— Bagian 13 · ه، إلى آخر الرواية فإن فيها طولا، وقد ساقها الجل… —
Bagian 13
ه، إلى آخر الرواية فإن فيها طولا، وقد ساقها الجلال السيوطي في الخصائص الكبرى. وشعياء هذا كان بعد داود وسليمان، وقبل زكريا ويحيى عليهم الصلاة والسلام. ولما نهي بني إسرائيل عن ظلمهم وعتوهم طلبوه ليقتلوه فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له ودخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها، فلما رأوا ذلك جاؤوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها. وكان من جملة الرسل الذي عناهم الله تعالى بقوله: وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ [البقرة: الآية ٨٧] أي موسى بِالرُّسُلِ [البقرة: الآية ٨٧] وهم سبعة، وهو ثالث تلك الرسل السبعة: أي وهو المبشر بعيسى ومحمدا ﷺ، فقال يخاطب بيت المقدس لما شكا
له الخراب وإلقاء الجيف فيه: أبشر يأتيك راكب الحمار، يعني عيسى، وبعده راكب الجمل يعني محمد ﷺ، وتقدم في وصفه ﷺ أنه يركب الحمار والبعير. وقد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون عيسى اختص بركوب الحمار، بخلاف محمد ﷺ فإنه كان يركبهما، هذا تارة وهذا أخرى، فليتأمل: ومن جملتهم أرمياء، قيل وهو الخضر، والله أعلم. واسمه ﷺ في الزبور حاط حاط، والفلاح الذي يمحق الله به الباطل وفارق وفاروق. أي يفرق بين الحق والباطل، وهو كما تقدم معنى فارقليط أو بارقليط، بالفاء في الأول والموحدة في الثاني. وقيل معناه الذي يعلم الأشياء الخفية، وفي «الينبوع» ومن الألفاظ التي رضوها لأنفسهم، يعني النصارى وترجموها على اختيارهم أن المسيح ﵊ قال: إني أسأل الله أن يبعث إليك بارقليط آخر يكون معكم إلى الأبد، وهو يعلمكم كل شيء، ويفسر لكم الأسرار، وهو يشهد لي كما شهدت له، ويكون خاتم النبيين، ولم يشهد له بالبراءة والصدق في النبوة بعده إلا محمد ﷺ. وقد ذكر صاحب الدرّ المنظم بإسناده أن النبي ﷺ، قال لعمر رضي الله تعالى عنه: «يا عمر أتدري من أنا؟ أنا الذي بعثني الله في التوراة لموسى، وفي الإنجيل لعيسى، وفي الزبور لداود ولا فخر» أي لا أقول ذلك على سبيل الافتخار، بل على سبيل التحدث بالنعمة «يا عمر أتدري من أنا؟ أنا اسمي في التوراة أحيد، وفي الإنجيل البارقليط، وفي الزبور حمياطا، وفي صحف إبراهيم طاب طاب ولا فخر» .
على سبيل التحدث بالنعمة «يا عمر أتدري من أنا؟ أنا اسمي في التوراة أحيد، وفي الإنجيل البارقليط، وفي الزبور حمياطا، وفي صحف إبراهيم طاب طاب ولا فخر» . وذكر صاحب كتاب «شفاء الصدور» في مختصره أن من فضائله ﷺ ما رواه مقاتل بن سليمان قال: وجدت مكتوبا في زبور داود. إني أنا الله لا إله إلا أنا ومحمد رسولي، ووصف في مزامير داود بأنه يقوي الضعيف الذي لا ناصر له، ويرحم المساكين ويبارك عليه في كل وقت، ويدوم ذكره إلى الأبد. وبالجبار، ففيها تقلد أيها الجبار سيفك. فإن قيل: قال الله تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: الآية ٤٥] . أجيب بأن الأول هو الذي يجبر الخلق إلى الحق. والثاني هو المتكبر. وفيها: يا داود سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقا لا أغضب عليه أبدا، ولا يعصيني أبدا، وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر: أي على فرض وقوع ذلك الذنب، والمراد به خلاف الأولى من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين: أي ما يعد حسنة بالنسبة لمقام الأبرار قد يعدّ سيئة بالنسبة لمقام المقربين، لعلوّ مقامهم وارتفاع شأنهم وأمته مرحومة، يأتون يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء.
وفي بعض مزامير داود: إن الله أظهر من صهيون إكليلا محمودا، وصهيون: اسم مكة. والإكليل: الإمام الرئيس وهو محمد ﷺ. وفي صحف شيث: أخو ناخ، ومعناه صحيح الإسلام، وهذا يدل على أن مزامير داود نسخة مختلفة بالزيادة والنقص. وفي صحف إبراهيم اسمه يوذموذ. وقيل إن ذلك في التوراة، ولا مانع من وجوده فيهما. وتقدم أنه في صحف إبراهيم اسمه طاب طاب، ولا مانع من وجود الوصفين في تلك الصحف. وفي كتاب شعيب ﵇: عبدي الذي يثبت شأنه، أنزل عليه وحيي فيظهر في الأمم عدلي، لا يضحك: أي مع رفع الصوت، ومن ثم قال: ولا يسمع صوته في الأصوات، لأن ضحكه كان التبسم، يفتح العيون العور والآذان الصم، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيته لا أعطيه أحدا. وفيه أيضا مشقح بالشين المعجمة والقاف والحاء المهملة: أي زاهي، يحمد الله حمدا جديدا، أي مخترعا لم يسبقه إليه أحد، يأتي من أقصى الأرض، لعل المراد به مكة، به تفرح البرية وسكانه، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفأ، سلطانه على كتفه. وذكر البرية وسكانها إشارة لدولة العرب، والمراد بسلطانه على كتفه خاتم النبوة لأنه علامة وبرهان على نبوته. أي وذكر ابن ظفر أن في بعض كتب الله المنزلة: إني باعث رسولا من الأميين، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل الحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والإسلام ملته، أرفع به من الوضيعة، وأهدي به من الضلالة، وأؤلف به بين قلوب متفرقة وأهواء مختلفة، وأجعل أمته خير الأمم. وأما ما جاء مما يدل على وجود اسمه الشريف أعني لفظ محمد مكتوبا في الأحجار والنبات والحيوان وغير ذلك بقلم القدرة فكثير. من ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كان نقش خاتم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله» قال: المراد فص خاتمه.
له رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كان نقش خاتم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله» قال: المراد فص خاتمه. فعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «إن فص خاتم سليمان بن داود كان سماويا: أي من السماء، ألقي إليه فوضعه في خاتمه» أي وكان به انتظام ملكه، وكان نقشه «أنا الله لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي» وحينئذ يكون ما تقدم عن جابر وما يأتي يجوز أن يكون روي بالمعنى. وكان ينزعه إذا دخل الخلاء وإذا
جامع، وكان عند نزعه يتنكر عليه أمر الناس ولم يجد من نفسه ما كان يجده قبل نزعه. وفي «أنس الجليل» «كان نقش خاتم سليمان لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد عبده ورسوله» ووجد على بعض الحجارة القديمة مكتوب: محمد تقي مصلح، وسيد أمين. وفي جامع مدينة قرطبة بالمغرب عمود أحمر مكتوب فيه بقلم القدرة «محمد» . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد ﷺ إلا غفرت لي، قال وكيف عرفت محمدا» وفي لفظ كما في «الوفاء» وما محمد ومن محمد؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، قال: صدقت يا آدم، ولولا محمد لما خلقتك» أي وفي لفظ كما في «الشفاء» «قال آدم لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك، فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله تعالى إليه، وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك، ولولاه ما خلقتك» .
