الاكتفا بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفا

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya أبو الربيع الكلاعي (w. 634 H).

Bagian 7 dari 40 1260 halaman

— Bagian 7 · وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال ابن الزبعر… —

Bagian 7

وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى ابن مريم. فعجب الوليد ومن كان معه من قول ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال لهم: «كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته» . فأنزل الله عليه: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ [الأنبياء: ١٠١] ، أى عيسى وعزيرا ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله «١» . ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إلى قوله: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٢٦، ٢٩] «٢» . وأنزل فيما ذكر من أمر عيسى أنه يعبد من دون الله وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ثم قال: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [الزخرف: ٥٧، ٦١] ، أى ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وإبراء الأسقام فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.

، أى ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وإبراء الأسقام فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ. والأخنس بن شريق الثقفى حليف بنى زهرة، وكان من أشراف القوم وممن يستمع منه، فكان يصيب من رسول الله ﷺ ويرد عليه، فأنزل الله فيه: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [ن: ١٠، ١٣] ، إلى قوله: زَنِيمٍ. ولم يقل: «زنيم» لعيب فى نسبه، إن الله لا يعب أحدا بنسبه ولكنه حقق بذلك نعته

ليعرف، والزنيم العديد للقوم «١» . قال الخطيم التميمى، فى الجاهلية: زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد فى عرض الأديم الأكارع «٢» والوليد بن المغيرة، قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفى سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين! فأنزل الله فيه، فيما بلغنى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلى قوله: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: ٢٠، ٢٢] . وأبى بن خلف الجمحى وعقبة بن أبى معيط، وكانا متصافيين حسنا ما بينهما، فكان عقبة بن أبى معيط قد جلس إلى رسول الله ﷺ وسمع منه، فبلغ ذلك أبيا فأتى عقبة فقال: ألم يبلغنى أنك جالست محمدا وسمعت منه؟! ثم قال: وجهى من وجهك حرام أن أكلمك، واستغلظ من اليمين، إن أنت جلست إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل فى وجهه. ففعل ذلك عدو الله عقبة، فأنزل الله فيه: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا [الفرقان: ٢٧، ٢٩] .

نِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا [الفرقان: ٢٧، ٢٩] . ومشى أبى بن خلف إلى رسول الله ﷺ بعظم بال قد ارفتّ فقال: يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما [أرمّ] «٣» ؟! ثم فته بيده ثم نفخه فى الريح نحو رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار» «٤» ، فأنزل الله فيه: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس: ٧٨، ٨٠] . واعترض رسول الله ﷺ [وهو يطوف بالكعبة] «٥» ، فيما بلغنى، الأسود بن المطلب

والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وكانوا ذوى أسنان فى قومهم، فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت فى الأمر، فإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه!. فأنزل الله فيهم: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، السورة كلها، أى إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لى بذلك منكم، لكم دينكم ولى دين. وأبو جهل بن هشام، لما ذكر الله شجرة الزقوم تخويفا بها لهم، قال يا معشر قريش: هل تدرون ما شجرة الزقوم التى يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا. قال: عجوة يثرب بالزبد! والله لئن استمكنا منها لتنزقمنها تزقما «١» !. فأنزل الله فيه: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٣] ، ووقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله ﷺ ورسول الله يكلمه وقد طمع فى إسلامه، فبينا هو فى ذلك مر به ابن أم مكتوم الأعمى، فكلم رسول الله ﷺ وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك منه على رسول الله ﷺ حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا، وتركه، فأنزل الله فيه: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى إلى قوله: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس: ١، ١٤] «٢» . أى: إنما بعثتك بشيرا ونذيرا لم أخص بك أحدا دون أحد، فلا تمنعه ممن ابتغاه ولا تتصد به لمن لا يريده. قال ابن إسحاق «٣» : ولما بلغ أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة فأقبلوا لما بلغهم ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ذلك كان باطلا، فلم يدخل أحد منهم، إلا بجوار أو مستخفيا. وذكر موسى بن عقبة أن رجوع هؤلاء الذين رجعوا كان قبل خروج جعفر وأصحابه إلى أرض الحبشة، وأنهم الذين خرجوا أولا قبله ثم رجعوا حين أنزل الله سورة النجم.

وذكر موسى بن عقبة أن رجوع هؤلاء الذين رجعوا كان قبل خروج جعفر وأصحابه إلى أرض الحبشة، وأنهم الذين خرجوا أولا قبله ثم رجعوا حين أنزل الله سورة النجم.

قال: وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارة بمثل الذى يذكر به آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالتهم وكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله تعالى سورة «النجم» قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: ١٩، ٢٠] ، ألقى الشيطان عندها على لسانه كلمات حين ذكر الطواغيت فقال: وإنهم لمن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهى التى ترتجى «١» . كان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان فى قلب كل مشرك بمكة وذلت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين أبائه. فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر «والنجم» سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا، فرفع ملء كفه ترابا فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما من اجتماعهم فى السجود لسجود رسول الله ﷺ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذى ألقى الشيطان على ألسنة المشركين. وأما المشركون فاطمأنت نفوسهم إلى النبى ﷺ وأصحابه لما ألقى الشيطان فى أمنية النبى ﷺ فسجدوا لتعظيم آلهتهم. وفشت تلك الكلمة فى الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع رسول الله ﷺ وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفيه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة. فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته، وقال عز من قائل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ

ولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ

وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج: ٥٢، ٥٤] . فلما بين الله قضاءه فبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين فاشتدوا عليهم. فلهذا الذى ذكره ابن عقبة لم يستطع أحد ممن رجع من أرض الحبشة أن يدخل مكة إلا بجوار أو مستخفيا، كما ذكر ابن إسحاق. قال: فكان جميع من قدم مكة منهم ثلاثة وثلاثين رجلا، دخل منهم بجوار، فيمن سمى لنا: عثمان بن مظعون الجمحى، دخل بجوار من الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد بجوار خاله أبى طالب. فأما عثمان «١» فإنه لما رأى ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء، وهو يغدو ويروح فى أمان الوليد، قال: والله إن غدوى ورواحى آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابى وأهل دينى يلقون من البلاء والأذى فى الله ما لا يصيا بنى لنقص كبير فى نفسى. فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخى؟ لعله آذاك أحد من قومى؟ قال: لا ولكنى أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فرد على جوارى علانية كما أجرتك علانية. فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان جاء يرد على جوارى. قال: صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكنى أحببت أن لا أستجير بغير الله. ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة فى مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد «٢» :

