الاكتفا بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفا

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya أبو الربيع الكلاعي (w. 634 H).

Bagian 20 dari 40 1260 halaman

— Bagian 20 · ً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ و… —

Bagian 20

ً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، [التوبة: ٣٦] . ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذى هو بين جمادى وشعبان. أما بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن فى المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس، اسمعوا قولى واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه؛ فلا تظلمن أنفسكم.

اللهم هل بلغت؟» فذكر أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اشهد» «١» . وفى حديث جابر، أن رسول الله ﷺ قال للناس فى خطبته: «وأنتم تسألون عنى، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات، ثم إذن، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه. واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع وقد شنق القصواء الزمام حتى أرسلها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى اصفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها يسبع حصات، يكبر مع كل حصاة منها، رمى من بطن الوادى، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبروا شركة فى هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت فى قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ إلى البيت فى قدر فأفاض وصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا يا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» «٢» ، فناولوه دلوا، فشرب منه. ويروى أن ربيعة بن أمية بن خلف هو الذى كان يصرخ فى الناس يقول رسول الله

، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» «٢» ، فناولوه دلوا، فشرب منه. ويروى أن ربيعة بن أمية بن خلف هو الذى كان يصرخ فى الناس يقول رسول الله

صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة، يقول له رسول الله ﷺ: قل: «أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى شهر هذا؟» فيقوله لهم، فيقولون: الشهر الحرام، فيقول لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا، ثم يقول: قل: أيها الناس، إن رسول الله يقول: «هل تدرون أى بلد هذا؟» قال: فيصرخ به، فيقولون: البلد الحرام، فيقول: قل لهم: «إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة بلدكم هذا» ، ثم يقول: «قل: يا أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى يوم هذا؟» فيقول لهم، فيقولون: يوم الحج الأكبر، فيقول: «قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا» «١» . وقال عمرو بن خارجة: وقفت تحت ناقة النبى ﷺ وإن لعابها ليقع على رأسى، ورسول الله ﷺ واقف بعرفة، فسمعته وهو يقول: «أيها الناس، إن الله قد أدى إلى كل ذى حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا» «٢» . ولما وقف رسول الله ﷺ بعرفة قال: «هذا الموقف، للجبل الذى هو عليه، «وكل عرفة موقف» . وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة: «هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف» . ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: «هذا المنحر، وكل منى منحر» «٣» . فقضى رسول الله ﷺ الحج، وقد أراهم مناسكهم، وأعلمهم ما فرض عليهم من حجهم: من الموقف، ورمى الجمار، وطواف البيت، وما أحل لهم فى حجهم، وما حرم عليهم، فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يحج بعدها.

م من حجهم: من الموقف، ورمى الجمار، وطواف البيت، وما أحل لهم فى حجهم، وما حرم عليهم، فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يحج بعدها.

ذكر مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين ولما قفل رسول الله ﷺ من حجة الوداع أقام بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم وصفرا، وضرب على الناس بعثا إلى الشام، وهو البعث الذى أمر عليه أسامة بن زيد، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون، وكان آخر بعث بعثه رسول الله ﷺ فبينا الناس على ذلك ابتدئ صلوات الله عليه بشكوه الذى قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته فى ليال بقين من صفر أو فى أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ فيما ذكر أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل، فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك. حدث أبو مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: بعثنى رسول الله ﷺ من جوف الليل فقال: «يا أبا مويهبة، إنى قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معى» ، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى» ؛ ثم أقبل على فقال: «يا أبا مويهبة، إنى قد أوتيت مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة» ، فقلت: بأبى أنت وأمى فخذ مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة؛ قال: «لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربى والجنة» . ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ به وجعه الذى قبضه الله فيه «١» . وقالت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدنى وأنا أجد صداعا فى رأسى، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا والله يا عائشة، وا رأساه» . قالت:

ت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدنى وأنا أجد صداعا فى رأسى، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا والله يا عائشة، وا رأساه» . قالت: ثم قال: «وما ضرك لو مت قبلى، فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟» فقلت: والله لكأنى بك لو قد فعلت ذلك لرجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم رسول الله ﷺ وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى استعز به وهو فى بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن فى أن يمرض فى بيتى، فأذن له «٢» .

وفى غير حديث عائشة أن نساءه ﷺ كن يومئذ تسعا: عائشة بنت أبى بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب، وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، وزينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة القرشيات، وميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وجويرية بنت الحارث بن أبى ضرار المصطلقية، وصفية بنت حيى بن أخطب من بنى النضير. فهؤلاء التسع هن اللاتى توفى عنهن ﷺ وتوفى منهن قبله ﵇ خديجة بنت خويلد، وزيرته على الإسلام وأم بنيه وبناته كلهم ما خلا إبراهيم فإنه لسريته مارية القبطية، ولم يتزوج عليها رسول الله ﷺ حتى ماتت، وزينب بنت خزيمة من بنى هلال ابن عامر بن صعصعة: وكانت تسمى أم المساكين لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، فزينب هذه وخديجة توفيتا قبله، وبهما كمل عدد من بنى عليه رسول الله ﷺ من أزواجه ممن اتفق العلماء عليه إحدى عشرة امرأة، توفى منهن عن تسع كما ذكرنا. وقد عقد ﵇ على نساء غيرهن، فلم يبن فى المشهور من أقاويل العلماء بواحدة منهن، فاستغنينا لذلك عن ذكرهن. ونرجع الآن إلى حديث عائشة زوج النبى ﷺ لما استأذن أزواجه أن يمرض فى بيتها فأذن له، قالت: فخرج رسول الله ﷺ يمشى بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن عباس، ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه، حتى دخل بيتى. وعن ابن عباس: أن الرجل الآخر هو على بن أبى طالب. ثم غمر رسول الله ﷺ واشتد به وجعه، فقال: «هريقوا على من سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم» . فأقعدناه فى مخضب لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: «حسبكم حسبكم» «١» . قال الزهرى: حدثنى أبو أيوب بن بشير أن رسول الله ﷺ خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: «إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا والآخرة، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله» ، ففهمها أبو بكر وعرف أن نفسه يريد، فبكى وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال: «على رسلك يا أبا بكر» ، ثم قال: «انظروا هذه الأبواب

تار ما عند الله» ، ففهمها أبو بكر وعرف أن نفسه يريد، فبكى وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال: «على رسلك يا أبا بكر» ، ثم قال: «انظروا هذه الأبواب

