مقام المحبة ويعد من المحبين وكان شوب الخوف يسكن قليلاً من سكر الحب فلو غلب الحب واستولت المعرفة لم تثبت لذلك طاقة البشر فإنما الخوف يعدله ويخفف وقعه على القلب
بة ويعد من المحبين وكان شوب الخوف يسكن قليلاً من سكر الحب فلو غلب الحب واستولت المعرفة لم تثبت لذلك طاقة البشر فإنما الخوف يعدله ويخفف وقعه على القلب فقد روي في بعض الأخبار أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل الله تعالى أن يرزقه ذرة من معرفته ففعل ذلك فهام في الجبال وحار عقله ووله قلبه وبقي شاخصاً سبعة أيام لا ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء فسأل له الصديق ربه تعالى فقال يارب أنقصه من الذرة بعضها فأوحى الله تعالى إليه إنما أعطيناه جزءاً من مائة ألف جزء من المعرفة وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئاً من المحبة في الوقت الذي سألني هذا فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا فلما أجتبنك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته فقسمت ذرة من المعرفة بين مائة ألف عبد فهذا ما أصابه من ذلك فقال سبحانك يا أحكم الحاكمين أنقصه مما أعطيته فأذهب الله عنه جملة الجزء وبقي معه عشر معشاره وهو جزء من عشرة آلاف جزء من مائة ألف جزء من ذرة فاعتدل خوفه وحبه ورجاؤه وسكن وصار كسائر العارفين وقد قيل في وصف حال العارف قريب الوجد ذو مرمى بعيد ... عن الأحرار منهم والعبيد غريب الوصف ذو علم غريب ... كان فؤاده زبر الحديد لقد عزت معانيه وجلت ... عن الأبصار إلا للشهيد يرى الأعياد في الأوقات تجري ... له في كل يوم ألف عيد وللأحباب أفراح بعيد ... ولا يجد السرور له بعيد وقد كان الجنيد ﵀ ينشد أبياتاً يشير بها إلى أسرار أحوال العارفين وإن كان ذلك لا يجوز إظهاره وهي هذه الأبيات سرت بأناس في الغيوب قلوبهم ... فحلوا بقرب الماجد المتفضل عراضا بقرب الله في ظل قدسه ... تجول به أرواحهم وتنقل مواردهم فيها على العز والنهي ... ومصدرهم عنها لما هو أكمل
تروح بعز مفرد من صفاته ... وفي حلل التوحيد تمشي وترفل ومن بعد هذا ما تدق صفاته ... وما كتمه أولى لديه وأعدل سأكتم من علمي به ما يصونه ... وأبذل منه ما أرى الحق يبذل وأعطي عباد الله منه حقوقهم ... وأمنع منه ما أرى المنع يفضل على أن للرحمن سراً يصونه ... إلى أهله في السر والصون أجمل وأمثال هذه المعارف التي إليها الإشارة لا يجوز أن يشترك الناس فيها ولا يجوز أن يظهرها من انكشف له شيء من ذلك لمن لم ينكشف له بل لو اشترك الناس فيها لخربت الدنيا فالحكمة تقتضي شمول الغفلة لعمارة الدنيا بل لو أكل الناس كلهم الحلال أربعين يوماً لخربت الدنيا لزهدهم فيها وبطلت الأسواق والمعايش بل لو أكل العلماء الحلال لاشتغلوا بأنفسهم ولوقفت الألسنة والأقلام عن كثير مما انتشر من العلوم ولكن لله تعالى فيما هو شر في الظاهر أسرار وحكم كما أن له في الخير أسراراً وحكماً ولا منتهى لحكمته كما لا غاية لقدرته ومنها كتمان الحب واجتناب الدعوى والتوقى من إظهار الوجد والمحبة تعظيماً للمحبوب وإجلالاً له وهيبة منه وغيرة على سره فإن الحب سر من أسرار الحبيب ولأنه قد يدخل في الدعوى ما يتجاوز حد المعنى ويزيد عليه فيكون ذلك من الافتراء وتعظم العقوبة عليه في العقبى وتتعجل عليه البلوى في الدنيا نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه حتى يدهش فيه وتضطرب أحواله فيظهر عليه حبه فإن وقع ذلك عن غير تمحل أو اكتساب فهو معذور لأنه مقهور وربما تشتعل من الحب نيرانه فلا يطاق سلطانه وقد يفيض القلب به فلا يندفع فيضانه فالقادر على الكتمان يقول وقالوا قريب قلت ما أنا صانع ... بقرب شعاع الشمس لو كان في حجري فمالي منه غير ذكر بخاطر ... يهيج نار الحب والشوق في صدري والعاجز عنه يقول يخفى فيبدي الدمع أسراره ... ويظهر الوجد عليه النفس ويقول أيضاً ومن قلبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم وقد قال بعض العارفين أكثر الناس من الله بعداً أكثرهم إشارة به
ظهر الوجد عليه النفس ويقول أيضاً ومن قلبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم وقد قال بعض العارفين أكثر الناس من الله بعداً أكثرهم إشارة به كأنه أراد من يكثر التعريض به في كل شيء ويظهر التصنع بذكره عند كل أحد فهو ممقوت عند المحبين والعلماء بالله ﷿ ودخل ذو النون المصري على بعض إخوانه ممن كان يذكر المحبة فرآه مبتلى ببلاء فقال لا يحبه من وجد ألم ضره فقال الرجل لكني أقول لا يحبه من لم يتنعم بضره فقال ذو النون ولكنى أقول لا يحبه من شهر نفسه بحبه فقال الرجل أستغفر الله وأتوب إليه فإن قلت المحبة منتهى المقامات وإظهارها إظهار للخير فلماذا يستنكر فاعلم أن المحبة محمودة وظهورها محمود أيضاً وإنما المذموم التظاهر بها لما يدخل فيها من الدعوى والاستكبار وحق المحب أن ينم على حبه الخفي أفعاله وأحواله دون أقواله وأفعاله وينبغي أن يظهر حبه من غير قصد منه إلى إظهار الحب ولا إلى إظهار الفعل الدال على الحب بل ينبغي أن يكون قصد المحب إطلاع الحبيب فقط فأما إرادته إطلاع غيره فشرك في الحب
وقادح فيه كما ورد في الإنجيل إذا تصدقت فتصدق بحيث لا تعلم شمالك ما صنعت يمينك فالذي يرى الخفيات يجزيك علانية وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير ربك فإظهار القول والفعل كله مذموم إلا إذا غلب سكر الحب فانطلق اللسان واضطربت الأعضاء فلا يلام فيه صاحبه حكي أن رجلاً رأى من بعض المجانين ما استجهله فيه فأخبر بذلك معروفاً الكرخي ﵀ فتبسم ثم قال يا أخي له محبون صغار وكبار وعقلاء ومجانين فهذا الذي رأيته من مجانينهم ومما يكره التظاهر بالحب بسبب أن المحب إن كان عارفاً وعرف أحوال الملائكة في حبهم الدائم وشوقهم اللازم الذي به يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لاستنكف من نفسه ومن إظهار حبه وعلم قطعاً أنه من أخس المحبين في مملكته وأن حبه أنقص من حب كل محب لله
يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لاستنكف من نفسه ومن إظهار حبه وعلم قطعاً أنه من أخس المحبين في مملكته وأن حبه أنقص من حب كل محب لله قال بعض الكاشفين من المحبين عبدت الله تعالى ثلاثين سنة بأعمال القلوب والجوارح على بذل المجهود واستفراغ الطاقة حتى ظننت أن لي عند الله شيئاً فذكر أشياء من مكاشفات آيات السموات في قصة طويلة قال في آخرها فبلغت صفاً من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء فقلت من أنتم فقالوا نحن المحبون لله ﷿ نعبده ههنا منذ ثلثمائة ألف سنة ما خطر على قلوبنا قط سواه ولا ذكرنا غيره قال فاستحييت من أعمالي فوهبتها لمن حق عليه الوعيد تخفيفاً عنه في جهنم فإذن من عرف نفسه وعرف ربه واستحيا منه حق الحياء خرس لسانه عن التظاهر بالدعوى نعم يشهد على حبه حركاته وسكناته وإقدامه وإحجامه وتردداته كما حكي عن الجنيد أنه قال مرض أستاذنا السري ﵀ فلم نعرف لعلته دواء ولا عرفنا لها سبباً فوصف لنا طبيب حاذق فأخذ قارورة مائه فنظر إليها الطبيب وجعل ينظر إليه ملياً ثم قال لي أراه بول عاشق قال الجنيد فصعقت وغشي علي ووقعت القارورة من يدي ثم رجعت إلى السري فأخبرته فتبسم قال قاتله الله ما أبصره قلت يا أستاذ وتبين المحبة في البول قال نعم وقد قال السري مرة لو شئت أقول ما أيبس جلدي على عظمي ولا سل جسمي إلا حبه ثم غشي عليه وتدل الغشية على أنه أفصح في غلبة الوجد ومقدمات الغشية فهذه مجامع علامات الحب وثمراته ومنها الأنس والرضا كما سيأتي وبالجملة جميع محاسن الدين ومكارم الأخلاق ثمرة الحب وما لا يثمره الحب فهو إتباع الهوى وهو من رذائل الأخلاق نعم قد يحب الله لإحسانه إليه وقد يحبه لجلاله وجماله وإن لم يحسن إليه والمحبون لا يخرجون عن هذين القسمين ولذلك قال الجنيد الناس في محبة الله تعالى عام وخاص فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة نعمه فلم يتمالكوا أن أرضوه إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان فأما الخاصة فنالوا المحبة بعظم القدر والقدرة والعلم والحكمة والتفرد بالملك
عمه فلم يتمالكوا أن أرضوه إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان فأما الخاصة فنالوا المحبة بعظم القدر والقدرة والعلم والحكمة والتفرد بالملك ولما عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسنى لم يمتنعوا أن أحبوه إذ استحق عندهم المحبة بذلك لأنه أهل لها ولو أزال عنهم جميع النعم نعم من الناس من يحب هواه وعدو الله إبليس وهو مع ذلك يلبس على نفسه بحكم الغرور والجهل فيظن أنه محب لله ﷿ وهو الذي فقدت فيه هذه العلامات أو يلبس بها نفاقاً ورياءً وسمعةً وغرضه عاجل حظ الدنيا وهو يظهر من نفسه خلاف ذلك كعلماء السوء وقراء السوء أولئك بغضاء الله في أرضه وكان سهل إذا تكلم مع إنسان قال يا دوست أي يا حبيب فقيل له قد لا يكون حبيباً فكيف تقول هذا فقال في أذن القائل سراً لا يخلو إما أن يكون مؤمناً أو منافقاً فإن كان مؤمناً فهو حبيب الله ﷿ وإن كان منافقاً فهو حبيب إبليس وقد
قال أبو تراب النخشبى في علامات المحبة أبياتاً لا تخدعن فللحبيب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمه بمر بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام وبر عاجل ومن الدلائل أي ترى من عزمه ... طوع الحبيب وإن ألح العاذل ومن الدلائل أن يرى متبسماً ... والقلب فيه من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن يرى متفهماً ... لكلام من يحظى لديه السائل ومن الدلائل أن يرى متقشفاً ... متحفظاً من كل ما هو قائل وقال يحيى بن معاذ ومن الدلائل أن تراه مشمراً ... في خرقتين على شطوط الساحل ومن الدلائل حزنه ونحيبه ... جوف الظلام فما له من عاذل ومن الدلائل أن تراه مسافراً ... نحو الجهاد وكل فعل فاضل ومن الدلائل زهده فيما يرى ... من دار ذل والنعيم الزائل ومن الدلائل أن تراه باكياً ... أن قد رآه على قبيح فعائل ومن االدلائل أن تراه مسلماً ... كل الأمور إلى المليك العادل ومن الدلائل أن تراه راضياً ... بمليكه في كل حكم نازل ومن الدلائل ضحكه بين الورى ... والقلب محزون كقلب الثاكل بيان معنى الأنس بالله تعالى
مليك العادل ومن الدلائل أن تراه راضياً ... بمليكه في كل حكم نازل ومن الدلائل ضحكه بين الورى ... والقلب محزون كقلب الثاكل بيان معنى الأنس بالله تعالى
قد ذكرنا أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة إلا أن هذه آثار تختلف على المحب بحسب نظره وما يغلب عليه في وقته فإذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلا منتهى الجمال واستشعر قصوره عن الإطلاع على كنه الجلال انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه وتسمى هذه الحالة في الانزعاج شوقاً وهو بالإضافة إلى أمر غائب وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصوراً على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشر القلب بما يلاحظه فيسمى استبشاره أنساً وإن كان نظره إلى صفات العز والاستغناء وعدم المبالاة وخطر إمكان الزوال والبعد تألم القلب بهذا الاستشعار فيسمى تألمه خوفاً وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها فالأنس معناه استبشار القلب فرحه بمطالعة الجمال حتى إنه إذا غلب وتجرد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه ولذته ومن هنا نظر بعضهم حيث قيل له أنت مشتاق فقال لا إنما الشوق إلى غائب فإذا كان الغائب حاضراً فإلى من يشتاق وهذا كلام مستغرق بالفرح بما ناله غير ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة كما حكي أن إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل فقيل له من أين أقبلت فقال من الأنس بالله وذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش من غير الله بل كل