رسول الله، فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله تعالى إليه، وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك، ولولاه ما خلقتك» . وفي الوفاء، عن ميسرة «قلت: يا رسول الله متى كنت نبيا. قال: لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، وخلق العرش، كتب على ساق العرش: محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء، وكتب اسمي، أي موصوفا بالنبوة أو بما هو أخص منها وهو الرسالة على ما هو المشهور، على الأبواب والأوراق والقباب والخيام، وآدم بين الروح والجسد. أي قبل أن تدخل الروح جسده- فلما أحياه الله نظر إلى العرش فرأس اسمي فأخبره الله تعالى أنه سيد ولدك، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه» أي فقد وصف ﷺ بالنبوة قبل وجود آدم. وفيه أيضا عن سعيد بن جبير اختصم ولد آدم أيّ الخلق أكرم على الله تعالى؟ فقال بعضهم: آدم خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته. وقال آخرون: بل الملائكة لأنهم لم يعصوا الله ﷿، فذكروا ذلك لآدم، فقال: لما نفخ في الروح لم تبلغ قدميّ حتى استويت جالسا فبرق لي العرش فنظرت فيه محمد رسول الله فذاك أكرم الخلق على الله ﷿. قيل وكان يكنى آدم بأبي محمد وبأبي البشر، وظاهره أنه كان يكنى بذلك في الدنيا، وتقدم أنه يكنى بأبي محمد في الجنة. ومن ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب أيضا رضي الله تعالى عنه، قال لكعب
الأحبار رضي الله تعالى عنه: أخبرنا عن فضائل رسول الله ﷺ قبل مولده، قال: نعم يا أمير المؤمنين. قرأت أن إبراهيم الخليل وجد حجرا مكتوبا عليه أربعة أسطر الأول: أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. والثاني: أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي، طوبى لمن آمن به واتبعه. والثالث: أنا الله لا إله إلا أنا الحرم لي، والكعبة بيتي من دخل بيتي أمن من عذابي، ولينظر الرابع. أي وذكر بعضهم أن في سنة أربع وخمسين وأربعمائة عصفت ريح شديدة بخراسان كريح عاد انقلبت منها الجبال وفرت منها الوحوش، فظن الناس أن القيامة قد مات، وابتهلوا إلى الله تعالى، فنظروا فإذا نور عظيم قد نزل من السماء على جبل من تلك الجبال ثم تأملوا الوحوش؟ فإذا هي منصرفة إلى ذلك الجبل الذي سقط فيه ذلك النور، فساروا معها إليه فوجدوا به صخرة طولها ذراع في عرض ثلاثة أصابع وفيها ثلاثة أسطر. سطر فيه لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: الآية ٢٥] . وسطر فيه محمد رسول الله القرشي. وسطر ثالث، فيه احذروا وقعة المغرب فإنها تكون من سبعة أو تسعة. والقيامة قد أزفت أي قربت. وجاء أن آدم ﵊ قال: طفت السموات فلم أر في السموات موضعا إلا رأيت اسم محمد ﷺ مكتوبا عليه، ولم أر في الجنة قصرا ولا غرفة إلا اسم محمد مكتوب عليه، ولقد رأيت اسمه ﷺ على نحور الحور العين وورق آجام الجنة أي ورق قص آجام الجنة، وشجرة طوبى، وسدرة المنتهى والحجب، وبين أعين الملائكة، وهذا الحديث قد حكم بعض الحفاظ بوضعه. أي وقد قيل: إن أول شيء كتب القلم في اللوح المحفوظ: بسم الله الرحمن الرحيم، إني أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي وشكر على نعمائي، ورضي بحكمي، كتبته صديقا، وبعثته يوم القيامة من الصديقين. وفي رواية: مكتوب في صدر اللوح المحفوظ: لا إله إلا الله، دينه الإسلام محمد عبده ورسوله، فمن آمن بهذا أدخله الله الجنة.
وبعثته يوم القيامة من الصديقين. وفي رواية: مكتوب في صدر اللوح المحفوظ: لا إله إلا الله، دينه الإسلام محمد عبده ورسوله، فمن آمن بهذا أدخله الله الجنة. وفي رواية «لما أمر الله القلم أن يكتب ما كان وما يكون كتب على سرادق العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله» يتأمل هذا فإنه إن كان المراد كما هو المتبادر أن القلم لما أمر أن يكتب ما ذكر كان أول شيء كتبه على سرادق العرش ما ذكر ثم تمم كتابة ما أمر به على ذلك كما كتب أول ما ذكر البسملة في اللوح المحفوظ ثم تمم كتابة ما أمر به يلزم أن يكون القلم كتب ما كان وما يكون في اللوح وعلى سرادق العرش. ومن ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب أيضا رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ: «إن آدم ﵊ قال: وجدت اسم محمد ﷺ على ورق شجرة طوبى،
وعلى ورق سدرة المنتهى: أي وعلى ورق قصب آجام الجنة، ومن ثم قال السيوطي في الخصائص الكبرى: من خصائصه ﷺ كتابة اسمه الشريف مع اسم الله تعالى على العرش. وفيها: ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن» ومكتوب اسمه ﷺ على سائر ما في الملكوت: أي من السموات والجنان وما فيهن. وفي «الخصائص الصغرى» له أيضا: ومن خصائصه ﷺ كتابة اسمه الشريف على العرش وكل سماء والجنان وما فيها وسائر ما في الملكوت. أقول: ولا يخالف هذا: أي ما تقدم عن آدم ما جاء على تقدير صحته أن آدم لما نزل إلى الأرض استوحش فنزل جبريل ﵇ فنادى بالأذان: الله أكبر الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، قال آدم: من محمد؟ قال جبريل: هو آخر ولدك من الأنبياء لجواز أن يكون آدم ﵇ أراد أن يستثبت هل هو محمد الذي رأى اسمه مكتوبا وأخبر بأنه آخر الأنبياء من ذريته، وأنه لولاه ما خلقه واستشفع به أو غيره فليتأمل. وإنما قلنا على تقدير صحته لأنه سيأتي في بدء الأذان أن في سند هذ الحديث مجاهيل.
آخر الأنبياء من ذريته، وأنه لولاه ما خلقه واستشفع به أو غيره فليتأمل. وإنما قلنا على تقدير صحته لأنه سيأتي في بدء الأذان أن في سند هذ الحديث مجاهيل. وذكر صاحب كتاب «شفاء الصدور» في مختصره عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ عن الله ﷿ أنه قال: «يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي، ولا رفعت هذه الخضراء، ولا بسطت هذه الغبراء» . وفي رواية عنه «ولا خلقت سماء ولا أرضا ولا طولا ولا عرضا» . وبهذا يرد على من رد على القائل في مدحه ﷺ: لولاه ما كان لا فلك ولا فلك ... كلا ولا بان تحريم وتحليل بأن قوله لولاه ما كان لا فلك ولا فلك مثل هذا يحتاج إلى دليل، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على ذلك، فيقال له: بل جاء في السنة ما يدل على ذلك، والله أعلم. ومن ذلك ما حدث به بعضهم قال: غزونا الهند فوقعت في غيضة فإذا فيها شجر عليه ورق أحمر مكتوب عليه بالبياض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وعن بعضهم: رأيت في جزيرة شجرة عظيمة لها ورق كبير طيب الرائحة، مكتوب عليه بالحمرة والبياض في الخضرة كتابة بينة واضحة خلقة ابتدعها الله تعالى بقدرته، في الورقة ثلاثة أسطر: الأول لا إله إلا الله، والثاني محمد رسول الله، والثالث إن الدين عند الله الإسلام. وعن بعض آخر قال: دخلت بلاد الهند فرأيت في بعض قراها شجر ورد أسود
ينفتح عن وردة كبيرة سوداء طيبة الرائحة مكتوب عليها بخط أبيض: لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق. عمر الفاروق، فشككت في ذلك وقلت إنه معمول، فعمدت إلى وردة كبيرة لم تفتح فرأيت فيها كما رأيت في سائر الورق وفي البلد منها شيء كثير، وأهل تلك البلد يعبدون الحجارة. ونقل ابن مرزوق في شرح البردة عن بعضهم قال: عصفت بنا ريح ونحن في لجج بحر الهند فأرسينا في جزيرة، فرأينا فيها وردا أحمر ذكي الرائحة مكتوب عليه بالأصفر: براءة من الرحمن الرحيم إلى جنات النعيم، لا إله إلا الله محمد رسول الله. أي ومن ذلك ما حكاه بعضهم قال: رأيت في بلاد الهند شجرة تحمل ثمرا يشبه اللوز له قشران، فإذا كسر خرج منه ورقة خضراء مطوية، مكتوب عليها بالحمرة: لا إله إلا الله محمد رسول الله كتابة جلية، وهم يتبركون بتلك الشجرة، ويستسقون بها إذا منعوا الغيث. هذا وفي «مزيل الخفاء» الاقتصار على لا إله إلا الله: أي وحينئذ لا يكون شاهدا على ما ذكرنا. أي ومن ذلك ما حكاه الحافظ السلفي عن بعضهم أن شجرة ببعض البلاد لها أوراق خضر، وعلى كل ورقة مكتوب بخط أشد خضرة من لون الورق: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكان أهل تلك البلاد أهل أوثان، وكانوا يقطعونها ويبقون أثرها فترجع إلى ما كانت عليه في أقرب وقت، فأذابوا الرصاص وجعلوه في أصلها. فخرج من حول الرصاص أربع فروع على كل فرع لا إله إلا الله محمد رسول الله، فصاروا يتبركون ويستشفون بها من المرض إذا اشتد ويخلقونها بالزعفران وأجلّ الطيب. ومن ذلك أنه وجد في سنة سبع أو تسع وثمانمائة حبة عنب، فيها بخط بارع، بلون أسود «محمد» . ومن ذلك ما ذكره بعضهم أنه اصطاد سمكة مكتوب على جنبها الأيمن: لا إله إلا الله، وعلى جنبها الأيسر: محمد رسول الله، قال: فلما رأيتها ألقيتها في النهر احتراما لها. وعن بعض آخر قال: ركبت بحر الغرب ومعنا غلام معه سنارة فأدلاها في البحر فاصطاد سمكة قدر شبر بيضاء، فنظرنا فإذا مكتوب بالأسود على أذنها الواحدة: لا إله إلا الله، وفي قفاها وخلف أذنها الأخرى: محمد رسول الله فقذفناها في البحر.
