— Bagian 37 · مغنم القادسية. —
Bagian 37
مغنم القادسية. ومما قيل فى ذلك من الشعر قول أبى بجيد، نافع بن الأسود التميمى يفخر بقومه: بنو تميم عتاد الحرب قد علموا ... والناهضون إذا فرسانها ركبوا والحاملون إذا ما أزمة أزمت ... ثقل العشائر إن جمعوا وإن ندبوا
والفاصلون إذا ما خطة جهلت ... عند الجموع وفيهم تفصل الخطب والمانعون من الأعداء دارهم ... عند الهياج إذا ما اهتزت الطنب والواردون على كسرى مدائنه ... قسرا ومن دونها بحر له لجب نحوى نهابهم والخيل مشعلة ... وسط الديار ومنها حولهم عصب شعث عليها ليوث ما يهجهجها ... عند الصياح بها عجم ولا عرب شمس بأيدهم سمر مثقفة ... وكل عضب له فى متنه شطب إذا جلوها على الأعداء فى فزع ... لاحت كأن فوق أيديهم بها شهب وقال أيضا: ونحن صبحنا يوم دجلة أهلها ... سيوفا وأرماحا وجيشا عرمرما نراوح بالبيض الرقاق رؤسهم ... إذ الرمى أغرى بيننا فتضرما أذقناهم يوم المدائن بأسنا ... صراحا وأسعطنا الألائم علقما سقيناهم لما تولوا إلى الردى ... كئوسا ملأناهن صابا وشبرما أبيتم علينا السلم ثم رجعتمو ... إلى السلم لما أصبح السلم محرما ويوم يطير القلب من نعراته ... ربطنا له جأشا وهجنا به دما دعونا إليه من تميم معاشرا ... يجيبون داعيهم وإن كان مجرما يحلون فى اليوم الشديد قيامه ... عن الشمس والآفاق أغبر مظلما ألا أيها ذا السائل عن عشيرتى ... ستخبر عنهم إن سألت لتعلما فمهما عقدنا جاز فى الناس حكمنا ... وننقضه منهم وإن كان محكما وقال أيضا: أىّ يوم لنا كيوم قديس ... قد تركنا به القنا مرفوضا كم سبينا من تاج ملك وأسوا ... ر ترى فى نطاقه تفضيضا وقربنا خير الجيوش شتاء ... وربيعا مجملا وغريضا ونفرنا فى مثلهم عن تراض ... لم نعرض ولم نذق تغميضا ثم سرنا من فورنا نحو كسرى ... ففضضنا جموعه تفضيضا وأملنا على المدائن خيلا ... بحرها مثل برهن أريضا وانتثلنا خزائن المرء كسرى ... يوم ولى وحاص منا جريضا وقال النابغة الجعدى من كلمة يذكر أيامهم تلك مع كسرى وغيره: فمضت كتائبنا إليه عنوة ... حتى حللنا حيث ينخرق الصبا
لمرء كسرى ... يوم ولى وحاص منا جريضا وقال النابغة الجعدى من كلمة يذكر أيامهم تلك مع كسرى وغيره: فمضت كتائبنا إليه عنوة ... حتى حللنا حيث ينخرق الصبا
نرمى مدينته ونحطم جمعه ... ونصك رأس عموده حتى انشطا ولقيصر أخرى رمينا رمية ... قطعت قرينته كما انقطع السدا والخيل تخفق بين دجلة عنوة ... بالسفح من أقر إلى وادى القرى لا قيصر أبدا ولا كسرى بها ... قضى الحديث وكان شيئا فانقضى حديث «١» وقعة جلولاء «٢» ذكر سيف «٣» عن قيس بن أبى حازم قال: أقمنا بالمدائن حين هبطنا واقتسمنا ما فيها، فأتانا الخبر بأن مهران قد عسكر بجلولاء، وخندق عليه، وأن أهل الموصل قد عسكروا بتكريت، فكتب سعد بذلك إلى عمر، فأجابه: أن سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء فى اثنى عشر ألفا، واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو. وروى من سماه سيف من رجاله: أن عمر كتب، أيضا، إلى سعد: لئن هزم الله الجندين: جند مهران وجند الأنطاق، فقدم القعقاع حتى يكون على حد سوادكم، بين السواد والجبل. قالوا: وكان من حديث جلولاء أن الأعاجم لما انتهوا إليها بعد الهرب من المدائن، وتفرقت الطرق بأهل أذربيجان والباب وبأهل الجبال وفارس تذامروا وقالوا: إن افترقتم لم تجتمعوا أبدا، وهذا مكان يفرق بيننا، فهلموا فلنجتمع به للعرب ولنقاتلهم، فإن كان لنا فهو الذى نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا ما علينا، وأبلينا عذرا. فاحتفروا الخندق، واجتمعوا فيه على مهران، ونفذ يزدجرد إلى حلوان فنزل بها، ورماهم بالرجال، وخلف فيهم الأموال، فأقاموا فى خندقهم، وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلا طرقهم. ففصل هاشم بالناس من المدائن فى اثنى عشر ألفا، فيهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب، فسار إلى جلولاء أربعا، حتى قدم عليهم، فحاصرهم وأحاط بهم، فطاولهم أهل فارس، وجعلوا لا يخرجون عليهم إلا إذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون ثمانين زحفا، كل ذلك يعطيهم الله الظفر على المشركين، وغلبوهم على حسك الخشب، فاتخذوا حسك الحديد.
وعن بعض الرواة أن هاشما لما نزل على مهران بجلولاء جعل يقوم فى الناس، ويقول: إن هذا منزل له ما بعده، وجعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كانوا أخيرا قال بعضهم لبعض: أبلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الأجر والمغنم، واعملوا لله فإنكم ردء المسلمين، فالتقوا فاقتتلوا، وبعث الله عليهم ريحا أظلت عليهم البلاد، ولم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافتت فرسانهم فى الخندق، فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم، تصعد منه خيلهم، فأفسدوا حصنهم، وبلغ ذلك المسلمين، فنظروا إليه، فقالوا: ننهد إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه، فلما نهدوا الثانية خرج القوم، فرموا حول الخندق مما يلى المسلمين بحسك الحديد لكيلا تقدم عليهم الخيول، وتركوا للمجال وجها، فخرجوا منه على المسلمين، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ولا ليلة الهرير إلا أنه كان أكمش وأعجل، وانتهى القعقاع فى الوجه الذى زحف منه إلى باب خندقهم، فأخذ به، وأمر مناديا فنادى: يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل خندق القوم فأقبلوا إليه، ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله. وإنما فعل القعقاع ذلك ليقوى المسلمين، فحملوا حملة لم يقم لها شىء، حتى انتهوا إلى باب الخندق، ولا يشكون أن هاشما به، فإذا هو بالقعقاع قد أخذ به، وأخذ المشركون فى الهزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذى بحيال خندقهم، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم، وعادوا رجالة، واتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسميت جلولاء لما جللها من قتلاهم، فهى جلولاء الوقيعة. وقال بعضهم: كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الرى، كانوا بها حماة أهل فارس، ففنى أهل الرى يوم جلولاء.
يت جلولاء لما جللها من قتلاهم، فهى جلولاء الوقيعة. وقال بعضهم: كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الرى، كانوا بها حماة أهل فارس، ففنى أهل الرى يوم جلولاء. وفى حديث عن محفز بن ثعلبة، وكان شهدها: أن أهل فارس لما رأوا أمداد المسلمين بادروا بقتالهم فى عددهم، ثم وصف من شدة قتالهم. قال: حتى أنفذوا النبل، وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطبرزينات وكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهيرة، ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء، حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة من كتائب المشركين وجاءت أخرى فوقفت مكانها، فأقبل القعقاع على الناس، فقال: أهالتكم هذه؟ قالوا: نعم، نحن مكلون وهم مريحون، والكال يخاف العجز إلا أن يعقب، فقال: إنا حاملون حملة عليهم ومجادوهم وغير كافين عنهم ولا مقلعين عنهم حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا حملة رجل واحد حتى تخالطوهم، ولا يكذبن أحد منكم. فحمل
فانفرجوا فما نهنه أحد عن باب الخندق، وألبسهم الليل رواقه، فأخذوا يمنة ويسرة، ونادى منادى القعقاع: أين تحاجزون وأميركم فى الخندق فحمل المسلمون، فأدخل الخندق، فأتى فسطاطا فيه مرافق وثياب، وإذا ترس على إنسان فأنبشه، فإذا امرأة كالغزال فى حسن الشمس، فأخذها وثيابها، فاديت الثياب، وطلبت الجارية حتى صارت إلىّ فاتخذتها أم ولد. قالوا «١» : وأمر هاشم القعقاع بالطلب، فطلبهم حتى بلغ خانقين، وأدرك بها مهران فقتله، وأدرك الفيرزان فنزل، فتوقل فى الظراب وخلى فرسه، وأصاب القعقاع سبايا، فبعث بهن إلى هاشم، فكن مما اقتسم، واتخذن، فولدن فى المسلمين، فذلك السبى ينسب إلى جلولاء، ومنه كانت أم الشعبى، ويقال من القادسية. ويروى أن عمر، رضى الله عنه، قال وقد بلغه ما أصيب من هؤلاء السبايا: اللهم إنى أعوذ بك من أبناء الجلوليات. قالوا: ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الجبل، فنزل القعقاع بحلوان فى جند فلم يزل إلى أن تحول سعد بالناس من المدائن إلى الكوفة، فلحق به.
ات. قالوا: ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الجبل، فنزل القعقاع بحلوان فى جند فلم يزل إلى أن تحول سعد بالناس من المدائن إلى الكوفة، فلحق به. قالوا: وكتبوا إلى عمر بفتح جلولاء وبنزول القعقاع حلوان، واستأذنوه فى اتباعهم، فأبى، وقال: لوددت أن بين السواد والجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، إنى آثرت سلامة المسلمين على الأنفال. وساق المدائنى خبر جلولاء مساقا بينه وبين ما تقدم بعض اختلاف وأسنده عن جماعة سمى منهم، قال: وبعضهم يزيد على بعض، فسقت حديثهم: أن يزدجرد هرب إلى حلوان، فلما فتح سعد الرومية كتب إلى عمر يستأذنه فى البعثة إلى ابن كسرى، فكتب إليه: «الحمد لله الذى أذل ابن كسرى وشرده، فأقم بمكانك واحذر على من معك من المسلمين» فأقام سعد بالمدائن سنتين لم يوجه أحدا، وكتب ابن كسرى إلى الجبال فجمع المقاتلة فوجههم إلى جلولاء، وأمر الأساورة والجنود فنزلوها، فاجتمع بها جمع عظيم عليهم خرزادين خرمهر، فكتب سعد إلى عمر بجمعهم، فكتب إليه: أقم بمكانك ووجه إليهم جيشا، فإن الله ناصرك ومتم وعده الذى وعد نبيه ﷺ فعقد سعد لهاشم بن عتبة وندب الناس، فانتدب معه أربعة آلاف فيهم طليحة بن خويلد، وعمرو ابن معدى كرب وفرسان المسلمين، فسار.