ألا كل شىء ما خلا الله باطل قال عثمان: صدقت. قال: وكل نعيم لا محالة زائل قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم! فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه فى سفهاء معه فارقوا ديننا فلا تجدن فى نفسك منه. فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فحضرها والوليد ابن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخى إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت فى ذمة منيعة، قال: بل والله إن عينى الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها فى الله: وإنى لفى جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخى إن شئت إلى جوارك. فقال: لا «١» . وأما أبو سلمة بن عبد الأسد، فإنه لما استجار بأبى طالب مشى إليه رجال بنى مخزوم فقالوا: يا أبا طالب هذا منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ فقال: إنه استجار بى وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى. فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون توثبون عليه فى جواره من بين قومه، والله لتنتهن عنه أو لنقومن معه فى كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله ﷺ فأبقوا على ذلك. فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما قال، ورجا أن يقوم معه فى شأن رسول الله ﷺ فقال يحرضه على ذلك: وإن امرآ أبو عتيبة عمه ... لفى روضة ما إن يسام المظالما أقول له وأين منه نصيحتى ... أبا معتب ثبت سوادك قائما «٢» ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة ... تسب بها إما هبطت المواسما وول سبيل العجز غيرك منهم ... فإنك لم تخلق على العجز لازما

... أبا معتب ثبت سوادك قائما «٢» ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة ... تسب بها إما هبطت المواسما وول سبيل العجز غيرك منهم ... فإنك لم تخلق على العجز لازما

وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى ... أخا الحرب يعصى الخسف حتى يسالما وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة ... ولم يخذلوك غانما أو مغارما جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما بتفريقهم من بعد ود وألفة ... جماعتنا كيما ينالوا المحارما كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما تروا يوما لدى الشعب قائما وكان أبو بكر رضى الله عنه، كما حدثت عائشة رضى الله عنها، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى، قد استأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة فأذن له، فخرج مهاجرا حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة، أخو بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش فقال: أين يا أبا بكر؟. قال: أخرجنى قومى وآذونى وضيقوا على. قال: لم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة وتعين على النوائب وتفعل المعروف وتكسب المعدوم، فارجع فأنت فى جوارى. فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إنى قد أجرت ابن أبى قحافة فلا يعرضن له أحد إلا بخير، قالت: فكفوا عنه. وكان لأبى بكر مسجد عند باب داره فى بنى جمح فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا إذا قرأ القرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة فقالوا له: إنك لم تجر هذا ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فائته فأمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء، فمشى ابن الدغنة فقال: يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذى أنت به وتأذوا بذلك منك فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت، قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد على جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد على جوارى فشأنكم بصاحبكم «١» .

وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد على جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد على جوارى فشأنكم بصاحبكم «١» . وعن القاسم بن محمد أن أبا بكر لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه التراب، فمر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال أبو بكر: ألا ترى

ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت هذا بنفسك، وهو يقول: أى رب ما أحلمك أى رب ما أحلمك! «١» . قال ابن إسحاق «٢» : ثم إنه قام فى نقض الصحيفة التى تكاتبت فيها قريش على بنى هاشم وبنى المطلب نفر من قريش، ولم يبل أحد فيها أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن حسل، وذلك أنه كان ابن أخى نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، فكان هشام لبنى هشام واصلا، وكان ذا شرف فى قومه، فكان فيما بلغنى ليلا بالبعير قد أوقره طعاما، حتى إذا أقبله فى فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه ليدخل الشعب عليهم، ويأتى به قد أوقره [برّا] «٣» فيفعل به مثل ذلك. ثم إنه مشى إلى زهير بن أمية بن المغيرة، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، أما إنى أحلف بالله، أن لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا. فقال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ أنما أنا رجل واحد. والله لو كان معى رجل آخر لقمت فى نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال له زهير: ابغنا ثالثا. فذهب إلى المطعم بن عدى فقال له: يا مطعم، أرضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال: ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا. قال: قد فعلت. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبى أمية. قال: ابغنا رابعا.

فذهب إلى أبى البخترى بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدى. فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبى أمية والمطعم ابن عدى وأنا معك. قال: ابغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم ومكانهم. فقال: وهل على هذا الأمر الذى تدعونى إليه من أحد؟ قال: نعم. ثم سمى له القوم. فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك فأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام فى الصحيفة حتى ينقضوها. وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل، وكان فى ناحية المسجد: كذبت والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت. قال أبو البخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدى: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل تشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس فى ناحية المسجد، وقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا باسمك اللهم. وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فشلت يده فيما يزعمون. وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال لأبى طالب: «يا عم، إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته ونفت منها القطيعة والظلم والبهتان» . قال: أربك أخبرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: فو الله ما يدخل عليك أحد. ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخى أخبرنى بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخى. قال القوم: رضينا. فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هى كما قال رسول الله ﷺ فزادهم ذلك شرا، فعند ذلك صنع الرهط من قريش فى نقض الصحيفة ما صنعوا «١» .

ى. قال القوم: رضينا. فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هى كما قال رسول الله ﷺ فزادهم ذلك شرا، فعند ذلك صنع الرهط من قريش فى نقض الصحيفة ما صنعوا «١» .

