— Bagian 83 · أخاف أني أتيت شيئا حسبته هيناً وهو عند الله عظيم —
Bagian 83
أخاف أني أتيت شيئا حسبته هيناً وهو عند الله عظيم ولما حضرت عامر بن عبد القيس الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال ما أبكى جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا ولكن ابكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر وعلى قيام الليل في الشتاء ولما حضرت فضيلا الوفاة غشي عليه ثم فتح عينيه وقال وابعد سفراه واقلة زاده ولما حضرت ابن المبارك الوفاة قال لنصر مولاه اجعل رأسي على التراب فبكى نصر فقال له ما يبكيك قال ذكرت ما كنت فيه من النعيم وأنت هو ذا تموت فقيرا غريبا قال اسكت فإني سألت الله تعالى أن يحييني حياة الأغنياء وأن يميتني موت الفقراء ثم قال له لقنى ولا تعد علي ما لم أتكلم بكلام ثان وقال عطاء بن يسار تبدى إبليس لرجل عند الموت فقال له نجوت فقال ما آمنك بعد وبكى بعضهم عند الموت فقيل له ما يبكيك آية في كتاب الله تعالى قوله ﷿ ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ ودخل الحسن ﵁ على رجل يجود بنفسه فقال إن أمرا هذا أوله لجدير أن يتقي آخره وإن أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله وقال الجريري كنت عند الجنيد في حال نزعه وكان يوم الجمعة ويوم النيروز وهو يقرأ القرآن فختم فقلت له في الحالة يا أبا القاسم فقال ومن أولى بذلك مني وهو ذا تطوى صحيفتى وقال رويم حضرت وفاة أبي سعيد الخراز وهو يقول حنين قلوب العارفين إلى الذكر ... وتذكارهم وقت المناجاة للسر أديرت كؤوس للمنايا عليهم ... فأغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي الشكر همومهم جوالة بمعسكر ... به أهل ود الله كالأنجم الزهر فأجسامهم في الأرض قتلى بحبه ... وأرواحهم في الحجب نحو العلا تسري فما عرسوا إلا بقرب حبيبهم ... وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر وقيل للجنيد إن أبا سعيد الخزاز كان كثير التواجد عند الموت فقال لم يكن بعجب أن تطير روحه اشتياقا وقيل لذي النون عند موته ما تشتهي قال أن أعرفه قبل موتي بلحظة وقيل لبعضهم وهو في النزع قل الله فقال إلى متى تقولون الله وأنا محترق بالله
روحه اشتياقا وقيل لذي النون عند موته ما تشتهي قال أن أعرفه قبل موتي بلحظة وقيل لبعضهم وهو في النزع قل الله فقال إلى متى تقولون الله وأنا محترق بالله وقال بعضهم كنت عند ممشاد الدينوري فقدم فقيرا وقال السلام عليكم هل هنا موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه قال فأشاروا إليه بمكان وكان ثم عين ماء فجدد الفقير الوضوء وركع ما شاء الله ومضى إلى ذلك المكان ومد رجليه ومات وكان أبو عباس الدينوري يتكلم في مجلسه فصاحت امرأة تواجدا فقال لها موتى فقامت المرأة فلما بلغت الدار التفتت إليه وقالت قد مت ووقعت ميتة ويحكى عن فاطمة أخت أبي علي الروذباري قالت لما قرب أجل أبي علي الروذباري وكان رأسه في حجري فتح عينيه وقال هذه أبواب السماء قد فتحت وهذه الجنان قد زينت وهذا قائل يقول يا أبا علي قد بلغناك الرتبة القصوى وإن لم تردها ثم أنشا يقول وحقك لا نظرت إلى سواكا ... بعين مودة حتى أراكا أراك معذبي بفتور لحظ ... وبالخد المورد من حياكا وقيل للجنيد قل لا إله إلا الله فقال ما نسيته فأذكره وسأل جعفر بن نصير بكران أن الدينوري خادم الشبلي ما الذي رأيت منه فقال قال على درهم مظلمة وتصدقت عن صاحبه بألوف فما على قلبي شغل أعظم منه ثم
ه فأذكره وسأل جعفر بن نصير بكران أن الدينوري خادم الشبلي ما الذي رأيت منه فقال قال على درهم مظلمة وتصدقت عن صاحبه بألوف فما على قلبي شغل أعظم منه ثم
قال وضئني للصلاة ففعلت فنسيت تخليل لحيته وقد أمسك على لسانه فقبض على يدي وأدخلها في لحيته ثم مات فبكى جعفر وقال ما تقولون في رجل لم يفته في آخر عمره أدب من آداب الشريعة وقيل لبشر بن الحارث لما احتضر وكان يشق عليه كأنك تحب الحياة فقال القدوم على الله شديد وقيل لصالح بن مسمار ألا توصي بابنك وعيالك فقال إني لأستحي من الله أن أوصي بهم إلى غيره ولما احتضر أبو سليمان الداراني أتاه أصحابه فقالوا أبشر فإنك تقدم على رب غفور رحيم فقال لهم ألا تقولون احذر فإنك تقدم على رب يحاسبك بالصغير ويعاقبك بالكبير ولما احتضر أبو بكر الواسطي قيل له أوصنا فقال احفظوا مراد الحق فيكم واحتضر بعضهم فبكت امرأته فقال لها ما يبكيك فقالت عليك أبكي فقال إن كنت باكية فابكي على نفسك فلقد بكيت لهذا اليوم أربعين سنة وقال الجنيد دخلت على سري السقطي أعوده في مرض موته فقلت كيف تجدك فأنشأ يقول كيف أشكو إلى طبيبي ما بي ... والذي بي أصابني من طبيبي فأخذت المروحة لأروحه فقال كيف ريح المروحة يجد من جوفه يحترق ثم أنشأ يقول القلب محترق والدمع مستبق ... والكرب مجتمع والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والشوق والقلق يا رب إن يك شيء فيه لي فرج ... فامنن على به ما دام بي رمق وحكي أن قوماً من أصحاب الشبلي دخلوا عليه وهو في الموت فقالوا له قل لا إله إلا الله فأنشأ يقول إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج وجهك المأمول حجتنا ... يوم يأتي الناس بالحجج لا أتاح الله لي فرجا ... يوم أدعو منك بالفرج وحكى أن أبا العباس بن عطاء دخل على الجنيد في وقت نزعه فسلم عليه فلم يجبه ثم أجاب بعد ساعة وقال أعذرني فإني كنت في وردى ثم ولى وجهه إلى القبلة وكبر ومات وقيل للكناني لما حضرته الوفاة ما كان عملك فقال لو لم يقرب أجلي ما أخبرتكم به وقفت على باب قلبي أربعين سنة فكلما مر فيه غير الله حجبته عنه
ة وكبر ومات وقيل للكناني لما حضرته الوفاة ما كان عملك فقال لو لم يقرب أجلي ما أخبرتكم به وقفت على باب قلبي أربعين سنة فكلما مر فيه غير الله حجبته عنه وحكى عن المعتمر قال كنت فيمن حضر الحكم بن عبد الملك حين جاءه الحق فقلت اللهم هون عليه سكرات الموت فإنه كان وكان فذكرت محاسنه فأفاق فقال من المتكلم فقلت أنا فقال إن ملك الموت ﵇ يقول لي إني بكل سخي رفيق ثم طفئ ولما حضرت يوسف بن أسباط الوفاة شهده حذيفة فوجده قلقا فقال يا أبا محمد هذا أوان القلق والجزع فقال يا أبا عبد الله وكيف لا أقلق ولا أجزع وإني لا أعلم أني صدقت الله في شيء من عملي فقال حذيفة واعجباه لهذا الرجل الصالح يخلف عند موته أنه لا يعلم أنه صدق الله في شيء من عمله وعن المغازلي قال دخلت على شيخ لي من أصحاب هذه الصفة وهو عليل وهو يقول يمكنك أن تعمل ما تريد فارفق بي ودخل بعض المشايخ على ممشاد الدينوري في وقت وفاته فقال له فعل الله تعالى وصنع من باب الدعاء فضحك ثم قال منذ ثلاثين سنة تعرض على الجنة بما فيها فما أعرتها طرفي وقيل لرويم عند الموت قل لا إله إلا الله فقال لا أحسن غيره ولما حضرت الثوري الوفاة قيل له قل لا إله إلا الله فقال أليس ثم أمر ودخل المزني على الشافعي رحمة الله عليهما في مرضه الذي توفي فيه فقال له كيف أصبحت
يا أبا عبد الله فقال أصبحت من الدنيا راحلا وللإخوان مفارقا ولسوء عملي ملاقيا ولكأس المنية شاربا وعلى الله تعالى واردا ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها ثم أنشأ يقول ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما ولولاك لم يغوي بإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيك آدما ولما حضرت أحمد بن خضروية الوفاة سئل عن مسئلة فدمعت عيناه وقال يا بني باب كنت أدقه خمسا وتسعين سنة هو ذا يفتح الساعة لي لا أدري أيفتح بالسعادة أو الشقاوة فآن لي أوان الجواب فهذه أقاويلهم وإنما اختلفت بحسب اختلاف أحوالهم فغلب على بعضهم الخوف وعلى بعضهم الرجاء وعلى بعضهم الشوق والحب فتكلم كل واحد منهم على مقتضى حاله والكل صحيح بالإضافة إلى أحوالهم الباب السادس في أقاويل العارفين على الجنائز والمقابر وحكم زيارة القبور أعلم أَنَّ الْجَنَائِزَ عِبْرَةٌ لِلْبَصِيرِ وَفِيهَا تَنْبِيهٌ وَتَذْكِيرٌ لِأَهْلِ الْغَفْلَةِ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُهُمْ مُشَاهَدَتُهَا إِلَّا قساوة لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَبَدًا إِلَى جِنَازَةِ غَيْرِهِمْ يَنْظُرُونَ وَلَا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ لَا مَحَالَةَ عَلَى الْجَنَائِزِ يُحْمَلُونَ أَوْ يَحْسَبُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ عَلَى الْقُرْبِ لَا يَقَدِّرُونَ وَلَا يَتَفَكَّرُونَ أَنَّ الْمَحْمُولِينَ على الجنائز هكذا كانوا يَحْسَبُونَ فَبَطَلَ حُسْبَانُهُمْ وَانْقَرَضَ عَلَى الْقُرْبِ زَمَانُهُمْ فَلَا يَنْظُرُ عَبْدٌ إِلَى جِنَازَةٍ إِلَّا وَيُقَدِّرُ نَفْسَهُ مَحْمُولًا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا عَلَى الْقُرْبِ وَكَأَنْ قَدْ وَلَعَلَّهُ فِي غَدٍ أَوْ بعد غد ويروى عن أبي هريرة أنه كان إذا رأى جنازة قال امضوا فإنا على الأثر وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال اغدوا فإنا رائحون موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول والآخر لا عقل له وقال أسيد بن حضير ما شهدت جنازة فحدثتني نفسي بشيء سوى ما هو مفعول به وما هو صائر إليه