فلما كان بمهروذ أتاه دهقانها فصالحه على أن يفرش له جريبا دراهم، فقبل منه ومضى إلى جلولاء، فقدم على قوم قد أعدوا عدة عظيمة، وتحرزوا بالخنادق، فقاتلوهم قتالا شديدا عن العيال والذرارى، وكتب هاشم إلى سعد يستمده، وأتى المشركون أهل أذربيجان مددا فعاجلوهم القتال، وكثروهم، فجال المسلمون وانكشفوا، فناداهم هاشم: يا معشر المسلمين أين؟ أما رأيتم ما خلفتم؟ أتاتون عمر منهزمين؟ فعطف الناس، وعلى الميمنة حجر بن عدى، وعلى الميسرة عمرو بن معدى كرب، وعلى الخيل زهرة بن جوية، وعلى الرجال طليحة بن خويلد، فاشتد القتال بينهم حتى مضى وقت الظهر فصلى المسلمون يومئون إيماء، وألح المشركون عليهم، وطلعت كتيبة للمشركين حامية فجازت الخندق، ثم طلعت أخرى، فقال طليحة وعمرو بن معدى كرب: يا معشر الفرسان، الأرض واقرنوا خيولكم، ففعلوا وجثوا وأشرعوا الرماح فرجعت الخيل عنهم، ورموهم بالنشاب، فتترسوا، فمكثوا بذلك مليا، وأشفق المسلمون فحضهم طليحة وزهرة وعمرو، فبينا هم على ذلك إذ سمعوا تكبيرا للمسلمين وراءهم، فإذا قيس بن مكشوح قد جاءهم فى ألف وأربعمائة فارس وستمائة راجل، فانهزم المشركون قبل أن يصل إليهم، وهاجت ريح شديدة أظلمت لها الأرض، فتهافت المشركون فى الخندق، واتبعهم المسلمون فانتهوا إلى خنادقهم وقد انجلت عنهم الظلمة فركبوا أكتافهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وحووا عسكرهم، فأصابوا شيئا لم يصيبوا مثله من الأموال والسلاح والمتاع والسبايا والدواب، فجمع ذلك كله إلى هاشم، فجاء رجل من آل خارجة بن الصلت بتمثال ناقة من ذهب موشحة بالدر وألقاها فى المغنم، وجاء مجفر بن ثعلبة بجارية، وجاء كل رجل بما صار فى يديه، فحمل هاشم ذلك كله إلى سعد، فكتب سعد إلى عمر بالفتح وبما أصاب من السبايا واستأذنه فى اتباع العجم والمسير إلى الجبال، فكتب إليه عمر، ﵀: أقم مكانك عامك هذا حتى ننظر، واحذر على المسلمين، واترك أهل الجبال ما تركوك، فوددت أن بيننا وبين الجبال سدا من نار لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، فأقم ولا تطلب ما سوى ذلك عامك هذا إلا أن ينزل عدو بقربك، واقسم بين المسلمين ما أفاء الله عليهم.
ا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، فأقم ولا تطلب ما سوى ذلك عامك هذا إلا أن ينزل عدو بقربك، واقسم بين المسلمين ما أفاء الله عليهم. وكانت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف، فبلغت السهام ثلاثة آلاف، للفرس سهمان وللراجل سهم، وقال قوم: كانت الغنائم ستة وثلاثين ألف ألف، وكانت السهام ستة آلاف وثمانية من الدواب، للفرس سهمان وللراجل سهم، فحمل سعد الخمس مع زياد ابن أبى سفيان.
وفى كتاب سيف «١» عمن سمى من رجاله قالوا: ونفل سعد من أخماس جلولاء من أعظم البلاء ممن شهدها، ومن أعظمه ممن كان ثابتا بالمدائن، وبعث بالأخماس مع قضاعى بن عمرو الدؤلى من الذهب والورق والآنية والثياب، وبعث بالسبى مع أبى مفزر الأسود بن قطبة. قال بعضهم: وبعث بالحساب مع زياد بن أبى سفيان، وكان الذى يكتبه للناس ويدونهم، فلما قدموا على عمر كلم زياد عمر فيما جاء به ووصف له، فقال له عمر: هل تستطيع أن تقوم فى الناس بمثل الذى كلمتنى به؟ فقال: والله ما على الأرض شخص أهيب فى صدرى منك، فكيف لا أقوى على هذا فى غيرك؟ فقام فى الناس بما أصابوا وبما صنعوا، وبما يستأذنون فيه من الانسياح فى البلاد، فقال عمر، رضى الله عنه: هذا الخطيب المصقع، فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بأفعالهم لسانى. وعن أبى سلمة قال «٢» : لما قدم على عمر، ﵀، بالأخماس من جلولاء، قال عمر: والله لا يجنه سقف بيت حتى أقسمه. فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم يحرسانه فى صحن المسجد، فلما أصبح جاء فى الناس وكشف عنه جلابيبه، وهى الأنطاع، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فو الله إن هذا إلا موطن شكر. فقال عمر: والله ما ذاك يبكينى، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى باسهم بينهم. ثم دعا الحسن فيما ذكر المدائنى فحثا له، ثم دعا الحسين فحثا له، ثم قال: ما ترى؟ أنحثى لهم حثيا أم نكيل بالصاع. قال: بل احث لهم، ففعل، ثم دون الدواوين وفرض وقسم.
سن فيما ذكر المدائنى فحثا له، ثم دعا الحسين فحثا له، ثم قال: ما ترى؟ أنحثى لهم حثيا أم نكيل بالصاع. قال: بل احث لهم، ففعل، ثم دون الدواوين وفرض وقسم. وذكر المدائنى، أيضا، أن سعدا كتب إلى عمر، ﵀، مع زياد يستأذنه فى اتباع المشركين ويصغر أمرهم عنده، فكتب إليه عمر: جاءنى كتابك تستأذننى فى اتباع المشركين، وسيأتى فيهم أمرى، وذلك من حق إمامك عليك، وإنما حق المسلم على المسلم بحق الله، وإن أعظم أهل الإسلام حقا عليهم إمامهم، وذلك أنه لا تجد أحدا من الناس صلاح أهل الأرض فى صلاحه إلا نبى أو خليفة، فالأمر إليك فى اتباعهم تغرير بالمسلمين، وانظر ما أجلب الناس به عليك فى العساكر من مال أو كراع أو سلاح أو متاع، فاقسمه بين من حضر، واترك الأرضين والأنهار فتكون فى أعطية المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضرك لم يكن لمن بعدهم شىء ولا توطن ولدا من والده، ولا تمسن أنثى من السبى حتى يطيب رحمها، ولا تتخذن مشركا أمينا على المسلمين، فإنهم
يأخذون الرشوة فى دينهم ولا رشوة فى دين الله، وادع الناس فمن استجاب لك وأسلم قبل القتال فهو رجل من المسلمين وله سهم فى الإسلام، ومن أسلم بعد القتال وبعد الهزيمة فهو رجل من المسلمين وماله لأهل الإسلام، والأسير إذا أسلم فى أيدى المسلمين فقد أمن على دمه، وهو فىء للمسلمين، وأقر الفلاحين على حالهم إلا من حاربك أو هرب أو ترك أرضه وخلاها، فهى لكم فإن رجع فقبلتم منه الجزية فهو ذمة. وذكر سيف «١» عن رجاله قالوا: كان صلح عمر الذى صالح عليه أهل الذمة، أنهم إن غشوا المسلمين لعدوهم برئت منهم الذمة، وإن سبوا مسلما أن ينهكوا عقوبة، وإن قاتلوا مسلما أن يقتلوا، وعلى عمر منعهم، وبرئ عمر إلى كل ذى عهد من معرة الجيش. قال بعضهم: فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث، والدلالة مع الجزى عن أيديهم على قدر طاقتهم، وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة، وعلى كلهم الإرشاد وضيافة ابن السبيل من المهاجرين. قال المدائنى: وشهد عبد الله بن عمر جلولاء، واشترى من المغنم متاعا بأربعين ألفا، فلما قدم المدينة أتاه عمر فى منزله، فقال لامرأته: يا صفية احتفظى بما جاء به عبد الله ولا يصلن منه إلى شىء، ثم قال لعبد الله: يا عبد الله اشتريت من غنائم المسلمين؟ فقالوا: ابن عمر وصاحب رسول الله ﷺ فلأن يرخصوا عليك بمائة أحب إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم، لك فيما اشتريت ربحا لدرهم درهم، فدعا عمر التجار فعرضه عليهم وقال: اشتروا فإنه للمسلمين، فتزايدوا حتى بلغ مائة ألف، فباعه، وأعطى عبد الله ثمانين ألفا، وبعث بالباقى إلى سعد، وكتب إليه: اقسمه فيمن شهد سنة تسع عشرة. وعن رجال سيف «٢» قالوا: ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن نزلوا قطائعهم، وصار السواد ذمة لهم إلى ما أصفاهم الله به من مال الكاسرة، ومن لج معهم. وقال القعقاع بن عمرو يذكر نزوله بجلولاء: من مبلغ عنى القبائل مالكا ... وقد أحسنت عند الهياج القبائل فلله جاهدنا وفى الفرس بغية ... ونحن على الثغر المخوف نساجل وأنتم عتاد إن ألمت ملمة ... وجلت علينا فى الثغور الجلائل
... وقد أحسنت عند الهياج القبائل فلله جاهدنا وفى الفرس بغية ... ونحن على الثغر المخوف نساجل وأنتم عتاد إن ألمت ملمة ... وجلت علينا فى الثغور الجلائل
وهل تذكرونا إن نزلنا وأنتم ... منازل كسرى والأمور حوائل فصرنا لكم ردآ بحلوان بعد ما ... نزلنا جميعا والجموع نوازل فنحن الأولى فزنا بحلوان بعد ما ... أرنت على كسرى الإما والحلائل وقال أبو بجيد فى ذلك: ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت ... كتائبنا تردى بأسد عوابس فضضت جموع الفرس ثم أنمتهم ... فتبا لأجساد المجوس النجائس وأفلتهن الفيرزان بجرعة ... ومهران أردت يوم حز القوانس أقاموا بدار للمنية موعد ... وللترب تحثوها خجوج الروامس «١» حديث يوم تكريت «٢» وكان سعد، ﵀، لما كتب إلى عمر، رضى الله عنه، بأمر جلولاء، وأجابه بما ذكر قبل، كتب إليه أيضا باجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق وإقباله بهم إلى تكريت حتى نزل بها، وخندق عليه ليحمى أرضه، فأمر عمر سعدا أن يسرح عبد الله بن المعتم إلى الأنطاق، وعين لمقدمته وميمنته وميسرته وساقته رجالا سماهم له، ففصل على ذلك عبد الله من المدائن فى خمسة آلاف، فسار إلى تكريت حتى ينزل على الأنطاق، ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر، وقد خندقوا، فحصرهم أربعين يوما وتزاحفوا أربعة وعشرين زحفا، فى كلها هزم المشركون ولا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم. فلما رأت الروم ذلك تركوا أمراءهم، ونقلوا متاعهم إلى السفن، وقد كان عبد الله ابن المعتم وكل بالعرب ليدعوهم إليه وإلى نصرته على الروم رجالا من تغلب وإياد والنمر، فكانوا لا يخفون عليه شيئا، فأقبلت إليه العيون منهم بما فعلت الروم وسألوه للعرب السلم وأخبروه أنهم قد استجابوا، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقروا بما جاء به من عند الله، ثم اعملوا بما نأمركم، فردوا إليه رسلهم بالإسلام، فأرسل إليهم: إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الأبواب التى تلينا لندخل عليهم منها، فخذوا بالأبواب التى تلى دجلة، وكبروا وقاتلوا واقتلوا من قدرتم عليه.
إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الأبواب التى تلينا لندخل عليهم منها، فخذوا بالأبواب التى تلى دجلة، وكبروا وقاتلوا واقتلوا من قدرتم عليه.
فانطلقوا حتى واطؤوهم على ذلك، ونهد عبد الله والمسلمون لما يليهم وكبروا وكبرت تغلب وإياد والنمر، وقد أخذوا بالأبواب، فحسب القوم أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم، فابتدروا الأبواب التى أمامهم، فأخذتهم سيوف المسلمين مستقبلتهم، وسيوف الربعيين الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم، فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وإياد والنمر. قال سيف «١» : وكان عمر، رضى الله عنه، قد عهد إلى سعد، إن هزم أهل تكريت أن يأمر عبد الله بن المعتم بتسريح ربعى بن الأفكل العنزى إلى الحصنين، وربعى هو الذى كان عمر رسم أن يكون على مقدمة عبد الله فى هذا الوجه، فسرحه عبد الله إلى الحصنين، وقال له: اسبق الخبر، وسر ما دون القيل، وأحى الليل، وسرح معه تغلب وإياد والنمر، فقدمهم وعليهم عتبة بن الوعل، أحد بنى سعد بن جشم وذو القرط وأبو وداعة ابن أبى كرب وابن ذى السنينة قتيل الكلاب وابن الحجير الأيادى وبشر بن أبى حوط متساندين، فساروا يسبقون إلى الحصنين خبر الهزيمة ليغزوا أهلها. فلما كانوا قريبا منها، قدموا عتبة بن الوعل فادعى الظفر والنفل والقفل، ثم الرجال المسلمون آنفا واحدا بعد آخر، كلما وصل واحد منهم ذكر مثل ما ذكر عتبة، فوقفوا بالأبواب وقد أخذوا بها، وأقبلت سرعان الخيل مع ربعى بن الأفكل، حتى اقتحمت الحصنين على أهلهما، فكانت إياها، فنادوا بالإجابة إلى الصلح، فأقام من استجاب، وهرب من لم يستجب، إلى أن أتاهم عبد الله بن المعتم، فدعا من لج وهرب، ووفى لمن أقام، فتراجع الهارب واغتبط مع المقيم، وصارت لهم جميعا الذمة والمنعة، واقتسم المسلمون بتكريت ما أفاء الله عليهم على أن لكل سهم ألف درهم للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف، وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان «٢» ، وبالفتح مع الحارث بن حسان «٣» ، وولى حرب الموصل ربعى بن الأفكل، والخراج عرفجة بن هرثمة.
ذكر يوم ماسبذان «١» ويوم قرقيسيا «٢» ذكروا «٣» أنه لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن، بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان جمع جمعا، فخرج بهم إلى السهل، وأن أهل الجزيرة بعثوا جندا إلى هيت، فكتب سعد بذلك إلى عمر، فكتب إليه أن يبعث ضرار بن الخطاب فى جند إلى ابن الهرمزان، ويبعث عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف فى جند إلى هيت، ورسم لكلا الجندين صاحب مقدمتيه ومجنبتين وساقة وسماهم، فخرج ضرار فى الجند، وقدم صاحب مقدمته حتى انتهى إلى سهل ماسبذان، فالتقوا بمكان يدعى بهندف، فاقتتلوا به، فأسرع المسلمون فى المشركين، وأخذ ضرار آذين بن الهرمزان سلما، فأسره فانهزم عنه جيشه، فقدمه فضرب عنقه، ثم خرج فى الطلب حتى انتهى إلى السيروان، فأخذ ماسبذان عنوة، فتطاير أهلها فى الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، وأقام بها حتى تحول سعد من المدائن فأرسل إليه، فنزل الكوفة واستخلف على ماسبذان، وكانت إحدى فروج الكوفة. وخرج عمر بن مالك فى جنده سائرا نحو هيت «٤» ، وقدم الحارث بن يزيد العامرى، وهو المعين لمقدمته، حتى نزل بهيت وقد خندقوا عليهم، فلما رأى عمر بن مالك امتناع القوم بخندقهم استطال أمرهم، فترك الأخبية على حالها وخلف عليهم الحارث بن يزيد يحاصرهم، وخرج فى نصف الناس يعارض الطريق حتى جاء قرقيسيا فى عرة، فأخذها عنوة، فأجاب أهلها إلى الجزاء، وكتب إلى الحارث فى أهل هيت: إن هم استجابوا فخل عنهم وإلا فخندق على خندقهم خندقا أبوابه مما يليك حتى أرى من رأيى، فسمحوا بالاستجابة، وانضم الجند إلى عمر بن مالك والأعاجم إلى أهل بلدهم. وقال ضرار بن الخطاب يذكر ملتقاهم بهندف: ولما لقينا فى بهندف جمعهم ... تنادوا وقالوا يا صبر وايال فارس فقلنا جميعا نحن أصبر منكم ... وأكرم فى يوم الوغى والتمارس
ن الخطاب يذكر ملتقاهم بهندف: ولما لقينا فى بهندف جمعهم ... تنادوا وقالوا يا صبر وايال فارس فقلنا جميعا نحن أصبر منكم ... وأكرم فى يوم الوغى والتمارس
ضربناهم بالبيض حتى إذا انثنت ... أقمنا لها ميلا بضرب القوانس فولوا سراعا نحو دار أبيهم ... وقد خومروا يوم الوغا بالوساوس فما برحت خيلى تقص طريقهم ... وتقتلهم بين اشتباك الخنادس ذكر الحديث عن تمصير الكوفة والبصرة وتحول سعد بن أبى وقاص عن المدائن إلى الكوفة وما يندرج مع ذكر البصرة من فتح الأبلة «١» ذكروا «٢» أنه جاء عمر، رضى الله عنه، فتح جلولاء، وما ذكر بعدها، ونزول المسلمين حيث ذكر قبل نزولهم منها، ولما قدمت الوفود بذلك عليه، أنكرهم حين رآهم، وقال: والله ما هيئتكم بالهيئة التى بدوتم بها، ولقد قدمت وفود القادسية والمدائن وإنهم لكما بدوا، فما غيركم؟ قالوا: وخومة البلاد، فنظر فى حوائجهم، وعجل سراحهم، وكتب إلى سعد: أنبئنى ما الذى غير ألوان العرب ولحومهم؟. فكتب إليه: إن العرب خددهم وغير ألوانهم وخومة المدائن ودجلة، فكتب إليه عمر: إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان، فابعث سلمان رائدا وحذيفة، وكانا رائدى الجيش، فليرتادا منزلا بريا بحريا، ليس بينى وبينكم فيه بحر ولا جسر، ولم يكن بقى من أمر الجيش شىء إلا وقد أسنده عمر إلى رجل، فبعث سعد حذيفة وسلمان. فخرج سلمان حتى أتى الأنبار، فسار فى غربى الفرات لا يرى شيئا، حتى أتى الكوفة، وخرج حذيفة فى شرقى الفرات لا يرضى شيئا، حتى أتى الكوفة، فأتيا عليها وفيها ديارات ثلاث: دير حرقة، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وأخصاص خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة، فنزلا فصليا، وقال كل واحد منهما: اللهم رب السماوات وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الريح وما أذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت، والشياطين وما أضلت، والخصاص وما أجنت، بارك لنا فى هذه الكوفة، واجعله منزل ثبات، فرجعا إلى سعد بالخبر. وذكر المدائنى أن الناس اجتووا المدائن بعد أن رجعوا من جلولاء، فشكوا ذلك إلى
ما أجنت، بارك لنا فى هذه الكوفة، واجعله منزل ثبات، فرجعا إلى سعد بالخبر. وذكر المدائنى أن الناس اجتووا المدائن بعد أن رجعوا من جلولاء، فشكوا ذلك إلى
عمر، فقال عمر: هل تصبر بها الإبل؟ قالوا: لا؛ لأن بها بعوضا، قال: فإن العرب لا تصبر ببلاد لا تصبر بها الإبل، اخرجوا فارتادوا منزلا. قال أبو وائل: فخرجنا فأردنا أن ننزل الحيرة، فقال رجل من أهلها: يا معشر المعذبين، ألا أدلكم على ما ارتفعت عن البعوضة وتطأطأت عن الثلجة وطعنت فى البرية وخالطت الريف؟ قلنا: بلى، فدلنا على الكوفة، فاختط الناس ونزلوا الكوفة، فكتب إلى عمر بذلك. وذكر سيف «١» عمن سماه من رجاله قالوا: مصر المسلمون المدائن وأوطنوها، حتى إذا فرغوا من جلولاء وتكريت وأخذوا الحصنين، كتب عمر إلى سعد أن ابعث عتبة بن غزوان «٢» إلى فرج الهند فليرتد منزلا يمصره، وابعث معه سبعين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ، وابعث بعده عرفجة بن هرثمة، واجعل مكانه الحارث بن حسان، وابعث عاصم بن عمرو، وحذيفة بن محصن، ومجزأة بن ثور، والحصين بن القعقاع، فخرج عتبة فى سبعمائة من المدائن واتبعه عرفجة فى سبعمائة، ثم عاصم ثم حذيفة ثم مجزأة ثم الحصين، كل واحد منهم فى سبعمائة، ثم سعد بن سلمى فى سبعمائة، فساروا حتى أتوا على البصرة اليوم فنزلوها وثبتوا بها، والبصرة كل أرض حجارتها جص. قالوا «٣» : ولما نزل أهل الكوفة الكوفة، واستقرت بأهل البصرة الدار، عرف القوم أنفسهم، وثاب إليهم ما كانوا فقدوا، ثم إن أهل المصرين استأذنوا فى بنيان القصب، فقال عمر، رضى الله عنه: العسكرة أجد لحربكم وأذكى لكم، وما أحب أن أخالفكم، وما القصب؟ قالوا: العكرش إذا روى قصب فصار قصبا، قال: فشأنكم، فابنوا بالقصب، ثم وقع الحريق فى المصرين، وكانت الكوفة أشدهما حريقا، فاحترق ثمانون عرشا، ولم يبق فيها قصبة، فبعث سعد نفرا منهم إلى عمر يستأذنونه فى البنيان باللبن، ويخبرونه عن الحريق وما بلغ منهم، وكانوا لا يدعون شيئا ولا يأتونه إلا أمروه فيه، فقال: ابنوا، ولا يزدن أحد على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا فى البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة، فرجع القوم بذلك إلى الكوفة.
وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك، وعهد عمر إلى الوفد، وتقدم إلى الناس ألا يرفعوا بنيانا فوق القدر، قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف، ولا يخرجكم من القصد. فأول شىء خط بالكوفة، وبنى حين عزموا على البناء المسجد، فاختط ثم قام رجل شديد النزع، فرمى عن يمينه ومن بين يديه ومن خلفه وعن شماله، وأمر من شاء أن يا بنى وراء مواقع تلك السهام، وبنوا لسعد دارا بحياله، بينهما الطريق، وجعل فيها بيوت الأموال، وهى قصر الكوفة اليوم، وبنى سعد فى الذى خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم، وجعل فيه بيت المال، وسكن ناحيته، ثم إن بيت المال نقب عليه منه، فأخذ منه المال. وكتب سعد بذلك إلى عمر، ووصف له موضع الدار وبيوت المال من الصحن، فكتب إليه عمر: أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جانب الدار، واجعل الدار قبالته، فإن للمسجد أهلا بالنهار وبالليل، وفيهم حصن لمالهم، فنقل المسجد وأراع بنيانه، فقال له دهقان من أهل همذان، يقال له روزبة بن بزرجمهر: أنا أبنيه لك، وأبنى لك قصرا وأصلهما، ويكون بنيانا واحدا، فخط قصر الكوفة على ما خط عليه، ثم أنشأه من بعض آجر قصر كان للأكاسرة فى ضواحى الحيرة على مساحته اليوم، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال، وكان بنيانه على أساطين من رخام، كانت لكنائس لكسرى بغير مجنبات، فلم يزل على ذلك حتى بنى زمن معاوية بنيانه اليوم على يدى زياد. ولما أراد زياد بناءه دعا بنائين من بنائى الجاهلية، فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يزيد من طوله فى السماء، وقال: أشتهى من ذلك شيئا لا أقع على صفته، فقال له بناء قد كان بنى لكسرى: لا يجىء هذا إلا بأساطين من جبال الأهواز، تنقر ثم تثقب، وتحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعا فى السماء ثم تسقفه، ثم تجعل له مجنبات ومواخر، فيكون أثبت له، فقال: هذه الصفة التى كانت نفسى تنازعنى إليها ولم تعبرها. قال عطاء مولى إسحاق بن طلحة: كنت أجلس فى المسجد الأعظم من قبل أن يبنيه زياد، وليست له مجنبات ولا مواخر، فأرى منه دير هند وباب الجسر. وذكر الطبرى «١» عن المدائنى أن عمر بن الخطاب وجه عتبة بن غزوان إلى البصرة
قبل أن يبنيه زياد، وليست له مجنبات ولا مواخر، فأرى منه دير هند وباب الجسر. وذكر الطبرى «١» عن المدائنى أن عمر بن الخطاب وجه عتبة بن غزوان إلى البصرة
سنة أربع عشرة، وذكر عن الشعبى قال: قتل مهران فى صفر سنة أربع عشرة، فقال عمر لعتبة: قد فتح الله على إخوانكم الحيرة وما حولها، وقتل عظيم من عظمائها، ولست آمن أن يمدهم إخوانهم من أهل فارس، فأنا أريد أن أوجهك إلى أرض الهند، والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند، لتمنع أهل ذلك الحيز من إمداد إخوانهم على إخوانكم وتقاتلهم، لعل الله أن يفتح عليكم، فسر على بركة الله، واتق الله ما استطعت، واحكم بالعدل، وصل الصلاة لوقتها، وأكثر ذكر الله. فأقبل عتبة فى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وضوى إليه قوم من الأعراب وأهل البوادى، فقدم البصرة فى خمسمائة، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا. وذكر من طريق آخر «١» أنه دقمها فى ثلاثمائة، فملا رأى منبت القصب، وسمع نقيق الضفادع قال: إن أمير المؤمنين أمرنى أن أنزل أقصى البر من أرض العرب، وأدنى أرض الريف من أرض العجم، فهذا حيث وجب علينا طاعة إمامنا، فنزل الخريبة. وفى حديث الشعبى «٢» : وليس بها، يعنى بالبصرة، يومئذ إلا سبع دساكر، فكتب إلى عمر، ووصف له منزله، فكتب إليه عمر: أجمع الناس موضعا واحدا ولا تفرقهم، وأقام عتبة أشهرا لا يغزو ولا يلقى أحدا.
بالبصرة، يومئذ إلا سبع دساكر، فكتب إلى عمر، ووصف له منزله، فكتب إليه عمر: أجمع الناس موضعا واحدا ولا تفرقهم، وأقام عتبة أشهرا لا يغزو ولا يلقى أحدا. وفى حديث آخر «٣» : أن عتبة أقبل بمن كان معه حتى إذا كانوا بالمربد وجدوا هذا الكذان، قالوا: هذه البصرة، فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير، فإذا حلفاء وقصب نابتة، فقالوا: هاهنا أمرتم، فنزلوا دون صاحب الفرات، فأتى فقيل له: إن هاهنا قوما معهم راية، وهم يريدونك، فأقبل فى أربعة آلاف أسوار، فقال: ما هم إلا ما أرى، اجعلوا فى أعناقهم الحبال، وأتونى بهم، فجعل عتبة يوجل ويقول: إنى شهدت القتال مع رسول الله ﷺ، يعنى فكان لا يقاتل حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر، حتى إذا زالت الشمس، قال عتبة لأصحابه: احملوا، فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين، إلا صاحب الفرات، أخذوه أسيرا، فقال عتبة: ابغوا لنا منزلا هو أنزه من هذا، وكان يوم عكاك، فرفعوا له منبرا، فقام يخطب، فقال: إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة الإناء، ألا وأنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما
له منبرا، فقام يخطب، فقال: إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة الإناء، ألا وأنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما
بحضرتكم، ولقد ذكر لى: أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا، ولتملأنه، أفعجبتم! ولقد ذكر لى أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وله كظيظ من الرخام، ولقد رأيتنى وإنى لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بينى وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار، وستجربون الأمراء بعدنا. وفى بعض ما ذكره الطبرى «١» من الأحاديث عن مقدم عتبة البصرة، وأنه نزل الخريبة، قال: وبالأبلة خمسمائة من الأساورة يحمونها، وكان مرفأ السفن من الصين وما دونها، فسار عتبة، فنزل دار الإجانة، فأقام نحوا من شهر، ثم خرج إليه أهل الأبلة فناهضهم عتبة، وجعل قطبة بن قتادة السدوسى، وقسامة بن زهير المازنى فى عشرة فوارس، وقال لهما: كونا فى ظهورنا، فتردا المنهزم، وتمنعا من أرادنا من ورائنا، ثم التقوا فما اقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها، حتى منحهم الله أكتافهم، وولوا منهزمين، حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره فأقاموا أياما وألقى الله فى قلوبهم الرعب فخرجوا عن المدينة، وحملوا ما خف لهم، وعبروا إلى الفرات، وخلوا المدينة، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا وعينا، فاقتسموا العين، فأصاب كل رجل منهم درهمان، وولى نافع بن الحارث أقباض الأبلة، فأخرج خمسه ثم قسم الباقى بين من أفاء الله عليه، وكتب بذلك مع نافع بن الحارث. وقال داود بن أبى هند: أصاب المسلمون بالأبلة من الدراهم ستمائة درهم، فأخذ كل رجل درهمين، ففرض عمر لأصحاب الدرهمين فى ألفين من العطاء. وقال الشعبى «٢» : شهد فتح الأبلة مائتان وسبعون، فيهم أبو بكرة، نفيع بن الحارث، وشبل بن معبد، والمغيرة بن شعبة، ومجاشع بن مسعود، وأبو مريم البلوى.