قال ابن إسحاق «١» : فلما مزقت الصحيفة وبطل ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمر أولئك الذين قاموا فى نقضها يمدحهم: ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا ... على نأيهم والله بالناس أرود «٢» فنخبرهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله مفسد تراوحها إفك وسحر مجمع ... ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد «٣» جزى الله رهطا بالحجون تتابعوا ... على ملأ يهدى لحزم ويرشد قعودا لدى خطم الحجون كأنهم ... مقاولة بل هم أعز وأمجد أعان عليها كل صقر كأنه ... إذا ما مشى فى رفرف الدرع أحرد جرى على جل الخطوب كأنه ... شهاب بكفى قابس يتوقد من الأكرمين من لؤى بن غالب ... إذا سيم خسفا وجهه يتربد طويل النجاد خارج نصف ساقه ... على وجهه نسقى الغمام ونسعد عظيم الرماد سيد وابن سيد ... يحض على مقرى الضيوف ويحشد ويا بنى لأفياء العشيرة صالحا ... إذا نحن طفنا فى البلاد ويمهد ألظ بهذا الصلح كل مبرأ ... عظيم اللواء أمره ثم يحمد قضوا ما قضوا فى ليلهم ثم أصبحوا ... على مهل وسائر الناس رقد هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا ... وسر أبو بكر بها ومحمد متى شرك الأقوام فى جل أمرنا ... وكنا قديما قبلها نتودد

م ثم أصبحوا ... على مهل وسائر الناس رقد هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا ... وسر أبو بكر بها ومحمد متى شرك الأقوام فى جل أمرنا ... وكنا قديما قبلها نتودد

وكنا قديما لا نقر ظلامة ... وندرك ما شئنا ولا نتشدد فيا لقصى هل لكم فى نفوسكم ... وهل لكم فيما يجىء به غد فإنى وإياكم كما قال قائل ... لديك البيان لو تكلمت أسود أسود هنا اسم جبل كان قتل فيه قتيل لم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول هذه المقالة، يعنون بها أن هذا الجبل لو تكلم لأبان عن القائل ولعرف بالجانى، ولكنه لا يتكلم، فذهبت مقالتهم تلك مثلا. قال ابن إسحاق «١» : فكان رسول الله ﷺ على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب. فكان طفيل بن عمرو الدوسى «٢» وكان رجلا شريفا شاعرا لبيبا يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا له: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى بين أظهرنا قد أعضل بنا «٣» ، فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق به بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه. قال: فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا «٤» فرقا من أن يبلغنى شىء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعنى بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت فى نفسى: واثكل أمى! والله إنى لرجل لبيب شاعر وما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل، فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.

فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفوننى امرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنى فسمعت قولا حسنا، فاعرض على أمرك، فعرض على رسول الله ﷺ الإسلام وتلا على القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبى الله، إنى امرؤ مطاع فى قومى وإنى راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: اللهم اجعل له آية. فخرجت إلى قومى حتى إذا كنت على ثنية تطلعنى على الحاضر وقع نور بين عينى مثل المصباح. قلت: اللهم فى غير وجهى، إنى أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت فى وجهى لفراقى دينهم. قال: فتحول فوقع فى رأس سوطى، فجعل أهل الحاضر يتراؤن ذلك النور فى سوطى كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم، فلما نزلت أتانى أبى وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عنى يا أبا فلست منك ولست منى. قال: لم يا بنى؟ قلت: أسلمت وتابعت دين محمد. قال: أى بنى فدينى دينك. فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت. فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتنى صاحبتى فقلت لها: إليك عنى فلست منك ولست منى. قالت: لم بأبى أنت وأمى؟! قلت: فرق بينى وبينك الإسلام وتابعت دين محمد. قالت: فدينى دينك. قلت: فاذهبى إلى حنا ذى الشرى. قال ابن هشام «١» : ويقال: حمى ذى الشرى، فتطهرى منه، وكان ذو الشرى صنما لدوس والحنا حمى حموه له، به وشل من ماء يهبط من جبل. فقالت: بأبى أنت وأمى، أتخشى على الصبية من ذى الشرى شيئا؟ قلت: لا أنا ضامن لذلك. فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطأوا على، ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة، فقلت يا نبى الله، إنه غلبنى على دوس الزنا فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم.

أبطأوا على، ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة، فقلت يا نبى الله، إنه غلبنى على دوس الزنا فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم. فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت إلى رسول الله ﷺ بمن أسلم معى من قومى، ورسول الله ﷺ بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا

برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين، ثم لم أزل مع رسول الله ﷺ، حتى فتح الله عليه مكة قلت: يا رسول الله، ابعثنى إلى ذى الكفين، صنم عمرو بن حممة، حتى أحرقه. قال ابن إسحاق «١» : فخرج إليه فجعل وهو يوقد عليه النار يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا إنى حشوت النار فى فؤادكا «٢» ثم رجع، فكان بالمدينة حتى قبض الله رسوله، فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال لأصحابه: إنى قد رأيت رؤيا فاعبروها لى. رأيت أن رأسى حلق، وأنه خرج من فمى طائر، وأنه لقيتنى امرأة فأدخلتنى فى فرجها وأرى ابنى يطلبنى طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عنى. قالوا: خيرا؛ قال: أما أنا والله فقد أولتها. قالوا: ماذا؟ قال: أما حلق رأسى فوضعه، وأما الطائر الذى خرج من فمى فروحى، وأما المرأة التى أدخلتنى فى فرجها فالأرض تحفر لى وأغيب فيها، وأما طلب ابنى إياى ثم حبسه عنى فإنى أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابنى، فقتل ﵀ شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة ثم [استبلّ] «٣» منها ثم قتل عام اليرموك فى زمان عمر شهيدا «٤» . وذكر ابن هشام «٥» أن أعشى بنى قيس بن ثعلبة «٦» خرج إلى رسول الله ﷺ يريد

جراحة شديدة ثم [استبلّ] «٣» منها ثم قتل عام اليرموك فى زمان عمر شهيدا «٤» . وذكر ابن هشام «٥» أن أعشى بنى قيس بن ثعلبة «٦» خرج إلى رسول الله ﷺ يريد