اللافظة فى المسجد فسدوها إلا باب أبى بكر، فإنى لا أعلم أحدا كان أفضل فى الصحبة عندى يدا منه» «١» . وفى رواية: «فإنى لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده» . وعن عروة بن الزبير وغيره من العلماء أن رسول الله ﷺ استبطأ الناس فى بعث أسامة بن زيد وهو فى وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا فى إمرة أسامة أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار. فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: «أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمرى لئن قلتم فى إمارته لقد قلتم فى إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليق بها» «٢» ، ثم نزل رسول الله ﷺ وانكمش الناس فى جهازهم، واستعز برسول الله ﷺ وجعه، فخرج أسامة وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره وتتام إليه الناس، وثقل رسول الله ﷺ فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض فى رسوله ﵇. ومن حديث عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ أوصى بالأنصار يوم صلى واستغفر لأصحاب أحد، وذكر من أمرهم ما ذكر، فقال يومئذ: «يا معشر المهاجرين، استوصوا بالأنصار خيرا، فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم كانوا عيبتى التى آويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» «٣» ، ثم نزل رسول الله ﷺ ودخل بيته وتتام به وجعه حتى غمر. وفى الصحيحين من حديث عبيد الله بن عبد الله أنه قال لعائشة رضى الله عنها: ألا تحديثنى عن مرض رسول الله ﷺ؟ قالت: بلى، ثقل النبى ﷺ فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، قالت: ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، قالت: فاغتسل ثم ذهب

فاغتسل ثم ذهب لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، قالت: فاغتسل ثم ذهب

لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟» «١» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله عكوف فى المسجد ينتظرون النبى ﷺ لصلاة العشاء الآخرة فأرسل النبى ﷺ إلى أبى بكر بأن يصلى بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلى بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام. ومن حديث الأسود عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» . قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ، قالت: فقلت لحفصة: قولى له: إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقالت له، فقال رسول الله ﷺ: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» «٢» ، قالت: فأمروا أبا بكر، فلما دخل فى الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان فى الأرض، فلما دخل المسجد وسمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ: «أقم مكانك» ، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبى بكر، فكان رسول الله ﷺ يصلى بالناس جالسا، وأبو بكر قائما، يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ويقتدى الناس بصلاة أبى بكر. وعن عبد الله بن زمعة بن الأسود أنه كان عند رسول الله ﷺ فى نفر من المسلمين لما استعز به ودعاه بلال إلى الصلاة، فقال: «مروا من يصلى بالناس» ، قال: فخرجت فإذا عمر فى الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، فقام، فلما كبر سمع رسول الله ﷺ صوته وكان عمر رجلا مجهرا فقال رسول الله ﷺ: «فأين أبو بكر؟

يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون» ، فبعث إلى أبى بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس يريد ما بعد من الصلوات، فقال لى عمر: ويحك، ماذا صنعت فى يا ابن زمعة والله ما ظننت حين أمرتنى إلا أن رسول الله ﷺ أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس. قلت: والله ما أمرنى رسول الله ﷺ بذلك، ولكنى حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة للناس «١» . وعن أنس بن مالك قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف الستارة يوم الاثنين والناس صفوف فى الصلاة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكا، فبهتنا ونحن فى الصلاة من فرح بخروج النبى ﷺ ونكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل فأرخى الستر، فتوفى من يومه ذلك. وفى رواية عن أنس أن خروج رسول الله ﷺ إلى الناس كان وهم يصلون الصبح، وأنه لما رفع الستر وقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتتنون فى صلاتهم فرحا به حين رأوه، قال: وتبسم رسول الله ﷺ سرورا لما رأى من هيئتهم فى صلاتهم، وما رأيت رسول الله ﷺ أحسن هيئة منه تلك الساعة. قال: ثم رجع، وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله ﷺ قد أفرق من وجعه. وعن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى، حتى بل دمعه الحصا، قلت: يا ابن عباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه، فقال: «ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى» ، فتنازعوا وما ينبغى عند نبى تنازع وقالوا: ما شأنه، أهجر، استفهموه، قال: «دعونى، فالذى أنا فيه خير، أوصيكم بثلاث، أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» . قال: وسكت عن الثالثة أو قالها فأنسيتها. وفى حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبى ﷺ لما حضر وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبى ﷺ: «هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» «٢» ،

ى حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبى ﷺ لما حضر وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبى ﷺ: «هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» «٢» ،

فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت، منهم من يقول: قوموا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فقال رسول الله ﷺ: «قوموا» «١» ، لما أكثروا اللغو والاختلاف عنده. قال: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. وعن عبد الله بن مسعود قال: نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، بأبى هو ونفسى له الفداء، فلما دنا الفراق جمعنا فى بيت أمنا عائشة فنظر إلينا وتشدد ودمعت عيناه، وقال: «مرحبا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، آواكم الله، حفظكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، وقفكم الله، رزقكم الله، هداكم الله، نصركم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصى الله ﷿ بكم وأستخلفه عليكم، وأذكركم الله وأشهدكم أنى لكم منه نذير وبشير أن لا تعلوا على الله فى عباده وبلاده فإنه ﷿ قال لى ولكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الزمر: ٣٢] ، وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [٦٠: الزمر] » ، قلنا: متى أجلك يا رسول الله؟ قال: «دنا الأجل والمنقلب إلى الله ﷿ وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى والفردوس الأعلى والكأس الأوفى والعيس والحظ المهنى» . قلنا: فمن يغسلك يا رسول الله؟ قال: «رجال أهل بيتى الأدنى فالأدنى» ، قلنا: ففيم نكفنك يا رسول الله؟ قال: «فى ثيابى هذه إن شئتم أو فى بياض مصر أو حلة يمانية» ، قلنا: فمن يصلى عليك يا رسول الله؟ قال: فبكى وبكينا، فقال: «مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا إذا أنتم غسلتمونى وكفنتمونى فضعونى على شفير قبرى ثم اخرجوا عنى ساعة، فإن أول من يصلى على خليلى وجليسى

فقال: «مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا إذا أنتم غسلتمونى وكفنتمونى فضعونى على شفير قبرى ثم اخرجوا عنى ساعة، فإن أول من يصلى على خليلى وجليسى

جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده بأجمعهم مع الملائكة ﵈، ثم ادخلوا على أفواجا فصلوا على وسلموا تسليما، ولا يؤمكم أحد ولا تؤذونى بتزكية ولا نصيحة ولا برنة، واقرؤا أنفسكم منى السلام، ومن كان غائبا من أصحابى فأبلغوه عنى السلام، وأشهدكم أنى قد سلمت على من دخل فى الإسلام وعلى من تابعنى على دينى من اليوم إلى يوم القيامة» . قلنا: فمن يدخلك قبرك يا رسول الله؟ قال: «رجال أهل بيتى الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثير يرونكم من حيث لا ترونهم» «١» . وعن الفضل بن عباس أن رسول الله ﷺ قال له وهو موعوك قد عصب رأسه: «خذ بيدى» «٢» . قال: فأخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال: «ناد فى الناس» . فصحت فى الناس، فاجتمعوا إليه، فقال: «أما بعد، أيها الناس، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، وإنه قد دنا منى خفوف من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالى فليأخذ منه، ولا يقل رجل: إنى أخشى الشحناء من قبل رسول الله ﷺ ألا وأن الشحناء ليست من طبيعتى، ولا من شأنى، ألا وإن أحبكم إلى من أخذ منى حقا إن كان له أو حللنى، فلقيت الله ﷿ وأنا طيب النفس، وقد أرى أن هذا غير مغن عنى حتى أقوم فيكم مرارا» . قال الفضل: ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى فى الشحناء وغيرها، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن لى عندك ثلاثة دراهم، فقال: «أما إنا لا نكذب قائلا، ولا نستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندى؟» «٣» فقال: يا رسول الله، أتذكر يوم مر بك المسكين فأمرتنى فأعطيته ثلاثة دراهم؟ فقال: «أعطه يا فضل» «٤» ، ثم قال: «أيها الناس، من كان عنده شىء فليرده ولا يقل رجل: فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة» «٥» .