اء. وقال الشعبى «٢» : شهد فتح الأبلة مائتان وسبعون، فيهم أبو بكرة، نفيع بن الحارث، وشبل بن معبد، والمغيرة بن شعبة، ومجاشع بن مسعود، وأبو مريم البلوى. وفى حديث يروى عن عمرة ابنة قيس «٣» : أنه لما خرج الناس لقتال أهل الأبلة، وكانوا حيالها، قالوا للعدو: نعبر إليكم أو تعبرون إلينا؟ قال: اعبروا إلينا، فأخذوا خشب العشر فأوثقوه، وعبروا، فقال المشركون: لا تأخذوا أولهم حتى يعبر آخرهم،
فلما صاروا على الأرض كبروا تكبيرة، ثم كبروا الثانية، فقامت دوابهم على أرجلها، ثم كبروا الثالثة، فجعلت الدابة تضرب بصاحبها الأرض، وجعلنا ننظر إلى رؤس تندر، ما نرى من يضربها، وفتح الله على أيديهم المدينة. وقال سلمة بن المحبق «١» : شهدت فتح الأبلة، فوقع فى سهمى قدر نحاس، فلما نظرت إذا هى ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، وكتب فى ذلك إلى عمر، فكتب: أن تصبر يمين سلمة بالله لقد أخذها يوم أخذها وهى عنده نحاس، فإن حلف سلمت إليه، وإلا قسمت بين المسلمين. قال: فحلفت فسلمت لى. قال المثنى بن موسى بن سلمة: فأصول أموالنا اليوم منها. وقال عباية بن عبد عمرو» : شهدت فتح الأبلة مع عتبة، فبعث نافعا إلى عمر، وجمع لنا أهل دست ميسان، فقال عتبة: أرى أن نسير إليهم، فسرنا فلقينا مرزبان دست ميسان، فقاتلناه، فانهزم أصحابه وأخذ أسيرا، فأخذ قباؤه ومنطقته فبعث بها عتبة مع أنس بن حجية اليشكرى. قال أبو المليح الهذلى: فسأله عمر: كيف المسلمون؟ قال: انثالت عليهم الدنيا، فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس فى البصرة فأتوها. وعن على بن زيد قال: لما فرغ عتبة من الأبلة جمع له مرزبان دست ميسان، فسار إليه عتبة من الأبلة فقتله، ثم سرح مجاشع بن مسعود إلى الفرات وبها مدينة، ووفد عتبة إلى عمر، وأمر المغيرة بن شعبة أن يصلى بالناس حتى يقدم مجاشع من الفرات، فإذا قدم فهو الأمير، فظفر مجاشع بأهل الفرات، ورجع إلى البصرة، وجمع الميلكان، عظيم من عظماء الأعاجم، للمسلمين، فخرج إليه المغيرة، فلقيه بالمرغاب «٣» ، فظفر به، فكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعتبة: من استعملت على البصرة؟ فقال: مجاشع بن مسعود، قال: تستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر؟ تدرى ما حدث؟ قال: لا، فأخبره بما كان من أمر المغيرة، وأمره أن يرجع إلى عمله، فمات عتبة فى الطريق، واستعمل عمر المغيرة. وفى رواية أن أهل ميسان هم الذين جمعوا، فلقيهم المغيرة، وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات، وبعد أن شخص عتبة إلى عمر أثر ما قتل مرزبان دست ميسان.
ة. وفى رواية أن أهل ميسان هم الذين جمعوا، فلقيهم المغيرة، وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات، وبعد أن شخص عتبة إلى عمر أثر ما قتل مرزبان دست ميسان.
وذكر الطبرى بسنده عن قتادة قال: جمع أهل ميسان للمسلمين، فسار إليهم المغيرة، وخلف الأثقال، فلقيهم دون دجلة، فقالت أردة بنت الحارث بن كلدة: لو لحقنا بالمسلمين فكنا معهم، فاعتقدت لواء من خمارها، واتخذ النساء من خمرهن رايات، وخرجن يردن المسلمين، فانتهين إليهم، والمشركون يقاتلونهم، فلما رأى المشركون الرايات مقبلة، ظنوا أن مددا أتى المسلمين فانكشفوا، واتبعهم المسلمون، فقتلوا منهم عدة. أردة بنت الحارث بن كلدة: هذه كانت تحت شبل بن معبد البجلى، وكانت أختها صفية عند عتبة بن غزوان، فلما ولى عتبة البصرة، انحدر معه أصهاره، أبو بكرة ونافع وشبل، وانحدر معهم زياد، فلما فتحوا الأبلة لم يجدوا قاسما يقسم بينهم، فكان زياد قاسمهم، وهو ابن أربع عشرة سنة، له ذؤابة، فأجروا عليه كل يوم درهمين. قال الطبرى: وكان ممن سبى من ميسان يسار أبو الحسن البصرى، وأرطبان جد عبد الله بن عون بن أرطبان. والأخبار فى شأن هذين المصرين يوهم ظاهرها الاختلاف المتباين فى وقت عمارة المسلمين لهما، فأكثرها على أن ذلك كان بعد المدائن، وبعد جلولاء، وقد ذكرنا ما ذكر الطبرى فى بعض ما أورده، أن عمر وجه الناس مع عتبة إلى البصرة فى سنة أربع عشرة، وهذا يقتضى أنه قبل القادسية، فضلا عن المدائن، وكذلك ذكر المدائنى من حديث حميد بن هلال، أن خالد بن عمير العدوى حدثه قال: لما كان أيام القادسية، كتب إلينا أهل الكوفة يستمدوننا، فأمدهم أهل البصرة بألف وخمسمائة راكب، كنت فيهم، فقدمنا على سعد بالقادسية وهو مريض، وذكر بقية الحديث. ولعل نزول المسلمين بهذين الموضعين كان متقدما على تمصيرهما وبنيانهما بزمان، ومع ذلك فلا يرتفع الخلاف فى ذلك بين الأخبار كل الارتفاع، والله تعالى أعلم.
ولعل نزول المسلمين بهذين الموضعين كان متقدما على تمصيرهما وبنيانهما بزمان، ومع ذلك فلا يرتفع الخلاف فى ذلك بين الأخبار كل الارتفاع، والله تعالى أعلم. وكان عمر، رضى الله عنه، قد أمر سعدا بعد ما وجهه إلى العراق أن يجعل الناس أعشارا، فلما كان بعد ذلك رجح الأعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا، فكتب سعد إلى عمر فى تعديلهم، فكتب إليه: أن عدلهم، فأرسل سعد إلى قوم من نساب العرب وعقلائهم وذوى الرأى منهم، كسعيد بن نمران، ومشعلة بن نعيم، فعدلوهم أسابعا، فلم يزالوا كذلك عامة إمارة معاوية حتى ولى زياد فربعهم.
ذكر الجزيرة، وذكر السبب الذى دعا عمر إلى الأمر بقصدها «١» وذلك أن هرقل أغزى حمص فى البحر بعد أن غلب عليها المسلمون، واستمد أهل الجزيرة على أبى عبيدة ومن فيها من المسلمين، فأجابوه، وبلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفا، سوى أمداد قنسرين من تنوخ وغيرهم، فبلغوا من المسلمين كل مبلغ، فضم أبو عبيدة مسالحه، وعسكروا بفناء مدينة حمص، وخندقوا عليها، وكتبوا إلى عمر واستصرخوه، وكان عمر، رضى الله عنه، قد اتخذ فى كل مصر على قدرها خيولا من فضول أموال المسلمين، عدة لما يعرض، فكان من ذلك بالكوفة أربعة آلاف فرس يشتيها فى قبلة قصر الكوفة وميسرته، بمكان يسمى لأجل ذلك الآرى، ويربعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة، مما يلى العاقول، فسمته الأعاجم: آخر الشاهجان، يعنون معلف الأمراء. وكان قيمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلى فى نفر من أهل الكوفة، يصنع سوابقها، ويجريها فى كل يوم، وبالبصرة نحو منها، وقيمه عليها جزء بن معاوية، وفى كل مصر من الأمصار على قدره، فلما وقع إلى عمر كتاب أبى عبيدة يستصرخه، كتب إلى سعد بن أبى وقاص: أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو، وسرحهم من يومهم الذى يأتيك فيه كتابى إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدم إليهم فى الجد والحث.