الإسلام، وقال قصيدة يمدحه فيها، نذكرها بعد. فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضاه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ ليسلم. فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لى فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير، فإنه يحرم الخمر «١» . فقال: أما هذه فو الله إن فى النفس منها لعلالات، ولكنى منصرف فأتروى منها عامى هذا ثم آتيه فأسلم. فانصرف فمات فى عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله ﷺ، هذا ما ذكر ابن هشام فى قصة الأعشى، وظاهره يقتضى أن قصده كان إلى مكة وأن رسول الله ﷺ فيها حينئذ لم يهاجر بعد. ويعارض هذا الظاهر ما ذكر من تحريم الخمر، فإن أهل النقل مجمعون على أن الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد أن مضى بدر وأحد ونزل تحريمها فى سورة المائدة وهى من آخر ما نزل من القرآن فإن صح أن خروج الأعشى كان قبل الهجرة كما فى ظاهر الخبر فلعل المشرك الذى لقيه وأخبره عن رسول الله ﷺ بتحريم الخمر، أراد بهذا القول تنفيره عن الإسلام وإبعاده عنه، مع ما كان من كراهية رسول الله ﷺ أبدا للخمر وتنزيه الله إياه عنها. ألا تراه ليلة الإسراء لما عرضت عليه آنية الخمر واللبن اختار اللبن فقيل له: هديت للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. والإسراء إنما كان بمكة فى صدر الإسلام. وقد يمكن أن يكون قصد الأعشى إلى المدينة بعد الهجرة وبعد تحريم الخمر فتلقاه بعض المشركين من قريش ممن لم يكن أسلم بعد. ولعل هذا هو الأولى بدليل قوله فى قصيدته الآتية بعد: ألا أيهذا السائلى أين يممت ... فإن لها فى أهل يثرب موعدا والله أعلم بالحقيقة فى ذلك كله، والقصيدة التى مدح بها رسول الله ﷺ هى قوله:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا «١» وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا ولكن أرى الدهر الذى هو خائن ... إذا أصلحت كفاى عاد فأفسدا كهولا وشبابا فقدت وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا وما زلت أبغى المال مذ أنا يافع ... وليدا وكهلا حين شبت وأمردا وأبتذل العيس المراقيل تعتلى ... مسافة ما بين النجير فصرخدا «٢» ألا أيهذا السائلى أين يممت ... فإن لها فى أهل يثرب موعدا فإن تسألى عنى فيا رب سائل ... حفى عن الأعشى به حيث [أصهدا] «٣» أجدت برجليها النجاء وراجعت ... يداها خنفاا لينا غير أحردا وفيها إذا ما هجرت عجرفية ... إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا «٤» وآليت لا آوى لها من كلالة ... ولا من حفى حتى تلاقى محمدا متى ما تناخى عند باب ابن هشام ... تراحى وتلقى من فواضله ندا نبيا يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا «٥» له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسمع وصاة محمد ... نبى الإله حين أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولا قيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للموت الذى كان أرصدا فإياك والميتات لا تقربنها ... ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا وذا النصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا «٦» ولا تقربن حرة كان سرها ... عليك حراما فانكحن أو تأبدا

ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا وذا النصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا «٦» ولا تقربن حرة كان سرها ... عليك حراما فانكحن أو تأبدا

وذا الرحم القربى فلا تقطعنه ... لعاقبة ولا الأسير المقيدا وسبح على حين العشيات والضحى ... ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة ... ولا تحسبن المال للمرء مخلدا قال ابن إسحاق «١» : وقد كان عدو الله أبو جهل مع عداوته رسول الله ﷺ وبغضه إياه، يذله الله إذا رآه. حدثنى «٢» عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان الثقفى، وكان واعية، قال: قدم رجل من إراش «٣» بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل فمطله بأثمانها، فأقبل الإراشى حتى وقف على ناد من قريش ورسول الله ﷺ جالس فى ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش، من رجل يؤدينى على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب ابن سبيل وقد غلبنى على حقى. فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل؟ لرسول الله ﷺ يهزأون به لما يعلمون بينه وبين أبى جهل من العداوة، اذهب إليه فهو يؤديك عليه. فأقبل الإراشى حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام غلبنى على حق لى قبله وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤدينى عليه، يأخذ لى حقى منه، فأشاروا لى إليك فخذ لى حقى منه يرحمك الله. قال: انطلق إليه. وقام معه رسول الله ﷺ، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه فانظر ما يصنع. قال: وخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ فقال: محمد. فاخرج إلى. فخرج إليه وما فى وجهه من رائحة، لقد انتقع لونه، فقال: أعط هذا حقه. قال نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذى له. فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، فأقبل الإراشى حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لى حقى. وجاء الرجل الذى بعثوا معه فقالوا ويحك، ماذا رأيت؟ قال: عجبا من العجب! والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج

ل: جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لى حقى. وجاء الرجل الذى بعثوا معه فقالوا ويحك، ماذا رأيت؟ قال: عجبا من العجب! والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج

إليه وما معه روحه، فقال: أعط هذا الرجل حقه. قال: نعم، لا يبرح حتى أخرج إليه حقه. فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه، ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا: ويلك! ما لك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط، قال: ويحكم! والله ما هو إلا أن ضرب على بابى وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلنى «١» . وذكر الواقدى عن يزيد بن رومان قال: بينا رسول الله ﷺ جالسا فى المسجد معه رجال من أصحابه أقبل رجل من بنى زبيد يقول: يا معشر قريش، كيف تدخل عليكم المادة أو يجلب إليكم جلب أو يحل تاجر بساحتكم وأنتم تظلمون من دخل عليكم فى حرمكم. يقف على الحلق حلقة حلقة. حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فى أصحابه، فقال له رسول الله ﷺ: ومن ظلمك؟ فذكر أنه قدم بثلاثة أجمال كانت خيرة إبله، فسامه أبو جهل ثلث أثمانها ثم لم يسمه بها لأجله سائم، قال: فأكسد على سلعتى وظلمنى. قال رسول الله ﷺ: «وأين أجمالك؟» قال: هى هذه بالحزورة. فقام رسول الله ﷺ معه وقام أصحابه، فنظر إلى الجمال فرأى جمالا فرها. فساوم الزبيدى حتى ألحقه برضاه، فأخذها رسول الله ﷺ فباع جملين منها بالثمن، وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بنى عبد المطلب ثمنه، وأبو جهل جالس فى ناحية من السوق لا يتكلم. ثم أقبل إليه رسول الله ﷺ فقال: «يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابى فترى منى ما تكره» . فجعل يقول: لا أعود يا محمد، لا أعود يا محمد، فانصرف رسول الله ﷺ، وأقبل عليه أمية بن خلف ومن حضر من القوم، فقالوا: ذللت فى يدى محمد، فإما أن تكون تريد أن تتبعه وإما رعب دخلك منه. قال: لا أتبعه أبدا، إن الذى رأيتم منى لما رأيت معه، لقد رأيت رجالا عن يمينه وشماله معهم رماح يشرعونها إلى، لو خالفته لكانت إياها. أى لأتوا على نفسى.