دراهم؟ فقال: «أعطه يا فضل» «٤» ، ثم قال: «أيها الناس، من كان عنده شىء فليرده ولا يقل رجل: فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة» «٥» . فقام رجل فقال: يا رسول الله، عندى ثلاثة دراهم غللتها فى سبيل الله، قال: «ولم غللتها؟» قال: كنت إليها محتاجا، قال: «خذها منه يا فضل» ، ثم قال: «من

خشى من نفسه شيئا فليقم أدع له» ، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إنى لكذوب، وإنى لفاحش، وإنى لنؤم. فقال: «اللهم ارزقه الصدق وأذهب عنه النوم إذا أراد» . ثم قال رجل فقال: والله يا رسول الله إنى لكذاب وإنى لمنافق وما شىء أو إن شىء إلا قد جئته. فقام عمر بن الخطاب فقال: فضحت نفسك أيها الرجل، فقال النبى ﷺ: «يا ابن الخطاب، فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهم ارزقه صدقا وإيمانا وصير أمره إلى خير» . فقال عمر كلمة، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «عمر معى وأنا مع عمر والحق بعدى مع عمر حيث كان» «١» . وعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه وأمسح عنه بيمينه رجاء بركتها. وعنها قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ ولا أغبط أحدا بهون موت بعد الذى رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ. وقالت رضى الله عنها: رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده فى القدح ثم يمسح وجهه ﷺ بالماء، ثم يقول: «اللهم أعنى على منكرات الموات أو سكرات الموت» «٢» . وعنها، وعن عبد الله بن عباس أيضا قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يلقى خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» «٣» . يحذرهم مثل ما صنعوا. وعن أسامة بن زيد قال: لما ثقل النبى ﷺ وهبطت وهبط الناس معى إلى المدينة يعنى

اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» «٣» . يحذرهم مثل ما صنعوا. وعن أسامة بن زيد قال: لما ثقل النبى ﷺ وهبطت وهبط الناس معى إلى المدينة يعنى

الجيش الذى كان تهيأ للخروج معه فى بعثه قال: فدخلت على رسول الله ﷺ وقد أصمت فلا يتكلم، وجعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يضعهما على، أعرف أنه يدعو لى. وذكر ابن إسحاق «١» : من حديث أبى بكر بن عبد الله بن أبى مليكة أن مما تكلم به رسول الله ﷺ للناس يوم صلى قاعدا عن يمين أبى بكر أن قال لهم لما فرغ من الصلاة وأقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد، يقول: «يا أيها الناس، سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إنى والله ما تمسكون على بشىء، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن» . قال: فلما فرغ رسول الله ﷺ من كلامه قال له أبو بكر: يا رسول الله، إنى أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب، واليوم يوم بنت خارجة، أفآتيها؟ قال: «نعم» ، ثم دخل رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح «٢» . وعن عبد الله بن عباس قال: خرج يومئذ على بن أبى طالب رضى الله عنه على الناس من عند رسول الله ﷺ فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا. قال: فأخذ العباس بيده، ثم قال: يا على، أنت والله عبد العصا، بعد ثلاث مرات، أحلف بالله لقد رأيت الموت فى وجه رسول الله ﷺ كما كنت أعرفه فى وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان فى غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس. فقال على: إنى والله لا أفعل، والله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده، فتوفى رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم.

ان فى غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس. فقال على: إنى والله لا أفعل، والله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده، فتوفى رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم. وقالت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله ﷺ فى ذلك اليوم حين دخل المسجد فاضطجع فى حجرى، فدخل على رجل من آل أبى بكر وفى يده سواك أخضر، فنظر إليه رسول الله ﷺ فى يده نظرا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله، أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: «نعم» ، قالت: فأخذته فمضغته له حتى لينته، ثم أعطيته إياه؛ قالت: فاستن به كأشد ما رأيته استن بسواك قط، ثم وضعه؛ ووجدت رسول الله ﷺ يثقل فى حجرى، فذهبت أنظر فى وجهه، فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» «٣» ؛ قالت: فقلت: خيرت فاخترت والذى بعثك بالحق.

وقالت: كان ﵇ كثيرا ما أسمعه يقول: «إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره» ، فلما حضر كان آخر كلمة سمعتها منه وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» فقلت: إذا والله لا يختارنا، وعرفت أنه الذى كان يقول لنا: «إن نبيا لم يقبض حتى يخير» «١» . قالت: وقبض رسول الله ﷺ. وعن أنس بن مالك قال: لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة، واكرباه لكربك يا أبة، فقال النبى ﷺ: «لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة» «٢» . وقالت عائشة رضى الله عنها: كان آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» «٣» . وقالت أم سلمة: كان عامة وصية رسول الله ﷺ عند موته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» «٤» ، حتى جعل يلجلجها فى صدره، وما يقبض بها لسانه. وقال أنس بن مالك: شهدته يوم توفى ﷺ فلم أر يوما كان أقبح منه.

وقالت عائشة: توفى رسول الله ﷺ بين سحرى ونحرى، وفى دولتى «١» ، لم أظلم فيه أحدا، فمن سفهى وحداثة سنى أن رسول الله ﷺ قبض وهو فى حجرى، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت التدم مع النساء، وأضرب وجهى «٢» . واختلف أهل العلم بهذا الشأن فى اليوم الذى توفى فيه رسول الله ﷺ من الشهر بعد اتفاقهم على أنه توفى يوم الاثنين فى شهر ربيع الأول. فذكر الواقدى وجمهور الناس أنه توفى يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة، وهذا لا يصح، وقد جرى فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه، وذلك أن المسلمين قد أجمعوا على أن وقفة النبى ﷺ بعرفة فى حجة الوداع كانت يوم الجمعة تاسع ذى الحجة من سنة عشر، فاستهل هلال ذى الحجة على هذا ليلة الخميس، ثم لا يخلو شهر ذى الحجة والمحرم بعده من سنة إحدى عشرة ثم صفر بعده أن تكون هذه الأشهر الثلاثة كاملة كلها أو ناقصة كلها، أو اثنان منها كاملين وواحد ناقصا، أو اثنان منها ناقصين وواحد كاملا، وأيا ما قدرت من ذلك واعتبرته لم تجد الثانى عشر من ربيع الأول يكون يوم الاثنين أصلا. وذكر أبو جعفر الطبرى بإسناد يرفعه إلى فقهاء أهل الحجاز، قالوا: قبض رسول الله ﷺ نصف النهار يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول. وهذا القول وإن خالف ما ذكره جهور العلماء فإنه أولى بالصواب، وأمكن أن يكون حقا، فإنه إن كانت الأشهر الثلاثة كل شهر منها من تسعة وعشرين يوما كان استهلال شهر ربيع الأول على ذلك بالأحد فكان يوم الاثنين ثانيه. وقد حكى الخوارزمى أنه ﷺ توفى أول يوم من شهر ربيع الأول، وهذا أيضا أمكن وأكثر إذ اتصال النقص فى ثلاثة أشهر لا يكون إلا قليلا، والله تعالى أعلم. ولما توفى رسول الله ﷺ وارتفعت الرنة عليه وسجته الملائكة دهش الناس كما روى عن غير واحد من الصحابة وطاشت عقولهم، وأفحموا، واهتلطوا، فمنهم من خبل، ومنهم من أصمت، ومنهم من أقعد إلى الأرض، فكان عمر رضى الله عنه ممن خبل، فجعل يصيح ويقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفى وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين

فجعل يصيح ويقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفى وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين

ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ كما رجع موسى، فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله ﷺ مات. وأما عثمان بن عفان رضى الله عنه فأخرس حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يتكلم. وأقعد على رضى الله عنه فلم يستطع حراكا. وأضنى عبد الله بن أنيس. وبلغ الخبر أبا بكر رضى الله عنه وهو بالسنح فجاء وعيناه تهملان وزفراته تترد فى صدره وغصصه ترتفع كقطع الحرة وهو فى ذلك رضوان الله عليه جلد العقل والمقالة، حتى دخل على رسول الله ﷺ فأكب عليه وكشف عن وجهه ومسحه وقبل جبينه وجعل يبكى ويقول: بأبى أنت وأمى طبت حيا وميتا، ولنقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، ولولا أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس، لولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشون، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وأدناف يتخالفان لا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك، فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا. ثم خرج إلى الناس وهم فى عظيم غمراتهم وشديد سكراتهم فقام فيهم بخطبة جلها الصلاة على النبى ﷺ وقال فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع، وأن الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحق المبين ... فى كلام طويل، ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، وإن الله قد تقدم إليكم فى أمره فلا تدعوه جزعا، قال الله ﵎:

ال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، وإن الله قد تقدم إليكم فى أمره فلا تدعوه جزعا، قال الله ﵎: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] . وإن الله سبحانه قد اختار لنبيه ﷺ ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يلفتنكم عن دينكم، فعاجلوا الشيطان بالخزى تعجزوه ولا تستنظروه فليلحق بكم.

فلما فرغ من خطبته التفت إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: يا عمر، أنت الذى بلغنى عنك أنك تقول على باب النبى ﷺ: والذى نفس عمر بيده ما مات نبى الله أما علمت أن رسول الله ﷺ قال يوم كذا: كذا وكذا، وقال يوم كذا: كذا وكذا، وقال الله تعالى فى كتابه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٣٠: الزمر] . فقال عمر: والله لكأنى لم أسمع بها فى كتاب الله تعالى قبل ذلك لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزل وأن الحديث كما حدث وأن الله ﵎ حى لا يموت، صلوات الله على رسوله، وعند الله نحتسب رسوله. وفى بعض سياق هذا الخبر أن أبا بكر رضى الله عنه لما دخل على رسول الله ﷺ فى بيت عائشة ورسول الله ﷺ مسجى فى ناحية البيت عليه برد حبرة، أقبل حتى كشف عن وجه رسول الله ﷺ ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبى أنت وأمى، أما الموتة التى كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، ثم رد البرد على وجه رسول الله ﷺ ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: يا عمر، أنصت. فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل يكلم الناس، فلما سمع الناس كلام أبى بكر أقبلوا عليه وتركوا عمر؛ فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ثم تلا هذه الآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤] إلى آخر الآية. قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ؛ وأخذها الناس عن أبى بكر، فإنما هى فى أفواهم. وقال عمر رضى الله عنه: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت «١» حتى وقعت إلى الأرض، ما تحملنى رجلاى، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات «٢» . وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيما كان منه يومئذ: لعمرى لقد أيقنت أنك ميت ... ولكنما أبدى الذى قلته الجزع وقلت يغيب الوحى عنا لفقده ... كما غاب موسى ثم يرجع كما رجع وكان هواى أن تطول حياته ... وليس لحى فى بقا ميت طمع

ك ميت ... ولكنما أبدى الذى قلته الجزع وقلت يغيب الوحى عنا لفقده ... كما غاب موسى ثم يرجع كما رجع وكان هواى أن تطول حياته ... وليس لحى فى بقا ميت طمع

فلما كشفنا البرد عن حر وجهه ... إذا الأمر بالجدع الموعب قد وقع فلم تك لى عند المصيبة حلية ... أرد بها أهل الشماتة والقذع سوى إذن الله الذى فى كتابه ... وما أذن الله العباد به يقع وقد قلت من بعد المقالة قولة ... لها فى حلوق الشامتين به بشع ألا إنما كان النبى محمد ... إلى أجل وافى به الموت فانقطع ندين على العلات منا بدينه ... ونعطى الذى أعطى ونمنع ما منع ووليت محزونا بعين سخينة ... أكفكف دمعى والفؤاد قد انصدع وقلت لعينى كل دمع ذخرته ... فجودى به إن الشجى له دفع وذكر ابن إسحاق «١» بإسناد يرفعه إلى عبد الله بن عباس قال: إنى لأمشى مع عمر فى خلافته وهو عامد إلى حاجة له، وفى يدة الدرة ما معه غيرى، وهو يحدث نفسه ويضرب وخشى قدمه بدرته، إذ التفت إلى فقال: يا ابن عباس، هل تدرى ما حملنى على مقالتى التى قلت حين توفى الله ورسوله ﷺ؟ قال: قلت: لا أدرى يا أمير المؤمنين؛ أنت أعلم. قال: فإنه والله، إن حملنى على ذلك إلا أنى كنت أقرأ هذه الآية: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [١٤٣: البقرة] ، فو الله إن كنت لأظن أن رسول الله ﷺ سيبقى فى أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذى حملنى على أن قلت ما قلت «٢» .

يْكُمْ شَهِيداً [١٤٣: البقرة] ، فو الله إن كنت لأظن أن رسول الله ﷺ سيبقى فى أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذى حملنى على أن قلت ما قلت «٢» . وذكر موسى بن عقبة أن المقام الذى قام به أبو بكر رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله ﷺ وبعد الذى كان من عمر من القول هو أنه خرج سريعا إلى المسجد من بيت رسول الله ﷺ يتوطأ رقاب الناس حتى جاء المنبر وعمر يكلم الناس ويوعد من زعم أن رسول الله ﷺ مات، فجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا، فقام أبو بكر على المنبر فنادى الناس أن اجلسوا وأنصتوا، فتشهد بشهادة الحق، ثم قال: إن الله قد نعى نبيكم لنفسه وهو حى بين أظهركم، ونعى لكم أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا الله، يقول الله ﷿: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [١٤٤: آل عمران] . وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٣٠: الزمر]

قِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [١٤٤: آل عمران] . وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٣٠: الزمر]