فإنا رائحون موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول والآخر لا عقل له وقال أسيد بن حضير ما شهدت جنازة فحدثتني نفسي بشيء سوى ما هو مفعول به وما هو صائر إليه ولما مات اخو مالك بن دينار خرج مالك في جنازته يبكي ويقول والله لا تقر عيني حتى أعلم إلى ماذا صرت إليه ولا أعلم ما دمت حياً وقال الأعمش كنا نشهد الجنائز فلا ندري من نعزى لحزن الجميع وقال ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنَائِزَ فَلَا نَرَى إِلَّا مُتَقَنِّعًا بَاكِيًا فَهَكَذَا كَانَ خَوْفُهُمْ مِنَ الْمَوْتِ وَالْآنَ لَا نَنْظُرُ إِلَى جَمَاعَةٍ يَحْضُرُونَ جِنَازَةً إِلَّا وَأَكْثَرُهُمْ يَضْحَكُونَ وَيَلْهُونَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِي مِيرَاثِهِ وَمَا خَلَّفَهُ لِوَرَثَتِهِ وَلَا يَتَفَكَّرُ أَقْرَانُهُ وَأَقَارِبُهُ إِلَّا فِي الْحِيلَةِ الَّتِي بِهَا يَتَنَاوَلُ بَعْضَ مَا خَلَّفَهُ وَلَا يَتَفَكَّرُ واحد منهم إلا ما شاء الله في جنازة نفسه وفي حَالِهِ إِذَا حُمِلَ عَلَيْهَا وَلَا سَبَبَ لِهَذِهِ الْغَفْلَةِ إِلَّا قَسْوَةُ الْقُلُوبِ بِكَثْرَةِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ حَتَّى نَسِينَا اللَّهَ تَعَالَى وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَالْأَهْوَالَ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا فَصِرْنَا نَلْهُو وَنَغْفُلُ وَنَشْتَغِلُ بما لا يعنينا فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْيَقَظَةَ مِنْ هَذِهِ الْغَفْلَةِ فإن أحسن أحوال الحاضرين على الجنائز بكاؤهم على الميت ولو عقلوا لبكوا على أنفسهم لا على الميت نظر إبراهيم الزيات إلى إناس يترحمون على الميت فقال لو ترحمون على أنفسكم لكان خيرا لكم إنه نجا من أهوال ثلاثة وجه ملك الموت وقد رأى ومرارة الموت وقد ذاق وخوف الخاتمة وقد أمن وقال أبو عمرو بن العلاء جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه شعرا فأطلعت جنازة فأمسك وقال شيبتي والله هذه الجنائز وأنشأ يقول تروعنا الجنائز مقبلات ... ونلهو حين تذهب مدبرات
لاء جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه شعرا فأطلعت جنازة فأمسك وقال شيبتي والله هذه الجنائز وأنشأ يقول تروعنا الجنائز مقبلات ... ونلهو حين تذهب مدبرات
كروعة ثلة لمغار ذئب ... فلما غاب عادت راتعات فمن آداب حضور الجنائز التَّفَكُّرُ وَالتَّنَبُّهُ وَالِاسْتِعْدَادُ وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا عَلَى هَيْئَةِ التواضع كما ذكرنا آدابه وسننه في فن الفقه وَمِنْ آدَابِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِالْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا وَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الصلاح فإن الخاتمة مخطرة لا تدري حقيقتها ولذلك روي عن عمر بن ذر أنه مات واحد من جيرانه وكان مسرفا على نفسه فتجافى كثير من الناس عن جنازته فحضرها هو وصلى عليها فلما دلى في قبره وقف على قبره وقال يرحمك الله يا أبا فلان فلقد صحبت عمرك بالتوحيد وعفرت وجهك بالسجود وإن قالوا مذنب وذو خطايا فمن منا غير مذنب وغير ذي خطايا ويحكى أن رجلا من المنهمكين في الفساد مات في بعض نواحي البصرة فلم تجد امرأته من يعينها على مل جنازته إذ لم يدر بها أحد من جيرانه لكثرة فسقه فاستأجرت حمالين وحملتها إلى المصلى فما صلى عليه أحد فحملتها إلى الصحراء للدفن فكان على جبل قريب من الموضع زاهد من الزهاد الكبار فرأته كالمنتظر للجنازة ثم قصد أن يصلي عليها فانتشر الخبر في البلد بأن الزاهد نزل ليصلي على فلان فخرج أهل البلد فصلى الزاهد وصلوا عليه وتعجب الناس من صلاة الزاهد عليه فقال قيل لي في المنام انزل إلى موضع فلان ترى فيه جنازة ليس معها أحد إلا امرأة فصل عليه فإنه مغفور له فزاد تعجب الناس فاستدعى الزاهد امرأته وسألها عن حاله وأنه كيف كانت سيرته قالت كما عرف كان طول نهاره في الماخور مشغولا بشرب الخمر فقال انظري هل تعرفين منه شيئا من أعمال الخير قالت نعم ثلاثة أشياء كان كل يوم يفيق من سكره وقت الصبح يبدل ثيابه ويتوضأ ويصلي الصبح في جماعة ثم يعود إلى الماخور ويشتغل بالفسق والثاني أنه كان أبدا لا يخلو بيته من يتيم أو يتيمين وكان إحسانه إليهم أكثر من إحسانه إلى أولاده وكان شديد التفقد لهم
م يعود إلى الماخور ويشتغل بالفسق والثاني أنه كان أبدا لا يخلو بيته من يتيم أو يتيمين وكان إحسانه إليهم أكثر من إحسانه إلى أولاده وكان شديد التفقد لهم والثالث أنه كان يفيق في أثناء سكره في ظلام الليل فيبكي ويقول يا رب أي زاوية من زوايا جهنم تريد أن تملأها بهذا الخبيث يعني نفسه فانصرف الزاهد وقد ارتفع إشكاله من أمره وعن صلة بن أشيم وقد دفن أخ له فقال على قبره فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا بيان حال القبر وأقاويلهم عند القبور
قال الضحاك قال رجل يا رسول الله من أزهد الناس قال من لم ينس القبر والبلى وترك فضل زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه من أهل القبور (١) وقيل لعلي كرم الله وجهه ما شأنك جاورت المقبرة قال إني أجدهم خير جيران أجدهم جيران صدق يكفون الألسنة ويذكرون الآخرة وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ (٢) وقال عمر بن الخطاب ﵁ خرجنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المقابر فجلس إلى قبر وكنت أدنى القوم منه فبكى وبكيت وبكوا فقال ما يبكيكم قلنا بكينا لبكائك قال هذا قبر أمي آمنة بنت وهب استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي فاستأذنته أن أستغفر لها فأبى علي فأدركني ما يدرك الولد من الرقة (٣) وكان عثمان بن عفان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته
فسئل عن ذلك وقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكى إذا وقفت على قبر فقال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد (١) وقيل أن عمرو بن العاص نظر إلى المقبرة فنزل وصلى ركعتين فقيل له هذا شيء لم تكن تصنعه فقال ذكرت أهل القبور وما حيل بينهم وبينه فأحببت أن أتقرب إلى الله بهما وقال مجاهد أول ما يكلم ابن آدم حفرته فتقول أنا بيت الدود وبيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الظلمة هذا ما أعددت لك فما أعددت لي وقال أبو ذر ألا أخبركم بيوم فقري يوم أوضع في قبري وكان أبو الدرداء يقعد إلى القبور فقيل له في ذلك فقال أجلس إلى قوم يذكروني معادي وإذا قمت لم يغتابوني وكان جعفر بن محمد يأتي القبور ليلا ويقول يا أهل القبور مالي إذا دعوتكم لا تجيبوني ثم يقول حيل والله بينهم وبين جوابي وكأن بي أكون مثلهم ثم يستقبل الصلاة إلى طلوع الفجر وقال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه يا فلان لقد أرقت الليلة أتفكر في القبر وساكنه وإنك لو رأيت الميت بعد ثلاثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك به ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان مع تغير الريح وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب قال ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه وكان يزيد الرقاشي يقول أيها المقبور في حفرته والمتخلي في القبر بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي إخوانك اغتبطت ثم يبكي حتى يبل عمامته ثم يقول استبشر والله بأعماله الصالحة واغتبط والله بإخوانه المتعاونين على طاعة الله تعالى وكان إذا نظر إلى القبور خار كما يخور الثور وقال حَاتِمٍ الْأَصَمِّ مَنْ مَرَّ بِالْمَقَابِرِ فَلَمْ يَتَفَكَّرْ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ فَقَدْ خَانَ نَفْسَهُ وخانهم وكان بكر العابد يقول يا أماه ليتك كنت بي عقيما إن لابنك في القبر حبسا طويلا ومن بعد ذلك منه رحيلا وقال يحيى بن من معاذ يا ابن آدم دعاك ربك إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه إن أجبته من دنياك واشتغلت بالرحلة إليه دخلتها وإن أجبته من قبرك منعتها