سعد بن أبى وقاص: أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو، وسرحهم من يومهم الذى يأتيك فيه كتابى إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدم إليهم فى الجد والحث. وكتب إليه أيضا: أن سرح سهيل بن عدى إلى الجزيرة فى الجند، وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص، وإن أهل قرقيسيا لهم سلف، وسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، ثم لينفضا حران والرها، وسرح الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ، وسرح عياض بن غنم، فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض، فمضى القعقاع فى أربعة آلاف من يومهم الذى أتاهم فيه الكتاب نحو حمص، وحديثهم مذكور فى أمر حمص من فتح الشام، وإنما أعيد منه هنا هذا القدر تطريقا لحديث الجزيرة وتمهيدا له. وخرج عياض بن غنم، وأمراء الجزيرة، فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها، فتوجه كل أمير إلى الكورة التى أمّر عليها، ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص أن الجنود قد خرجت من الكوفة، ولم يدروا، الجزيرة يريدون أم حمص؟
تفرقوا إلى بلدانهم خوفا عليها، وخلوا الروم، فأتى سهيل بن عدى حتى انتهى إلى الرقة، وقد حصر فيها أهلها الذين ارفضوا عن حمص، فنزل عليهم، وأقام محاصرهم حتى صالحوه، وذلك أن قالوا فيما بينهم: إنكم بين أهل العراق وأهل الشام، فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء؟ فبعثوا إلى عياض، وهو فى منزل واسط بالجزيرة، فقبل منهم وعقد لهم عن أمرة سهيل بن عدى. وخرج عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فسلك على دجلة حتى انتهى إلى الموصل، عبر إلى بلد ثم أتى نصيبين، فلقوا بالصلح، وصنعوا كما صنع أهل الرقة، وخافوا مثل الذى خافوا، فعقد لهم عبد الله عن أمر عياض، وأجروا ما أخذوه عنوة من الرقة ونصيبين، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة، ولما أعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة، ضم عياض سهيلا وعبد الله إليه، فسار بالناس إلى حران، فأخذ ما دونها، فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية، فقبل منهم، وأجرى من أجاب بعد غلبته مجرى أهل الذمة، ثم سرح سهيلا وعبد الله إلى الرها، فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية، فقبل ذلك عياض منهم، وأجرى من دونهم مجراهم، فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا وأيسره فتحا. وقال سهيل بن عدى فى ذلك: وصادمنا الفرات غداة سرنا ... إلى أهل الجزيرة بالعوالى ولم نثن الأعنة حين سرنا ... بجرد الخيل والأسل النهال فأجهضنا الأولى قادوا لحمص ... وقد منوا أمانى الضلال أخذنا الرقة البيضاء لما ... رأينا الشهر لوح بالهلال وأزعجت الجزيرة بعد خفض ... وقد كانت تخوف بالزوال وصار الخرج صافية إلينا ... بأكناف الجزيرة عن تغال وقال فى ذلك عبد الله بن عتبان: ألا من مبلغ عنى بجيرا ... فما بينى وبينك من بعاد فإن تقبل تلاق العدل فينا ... وتنسى ما عهدت من الجهاد وإن تدبر فما لك من نصيب ... نصيبى فيلحق بالعباد وقد ألقت نصيبين إلينا ... سواد البطن بالخرج السداد لقد لقيت نصيبين الدواهى ... بدهم الخيل والجرد الوراد ونفست الجياد عن أهل حمص ... جنود الروم أصحاب الفساد
ت نصيبين إلينا ... سواد البطن بالخرج السداد لقد لقيت نصيبين الدواهى ... بدهم الخيل والجرد الوراد ونفست الجياد عن أهل حمص ... جنود الروم أصحاب الفساد
وعاين عامر منهم عديدا ... ودهما مثل سائمة الجراد وخرج الوليد بن عقبة «١» حتى قدم على بنى تغلب وعرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلا أياد بن نزار، فإنهم ارتحلوا بكليتهم، فاقتحموا أرض الروم، فكتب الوليد بذلك إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فكتب إلى ملك الروم: إنه بلغنى أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فو الله لتخرجنه أو لننبذن إلى النصارى، ثم لنخرجنهم إليك. فأخرجهم ملك الروم، فتم منهم على الخروج أربعة آلاف، وخنس بقيتهم، فتفرقوا مما يلى الشام والجزيرة من بلاد الروم، فكل أيادى فى أرض العرب من أولئك الأربعة آلاف، وأبى الوليد أن يقبل من بنى تغلب إلا الإسلام، وكتب فيهم إلى عمر، فأجابه: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلا الإسلام، فدعهم على أن لا ينصروا وليدا، وأقبل منهم إذا أسلموا، فقبل منهم على أن لا ينصروا وليدا، ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام، وأبى بعضهم إلا الجزاء، ورضى منهم بما رضى به من العباد وتنوخ. وفى حديث عن أبى سيف التغلبى «٢» : أن رسول الله ﷺ كان عاهد وفد بنى تغلب على أن لا ينصروا وليدا، فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفدهم، ولم يكن على غيرهم، فلما كان زمان عمر قال مسلموهم: لا تنفروهم بالخراج فيذهبوا، ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التى تأخذونها من أموالهم، فإنهم يغضبون من ذلك الجزاء على أن لا ينصروا وليدا إذا أسلم آباؤهم، فخرج وفدهم فى ذلك إلى عمر، ﵀. ولما بعث الوليد إليه برؤس النصارى وبديانيهم، فأمرهم عمر بأداء الجزية، قالوا له:
على أن لا ينصروا وليدا إذا أسلم آباؤهم، فخرج وفدهم فى ذلك إلى عمر، ﵀. ولما بعث الوليد إليه برؤس النصارى وبديانيهم، فأمرهم عمر بأداء الجزية، قالوا له: أبلغنا مأمننا، فو الله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم، وو الله لتفضحنا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم، والله لتؤدنها وأنتم صغرة قمأة، ولئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم، ثم لأسبينكم. قالوا: فخذ منا شيئا ولا تسميه جزاء، فقال: أما نحن فنسميه الجزاء، وسموه أنتم ما شئتم. فقال له على بن أبى طالب وأصغى إليه عمر: يا أمير المؤمنين، ألم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى،
قال: فرضى به منهم جزاء ورضى القوم بذلك، فبنو تغلب تسمى جزيتهم صدقة، وأما تنوخ فلم تبال أى ذلك كان، فهم يسمونها الجزية، وكان فى بنى تغلب عز وامتناع، فلا يزالون ينازعون الوليد فيهم بهم ويقول: إذا ما عصبت الرأس منى بمشوذ ... فغيك منى تغلب ابنة وائل وبلغت عمر، ﵀، فخاف أن يخرجوه وأن يضعف صبره فيسطو عليهم، فعزله وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمرو الجملى. ذكر فتح سوق الأهواز ومناذر ونهرتير «١» ذكر سيف عن شيوخه، قالوا «٢» : لما انهزم الهرمزان بالقادسية، جعل وجهه إلى أمته، فملكهم وقاتل بهم من أرادهم، فكان يغير على ميسان ودست ميسان من وجهين، من مناذر ونهرتير، فاستمد عتبة بن غزوان سعدا، فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يكونا بين أهل ميسان ودست ميسان وبين نهرتير، ووجه عتبة، سلمى بن القين وحرملة بن مريطة الحنظليين، فنزلا على حدود أرض ميسان ودست ميسان، بينهم وبين مناذر، ودعوا بنى العم بن مالك، فخرج إليهم غالب الوائلى وكليب بن وائل الكلبى، فتركا نعيما ونعيما، وأتيا سلمى وحرملة، وقالا: أنتما من العشيرة، وليس لكما منزل، فإذا كان يوم كذا فانهدوا للهرمزان، فإن أحدنا يثور بمناذر، والآخر بنهرتير، فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان شىء إن شاء الله.
زل، فإذا كان يوم كذا فانهدوا للهرمزان، فإن أحدنا يثور بمناذر، والآخر بنهرتير، فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان شىء إن شاء الله. فلما «٣» كانت ليلة الموعد، خرج سلمى وحرملة صبيحتها فى تعبئة، وأنهضا نعيما، ونعيم وسلمى على أهل البصرة، ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة، فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهرتير فاقتتلوا، فبينا هم فى ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأخذ مناذر ونهرتير، فكسر الله فى ذرعه وذرع جنده، وهزمه وإياهم، فقتل المسلمون منهم ما شاؤا وأصابوا ما شاؤا، واتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل، وأخذوا ما دونه، وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز، وأقام بها، وصار دجيل بينه وبين المسلمين، ورأى الهرمزان ما لا طاقة له به،
فطلب الصلح وكتبوا إلى عتبة يستأمرونه فيه، وكاتبه الهرمزان، فأجاب عتبة إلى ذلك على الأهواز كلها ومهرجان قذق، ما خلا نهرتير ومناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنا لا نرد عليهم ما تنقذنا. وجعل عتبة على مناذر سلمى بن القين مسلحة وأمرها إلى غالب، وحرملة على نهرتير، وأمرها إلى كليب، فكانا على مسالح البصرة، وهاجرت طوائف بنى العم، فنزلوا البصرة، وجعلوا يتبايعون على ذلك، وكتب عتبة بذلك إلى عمر، ﵀، ووفد وفدا منهم سلمى وحرملة، وأمرهما أن يستخلفهما على عمليهما وغالب وكليب، ووفد يومئذ من البصرة وفودا، فأمرهم عمر أن يرفعوا حوائجهم، فكلهم قال: أما العامة فأنت صاحبها، فلم يبق إلا خواص أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، إلا ما كان من الأحنف بن قيس، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، إنه لكما ذكروا، ولقد يغرب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة، وإنما ينظر الوالى فيما غاب عنه بأعين أهل الخير، ويسمع بآذانهم، وإنا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا إلى البر، وإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا فى مثل حدقة البعير الغاسقة، من العيون العذاب، والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم غضة، لم تخضد، وإنا معاشر أهل البصرة نزلنا بسبخة هشاشة زعقة نشاشة، طرف لها فى الفلاة، وطرف لها فى البحر الأجاج، يجر إليها ما جر فى مثل مرىء النعامة، دارنا مفعمة، ووظيفتنا ضيقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل البلاء فينا كثير، ودرهمنا كبير، وفقيرنا صغير، وقد وسع الله علينا، وزادنا فى أرضنا، فوسع علينا يا أمير المؤمنين، وزدنا وظيفة، تطوف علينا، ونعيش بها.
ل البلاء فينا كثير، ودرهمنا كبير، وفقيرنا صغير، وقد وسع الله علينا، وزادنا فى أرضنا، فوسع علينا يا أمير المؤمنين، وزدنا وظيفة، تطوف علينا، ونعيش بها. فنظر عمر إلى منازلهم التى كانوا بها، إلى أن صاروا إلى الحجر، فنفلهموها، وأقطعهم إياها، وكان ذلك مما كان لآل كسرى، فصار فيئا فيما بين دجلة والحجر، فاقتسموه، وكان سائر ما كان آل كسرى فى أرض البصرة على حال ما كان فى أرض الكوفة ينزلونه من أحبوا، ويقتسمونه بينهم، لا يستأثرون به على بدء ولا ثنى، بعد ما يرفعون خمسه إلى الوالى. فكانت قطائع أهل البصرة نصفين، نصفها مقسوم، ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع، وكان أصحاب الألفين ممن شهد القادسية ثم أتى البصرة مع عتبة خمسة آلاف، وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفا، فألحق عمر أعدادهم بأهل البصرة، حتى ساواهم بهم، ألحق جميع من شهد الأهواز، ثم قال: هذا الغلام سيد أهل البصرة، يعنى الأحنف، وكتب إلى عتبة أن يسمع منه، ورد سلمى وحرملة وغالبا وكليبا إلى مناذر ونهرتير، فكانوا عدة فيها لما يعرض.
حديث فتح الأهواز ومدينة سرق واتصل ما بين أهل البصرة وبين أهل ذمتهم، على ما ذكر، إلى أن وقع بين الهرمزان وبين غالب وكليب فى حدود الأرضين اختلاف، فحضر سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم، فوجدا غالبا وكليبا محقين، والهرمزان مبطلا، فحالا بينه وبينهما، فكفر الهرمزان، ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثف جنده، وكتبوا ببغيه وكفره إلى عتبة، فكتب بذلك إلى عمر، فأمدهم عمر بحرقوص بن زهير السعدى، وكانت له صحبة، وأمره على القتال، وعلى ما غلب عليه. فنهدوا معه، ونهد الهرمزان بمن معه حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز عبر الهرمزان فوق الجسر، بعد أن خيرهم، فقالوا له: اعبر، فاقتتلوا هنالك، فهزم الله الهرمزان، ووجه نحو رامهرمز، وافتتح حرقوص سوق الأهواز، فأقام بها، ونزل الجبل، واتسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، فحمد الله، ودعا له بالثبات والزيادة.