وقال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ٣٥، الأنبياء، ٥٧] . وقال: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] . وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: ٢٦] . ثم قال: إن الله عمر محمدا وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلغ رسالة الله وجاهد أعداء الله حتى توفاه الله صلوات الله عليه وهو على ذلك وتركتم على الطريقة، فلا يهلك هالك إلا من بعد البينة، فمن كان الله ربه فإن الله حى لا يموت فليعبده، ومن كان يعبد محمدا أو يراه، إلها فقد هلك إلهه، فأفيقوا أيها الناس واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وإن كلمته باقية، وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه. وإن كتاب الله بين أظهرنا هو النور والشفاء وبه هدى الله محمدا، وفيه حلال الله وحرامه، لا والله ما نبالى من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله ﷺ فلا يبقين أحد إلا على نفسه. ثم انصرف وانصرف المهاجرون معه. بيعة أبى بكر رضى الله عنه وما كان من تحيز الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، ومنتهى أمر المهاجرين معهم قال ابن إسحاق «١» : ولما قبض رسول الله ﷺ انحاز هذا الحى من الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، واعتزل على بن أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله فى بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبى بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير فى بنى عبد الأشهل، فأتى آت إلى أبى بكر فقال: إن هذا الحى من الأنصار مع سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس من قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله ﷺ فى بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر: فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من

الأنصار حتى ننظر ما هم عليه. قال: وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار أن عبد الله بن عباس قال: أخبرنى عبد الرحمن بن عوف وكنت فى منزله بمنى أنتظره، وهو عند عمر فى آخر حجة حجها عمر قال: فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر فوجدنى فى منزله أنتظره، وكنت أقرئه القرآن، فقال لى: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك فى فلان يقول: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، والله ما كانت بيعة أبى بكر إلا فلتة فتمت. قال: فغضب عمر فقال: إنى إن شاء الله لقائم العشية فى الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. ثم قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم فى الناس، وإنى أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير ولا يعودها ولا يضعوها على موضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا، فيعى أهل الفقه مقالتك، ويضعونها موضعها. فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس «١» : فقدمنا المدينة فى عقب ذى الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حذوه تمس ركبتى ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف؛ قال:

نبر، فجلست حذوه تمس ركبتى ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف؛ قال: فأنكر على سعيد بن زيد ذلك. قال: وما عسى أن يقول مما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فإنى قائل لكم مقالة قد قدر لى أن أقولها ولا أدرى لعلها بين يدى أجلى، فمن عقلها ووعاها فليأخذنها حيث انتهت به راحلته، ومن خشى أن لا يعيها فلا يحل لأحد أن يكذب على؛ إن الله بعث محمدا ﷺ وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعلمناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم فى كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم فى كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف؛ ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم» أو «كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» ، ألا إن رسول الله ﷺ

الحبل أو الاعتراف؛ ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم» أو «كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» ، ألا إن رسول الله ﷺ

قال: «لا تطرونى كما أطرى عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله» «١» ؛ ثم إنه قد بلغنى أن فلانا قال: لو والله قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو ولا الذى بايعه، تغرة أن يقتلا، إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفوا فاجتمعوا بأشرافهم فى سقيفة بنى ساعدة، وتخلف عنا على بن أبى طالب والزبير بن العوام ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قال: قلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم فى سقيفة بنى ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا: وجع. فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم. قال: وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت فى نفسى مقالة قد أعجبتنى، أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر، وكنت أدارى منه بعض الحد، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فكرهت أن أعصيه، فتكلم، وهو كان أعلم منى وأوقر، فو الله ما ترك من كلمة أعجبتنى من تزويرى إلا قالها فى بديهته أو مثلها أو أفضل منها حتى سكت.

لك يا عمر. فكرهت أن أعصيه، فتكلم، وهو كان أعلم منى وأوقر، فو الله ما ترك من كلمة أعجبتنى من تزويرى إلا قالها فى بديهته أو مثلها أو أفضل منها حتى سكت. قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا هذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئا مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقى لا يقربنى ذلك إلى إثم أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. قال: فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم

أمير يا معشر قريش. قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى تخوفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد ابن عبادة. وذكر ابن إسحاق «١» عن الزهرى عن عروة أن أحد الرجلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة هو عويم بن ساعدة، وهو الذى قال فيه رسول الله ﷺ لما سئل: من الذين قال الله لهم: رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: ١٠٨] ، فقال ﵇: «نعم المرء منهم عويم بن ساعدة، وأما الرجل الآخر فهو: معن بن عدى» «٢» ، ويقال: إنه لما بكى الناس على رسول الله ﷺ حين توفاه الله وقالوا: والله لوددنا أن متنا قبله، إنا نخشى أن نفتتن بعده، قال معن بن عدى: لكنى والله ما أحب أنى مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا، وقتل ﵀ شهيدا اليمامة. وذكر ابن عقبة أنهم لما توجهوا إلى سقيفة بنى ساعدة وأراد عمر أن يتكلم ويسبق بالقول ويمهد لأبى بكر ويتهدد من هناك من الأنصار، وقال عمر: خشيت أن يقصر أبو بكر رضى الله عنه عن بعض الكلام وعن ما أجد فى نفسى من الشدة على من خالفنا زجره أبو بكر رضى الله عنه فقال: على رسلك فستكفى الكلام إن شاء الله تعالى، ثم سوف تقول بعدى ما بدا لك، فتشهد أبو بكر، وأنصت القوم، ثم قال:

ى من خالفنا زجره أبو بكر رضى الله عنه فقال: على رسلك فستكفى الكلام إن شاء الله تعالى، ثم سوف تقول بعدى ما بدا لك، فتشهد أبو بكر، وأنصت القوم، ثم قال: بعث الله محمدا بالهدى ودين الحق، فدعا رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعانا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما، ونحن عشيرته وأقاربه، وذوو رحمه، فنحن أهل النبوة وأهل الخلافة وأوسط الناس أنسابا فى العرب، ولدتنا العرب كلها، فليست منها قبيلة إلا لقريش فيها ولادة، ولن تعترف العرب ولا تصلح إلا على رجل من قريش، هم أصبح الناس وجوها، وأبسطه ألسنا، وأفضله قولا، فالناس لقريش تبع، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم قسمة إلا بلمه، وأنتم يا معشر الأنصار إخواننا فى كتاب الله وشركاؤنا فى الدين وأحب الناس إلينا، وأنتم الذين آووا ونصروا، وأنتم أحق الناس أن لا تحسدوهم على خير أتاهم الله إياه، فأنا أدعوكم إلى أحد هذين الرجلين: عمر بن الخطاب وأبى عبيدة

ابن الجراح ووضع يديه عليهما، وكان قائما بينهما فكلاهما قد رضيته للقيام بهذا الأمر، ورأيته أهلا لذلك. فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغى لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله، وثانى اثنين، وأمرك رسول الله ﷺ حين اشتكى فصليت بالناس، فأنت أحق بهذا الأمر. قالت الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، وما خلق الله قوما أحب إلينا ولا أعز علينا منكم، ولا أرضى عندنا هديا، ولكنا نشفق بعد اليوم، فلو جعلتم اليوم رجلا منكم فإذا مات أخذنا رجلا من الأنصار فجعلناه، فإذا مات أخذنا رجلا من المهاجرين فجعلناه، فكنا كذلك أبدا ما بقيت هذه الأمة بايعناكم ورضينا بذلك من أمركم، وكان ذلك أجدر إن يشفق القرشى إن زاغ أن ينقض عليه الأنصارى، وأن يشفق الأنصارى إن زاغ أن ينقض عليه القرشى. فقال عمر: لا ينبغى هذا الأمر ولا يصلح إلا لرجل من قريش، ولن ترضى العرب إلا به، ولن تعرف العرب الإمارة، إلا له، ولن تصلح إلا عليه، والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه.