صطاد سمكة قدر شبر بيضاء، فنظرنا فإذا مكتوب بالأسود على أذنها الواحدة: لا إله إلا الله، وفي قفاها وخلف أذنها الأخرى: محمد رسول الله فقذفناها في البحر. وعن بعضهم أنه ظهرت له سمكة بيضاء، وإذا على قفاها مكتوب بالأسود: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كنا عند رسول الله ﷺ وإذا بطائر
في فمه لوزة خضراء فألقاها فأخذها النبي ﷺ فوجد فيها دودة خضراء مكتوب عليها بالأصفر: لا إله إلا الله محمد رسول الله» . ومن ذلك ما حكاه بعضهم أنه كان بطبرستان قوم يقولون لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا يقرّون لمحمد ﷺ بالرسالة، وحصل منهم افتتان؟ ففي يوم شديد الحر ظهرت سحابة شديدة البياض، فلم تزل تنشأ حتى أخذت ما بين الخافقين، وأحالت بين السماء والبلد، فلما كان وقت الزوال ظهر في السحابة بخط واضح: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلم تزل كذلك إلى وقت العصر، فتاب كل من كان افتتن، وأسلم أكثر من كان بالبلد من اليهود والنصارى. ومن ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: بلغني في قول الله تعالى: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما [الكهف: الآية ٨٢] قال: كان لوحا من ذهب. وقيل لوح من رخام مكتوب فيه: عجبا لمن أيقن بالموت: أي بأنه يموت كيف يفرح، عجبا لمن أيقن بالحساب: أي أنه يحاسب كيف يغفل، عجبا لمن أيقن بالقضاء: أي أن الأمور بالقضاء والقدر كيف يحزن، عجبا لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى البيهقي وغيره عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن الكنز الذي ذكره الله تعالى في كتابة لوح من ذهب، فيه بسم الله الرحمن الرحيم: عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب أي يتعب. عجبت لمن ذكر النار ثم يضحك. عجبت لمن ذكر الموت ثم غفل، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي لفظ: لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي.
قدر ثم ينصب أي يتعب. عجبت لمن ذكر النار ثم يضحك. عجبت لمن ذكر الموت ثم غفل، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي لفظ: لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي. وفي تفسير القاضي البيضاوي: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق: أي أن الله رازقه كيف ينصب أي يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. أقول: قد يقال يجوز أن يكون ما ذكر أولا في أحد وجهي ذلك اللوح، وما ذكر ثانيا في الوجه الثاني، أو أن بعض الرواة زاد، وبعضهم نقص، وبعضهم روى بالمعنى وحفظ ذلك الكنز لأجل صلاح أبيهما وكان تاسع أب لهما. وقد قال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وبقعته التي هو فيها والدويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله وستره. ويذكر أن بعض العلوية همّ هارون الرشيد بقتله، فلما دخل عليه أكرمه وخلى سبيله فقيل له: بماذا دعوت حتى نجاك الله؟ فقال قلت: يا من حفظ الكنز على الصبيين لصلاح أبيهما احفظني منه لصلاح آبائي، كذا في العرائس، والله أعلم.
ومن ذلك ما جاء عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «مكتوب بين كتفي آدم محمد رسول الله خاتم النبيين» . أي وذكر بعضهم أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا، على أحد جنبيه مكتوب: لا إله إلا الله وعلى الآخر محمد رسول الله أي ومن ذلك ما حكاه بعضهم قال: ولد عندي في عام أربعة وسبعين وستمائة جدي أسود غرته بيضاء على شكل الدائرة، وفيها مكتوب «محمد» بخط في غاية الحسن والبيان. وما حكاه بعضهم قال: شاهدت ببلدة من بلاد إفريقية بالمغرب رجلا ببياض عينه اليمنى من أسفل، مكتوب بعرق أحمر كتابة مليحة «محمد رسول الله» . وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني نفعنا الله تعالى ببركته في كتابه «لواقح الأنوار القدسية في قواعد السادة الصوفية» ، وفي يوم كتابتي لهذا الموضع رأيت علما من أعلام النبوّة، وذلك أن شخصا أتاني برأس خروف شواها وأكلها وأراني فيها مكتوبا بخط إلهيّ على الجبين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق، يهدي به من يشاء. قال الشيخ عبد الوهاب: وتكرير ذلك لحكمة، فإن الله لا يسهو، هذا كلامه. وقد يقال: لعل الحكمة التأكيد لعلو مقام الهداية، كيف وهو المجانب لمقام الضلالة والغواية. وعن الزهري قال: شخصت إلى هشام بن عبد الملك، فلما كنت بالبلقاء رأيت حجرا مكتوبا عليه بالعبرانية، فأرشدت إلى شيخ يقرأه، فلما قرأه ضحك وقال: أمر عجيب، مكتوب عليه: باسمك اللهم، جاء الحق من ربك بلسان عربي مبين، لا إله إلا الله محمد رسول الله وكتبه موسى بن عمران.
خ يقرأه، فلما قرأه ضحك وقال: أمر عجيب، مكتوب عليه: باسمك اللهم، جاء الحق من ربك بلسان عربي مبين، لا إله إلا الله محمد رسول الله وكتبه موسى بن عمران.
باب: سلام الحجر والشجر عليه ﷺ قبل مبعثه عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبلي أن أبعث، إني لأعرفه الآن» قال جاء في بعض الروايات أن هذا الحجر هو الحجر الأسود: أي وقيل غيره، وأنه هو الذي في زقاق بمكة يعرف بزقاق الحجر: أي ولعله غير الحجر الذي به أثر المرفق، ذكر أنه ﷺ اتكأ عليه بمرفقه، وهو الذي يقال له زقاق المرفق وغير الحجر الذي به أثر الأصابع. وروي «أن رسول الله ﷺ حين أراد الله تعالى كرامته بالنبوّة، كان إذا خرج لحاجة أي لحاجة الإنسان أبعد حتى لا يرى ببناء، ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، وكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا» اهـ وإلى ذلك يشير صاحب
الأصل بقوله: لم يبق من حجر صلب ولا شجر ... إلا وسلم بل هناه ما وهبا وإلى ذلك يشير أيضا صاحب الهمزية بقوله: والجمادات أفصحت بالذي أخ ... رس عنه لأحمد الفصحاء أي والجمادات التي لا روح فيها نطقت بكلام فصيح لا تلعثم فيه: أي بالشهادة له ﷺ بالرسالة، ولم تنطق به أهل الفصاحة والبلاغة وهم الكفار من قريش وغيرهم. وعن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: «كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله» . أقول: «وإلى تسليم الحجر قبل البعثة يشير الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله: وما جزت بالأحجار إلا وسلمت ... عليك بنطق شاهد قبل بعثة وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لما أوحي إليّ جعلت لا أمرّ بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله» وما ذكره بعضهم أن الجن قالوا له ﷺ بمكة: من يشهد أنك رسول الله؟ قال تلك الشجرة، ثم قال لها من أنا؟ فقالت: رسول الله» فليس من المترجم له. وفي الخصائص الصغرى: وخصى بتسليم الحجر، وبكلام الشجر، وبشهادتهما له بالنبوة، وإجابتهما دعوته.
ثم قال لها من أنا؟ فقالت: رسول الله» فليس من المترجم له. وفي الخصائص الصغرى: وخصى بتسليم الحجر، وبكلام الشجر، وبشهادتهما له بالنبوة، وإجابتهما دعوته. وفي كلام السهيلي: يحتمل أن يكون نطق الحجر والشجر كلاما مقرونا بحياة وعلم. ويحتمل أن يكون صوتا مجردا غير مقترن بحياة وعلم. وعلى كل هو علم من أعلام النبوة. وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: أكثر العقلاء، بل كلهم يقولون عن الجمادات لا تعقل، فوقفوا عند بصرهم. والأمر عندنا ليس كذلك؟ فإذا جاءهم عن نبيّ أو وليّ أن حجرا كلمه مثلا يقولون خلق الله فيه العلم والحياة في ذلك الوقت. والأمر عندنا ليس كذلك بل سر الحياة سار في جميع العالم. وقد ورد «أن كل شيء سمع صوت المؤذن من رطب ويابس يشهد له، ولا يشهد إلا من علم وأطال في ذلك» وقال قد أخذ الله بأبصار الإنس والجن عن إدراك حياة الجماد إلا من شاء الله كنحن وأضرابنا، فإنا لا نحتاج إلى دليل في ذلك، لكون
الحق تعالى قد كشف لنا عن حياتها عينا وأسمعنا تسبيحها ونطقها، وكذلك اندكاك الجبل لما وقع التجلي إنما كان ذلك منه لمعرفته بعظمة الله ﷿، ولولا ما عنده من العظمة لما تدكدك، والله أعلم.
عينا وأسمعنا تسبيحها ونطقها، وكذلك اندكاك الجبل لما وقع التجلي إنما كان ذلك منه لمعرفته بعظمة الله ﷿، ولولا ما عنده من العظمة لما تدكدك، والله أعلم.