يلا وقال يحيى بن من معاذ يا ابن آدم دعاك ربك إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه إن أجبته من دنياك واشتغلت بالرحلة إليه دخلتها وإن أجبته من قبرك منعتها وكان الحسن بن صالح إذا أشرف على المقابر يقول ما أحسن ظواهرك إنما الدواهي في بواطنك وكان عطاء السلمي إذا جن عليه الليل خرج إلى المقبرة ثم يقول يا أهل القبور متم فواموتاه وعاينتم أعمالكم فواعملاه ثم يقول غدا عطاء في القبور فلا يزال ذلك دأبه حتى يصبح وقال سفيان من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار وكان الربيع بن خيثم قد حفر في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع ومكث ما شاء الله ثم يقول رب أرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت يرددها ثم يرد على نفسه يا ربيع قد رجعتك فاعمل وقال أحمد بن حرب تتعجب الأرض من رجل يمهد مضجعه ويسوى فراشه للنوم فتقول يا ابن آدم لم لا تذكر طول بلاك وما بيني وبينك شيء وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَلَمَّا نَظَرَ إلى القبور بكى ثم أقبل على فقال يا ميمون هذه قبور آبائي بني أمية كَأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي لَذَّاتِهِمْ وعيشهم أَمَا تَرَاهُمْ صَرْعَى قَدْ حَلَّتْ بِهِمُ الْمَثُلَاتُ واستحكم فيهم البلى وأصابت الهوام مقيلا في أَبْدَانِهِمْ ثُمَّ بَكَى وَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْعَمَ مِمَّنْ صَارَ إِلَى هَذِهِ الْقُبُورِ وقد أمن من عذاب الله وقال ثابت البناني دخلت المقابر فلما قصدت الخروج منها فإذا بصوت قائل يقول يا ثابت لا يغرنك صموت أهلها فكم من نفس مغمومة فيها ويروى أن فاطمة بنت الحسين نظرت إلى جنازة زوجها الحسن بن الحسن فغطت وجهها وقالت
إذا بصوت قائل يقول يا ثابت لا يغرنك صموت أهلها فكم من نفس مغمومة فيها ويروى أن فاطمة بنت الحسين نظرت إلى جنازة زوجها الحسن بن الحسن فغطت وجهها وقالت
وكانوا رجاء ثم أمسوا رزية ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلت وقيل إنها ضربت على قبره فسطاطا واعتكفت عليه سنة فلما مضت السنة قلعوا الفسطاط ودخلت المدينة فسمعوا صوتا من جانب البقيع هل وجدوا ما فقدوا فسمعوا من الجانب الآخر بل يئسوا فانقلبوا وقال أبو موسى التميمي توفيت امرأة الفرزدق فخرج في جنازتها وجوه البصرة وفيهم الحسن فقال له الحسن يا أبا فراس ماذا أعددت لهذا اليوم فقال شهادة أن لا إله إلا الله منذ ستين سنة فلما دفنت أقام الفرزدق على قبرها فقال أخاف وراء القبر إن لم تعافني ... أشد من القبر التهابا وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد ... عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا وقد أنشدوا في أهل القبور قف بالقبور وقل على ساحاتها ... من منكم المغمور في ظلماتها ومن المكرم منكم في قعرها ... قد ذاق برد الأمن من روعاتها أما السكون لذي العيون فواحد ... لا يستبين الفضل في درجاتها لو جاوبوك لأخبروك بألسن ... تصف الحقائق بعد من حالاتها أما المطيع فنازل في روضة ... يفضي إلى ما شاء من دوحاتها والمجرم الطاغي بها متقلب ... في حفرة يأوى إلى حياتها وعقارب تسعى إليه فروحه ... في شدة التعذيب من لدغاتها ومر داود الطائي على امرأة تبكي على قبر وهي تقول عدمت الحياة ولا نلتها ... إذا كنت في القبر قد ألحدوكا فكيف وأين أذوق لطعم الكرى ... وأنت بيمناك قد وسدوكا ثم قالت يا ابناه بأي خديك بدأ الدود فصعق داود مكانه وخر مغشيا عليه وقال مالك بن دينار مررت بالمقبرة فأنشأت أقول أتيت القبور فناديتها ... فأين المعظم والمحتقر وأين المدل بسلطانه ... وأين المزكى إذا ما أفتخر قال فنوديت من بينها أسمع صوتا ولا أرى شخصا وهو يقول تفانوا جميعا فما مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر تروح وتغدو بنات الثرى ... فتمحو محاسن تلك الصور فيا سائلي عن أناس مضوا ... أما لك فيما ترى معتبر قال فرجعت وأنا باك أبيات وجدت مكتوبة على القبور
لخبر تروح وتغدو بنات الثرى ... فتمحو محاسن تلك الصور فيا سائلي عن أناس مضوا ... أما لك فيما ترى معتبر قال فرجعت وأنا باك أبيات وجدت مكتوبة على القبور وجد مكتوبا على قبر تناجيك أجداث وهن صموت ... وسكانها تحت التراب خفوت
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت ووجد على قبر آخر مكتوبا أيا غانم أما ذراك فواسع ... وقبرك معمور الجوانب محكم وما ينفع المقبور عمران قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم وقال ابن السماك مررت على المقابر فإذا على قبر مكتوب يمر أقاربي جنبات قبرى ... كأن أقاربي لم يعرفوني ذوو الميراث يقتسمون مالي ... وما يألون أن جححدوا ديوني وقد أخذوا سهامهم وعاشوا ... فيالله أسرع ما نسوني ووجد على قبر مكتوبا إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت بواب ولا حرس فكيف تفرح بالدنيا ولذتها ... يا من يعد عليه اللفظ والنفس أصبحت يا غافلا في النقص منغمسا ... وأنت دهرك في اللذات منغمس لا يرحم الموت ذا جهل لغرته ... ولا الذي كان منه العلم يقتبس كم أخرس الموت في قبر وقفت به ... عن الجواب لسنا ما به خرس قد كان قصرك معمورا له شرف ... فقبرك اليوم في الأجداث مندرس ووجد على قبر آخر مكتوبا وقفت على الأحبة حين صفت ... قبورهم كأفراس الرهان فلما أن بكيت وفاض دمعي ... رأت عيناي بينهم مكاني ووجد على قبر طبيب مكتوبا قد قلت لما قال لي قائل ... صار لقمان إلى رمسه فأين ما يوصف من طبه ... وحذقه في الماء مع جسه هيهات لا يدفع عن غيره ... من كان لا يدفع عن نفسه ووجد على قبر آخر مكتوبا يا أيها الناس كان لي أمل ... قصر بي عن بلوغه الأجل فليتق الله ربه رجل ... أمكنه في حياته العمل ما أنا وحدي نقلت حيث ترى ... كل إلى مثقله سينتقل فهذه أبيات كتبت على قبور لتقصير سكانها عن الأعتبار قبل الموت والبصير هو الذي ينظر إلى غيره فيرى مكانه بين أظهرهم فيستعد للحوق بهم ويعلم أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يلحق بهم وليتحقق أنه لو عرض عليهم يوم من أيام عمره الذي هو مضيع له لكان ذلك أحب إليهم من الدنيا بحذافيرها لأنهم عرفوا قدر الأعمار وانكشفت لهم حقائق الأمور فإنما حسرتهم على يوم من العمر ليتدارك المقصر به تقصيره فيتخلص من العقاب وليستزيد الموفق به رتبته فيتضاعف له الثواب فإنهم إنما عرفوا قدر العمر بعد انقطاعه فحسرتهم على ساعة من الحياة وأنت
المقصر به تقصيره فيتخلص من العقاب وليستزيد الموفق به رتبته فيتضاعف له الثواب فإنهم إنما عرفوا قدر العمر بعد انقطاعه فحسرتهم على ساعة من الحياة وأنت
قادر على تلك الساعة ولعلك تقدر على أمثالها ثم أنت مضيع لها فوطن نفسك على التحسر على تضييعهما عند خروج الأمر من الاختيار إذا لم تأخذ نصيبك من ساعتك على سبيل الإبتدار فقد قال بعض الصالحين رأيت أخا لي في الله فيما يرى النائم فقلت يا فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال لأن أقدر على أن أقولها يعني الحمد لله رب العالمين أحب إلى من الدنيا وما فيها ثم قال ألم تر حيث كانوا يدفنونني فإن فلانا قد قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها بيان أقاويلهم عِنْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ
حَقٌّ عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَدُهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ أَقَارِبِهِ أَنْ يُنْزِلَهُ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَوْتِ مَنْزِلَةَ مَا لو كانا فِي سَفَرٍ فَسَبَقَهُ الْوَلَدُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقَرُّهُ وَوَطَنُهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْظُمُ عَلَيْهِ تَأَسُّفُهُ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَاحِقٌ بِهِ عَلَى الْقُرْبِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا تَقَدُّمٌ وَتَأَخُّرٌ وَهَكَذَا الْمَوْتُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ السَّبْقُ إِلَى الْوَطَنِ إِلَى أَنْ يَلْحَقَ الْمُتَأَخِّرُ وَإِذَا اعْتَقَدَ هَذَا قَلَّ جَزَعُهُ وَحُزْنُهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ فِي مَوْتِ الْوَلَدِ مِنَ الثَّوَابِ مَا يُعَزَّى بِهِ كُلُّ مصاب قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأن أقدم سقطا أحب إلي من أن أخلف مائة فارس كلهم يقاتل في سبيل الله (١) وَإِنَّمَا ذَكَرَ السِّقْطَ تَنْبِيهًا بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَإِلَّا فَالثَّوَابُ عَلَى قَدْرِ مَحَلِّ الْوَلَدِ مِنَ القلب