انفراد والخلوة كما حكي أن إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل فقيل له من أين أقبلت فقال من الأنس بالله وذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش من غير الله بل كل
ما يعوق عن الخلوة فيكون من أثقل الأشياء على القلب كما روي أن موسى ﵇ لما كلمه ربه مكث دهراً لا يسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغثيان لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره فيخرج من القلب عذوبة ما سواه ولذلك قال بعض الحكماء في دعائه يا من آنسني بذكره وأوحشني من خلقه وقال الله ﷿ لداود ﵇ كن لي مشتاقاً وبي متأنساً ومن سواي مستوحشاً وقيل لرابعة بم نلت هذه المنزلة قالت بتركي ما لا يعنيني وأنسي بمن لم يزل وقال عبد الواحد بن زيد مررت براهب فقلت له يا راهب لقد أعجبتك الوحدة فقال يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك الوحدة رأس العبادة فقلت يا راهب ما أقل ما تجده في الوحدة قال الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرهم قلت يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله تعالى قال إذا صفا الود وخلصت المعاملة قلت ومتى يصفو الود قال إذا اجتمع الهم فصار هما واحد في الطاعة وقال بعض الحكماء عجباً للخلائق كيف أرادوا بك بدلاً عجباً للقلوب كيف استأنست بسواك عنك فإن قلت فما علامة الأنس فاعلم أن علامته الخاصة ضيق الصدر من معاشرة الخلق والتبرم بهم واستهتاره بعذوبة الذكر فإن خالط فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة وغريب في حضر وحاضر في سفر وشاهد في غيبة وغائب في حضور مخالط بالبدن منفرد بالقلب مستغرق بعذوبة الذكر كما قال علي كرم الله وجهه في وصفهم هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعر المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه فهذا معنى الأنس بالله وهذه علامته وهذه شواهده
منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه فهذا معنى الأنس بالله وهذه علامته وهذه شواهده وقد ذهب بعض المتكلمين إلى إنكار الأنس والشوق والحب لظنه أن ذلك يدل على التشبيه وجهله بأن جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات ولذة معرفتها أغلب على ذوي القلوب ومنهم أحمد بن غالب يعرف بغلام الخليل أنكر على الجنيد وعلى أبي الحسن النوري والجماعة حديث الحب والشوق والعشق حتى أنكر بعضهم مقام الرضا وقال ليس إلا الصبر فأما الرضا فغير متصور وهذا كله كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور فظن أنه لا وجود إلا للقشر فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر مجرد ووراءه اللب المطلوب فمن لم يصل من الجوز إلا إلى قشره يظن أن الجوز خشب كله ويستحيل عنده خروج الدهن منه لا محالة وهو معذور ولكن عذره غير مقبول وقد قيل الأنس بالله لا يحويه بطال ... وليس يدركه بالحول محتال والآنسون رجال كلهم نجب ... وكلهم صفوة لله عمال بيان معنى الانبساط والإدلال الذي تثمره غلبة الأنس
اعلم أن الأنس إذا دام وغلب واستحكم ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف التغير والحجاب فإنه يثمر نوعاً من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع الله تعالى وقد يكون منكر الصورة لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الأنس ومن لم يقم في ذلك المقام ويتشبه بهم في الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر ومثاله مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى ﵇ أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل
بعد أن قحطوا سبع سنين وخرج موسى ﵇ ليستسقي لهم في سبعين ألفاً فأوحى الله ﷿ إليه كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ويأمنون مكري ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ فقل له يخرج حتى أستجيب له فسأل عنه موسى ﵇ فلم يعرف فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه فعرفه موسى ﵇ بنور الله ﷿ فسلم عليه وقال له ما اسمك فقال اسمي برخ قال فأنت طلبتنا منذ حين أخرج فاستسق لنا فخرج فقال في كلامه ما هذا من فعالك ولا هذا من حلمك وما الذى بدالك أنقصت عليك عيونك أم عاندت الرياح عن طاعتك أم نفد ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين ألست كنت غفاراً قبل خلق الخطائين خلقت الرحمة وأمرت بالعطف أم ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتجعل بالعقوبة قال فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر وأنبت الله تعالى العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب قال فرجع برخ فاستقبله موسى ﵇ فقال كيف رأيت حين خاصمت ربى كيف أنصفني فهم موسى ﵇ به فأوحى الله تعالى إليه إن برخاً يضحكني كل يوم ثلاث مرات وعن الحسن قال احترقت أخصاص بالبصرة فبقي في وسطها خص لم يحترق وأبو موسى يومئذ أمير البصرة فأخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخص قال فأتي بشيخ فقال يا شيخ ما بال خصك لم يحترق قال إني أقسمت على ربي ﷿ أن لا يحرقه فقال أبو موسى ﵁ إني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول يكون في أمتي قوم شعثة رءوسهم دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم (١) قال ووقع حريق بالبصرة فجاء أبو عبيدة الخواص فجعل يتخطى النار فقال له أمير البصرة انظر لا تحترق بالنار فقال إني أقسمت على ربي ﷿ أن لا يحرقني بالنار قال فاعزم على النار أن تطفأ قال فعزم عليها فطفئت وكان أبو حفص يمشي ذات يوم فاستقبله رستاقي مدهوش فقال له أبو حفص ما أصابك فقال ضل حماري ولا أملك غيره قال فوقف أبو حفص وقال وعزتك لا أخطو خطوة ما لم ترد عليه حماره قال فظهر حماره في الوقت ومر أبو حفص ﵀ فهذا وأمثاله يجري لذوي الأنس وليس لغيرهم أن يتشبه بهم