باب: بيان حين المبعث وعموم بعثته ﷺ قال ابن إسحق: لما بلغ رسول الله ﷺ أربعين سنة بعثه الله رحمة للعالمين، وكافة للناس أجمعين. وكان الله قد أخذ له الميثاق على كل نبيّ بعثه قبله بالإيمان به، والتصديق له، والنصر على من خالفه، وأن يؤدّوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم: أي فهم وأممهم من حملة أمته ﷺ كما سيأتي عن السبكي. فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أن رسول الله ﷺ بعث على رأس الأربعين» . قال: وهذا هو المشهور بين الجمهور من أهل السير، والعلم بالأثر. وقيل بزيادة يوم. وقيل بزيادة عشرة أيام، وقيل بزيادة شهرين. وقيل بزيادة سنتين، وهو شاذ، وأكثر منه شذوذا ما قيل إنه بزيادة ثلاث سنين، وما قيل إنه بزيادة خمس سنين. قال بعضهم: والأربعون هي سن الكمال، ونهاية بعث الرسل: أي لا يرسلون دونها، ومن ثم قال في الكشاف: ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة، هذا كلام الكشاف. وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة: أي ومعلوم أنه دعا إلى الله قبل ذلك، فهو قول شاذ حكاه وهب بن منبه عن النصارى اهـ: أي وعليه جرى غير واحد من المفسرين، بل قال في ينبوع الحياة: لم يبلغني أن أحدا من المفسرين ذكر في مبلغ سنه إذ رفع أكثر من ثلاث وثلاثين سنة هذا كلامه. وفي الهدى: وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة، فهذا لا يعرف به أثر متصل يجب المصير إليه، هذا كلامه. ويوافق ما تقدم عن المفسرين وما في «العرائس» : ولما تمت له يعني عيسى ﵊ ثلاثون سنة أوحى الله تعالى إليه أن يبرز للناس، ويدعوهم، ويضرب الأمثال لهم، ويداوي المرضى والزمنى والعميان والمجانين، ويقمع الشياطين، ويذلهم ويدحرهم، ففعل ما أمر به، وأظهر المعجزات، فأحيا ميتا يقال له عازر بعد ثلاثة أيام من موته. وعبارة الجلال المحلي في قطعة التفسير: أحيا عيسى ﵊ أربعة. عازر صديقا له، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح، هذا كلامه.
زر بعد ثلاثة أيام من موته. وعبارة الجلال المحلي في قطعة التفسير: أحيا عيسى ﵊ أربعة. عازر صديقا له، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح، هذا كلامه. وذكر البغوي قصة كل واحد فراجعه. وكان عيسى ﵊ يمشي على الماء، ومكث في الرسالة ثلاث سنوات ثم رفع، ويوافق ذلك أيضا قول ابن الجوزي: وأما حديث: وما من نبي إلا نبىء بعد الأربعين فموضوع، لأن عيسى عليه
الصلاة والسلام نبىء ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، بل قيل نبىء وهو طفل، فاشتراط الأربعين في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس بشيء، هذا كلامه: أي وفيه أن هذا بمجرده لا يدل على وضع الحديث، ويوافقه أيضا قول القاضي البيضاوي: ونبىء نوح وهو ابن خمسين سنة، وقيل أربعين، ويوافقه أيضا قول بعضهم: ومما يدل على أن بلوغ الأربعين ليس شرطا للنبوة، وقصة سيدنا يحيى صلوات الله وسلامه عليه بناء على أن الحكم في قوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: الآية ١٢] النبوة، لا الحكمة وفهم التوراة كما قيل بذلك، بل أحكم إليه عقله في صباه واستنبأه، قيل كان ابن سنتين أو ثلاث. ولما ولي الخلافة المقتدر وهو غير بالغ صنف الإمام الصولي له كتابا فيمن ولي الأمر وهو غير بالغ، واستدل على جواز ذلك بأن الله بعث يحيى بن زكريا نبيا وهو غير بالغ، وذكر فيه كل من استعمله النبي ﷺ من الصبيان. قال بعضهم: وهو كتاب حسن، فيه فوائد كثيرة. وكان ذبح يحيى قبل رفع عيسى عليهما الصلاة والسلام بسنة ونصف سنة. ومما يدل على ما تقدم عن الهدى: أي من إنكار أن عيسى ﵊ رفع وله ثلاث وثلاثون سنة قول بعضهم: الأحاديث الصحيحة تدل على أنه إنما رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة. من تلك الأحاديث قوله ﷺ في مرض موته لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها «أخبرني جبريل أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله، وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبا على رأس الستين» وفي الجامع الصغير «ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي قبله» وعلى كون كل نبي عاش نصف ما عاش النبي الذي قبله يشكل أن نوحا كان أطول الأنبياء عمرا، ومن ثم قيل له كبير الأنبياء، وشيخ المرسلين. وهو أول من تنشق عنه الأرض بعد نبينا ﷺ، ثم رأيت أن الحافظ الهيتمي ضعف حديث: ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش النبي الذي قبله. وقال العماد بن كثير: إنه غريب جدا. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رسول الله ﷺ عام تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه:
ي قبله. وقال العماد بن كثير: إنه غريب جدا. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رسول الله ﷺ عام تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه: أي ينتظرون فراغه من الصلاة، لأن نزول وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: الآية ٦٧] كان قبل هذا، حتى إذا صلى وانصرف إليهم قال لهم: لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي» زاد في رواية «لا أقولهن فخرا. أما أولاهنّ فأرسلت إلى الناس كلهم عامة» أي من في زمنه وغيرهم ممن تقدم أو تأخر: أي وللشجر والحجر إلى آخر ما يأتي «وكان من قبلي» وفي لفظ «وكان كل نبي إنما يرسل إلى قومه» أي جميع أهل زمنه أو جماعة منهم خاصة. ومن الأول نوح، فإنه كان مرسلا لجميع من كان في زمنه من أهل الأرض، ولما
أخبر بأنه لا يؤمن منهم إلا من آمن معه وهم أهل السفينة وكانوا ثمانين: أربعين رجلا، وأربعين امرأة. وفي عوارف المعارف: أصحاب السفينة، كانوا أربعمائة. وقد يقال من الآدميين وغيرهم فلا مخالفة، دعا على من عدا من ذكر باستئصال العذاب لهم، فكان الطوفان الذي كان به هلاك جميع أهل الأرض إلا من آمن، ولو لم يكن مرسلا إليهم ما دعا عليهم بسبب مخالفتهم له في عبادة الأصنام، لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ [الإسراء: الآية ١٥] أي حتى في الدنيا حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: الآية ١٥] . وقد ثبت أن نوحا أول الرسل: أي لمن يعبد الأصنام، لأن عبادة الأصنام أول ما حدثت في قومه وأرسله الله إليهم ينهاهم عن ذلك، وحينئذ لا يخالف كون أول الرسل آدم أرسله الله تعالى إلى أولاده بالإيمان بالله تعالى وتعليم شرائعه. وذكر بعضهم أنه كان مرسلا لزوجته حواء في الجنة، لأن الله تعالى أمره أن يأمرها وينهاها في ضمن أخباره بأمره ونهيه، بقوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة: الآية ٣٥] وذلك عين الإرسال كما ادعاه بعضهم.
نْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة: الآية ٣٥] وذلك عين الإرسال كما ادعاه بعضهم. فعلم أن عموم رسالة نوح ﵊ لجميع أهل الأرض في زمنه لا يساوي عموم رسالة نبينا ﷺ، لما علمت أن رسالته عامة حتى لمن يوجد بعد زمنه، وحينئذ يسقط السؤال وهو لم يبق بعد الطوفان إلا مؤمن، فصارت رسالة نوح ﵊ عامة. ويسقط جواب الحافظ ابن حجر عنه بأن هذا العموم الذي حصل بعد الطوفان لم يكن من أصل بعثته بل طرأ بعد الطوفان، بخلاف رسالة نبينا محمد ﷺ، قيل كان بين الدعوة والطوفان مائة عام، وقد حققنا فيما سبق أن آدم ومن بعده دعا إلى الإيمان بالله تعالى وعدم الإشراك به، إلا أن الإشراك به وعبادة الأصنام اتفق أنه لم يقع إلا زمن نوح ومن بعده. وأما قول اليهود أو بعضهم وهم العيسوية طائفة من اليهود أتباع عيسى الأصفهاني: إنه ﷺ إنما بعث للعرب خاصة دون بني إسرائيل، وإنه صادق ففاسد، لأنهم إذا سلموا أنه رسول الله، وأنه صادق لا يكذب لزمهم التناقض، لأنه ثبت بالتواتر عنه ﷺ أنه رسول الله لكل الناس. أقول: قال بعضهم: ولا ينافيه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: الآية ٤] لأنه لا يدل على اقتصار رسالته عليهم، بل على كونه متكلما بلغتهم ليفهموا عنه أولا، ثم يبلغ الشاهد الغائب، ويحصل الإفهام لغير أهل تلك اللغة من الأعاجم بالتراجم الذين أرسل إليهم، فهو ﷺ مبعوث إلى الكافة وإن كان هو وكتابه عربيين كما كان موسى وعيسى عليها الصلاة والسلام مبعوثين لبني إسرائيل بكتابيهما
العبراني: أي وهو التوراة، والسرياني وهو الإنجيل، مع أن من جملتهم جماعة لا يفهمون بالعبرانية ولا بالسريانية كالأروام، فإن لغتهم اليونانية والله أعلم. وأشار إلى الثانية من الخمس بقوله: «ونصرت بالرعب على العدو ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر» أي أمامه وخلفه «يملأ مني رعبا» أي يقذف الرعب في قلوب أعدائه ﷺ، وجعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه: أي المحاربين له أكثر من شهر. أي وجاء أن سيدنا سليمان ﵊ ذهب هو وجنده من الإنس والجن وغيرهما إلى الحرم. وكان يذبح كل يوم خمسة آلاف ناقة، وخمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة لأن مساحة جنده كانت مائة فرسخ، قال لمن حضر من أشراف جنده: هذا مكان يخرج منه نبي عربي يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم. ثم قالوا: فبأي دين يا نبي الله يدين؟ قال: بدين الحنيفية، فطوبى لمن آمن به، قالوا: كم بين خروجه وزماننا، قال مقدار ألف عام. وأشار إلى الثالثة بقوله: «وأحلت لي الغنائم كلها، وكان من قبلي» أي من أمر بالجهاد منهم «يعطونها ويحرمونها» أي لأنهم كانوا يجمعونها: أي والمراد ما عدا الحيوانات من الأمتعة والأطعمة والأموال، فإن الحيوانات تكون ملكا للغانمين دون الأنبياء. ولا يجوز للأنبياء أخذ شيء من ذلك بسبب الغنيمة كذا في الوفاء. وجاء في بعض الروايات «وأطعمت أمتك الفيء ولم أحله لأمة قبلها» أي والمراد بالفيء ما يعم الغنيمة، كما أنه قد يراد بالغنيمة ما يعم الفيء. هذا وفي بعض الروايات «وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار، أي نار بيضاء من السماء فتأكله» أي حيث لا غلول «وأمرت أن أقسمه في فقراء أمتي» وفي تكملة تفسير الجلال السيوطي لتفسير الجلال المحلي أن ذلك لم يعهد في زمن عيسى ﵊، ولعله لم يكن ممن أمر بالجهاد، فلا يخالف ما سبق.