في سبيل الله (١) وَإِنَّمَا ذَكَرَ السِّقْطَ تَنْبِيهًا بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَإِلَّا فَالثَّوَابُ عَلَى قَدْرِ مَحَلِّ الْوَلَدِ مِنَ القلب وقال زيد بن أسلم توفي ابن لداود عليك السلام فحزن عليه حزنا شديدا فقيل له ما كان عدله عندك قال ملء الأرض ذهبا قيل له فإن لك من الأجر في الآخرة مثل ذلك وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إِلَّا كَانُوا لَهُ جُنَّةً مِنَ النار فقالت امرأة عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أو اثنان قَالَ أَوِ اثْنَانِ (٢) وَلِيُخْلِصِ الْوَالِدُ الدُّعَاءَ لِوَلَدِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ أَرْجَى دُعَاءٍ وَأَقْرَبُهُ إِلَى الإجابة وقف محمد بن سليمان على قبر ولده فقال اللهم إني أصبحت أرجوك له وأخافك عليه فحقق رجائي وآمن خوفي ووقف أبو سنان على قبر ولده فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ مَا وَجَبَ لِي عَلَيْهِ فَاغْفِرْ لَهُ مَا وَجَبَ لَكَ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ أَجْوَدُ وَأَكْرَمُ وَوَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَهُ مَا قَصَّرَ فِيهِ مِنْ بِرِّي فَهَبْ لَهُ مَا قَصَّرَ فِيهِ مِنْ طَاعَتِكَ ولما مات ذر بن عمر بن ذر قام أبوه عمر بن ذر بعد وضعه في لحده فقال يا ذر لقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك فليت شعري ماذا قلت وماذا قيل لك ثم قال اللهم إن هذا ذر متعتني به ما متعتني ووفيته أجله ورزقه ولم تظلمه اللهم وقد كنت ألزمته طاعتك وطاعتي اللهم ما وعدتني عليه من الأجر في مصيبتي فقد وهبت له ذلك فهب لي عذابه ولا تعذبه
ا متعتني ووفيته أجله ورزقه ولم تظلمه اللهم وقد كنت ألزمته طاعتك وطاعتي اللهم ما وعدتني عليه من الأجر في مصيبتي فقد وهبت له ذلك فهب لي عذابه ولا تعذبه فأبكى الناس ثم قال عند انصرافه ما علينا بعدك من خصاصة يا ذر وما بنا إلى إنسان مع الله حاجة فلقد مضينا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك ونظر رجل إلى امرأة في البصرة فقال ما رأيت مثل هذه النضارة وما ذاك إلا من قلة الحزن فقالت يا عبد الله أني لفي حزن ما يشركني فيه أحد قال فكيف قالت أن زوجي ذبح شاة في يوم عيد الأضحى وكان لي صبيان مليحان يلعبان فقال أكبرهما للآخر أتريد أن أريك كيف ذبح أبي الشاة قال نعم فأخذه وذبحه وما شعرنا به إلا متشطحا في دمه فلما ارتفع الصراخ هرب الغلام فلجأ إلى جبل فرهقه ذئب فأكله فخرج أبوه يطلبه فمات عطشا من شدة الحر قالت فأرداني الدهر كما ترى فأمثال هذه المصائب ينبغي أن تتذكر عند موت الأولاد لِيَتَسَلَّى بِهَا عَنْ شِدَّةِ الْجَزَعِ فَمَا مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا وَيَتَصَوَّرُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا وَمَا يَدْفَعُهُ اللَّهُ فِي كُلِّ حَالٍ فَهُوَ الأكثر
بيان زيارة القبور والدعاء للميت وما يتعلق به
زيارة القبور مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار وزيارة قبور الصالحين لأجل التبرك مع الاعتبار وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ثُمَّ أَذِنَ في ذلك بعد (١) روي عن علي ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال كنت نهيتكم عم زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة غير أن لا تقولوا هجرا (٢) وزار رسول الله ﷺ قبر أمه في ألف مقنع فلم ير باكيا أكثر من يومئذ (٣) وفي هذا اليوم قال أذن لي في الزيارة دون الاستغفار (٤) كما أوردنا من قبل وقال ابن أبي مليكة أقبلت عائشة ﵂ يوما من المقابر فقلت يا أم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن فقلت أليس كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نهى عنها قالت نعم ثم أمر بها (٥) ولا ينبغي أن يتمسك بهذا فيؤذن للنساء في الخروج إلى المقابر فإنهن يكثرن الهجر على رءوس المقابر فلا يفي خير زيارتهن بشرها وَلَا يَخْلُونَ فِي الطَّرِيقِ عَنْ تَكَشُّفٍ وَتَبَرُّجٍ وَهَذِهِ عَظَائِمُ وَالزِّيَارَةُ سُنَّةٌ فَكَيْفَ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ لِأَجْلِهَا نَعَمْ لَا بَأْسَ بِخُرُوجِ الْمَرْأَةِ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ تَرُدُّ أَعْيُنَ الرِّجَالِ عَنْهَا وَذَلِكَ بِشَرْطِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الدُّعَاءِ وَتَرْكِ الْحَدِيثِ عَلَى رأس القبر وقال أبو ذر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زر القبور تذكر بها الآخرة واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة وصل على الجنائز لعل ذلك أن يحزنك فإن الحزين في ظل الله (٦) وقال ابن أبي مليكة قال رسول الله زروا موتاكم وسلموا عليهم فإن لكم فيهم عبرة (٧) وعن نافع أن ابن عمر كان لا يمر بقبر أحد إلا وقف عليه وسلم عليه وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن فاطمة بنت النبي ﷺ كانت تزور قبر عمها حمزة في الأيام فتصلي وتبكي عنده وقال النبي ﷺ من زار قبر والديه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برا (٨) وعن ابن سيرين قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارين (٩) وقال النبي ﷺ من زار قبري فقد
رين قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارين (٩) وقال النبي ﷺ من زار قبري فقد
وجبت له شفاعتي (١) وقال ﷺ من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة (٢) وقال كعب الأحبار ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يوقرونه وَالْمُسْتَحَبُّ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَنْ يَقِفَ مُسْتَدْبِرَ القبلة مستقبلا بوجهه الْمَيِّتِ وَأَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يَمْسَحَ الْقَبْرَ وَلَا يَمَسَّهُ وَلَا يُقَبِّلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ النَّصَارَى قَالَ نافع كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَأَيْتُهُ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ يَجِيءُ إِلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ السَّلَامُ عَلَى أبي بكر السلام على أبي وينصرف وعن أبي أمامة قال رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي ﷺ ثم انصرف وقالت عائشة ﵂ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم (٣) وقال سليمان بن سحيم رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقلت يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون عليك أتفقه سلامهم قال نعم وأرد عليهم وقال أبو هريرة إذا مر الرجل بقبر لرجل يعرفه فسلم عليه رد ﵇ وعرفه وإذا مر بقبر لا يعرفه وسلم عليه رد ﵇ وقال رجل من آل عاصم الجحدري رأيت عاصما في منامي بعد موته بسنتين فقلت أليس قد مت قال بلى فقلت أين أنت قال أنا والله فى روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى أبى بكر ابن عبد الله المزني فنتلاقى أخباركم قلت أجسامكم أم أرواحكم قال هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح قال قلت فهل تعلمون بزيارتنا إياكم قال نعم تعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس قلت وكيف ذاك دون الأيام كلها قال لفضل يوم الجمعة وعظمه وكان محمد بن واسع يزور يوم
نعم تعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس قلت وكيف ذاك دون الأيام كلها قال لفضل يوم الجمعة وعظمه وكان محمد بن واسع يزور يوم الجمعه فقيل له لو أخرت إلى يوم الأثنين قال بلغنى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده وقال الضحاك من زار قبرا قبل طلوع الشمس يوم السبت علم الميت بزيارته قيل وكيف ذاك قال لمكان يوم الجمعة وقال بشر ابن منصور لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبانة فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال آنَسَ اللَّهُ وَحْشَتَكُمْ وَرَحِمَ غُرْبَتَكُمْ وَتَجَاوَزَ عَنْ سيئاتكم وقبل الله حسناتكم لا يزيد على هذه الكلمات قال الرجل فأمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلى ولم آت إلى المقابر فأدعو كما كنت أدعو فبينما أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاءونى فقلت ما أنتم وما حاجتكم قالوا نحن أهل المقابر قلت ما جاء بكم قالوا إنك قد عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك قلت وما هي قالوا الدعوات التي كنت تدعو لنا بها قلت فإني أعود لذلك فما تركتها بعد ذلك وقال بشار بن غالب النجراني رأيت رابعة العدوية العابدة فى منامي وكنت كثير الدعاء لها فقالت لي يا بشار بن غالب هداياك تأتينا على طبق من نور مخمرة بمناديل الحرير قلت وكيف ذاك قالت وهكذا دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا للموتى فاستجيب لهم جعل ذلك الدعاء على أطباق من نور وخمر مناديل الحرير ثم أتى به الميت فقيل له هذه هدية فلان إليك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما الميت فى قبره إلا كالغريق المتغوث ينتظر دعوة تلحقه