فوقف أبو حفص وقال وعزتك لا أخطو خطوة ما لم ترد عليه حماره قال فظهر حماره في الوقت ومر أبو حفص ﵀ فهذا وأمثاله يجري لذوي الأنس وليس لغيرهم أن يتشبه بهم قال الجنيد ﵀ أهل الأنس يقولون في كلامهم ومناجاتهم في خلواتهم أشياء هي كفر عند العامة وقال مرة لو سمعها العموم لكفروهم وهم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك وذلك يحتمل منهم ويليق بهم وإليه أشار القائل قوم تخالجهم زهو بسيدهم ... والعبد يزهو على مقدار مولاه تاهوا برؤيته عما سواه له ... يا حسن رؤيتهم في عز ما تاهوا ولا تستبعدون رضاه عن العبد بما يغضب به على غيره مهما اختلف مقامهما ففي القرآن تنبيهات على هذه المعاني لو فطنت وفهمت فجميع قصص القرآن تنبيهات لأولي البصائر والأبصار حتى ينظروا إليها بعين الاعتبار فإنما هي عند ذوي الاعتبار من الأسماء فأول القصص قصة آدم ﵇ وإبليس أما تراهما كيف اشتركا في اسم المعصية والمخالفة ثم تباينا في الاجتباء والعصمة أما إبليس فأبلس عن رحمته وقيل إنه من المبعدين وأما آدم ﵇ فقيل فيه وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
خالفة ثم تباينا في الاجتباء والعصمة أما إبليس فأبلس عن رحمته وقيل إنه من المبعدين وأما آدم ﵇ فقيل فيه وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
وقد عاتب الله نبيه ﷺ في الإعراض عن عبد والإقبال على عبد وهما في العبودية سيان ولكن في الحال مختلفان فقال وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى وقال فى الآخرة أما من استغنى فأنت له تصدى وكذلك أمره بالقعود مع طائفة فقال ﷿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم وأمره بالإعراض عن غيرهم فقال وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى قال فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمبن وقال تَعَالَى وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي فكذلك الانبساط والإدلال يحتمل من بعض العباد دون بعض فمن انبساط الأنس قول موسى ﵇ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء وقوله في التعليل والاعتذار لما قيل له اذهب إلى فرعون ﴿فقال﴾ ولهم على ذنب وقوله إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني وقوله إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى وهذا من غير موسى ﵇ من سوء الأدب لأن الذي أقيم مقام الأنس يلاطف ويحتمل ولم يحتمل ليونس ﵇ ما دون هذا لما أقيم مقام القبض والهيبة فعوقب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث ونودي عليه إلى يوم القيامة لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم قال الحسن العراء هو القيامة ونهى نبينا ﷺ أن يقتدى به وقيل له فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم وهذه الاختلافات بعضها لاختلاف الأحوال والمقامات وبعضها لما سبق في الأزل من التفاضل والتفاوت في القسمة بين العباد وقد قال تعالى ولقد فضلنا بعض النبين على بعض وقد قال منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات فكان عيسى ﵇ من المفضلين ولإدلاله سلم على نفسه فقال والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً وهذا انبساط منه لما شاهد من اللطف في مقام الأنس وأما يحيى بن زكريا ﵇ فإنه أقيم مقام الهيبة والحياء فلم ينطق حتى أثنى عليه خالقه فقال وسلام عليه
حياً وهذا انبساط منه لما شاهد من اللطف في مقام الأنس وأما يحيى بن زكريا ﵇ فإنه أقيم مقام الهيبة والحياء فلم ينطق حتى أثنى عليه خالقه فقال وسلام عليه وانظر كيف احتمل لأخوة يوسف ما فعلوه بيوسف وقد قال بعض العلماء قد عددت من أول قوله تعالى إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا إلى رأس العشرين من إخباره تعالى عن زهدهم فيه نيفاً وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض وقد يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث والأربع فغفر لهم وعفا عنهم ولم يحتمل العزير في مسألة واحدة سأل عنها في القدر حتى قيل مُحِيَ من ديوان النبوة وكذلك كان بلعام بن باعوراء من أكابر العلماء فأكل الدنيا بالدين فلم يحتمل له ذلك وكان آصف من المسرفين وكانت معصيته في الجوارح فعفا عنه فقد روي أن الله تعالى أوحى إلى سليمان ﵇ يا رأس العابدين ويا ابن محجة الزاهدين إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف وأنا أحلم عليه مرة بعد مرة فوعزتى وجلالي لئن أخذته عصفة من عصفاتي عليه لأتركنه مثلة لمن معه ونكالاً لمن بعده فلما دخل آصف على سليمان ﵇ أخبره بما أوحى الله تعالى إليه فخرج حتى علا كثيباً من رمل ثم رفع رأسه ويديه نحو السماء وقال إلهي وسيدي أنت أنت وأنا وأنا فكيف أتوب إن لم تتب علي وكيف أستعصم إن لم تعصمني لأعودن فأوحى الله تعالى إليه صدقت يا آصف أنت أنت وأنا وأنا أستقبل التوبة وقد تبت عليك وأنا التواب الرحيم وهذا كلام مدل به عليه وهارب منه إليه وناظر به إليه
وفي الخبر إن الله تعالى أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة كم من ذنب واجهتني به غفرته لك قد أهلكت في دونه أمة من الأمم فهذه سنة الله تعالى في عباده بالتفضيل والتقديم والتأخير على ما سبقت به المشيئة الأزلية وهذه القصص وردت في القرآن لتعرف بها سنة الله في عباده الذين خلوا من قبل فما في القرآن شيء إلا وهو هدى ونور وتعرف من الله تعالى إلى خلقه فتارة يتعرف إليهم بالتقديس فيقول قل هو الله أحد الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كفواً أحد وتارة يتعرف إليهم بصفات جلاله فيقول الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المتكبر وتارة يتعرف إليهم في أفعاله المخوفة والمرجوة فيتلو عليهم سنته في أعدائه وفي أنبيائه فيقول ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ولايعدو القرآن هذه الأقسام الثلاثة وهي الإرشاد إلى معرفة ذات الله وتقديسه أو معرفة صفاته وأسمائه أو معرفة أفعاله وسنته مع عباده ولما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس وازنها رسول الله ﷺ بثلث القرآن فقال من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن (١) حديث دعائه لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل متفق عليه دون قوله وعلمه التأويل ورواه أحمد بهذه الزيادة وتقدم في العلم
القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما ورد في فضيلته
علمه التأويل متفق عليه دون قوله وعلمه التأويل ورواه أحمد بهذه الزيادة وتقدم في العلم
القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما ورد في فضيلته
اعلم أن الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين وحقيقته غامضة على الأكثرين وما يدخل عليه من التشابه والإبهام غير منكشف إلا لمن علمه الله تعالى التأويل وفهمه وفقهه في الدين فقد أنكر منكرون تصور الرضا بما يخالف الهوى ثم قالوا إن أمكن الرضا بكل شيء لأنه فعل الله فينبغى أن يرضى بالكفر والمعاصى وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك الاعتراض والإنكار من باب التسليم لقضاء الله تعالى ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول الله ﷺ لابن عباس حيث قال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل فلنبدأ ببيان فضيلة الرضا ثم بحكايات أحوال الراضين
ثم نذكر حقيقة الرضا وكيفية تصوره فيما يخالف الهوى ثم نذكر ما يظن أنه من تمام الرضا وليس منه كترك الدعاء والسكوت على المعاصي بيان فضيلة الرضا
أما من الآيات فقوله تعالى ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ وقد قال تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى
ت فقوله تعالى ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ وقد قال تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى
وقال تعالى ﴿ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر﴾ فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن كما رفع ذكره فوق الصلاة حيث قال ﴿إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ فكما أن مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة بل هو غاية مطلب سكان الجنان وفي الحديث إن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول سلوني فيقولون رضاك (١) فسؤالهم الرضا بعد النظر نهاية التفضيل وأما رضا العبد فسنذكر حقيقته وأما رضوان الله تعالى عن العبد فهو بمعنى آخر يقرب مما ذكرناه في حب الله للعبد ولا يجوز أن يكشف عن حقيقته إذ تقصر أفهام الخلق عن دركه ومن يقوى عليه فيستقل بإدراكه من نفسه وعلى الجملة فلا رتبة فوق النظر إليه فإنما سألوه الرضا لأنه سبب دوام النظر فكأنهم رأوه غاية الغايات وأقصى الأماني لما ظفروا بنعيم النظر فلما أمروا بالسؤال لم يسألوا إلا دوامه وعلموا أن الرضا هو سبب دوام رفع الحجاب وقال الله تعالى ﴿ولدينا مزيد﴾ قال بعض المفسرين يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين أحداها هدية من عند الله تعالى ليس عندهم في الجنان مثلها فذلك قَوْلِهِ تَعَالَى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لهم من قرة عين والثانية السلام عليهم من ربهم فيزيد ذلك على الهدية فضلاً وهو قوله تعالى ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ والثالثة يقول الله تعالى إني عنكم راض فيكون ذلك أفضل من الهدية والتسليم فذلك قوله تعالى ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ أي من النعيم الذي هم فيه فهذا فضل رضا الله تعالى وهو ثمرة رضا العبد
عنكم راض فيكون ذلك أفضل من الهدية والتسليم فذلك قوله تعالى ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ أي من النعيم الذي هم فيه فهذا فضل رضا الله تعالى وهو ثمرة رضا العبد وأما من الأخبار فقد رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سأل طائفة من أصحابه ما أنتم فقالوا مؤمنون فقال ما علامة إيمانكم فقالوا نصبر على البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء فقال مؤمنون ورب الكعبة (٢) وفي خبر آخر أنه قال حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء (٣) وفي الخبر طوبى لمن هدي للإسلام وكان رزقه كفافاً ورضي بِهِ (٤) وَقَالَ ﷺ مَنْ رضي من الله تعالى بالقليل من الرزق رضي الله تعالى منه بالقليل من العمل (٥) وقال أيضاً إذا أحب الله تعالى عبداً ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه وقال أيضاً إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى
الجنان يسرحون فيها ويتنعمون فيها كيف شاءوا فتقول لهم الملائكة هل رأيتم الحساب فيقولون ما رأينا حساباً فتقول لهم هل جزتم الصراط فيقولون ما رأينا صراطاً فتقول لهم هل رأيتم جهنم فيقولون ما رأينا شيئاً فتقول الملائكة من أمة من أنتم فيقولون من أمة محمد ﷺ فتقول ناشدناكم الله حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا فيقولون خصلتان كانتا فينا فبلغنا هذه المنزلة بفضل رحمة الله فيقولون وماهما فيقولون كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ونرضى باليسير مما قسم لنا فتقول الملائكة يحق لكم هذا (١) وَقَالَ ﷺ يَا مَعْشَرَ الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا (٢) وفي أخبار موسى ﵇ إن بني إسرائيل قالوا له سل لنا ربك أمراً إذا نحن فعلناه يرضى به عنا فقال موسى ﵇ إلهي قد سمعت ما قالوا فقال يا موسى قل لهم يرضون عنى حتى أرضى عنهم ويشهد لهذا ما روي عن نبينا ﷺ أنه قال من أحب أن يعلم ماله عند الله ﷿ فلينظر ما لله ﷿ عنده فإن الله ﵎ ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه (٣) حديث قال الله أنا الله لا إله إلا أنا من لم يصبر على بلائي الحديث أخرجه الطبرانى في الكبير وابن حبان في الضعفاء من حديث أبى هند الدارى مقتصرا على قوله من لم يرض بقضائى ويصبر على بلائى فليلتمس ربا سواى وإسناده ضعيف (٤) وفي الخبر المشهور يقول الله تعالى خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه وويل ثم ويل لمن قال لم وكيف (٥) وفي الأخبار السالفة أن نبياً من الأنبياء شكا إلى الله ﷿ الجوع والفقر والقمل عشر سنين فما أجيب إلى ما أراد ثم أوحى الله تعالى إليه كم تشكو هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات
شكا إلى الله ﷿ الجوع والفقر والقمل عشر سنين فما أجيب إلى ما أراد ثم أوحى الله تعالى إليه كم تشكو هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات
والأرض وهكذا سبق لك مني وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب ويكون ما تريد فوق ما أريد وعزتي وجلالي لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة وروي أن آدم ﵇ كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه من ينزل على أضلاعه كذلك وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه فقال له بعض ولده يا أبت أما ترى ما يصنع هذا بك لو نهيته عن هذا فقال يا بني إني رأيت ما لم تروا وعلمت ما لم تعلموا إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ومن دار النعيم إلى دار الشقاء فأخاف أن أتحرك أخرى فيصيبنى مالا أعلم وقال أنس بن مالك ﵁ خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته ولا قال في شيء كان ليته لم يكن ولا في شيء لم يكن ليته كان وكان إذا خاصمني مخاصم من أهله يقول دعوه لو قضي شيء لكان (١) ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇ يا داود إنك تريد وأريد وإنما يكون ما أريد فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد وأما الآثار فقد قال ابن عباس ﵄ أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله تعالى على كل حال وقال عمر بن عبد العزيز ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر وقيل له ما تشتهي فقال ما يقضي الله وقال ميمون بن مهران من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء وقال الفضيل إن لم تصبر على تقدير الله لم تصبر على تقدير نفسك وقال عبد العزيز بن أبي رواد ليس الشأن في أكل خبز الشعير والخل ولا في لبس الصوف والشعر ولكن الشأن في الرضا عن الله ﷿ وقال عبد الله بن مسعود لأن الحس جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحب إلي من أن أقول لشئ كان ليته لم يكن أو لشيء لم يكن ليته كان
ن في الرضا عن الله ﷿ وقال عبد الله بن مسعود لأن الحس جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحب إلي من أن أقول لشئ كان ليته لم يكن أو لشيء لم يكن ليته كان ونظر رجل إلى قرحة في رجل محمد بن واسع فقال إني لأرحمك من هذه القرحة فقال إني لأشكرها منذ خرجت إذ لم تخرج في عيني وروي في الإسرائيليات أن عابداً عبد الله دهراً طويلاً فأري في المنام فلانة الراعية رفيقتك في الجنة فسأل عنها إلى أن وجدها فاستضافها ثلاثاً لينظر إلى عملها فكان يبيت قائماً وتبيت نائمة ويظل صائما وتظل مفطرة فقال أما لك عمل غير ما رأيت فقالت ماهو والله إلا ما رأيت لا أعرف غيره فلم يزل يقول تذكري حتى قالت خصيلة واحدة هي في إن كنت في شدة لم أتمن أن أكون في رخاء وإن كنت في مرض لم أتمن أن أكون في صحة وإن كنت في الشمس لم أتمن أن أكون في الظل فوضع العابد يده على رأسه وقال أهذه خصيلة هذه والله خصلة عظيمة يعجز عنها العباد وعن بعض السلف أن الله تعالى إذا قضى في السماء قضاء أحب من أهل الأرض أن يرضوا بقضائه وقال أبو الدرداء ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر وقال عمر ﵁ ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت من شدة أو رخاء وقال الثوري يوماً عند رابعة اللهم ارض عني فقالت أما تستحي من الله أن تسأله الرضا وأنت عنه غير راض فقال أستغفر الله فقال جعفر بن سليمان الضبعي فمتى يكون العبد راضياً عن الله
تعالى قالت إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة وكان الفضيل يقول إذا استوى عنده المنع والعطاء فقد رضي عن الله تعالى وقال أحمد بن أبي الحواري قال أبو سليمان الداراني إن الله ﷿ من كرمه قد رضي من عبيده بما رضي العبيد من مواليهم قلت وكيف ذاك قال أليس مراد العبد من الخلق أن يرضى عنه مولاه قلت نعم قال فإن محبة الله من عبيده أن يرضوا عنه وقال سهل حظ العبيد من اليقين على قدر حظهم من الرضا وحظهم من الرضا على قدر عيشهم مع الله ﷿ وقد قال النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ ﷿ بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الغم والحزن في الشك والسخط (١) بيان حقيقة الرضا وتصوره فيما يخالف الهوى
اعلم أن من قال ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأما الرضا فلا يتصور فإنما أتى من ناحية إنكار المحبة فأما إذا ثبت تصور الحب لله تعالى واستغراق الهم به فلا يخفى أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب ويكون ذلك من وجهين ﴿أحدهما﴾ أن يبطل الإحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمها ومثاله الرجل المحارب فإنه في حال غضبه أو في حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بألم ذلك لشغل قلبه بل الذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألم به فإن كان مشغول القلب بمهم من مهماته فرغ المزين والحجام وهو لا يشعر به وكل ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقاً بأمر من الأمور مستوفى به لم يدرك ما عداه فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة معشوقه أو بحبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم له لولا عشقه ثم لا يدرك غمه وألمه لفرط استيلاء الحب على قلبه هذا إذا أصابه من غير حبيبه فكيف إذا أصابه من حبيبه وشغل القلب بالحب والعشق من أعظم الشواغل وإذا تصور هذا في ألم يسير بسبب حب خفيف تصور في الألم العظيم بالحب العظيم فإن الحب أيضاً يتصور تضاعفه في القوة كما يتصور تضاعف الألم وكما يقوى حب الصور الجميلة المدركة بحاسة البصر فكذا يقوى حب الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة وجمال حضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال ولا جلال فمن ينكشف له شيء منه فقد يبهره بحث يدهش ويغشى عليه فلا يحس مما يجري عليه