قسمه في فقراء أمتي» وفي تكملة تفسير الجلال السيوطي لتفسير الجلال المحلي أن ذلك لم يعهد في زمن عيسى ﵊، ولعله لم يكن ممن أمر بالجهاد، فلا يخالف ما سبق. وأشار إلى الرابعة بقوله: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت» أي تيممت حيث لا ماء «وصليت» فلا يختص السجود منها بموضع دون غيره «وكان من قبلي لا يعطون ذلك» أي الصلاة في أي محل أدركتهم فيه، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم: أي ولم يكن أحد منهم يتيمم، لأن التيمم من خصائصنا. وفي رواية جابر «ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه» . وجاء في تفسير قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف: الآية ١٥٥] الآيات. من المأثور أن الله تعالى قال لموسى: «أجعل لكم الأرض مسجدا؟ فقال لهم موسى: إن الله قد جعل لكم الأرض مسجدا، قالوا: لا نريد أن نصلي إلا في كنائسنا، فعند ذلك قال
الله تعالى: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [الأعراف: الآية ١٥٦] إلى قوله الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: الآية ١٥٧] أي وهم أمة محمد ﷺ. وفيه أنه قيل إن عيسى ﵊ كان يسيح في الأرض يصلي حيث أدركته الصلاة. ويحتاج إلى الجمع بين هذا وبين ما تقدم من قوله: لم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه، إلا أن يقال لا يصلي مع أمته إلا في محرابه. وأما عيسى ﵊ فخص بأنه كان يصلي حيث أدركته الصلاة وسيأتي في الخصائص الكلام على ذلك. وأشار إلى الخامسة بقوله: «قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله، وهي لإخراج من في قلبه ذرة من الإيمان ليس له عمل صالح إلا التوحيد» أي إخراج من ذكر من النار لأن شفاعة غيره ﷺ تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك قاله القاضي عياض. أي وقد جاء في بيان من يشفع بإذن الله له في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع وفي رواية «ثم تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيشفعهم الله ﷿» وقد جاء «إن أول شافع جبريل ثم إبراهيم، ثم موسى ثم يقوم نبيكم رابعا لا يقوم بعده أحد فيما يشفع فيه» .
ون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيشفعهم الله ﷿» وقد جاء «إن أول شافع جبريل ثم إبراهيم، ثم موسى ثم يقوم نبيكم رابعا لا يقوم بعده أحد فيما يشفع فيه» . وفي الحديث «آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول يا رب أمتي يا رب أمتي، فيقال انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من بر أو شعير من إيمان» وفي لفظ «حبة من خردل» وفي لفظ «أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل فأخرجه» أي من النار «فانطلق فأفعل» أي أخرجه من النار «وأدخله الجنة» . وله ﷺ شفاعة قبل هذه في إدخال أهل الجنة الجنة بعد مجاوزة الصراط، ففي الحديث «فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدا، فيأذن الله لي في حمده وتمجيده، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع واسأل تعطه، فأقول: يا رب شفعني في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فيأذن الله تعالى في الشفاعة إلى آخر ما تقدم. ومن هذا يعلم أن الشفاعة في الإخراج من النار، إنما تكون منه ﷺ وهو في الجنة، فما تقدم من قوله: «آتي تحت العرش فأخر ساجدا» إلى آخره، إنما ذلك في الشفاعة في فصل القضاء، فهذا خلط من بعض الرواة: أي خلط الشفاعة في الموقف التي هي الشفاعة في فصل القضاء بالشفاعة، بعد مجاوزة الصراط في دخول أهل الجنة الجنة وبالشفاعة بعد دخول الجنة في إخراج أهل التوحيد من النار، والشفاعة في فصل القضاء هي المشار إليها في قوله ﷺ: «وأعطيت الشفاعة» فقد قال ابن دقيق
العيد: الأقرب أن اللام فيها للعهد، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف: أي وهذا هو المقام المحمود الذي يحمده ويغبطه فيه الأولون والآخرون، المعني بقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء: الآية ٧٩] . وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه «تجمع الناس في صعيد واحد، فأول مدعو محمد ﷺ فيقول: لبيك وسعديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت» . وقد هاجت فتنة كبيرة ببغداد بسبب هذه الآية، أعني عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) [الإسراء: الآية ٧٩] فقالت الحنابلة: معناه يجلسه الله تعالى على عرشه. وقال غيرهم: بل هي الشفاعة العظمى في فصل القضاء، فدام الخصام إلى أن اقتتلوا فقتل كثيرون. وهذه الشفاعة إحدى الشفاعات الثلاث المعنية بقوله ﷺ: «لي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن» . وفي كلام بعضهم: له ﷺ تسع شفاعات أخر غير فصل القضاء، جرى في اختصاصه ببعضها خلاف، وهي: الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب ولا عقاب. قال النووي وجماعة: هي مختصة به ﷺ، والشفاعة في أناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها. قال القاضي عياض وغيره: ويشترك فيها من يشاء الله تعالى. والشفاعة في إخراج من أدخل النار من الموحدين وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان وهي مختصة به ﷺ. والشفاعة في إخراج من أدخل منهم النار وفي قلبه أزيد من ذرة من إيمان، ويشاركه فيها الأنبياء والملائكة والمؤمنون. وظاهر هذا السياق أن المراد بمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلى آخره عام في أمته وغيرهم من الأمم. وهو يخالف قول بعضهم: جاء في الصحيح «فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. أي ومات على ذلك- قال: ليس ذلك لك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله» . ولا يشكل على ذلك قوله ﷺ: «أتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي» وفي رواية «ثلثي أمتي الجنة» أي بلا حساب ولا عذاب «وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا، فاخترت الشفاعة وعلمت أنها أوسع لهم» .
وفي رواية «ثلثي أمتي الجنة» أي بلا حساب ولا عذاب «وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا، فاخترت الشفاعة وعلمت أنها أوسع لهم» . لأنا نقول: المراد بالذين تناله شفاعته ﷺ ممن مات لا يشرك بالله شيئا
خصوص أمته: وأما من قيل له فيه ليس ذلك لك فهم الموحدون من الأمم السابقة فليتأمل مع ما سبق من شفاعة الأنبياء والملائكة والمؤمنين. والشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها. وجوّز النووي اختصاصها به ﷺ. والشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض الكفار كأبي طالب وأبي لهب في كل يوم اثنين بالنسبة لأبي لهب، والشفاعة لمن مات بالمدينة الشريفة، ولعل المراد أنه لا يحاسب. وقد أوصل ابن القيم شفاعاته ﷺ إلى أكثر من عشرين شفاعة. وفي رواية «أعطيت ما لم يعطه أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض» أي وفي لفظ «وبينا أنا نائم رأيتني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض، فوضعت بين يديّ» ولا منافاة، لأنه يجوز أنه أعطى ذلك يقظة بعد أن أعطيه مناما «وسميت أحمد» أي ومحمدا أي لأن أحدا من الأنبياء لم يسمّ بذلك، فهو من خصائصه ﷺ بالنسبة للأنبياء، كذا في الخصائص الصغرى، وتقدم أن التسمية بأحمد من خصائصه ﷺ على جميع الناس: وفي وصفه ﷺ نفسه بما ذكر، وقول عيسى ﵊ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: الآية ٣٠] الآية، وقول سليمان ﵊ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النّمل: الآية ١٦] الآية هو الأصل في ذكر العلماء مناقبهم في كتبهم، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) [الضّحى: الآية ١١] ومن قوله ﷺ: «التحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر» قال الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: الآية ٧] . صعد سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه المنبر فقال: الحمد لله الذي صيرني ليس فوقي أحد ثم نزل، فقيل له في ذلك؟ فقال: إنما فعلت ذلك إظهارا للشكر. وعن سفيان الثوري ﵀: من لم يتحدث بنعمة الله فقد عرّضها للزوال.