قال: لا أتبعه أبدا، إن الذى رأيتم منى لما رأيت معه، لقد رأيت رجالا عن يمينه وشماله معهم رماح يشرعونها إلى، لو خالفته لكانت إياها. أى لأتوا على نفسى. وذكر محمد بن إسحاق «٢» عن أبيه قال: كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب أشد قريش، فخلا يوما برسول الله ﷺ فى بعض شعاب مكة، فقال له: يا ركانة، ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه؟! قال: لو أعلم أن الذى تقول حق لا تبعتك. فقال رسول الله ﷺ: أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟ قال: نعم. قال: فقم

حتى أصارعك. فقام إليه ركانة فصارعه، فلما بطش به رسول الله ﷺ أضجعه لا يملك من نفسه شيئا، ثم قال: عد يا محمد. فعاد فصرعه. فقال: يا محمد، إن ذا للعجب أتصرعنى!! قال رسول الله ﷺ: «وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمرى» ، قال: ما هو؟ قال: «أدعو لك هذه الشجرة التى ترى فتأتينى» . قال: ادعها. فدعا بها، فأقبلت حتى وقفت بين يدى رسول ﷺ فقال لها: «ارجعى إلى مكانك، فرجعت إلى مكانها» ، فذهب ركانة إلى قومه فقال: يا بنى عبد مناف، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض، فو الله ما رأيت أسحر منه قط. ثم أخبرهم بالذى رأى وصنع «١» . قال ابن إسحاق «٢» : ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبا من ذلك، من النصارى، يقال: إنهم من أهل نجران، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه فى المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش فى أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ عما أرادوا دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم فى كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه! ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا. فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا. فيقال والله أعلم: فيهم نزلت هؤلاء الآيات: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ إلى قوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: ٥٢، ٥٥] . فقال «٣» : وقد سألت الزهرى فقال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلت فى النجاشى وأصحابه. والآيات من المائدة قول الله ﷿: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً

«٣» : وقد سألت الزهرى فقال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلت فى النجاشى وأصحابه. والآيات من المائدة قول الله ﷿: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً

لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٢، ٨٣] . وكان رسول الله ﷺ إذا جلس فى المسجد فجلس إليه المستضعفون من أصحابه، خباب وعمار وأبو فكيهة يسار وصهيب وأشباههم هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق! لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه وما خصهم الله به دوننا. فأنزل الله عليهم: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ٥٢، ٥٤] «١» . وهؤلاء أيضا، ومن قال بقولهم هم الذين عنى الله سبحانه بقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: ١١] .

ينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: ١١] . قال ابن إسحاق «٢» : وكان رسول الله ﷺ فيما بلغنى كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصرانى يقال له: جبر، عبد لبنى الحضرمى، وكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتى به إلا جبر النصرانى، فأنزل الله فى ذلك من قولهم: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] «٣» . وكان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ قال: دعوه، فإنما هو رجل أبتر، لو قد مات لقد انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله ﷿، فى ذلك من قوله: إِنَّا

أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ١، ٤] «١» ، أى أعطيناك ما هو خير من الدنيا وما فيها. والكوثر العظيم. وقيل لرسول الله ﷺ: ما الكوثر الذى أعطاك الله؟ قال: «نهر كما بين صنعاء إلى أيلة آنيته كعدد نجوم السماء ترده طير لها أعناق كأعناق الإبل» . قال عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة. قال: «آكلها أنعم منها» «٢» . ودعا رسول الله ﷺ قوما إلى الإسلام، فقال له زمعة بن الأسود والنضر بن الحارث والأسود بن عبد يغوث وأبى بن خلف والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك؟ فأنزل الله فى ذلك: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٨، ٩] «٣» . ومر رسول الله ﷺ بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبى جهل، فهمزوه واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله عليه: لا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الأنعام: ١٠] «٤» .

ذكر الحديث عن مسرى رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق «٥» : ثم أسرى برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الأنعام: ١٠] «٤» .

ذكر الحديث عن مسرى رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق «٥» : ثم أسرى برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام مكة فى قريش وفى القبائل كلها. فكان من الحديث فيما بلغنى، عن مسراه صلوات الله عليه وسلامه، عن عبد الله بن مسعود، وأبى سعيد الخدرى، وعائشة زوج النبى ﷺ، ومعاوية بن أبى سفيان، وأم هانىء بنت أبى طالب، والحسن بن أبى الحسن، وابن شهاب الزهرى، وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع فى هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمر رسول الله ﷺ حين أسرى به. وكان فى مسراه وما ذكر منه بلاء وتمحيص وأمر من الله فى قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولى الألباب وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق. وكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التى يصنع بها ما يريد. فكان عبد الله بن مسعود، فيما بلغنى عنه، يقول أتى رسول الله ﷺ بالبراق، وهى الدابة التى كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها فى منتهى طرفها، فحمل عليه، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السموات والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى فى نفر من الأنبياء ﵈ قد جمعوا له، فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية، إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، قال: فسمعت قائلا يقول: إن أخذ الماء فغرق وغرقت أمته، وإن أخذ الخمر فغوى وغوت أمته، وإن أخذ اللبن هدى وهديت أمته. قال: «فأخذت إناء اللبن فشربت، فقال له جبريل: هديت وهديت أمتك يا محمد» «١» . قال «٢» : وحدثت عن الحسن أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم فى الحجر

ل: «فأخذت إناء اللبن فشربت، فقال له جبريل: هديت وهديت أمتك يا محمد» «١» . قال «٢» : وحدثت عن الحسن أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم فى الحجر

جاءنى جبريل فهمزنى بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعى، فجاءنى الثانية فهمزنى بقدمه فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعى فجاءنى الثالثة فهمزنى بقدمه فجلست فأخذ بعضدى، فقمت معه فخرج بى إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، فى فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه. يضع يديه فى منتهى طرفه، فحملنى عليه ثم خرج معى لا يفوتنى ولا أفوته» «١» . وفى حديث قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «لما دنوت منه لأركبه شمش فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال: ألا تستحى يا براق مما تصنع! فو الله ما ركبك عبد الله قبل محمد أكرم عليه منه. فاستحيا حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته» «٢» . وفى حديث الحسن من انتهاء جبريل بالنبى ﷺ إلى بيت المقدس وإمامته فيه بمن وجد عنده من الأنبياء، على جميعهم السلام، نحو ما تقدم من ذلك فى حديث ابن مسعود. قال: ثم أتى بإناءين فى أحدهما خمر وفى الآخر لبن، فأخذ إناء اللبن وترك إناء الخمر، فقال له جبريل: هديت للفطرة وهديت أمتك وحرمت عليكم الخمر. وذكر تحريم الخمر هنا غريب جدا، والذى عليه العلماء أن الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد سنين من الهجرة. قال الحسن: ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر. فقال أكثر الناس: هذا والله الإمر البين «٣» ، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد فى ليلة واحدة ويرجع إلى مكة!. قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبى بكر، فقالوا: هل لك يا أبا بكر فى صاحبك! يزعم أنه جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى ها هو ذاك فى المسجد يحدث به الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟! فو الله إنه

ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد ما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبى الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: «نعم» . قال: يا نبى الله، فصفه لى فإنى قد جئته. قال الحسن: فقال رسول الله ﷺ: «فرفع لى حتى نظرت إليه» ، فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبى بكر، ويقول أبو بكر: صدقت أشهد أنك رسول الله. كلما وصف له منه شيئا قال: صدقت أشهد رسول الله. حتى إذا انتهى قال رسول الله ﷺ لأبى بكر: وأنت يا أبا بكر الصديق أشهد أنك. فيومئذ سماه الصديق. قال الحسن: وأنزل الله فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً [الإسراء: ٦٠] ، فهذا حديث عن مسرى رسول الله ﷺ، وما دخل فيه من حديث قتادة «١» . قال ابن إسحاق «٢» : وحدثنى بعض آل أبى بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسرى بروحه «٣» . وكان معاوية بن أبى سفيان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة «٤» . فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت فى ذلك، قول الله: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ولقوله تعالى فى الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنه: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحى من الله يأتى الأنبياء أيقاظا ونياما.

قال لابنه: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحى من الله يأتى الأنبياء أيقاظا ونياما.

وكان رسول الله ﷺ يقول: «تنام عينى وقلبى يقظان» «١» . فالله أعلم أى ذلك كان قد جاءه وعاين ما عاين من أمر الله، على أى حاليه كان نائما أو يقظان، كل ذلك حق وصدق. وزعم الزهرى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم فى تلك الليلة صلوات الله على جميعهم، فقال: «أما إبراهيم فلم أر رجلا أشبه بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه، وأما موسى فرجل آدم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة، وأما عيسى ابن مريم فرجل أحمر بين القصير والطويل، سبط الشعر كثير خيلان الوجه كأنه خرج من ديماس تخال رأسه يقطر ماء وليس فيه ماء، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفى» «٢» . قال ابن هشام «٣» : وكانت صفة رسول الله ﷺ فيما ذكر عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد بن على بن أبى طالب، قال: كان علىّ إذا نعت النبى ﷺ يقول: لم يكن بالطويل الممغط ولا القصير المتردد، كان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان أبيض مشربا أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكند دقيق المسربة أجرد شئن الكفين والقدمين، إذا تمشى تقلع كأنما يمشى فى صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو ﷺ خاتم النبيين أجود الناس كفا وأجرأ الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس بذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ﷺ «٤» .

وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس بذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ﷺ «٤» .

قال ابن إسحاق «١» : وكان فيما بلغنى عن أم هانىء بنت أبى طالب أنها كانت تقول: ما أسرى برسول الله ﷺ إلا وهو فى بيتى، نام عندى تلك الليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله ﷺ فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: يا أم هانىء، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادى، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت معكم صلاة الغداة الآن كما ترين، ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه، فتكشف عن بطنه وكأنه قبطية مطوية، فقلت: يا نبى الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك، قال: والله لأحدثنهموه. فقلت لجارية لى حبشية: ويحك، اتبعى رسول الله ﷺ حتى تسمعى ما يقول للناس وما يقولون له، فلما خرج إلى الناس أخبرهم فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد، فإنا لم نسمع بمثل هذا قط؟ قال: آية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادى كذا، فأنفرهم حسن الدابة، فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا موجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كانت بضجنان مررت بعير بنى فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشىء، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تصوب من البيضاء، ثنية التنعيم، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء، فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل، كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوء ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوا ولم يجدوا فيه ماء، وسألوا الآخرين وهم بمكة فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا فى الوادى الذى ذكر وندّ لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه «٢» .

لم يجدوا فيه ماء، وسألوا الآخرين وهم بمكة فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا فى الوادى الذى ذكر وندّ لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه «٢» . قال ابن إسحاق «٣» : وحدثنى من لا أتهم، عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لما فرغت مما كان فى بيت المقدس أتى بالمعراج، ولم أر شيئا قط أحسن منه، وهو الذى يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعدنى صاحبى فيه حتى انتهى بى إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، عليه ملك من الملائكة يقال له:

إسماعيل تحت يديه اثنا عشر ألف ملك تحت يدى كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك. يقول رسول الله ﷺ حين حدث بهذا الحديث: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١] ، فلما دخل بى قال: «من هذا يا جبريل؟ قال: محمد. قال: أو قد بعث؟ قال: نعم، فدعا لى بخير» . وقاله «١» . قال «٢» : وحدثنى بعض أهل العلم عمن حدثه عن رسول الله ﷺ أنه قال: ثم تلقتنى الملائكة حين دخلت السماء الدنيا، فلم يلقنى ملك إلا ضاحكا مستبشرا، يقول خيرا ويدعو به، حتى لقينى ملك من الملائكة فقال مثل ما قالوا ودعا بمثل ما دعوا به، إلا أنه لم يضحك، ولم أر منه من البشر مثل ما رأيت من غيره، فقلت لجبريل: من هذا الملك الذى قال لى مثل ما قالت الملائكة ولم يضحك ولم أر منه من البشر مثل الذى رأيت منهم. فقال جبريل: أما إنه لو كان ضحك إلى أحد قبلك أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالك صاحب النار. قال رسول الله ﷺ: فقلت لجبريل، وهو من الله بالمكان الذى وصف لكم مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢١] ألا تأمره أن يرينى النار؟ فقال: بلى، يا مالك أر محمدا النار، فكشف عنها غطاءها ففارت وارتفعت حتى ظننت لتأخذن ما أرى. فقلت لجبريل: مره فليردها إلى مكانها. فأمره، فقال لها: اخبى فرجعت إلى مكانها الذى خرجت منه، فما شبهت رجوعها إلا وقوع الظل، حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها «٣» . قال أبو سعيد الخدرى فى حديثه «٤» عن رسول الله ﷺ، قال: لما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلا جالسا تعرض عليه أرواح بنى آدم، فيقول لبعضها إذا عرضت عليه خيرا ويسر به، ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه أف، ويعبس بوجهه، روح خبيثة خرجت من جسد خبيث. قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا

يب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه أف، ويعبس بوجهه، روح خبيثة خرجت من جسد خبيث. قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا

مرت به روح المؤمن منهم سر بها وإذا مرت به روح الكافر منهم أنف منها وكرهها. قال: ثم رأيت رجالا لهم مشافر كمشافر «١» الإبل، فى أيديهم قطع من نار كالأفهار «٢» يقذفونها فى أفواههم فتخرج من أدبارهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما. ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط، بسبيل آل فرعون، يمرون عليهم كالإبل المهيومة «٣» حتى يعرضوا على النار، يطأونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا. ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيب، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء، ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن. ثم رأيت نساء معلقات بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللاتى أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم. قال: ثم صعد بى إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا. قال: ثم أصعد بى إلى السماء الثالثة فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف بن يعقوب، ثم أصعد بى إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل، فسألته من هو؟ فقال: هذا إدريس. قال: يقول رسول الله ﷺ: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [مريم: ٥٧] . قال: ثم أصعد بى إلى السماء الخامسة فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية عظيم العثنون لم أر كهلا أجمل منه. قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا المحبب فى قومه: هارون بن عمران. قال: ثم أصعد بى إلى السماء السادسة فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى كأنه من رجال شنوءة فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران.

ارون بن عمران. قال: ثم أصعد بى إلى السماء السادسة فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى كأنه من رجال شنوءة فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران.

ثم أصعد بى إلى السماء السابعة فإذا كهل جالس على كرسى إلى باب البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة، لم أر رجلا أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه. قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. ثم دخل بى الجنة فرأيت فيها جارية لعساء فسألتها لمن أنت؟ وقد أعجبتنى فقالت: لزيد بن حارثة. فبشر بها رسول الله ﷺ زيدا. ومن حديث عبد الله بن مسعود «١» أن جبريل لم يصعد به إلى سماء من السموات إلا قالوا له حين يستأذن فى دخولها: من هذا يا جبريل؟ فيقول: محمد. فيقولون: أو قد بعث؟ فيقول: نعم. فيقولون حياه الله من أخ وصاحب. حتى انتهى به إلى السماء السابعة، ثم انتهى به إلى ربه، ففرض عليه خمسين صلاة كل يوم. قال رسول الله ﷺ: فأقبلت راجعا فلما مررت بموسى بن عمران، ونعم الصاحب كان لكم، سألنى: كم فرض عليك من الصلاة؟ فقلت: خمسين صلاة فى كل يوم. قال: إن الصلاة ثقيلة وإن أمتك ضعيفة، فارجع إلى ربك فسله أن يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت فسألت ربى فوضع عنى عشرا، ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لى مثل ذلك، فرجعت فسألت ربى فوضع عنى عشرا ثم لم يزل يقول لى مثل ذلك كلما رجعت إليه، فأرجع فأسأل حتى انتهيت إلى أن وضع عنى ذلك إلا خمس صلوات فى كل يوم وليلة. ثم رجعت على موسى فقال لى مثل ذلك، فقلت: قد راجعت ربى وسألته حتى استحييت منه، فلما أنا بفاعل. فمن أداهن منكم إيمانا واحتسابا لهن كان له أجر خمسين صلاة «٢» . قال ابن إسحاق «٣» : فأقام رسول الله ﷺ على أمر الله صابرا محتسبا مؤديا إلى قومه النصيحة، على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى والاستهزاء، وكان عظماء المستهزئين خمسة نفر من قومه، وكانوا ذوى أسنان وشرف فى قومهم: الأسود بن المطلب الأسدى، أبو زمعة، وكان رسول الله ﷺ فيما بلغنى قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه

واستهزائه به فقال: «اللهم أعم بصره وأثكله ولده» «١» . والأسود بن عبد يغوث الزهرى، والوليد بن المغيرة المخزومى، والعاص بن وائل السهى، والحارث بن الطلاطله الخزاعى. فلما تمادوا فى الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء أنزل الله عليه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر: ٩٤، ٩٦] . فأتى جبريل ﵇، رسول الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب فرمى فى وجهه بورقة خضراء فعمى، وسيأتى بعد أنه أصيب له يوم بدر ثلاثة من ولده، ابناه زمعة وعقيل وابن ابنه الحارث بن زمعة، فاستوفى الله سبحانه بذلك فيه لرسوله ﷺ إجابة دعوته عليه بالعمى والثكل. ثم مر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا، وعن غير ابن إسحاق أنه لما نزل: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] نزل جبريل ﵇، فحنا ظهر الأسود بن عبد يغوث الزهرى، فقال له رسول الله ﷺ خالى خالى فقال له جبريل: خله عنك، ثم حناه حتى قتله. قال ابن إسحاق: ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر سبله، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت فى أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحا فقتله «٢» . قال «٣» : وكان النفر الذين يؤذون رسول الله ﷺ فى بيته أبو لهب، والحكم بن أبى العاص بن أمية، وعقبة بن أبى معيط، وعدى ابن حمراء الثقفى، وابن الأصداء الهذلى، وكانوا جيرانه لم يسلم أحد منهم إلا الحكم. فكان أحدهم فيما ذكر لى، يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها فى برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله ﷺ حجرا يستتر به منهم إذا

إلا الحكم. فكان أحدهم فيما ذكر لى، يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها فى برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله ﷺ حجرا يستتر به منهم إذا

صلى. فكان ﷺ إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود فيقف به على بابه ثم يقول: يا بنى عبد مناف أى جوار هذا؟! ثم يلقيه فى الطريق «١» . قال ابن إسحاق «٢» : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا فى عام واحد، فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام، يسكن إليها، وبمهلك أبى طالب عمه، وكان له عضدا وحرزا فى أمره ومنعة وناصرا على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين. فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به فى حياة أبى طالب، حتى اعترضاه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا، فدخل رسول الله ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهى تبكى، ورسول الله ﷺ يقول لها: «لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك. ويقول بين ذلك: ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب» «٣» . قال: ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قال بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد فى قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبى طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه ولنعطه منا فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا «٤» أمرنا. فمشوا إلى إبى طالب فكلموه، وهم أشراف قومه، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل ابن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب فى رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك، فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه وليدعنا وديننا وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب فجاء فقال: يا ابن أخى، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله ﷺ: نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، قال: تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه.