نة المدركة بنور البصيرة وجمال حضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال ولا جلال فمن ينكشف له شيء منه فقد يبهره بحث يدهش ويغشى عليه فلا يحس مما يجري عليه فقد روي أن امرأة فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها أما تجدين الوجع فقالت إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه وكان سهل رحمه الله تعالى به علة يعالج غيره منها ولا يعالج نفسه فقيل له في ذلك فقال يا دوست ضرب الحبيب لا يوجع وأما الوجه الثاني فهو أن يحس به ويدرك ألمه ولكن يكون راضياً به بل راغباً فيه مريداً له أعني بعقله وإن كان كارهاً بطبعه كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة فإنه يدرك ألم ذلك إلا انه راض به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد به منة بفعله فهذا حال الراضي بما يجري عليه من الألم وكذلك كل من يسافر في طلب الربح يدرك مشقة السفر ولكن حبه لثمرة سفره طيب عنده مشقة السفر وجعله راضياً بها ومهما أصابه بلية من الله تعالى وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته رضي به ورغب فيه وأحبه وشكر الله عليه هذا إن كان
يلاحظ الثواب والإحسان الذي يجازى به عليه ويجوز أن يغلب الحب بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه ورضاء لا لمعنى آخر وراءه فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوباً عنده ومطلوباً وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق وقد تواصفها المتواصفون في نظمهم ونثرهم ولا معنى له إلا ملاحظة جمال الصورة الظاهرة بالبصر فإن نظر إلى الجمال فما هو إلا جلد ولحم ودم مشحون بالأقذار والأخباث بدايته من نطفة مذرة ونهايته جيفة قذرة وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة وإن نظر إلى المدرك للجمال فهي العين الخسيسة التي تغلط فيما ترى كبيراً فترى الصغير كبيراً والكبير صغيراً والبعيد قريباً والقبيح جميلاً فإذا تصور استيلاء هذا الحب فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال الأزلي الأبدي الذي لا منتهى لكماله المدرك بعين البصيرة التي لا يعتريها الغلط ولا يدور بها الموت بل تبقى بعد الموت حية عند الله فرحة برزق الله تعالى مستفيدة بالموت مزيد تنبيه واستكشاف فهذا أمر واضح من حيث النظر بعين الاعتبار ويشهد لذلك الوجود وحكايات أحوال المحبين وأقوالهم
لله فرحة برزق الله تعالى مستفيدة بالموت مزيد تنبيه واستكشاف فهذا أمر واضح من حيث النظر بعين الاعتبار ويشهد لذلك الوجود وحكايات أحوال المحبين وأقوالهم فقد قال شقيق البلخي من يرى ثواب الشدة لا يشتهي المخرج منها وقال الجنيد سألت سرياً السقطي هل يجد المحب ألم البلاء قال لا قلت وإن ضرب بالسيف قال نعم وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة ضربة على ضربة وقال بعضهم أحببت كل شيء يحبه حتى لو أحب النار أحببت دخول النار وقال بشر بن الحارث مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس فتبعته فقلت له لم ضربت فقال لأني عاشق فقلت له ولم سكت قال لأن معشوقي كان بحذائي ينظر إلي فقلت فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال فزعق زعقة خر ميتا وقال يحي بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى ذهبت عيونهم في قلوبهم من لذة النظر إلى الله تعالى ثمانمائة سنة لا ترجع إليهم فما ظنك بقلوب وقعت بين جماله وجلاله إذا لاحظت جلاله هابت وإذا لاحظت جماله تاهت وقال بشر قصدت عبادان في بدايتي فإذا برجل أعمى مجذوم مجنون قد صرع والنمل يأكل لحمه فرفعت رأسه فوضعته في حجري وأنا أردد الكلام فلما أفاق قال من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي لو قطعني إرباً إرباً ما ازددت له إلا حباً قال بشر فما رأيت بعد ذلك نقمة بين عبد وبين ربه فأنكرتها وقال أبو عمرو محمد بن الأشعث إن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء إلا النظر إلى وجه يوسف الصديق ﵇ كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجهه فشغلهم جماله عن الإحساس بألم الجوع بل في القرآن ما هو أبلغ من ذلك وهو قطع النسوة أيديهن لاستهتارهن بملاحظة جماله حتى ما أحسسن بذلك وقال سعيد بن يحيى رأيت بالبصرة في خان عطاء بن مسلم شاباً وفي يده مدية وهو ينادي بأعلى صوته والناس حوله وهو يقول يوم الفراق من القيامة أطول ... والموت من ألم التفرق أجمل قالوا الرحيل فقلت لست براحل ... لكن مهجتي التي تترحل ثم بقر بالمدية بطنه وخر ميتاً فسألت عنه وعن أمره فقيل لي إنه كان يهوى فتى لبعض الملوك حجب عنه يوماً واحداً
يل فقلت لست براحل ... لكن مهجتي التي تترحل ثم بقر بالمدية بطنه وخر ميتاً فسألت عنه وعن أمره فقيل لي إنه كان يهوى فتى لبعض الملوك حجب عنه يوماً واحداً ويروى أن يونس ﵇ قال لجبريل دلني على أعبد أهل الأرض فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه وذهب ببصره فسمعه وهو يقول إلهي متعتني بهما ما شئت أنت وسلبتني ما شئت أنت وأبقيت لي فيك الأمل يا بر يا وصول ويروى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه اشتكى له ابن فاشتد