د لله الذي صيرني ليس فوقي أحد ثم نزل، فقيل له في ذلك؟ فقال: إنما فعلت ذلك إظهارا للشكر. وعن سفيان الثوري ﵀: من لم يتحدث بنعمة الله فقد عرّضها للزوال. والحق في ذلك التفصيل، وهو أن من خاف من التحدث بالنعمة وإظهارها الرياء، فعدم التحدث بها وعدم إظهارها أولى، ومن لم يخف ذلك فالتحدث بها وإظهارها أولى أي وفي الشفاء أنه أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، ويوم القيامة يحمده الأولون والآخرون لشفاعته لهم، فحقيق أن يسمى محمدا وأحمد، وتقدم أن هذا يوافق ما تقدم عن الهدى أن أحمد مأخوذ من الفعل الواقع على المفعول. وقد جاء «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي، وجعلت أمتي خير الأمم» . قال القاضي البيضاوي، وفي التسمية بالأسماء العربية تنويه إلى تعظيم المسمى، هذا كلامه. وفي رواية «لما أسري بي إلى السماء قرّبني ربي حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى، قيل لي: قد جعلت أمتك آخر الأمم لأفضح الأمم
عندهم» أي بوقوفهم على أخبارهم «ولا أفضحهم عند الأمم» أي لتأخرها عنهم، وعليه فالضمير في (دنا) يعود إليه ﷺ. وذكر بعضهم أن دَنا فَتَدَلَّى [النجم: الآية ٨] الآية، عبارة عن تقريبه تعالى للنبي ﷺ، فالضمير في دنا إلى آخره يعود إلى الله تعالى وهو معنى لطيف. وفي رواية «نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق» وفي رواية «نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، تنفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرّ محجلين من أثر الطهور» وفي رواية «من آثار الوضوء، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها» هذا، وفي رواية «غرا من أثر السجود محجلين من أثر الوضوء» وفي رواية «فضلت على الأنبياء بست» أي ولا مخالفة بين ذكر الخمس أولا وبين ذكر الست هنا، لأنه يجوز أن يكون اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، هذا على اعتبار مفهوم العدد، ثم أشار إلى بيان الست بقوله ﷺ: «أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة» والخلق يشمل الإنس والجن والملك والحيوانات والنبات والحجر. قال الجلال السيوطي: وهذا القول، أي إرساله للملائكة. رجحته في كتاب الخصائص وقد رجحه قبلي الشيخ تقي الدين السبكي، وزاد أنه مرسل لجميع الأنبياء والأمم السابقة من لدن آدم إلى قيام الساعة. ورجحه أيضا البارزي، وزاد أنه مرسل إلى جميع الحيوانات والجمادات، وأزيد على ذلك أنه أرسل إلى نفسه. وذهب جمع إلى أنه لم يرسل للملائكة منهم ما الحافظ العراقي في نكته على ابن الصلاح والجلال المحلي في شرح جمع الجوامع، ومشيت عليه في شرح التقريب. وحكى الفخر الرازي في تفسيره والبرهان النسفي في تفسيره فيه الإجماع هذا كلامه، وبهذا الثاني أفتى والد شيخنا الرملي، وعليه فيكون قوله ﷺ: «أرسلت للخلق كافة» وقوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: الآية ١] من العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص. ولا يشكل عليه حديث سلمان «إذا كان الرجل في أرض وأقام الصلاة صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى طرفاه، يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده» لأنه يجوز أن لا يكون ذلك صادرا عن بعثته إليهم.
إذا كان الرجل في أرض وأقام الصلاة صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى طرفاه، يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده» لأنه يجوز أن لا يكون ذلك صادرا عن بعثته إليهم. ولا يشكل ما ورد «بعثت إلى الأحمر والأسود» لما تقدم أن المراد بذلك العرب والعجم. وفي الشفاء: وقيل الحمر الإنس، والسود الجانّ، واستدل للقول الأول القائل بأنه أرسل للملائكة بقوله تعالى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ [الأنبياء: الآية ٢٩] أي من الملائكة إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء: الآية ٢٩] فهي إنذار للملائكة على لسانه ﷺ في القرآن العظيم الذي أنزل عليه، فثبت بذلك إرساله إليهم
ودعوى الإجماع منازع فيها، فهي دعوى غير مسموعة، ثم رأيت الجلال السيوطي ذكر هذا الاستدلال وهو واضح، وذكر تسعة أدلة أيضا، وهي لا تثبت المدعي الذي هو أن الملائكة يكلفون بشرعه ﷺ، كما لا يخفى على من رزق نوع فهم بالوقوف عليها. فعلم أنه ﷺ مرسل لجميع الأنبياء وأممهم على تقدير وجوده في زمنهم، لأن الله تعالى أخذ عليهم وعلى أممهم الميثاق على الإيمان به ونصرته مع بقائهم على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل، وتكون شريعته في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم، لأن الأحكام والشرائع تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات قاله السبكي: أي فجميع الأنبياء وأممهم من جملة أمته ﷺ، فقد قال ﷺ لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «والذي نفسي بيده لو أن موسى ﵊ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» . وأخرج أحمد وغيره عن عبد الله بن ثابت، قال: «جاء عمر رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ فقال عمر: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا، فسرّى عن رسول الله ﷺ، وقال: والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم، «إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين» .
ينا، وبمحمد ﷺ رسولا، فسرّى عن رسول الله ﷺ، وقال: والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم، «إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين» . وفي النهر لأبي حيان «إن عبد الله بن سلام استأذن رسول الله ﷺ أن يقيم على السبت، وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل فلم يأذن له» وكون جميع الأنبياء وأممهم من أمته ﷺ، فالمراد أمة الدعوة لا أمة الإجابة لأنها مخصوصة بمن آمن به بعد البعثة على ما تقدم ويأتي. وبعثته ﷺ رحمة حتى للكفار بتأخير العذاب عنهم، ولم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم المكذبة، وحتى للملائكة، قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: الآية ١٠٧] . وقد ذكر في الشفاء أن النبي ﷺ قال لجبريل: «هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى العاقبة، فآمنت لثناء الله تعالى عليّ في القرآن بقوله ﷿: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) [التكوير: الآية ٢٠] » . قال الجلال السيوطي: إن هذا الحديث لم نقف له على إسناد، فهو ﷺ أفضل من سائر المرسلين وجميع الملائكة المقربين، وفي لفظ آخر «فضلت على الأنبياء بست لم يعطهن أحد كان قبلي: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأحلت لي الغنائم، وجعلت أمتي خير الأمم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الكوثر، ونصرت بالرعب، والذي نفسي بيده إن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه» وفي رواية «فما من أحد إلا وهو تحت لوائي يوم القيامة
ينتظر الفرج، وإن معي لواء الحمد، أنا أمشي ويمشي الناس معي حتى آتي باب الجنة» الحديث. أقول: قد سئلت عما حكاه الجلال السيوطي أنه ورد إلى مصر نصراني من الفرنج وقال لي: شبهة إن أزلتموها أسلمت، فعقد له مجلس بدار الحديث الكاملية، ورأس العلماء إذ ذاك الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقال له النصراني والناس يسمعون: أي أفضل عندكم المتفق عليه، أو المختلف فيه؟ فقال له الشيخ عز الدين: المتفق عليه، فقال له النصراني: قد اتفقنا نحن وأنتم على نبوة عيسى واختلفنا في نبوة محمد ﷺ فيلزم أن يكون عيسى أفضل من محمد، فأطرق الشيخ عز الدين ساكتا من أول النهار إلى الظهر حتى ارتج المجلس واضطرب أهله، ثم رفع الشيخ رأسه وقال عيسى قال لبني إسرائيل وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصّف: الآية ٦] فيلزمك أن تتبعه فيما قال، وتؤمن بأحمد الذي بشر به فأقام الحجة على النصراني وأسلم بأنه كيف أقام الحجة على كون محمد ﷺ أفضل من عيسى إذ غاية ما ذكر أن محمدا رسول الله ﷺ. فأجبت بأنه حيث ثبت أن محمدا رسول الله وجب الإيمان به وبما جاء به ومما جاء به، وأخبر به أنه أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد سئل أبو الحسن الحمال بالحاء المهملة من فقهائنا معاشر الشافعية: محمد وموسى أيهما أفضل؟ فقال محمد، فقيل له: ما الدليل على ذلك؟ فقال: إنه تعالى أدخل بينه وبين موسى لام الملك فقال تعالى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) [طه: الآية ٤١] وقال لمحمد ﷺ: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: الآية ١٠] ففرق بين من أقام بوصفه وبين من أقامه مقام نفسه والله أعلم.
وقال لمحمد ﷺ: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: الآية ١٠] ففرق بين من أقام بوصفه وبين من أقامه مقام نفسه والله أعلم. وفي رواية «إذا كان يوم القيامة كان لي لواء الحمد وكنت إمام المرسلين وصاحب شفاعتهم» وفي لفظ «ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر، وأنا أول شافع، وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة: أي حلق بابها، فيفتح الله لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر» أي وفي رواية «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، أي بتحريك حلقة الباب أو قرعه بها لا بصوت، فيقول الخازن أي وهو رضوان: من أنت؟ فأقول محمد» وفي رواية «أنا محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح» وفي رواية «أن لا أفتح لأحد قبلك» زاد في رواية «ولا أقوم لأحد بعدك لأفتح له» فمن خصائصه ﷺ أن رضوان لا يفتح إلا له، ولا يفتح لغيره من الأنبياء وغيرهم، وإنما يتولى ذلك غيره من الخزنة، وهي خصوصية عظيمة نبه عليها القطب الخضري، وكون الفاتح له ﷺ الخازن لا ينافي ما قبله من كون الفاتح له الحق ﷾ لما علم أن الخازن إنما فتح بأمر الله فهو الفاتح الحقيقي.