ينبغى هذا الأمر ولا يصلح إلا لرجل من قريش، ولن ترضى العرب إلا به، ولن تعرف العرب الإمارة، إلا له، ولن تصلح إلا عليه، والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه. فقام الحباب بن المنذر من بنى سلمة «١» ، فقال: منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب، دفت علينا منكم دافة أرادوا أن يخرجونا من أصلنا ويختصونا من هذا الأمر، وإن شئتم كررناها جزعة. فكثر القول حتى كادت الحرب تقع بينهم، وأوعد بعضهم بعضا، ثم تراد المسلمون وعصم الله لهم دينهم، فرجعوا بقول حسن، وسلموا الأمر لله وعصوا الشيطان، ووثب عمر فأخذ بيد أبى بكر وقام أسيد بن حضير الأشهلى «٢» وبشير بن سعد أبو النعمان بن

بشير «١» يستبقان ليبايعا أبا بكر فسبقهما عمر فبايع ثم بايعا معا، ووثب أهل السقيفة يبتدرون البيعة، وسعد بن عبادة مضطجع يوعك، فازدحم الناس على أبى بكر، فقال رجل من الأنصار: اتقوا سعدا، لا تطؤه فتقتلوه. فقال عمر وهو مغضب: قتل الله سعدا، فإنه صاحب فتنة. فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد فقعد على المنبر فبايعه الناس حتى أمسى، وشغلوا عن دفن رسول الله حتى آخر الليل من ليلة الثلاثاء مع الصبح. وقال ابن أبى عزة القرشى الجمحى فى ذلك: شكرا لمن هو بالثناء خليق ... ذهب اللجاج وبويع الصديق من بعد ما دحضت بسعد نعله ... ورجا رجاء دونه العيوق جاءت به الأنصار عاصب رأسه ... فأتاهم الصديق والفاروق وأبو عبيدة والذين إليهم ... نفس المؤمل للبقاء تتوق كنا نقول لها على والرضى ... عمر وأولادهم بتلك عتيق فدعت قريش باسمه فأجابها ... إن المنوه باسمه الموثوق وذكر وثيمة بن موسى بن الفرات أنه كان لأشراف قريش فيما كان من شأن الأنصار مقامات محمودة، فمن ذلك أن خالد بن الوليد قام على أثر أبى بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ وكان خطيب قريش، فقال:

ت أنه كان لأشراف قريش فيما كان من شأن الأنصار مقامات محمودة، فمن ذلك أن خالد بن الوليد قام على أثر أبى بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ وكان خطيب قريش، فقال: أيها الناس، إنا رمينا فى بدء هذا الدين بأمر ثقل علينا محمله وصعب علينا مرتقاه، وكنا كأنا منه على أوفاز، ثم والله ما لبثنا أن خف علينا ثقله، وذللنا صعبه، وعجبنا ممن شك فيه بعد عجبنا ممن آمن به، حتى والله أمرنا بما كنا ننهى عنه، ونهينا عن ما كنا نأمر به، ولا والله ما سبقنا إليه بالعقول، ولكنه التوفيق. ألا وإن الوحى لم ينقطع حتى أكمل، ولم يذهب النبى ﷺ حتى أعذر، فلسنا ننتظر بعد النبى نبيا ولا بعد الوحى وحيا، ونحن اليوم أكثر منا بالأمس، ونحن بالأمس خير منا اليوم، من دخل فى هذا الدين كان من ثوابه على حسب عمله، ومن تركه رددناه إليه، إنه والله ما صاحب هذا الأمر

يعنى أبو بكر بالمسئول عنه ولا المختلف فيه، ولا بالخفى الشخص، والمغمور القناة. ثم سكت، فعجب الناس من كلامه. وقام حزن بن أبى وهب وهو الذى سماه رسول الله ﷺ سهلا فقال: وقامت رجال من قريش كثيرة ... فلم يك فى القوم القيام كخالد ترقى فلم تزلق به صدر نعله ... وكف فلم يعرض لتلك الأوابد فجاء بها غراء كالبدر سهلة ... تشبهها فى الحسن أم القلائد أخالد لا تعدم لؤى بن غالب ... قيامك فيها عند قذف الجلامد كساك الوليد بن المغيرة مجده ... وعلمك الشيخان ضرب العماحد تقارع فى الإسلام عن صلب دينه ... وفى الشرك عن أجلال جد ووالد وكنت لمخزوم بن يقظة جنة ... كلا اسميك فيها ماجد وابن ماجد إذا ما غنا فى هيجها ألف فارس ... عدلت بألف عند تلك الشدائد ومن يك فى الحرب المصرة واحدا ... فما أنت فى الحرب العوان بواحد إذا ناب أمر فى قريش محلج ... تشيب له روس العذارى النواهد توليت منه ما يخاف وإن تغب ... يقولوا جميعا خطنا غير شاهد قال ابن إسحاق «١» : ولما توفى رسول الله ﷺ عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة فيما بلغنى تقول: لما توفى رسول الله ﷺ ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة فى الليلة الشاتية لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبى بكر. وذكر ابن هشام «٢» عن أبى عبيدة وغيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لما توفى رسول الله ﷺ هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك حتى خافهم عتاب بن أسيد فتوارى فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله ﷺ وقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس وكفوا عن ما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد، وقد تقدم لنا أن رسول الله ﷺ قال فى سهيل بن عمرو لعمر بن الخطاب وقد قال له: انزع ثنتيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك

به، فظهر عتاب بن أسيد، وقد تقدم لنا أن رسول الله ﷺ قال فى سهيل بن عمرو لعمر بن الخطاب وقد قال له: انزع ثنتيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك

خطيبا أبدا، فقال له رسول الله ﷺ: «إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه» «١» ، فكان هذا المقام المتقدم هو الذى أراد رسول الله ﷺ. وعن أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر فى السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبى بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: أيها الناس، إنى قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها فى كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله ﷺ ولكنى كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيد برنا؛ يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذى به هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله ﷺ ثانى اثنين إذ هما فى الغار، فقوموا فبايعوه. فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة. ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذى هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإنى قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى؛ الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد فى سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة فى قوم إلا عمهم الله بالبلاء؛ أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله «٢» . وذكر موسى بن عقبة أن رجالا من المهاجرين غضبوا فى بيعة أبى بكر، منهم على والزبير، فدخلا بيت فاطمة ابنة رسول الله ﷺ ومعهما السلاح، فجاءهما عمر بن الخطاب فى عصابة من المهاجرين والأنصار فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش الأشهليان وثابت بن قيس بن شماس الخزرجى فكلموهما حتى أخذ أحد القوم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم وقال:

وقش الأشهليان وثابت بن قيس بن شماس الخزرجى فكلموهما حتى أخذ أحد القوم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما قط، ولا ليلة، ولا سألتها الله قط سرا ولا علانية، ولكنى أشفقت من الفتنة، وما لى فى الإمارة من راحة، ولقد قلدت أمرا عظيما

ما لى به طاقة ولا يدان إلا بتقوية الله، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكانى اليوم. فقبل المهاجرون منه ما قاله واعتذر به، وقال على والزبير: ما غضبنا إلا أنا أخرنا عن المشورة، وإنا لنرى أن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ وأنه لصاحب الغار وثانى اثنين، وإنا لنعرف له شرفه وسنه، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حى. وذكر غير ابن عقبة أن أبا بكر رضى الله عنه قام فى الناس بعد مبايعتهم إياه يقيلهم فى بيعتهم ويستقيلهم فيما تحمله من أمرهم ويعيد ذلك عليهم، كل ذلك يقولون له: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ﷺ فمن ذا يؤخرك. ولم يبدأ أبو بكر رضى الله عنه بعد أن فرغ أمر البيعة واطمأن الناس بشىء من النظر قبل إنفاذ بعث أسامة، فقال له: امض لوجهك الذى بعثك له رسول الله ﷺ، فكلمه رجال من المهاجرين والأنصار وقالوا: أمسك أسامة وبعثه، فإنا نخشى أن تميل علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر وكان أفضلهم رأيا: أنا أحتبس بعثا بعثه رسول الله ﷺ لقد اجترأت إذ على أمر عظيم، والذى نفسى بيده لأن تميل العرب على أحب إلى من أن احتبس جيشا أمرهم رسول الله ﷺ. امض يا أسامة فى جيشك للوجه الذى أمرت به، ثم اغز حيث أمرك رسول الله ﷺ من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة فإن الله سيكفى ما تركت، ولكن إن رأيت أن تأذن لعمر بن الخطاب بالتخلف لأستشيره وأستعين برأيه فإنه ذو رأى ونصيحة للإسلام وأهله فعلت. ففعل أسامة وأذن لعمر، فأقام بالمدينة مع أبى بكر رضى الله عنهم أجمعين. ذكر غسل رسول الله ﷺ ودفنه، وما يتصل بذلك من أمره صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته ولما فرغ الناس من بيعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وجمعهم الله عليه وصرف عنهم كيد الشيطان أقبلوا على تجهيز نبيهم ﷺ والاشتغال به.

سلامه ورحمته وبركاته ولما فرغ الناس من بيعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وجمعهم الله عليه وصرف عنهم كيد الشيطان أقبلوا على تجهيز نبيهم ﷺ والاشتغال به. قالت عائشة رضى الله عنها: لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندرى، أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه؟ قالت: فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه فى صدره، وكلمهم

مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبى وعليه ثيابه. قالت: فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه والقميص دون أيديهم. ويروى عن غير واحد أن الذين ولوا غسله ﷺ ابن عمه على بن أبى طالب، وعمه العباس بن عبد المطلب، وابناه الفضل، وقثم، وحبه أسامة بن زيد، ومولاه شقران. وقال أوس بن خولى أحد بنى عوف بن الخزرج وكان ممن شهد بدرا لعلى بن أبى طالب يومئذك أنشدك الله يا على وحظنا من رسول الله ﷺ. فقال له: ادخل، فدخل وجلس، فحضر غسل رسول الله ﷺ معهم، فأسند على رسول الله ﷺ إلى صدره، وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه معه، وكان أسامة وشقران هما اللذان يصبان الماء عليه، وعلى يغسله، قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، لا يفضى بيده إلى رسول الله ﷺ وعلى يقول: بأبى أنت وأمى، ما أطيبك حيا وميتا. ولم ير من رسول الله ﷺ شىء مما يرى من الميت «١» . وكانت عائشة رضى الله عنها تقول: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه «٢» . ولما فرغ من غسل رسول الله ﷺ كفن فى ثلاث أثواب. قال ابن إسحاق «٣» فى حديث يرفعه إلى على بن حسين: ثوبين صحاريين، وبرد حبرة أدرج فيه إدراجا «٤» . وخرج مسلم فى صحيحه من حديث عائشة، قالت: كفن رسول الله ﷺ فى ثلاثة

ق «٣» فى حديث يرفعه إلى على بن حسين: ثوبين صحاريين، وبرد حبرة أدرج فيه إدراجا «٤» . وخرج مسلم فى صحيحه من حديث عائشة، قالت: كفن رسول الله ﷺ فى ثلاثة

أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة «١» . زاد الترمذى قال: فذكروا لعائشة قولهم: فى ثوبين وبرد حبرة. فقالت: قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه. واختلف المسلمون فى موضع دفنه، فقال قائل: ندفنه فى مسجده، وقال آخر: بل ندفنه مع أصحابه، وقال أبو بكر رضى الله عنه: ادفنوه فى الموضع الذى قبض فيه، فإن الله لم يقبض روحه إلا فى مكان طيب، فعلموا أن قد صدق «٢» . وفى رواية أنه قال لهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض نبى إلا دفن حيث يقبض. فرفع فراش رسول الله ﷺ الذى توفى عليه، فحفر له تحته. ولما أرادوا أن يحفروا له، وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذى يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد، دعا العباس برجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبى عبيدة بن الجراح، وللآخر: اذهب إلى أبى طلحة. اللهم خر لرسول الله، فوجد الذى توجه إلى أبى طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله ﷺ. فلما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، وضع على سريره فى بيته، ثم دخل الناس على رسول الله ﷺ يصلون عليه أرسالا الرجال، حتى إذا فرغوا أدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد. ويروى فى حديث أن عليا رضى الله عنه قال: لقد سمعنا همهمة ولم نر شخصا، فسمعنا هاتفا يقول: ادخلوا رحمكم الله فصلوا على نبيكم. ثم دفن رسول الله ﷺ من وسط الليل، ليلة الأربعاء «٣» . قالت عائشة رضى الله عنها: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت

ا رحمكم الله فصلوا على نبيكم. ثم دفن رسول الله ﷺ من وسط الليل، ليلة الأربعاء «٣» . قالت عائشة رضى الله عنها: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت

المساحى من جوف الليل من ليلة الأربعاء. وكان الذين نزلوا فى قبر رسول الله ﷺ على بن أبى طالب، والفضل وقثم ابنا عمه العباس، وشقران مولى رسول الله ﷺ. وقال أوس بن خولى من الأنصار لعلى بن أبى طالب: يا على، أنشدك الله وحظنا من رسول الله ﷺ. فقال: انزل، فنزل مع القوم. وكانت لرسول الله ﷺ قطيفة يلبسها ويفترشها، فأخذها شقران مولاه، فدفنها فى القبر: والله لا يلبسها أحد بعدك أبدا، فدفنت مع رسول الله ﷺ. ولما انصرف الناس قالت فاطمة رضى الله عنها لعلى رضى الله عنه: يا أبا الحسن، دفنتم رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قالت فاطمة: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ؟ أما كان فى صدوركم لرسول الله رحمة؟ أما كان معلم الخير؟ قال: بلى يا فاطمة، ولكن أمر الله الذى لا مرد له، فجعلت تبكى وتندب: وا أبتاه، أجاب ربا دعاه، وا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، وا أبتاه، إلى جبريل ينعاه. وقد كان رسول الله ﷺ أسر إليها فى مرضه أنه مقبوض منه ولا حق بربه، فبكت مشفقة من فراقه، فأسر إليها ثانية أنها أول أهله لحاقا به، فضحكت راضية بالموت مسرورة بوقوعه فى جنب ما تتعجل من لقائه فى حضرة القدس ومحلة الرضوان والكرامة. ولما دفن رسول الله ﷺ وانصرف المهاجرون والأنصار عن دفنه، ورجعت فاطمة رضى الله عنها إلى بيتها اجتمع إليها نساؤها فقال: اغبر أفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران فالأرض من بعد النبى كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الرجفان فليبكه شرق البلاد وغربها ... ولتبكه مضر وكل يمان وليبكه الطود المعظم جوه ... والبيت ذو الأستار والأركان يا خاتم الرسل المبارك ضنه ... صلى عليك منزل الفرقان ويروى أيضا أن فاطمة رضى الله عنها أنشدت بعد موت رسول الله ﷺ متمثلة بشعر سميتها فاطمة بنت الأجهم: قد كنت لى جبلا ألوذ بظله ... فتركتنى أمشى بأجرد ضاح قد كنت ذات حمية ما عشت لى ... أمشى البرار وكنت أنت جناحى