من أبيه أو أخيه أو صديق له فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار (١) حديث سعيد بن عبد الله الأزدي قال شهدت أبا أمامة الباهلي وهو في النزع فقال يا سعيد إذا مت فاصنعوا بي كما أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول يا فلان ابن فلانة الحديث في تلقين الميت في قبره أخرجه الطبراني // ولا بأس بقراءة القرآن على القبور روي عن علي بن موسى الحداد قال كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة ومحمد بن قدامة الجوهرى معنا فلما دفن الميت جاء رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر بن إسماعيل الحلبي قال ثقه قال هل كتبت عنه شيئا قال نعم قال أخبرني مبشر بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه فاتحة البقرة وخاتمتها وقال سمعت ابن عمر يوصى بذلك فقال له أحمد فارجع إلى الرجل فقل له يقرأ وقال محمد بن أحمد المروزى سمعت أحمد بن حنبل يقول إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم وقال أبو قلابة أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت الخندق فتطهرت وصليت ركعتين بليل ثم وضعت رأسي على قبر فنمت ثم تنبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول لقد آذيتني منذ الليلة ثم قال إنكم لا تعلمون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ثم قال للركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ثم قال جزى الله عنا أهل الدنيا خيرا أقرئهم السلام فإنه قد يدخل علينا من دعائهم نورا مثل الجبال فَالْمَقْصُودُ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلزَّائِرِ الِاعْتِبَارُ بِهَا وَلِلْمَزُورِ الِانْتِفَاعُ بِدُعَائِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْفُلَ الزَّائِرُ عَنِ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ وَلَا عَنِ الاعتبار به وإنما يحصل له الاعتبار بأن يصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاءه وَكَيْفَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ وَأَنَّهُ عَلَى الْقُرْبِ سيلحق به
َا عَنِ الاعتبار به وإنما يحصل له الاعتبار بأن يصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاءه وَكَيْفَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ وَأَنَّهُ عَلَى الْقُرْبِ سيلحق به كما روى عن مطرف بن أبي بكر الهذلي قال كانت عجوز في عبد القيس متعبدة فكان إذا جاء الليل تحزمت ثم قامت إلى المحراب وإذا جاء النهار خرجت إلى القبور فبلغني أنها عوتبت في كثرة إتيانها المقابر فقالت إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى وإني لآتي القبور فكأني
انظر وقد خرجوا من بين أطباقها وكأني انظر إلى تلك الوجوه المتعفرة وإلى تلك الأجسام المتغيرة وإلى تلك الأجفان الدسمة فيا لها من نظرة لو أشربها العباد قلوبهم ما أنكل مرارتها للأنفس وأشد تلفها للأبدان بل ينبغي أن يحضر من صورة الميت ما ذكره عمر بن عبد العزيز حيث دخل عليه فقيه فتعجب من تغير صورته لكثرة الجهاد والعبادة فقال له يا فلان لو رأيتني بعد ثلاث وقد أدخلت قبريى وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وخرج الصديد من الفم وانفتح الفم ونتأ البطن فعلا الصدر وخرج الصلب من الدبر وخرج الدود والصديد من المناخر لرأيت أعجب مما تراه الآن ويستحب الثناء على الميت وألا يذكر إلا بالجميل قالت عائشة ﵂ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه (١) وقال ﷺ لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فإنهم قد أمضوا إلى ما قدموا (٢) وقال ﷺ لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا وإن يكونوا من أهل النار فحسبهم ما هم فيه (٣) وقال أنس بن مالك مرت جنازة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأثنوا عليها شرا فقال ﵇ وجبت ومروا بأخرى فأثنوا عليها خيراً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجبت فسأله عمر عن ذلك فقال إن هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار وأنتم شهداء الله في الأرض (٤) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن العبد ليموت فيثني عليه القوم الثناء يعلم الله منه غيره ليقول الله تعالى لملائكته أشهدكم أني قد قبلت شهادة عبيدي على عبدي وتجاوزت عن علمي في عبدي (٥)
العبد ليموت فيثني عليه القوم الثناء يعلم الله منه غيره ليقول الله تعالى لملائكته أشهدكم أني قد قبلت شهادة عبيدي على عبدي وتجاوزت عن علمي في عبدي (٥) الباب السابع في حقيقة الموت وما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور بيان حقيقة الموت أعلم أن للناس في حقيقة الموت ظنونا كاذبة قد اخطأوا فيها فظن بعضهم أن الموت هو العدم وأنه لا حشر ولا نشر ولا عاقبة للخير والشر وأن موت الإنسان كموت الحيوانات وجفاف النبات وهذا رأى الملحدين وكل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر وظن قوم أنه ينعدم بالموت ولا يتأم بضار ولا يتنعم بثواب ما دام في القبر إلى أن يعاد في وقت الحشر وقال آخرون إن الروح باقية لا تنعدم بالموت وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح دون الأجساد وإن الأجساد لا تبعث ولا تحشر أصلا وكل هذه ظنون فاسدة ومائلة عن الحق بل الذي تشهد له طرق الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أن الموت معناه تغير حال فقط وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة وإما منعمة ومعنى مفارقتها للجسد
انقطاع تصرفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها فإن الأعضاء آلات الروح تستعملها حتى أنها لتبطش باليد وتسمع بالأذن وتبصر بالعين وتعلم حقيقة الأشياء بالقلب والقلب ههنا عبارة عن الروح والروح تعلم الأشياء بنفسها من غير آلة ولذلك قد يتألم بنفسه بأنواع الحزن والغم والكمد ويتنعم بأنواع الفرح والسرور وكل ذلك لا يتعلق بالأعضاء فكل ما هو وصف للروح بنفسها فيبقى معها بعد مفارقة الجسد وما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطل بموت الجسد إلى أن تعاد الروح إلى الجسد ولا يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر ولا يبعد أن تؤخر إلى يوم البعث والله أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده وإنما تعطل الجسد بالموت يضاهي تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه وبشدة تقع في الأعصاب تمنع نفوذ الروح فيها فتكون الروح العالمة العاقلة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء وقد استعصى عليها بعضها والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها وكل الأعضاء آلات والروح هي المستعملة لها وأعنى بالروح المعنى الذي يدرك من الإنسان العلوم وآلام الغموم ولذات الأفراح ومهما بطل تصرفها في الأعضاء لم تبطل منها العلوم والإدراكات ولا بطل منها الأفراح والغموم ولا بطل منها قبولها للآلآم واللذات والإنسان بالحقيقة هو المعنى المدرك للعلوم وللآلام واللذات وذلك لا يموت أي لا ينعدم ومعنى الموت انقطاع تصرفه عن البدن وخروج البدن عن أن يكون آلة له كما أن معنى الزمانة خروج اليد عن أن تكون آلة مستعملة فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلها وحقيقة الإنسان نفسه وروحه وهي باقية نعم تغير حاله من جهتين إحداهما أنه سلب منه عينه وأذنه ولسانه ويده ورجله وجميع أعضائه وسلب منه أهله وولده وأقاربه وسائر معارفه وسلب منه خيله ودوابه وغلمانه ودوره وعقاره وسائر أملاكه ولا فرق بين أن تسلب هذه الأشياء من الإنسان وبين أن يسلب الإنسان من هذه الأشياء فإن المؤلم هو الفراق والفراق يحصل تارة بأن ينهب مال الرجل وتارة بأن يسبى الرجل عن الملك والمال والألم واحد في الحالتين وإنما معنى الموت سلب الإنسان عن أمواله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم فإن كان له في الدنيا شيء يأنس به ويستريح
لمال والألم واحد في الحالتين وإنما معنى الموت سلب الإنسان عن أمواله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم فإن كان له في الدنيا شيء يأنس به ويستريح إليه ويعتد بوجوده فيعظم تحسره عليه بعد الموت ويصعب شقاؤه في مفارقته بل يلتفت قلبه إلى واحد واحد من ماله وجاهه وعقاره حتى إلى قميص كان يلبسه مثلا ويفرح به وإن لم يكن يفرح إلا بذكر الله ولم يأنس إلا به عظم نعيمه وتمت سعادته إذا خلى بينه وبين محبوبه وقطعت عنه العوائق والشواغل إذ جميع أسباب الدنيا شاغلة عن ذكر الله فهذا أحد وجهى المخالفة بين حال الموت وحال الحياة والثاني أنه ينكشف له بالموت ما لم يكن مكشوفاً له في الحياة كما قد ينكشف للمتيقظ ما لم يكن مكشوفاً له في النوم والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وأول ما ينكشف له ما يضره وينفعه من حسناته وسيئاته وقد كان ذلك مسطورا في كتاب مطوي في سر قلبه وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا فإذا انقطعت الشواغل انكشف له جميع أعماله فلا ينظر إلى سيئه إلا ويتحسر عليها تحسرا يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة وعبد ذلك يقال له ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ وينكشف كل ذلك عند انقطاع النفس وقبل الدفن وتشتعل فيه نيران الفراق أعنى فراق ما كان يطمئن إليمن هذه الدنيا الفانية دون ما أراد منها لأجل الزاد والبلغة فإن من طلب الزاد للبلغة فإذا بلغ المقصد فرح بمفارقته بقية الزاد إذ لم يكن يريد الزاد لعينه وهذا حال من لم يأخذ من الدنيا إلا بقدر الضرورة وكان يود أن تنقطع ضرورته ليستغنى عنه فقد حصل ما كان يوده