مة نبه عليها القطب الخضري، وكون الفاتح له ﷺ الخازن لا ينافي ما قبله من كون الفاتح له الحق ﷾ لما علم أن الخازن إنما فتح بأمر الله فهو الفاتح الحقيقي.
وفي رواية «أنا أول من يفتح له باب الجنة ولا فخر فآتي فآخذ بحلقة الجنة، فيقال من هذا؟ فأقول محمد، فيفتح لي، فيستقبلني الجبار ﷻ فأخر له ساجدا» أي فالكلام في يوم القيامة، فلا يرد إدريس بناء على أن دخوله الجنة مترتب على فتح الباب غالبا، لأن ذلك قبل يوم القيامة، وفي يوم القيامة يخرج إلى الموقف، فيكون مع أمته للحساب. ولا ينافيه ما جاء «أول من يقرع باب الجنة بلال ابن حمامة» على تقدير صحته، لأنه يجوز أن يكون يقرع الباب الأصليّ لا حلقه، أو الأول من الأمة والله أعلم. وفي الأوسط للطبراني بإسناد حسن «حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي» وسيأتي أن هذا من جملة ما أوحي إليه ليلة المعراج، الذي أشار إليه قوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) [النّجم: الآية ١٠] ولعل هذا هو المراد مما جاء في المرفوع عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «حرمت الجنة على جميع الأمم حتى أدخلها أنا وأمتي» وأن ظاهرها من أنه لا يدخلها أحد من الأنبياء إلا بعد دخول هذه الأمة ليس مرادا. وفي هاتين الروايتين منقبة عظيمة لهذه الأمة المحمدية، وهي أنه لا يدخل أحد الجنة من الأمم السابقة ولو من صلحائها وعلمائها وزهادها حتى يدخل من كان يعذب في النار من عصاة هذه الأمة بناء على أنه لا بد من تعذيب طائفة من هذه الأمة في النار. ولا بعد في ذلك، لأنه تقدم أن أول من يحاسب من الأمم، هذه الأمة. فيجوز أن الأمم لا يفرغ حسابهم، ولا يأتون إلى باب الجنة إلا وقد خرج من كان يعذب من هذه الأمة في النار ودخل الجنة. وجاء «إنه يدخلها قبله من أمته سبعون ألفا مع كل واحد سبعون ألفا لا حساب عليهم» وذلك معارض لقوله ﷺ: «أنا أول من يدخل الجنة» إلا أن يقال: أول من يدخل الجنة من الباب، وهؤلاء السبعون ألفا ورد أنهم يدخلون من أعلى حائط الجنة فلا معارضة. ولا يعارض ذلك ما جاء «أول من يدخل الجنة أبو بكر» لأن المراد أول من يدخلها من رجال هذه الأمة غير الموالي.
د أنهم يدخلون من أعلى حائط الجنة فلا معارضة. ولا يعارض ذلك ما جاء «أول من يدخل الجنة أبو بكر» لأن المراد أول من يدخلها من رجال هذه الأمة غير الموالي. ولا يعارض ذلك ما تقدم عن بلال رضي الله تعالى عنه «أنه أول من يقرع باب الجنة» لأنه لا يلزم من القرع الدخول وعلى تسليم أن القرع كناية عن الدخول، فالمراد من الموالي. ولا يعارض ذلك أيضا ما جاء «أول من يدخل الجنة بنتي فاطمة» كما لا يخفى، لأن المراد أول من يدخلها من نساء هذه الأمة فالأولية إضافية.
وجاء «لأشفعنّ يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من حجر وشجر» وعن أنس رضي الله تعالى عنه «فضلت على الناس بأربع: بالسخاء، والشجاعة، وقوة البطش، وكثرة الجماع» أي فعن سلمى مولاته ﷺ أنها قالت «طاف رسول الله ﷺ على نسائه التسع ليلته وتطهر من كل واحدة قبل أن يأتي الأخرى وقال: هذا أطهر وأطيب» . ومما يدل على قوة بطشه ﷺ ما وقع له مع ركانة كما سيأتي. وفي الخصائص الصغرى: وكان أفرس العالمين، فهو ﷺ أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأشجعهم وأعلمهم وأكملهم في جميع الأخلاق الجميلة والأوصاف الحميدة. قال ابن عبد السلام: من خصائصه ﷺ أن الله تعالى أخبره بالمغفرة: أي لما تقدم وتأخر، ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك: أي ولأنه لو وقع لنقل لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله، بل ومما اختص به ﷺ وقوع غفران نفس الذنب المتقدم والمتأخر، كما تقدم من قوله ﷺ في بيان ما اختص به عن الأنبياء «وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر» أي ولا ينافي ذلك قوله تعالى في حق داود فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ص: الآية ٢٥] لأنه غفران لذنب واحد. قال ابن عبد السلام: بل الظاهر أنه لم يخبرهم أي بغفران ذنوبهم، بدليل قولهم في الموقف «نفسي نفسي، لأني» إلى آخره. وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع بي من يهودي أو نصراني ثم لم يسلم دخل النار» أي لأنه يجب عليه أن يؤمن به.
أني» إلى آخره. وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع بي من يهودي أو نصراني ثم لم يسلم دخل النار» أي لأنه يجب عليه أن يؤمن به. أقول: والذي في مسلم «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» أي من سمع بنبينا ﷺ ممن هو موجود في زمنه وبعده إلى يوم القيامة ثم مات غير مؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار. أي ومن جملة ما أرسل به أنه أرسل إلى الخلق كافة لا لخصوص العرب تأمل، وإنما خص اليهود والنصارى بالذكر تنبيها على غيرهما لأنه إذا كان حالهما ذلك مع أن لهم كتابا فغيرهم مما لا كتاب له كالمجوسي أولى، لأن اليهود كتابهم التوراة، والنصارى كتابهم الإنجيل لأن شريعة التوراة التي هي شريعة موسى يقال لها اليهودية أخذا من قول موسى ﵊ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: الآية ١٥٦] أي رجعنا إليك، فمن كان على دين موسى يسمى يهوديا، وشريعة الإنجيل يقال لها النصرانية، أخذا من قول عيسى ﵊ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: الآية ٥٢] فمن كان على دين عيسى يسمى نصرانيا، وكان القياس أن يقال له أنصاري. وقيل النصراني نسبة إلى ناصرة قرية من قرى الشام نزل بها عيسى ﵇ كما تقدم، ولا مانع من رعاية الأمرين في ذلك. وجاء في رواية «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» أي والأمم السابقة كانوا يصلون متفرقين كل واحد على حدته، وإن أمته ﷺ حط عنها الخطأ والنسيان وحمل ما لا تطيقه،
ء في رواية «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» أي والأمم السابقة كانوا يصلون متفرقين كل واحد على حدته، وإن أمته ﷺ حط عنها الخطأ والنسيان وحمل ما لا تطيقه،
الذي أشارت إليه خواتيم سورة البقرة، وإن شيطانه ﷺ أسلم وفي الخصائص الصغرى «وأسلم قرينه» ومجموع تلك الخصال سبع عشرة خصلة. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وذكر أبو سعيد النيسابوري في كتابه «شرف المصطفى» أنه عد الذي اختص به نبينا ﷺ عن الأنبياء فإذا هو ستون خصلة: أي ومن ذلك أي مما اختص به ﷺ في أمته أن وصف الإسلام خاص بها لم يوصف به أحد من الأمم السابقة سوى الأنبياء فقط فقد شرفت هذه الأمة المحمدية بأن وصفت بالوصف الذي كان يوصف به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو الإسلام على القول الراجح نقلا ودليلا لما قام عليه من الأدلة الساطعة قاله الجلال السيوطي ﵀.
باب: بدء الوحي له ﷺ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من النبوة حين أراد الله تعالى كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصالحة «لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق» أي وفي لفظ «كفرق الصبح» أي كضيائه وإنارته، فلا يشك فيها أحد كما لا يشك أحد في وضوح ضياء الصبح ونوره. وفي لفظ «فكان لا يرى شيئا في المنام إلا كان» أي وجد في اليقظة كما رأى، فالمراد بالصالحة الصادقة. وقد جاءت في رواية البخاري في التفسير: أي ولا يخفى أن رؤيا النبي ﷺ كلها صادقة وإن كانت شاقة كما في رؤياه يوم أحد. قال القاضي وغيره وإنما ابتدئ رسول الله ﷺ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك الذي هو جبريل ﵇ بالنبوة: أي الرسالة، فلا تتحملها القوى البشرية: أي لأن القوى البشرية لا تتحمل رؤية الملك وإن لم يكن على صورته التي خلقه الله عليها ولا على سماع صورته ولا على ما يخبر به لا سيما الرسالة، فكانت الرؤيا تأنيسا له ﷺ والمراد بالملك جبريل، لكن ذكر بعضهم أن من لطف الله تعالى بنا عدم رؤيتنا للملائكة أي على الصورة التي خلقوا عليها لأنهم خلقوا على أحسن صورة فلو كنا نراهم لطارت أعيننا وأرواحنا لحسن صورهم.