فاليوم أخضع للذليل وأتقى ... منه وأدفع ظالمى بالراح وإذا دعت قمرية شجنا لها ... ليلا على فنن دعوت صباحى ومما ينسب إلى على أو فاطمة رضى الله عنهما: ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدا الزمان غواليا صبت على مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا وجلست أم أيمن تبكى على رسول الله ﷺ بعد موته، وهى حاضنته التى كان يأوى إليها بعد موت أمه، ورسول الله ﷺ فى بيته لم يدفن بعد، فقيل لها: ما يبكيك يا أم أيمن قد أكرم الله نبيه وأدخله جنته وأراحه من نصب الدنيا، فقالت: إنما أبكى على خبر السماء كان يأتينا غضا جديدا كل يوم وليلة، فقد انقطع عنا ورفع، فعليه أبكى. فعجب الناس من قولها وبكوا لبكائها. وقال أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ: لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شىء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شىء وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفى دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. وقال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: ولد النبى ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين، فيا لهذا اليوم كم خير تسبب فيه إلى أهل الأرض، وأى مصيبة نزلت فيه بمنية ضاق عنها منفسح الطول والعرض. وقد حدثنا ابن عباس أيضا أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان له فرطان من أمتى أدخله الله بهما الجنة» «١» . فقالت عائشة: فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: «ومن كان له فرط يا موفقة» «٢» قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: «فأنا فرط لأمتى، لن يصابوا بمثلى» «٣» . ولله در شاعره حسان بن ثابت إذ يقول:

قال: «ومن كان له فرط يا موفقة» «٢» قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: «فأنا فرط لأمتى، لن يصابوا بمثلى» «٣» . ولله در شاعره حسان بن ثابت إذ يقول:

وهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد وهذا البيت من قصيدة له يرثى بها رسول الله ﷺ سنذكرها بعد فى مراثيه. وروى أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليعز المسلمين فى مصائبهم المصيبة بى» «١» . فيا لها والله مصيبة أحرقت الأكباد، وغمرت بالأسف والحزن الآماد والآباد، ورزآ ثقيلا آد كاهل الإيمان منه ما آد، وخطبا جليلا أودى بكل صبر جميل أو كاد: والصبر يحمد فى المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم ولولا أن الله ﷾ ربط على القلوب من بعده بأمر من عنده لأودت مكانها كمدا، ولما وجدت إلى البقاء متسلفا، ولا عن وحى القنا ملتحدا، ولو رجفت الأرض لفقدان أحد لأصبحت لفقدانه راجفة، ولو نسفت الجبال لمهلك هالك لغدت رواسيها على حكم الأسف متناسفة، ولو كسفت النيرات لمصرع حى لأمست دررها منثورة لمصرعه، ولو تغيرت المشارع المورودة لموت إنسان لأمر لموته على كل وارد عذب مشرعه هيهات هيهات، ذلك والله الرزأ الكبار، والنازلة التى يعيى بها الاحتمال والاصطبار، والخطر الذى تقاصر دونه الأخطار، والخطب الذى تشقى بمضاضة مشاهدته المهاجرون والأنصار، والمفقود الذى لا عوض منه أبدا وإن تراخت الأيام وتطاولت الأعصار، ولو غير الأقدار أصابته لبدلت دونه أعلاق المهج، أو غير المنايا نابتة لتعذر على قاصده وجه السبيل المنتهج، ولكنها السبيل التى لا يتخطاها سالك، وما سبقت به مشيئة الدائم الباقى الذى كل شىء إلا وجهه هالك، فلا مجال للدفاع، ولا حيلة فى الامتناع، ولا غناء للأعوان والأتباع، ولا شىء يضمه حكم الممكن المستطاع غير الانقياد لأمر الله والإهطاع، ولهفا عليه، ويا برح شوق القلوب المشربة نور الإيمان به، وشدة نزاعها إليه، وبالدموع أجريت عليه، صلوات الله وبركاته عليه، لقد وجدت مجرا، وأوجبت أجرا وحرمت لهيا عن أسبابها وزجرا، ولقد كان من يقدم المدينة بعد أن استأثر به مولاه الذى شرح له صدرا، ورفع له ذكرا وقدرا، إذا أشرفوا عليها سمعوا لأهلها ضجيجا يصم السميع،

أسبابها وزجرا، ولقد كان من يقدم المدينة بعد أن استأثر به مولاه الذى شرح له صدرا، ورفع له ذكرا وقدرا، إذا أشرفوا عليها سمعوا لأهلها ضجيجا يصم السميع، وللبكاء فى جنباتها عجيجا أصحل الحلوق ونزف الدموع. حدث أبو ذؤيب الهذلى فقال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل، فاستشعرت حزنا، وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسى طولها حتى إذا كان قرب السحر أغفيت فهتف بى هاتف وهو يقول:

خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الأطام قبض النبى محمد فعيوننا ... تذرى الدموع عليه بالتسجام قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومى فزعا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به، ذبح يقع فى العرب، وعلمت أن النبى ﷺ قد قبض، أو هو ميت من علته، فركبت ناقتى وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئا أزجر به، فعن لى شيهم يعنى القنفذ قد قبض على صل يعنى الحية فهى تلتوى عليه، والشيهم يقضها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: شيهم شىء مهم، والتواء الصل التواء الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله ﷺ ثم أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر، فحثثت ناقتى حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطائر فأخبرنى بوفاته، ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لى فى طريقى، وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله ﷺ فجئت المسجد، فوجدته خاليا، فأتيت رسول الله ﷺ فوجدت بابه مرتجا، وقيل إلى الأنصار، فجئت إلى السقيفة، فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وسالما مولى أبى حذيفة وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم: حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأ منهم، فآويت إلى قريش وتكلمت الأنصار، فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب، وتكلم أبو بكر رضى الله عنه فلله دره من رجل لا يطيل الكلام ويعلم مواضع فصل الخطاب، والله لقد تكلم لكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه، ثم تكلم عمر رضى الله عنه بعده دون كلامه، ومد يده وبايعوه، ورجع أبو بكر ورجعت معه. قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على محمد ﷺ وشهدت دفنه. ثم أنشد أبو ذؤيب يبكى النبى ﷺ:

Bagian 20 dari 40