فارقته بقية الزاد إذ لم يكن يريد الزاد لعينه وهذا حال من لم يأخذ من الدنيا إلا بقدر الضرورة وكان يود أن تنقطع ضرورته ليستغنى عنه فقد حصل ما كان يوده
واستغنى عنه وهذه أنواع من العذاب والآلام عظيمة تهجم عليه قبل الدفن ثم عند الدفن قد ترد روحه إلى الجسد لنوع آخر من العذاب وقد يعفى عنه ويكون حال المتنعم بالدنيا المطمئن إليها كحال من تنعم عند غيبة ملك من الملوك في داره وملكه وحريمه اعتمادا على أن الملك يتساهل في أمره أو على أن الملك ليس يدري ما يتعاطاه من قبيح أفعاله فأخذه الملك بغتة وعرض عليه جريدة قد دونت فيها جميع فواحشه وجناياته ذرة ذرهوخطوة خطوة والملك قاهر متسلط وغيور على حرمه ومنتقم من الجناة على ملكه وغير ملتفت إلى من يتشفع إليه في العصاة عليه فانظر إلى هذا المأخوذ كيف يكون حاله قبل نزول عذاب الملك به من الخوف والخجلة والحياء والتحسر والندم فهذا حال الميت الفاجر المغتر بالدنيا المطمئن إليها قبل نزول عذاب القبر به بل عند موته نعوذ بالله منه فإن الخزى والافتضاح وهتك الستر أعظم من كل عذاب يحل بالجسد من الضرب والقطع وغيرهما فهذه إشارة إلى حال الميت عند الموت شاهدها أولو البصائر بمشاهدة باطنة أقوى من مشاهدة العين وشهد لذلك شواهد الكتاب والسنة نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة ومعرفة الحياة بمعرفة حقيقة الروح في نفسها وإدراك ماهية ذاتها ولم يؤذن لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يتكلم فيها ولا أن يزيد على أن يقول ﴿الروح من أمر ربي﴾ (١) فليس لأحد من علماء الدين أن يكشف عن سر الروح وإن اطلع عليه وإنما المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت
ا ولا أن يزيد على أن يقول ﴿الروح من أمر ربي﴾ (١) فليس لأحد من علماء الدين أن يكشف عن سر الروح وإن اطلع عليه وإنما المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت ويدل على أن الموت ليس عبارة عن انعدام الروح وانعدام إدراكها آيات وأخبار كثيرة أما الآيات فما ورد في الشهداء إذ قال تعالى ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين﴾ ولما قتل صناديد قريش يوم بدر ناداهم رسول الله ﷺ فقال يا فلان يا فلان يا فلان قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقيل يا رسول الله أتناديهم وهم أموات فقال ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلا أنهم لا يقدرون على الجواب (٢) فهذا نص في روح الشقي وبقاء إدراكها ومعرفتها والآية نص أرواح في الشهداء ولا يخلو الميت عن سعادة أو شقاوة وقال ﷺ القبر إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة (٣) وهذا نص صريح على أن الموت معناه تغير حال فقط وأن ما سيكون من شقاوة الميت وسعادته يتعجل عند الموت من غير تأخير وإنما يتأخر بعض أنواع العذاب والثواب دون أصله وروى أنس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال الموت القيامة فمن مات فقد قامت قيامته (٤) وَقَالَ ﷺ إِذَا مَاتَ أحدكم عرض عليه مقعده غدوة وعشية إن كان من أهل الجنة فمن الجنة وإن كان من أهل النار فمن النار ويقال هذا مقعدك حتى تبعث إليه يوم القيامة (٥) وليس يخفى ما في مشاهدة المقعدين من عذاب ونعيم في الحال وعن أبي قيس قال كنا مع علقمة في جنازة فقال أما هذا فقد قامت قيامته وقال علي كرم الله وجهه
حرام على نفس أن تخرج من الدنيا حتى تعلم من أهل الجنة هى أم من أهل النار وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من مات غريبا مات شهيدا ووقى فتانات القبر وغدى وريح عليه برزقه من الجنة (١) وقال مسروق ما غبطت مؤمنا في اللحد قد استراح من نصب الدنيا وأمن عذاب الله تعالى وقال يعلى بن الوليد كنت أمشي يوما مع أبي الدرداء فقلت له ما تحب لمن تحب قال الموت قلت فإن لم يمت قال يقل ماله وولده وإنما أحب الموت لأنه لا يحبه إلا المؤمن والموت إطلاق المؤمن من السجن وإنما أحب قلة المال والولد لأنه فتنة وسبب للأنس بالدنيا والأنس بمن لا بد من فراقه غاية الشقاء فكل ما سوى الله وذكره والأنس به فلا بد من فراقه عند الموت لا محالة ولهذا قال عبد الله بن عمرو إنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه أو روحه مثل رجل بات في سجن فأخرج منه فهو يتفسح في الأرض ويتقلب فيها وهذا الذي ذكره حال من تجافى عن الدنيا وتبرم بها ولم يكن له أنس إلا بذكر الله تعالى وكانت شواغل الدنيا تحبسه عن محبوبه ومقاساة الشهوات تؤذيه فكان في الموت خلاصه من جميع المؤذيات وانفراده بمحبوبه الذي كان به أنسه من غير عائق ولا دافع وما أجدر ذلك بأن يكون منتهى النعيم واللذات وأكل اللذات للشهداء الذين قتلوا في سبيل الله لأنهم ما أقدموا على القتال إلا قاطعين التفاتهم عن علائق الدنيا مشتاقين إلى لقاء الله راضين بالقتل في طلب مرضاته فإن نظر إلى الدنيا فقد باعها طوعا بالآخرة والبائع لا يلتفت قلبه إلى المبيع وإن نظر إلى الآخرة فقد اشتراها وتشوق إليها فما أعظم فرحه بما اشتراه إذا رآه وما أقل التفاته إلى ما باعه إذا فارقه وتجرد القلب لحب الله تعالى قد يتفق في بعض الأحوال ولكن لا يدركه الموت عليه فيتغير والقتال سبب للموت فكان سببا لإدراك الموت على مثل هذه الحالة فلهذا عظيم النعيم إذ معنى النعيم أن ينال الإنسان ما يريده قال الله تعالى ﴿ولهم ما يشتهون﴾ فكان هذا أجمع عبارة لمعاني لذات الجنة وأعظم العذاب أن يمنع الإنسان عن مراده كما قال الله تعالى ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ فكان هذا أجمع عبارة لعقوبات أهل جهنم وهذا النعيم يدركه الشهيد كما انقطع نفسه
أن يمنع الإنسان عن مراده كما قال الله تعالى ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ فكان هذا أجمع عبارة لعقوبات أهل جهنم وهذا النعيم يدركه الشهيد كما انقطع نفسه من غير تأخير وهذا أمر انكشف لأرباب القلوب بنور اليقين وأن أردت عليه شهادة من جهة السمع فجميع أحاديث الشهداء تدل عليه وكل حديث يشتمل على التعبير عن منتهى نعيمهم بعبارة أخرى فقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لجابر ألا أبشرك يا جابر وكان قد استشهد أبوه يوم أحد فقال بلى بشرك الله بالخير فقال إن الله ﷿ قد أحيا أباك وأقعده بين يديه وقال تمن علي يا عبدي ما شئت أعطيكه فقال يا رب ما عبدتك حق عبادتك أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك فأقتل فيك مرة أخرى قال له أنه قد سبق منى أنك إليها لا ترجع (٢) وقال كعب يوجد رجل في الجنة يبكي فيقال له لم تبكي وأنت في الجنة قال أبكي لأني لم أقتل في الله إلا قتلة واحدة فكنت أشتهى أن أرد فأقتل فيه قتلات واعلم أن المؤمن ينكشف له عقيب الموت من سعة جلال الله ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كالسجن والمضيق
له إلا قتلة واحدة فكنت أشتهى أن أرد فأقتل فيه قتلات واعلم أن المؤمن ينكشف له عقيب الموت من سعة جلال الله ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كالسجن والمضيق
ويكون مثاله كالمحبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستان واسع الأكناف لا يبلغ طرفه أقصاه فيه أنواع الأشجار والأزهار والثمار والطيور فلا يشتهى العود إلى السجن المظلم وقد ضرب لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مثلا فقال لرجل مات أصبح هذا مرتحلا عن الدنيا وتركها لأهلها فإن كان قد رضي فلا يسره أن يرجع إلى الدنيا كما لا يسر أحدكم أن يرجع إلى بطن أمه (١) فعرفك بهذا أن نسبة سبعة الآخرة إلى الدنيا كنسبة سعة الدنيا إلى ظلمة الرحم وقال ﷺ أن مثل المؤمن في الدنيا كمثل الجنين في بطن أمه إذا خرج من بطنها بكى على مخرجه حتى إذا رأى الضوء ووضع لم يحب أن يرجع إلى مكانه (٢) وكذلك المؤمن يجزع من الموت فإذا أفضى إلى ربه لم يحب أن يرجع إلى الدنيا كما لا يحب الجنين أن يرجع إلى بطن أمه وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إن فلانا قد مات فقال مستريح أو مستراح منه (٣) أشار بالمستريح إلى المؤمن وبالمستراح منه إلى الفاجر إذ يستريح أهل الدنيا منه وقال أبو عمر صاحب السقيا مر بنا ابن عمر ونحن صبيان فنظر إلى قبر فإذا جمجمة بادية فأمر رجلا فواراها ثم قال إن هذه الأبدان ليس يضرها هذا الثرى شيئا وإنما الأرواح التي تعاقب وتثاب إلى يوم القيامة وعن عمرو بن دينار قال ما من ميت يموت إلا وهو يعلم ما يكون في أهله بعده وإنهم ليغسلونه ويكفنونه وإنه لينظر إليهم وقال مالك بن أنس بلغني أن أرواح المؤمنين مرسلة تذهب حيث شاءت وقال النعمان ابن بشير سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ على المنبر يقول ألا إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب يمور في جوها فالله الله في إخوانكم من أهل القبور فإن أعمالكم تعرض عليهم (٤) وقال أبو هريرة قال النبي ﷺ لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور (٥) ولذلك قال أبو الدرداء اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة وكان قد مات وهو خاله وسئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن أرواح المؤمنين إذا ماتوا أين هي قال في حواصل طير بيض في
عمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة وكان قد مات وهو خاله وسئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن أرواح المؤمنين إذا ماتوا أين هي قال في حواصل طير بيض في ظل العرش وأرواح الكافرين في الأرض السابعة وقال أبو سعيد الخدري سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول إن الميت يعرف من يغسله ومن يحمله ومن يدليه في قبره (٦) وقال صالح المري بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم كيف كان مأواك وفي أي الجسدين كنت في طيب أو خبيث وقال عبيد بن عمير أهل القبور يترقبون الأخبار فإذا أتاهم الميت قالوا ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم أو
ما قدم عليكم فيقولون ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ سلك به غير سبيلنا وعن جعفر بن سعيد قال إذا مات الرجل استقبله ولده كما يستقبل الغائب وقال مجاهد إن الرجل ليبشر بصلاح ولده في قبره وروى أبو أيوب الأنصاري عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل الرحمة من عند الله كما يتلقى البشير في الدنيا يقولون انظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في كرب شديد فيسألونه ماذا فعل فلان وماذا فعلت فلانه وهل تزوجت فلانة فإذا سألوه عن رجل ميت قبله وقال مات قبلي قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية (١) حديث يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور والطبراني في مسند الشامين وأبو أحمد الحاكم في السكني من حديث أبي الحجاج التمالي بإسناد ضعيف // والفذاذ هو الذي يقدم رجلا ويؤخر أخرى هكذا فسره الراوي وقال عبيد بن عمير الليثي ليس من ميت يموت إلا نادته حفرته التي يدفن فيها أنا بيت الظلمة والوحدة والإنفراد فإن كنت في حياتك لله مطيعا كنت عليك اليوم رحمة وإن كنت عاصيا فأنا اليوم عليك نقمة أنا الذي من دخلني مطيعا خرج مسرورا ومن دخلني عاصيا خرج مثبورا وقال محمد بن صبيح بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره عذب أو أصابه بعض ما يكره ناداه جيرانه من الموتى أيها المتخلف في الدنيا بعد إخوانه وجيرانه أما كان لك فينا معتبر أما كان لك في متقدمنا إياك فكرة أما رأيت انقطاع أعمالنا عنا وأنت في المهلة فهلا استدركت ما فات إخوانك وتناديه بقاع الأرض أيها المغتر بظاهر الدنيا هلا اعتبرت بمن غيب من أهلك في بطن الأرض ممن غرته الدنيا قبلك ثم سبق به أجله إلى القبور وأنت تراه محمولا تهاداه أحبته إلى المنزل الذي لا بد له منه وقال يزيد الرقاشي بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله ثم أنطقها الله فقالت أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم عندنا وقال كعب إذا وضع العبد الصالح في القبر احتوشته أعماله الصالحة الصلاة والصيام والحج والجهاد والصدقة قال فتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه
ك اليوم عندنا وقال كعب إذا وضع العبد الصالح في القبر احتوشته أعماله الصالحة الصلاة والصيام والحج والجهاد والصدقة قال فتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة إليكم عنه فلا سبيل لكم عليه فقد أطال بي القيام لله عليهما فيأتونه من قبل رأسه فيقول الصيام لا سبيل لكم عليه فقد أطال ظمأه لله في الدار الدنيا فلا سبيل لكم عليه فيأتونه من قبل جسده فيقول الحج والجهاد إليكم عنه فقد أنصب نفسه وأتعب بدنه وحج وجاهد لله فلا سبيل لكم عليه قال فيأتونه من قبل يديه فتقول الصدقة كفوا عن صاحبي فكم من صدقه خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد الله تعالى ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه قال فيقال له هنيئا طبت حيا وطبت ميتا قال وتأتيه ملائكة الرحمة فتفرش له فراشا من الجنة ودثارا من الجنة ويفسح له في قبره مد بصره ويؤتى بقنديل من الجنة
فيستضيء بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره وقال عبد الله بن عبيد بن عمير في جنازة بلغني أن رسول الله ﷺ قال إن الميت يقعد وهو يسمع خطو مشيعيه فلا يكلمه شيء إلا قبره ويقول ويحك ابن آدم أليس قد حذرتني وحذرت ضيقي ونتني وهولي ودودي فماذا أعددت لي (١) بيان عذاب القبر وسؤال منكر ونكير
خطو مشيعيه فلا يكلمه شيء إلا قبره ويقول ويحك ابن آدم أليس قد حذرتني وحذرت ضيقي ونتني وهولي ودودي فماذا أعددت لي (١) بيان عذاب القبر وسؤال منكر ونكير
قال البراء بن عازب خرجنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فجلس رسول الله ﷺ على قبره منكسا رأسه ثم قال اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثا ثم قال إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة بعث الله ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم حنوطه وكفنه فيجلسون مد بصره فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت أبواب السماء فليس منها باب إلا يحب أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه قيل أي رب عبدك فلان فيقول ارجعوه فأروه ما أعددت له من الكرامة فإني وعدته منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال يا هذا من ربك وما دينك وما نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد ﷺ قال فينتهرأنه انتهارا شديدا وهي آخر فرصة تعرض على الميت فإذا قال ذلك نادى مناد أن قد صدقت وهي معنى قوله تعالى ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول أبشر برحمة ربك وجنات فيها نعيم مقيم فيقول وأنت فبشرك الله بخير من أنت فيقول أنا عملك الصالح والله ما علمت أن كنت لسريعا إلى طاعة الله بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا ﴿قال﴾ ثم يناد مناد أن افرشوا له من فرش الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيفرش له من فرش الجنة ويفتح له باب إلى الجنة فيقول اللهم عجل قيام الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ﴿قال﴾ وأما الكافر فإنه إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة غلاظ شداد معهم ثياب من نار وسرابيل من قطران فيحتوشونه فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وغلقت أبواب السماء فليس بها باب إلا يكره أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه نبذ وقيل أي ربعبدك فلان لم تقبله سماء ولا ارض فيقول الله ﷿ ارجعوه فأروه ما أعددت له من الشر إني وعدته ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ وأنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى
فيقول الله ﷿ ارجعوه فأروه ما أعددت له من الشر إني وعدته ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ وأنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال له يا هذا من ربك ومن نبيك وما دينك فيقول لا أدرى فيقال لا دريت ثم يأتيه آت قبيح الوجه منتن الريح قبيح الثياب فيقول أبشر بسخط من الله وبعذاب أليم مقيم فيقول بشرك الله شرا من أنت فيقول أنا عملك الخبيث والله إن كنت لسريعا في معصية الله بطيئا عن طاعة الله فجزاك الله شرا فيقول وأنت فجزاك الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم معه مرزبة من حديد لو اجتمع عليها الثقلان على أن يقلوها لم يستطيعوا لو ضرب بها جبل صار ترابا فيضربه بها ضربة فيصير ترابا ثم تعود فيه الروح فيضربه بها بين عينيه ضربة يسمعها من على الأرضين ليس الثقلين ﴿قال﴾ ثم ينادي مناد أن افرشوا له لوحين من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيفرش له لوحان من نار ويفتح له باب إلى النار (٢) وقال محمد بن علي ما من ميت يموت إلا مثل له