ة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، قال: تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه.

قال: فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟! إن أمرك لعجب. ثم قال بعضهم لبعض: والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا «١» . فقال أبو طالب لرسول الله ﷺ: والله يا ابن أخى ما رأيتك سألتهم شططا. فلما قالها طمع رسول الله ﷺ فيه فجعل يقول له: أى عم، فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فلما رأى حرص رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخى والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بنى أبيك من بعدى، وأن تظن قريش أنى إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك به. فلما تقارب من أبى طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنيه، فقال: يا ابن أخى، والله لقد قال أخى الكلمة التى أمرته أن يقولها. فقال رسول الله ﷺ: «لم أسمع» «٢» . وخرج مسلم بن الحجاج فى صحيحه من حديث المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: «يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» «٣» . فأنزل الله ﷿: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣] . وأنزل فى أبى طالب فقال لرسوله ﷺ: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: ٥٦] . وفى الصحيح أيضا أن العباس قال لرسول الله ﷺ: إن أبا طالب كان يحوطك

وينصرك ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: «نعم، وجدته فى غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح» «١» . وفيه أيضا من حديث أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه» «٢» . وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه» «٣» . ويروى أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيد المطاع وفيكم المقدم الشجاع والواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب فى المآثر نصيبا إلا احتزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، وإنى أوصيكم بتعظيم هذه البنية فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش وثباتا للوطأة، صلوا أرحاكم ولا تقطعوها فإن فى صلة الرحم منسأة فى الأجل وزيادة فى العدد، واتركوا البغى والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعى وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات، عليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة، فإن فيها محبة فى الخاص ومكرمة فى العام، وإنى أوصيتم بمحمد خيرا فإنه الأمين فى قريش والصديق فى العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله لكأنى أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر فى الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت

فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خرابا وضعفاؤها أربابا وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أخطأهم عنده، قد محضته العرب ودادها وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منهم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسى مدة ولأجلى تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدافعت عنه الدواهى.

ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منهم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسى مدة ولأجلى تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدافعت عنه الدواهى.

ذكر خروج النبى ﷺ إلى الطائف بعد مهلك عمه أبى طالب قال ابن إسحاق «١» : ولما هلك أبو طالب ونالت قريش من رسول الله ﷺ ما لم تكن تنال منه فى حياته، خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف وحده يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله. فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ، سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة، عبد ياليل ومسعود وخبيب، بنو عمرو بن عمير بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بنى جمح، فجلس إليهم رسول الله ﷺ وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك؛ وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا! لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك، فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم فيما ذكر لى: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا على. وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه فيذئرهم ذلك عليه. فلم يفعلوا، أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس. قال موسى بن عقبة: وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله ﷺ بين صفيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، حتى أدموا رجليه. وزاد سليمان التيمى أنه ﷺ كان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون!.

ضخوهما بالحجارة، حتى أدموا رجليه. وزاد سليمان التيمى أنه ﷺ كان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون!.

قال ابن عقبة: فخلص منهم ورجلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم فاستظل فى ظل حبلة منه وهو مكروب موجع، وإذا فى الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله. وذكر ابن إسحاق «١» : أن الحائط كان لهما، وأن رسول الله ﷺ لما اطمأن، يعنى فى ظل الحبلة، قال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟ إلى بعيد يتجهمنى أم إلى عدو ملكته أمرى؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» «٢» . قال: فلما رآه ابنا ربيعة وما لقى، تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له: عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه فى هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله ﷺ ثم قال: له: كل. فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده قال: بسم الله ثم أكل، فنظر عداس فى وجهه ثم قال له: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله ﷺ: من أى البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ قال: نصرانى وأنا من أهل نينوى «٣» . فقال له رسول الله ﷺ أمن قرية الرجل الصالح يونس ابن متى؟ قال له عداس: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال رسول الله ﷺ: ذاك أخى كان نبيا وأنا نبى. فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك، مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدى ما فى الأرض شىء خير من هذا، لقد أعلمنى بأمر لا يعلمه إلا نبى. قالا: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه «٤» .

وقد خرج البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى الله عنها، أنها قالت للنبى ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت على وجهى وأنا مهموم، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فنادانى وقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم» . فنادانى ملك الجبال فسلم على فقال: يا محمد ذلك لك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبى ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» «١» . وذكر ابن هشام «٢» أن رسول الله ﷺ لما انصرف عن أهل الطائف، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته، سار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بنى عامر لا تجير على بنى كعب. فبعث إلى المطعم بن عدى فأجابه إلى ذلك، ثم تسلح المطعم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ أن ادخل. فدخل رسول الله ﷺ فطاف بالبيت وصلى عنده ثم انصرف إلى منزله. ولأجل هذه السابقة التى سبقت للمطعم، قال رسول الله ﷺ فى أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدى حيّا ثم كلمنى فى هؤلاء النتنى، لتركتهم له. وفى انصراف رسول الله ﷺ من الطائف، راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف مر به النفر من الجن الذين ذكر الله تعالى، فى كتابه ورسول الله ﷺ بنخلة «٣» قد قام من جوف الليل يصلى، فمر به أولئك النفر من الجن فيما ذكر ابن إسحاق قال: وهم فيما ذكر لى سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى

وف الليل يصلى، فمر به أولئك النفر من الجن فيما ذكر ابن إسحاق قال: وهم فيما ذكر لى سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى

قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه ﷺ «١» ، قال عز من قائل: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٢٩، ٣١] .

ذكر عرض رسول الله ﷺ نفسه على قبائل العرب قال ابن إسحاق «٢» : ثم قدم رسول الله ﷺ مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به. فكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه فى المواسم إذا كانت على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبى مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به «٣» . قال ربيعة بن عباد الدؤلى: إنى لغلام شاب مع أبى بمنى، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بى وتصدقونى وتمنعونى حتى أبين عن الله ما بعثنى به، وخلفه رجل أحول وضىء له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله، وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بنى فلان إن هذا يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بنى مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال ربيعة: فقلت لأبى: من هذا الرجل الذى يتبعه يرد عليه ما قال؟ قال: هذا عمه

Bagian 7 dari 40