أن من لطف الله تعالى بنا عدم رؤيتنا للملائكة أي على الصورة التي خلقوا عليها لأنهم خلقوا على أحسن صورة فلو كنا نراهم لطارت أعيننا وأرواحنا لحسن صورهم. وعن علقمة بن قيس «أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام، أي ما يكون في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي» اهـ: أي في اليقظة لأن رؤيا الأنبياء وحي وصدق وحق، لا أضغاث أحلام ولا تخيل من الشيطان، إذ لا سبيل له عليهم، لأن قلوبهم نورانية، فما يرونه في المنام له حكم اليقظة، فجميع ما ينطبع في عالم مثالهم لا يكون إلا حقا، ومن ثم جاء «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» . أقول: وحينئذ يكون في القول بأن من خصوصياته ﷺ اجتماع أنواع الوحي
الثلاثة له وعد منها الرؤيا في المنام، وعد منها الكلام من غير واسطة، وبواسطة جبريل نظر، لما علمت أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعهم مشتركون في الرؤيا، وموسى ﵊ حصل له كل من الكلام بلا واسطة وبواسطة جبريل. وذكر بعضهم أن مدة الرؤيا ستة أشهر قال فيكون ابتداء الرؤيا حصل في شهر ربيع الأول، وهو مولده ﷺ ثم أوحى الله إليه في اليقظة أي في رمضان ذكره البيهقي وغيره. وجاء في الحديث: «الرؤيا الصادقة» وفي البخاري «الرؤيا الحسنة: أي الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزآ من النبوة» . قال بعضهم: معناه أن النبي ﷺ حين بعث أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين يوحي إليه ومدة الوحي إليه في اليقظة ثلاث وعشرون سنة، ومدة الوحي إليه في المنام أي التي هي الرؤيا ستة أشهر، فالمراد خصوص رؤيته وخصوص نبوته ﷺ، وهذا القيل نقله في الهدى وأقره حيث قال: كانت الرؤيا ستة أشهر، ومدة النبوة ثلاثا وعشرين سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزآ، هذا كلامه. وحينئذ يكون المعنى ورؤيتي جزء من ستة وأربعين جزآ من نبوتي، ولا يخفى أن هذا لا يناسب «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح» إذ هو يقتضي أن مطلق الرؤيا الصالحة جزء من مطلق النبوة الشامل لنبوته ﷺ ونبوة غيره فليتأمل. ولم أقف في كلام أحد على مشاركة أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام له ﷺ في هاتين المدتين. وحينئذ تحمل الخصوصية التي ادعاها بعضهم على هذا. ومما يدل على أن المراد مطلق الرؤيا ومطلق النبوة لا خصوص رؤياه ونبوته ﷺ، ما جاء في ذلك من الألفاظ التي بلغت خمسة عشر لفظا. ففي رواية «أنها جزء من سبعين جزآ» وفي رواية «من أربعة وأربعين» وفي رواية «أنها جزء من خمسين جزآ من النبوة» وفي رواية «من تسعة وأربعين» وفي أخرى «أنها جزء من ستة وسبعين» وفي أخرى «من خمسة وعشرين جزآ» وفي أخرى «من ستة وعشرين جزآ» وفي أخرى «من أربعة وعشرين جزآ» فإن ذلك باعتبار الأشخاص لتفاوت مراتبهم في الرؤيا. وذكر الحافظ ابن حجر أن أصح الروايات مطلقا رواية ستة وأربعين، ويليها رواية أنها جزء من سبعين جزآ.
آ» فإن ذلك باعتبار الأشخاص لتفاوت مراتبهم في الرؤيا. وذكر الحافظ ابن حجر أن أصح الروايات مطلقا رواية ستة وأربعين، ويليها رواية أنها جزء من سبعين جزآ. فعلم أن الرؤية المذكورة جزء من مطلق النبوة: أي كجزء منها من جهة الاطلاع على بعض الغيب، فلا ينافي انقطاع النبوة بموته ﷺ.
ومن ثم جاء «ذهبت النبوة» أي لا توجد بعدي. «وبقيت المبشرات» أي المرائي التي كانت مبشرات للأنبياء بالنبوة، بدليل ما في رواية «لم يبق بعدي من المبشرات» أي مبشرات النبوة «إلا الرؤيا» أي مجرد الرؤيا الخالية عن شيء من مبشرات النبوة، بدليل ما في لفظ «لم يبق إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم» أي لنفسه «أو ترى له» . لا يقال: الرؤيا الصادقة تكون من الكافر أو ترى له، وهو خارج بالرجل الصالح وبالمسلم. لأنا نقول: لو فرض وقوع ذلك كان استدراجا. وفيه أنها واقعة، وظاهر سياق الحديث الحصر، وكما تكون الرؤيا مبشرة بخير عاجل أو آجل تكون منذرة بشر كذلك قال بعضهم: وقد تطلق البشارة التي هي الخبر السار على ما يشمل النذارة التي هي الخبر الضار بعموم المجاز، بأن يراد بالبشارة ما يعود إلى الخير، لأن النذارة ربما قادت إلى الخير. وفي الإتقان: ومن المجاز تسمية الشيء باسم ضده نحو فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: الآية ٢١] اهـ أي وهي في هذه الآية للتهكم. وجاء رجل أي وهو أبو قتادة الأنصاري إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله إني أرى في المنام الرؤيا تمرضني، فقال له النبي ﷺ: الرؤيا الحسنة من الله، والسيئة من الشيطان، فإذا رأيت الرؤيا تكرهها فاستعذ بالله من الشيطان واتفل عن يسارك ثلاث مرات فإنها لا تضرك» أي وحكمة التفل احتقار الشيطان واستقذاره. وفي رواية «إذا رأى أحدكم ما يكره فليعذ بالله من شرها ومن الشيطان، كأن يقول: أعوذ بالله من شر ما رأيت ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثا، ولا يحدّث بها أحدا فإنها لا تضره» زاد في رواية «وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه» زاد في أخرى «وليقم فليصلّ» أي ليكون فعل ذلك سببا للسلامة من المكروه الذي رآه.
بها أحدا فإنها لا تضره» زاد في رواية «وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه» زاد في أخرى «وليقم فليصلّ» أي ليكون فعل ذلك سببا للسلامة من المكروه الذي رآه. وفي البخاري «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليتحدث بها: أي ولا يخبر بها إلا من يحب، وإذا رأى غير ذلك مما كره فإنما هي من الشيطان» أي لا حقيقة لها، وإنما هي تخيل يقصد به تخويف الإنسان والتهويل عليه «فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» وفي الأذكار «ثم ليقل: اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان وسيئات الأحلام» وفي الحديث «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان» . قيل في معناه لأن صاحب الرؤيا يرى الشيء على ما هو عليه، بخلاف صاحب الحلم فإنه يراه على خلاف ما هو عليه، فإن الحلم مأخوذ من حلم الجلد: إذا فسد. والرؤيا قيل إنها أمثلة يدركها الرائي بجزء من القلب لم تستول عليه آفة النوم،
وإذا ذهب النوم من أكثر القلب كانت الرؤيا أصفى وذكر الفخر الرازي أن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها، أي أثرها عن قرب، والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين. والسبب فيه أن حكمة الله تعالى تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل. وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدما على ظهوره بزمان طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذكر الخير أكثر، وهذا جري على ما هو الغالب، وإلا فقد قيل لجعفر الصادق: كم تتأخر الرؤيا؟ فقال: «رأى النبي ﷺ في منامه كأن كلبا أبقع يلغ في دمه» فكان أي ذلك الكلب الأبقع شمرا قاتل الحسين وكان أبرص، فكان تأخير الرؤيا بعد خمسين سنة. وجاء عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: «إذا خلوت سمعت نداء أن يا محمد يا محمد» وفي رواية «أرى نورا» أي يقظة لا مناما «وأسمع صوتا وقد خشيت أن يكون والله لهذا الأمر» وفي رواية «والله ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط ولا الكهان، وإني لأخشى أن أكون كاهنا» أي فيكون الذي يناديني تابعا من الجن، لأن الأصنام كانت الجن تدخل فيها، وتخاطب سدنتها، والكاهن يأتيه الجني بخبر السماء وفي رواية «وأخشى أن يكون بي جنون» أي لمة من الجن «فقالت: كلا يا بن عم ما كان الله ليفعل ذلك بك، فو الله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث» وفي رواية «إن خلقك لكريم» أي فلا يكون للشيطان عليك سبيل. استدلت رضي الله تعالى عنها بما فيه من الصفات العلية والأخلاق السنية على أنه لا يفعل به إلا خيرا، لأن من كان كذلك لا يجزى إلا خيرا. ونقل الماوردي عن الشعبي أن الله قرن إسرافيل ﵇ بنبيه ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه، يعلمه الشيء بعد الشيء ولا يذكر له القرآن، فكان في هذه المدة مبشرا بالنبوة، وأمهله هذه المدة ليتأهب لوحيه.