الأهواز، فأقام بها، ونزل الجبل، واتسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، فحمد الله، ودعا له بالثبات والزيادة. وكان عمر، رضى الله عنه، قد عهد إلى حرقوص: إن فتح الله عليهم أن يبعث جزء بن معاوية فى أثر الهرمزان، وهو متوجه إلى رامهرمز، فما زال يقاتلهم حتى انتهى إلى قرية الشغر، وأعجزهم بها الهرمزان، فمال منها جزء إلى دورق، ومدينة سرق فيها قوم لا يطيقون منعها، فأخذها صافية، ودعا من هرب إلى الجزاء والمنعة، فأجابوه، وكتب بذلك كله إلى عمر وإلى عتبة، فكتب عمر، ﵀، إلى جزء وإلى حرقوص بلزوم ما غلبا عليه، والمقام حتى يأتيهما أمره، ففعلا، واستأذنه جزء فى عمران ما دثر، فأذن له، فشق الأنهار، وعمر الموات. ولما نزل الهرمزان رامهمرمز وضاقت عليه الأهواز بالمسلمين، طلب الصلح وراسل فيه حرقوصا وجزآ، فكتب فيه حرقوص إلى عمر، فكتب إليه وإلى عتبة، يأمر بقبول صلح الهرمزان على ما لم يفتتحوا من البلاد، على رامهرمز وتستر والسوس وجندى سابور والبنيان ومهرجان نقذق، فقبل ذلك الهرمزان، وأجابهم إليه، فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم عمر، وأقام الهرمزان على صلحه يجبى إليهم ويمنعونه، وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبوا عنه. وكتب عمر إلى عتبة أن يوفد عليه عشرة من صالحاء جند البصرة، فوفد إليه منهم عشرة، فيهم الأحنف بن قيس، فلما قدموا عليه، قال للأحنف: إنك عندى مصدق، وقد رأيتك رجلا، فأخبرنى: أظلمت الذمة، ألمظلمة نفروا، أم لغير ذلك؟ فقال: بل لغير مظلمة، والناس على ما تحب، قال: فنعم إذا انصرفوا إلى رحالكم.
وكتب عمر إلى عتبة: أن اصرف الناس عن الظلم، واتقوا الله، واحذروا أن يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغى، فإنكم إنما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه، وقد تقدم إليكم فيما أخذ عليكم، فأوفوا بعهد الله، وقوموا على أمره يكن لكم عونا وناصرا. وبلغ عمر، ﵀، أن حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه، والجبل كئود يشق على من رامه، فكتب إليه: بلغنى أنك نزلت منزلا كئودا لا تؤتى فيه إلا على مشقة، فأسهل ولا تشقن به على مسلم ولا معاهد، وقم فى أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا، ولا تدركنك فترة ولا عجلة، فتكدر دنياك وتذهب آخرتك. ذكر غزو المسلمين أرض فارس «١» قالوا «٢» : وكان المسلمون بالبصرة وأرضها يومئذ سوادها، والأهواز على ما هم عليه، ما غلبوا عليه منها ففى أيديهم، وما صلحوا عليه ففى أيدى أهله يؤدون الخراج، ولا يدخل عليهم، ولهم الذمة والمنعة، وعميد الصلح الهرمزان. وقد قال عمر، ﵀: حسبنا أهل البصرة سوادهم والأهواز، وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا، كما قال لأهل الكوفة: وددت أن بينهم وبين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم. وكان العلاء بن الحضرمى على البحرين، رده إليها عمر بعد أن عزله عنها بقدامة بن مظعون، وكان العلاء يناوئ سعد بن أبى وقاص لصدع صدعه القضاء بينهما، فطار العلاء على سعد فى الردة بالفضل، فلما ظفر سعد بالقادسية، وأزاح الأكاسرة، واستعلى بأعظم مما كان جاء به العلاء، أسر العلاء أن يصنع شيئا فى الأعاجم، ورجاء أن يدال كما قد كان أديل، ولم يقدر العلاء، ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة وفضل المعصية وعواقبها، فندب أهل البحرين إلى أهل فارس، فتسرعوا إلى ذلك، ففرقهم أجنادا، على أحدها الجارود بن المعلى، وعلى الآخر السوار بن همام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى، وهو مع ذلك على جماعة الناس، فحملهم فى البحر إلى فارس بغير إذن عمر،
الجارود بن المعلى، وعلى الآخر السوار بن همام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى، وهو مع ذلك على جماعة الناس، فحملهم فى البحر إلى فارس بغير إذن عمر،
وكان عمر، ﵀، لا يأذن لأحد فى ركوبه غازيا، يكره التغرير بجنده استنانا بالنبى ﷺ وبأبى بكر، إذ لم يغزيا فيه أحدا. فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا فى اصطخر، وبإزائهم أهل فارس، قد اجتمعوا على الهربذ، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم، فقام خليد فى الناس، فقال: إن الله إذا قضى لأحد أمرا جرت به المقادير حتى يصيبه، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم لحربهم، وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفن والأرض لمن غلب، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة: ٤٥] . فأجابوه، فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا فى موضع يدعى طاووس، وجعل السوار يحض ويذكر قومه عبد القيس حتى قتل، وقتل الجارود، ويومئذ ولى عبد الله بن المسور والمنذر بن الجارود حياتهما إلى أن ماتا. وجعل خليد بن المنذر يقول للمسلمين: انزلوا، فنزلوا فقاتلوا القوم فقتل أهل فارس مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها، ثم خرج المسلمون يريدون البصرة إذ غرقت سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع فى البحر سبيلا، فوجدوا شهرك قد أخذ عليهم الطرق فعسكروا وامتنعوا. ولما بلغ عمر، ﵀، ما صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش فى البحر، يعنى قبل أن يبلغه ما عرض لهم، ألقى فى روعه نحو من الذى كان، فاشتد غضبه على العلاء وكتب إليه بعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه عليه، بتأمر سعد عليه، وقال: الحق بسعد بن أبى وقاص فيمن قبلك، فخرج نحوه بمن معه.
العلاء وكتب إليه بعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه عليه، بتأمر سعد عليه، وقال: الحق بسعد بن أبى وقاص فيمن قبلك، فخرج نحوه بمن معه. وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: أن العلاء بن الحضرمى حمل جندا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس، وعصانى، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم ألا ينصروا وأن يغلبوا وينشبوا، فاندب الناس إليهم، واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا، فندب عتبة الناس، وأخبرهم بكتاب عمر، فانتدب عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن ومجزأة بن ثور والأحنف بن قيس وصعصعة بن معاوية وآخرون من رؤس المسلمين وفرسانهم، فخرجوا فى اثنى عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بن أبى رهم، أحد بنى مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، والمسالح على حالها بالأهواز والذمة، وهم ردء الغازى والمقيم، فسار أبو سبرة بالناس، وساحل لا يلقاه أحد، ولا يعرض له حتى التقى بخليد وأصحابه بحيث أخذ عليهم الطريق. وكان أهل اصطخر حيث أخذوا عليهم الطريق وأنشبوهم، استصرخوا عليهم أهل
فارس كلهم، فضربوا إليهم من كل وجه وكورة، فالتقوا هم وأبو سبرة، وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، وهو الذى كان أخذ عليهم الطريق غب وقعة القوم بطاووس، فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، وقتل المشركون وأصاب المسلمون منهم ما شاؤا، وهى الغزاة التى شرفت بها نابتة البصرة، فكانوا أفضل المصرين نابتة، ثم انكفأوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عتبة وكاتبهم بالحث وقلة العرجة، فانضموا إليه بالبصرة، فرجع أهلها إلى منازلهم منها، وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر إلى قبائلهم، والذين تنقذوا من عبد القيس فى موضع سوق البحرين.
العرجة، فانضموا إليه بالبصرة، فرجع أهلها إلى منازلهم منها، وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر إلى قبائلهم، والذين تنقذوا من عبد القيس فى موضع سوق البحرين. ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس، استأذن عمر فى الحج، فأذن له، فلما قضى حجه استعفاه، فأبى أن يعفيه، وعزم عليه ليرجعن إلى عمله، فدعا الله ثم انصرف، فمات فى بطن نخلة، فدفن بها، ومر به عمر زائرا لقبره، فقال: أنا قتلتك، لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم، وأثنى عليه بالفضل. ومات عتبة وقد استخلف على الناس أبا سبرة بن أبى رهم وعماله على حالهم، ومسالحه على نهرتير ومناذر وسوق الأهواز وسرق. وأمّر عمر أبا سبرة على البصرة بقية السنة التى مات فيها عتبة، ثم عزله، واستخلف عبد الرحمن بن سهل، ثم استعمل المغيرة بن شعبة، فعمل عليها بقية تلك السنة التى ولاه فيها والسنة التى تليها، لم ينتقض عليه أحد فى عمله، وكان مرزوق السلامة. ذكر فتح رامهرمز والسوس وتستر وأسر الهرمزان «١» ذكر سيف «٢» عن أصحابه قالوا: لم يزل يزدجرد يثير أهل فارس أسفا على ما خرج عنهم، فكتب إليهم وهو بمرو، يذكرهم الأحقاد ويؤنبهم، أن قد رضيتم يا أهل فارس أن غلبتكم العرب على السواد وما والاه، وعلى الأهواز، ثم لم يرضوا بذلك حتى يوردوكم فى بلادكم وعقر داركم، فخرجوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز، وتعاهدوا وتواثقوا على النصرة، وجاءت الأخبار حرقوص بن زهير وجزآ وسلمى وحرملة عن خبر غالب وكليب، فكتبوا إلى عمر وإلى المسلمين بالبصرة، فكتب عمر إلى سعد: أن ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل، وابعث سويد بن مقرن، وعبد
الله بن ذى السهمين، وجرير بن عبد الله الحميرى، وجرير بن عبد الله البجلى، فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتيقنوا أمره. وكتب إلى أبى موسى، وهو على البصرة: أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا، وأمر عليهم سهيل بن عدى، وابعث معه البراء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن سور، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن بن سهل، والحصين بن معبد، وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعا أبو سبرة بن أبى رهم، وكل من أتاه فمدد له. وخرج النعمان بن مقرن فى أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان، ثم أخذ البر إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، وانتهى إلى نهرتير فجازها، وجاز مناذر، ثم شق الأهواز، وخلف حرقوصا وسلمى وحرملة، ثم سار نحو الهرمزان، وهو برامهرمز، فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره، ورجا أن يقتطعه، وقد طمع فى نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل أمدادهم بتستر، فالتقى النعمان والهرمزان بأزبك، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله هزم الهرمزان، وأخلى رامهرمز ولحق بتستر، وسار النعمان بن أزبك حتى نزل برامهرمز، ثم صعد لا يذج، فصالحه عليها تيرويه، فقبل منه وتركها، ورجع إلى رامهرمز، فأقام بها. وجاء سهل فى أهل البصرة حتى نزلوا سوق الأهواز، فأتاهم بها خبر الوقعة التى أوقعها النعمان بالهرمزان حتى لحق بتستر، فمالوا نحوه من سوق الأهواز، فكان وجههم منها إلى تستر، ومال النعمان إليها من رامهرمز، وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء، فنزلوا جميعا على تستر، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال وأهل الأهواز فى الخنادق، فكتبوا بذلك إلى عمر، ﵀، واستمده أبو سبرة فأمده بأبى موسى، فساجلوهم، وعلى أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين أبو سبرة، فحاصروهم أشهرا، وأكثروا فيهم القتل.