عند الموت أعماله الحسنة وأعماله السيئة قال فيشخص إلى حسناته ويطرق عن سيئاته وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال أيتها النفس المطمئنة اخرجي راضية ومرضيا عنك إلى روح الله وكرامته فإذا أخرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وبعث بها إلى عليين وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة ومسخوط عليك إلى هوان الله وعذابه فإذا أخرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وأن لها نشيشا ويطوى عليها المسح ويذهب بها إلى سجين (١) وعن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقرأ قوله تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربي أرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت قال أي شيء تريد في أي شيء ترغب أتريد أن ترجع لتجمع المال وتغرس الغراس وتبني البنيان وتشق الأنهار قال لا لعلي أعمل صالحاً فيما تركت قال فيقول الجبار ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها﴾ أي ليقولنها عند الموت وقال أبو هريرة قال النبي ﷺ المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب له في قبره سبعون ذراعا ويضىء حتى يكون كالقمر ليلة البدر هل تدرون فيماذا أنزلت فإن له معيشة ضنكاً قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين تسعة وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون (٢) ولا ينبغي أن يتعجب من هذا العدد على الخصوص فإن أعداد هذه الحيات والعقارب بعدد الأخلاق المذمومة من الكبر والرياء والحسد والغل والحقد وسائر الصفات فإن لها أصولا معدودة ثم تتشعب منها فروع معدودة ثم تنقسم فروعها إلى أقسام وتلك الصفات بأعيانها هي المهلكات وهي بأعيانها تنقلب عقارب وحيات فالقوي منها يلدغ لدغ التنين والضعيف يلدغ لدغ العقرب وما بينهما يؤذي إيذاء الحية وأرباب القلوب والبصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات والشعاب فروعها إلا أن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة وأسرار خفية ولكنها
شاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات والشعاب فروعها إلا أن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة وأسرار خفية ولكنها عند أرباب البصائر واضحة فمن لم تنكشف له حقائقها فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها بل أقل درجات الإيمان التصديق والتسليم فإن قلت فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ونراقبه ولا نشاهد شيئا من ذلك فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة فأعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا إحداهما وهو الأظهر والأصح والأسلم أن تصدق بأنها موجودة وهي تلدغ الميت ولكنك لا تشاهد ذلك فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من علم الملكوت أما ترى الصحابة ﵃ كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون بأنه ﵇ يشاهده فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهم عليك وإن كنت آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي مالا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات فالحيات والعقارب التي تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا بل هي جنس آخر وتدرك بحاسة أخرى
وز هذا في الميت وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات فالحيات والعقارب التي تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا بل هي جنس آخر وتدرك بحاسة أخرى
المقام الثاني أن تتذكر أمر النائم وأنه قد يرى في نومه حية تلدغه وهو يتألم بذلك حتى تراه يصبح في نومه ويعرق جبينه وقد ينزعج من مكانه كل ذلك يدركه من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان وهو يشاهده وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى حواليه حية والحية موجودة في حقه والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد وإذا كان العذاب في ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد المقام الثالث أنك تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها وهو السم ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضى إليه في العادة فإنه لو خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع لم يمكن تعريفها إلا بالإضافة إليه لتكون الإضافة للتعريف بالسبب وتكون ثمرة السبب حاصلة وإن لم تحصل صورة السبب السبب يراد لثمرته لا لذاته
ة صورة الوقاع لم يمكن تعريفها إلا بالإضافة إليه لتكون الإضافة للتعريف بالسبب وتكون ثمرة السبب حاصلة وإن لم تحصل صورة السبب السبب يراد لثمرته لا لذاته وهذه الصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت فتكون آلامها كآلام لدغ الحيات من غير وجود حيات وانقلاب الصفة مؤذية يضاهي انقلاب العشق مؤذيا عند موت المعشوق فإن كان لذيذا فطرأت حالة صار اللذيذ بنفسه مؤلما حتى يرد بالقلب وأنواع العذاب ما يتمنى معه إن لم يكن قد تنعم من العشق والوصال بل هذا بعينه أحد أنواع عذاب الميت فإنه قد سلط العشق في الدنيا على نفسه فصار يعشق ماله وعقاره وجاهه وولده وأقاربه ومعارفه ولو أخذ جميع ذلك في حياته من لا يرجو استرجاعه منه فماذا ترى يكون حاله أليس يعظم شقاؤه ويشتد عذابه ويتمنى ويقول ليته لم يكن لي مال قط ولا جاه قط فكنت لا أتاذى بفراقه فالموت عبارة عن مفارقة المحبوبات الدنيوية كلها دفعة واحدة ما حال من كان له واحد ... غيب عنه ذلك الواحد فما حال من لا يفرح إلا بالدنيا فتؤخذ منه الدنيا وتسلم إلى أعدائه ثم ينضاف إلى هذا العذاب تحسره على ما فاته من نعيم الآخرة والحجاب عن الله ﷿ فإن حب غير الله يحجبه عن لقاء الله والتنعم به فيتوالى عليه ألم فراق جميع محبوباته وحسرته ما فاته من نعيم الآخرة أبد الآباد وذل الرد والحجاب عن الله تعالى وذلك هو العذاب الذي يعذب به إذ لا يتبع نار الفراق إلا نار جهنم كما قال تعالى ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم﴾ وأما من لم يأنس بالدنيا ولم يحب إلا الله وكان مشتاقا إلى لقاء الله فقد تخلص من سجن الدنيا ومقاساة الشهوات فيها وقدم على محبوبه وانقطعت عنه العوائق والصوارف وتوفر عليه النعيم مع الأمن من الزوال أبد الآباد ولمثل ذلك فليعمل العاملون
جن الدنيا ومقاساة الشهوات فيها وقدم على محبوبه وانقطعت عنه العوائق والصوارف وتوفر عليه النعيم مع الأمن من الزوال أبد الآباد ولمثل ذلك فليعمل العاملون والمقصود أن الرجل قد يحب فرسه بحيث لو خير بين أن يؤخذ منه وبين أن تلدغه عقرب آثر الصبر على لدغ العقرب فإذن ألم فراق الفرس عنده أعظم من العقرب وحبه الفرس هو الذي يلدغه إذا أخذ منه فرسه فليستعد لهذه اللدغات فإن الموت يأخذ منه فرسه ومركبه وداره وعقاره وأهله وولده وأحبائه ومعارفه ويأخذ منه جاهه وقبوله بل يأخذ منه سمعه وبصره وأعضاءه وييأس من رجوع جميع ذلك إليه فإذا لم يحب سواه وقد أخذ جميع ذلك منه فذلك أعظم عليه من العقارب والحيات وكما لو أخذ ذلك منه وهو حي فيعظم عقابه فكذلك إذا مات لأنا قد بينا أن المعنى الذي هو المدرك للآلام واللذات لم يمت بل عذابه بعد الموت أشد لأنه في الحياة يتسلى بأسباب يشغل بها حواسه من مجالسة ومحادثة ويتسلى برجاء العود إليه ويتسلى برجاء العوض منه ولا سلوة
بعد الموت إذ قد انسد عليه طرق التسلي وحصل اليأس فإذن كل قميص له ومنديل قد أحبه بحيث كان يشق عليه لو أخذ منه فإنه يبقى متأسفا عليه ومعذبا به فإن كان مخفا في الدنيا سلم وهو المعني بقولهم نجا المخفون وإن كان مثقلا عظم عذابه وكما أن الحال من يسرق منه دينار أخف من حال من يسرق منه عشرة دنانير فكذلك حال صاحب الدرهم أخف من حال صاحب الدرهمين وهو المعنى بقوله ﷺ صاحب الدرهم أخف حسابا من صاحب الدرهمين (١) وما من شيء من الدنيا يتخلف عنك عند الموت إلا وهو حسرة عليك بعد الموت فإن شئت فاستكثر وإن شئت فاستقلل فإن استكثرت فلست بمستكثر إلا من الحسرة وإن استقللت فلست تخفف إلا من ظهرك وإنما تكثر الحيات والعقارب في قبور الأغنياء الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وفرحوا بها واطمأنوا إليها فهذه مقامات الإيمان في حيات القبر وعقاربه وفي سائر أنواع عذابه رأى أبو سعيد الخدري ابنا له قد مات في المنام فقال له يا بني عظني قال لا تخالف الله تعالى فيما يريد قال يا بني زدني قال يا أبت لا تطيق قال قل قال لا تجعل بينك وبين الله قميصا فما لبس قميصا ثلاثين سنة فإن قلت فما الصحيح من هذه المقامات الثلاث فأعلم أن في الناس من لم يثبت إلا الأول وأنكر ما بعده ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني ومنهم من لم يثبت إلا الثالث وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الإمكان وأن من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة الله سبحانه وعجائب تدبيره فينكر من أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ويألفه وذلك جهل وقصور بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكنة والتصديق بها واجب ورب عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع ورب عبد تجمع عليه هذه الأنواع الثلاثة نعوذ بالله من عذاب الله قليله وكثيره