وجده عليه حتى قال بعض القوم لقد خشينا على هذا الشيخ إن حدث بهذا الغلام حدث فمات الغلام فخرج ابن عمر في جنازته وما رجل أشد سروراً أبداً منه فقيل له في ذلك فقال ابن عمر إنما كان حزني رحمة له فلما وقع أمر الله رضينا به وقال مسروق كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك فالديك يوقظهم للصلاة والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل لهم خباءهم والكلب يحرسهم قال فجاء الثعلب فأخذ الديك فحزنوا له وكان الرجل صالحاً فقال عسى أن يكون خيراً ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله فحزنوا عليه فقال الرجل عسى أن يكون خيراً ثم أصيب الكلب بعد ذلك فقال عسى أن يكون خيراً ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من حولهم وبقوا هم قال وإنما أخذوا أولئك لما كان عندهم من أصوات الكلاب والحمير والديكة فكانت الخيرة لهؤلاء في هلاك هذه الحيوانات كما قدره الله تعالى فإذن من عرف خفي لطف الله تعالى رضي بفعله على كل حال ويروى أن عيسى ﵇ مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بفالج وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول الحمد لله الذي عافاني مما ابتلي به كثيراً من خلقه فقال له عيسى يا هذا أي شيء من البلاء أراه مصروفاً عنك فقال يا روح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته فقال له صدقت هات يدك فناوله يده فإذا هو أحسن الناس وجهاً وأفضلهم هيئة وقد أذهب الله عنه ما كان به فصحب عيسى ﵇ وتعبد معه وقطع عروة بن الزبير رجله من ركبته من أكلة خرجت بها ثم قال الحمد لله الذي أخذ مني واحدة وليت لئن كنت أخذت لقد أبقيت ولئن كنت ابتليت لقد عافيت ثم لم يدع ورده تلك الليلة وكان ابن مسعود يقول الفقر والغنى مطيبتان ما أبالي أيتهما ركبت إن كان الفقر فإن فيه الصبر وإن كان الغنى فإن فيه البذل وقال أبو سليمان الداراني قلت قد نلت من كل مقام حالاً إلا الرضا فمالى منه إلا مشام الريح وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار كنت بذلك راضياً
أبو سليمان الداراني قلت قد نلت من كل مقام حالاً إلا الرضا فمالى منه إلا مشام الريح وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار كنت بذلك راضياً وقيل لعارف آخر هل نلت غاية الرضا عنه فقال أما الغاية فلا ولكن مقام الرضا قد نلته لو جعلني جسراً على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة ثم ملأ بي جهنم تحلة لقسمه وبدلاً من خليقته لأحببت ذلك من حكمه ورضيت به من قسمه وهذا كلام من علم أن الحب قد استغرق همه حتى منعه الإحساس بألم النار فإن بقي إحساس فيغمره ما يحصل من لذته في استشعاره حصول رضا محبوبه بإلقائه إياه في النار واستيلاء هذه الحالة غير محال في نفسه وإن كان بعيداً من أحوالنا الضعيفة ولكن لا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم أحوال الأقوياء ويظن أن ما هو عاجز عنه يعجز عنه الأولياء وقال الروذباري قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي قول فلان وددت أن جسدي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاعوه ما معناه فقال يا هذا إن كان هذا من طريق التعظيم والإجلال فلا أعرف وإن كان هذا من طريق الإشفاق والنصح للخلق فأعرف قال ثم غشي عليه وقد كان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء فجعل يبكي لما يراه من حاله فقال لم تبكي قال لأني أراك على هذه الحالة العظيمة قال لا تبك فإن أحبه إلى الله تعالى أحبه إلي ثم قال أحدثك شيئاً لعل الله أن ينفعك به واكتم علي حتى أموت إن الملائكة تزورني فآنس بها وتسلم علي فأسمع تسليمها فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة إذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة فمن يشاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضياً به قال ودخلنا على سوبد بن متعبه نعوده فرأيناه ثوباً ملقى فما ظننا أن تحته شيئاً حتى كشف فقالت له امرأته أهلي
ن يشاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضياً به قال ودخلنا على سوبد بن متعبه نعوده فرأيناه ثوباً ملقى فما ظننا أن تحته شيئاً حتى كشف فقالت له امرأته أهلي
فداؤك ما نطعمك ما نسقيك فقال طالت الضجعة ودبرت الحراقيف وأصبحت نضواً لا أطعم طعاماً ولا أسيغ شراباً منذ كذا فذكر أياماً وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر ولما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا وكان مجاب الدعوة قاله عبد الله بن السائب فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال أنت قارئ أهل مكة قلت نعم فذكر قصة قال في آخرها فقلت له يا عم أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك فتبسم وقال يا بني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري وضاع لبعض الصوفية ولد صغير ثلاثة أيام لم يعرف له خبر فقيل له لو سألت الله تعالى أن يرده عليك فقال اعتراضي عليه فيما قضي أشد علي من ذهاب ولدي وعن بعض العباد أنه قال إني أذنبت ذنباً عظيماً فأنا أبكي عليه منذ ستين سنة وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من الذنب فقيل له وما هو قال قلت مرة لشيء كان ليته لم يكن وقال بعض السلف لو قرض جسمي بالمقاريض لكان أحب إلي من أن أقول لشيءقضاه الله تعالى سبحانه ليته لم يقضه وقيل لعبد الواحد بن زيد ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة فقصده فقال له يا حبيبي أخبرني عنك هل قنعت به قال لا قال أنست به قال لا قال فهل رضيت عنه قال لا قال فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة قال نعم قال لولا أني أستحيي منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة ومعناه أنك لم يفتح لك باب القلب فتترقى إلى درجات القرب بأعمال القلب وإنما أنت تعد في طبقات أصحاب اليمين لأن مزيدك منه في أعمال الجوارح التى هى مزيد أهل العموم ودخل جماعة من الناس على الشبلي رحمه الله تعالى في مارستان قد حبس فيه وقد جمع بين يديه حجارة فقال من أنتم فقالوا محبوك فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة فتهاربوا فقال ما بالكم ادعيتم محبتي إن صدقتم فاصبروا على بلائي وللشبلي رحمه الله تعالى إن المحبة للرحمن أسكرني ... وهل رأيت محباً غير سكران