ده أبو سبرة فأمده بأبى موسى، فساجلوهم، وعلى أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين أبو سبرة، فحاصروهم أشهرا، وأكثروا فيهم القتل. وقتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مبارزة مائة، سوى من قتل فى غير المبارزة، وقتل مجزأة بن ثور مثل ذلك، وقتل كعب بن سور وأبو تميمة كل واحد منهما مثل ذلك، وهؤلاء فى عدة من أهل البصرة، وفعل مثل ذلك من الكوفيين رجال، منهم حبيب بن قرة، وربعى بن عامر، وعارم بن عبد الأسد، وكان من الرؤساء، فى ذلك، ما ازدادوا به إلى ما كان منهم، وزاحفهم المشركون فى أيام
تستر ثمانين زحفا تكون عليهم مرة ولهم أخرى، حتى إذا كان فى آخر زحف منها واشتد القتال، قال المسلمون: يا براء، أقسم على ربك ليهزمنهم لنا، فقال البراء بن مالك: اللهم اهزمهم لنا واستشهدنى، فهزمهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم، فأرزوا إلى مدينتهم، فأحاط المسلمون بها. فبينا هم على ذلك وقد ضاقت المدينة بهم، وطالت حربهم، خرج رجل إلى النعمان فاستأمنه على أن يدله على مدخل يوصل منه إلى المدينة، ويكون منه فتحها، فأمنه النعمان، فقال: انهدوا من قبل مخرج الماء، ورمى رجل آخر غير ذلك الرجل فى ناحية أبى موسى بسهم يستأمنهم فيه على أن يدلهم على ذلك، فأمنوه فى نشابة، فرمى إليهم بأخرى، ودلهم على مخرج الماء، فندب الأميران أصحابهما، فانتدب لأبى موسى كعب ابن سور ومجزأة بن ثور وبشر كثير.
يدلهم على ذلك، فأمنوه فى نشابة، فرمى إليهم بأخرى، ودلهم على مخرج الماء، فندب الأميران أصحابهما، فانتدب لأبى موسى كعب ابن سور ومجزأة بن ثور وبشر كثير. وانتدب للنعمان أيضا بشر كثير، منهم: سويد بن المثعبة، وعبد الله بن بشر الهلالى، فنهدوا، فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج، وقد تسرب سويد وعبد الله، فاتبعهم الفريقان، حتى إذا اجتمعوا فيها، والناس على رجل من خارج، كبروا فيها، وكبر المسلمون من خارج، وفتحت الأبواب، فاجتلدوا فيها، فأناموا كل مقاتل، وأرز الهرمزان إلى القلعة فأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء، فلما عاينوه وأقبلوا قبله، قال لهم: ما شئتم، قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، وإن معى فى جعبتى مائة نشابة، وو الله لا تصلون إلىّ، ما دامت معى نشابة، وما يقع لى سهم إلا فى رجل، وما خير أسارى إذا أصبت منكم مائة بين قتيل وجريح، قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدى فى أيديكم على حكم عمر يصنع بى ما شاء، قالوا: فذلك لك. فرمى بقوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدوه وثاقا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف، والراجل ألفا. وجاء الرجل الذى خرج بنفسه إلى النعمان، والآخر الذى رمى بالسهم فى ناحية أبى موسى، فقالا للمسلمين: من لنا بالأمان الذى طلبنا علينا وعلى من مال علينا؟ قالوا: ومن مال معكم؟ قالوا: من أغلق عليه بابه مدخلكم، فأجازوا ذلك لهم، وقتل ليلتئذ من المسلمين ناس كثير، منهم مجزأة بن ثور، والبراء بن مالك، قتلهما الهرمزان. وخرج أبو سبرة من تستر فى أثر الفل، وقد قصد السوس، وأخرج معه النعمان وأبا موسى الهرمزان، حتى نزلوا على السوس، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إلى أبى موسى
برده على البصرة، فانصرف عليها، وأمر عمر على جند البصرة المقترب، وهو الأسود بن ربيعة، وكتب إلى زر بن عبد الله بن كليب الفقيمى أن يسير إلى جندى سابور، فسار حتى نزل عليها، وكان الأسود وزر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين إليه، الوافدين عليه، فقال له الأسود لما وفد عليه: جئت لأقترب إلى الله بصحبتك، فسماه المقترب، وقال له زر: يا رسول الله، فنى بطنى، وكثر إخوتنا، فادع الله لنا، فقال: «اللهم أوف لزر عمارته» ، فتحول إليهم العدد. ووفد أبو سبرة وفدا، فيهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيس، وأرسل الهرمزان معهم، فقدموا مع أبى موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة، حتى إذا دخلوها هيئوا الهرمزان فى هيئته، فألبسوه كسوته من الديباج، ووضعوا على رأسه تاجا مكللا بالياقوت، كيما يراه عمر والمسلمون فى هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر فى منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل لهم: جلس فى المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه فى المسجد فلم يروه. فلما انصرفوا مروا بغلمان يلعبون، فقالوا لهم: ما تلددكم تريدون أمير المؤمنين؟ فإنه نائم فى ميمنة المسجد، متوسد برنسه، وكان عمر، ﵀، قد جلس لوفد الكوفة فى برنس، فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه، وأخلوه نزع برنسه ثم توسده فنام، فانطلقوا ومعهم النظارة، حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس فى المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدرة فى يده، فقال الهرمزان: أين عمر؟ قالوا: هو ذا، وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه، فقال لهم الهرمزان: أين حرسه وحجابه؟ فقالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب ولا ديوان، فقال: ينبغى له أن يكون نبيا، قالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، وكثر الناس، فاستيقظ عمر، ﵀، بالجلبة، فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمله وتأمل ما عليه، وقال: أعوذ بالله من النار، وأستعين بالله، ثم قال: الحمد لله الذى أذل بالإسلام هذا وأشباهه، يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدى نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة.
تعين بالله، ثم قال: الحمد لله الذى أذل بالإسلام هذا وأشباهه، يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدى نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة. فقال الوفد: هذا ملك الأهواز فكلمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شىء، فرمى عنه بكل شىء كان عليه إلا شيئا يستره، وألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: هى يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، إنا وإياكم فى الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا، فقال عمر: إنما غلبتمونا فى الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا، ثم قال عمر: ما
عذرك وما حجتك فى انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلنى قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك. واستسقى ماء، فأتى به فى قدح غليظ، فقال: لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب فى مثل هذا، فأتى به فى إناء يرضاه، فجعلت يده ترعد، وقال: إنى أخاف أن أقتل وأنا أشرب، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه. فقال عمر: أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لى فى الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال عمر: إنى قاتلك، فقال: قد أمنتنى، قال: كذبت، قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد أمنته، قال: ويحك يا أنس، أنا أؤمن قاتل مجزأة والبراء ابن مالك، والله لتأتين بمخرج وإلا عاقبتك. قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرنى، وقلت له: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك، فأقبل الهرمزان، وقال: خدعتنى، والله لا أنخدع إلا أن تسلم، فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة. ويروى أن المغيرة بن شعبة كان الترجمان يومئذ بين عمر وبين الهرمزان إلى أن جاء المترجم، وكان المغيرة يفقه من الفارسية شيئا، فقال له عمر: ما أراك بها حاذقا، ما أحسنها أحد منكم إلا خب، ولا خب إلا دق، إياكم وإياها، فإنها تنقص الإعراب. ذكر فتح السوس
غيرة يفقه من الفارسية شيئا، فقال له عمر: ما أراك بها حاذقا، ما أحسنها أحد منكم إلا خب، ولا خب إلا دق، إياكم وإياها، فإنها تنقص الإعراب. ذكر فتح السوس والأخبار التى نذكرها بعد ذلك شديدة الخلاف لبعض ما تقدم، وكذلك قال أبو جعفر الطبرى «١» : إن أهل السير اختلفوا فى أمرها. قال: فأما المدائنى فإنه قال: لما انتهى فل جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان، دعا بخاصته وبالموبذ، فقال: إن القوم لا يلقون جمعا إلا فلوه، فما ترون؟ قال الموبذ: نرى أن نخرج فننزل اصطخر، فإنها بيت المملكة، وتضم إليك خزائنك، وتوجه الجنود، فأخذ برأيه، وسار إلى أصبهان ودعا سياه، فوجه ثلاثمائة فيهم سبعون من عظمائهم، وأمره أن ينتخب من كل بلدة يمر بها من أحب، فمضى سياه واتبعه يزدجرد، حتى نزلوا اصطخر وأبو موسى محاصر سوس، فوجه سياه إلى السوس، والهرمزان إلى تستر، فنزل سياه منزلا تحول عنه حين سار أبو موسى إلى تستر. فنزل سياه بينها وبين رامهرمز، ودعا الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبهان، وقد عظم أمر المسلمين عنده، فقال: قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل



