— Bagian 15 · برجعة محمد، وقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَ… —
Bagian 15
برجعة محمد، وقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [القصص: الآية ٨٥] فمحمد أحق بالرجوع من عيسى. وأظهر أمر الوصية: أي أن عليا رضي الله تعالى عنه أوصى له ﷺ بالخلافة، وكان هو السبب في إثارة الفتنة التي قتل فيها عثمان رضي الله تعالى عنه كما سيأتي. ومن غلاة الشيعة من قال بألوهية أصحاب الكساء الخمسة: محمد ﷺ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم. ومنهم من قال «بألوهية جعفر الصادق وألوهية آبائه» وهم الحسين وابنه زين العابدين وابن زين العابدين محمد الباقر، وهؤلاء الشيعة موافقون في ذلك لمن يقول بالحلول، وهم الحلاجية أصحاب حسين بن منصور الحلاج. كانوا إذا رأوا صورة جميلة زعموا أن معبودهم حل فيها. وممن زعم الحلول حتى ادعى الألوهية المقنع عطاء الخراساني، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة ادعى أن الله ﷿ حل في صورة آدم، ثم في صورة نوح ثم إلى أن حل في صورته هو، فافتنن به خلق كثير بسبب التمويهات التي أظهرها لهم، فإنه كان يعرف شيئا من السحر والنيرنجيات، فقد أظهر قمرا يراه الناس من مسافة شهرين من موضعه ثم يغيب. ولما اشتهر أمره ثار عليه الناس وقصدوه ليقتلوه. وجاؤوا إلى القلعة التي كان متحصنا بها. فلما علم ذلك أسقى أهله سما فماتوا ومات، ودخل الناس تلك القلعة فقتلوا من بقي حي بها من أتباعه. والقول بالاتحاد كفر، فقد قال العز بن عبد السلام: من زعم أن الإله يحل في شيء من أجسام الناس أو غيرهم فهو كافر، وأشار إلى أنه كافر إجماعا من غير خلاف. وأنه لا يجري فيه الخلاف الذي جرى في تكفير المجسمة، ومن ثم ذكر القاضي عياض في الشفاء أن من ادعى حلول الباري في أحد الأشخاص كان كافرا بإجماع المسلمين. وقول بعض العارفين وهو أبو يزيد البسطامي: سبحاني ما أعظم شأني، وقوله:
عياض في الشفاء أن من ادعى حلول الباري في أحد الأشخاص كان كافرا بإجماع المسلمين. وقول بعض العارفين وهو أبو يزيد البسطامي: سبحاني ما أعظم شأني، وقوله: «إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدون. وقوله: وأنا ربي الأعلى، وقوله: أنا الحق وهو أنا وأنا هو: ليس من دعوى الحلول في شيء، وإنما قوله: سبحاني إني أنا الله، محمول على الحكاية: أي قال ذلك على لسان الحق من باب حديث «إن الله تعالى قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده» وقوله أنا ربي الأعلى وأنا الحق الخ. إنما قال ذلك لأنه انتهى سلوكه إلى الله تعالى، بحيث استغرق في بحر التوحيد، بحيث غاب عن كل ما سواه سبحانه، وصار لا يرى في الوجود غيره ﷾، الذي هو مقام الفناء ومحو النفس وتسليم الأمر كله له تعالى، وترك الإرادة منه والاختيار. فالعارف إذا وصل إلى هذا المقام ربما قصرت عبارته عن بيان ذلك الحال
الذي نازله فصدرت عنه تلك العبارة الموهمة للحلول. وقد اصطلحوا على تسمية هذا المقام الذي هو مقام الفناء بالاتحاد. ولا مشاحة في الاصطلاح لأنه اتحد مراده بمراد محبوبه، فصار المرادان واحدا لفناء إرادة المحب في مراد المحبوب، فقد فني عن هوى نفسه وحظوظها فصار لا يحب إلا الله ولا يبغض إلا الله، ولا يوالي إلا الله، ولا يعادي إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، ولا يرجو إلا لله، ولا يستعين إلا بالله فيكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وفي كلام سيدي عليّ رضي الله تعالى عنه حيث أطلق القول بالاتحاد في كلام القوم من الصوفية، فمرادهم فناء مرادهم في مراد الحق جل وعلا، كما يقول بين فلان وفلان اتحاد إذا عمل كل منهما على وفق مراد الآخر وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النّحل: الآية ٦٠] هذا كلامه رضي الله تعالى عنه ورضي عنا به، وهذا مقام غير مقام الوحدة المطلقة الخارجة عن دائرة العقل التي ذكر السعد والسيد أن القول بها باطل وضلال: أي لأنه يلزم عليها القول بالجمع بين الضدين.
، وهذا مقام غير مقام الوحدة المطلقة الخارجة عن دائرة العقل التي ذكر السعد والسيد أن القول بها باطل وضلال: أي لأنه يلزم عليها القول بالجمع بين الضدين. فقد قال بعض العلماء: حضرة الجمع عبارة عن شهود اجتماع الرب، والعبد في حال فناء العبد، فيكون العبد معدوما موجودا في آن واحد، ولا يدرك ذلك إلا من أشهده الله الجمع بين الضدين، ومن لم يشهد ذلك أنكره. ويجوز أن يكون الجسد للملك متعددا، وعليه فمن الممكن أن يجعل الله لروح الملك قوة يقدر بها على التصرف في جسد آخر غير جسدها المعهود مع تصرفها في ذلك الجسد المعهود كما هو شأن الأبدال، لأنهم يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم شبحا آخر مشبها لشبحهم الأصلي بدلا عنه. وقد ذكر ابن السبكي في الطبقات أن كرامات الأولياء أنواع، وعد منها أن يكون لهم أجساد متعددة، قال: وهذا الذي تسميه الصوفية بعالم المثال، ومنه قصة قضيب البان وغيره: أي كواقعة الشيخ عبد القادر الطحطوطي نفعنا الله تعالى به. فقد ذكر الجلال السيوطي رحمه الله تعالى أنه رفع إليه سؤال في رجل حلف بالطلاق أن وليّ الله الشيخ عبد القادر الطحطوطي بات عنده ليلة كذا فحلف آخر بالطلاق أنه بات عنده تلك الليلة بعينها، فهل يقع الطلاق على أحدهما! قال: فأرسلت قاصدي إلى الشيخ عبد القادر فسأله عن ذلك، فقال: ولو قال أربعة إني بت عندهم لصدقوا فأتيت أنه لا حنث على واحد منهما لأن تعدد الصور بالتخيل والتشكل ممكن كما يقع ذلك للجان. وقد قيل في الأبدال: إنهم إنما سموا أبدالا لأنهم قد يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم الأول شبحا آخر شبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه، ويقال عالم
المثال كما تقدم، فهو عالم متوسط بين عالم الأجساد وعالم الأرواح، فهو ألطف من عالم الأجساد، وأكثف من عالم الأرواح، فالأرواح تتجسد وتظهر في صور مختلفة من عالم المثال. قال: وهذا الجواب أولى مما تكلفه بعضهم في الجواب عن جبريل، بأنه كان يندمج بعضه في بعض أي الذي أجاب به الحافظ ابن حجر. ومما يدل على وجود المثال رؤيته ﷺ للجنة والنار في عرض الحائط وقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف: الآية ٢٤] بأنه مثل له يعقوب بمصر وهو بالشام. ومن ذلك ما اشتهر أن الكعبة شوهدت تطوف ببعض الأولياء في غير مكانها. وممن وقع له ذلك أبو يزيد البسطامي والشيخ عبد القادر الجيلي والشيخ إبراهيم المتبولي نفعنا الله تعالى ببركاتهم، ولعل مجيء جبريل على صورة دحية كان في المدينة بعد إسلام دحية وإسلامه كان بعد بدر، فإنه لم يشهدها وشهد المشاهد بعدها، إذ يبعد مجيئه على صورة دحية قبل إسلامه. قال الشيخ الأكبر رضي الله تعالى عنه: دحية الكلبي كان أجمل أهل زمانه وأحسنهم صورة، فكان الغرض من نزول جبريل على سيدنا محمد ﷺ في صورته إعلاما من الله تعالى أنه ما بيني وبينك يا محمد سفير إلا صورة الحسن والجمال، وهي التي لك عندي، فيكون ذلك بشرى له ولا سيما إذا أتى بأمر الوعيد والزجر، فتكون تلك الصورة الجميلة تسكن منه ما يحركه ذلك الوعيد والزجر هذا كلامه، وهو واضح لو كان لا يأتيه إلا على تلك الصورة الجميلة، إلا أن يدعي أن من حين أتاه على صورة دحية لم يأته على صورة آدمي غيره، وتكون واقعة سيدنا عمر سابقة على ذلك، لكن تقدم أنه كان إذا أتاه على صورة الآدمي يأتيه بالوعد والبشارة: أي بالوعيد والزجر فليتأمل. وفي البرهان للزركشي في التنزيل أي تلقي القرآن طريقان: أحدهما أن رسول الله ﷺ انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل: أي لأن الأنبياء يحصل لهم الانسلاخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة الإلهية من غير اكتساب فيما هو أقرب من لمح البصر.
ية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل: أي لأن الأنبياء يحصل لهم الانسلاخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة الإلهية من غير اكتساب فيما هو أقرب من لمح البصر. والثاني أن الملك انخلع من الملكية إلى البشرية حتى أخذه رسول الله ﷺ منه هذا كلامه. والراجح أن المنزّل اللفظ، والمعنى تلقفه جبريل من الله تعالى تلقفا روحانيا، أو أن الله تعالى خلق تلك الألفاظ أي الأصوات الدالة عليها في الجو وأسمعها جبريل، وخلق فيه علما ضروريا أنها دالة على ذلك المعنى القديم القائم بذاته تعالى، وأوحاه إليه ﷺ كذلك، أو حفظه جبريل من اللوح المحفوظ ونزل به.
واعلم أن من حالات الوحي النفث: أي أنه كان ينفث في روعه الكلام نفثا قال ﷺ: «إن روح القدس» أي المخلوق من الطهارة يعني جبريل «نفث» أي ألقى. والنفث في الأصل: النفخ اللطيف الذي لا ريق معه «في روعي» بضم الراء: أي قلبي «أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» أي عاملوا بالجميل في طلبكم، وتتمته «ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله» أي كالكذب «فإن ما عند الله لن ينال إلا بطاعته» . وفي كلام ابن عطاء الله: الإجمال في الطلب يحتمل وجوها كثيرة: منها أن لا يطلبه مكبا عليه مشتغلا عن الله تعالى به. ومنها أن يطلبه من الله تعالى ولا يعين قدرا ولا وقتا، لأن من طلب وعين قدرا أو وقتا فقد تحكم على ربه وأحاطت الغفلة بقلبه. ومنها أن يطلب وهو شاكر لله إن أعطى، وشاهد حسن اختياره إذا منع. ومنها أن يطلب من الله تعالى ما فيه رضاه، ولا يطلب ما فيه حظوظ دنياه. ومنها أن يطلب ولا يستعجل الإجابة. وفي حديث ضعيف «اطلبوا الحوائج بعزة النفس، فإن الأمور تجري بالمقادير» . ومن حالات الوحي أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس: وهي أشد الأحوال عليه ﷺ: أي لما قيل إنه كان يأتيه في هذه الحالة بالوعيد والنذارة. أقول: روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها «أن الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه، وهو أخو أبي جهل لأبويه، وكان يضرب به المثل في السؤدد حتى قال الشاعر: أحسبت أن أباك حين تسبني ... في المجد كان الحارث بن هشام
هشام رضي الله تعالى عنه، وهو أخو أبي جهل لأبويه، وكان يضرب به المثل في السؤدد حتى قال الشاعر: أحسبت أن أباك حين تسبني ... في المجد كان الحارث بن هشام أولى قريش بالمكارم والندى ... في الجاهلية كان والإسلام أسلم يوم الفتح، وسيأتي أنه استجار في ذلك اليوم بأم هانئ أخت علي بن أبي طالب وأراد عليّ قتله، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» وحسن إسلامه، وشهد حنينا، وكان من المؤلفة كما سيأتي «سأل رسول الله ﷺ كيف يأتيك الوحي؟ أي حامله الذي هو جبريل، قال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ، فيقصم. بالفاء- أي يقلع عني وقد وعيت ما قال» وفي رواية «يأتيني أحيانا له صلصلة كصلصلة الجرس، وأحيانا يتمثل لي الملك الذي هو حامل الوحي رجلا» أي يتصور بصورة الرجل. وفي رواية «في صورة الفتي، فيكلمني فأعي ما يقول» وروي أنه في الحالة الثانية ينفلت منه ما يعيه بخلاف الحالة الأولى.
ونص هذه الرواية «كان الوحي يأتيني على نحوين، يأتيني جبريل فيلقيه عليّ كما يلقي الرجل على الرجل، فذلك ينفلت مني. ويأتيني في شيء مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذاك الذي لا ينفلت مني» . قيل وإنما كان ينفلت منه في الحالة الأولى لشدة تأنسه بحامله، لأنه يأتي إليه في صورة يعهدها ويخاطبه بلسان يعهده، فلا يثبت فيما ألقي إليه بخلافه في الحالة الثانية، لأن سماع مثل هذا الصوت الذي يفزع منه القلب مع عدم رؤية أحد يخاطبه إذا علم أنه وحي اضطر إلى التثبت في ذلك، وقولنا: أي حامله يخالف قول الحافظ ابن حجر حيث ذكر أن قوله مثل صلصلة الجرس بين بها صفة الوحي لا صفة حامله. وفيه أن ذلك لا يناسب قوله وقد وعيت ما قال، وقول بعضهم: الصلصلة المذكورة هي صوت الملك بالوحي، وقوله: «يأتيني أحيانا له صلصلة كصلصلة الجرس، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا» وكان ﷺ يجد ثقلا عند نزول الوحي، ويتحدر جبينه عرقا في البرد كأنه الجمان، وربما غط كغطيط البكر محمرة عيناه. وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه «كان إذا نزل الوحي على رسول الله ﷺ ثقل لذلك. ومرة وقع فخذه على فخذي، فو الله ما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله ﷺ. وربما أوحي إليه وهو على راحلته فترعد حتى يظن أن ذراعها ينفصم وربما بركت» . أي وجاء «أنه لما نزلت سورة المائدة عليه ﷺ كان على ناقته فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها» . وفي رواية «فاندق كتف راحلته العضباء من ثقل السورة» ولا يخالفه ما قبله لأنه جاز أن يكون حصل لها ذلك فكان سببا لنزوله ثم رأيت في رواية ما يصرح بذلك. وجاء «ما من مرة يوحي إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض منه» وعن أسماء بنت عميس «كان رسول الله ﷺ إذ انزل عليه الوحي يكاد يغشى عليه» وفي رواية «يصير كهيئة السكران» . أقول: أي يقرب من حال المغشي عليه لتغيره عن حالته المعهودة تغيرا شديدا حتى تصير صورته صورة السكران: أي مع بقاء عقله وتمييزه. ولا ينافي ذلك قول بعضهم: ذكر العلماء أنه ﷺ كان يؤخذ عن الدنيا، لأنه يجوز أن يكون مع ذلك على عقله وتمييزه على خلاف العادة، وهذا هو اللائق بمقامه ﷺ، وحينئذ لا ينتفض وضوءه.
ضهم: ذكر العلماء أنه ﷺ كان يؤخذ عن الدنيا، لأنه يجوز أن يكون مع ذلك على عقله وتمييزه على خلاف العادة، وهذا هو اللائق بمقامه ﷺ، وحينئذ لا ينتفض وضوءه. ثم رأيت صاحب الوفاء قال: فإن قال قائل ما كان يجري عليه ﷺ من البرحاء حين نزول الوحي هل ينتفض وضوءه؟
والجواب لا، لأنه ﷺ كان محفوظا في منامه، تنام عيناه ولا ينام قلبه، فإذا كان النوم الذي يسقط فيه الوكاء لا ينقض وضوءه فالحالة التي أكرم فيها بالمسارة وإلقاء الهدى إلى قلبه أولى، لكون طباعه فيها معصومة من الأذى هذا كلامه. وما ذكرناه أولى، لما تقرر أن الإغماء أبلغ من النوم فليتأمل. وفي كلام الشيخ محيي الدين ما يدل على أنه ﷺ وجميع من يأتيه الوحي من الأنبياء كان إذا جاءه الوحي يستلقي على ظهره حيث قال: سبب اضطجاع الأنبياء على ظهورهم عند نزول الوحي إليهم أن الوارد الإلهي الذي هو صفة القيومية إذا جاءهم اشتغل الروح الإنساني عن تدبيره، فلم يبق للجسم من يحفظ عليه قيامه ولا قعوده، فرجع إلى أصله وهو لصوقه بالأرض. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي صدع فيغلف رأسه بالحناء» قيل وهو محمل قول بعض الصحابة إنه ﷺ كان يخضب بالحناء، وإلا فهو ﵊ لم يخضب، لأنه لم يبلغ سنا يخضب فيه. وفيه أنه أمر بالخضاب للشباب، فقد جاء «اختضبوا بالحناء، فإنه يزيد في شبابكم وجمالكم ونكاحكم» وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي لم يستطع أحد منا يرفع طرفه إليه حتى ينقضي الوحي» وفي لفظ «كان إذا نزل عليه ﷺ الوحي استقبلته الرعدة» وفي رواية «كرب لذلك وتربد له وجهه، وغمض عينيه، وربما غط كغطيط البكر» . وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: «كان إذا نزل على رسول الله ﷺ السورة الشديدة أخذه من الشدة والكرب على قدر شدة السورة، وإذا أنزل عليه السورة اللينة أصابه من ذلك على قدر لينها» . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل» .
عليه السورة اللينة أصابه من ذلك على قدر لينها» . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل» . وذكر الحافظ ابن حجر أن دوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس: أي المتقدم ذكرها، لأن سماع الدوي بالنسبة للحاضرين. والصلصلة بالنسبة إلى النبي ﷺ، فالراوي شبه بدويّ النحل، والنبي ﷺ شبه بصلصلة الجرس: أي فالمراد بهما شيء واحد، والله أعلم. ومن حالاته: أي حالات الوحي أي حامله أنه كان يأتيه على صورته التي خلقه الله تعالى عليها له ستمائة جناح. أقول: فيوحى إليه في تلك الحالة كما هو المتبادر. وفيه أنه جاء عن عائشة وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما «أن النبي ﷺ لم ير جبريل على صورته التي
خلقه الله عليها إلا مرتين: حين سأله أن يريه نفسه، فقال: وددت أني رأيتك في صورتك: أي وذلك بحراء أوائل البعثة بعد فترة الوحي بالأفق الأعلى من الأرض، وهذه المرة هي المعنية بقوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) [التكوير: الآية ٢٣] وبقوله تعالى فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) [النجم: الآية ٦ و ٧] «طلع جبريل من المشرق فسدّ الأفق إلى المغرب، فخرّ النبي ﷺ مغشيا عليه، فنزل جبريل ﵇ في صورة الآدميين وضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه» الحديث. والأخرى ليلة الإسراء المعنية بقوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) [النجم: الآية ١٣ و ١٤] وسيأتي الكلام على ذلك. وفي الخصائص الصغرى: خص ﷺ برؤيته جبريل في صورته التي خلقه الله عليها: أي لم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا ﷺ. وذكر السهيلي أن المراد بالأجنحة في حق الملائكة صفة الملكية وقوة روحانية، وليست كأجنحة الطير. ولا ينافي ذلك وصف كل جناح منها بأنه يسدّ ما بين المشرق والمغرب، هذا كلامه فليتأمل. ولعله لا ينافيه ما تقدم عن الحافظ ابن حجر من أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط؟ والله أعلم. ومن حالات الوحي أي نفسه أي الموحى به لا حامله الذي هو جبريل أن الله تعالى أوحى إليه ﷺ بلا واسطة ملك؟ بل من وراء حجاب يقظة أو من غير حجاب بل كفاحا، وذلك ليلة المعراج. واسم الإشارة يحتمل أن يكون لنوعين وقع كل منهما ليلة الإسراء.
ى إليه ﷺ بلا واسطة ملك؟ بل من وراء حجاب يقظة أو من غير حجاب بل كفاحا، وذلك ليلة المعراج. واسم الإشارة يحتمل أن يكون لنوعين وقع كل منهما ليلة الإسراء. ويحتمل أن يكون نوعا واحدا، وأن الأول بناء على القول بعدم الرؤية. والثاني بناء على القول بالرؤية. وحينئذ لا يناسب عدّ ذلك نوعين كما فعل الشامي، ومن ثم نسب ابن القيم هذا النوع الثاني لبعضهم كالمتبرئ منه حيث قال: وقد زاد بعضهم مرتبة ثانية، وهي تكليم الله تعالى له ﷺ كفاحا بغير حجاب هذا كلامه، لأن ابن القيم ممن لا يقول بوجود الرؤية؟ فما زاده بعضهم بناء على القول بوجود الرؤية كما علمت. وحينئذ يكون هذا ليلة المعراج، وعلى هذا جاء قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشّورى: الآية ٥١] . وقول ابن القيم السادسة: أي من حالات الوحي ما أوحاه الله تعالى إليه، وهو فوق السماوات من فرض الصلوات وغيرها، لأن ذلك إنما هو ليلة المعراج بغير
واسطة ملك، وهذا محتمل لأن يكون من غير حجاب، وأن يكون من وراء الحجاب، فهي لم تخرج عما تقدم. وكذا قوله السابعة: أي من حالات الوحي كلام الله تعالى منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم موسى: أي من وراء حجاب، فهي لم تخرج عما تقدم. وحينئذ يكون كلمه ﷺ في ليلة المعراج بواسطة الملك وكلمه بغير واسطة الملك من وراء حجاب ومشافهة من غير حجاب. وصاحب المواهب نقل عن الولي العراقي كلاما فيه الاعتراض على ابن القيم بغير ما ذكر، والجواب عنه، وأقره مع ما في ذلك الكلام من النظر الظاهر الذي لا يكاد يخفى، والله أعلم. قال الحافظ السيوطي: وليس في القرآن من هذا النوع: أي مما شافهه به الحق تعالى من غير حجاب شيء فيما أعلم. نعم يمكن أن يعدّ منه آخر سورة البقرة: أي آمن الرسول إلى آخر الآيات، لأنها نزلت كما في الكامل للهذلي بقاب قوسين.
الحق تعالى من غير حجاب شيء فيما أعلم. نعم يمكن أن يعدّ منه آخر سورة البقرة: أي آمن الرسول إلى آخر الآيات، لأنها نزلت كما في الكامل للهذلي بقاب قوسين. وروى الديلمي «قيل يا رسول الله أي آية في كتاب الله تحب أن تصيبك وأمتك؟ قال آخر سورة البقرة، فإنها من كنز الرحمن من تحت العرش، ولم تترك خيرا في الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه» ولعل هذا لا يعارض ما جاء في فضل آية الكرسي من قوله ﷺ، وقد قيل له: «يا رسول الله أي آية في كتاب الله تعالى أعظم؟ قال آية الكرسي أعظم» وما جاء عن الحسن رضي الله تعالى عنه مرسلا. أفضل القرآن البقرة، وأفضل آية فيه آية الكرسي» وفي رواية أعظم آية فيها آية الكرسي» وفي الجامع الصغير «آية الكرسي ربع القرآن» . ونزل في ذلك الموطن الذي هو قاب قوسين بعض سورة الضحى، وبعض سورة ألم نشرح. قال ﷺ: «سألت ربي مسألة وودت أني لم أكن سألته، سألت ربي اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، فقال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك، وضالا فهديتك، وعائلا فأغنيتك، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفع لك ذكرك، فلا أذكر إلا وتذكر معي» انتهى. أقول: قد يقال لا يلزم من النزول في قاب قوسين أن يكون مشافهة من غير حجاب وقوله: «فقال محمد ألم أجدك إلى آخره» ليس هذا نص التلاوة، وإن هذا ظاهر في أن المتلوّ الدال على ما ذكر نزل قبل ذلك، وأن هذا تذكير به، والله أعلم. ومن حالات الوحي أنه أوحى إليه بلا واسطة ملك مناما كما في حديث معاذ «أتاني ربي» وفي لفظ «رأيت ربي في أحسن صورة. أي خلقة- فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: أنت أعلم أي رب، فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض» أي وفي كلام الشيخ محيي الدين
ابن العربي رضي الله تعالى عنه، فهذا علم حاصل لا عن قوة من القوى الحسية أو المعنوية، وهذا لا يبعد أن يقع مثله للأولياء بطريق الإرث: أي تجلى له الحق بالتجلي الخاص الذي ما ذكر عبارة عنه. وفي رواية «فعلمت علم الأولين والآخرين» أي ومن حالات الوحي رؤيا النوم، قال ﷺ: «رؤيا الأنبياء وحي» كما تقدم. ومن حالات العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه عند الاجتهاد في الأحكام بناء على ثبوته لا بواسطة ملك، وبذلك فارق النفث في الروع. وبذكر هذه الأنواع للوحي يعمل أن ما تقدم من حصره في الحالتين المذكورتين عند سؤال الحارث له ﷺ أغلبيّ أو أن ما عداهما وقع بعد سؤال الحارث له. وفي «ينبوع الحياة» عن ابن جرير «ما نزل جبريل بوحي قط إلا وينزل معه من الملائكة حفظة يحيطون به وبالنبي الذي يوحي إليه، يطردون الشياطين عنهما، لئلا يسمعوا ما يبلغه جبريل إلى النبي ﷺ، من الغيب الذي يوحيه إليه، فيلقوه إلى أوليائهم» ثم رأيته في «الإتقان» ذكر أن من القرآن ما نزل معه الملائكة مع جبريل تشيعه، من ذلك سورة الأنعام، شيعها سبعون ألف ملك، وفاتحة الكتاب شيعها ثمانون ألف ملك، وآية الكرسي شيعها ثمانون ألف ملك، وسورة يس شيعها ثلاثون ألف ملك وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا [الزّخرف: الآية ٤٥] شيعها عشرون ألف ملك، ولعل هذا لا ينافي ما تقدم من أن الغرض من تساقط النجوم عند البعثة حراسة السماء من استراق الشياطين لما يوحى، لجواز أن يكون هذا لحفظ ما يوحى من استراقه في الأرض وبين السماء والأرض. وعن النخعي: إن أول سورة أنزلت عليه ﷺ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] قال الإمام النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، هذا كلامه.
لنخعي: إن أول سورة أنزلت عليه ﷺ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] قال الإمام النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، هذا كلامه. ولا يخفى أن مراد النخعي بالسورة هنا القطعة من القرآن: أي أوّل آيات أنزلت، فلا ينافي ما تقدم من رواية عمرو بن شرحبيل مما يدل على أن أول سورة أنزلت فاتحة الكتاب، لأن المراد أول سورة كاملة نزلت لا في شأن الإنذار، فلا ينافي ما تقدم من رواية جابر مما يقتضي أن أوّل ما نزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] لأن المراد بذلك أوّل سورة كاملة نزلت في شأن الإنذار بعد فترة الوحي: أي فإنها نزلت قبل تمام نزول سورة اقرأ، وهذا الجمع تقدم الوعد به، أي لكن يشكل عليه ما في الكشاف عن رسول الله ﷺ «ما نزل عليّ القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا، ما خلا سورة براءة- وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١]- فإنهما أنزلتا عليّ ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة» فإن هذا السياق يدل على أنه لم ينزل عليه ﷺ سورة كاملة إلا براءة وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] ويخالفه ما في «الإتقان» أن مما نزل جملة سورة الفاتحة وسورة الكوثر، وسورة تبت، وسورة لم يكن، وسورة النصر والمرسلات والأنعام. لكن ذكر ابن
اص: الآية ١] ويخالفه ما في «الإتقان» أن مما نزل جملة سورة الفاتحة وسورة الكوثر، وسورة تبت، وسورة لم يكن، وسورة النصر والمرسلات والأنعام. لكن ذكر ابن
الصلاح أن هذا روي بسند فيه ضعف قال: ولم أر له إسنادا صحيحا. وقد روي ما يخالفه، ولم يذكر في «الإتقان» مما نزل جملة سورة براءة، وذكر أن المعوذتين نزلتا دفعة واحدة. وحينئذ يكون المراد بقوله ﷺ: «إلا آية آية وحرفا حرفا» أي كلمة، والمراد بها ما قابل السورة، وإلا فقد أنزل عليه ثلاث آيات وأربع آيات وعشر آيات كما أنزل عليه آية وبعض آية. فقد صح نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النّساء: الآية ٩٥] منفردة وهي بعض آية. وفي الإتقان عن جابر بن زيد قال: «أوّل ما أنزل الله تعالى من القرآن بمكة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] ثم ن وَالْقَلَمِ [القلم: الآية ١] ثم يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) [المزمّل: الآية ١] ثم يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] ثم الفاتحة، إلى آخر ما ذكر. ثم قال: قلت هذا السياق غريب، وفي هذا الترتيب نظر، وجابر بن زيد من علماء التابعين، هذا كلامه. وذكر بعض المفسرين أن سورة والتين أول ما نزل من القرآن، والله أعلم. وما تقدم من أن نزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] كان في شأن الإنذار بعد فترة الوحي، لأنه كان بعد نزول جبريل عليه ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] ، مكث مدة لا يرى جبريل. أي وإنما كان كذلك ليذهب ما كان يجده من الرعب، وليحصل له التشوف إلى العود، ومن ثم حزن لذلك حزنا شديدا حتى غدا مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما وافى بذروة كي يلقي نفسه منها تبدّى له جبريل ﵇؟
حصل له التشوف إلى العود، ومن ثم حزن لذلك حزنا شديدا حتى غدا مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما وافى بذروة كي يلقي نفسه منها تبدّى له جبريل ﵇؟ فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه: أي قلبه وتقرّ نفسه ويرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا وافى ذروة جبل تبدى له مثل ذلك. قال: وفي رواية «أنه لما فتر الوحي عنه ﷺ حزن حزنا شديدا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء مرة أخرى يريد أن يلقي نفسه منه، فكلما وافى ذروة جبل منهما كي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد أنت رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه ويرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي عاد لمثل ذلك، وكانت تلك المدة أربعين يوما، وقيل خمسة عشر يوما، وقيل اثني عشر يوما، وقيل ثلاثة أيام. قال بعضهم وهو الأشبه بحاله عند الله تعالى انتهى. أقول: ويبعد هذا الأشبه قوله فإذا طالت عليه فترة الوحي، والله أعلم. وفي الأصل وهذه الفترة لم يذكر لها ابن إسحق مدة معينة. أقول: في فتح الباري أن ابن إسحق جزم بأنها ثلاث سنين، والله أعلم. قال أبو القاسم السهيلي: وقد جاء في بعض الأحاديث المسندة أن مدة هذه الفترة كانت سنتين ونصف سنة: أي وفي كلام الحافظ ابن حجر: وهذا الذي اعتمده
السهيلي لا يثبت. وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن مدة الفترة كانت أياما أي وأقلها ثلاثة: أي وتقدم ما فيه. قال: قال بعض الحفاظ: والظاهر- والله أعلم- أنها أي مدة الفترة كانت بين اقرأ ويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] هي المدة التي اقترن معه فيها إسرافيل كما قال الشعبي انتهى. أقول: ويوافق ذلك ما في الاستيعاب لابن عبد البر أن الشعبي قال: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين، وقرن بنبوته إسرافيل ﵊ ثلاث سنين وقد تقدم ذلك. وفي الأصل عن الشعبي «أن رسول الله ﷺ وكل به إسرافيل فكان يترائ له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي ولم ينزل القرآن» أي شيء منه على لسانه «ثم وكل به جبريل فجاءه بالوحي والقرآن» وهو موافق في ذلك لما في سيرة شيخه الحافظ للدمياطي حيث قال: قال بعض العلماء: وقرن به إسرافيل، ثم قرن به جبريل، وهو ظاهر في أن اقتران إسرافيل به كان بعد النبوة، ويؤيده قوله: «ويأتيه بالكلمة من الوحي» ومحتمل لأن يكون ذلك قبل النبوة، فيوافق ما تقدم عن الماوردي، لكن تقدم أنه كان يسمع حسه ولا يرى شخصه؟ إلا أن يقال: لا يلزم من كونه يترائ له أن يراه، وقوله يأتيه بالكلمة من الوحي هو معنى قوله يأتيه بالشيء بعد الشيء، ثم رأيت الواقدي أنكر على الشعبي كون إسرافيل قرن به أولا. وقال: لم يقترن به من الملائكة إلا جبريل: أي بعد النبوة، ويحتمل مطلقا. قال بعضهم: ما قاله الشعبي هو الموافق لما هو المشهور المحفوظ الثابت في الأحاديث الصحيحة، وخبر الشعبي مرسل أو معضل، فلا يعارض ما في الأحاديث الصحيحة هذا كلامه. ثم رأيت الحافظ ابن حجر نظر في كلام الواقدي بأن المثبت مقدم على النافي إلا إن صحب النافي دليل نفيه فيقدم، هذا كلامه.
ما في الأحاديث الصحيحة هذا كلامه. ثم رأيت الحافظ ابن حجر نظر في كلام الواقدي بأن المثبت مقدم على النافي إلا إن صحب النافي دليل نفيه فيقدم، هذا كلامه. لا يقال: قد وجد الدليل، فقد جاء «بينا النبي ﷺ جالس وعنده جبريل إذ سمع نغيضا: أي هدة من السماء، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط» قال جماعة من العلماء: إن هذا الملك إسرافيل. لأنا نقول هذا مجرد دعوى لا دليل عليها؟ ولا يحسن أن يكون مستندهم في ذلك ما في الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي وهو إسرافيل، فقال أنا رسول ربك» الحديث. ومن ثم عدّ السيوطي من خصائصه ﷺ هبوط إسرافيل عليه، إذ ليس في ذلك دليل على أن إسرافيل لم يكن نزل إليه قبل ذلك حتى يكون دليلا على أن اقتران
جبريل به سابق على اقتران إسرافيل به. هذا، وفي كلام الحافظ السيوطي أن مجيء إسرافيل كان بعد ابتداء الوحي بسنتين، قال كما يعرف ذلك من سائر طرق الأحاديث، وهو بظاهره يرد ما في «سفر السعادة» أنه ﷺ لما بلغ تسع سنين أمر الله تعالى إسرافيل أن يقوم بملازمته. ولما بلغ إحدى عشرة سنة أمر جبريل بملازمته ﷺ فلازمه تسعا وعشرين سنة فليتأمل. وعن يحيى بن بكير قال: ما خلق الله خلقا في السموات أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا قرأ في السماء يقطع على أهل السماء ذكرهم وتسبيحهم.
عا وعشرين سنة فليتأمل. وعن يحيى بن بكير قال: ما خلق الله خلقا في السموات أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا قرأ في السماء يقطع على أهل السماء ذكرهم وتسبيحهم. ثم رأيت في فتح الباري: ليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين: أي على ما تقدم ما بين نزول اقرأ ويا أيها المدثر عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن عليه فقط هذا كلامه: أي فكان جبريل يأتي إليه بغير قرآن بعد مجيئه إليه باقرأ، ولم يجئ إليه بالقرآن الذي هو يا أيها المدثر إلا بعد الثلاث سنين على ما تقدم، ثم في تلك المدة مكث أياما لا يأتيه أصلا، ثم جاءه بيا أيها المدثر، فكان قبل تلك الأيام يختلف إليه هو وإسرافيل، وهذا السياق كما لا يخفى يؤخذ منه عدم المنافاة بين كون مدة فترة الوحي ثلاث سنين كما يقول ابن إسحق، وسنتين ونصفا كما يقول السهيلي، وسنتين كما يقول الحافظ السيوطي، وبين كونها أياما أقلها ثلاثة وأكثرها أربعون كما تقدم عن ابن عباس، لأن تلك الأيام التي كانت لا يرى فيها جبريل أصلا على ما تقدم: أي ولا يرى فيها إسرافيل أيضا. وفي غير تلك الأيام كان يأتيه بغير القرآن، وحينئذ لا يحسن رد الحافظ فيما سبق على السهيلي. وينبغي أن تكون تلك الأيام التي لا يرى فيها جبريل وإسرافيل هي التي يريد فيها أن يلقي نفسه من رؤوس شواهق الجبال، وهذا السياق أيضا يدل على أن النبوة سابقة على الرسالة بناء على أن الرسالة كانت بيا أيها المدثر، ويصرح به ما تقدم من قول بعضهم نبأه بقوله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] وأرسله بقوله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) [المدثر: الآيات ١- ٤] وأن بينهما فترة الوحي وعليه أكثر الروايات. وقيل النبوة والرسالة مقترنان، ولعل من يقول بتلك يقول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [دلت على طلب الدعوة إلى الله تعالى، وهذا غير إظهار الدعوة والمفاجأة بها الذي دل عليه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية ٩٤] فليتأمل.
) [دلت على طلب الدعوة إلى الله تعالى، وهذا غير إظهار الدعوة والمفاجأة بها الذي دل عليه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية ٩٤] فليتأمل. وذكر السهيلي أن من عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمي المخاطب باسم مشتق من الحالة التي هو عليها، فلاطفه الحق ﷾ بقوله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] فبذلك علم رضاه الذي هو غاية مطلوبه، وبه كان يهون عليه
تحمل الشدائد، ومن هذه الملاطفة قوله ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقد نام وترب جنبه «قم يا أبا تراب» وقوله ﷺ لحذيفة في غزوة أحد وقد نام إلى الأسفار «قم يا نومان» . وذكر الشيخ محيي الدين بن العربي في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) [المدثر: الآية ١- ٢] اعلم أن التدثر إنما يكون من البرودة التي تحصل عقب الوحي، وذلك أن الملك إذا ورد على النبي ﷺ بعلم أو حكم تلقى ذلك الروح الإنساني، وعند ذلك تشتعل الحرارة الغريزية فيتغير الوجه لذلك، وتنتقل الرطوبات إلى سطح البدن لاستيلاء الحرارة فيكون من ذلك العرق، فإذا سريّ عنه ذلك سكن المزاج، وانقشعت تلك الحرارة، وانفتحت تلك المسام، وقبل الجسم الهواء من خارج، فيتحلل الجسم، فيبرد المزاج، فتأخذه القشعريرة فتزاد عليه الثياب ليسخن هذا ملخص كلامه. وذكر بعضهم في تفسير قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) [المدّثّر: الآية ٤] أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي نفعنا الله تعالى ببركاته قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقال: يا أبا الحسن طهر ثيابك من الدنس، تحظ بمدد الله تعالى في كل نفس، فقلت: يا رسول الله وما ثيابي؟ قال: إن الله كساك حلة التوحيد وحلة المحبة وحلة المعرفة، قال: ففهمت حينئذ قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) . وجاء في وصف إسرافيل في بعض الأحاديث «لا تفكروا في عظم ربكم، ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة، فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله، وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سموات، وإنه ليتضاءل من عظمة الله تعالى حتى يصير كأنه الوصع» فهو عند نزوله يكون حاملا لزاوية العرش أو يخلفه غيره من الملائكة في ذلك.
مرق رأسه من سبع سموات، وإنه ليتضاءل من عظمة الله تعالى حتى يصير كأنه الوصع» فهو عند نزوله يكون حاملا لزاوية العرش أو يخلفه غيره من الملائكة في ذلك.
باب: ذكر وضوئه وصلاته ﷺ أول البعثة أي أول الإرسال إليه باقرأ. أقول: في المواهب «أنه روي أن جبريل ﵊ بدا له ﷺ في أحسن صورة وأطيب رائحة، فقال له: يا محمد إن الله تعالى يقرئك السلام، ويقول لك: أنت رسول الله إلى الجن والإنس فادعهم إلى قول: لا إله إلا الله، ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء، فتوضأ منها جبريل، ثم أمره أن يتوضأ، وقام جبريل يصلي، وأمره أن يصلي معه، فعلمه الوضوء والصلاة» الحديث. وقوله «فعلمه الوضوء» يحتمل أن يكون بفعله المذكور. ويحتمل أن يكون
علمه بقوله افعل كذا في وضوئك وصلاتك، ويدل للأول ما سيأتي. وفيه أن قول جبريل المذكور إنما كان عند أمره بإظهار الدعوة والمفاجأة بها إلى الله تعالى بعد فترة الوحي كما سيأتي، فالجمع بينه وبين قوله ثم ضرب برجله الأرض إلى آخره لا يحسن، لأنه سيأتي أن ذلك كان في يوم نزوله له اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] ولعله من تصرف بعض الرواة، والله أعلم. فعن ابن إسحق: حدثني بعض أهل العلم «أن الصلاة حين افترضت على النبي ﷺ: أي قبل الإسراء أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل ورسول الله ﷺ ينظر ليريه كيف الطهور- أي الوضوء للصلاة- أي فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه وغسل رجليه إلى الكعبين» كما في بعض الروايات أي وفي رواية «فغسل كفيه ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه، ثم غسل يديه إلى المرفقين، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم أمر النبي ﷺ فتوضأ مثل وضوئه» . أقول: وبهذه الرواية، يردّ قول بعضهم: إن النبي ﷺ زاد في الوضوء التسمية وغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق ومسح جميع الرأس والتخليل ومسح الأذنين والتثليث، إلا أن يقال مراد هذا البعض أن ما ذكر زاده على ما في الآية. وفي كلام بعضهم: كانت العرب في الجاهلية يغتسلون من الجنابة، ويداومون على المضمضة والاستنشاق والسواك، والله أعلم.
البعض أن ما ذكر زاده على ما في الآية. وفي كلام بعضهم: كانت العرب في الجاهلية يغتسلون من الجنابة، ويداومون على المضمضة والاستنشاق والسواك، والله أعلم. ثم قام جبريل فصلى به ﷺ ركعتين يحتمل أن تلك الصلاة كانت بالغداة قبل طلوع الشمس. ويحتمل أنها كانت بالعشي: أي قبل غروب الشمس. وفي الإمتاع وإنما كانت الصلاة قبل الإسراء صلاة بالعشيّ: أي قبل غروب الشمس، ثم صارت صلاة بالغداة، وصلاة بالعشي ركعتين: أي ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي. والعشي: هو العصر. ففي كلام بعض أهل اللغة: العصر العشاء، والعصران الغداة والعشي، وكانت صلاته ﷺ نحو الكعبة، واستقبل الحجر الأسود: أي جعل الحجر الأسود قبالته وهذا يدل على أنه لم يستقبل في تلك الصلاة بيت المقدس، لأنه لا يكون مستقبلا لبيت المقدس إلا إذا صلى بين الركنين الأسود واليماني كما كان يفعل بعد فرض الصلوات الخمس وهو بمكة، كما سيأتي «أنه كان يصلي بين الركنين الركن اليماني والحجر الأسود، ويجعل الكعبة بينه وبين الشام» أي بينه وبين بيت المقدس: أي صخرته، إلا أن يقال يجوز أن يكون عند صلاته إلى الكعبة كان بينهما إلا أنه كان إلى الحجر الأسود أقرب منه إلى اليماني، فقيل استقبل الحجر الأسود فلا مخالفة، لكن سيأتي ما قد يفيد أنه لم يستقبل بيت المقدس إلا في الصلوات الخمس: أي بعد الإسراء
وقبل ذلك كان يستقبل الكعبة إلى أي جهة من جهاتها «ولما صلى رسول الله ﷺ بصلاة جبريل، قال جبريل: هكذا الصلاة يا محمد، ثم انصرف جبريل، فجاء رسول الله ﷺ خديجة وأخبرها، فغشي عليها من الفرح، فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل فتوضأت كما توضأ رسول الله ﷺ ثم صلى بها رسول الله ﷺ كما صلى به جبريل ﵊» . وفي سيرة الحافظ الدمياطي ما يفيد أن ذلك كان في يوم نزول جبريل ﵊ له ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] حيث قال: بعث النبي ﷺ يوم الاثنين وصلى فيه، وصلت خديجة آخر يوم الاثنين، ويوافقه ظاهر ما جاء «أتاني جبريل في أول ما أوحي إليّ فعلمني الوضوء والصلاة، فلما فرغ الوضوء أخذ غرفة من الماء فنضح بها فرجه «أي رش بها فرجه أي محل الفرج من الإنسان، بناء على أنه لا فرج له، وكون الملك لا فرج له لو تصور بصورة الإنسان استدل عليه بأنه ليس ذكرا ولا أنثى، وفيه نظر، لأنه يجوز أن يكون له آلة ليست كآلة الذكر ولا كآلة الأنثى كما قيل بذلك في الخنثى ويقال لذلك فرج. وبعض شراح الحديث حمل الفرج على ما يقابل الفرج من الإزار، وبذلك استدل أئمتنا على أنه يستحب لمن استنجى بالماء أن يأخذ بعد الاستنجاء كفا من ماء ويرش في ثيابه التي تحاذي فرجه، حتى إذا خيل له أن شيئا خرج ووجد بللا قدّر أنه من ذلك الماء، ولعل هذا هو المراد بقوله ﷺ: «علمني جبريل الوضوء، وأمرني أن أنضح تحت ثوبي مما يخرج من البول بعد الوضوء» أي دفعا لتوهم خروج شيء من البول بعد الوضوء لو وجد بلل بالمحل. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «كان ينضح سراويله حتى يبلها» وما جاء «أنه لما أقرأه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] ، قال له جبريل: انزل عن الجبل، فنزل معه إلى قرار الأرض قال: فأجلسني على درنوك. بالدال المهملة والراء والنون: أي وهو نوع من البسط ذو خمل- ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء، فتوضأ منها جبريل» الحديث فمشروعية الوضوء كانت مشروعية الصلاة التي هي غير الخمس، وإن ذلك كان في يوم نزول جبريل باقرأ، وهو مخالف لقول ابن حزم: لم يشرع الوضوء إلا بالمدينة.
حديث فمشروعية الوضوء كانت مشروعية الصلاة التي هي غير الخمس، وإن ذلك كان في يوم نزول جبريل باقرأ، وهو مخالف لقول ابن حزم: لم يشرع الوضوء إلا بالمدينة. ومما يرد ما قاله ابن حزم نقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أنه لم يصل ﷺ قط إلا بوضوء، قال: وهذا مما لا يجهله عالم، هذا كلامه، إلا أن يقال مراد ابن حزم أنه لم يشرع وجوبا إلا في المدينة، وهو الموافق لقول بعض المالكية إنه كان قبل الهجرة مندوبا: أي وإنما وجب بالمدينة بآية المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة: الآية ٦] الآية. ويرده ما في الإتقان أن هذه الآية مما تأخر نزوله عن حكمه يعني قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة: الآية ٦] إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: الآية ٦] فالآية مدنية إجماعا، وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة: أي فالوضوء على هذا مكي بالفرض، مدني بالتلاوة. قال: والحكمة في ذلك: أي في نزول الآية بعد تقدم العمل لما يدل عليه أن تكون قرآنيته متلوة هذا كلامه. وقوله مع فرض الصلاة، يحتمل أن المراد صلاة الركعتين بناء على أنهما كانتا واجبتين عليه ﷺ، وهو الموافق لما تقدم عن ابن إسحق. ويحتمل أن المراد الصلاة الخمس: أي ليلة الإسراء، وهو الموافق لما اقتصر عليه شيخنا الشمس الرملي حيث قال: وكان فرضه مع فرض الصلاة قبل الهجرة بسنة، هذا كلامه. وحينئذ يكون قبل ذلك مندوبا حتى في صلاة الليل. وقول صاحب المواهب: ما ذكر من أن جبريل ﵊ علمه الوضوء وأمره به يدل على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء فيه نظر ظاهر، إذ لا دلالة في ذلك على الفرضية، إذ يحتمل أن يكون اللفظ الصادر من جبريل له أمرتك أن تفعل كفعلي وصيغة أمره مشتركة بين الوجوب والندب.
سراء فيه نظر ظاهر، إذ لا دلالة في ذلك على الفرضية، إذ يحتمل أن يكون اللفظ الصادر من جبريل له أمرتك أن تفعل كفعلي وصيغة أمره مشتركة بين الوجوب والندب. وذكر بعضهم أن الغرض من نزول آية المائدة بيان أن من لم يقدر على الوضوء والغسل لمرض أو لعدم الماء يباح له التيمم: أي ففرضية الوضوء والغسل سابقة على نزولها ويؤيد ذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها في الآية: فأنزل الله تعالى آية التيمم، ولم تقل آية الوضوء وهي هي، لأن الوضوء كان مفروضا قبل أن توجد تلك الآية، ويوافقه ما ذكره ابن عبد البر من اتفاق أهل السير على أن الغسل من الجنابة فرض عليه ﷺ وهو بمكة. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما يقتضي أن فرض الغسل كان مع فرض الصلوات ليلة الإسراء. فقد جاء عنه «كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعل الصلاة خمسا والغسل من الجنابة مرة» . قال بعض فقهائنا: رواه أبو داود ولم يضعفه، وهو إما صحيح أو حسن، قال ذلك البعض. ويجوز أن يكون المراد بها: أي الغرض من نزولها فرض غسل الرجلين في قراءة من قرأ «وأرجلكم بالنصب» فإن حديث جبريل ليس فيه إلا مسحهما: أي وهو أن جبريل أول ما جاء النبي ﷺ بالوحي توضأ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح رأسه ورجليه إلى الكعبين وسجد سجدتين: أي ركع ركعتين مواجهة البيت، ففعل النبي ﷺ كما يرى جبريل يفعله، هذا كلامه، وفيه نظر، لأن أكثر الروايات «وغسل رجليه» كما تقدم فرجليه في هذه الرواية معطوفة على وجهه كما أن أرجلكم في الآية على قراءة الجر معطوفة على الوجوه، وإنما جرّ للمجاورة
وإن كان الجر للمجاورة في غير النعت قليلا، أو عبر عن الغسل الخفيف بالمسح. وفي كلام الشيخ محيي الدين مسح الرجلين في الوضوء بظاهر الكتاب، وغسلهما بالسنة المبينة للكتاب. قال: ويحتمل العدول عن الظاهر بناء على أن المسح فيه يقال للغسل، فيكون من الألفاظ المترادفة، وفتح أرجلكم لا يخرجها عن الممسوح، فإن هذه الواو قد تكون واو المعية. وجاء «أنه ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة» أي عملا بظاهر قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: الآية ٦] الآية «فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد فقال له سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه: فعلت شيئا لم تكن تفعله، فقال عمدا فعلته يا عمر» أي للإشارة إلى جواز الاقتصار على وضوء واحد للصلوات الخمس، وجواز ذلك ظاهر في نسخ وجوب الوضوء عليه لكل صلاة، ويوافقه قول بعضهم: قيل كان ذلك الوضوء لكل صلاة واجبا عليه ثم نسخ، هذا كلامه: أي ويؤيد ذلك ظاهر ما جاء أنه أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه ﷺ وضع عنه الوضوء إلا من حدث، أي ويكون وقت المشقة يوم فتح مكة، لما علمت أنه لم يترك الوضوء لكل صلاة إلا حينئذ. وهذا السياق يدل على أن وجوب الوضوء لكل صلاة كان من خصوصياته ﷺ. ويدل لذلك ما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه «كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، قيل لهم كيف تصنعون: أي هل كنتم تفعلون كفعله ﷺ قال: يجزي أحدنا الوضوء ما لم يحدث» أي فوجوب الوضوء لكل صلاة كان من خصوصياته ﷺ ثم نسخ. وذكر فقهاؤنا أن الغسل كان واجبا عليه ﷺ لكل صلاة فنسخ بالنسبة للحدث الأصغر تخفيفا، فصار الوضوء بدلا عنه، ثم نسخ الوضوء لكل صلاة فظاهر سياقهم يقتضي أن وجوب الغسل ثم الوضوء لكل صلاة كان عاما في حقه ﷺ وحق أمته.
سبة للحدث الأصغر تخفيفا، فصار الوضوء بدلا عنه، ثم نسخ الوضوء لكل صلاة فظاهر سياقهم يقتضي أن وجوب الغسل ثم الوضوء لكل صلاة كان عاما في حقه ﷺ وحق أمته. ويحتاج إلى بيان وقت نسخ وجوب الغسل في حقه ﷺ وحق أمته وبيان وقت نسخ وجوب الوضوء، لكل صلاة في حق الأمة، ومنه يعلم أن نسخ وجوب الوضوء لكل صلاة يكون بالنسبة للأمة ثم بالنسبة إليه ﷺ. وحينئذ لا يشكل قول فقهائنا الآية تقتضي وجوب الطهر بالماء أو التراب لك صلاة، خرج الوضوء بالسنة، أي بما تقدم من فعله ﷺ يوم الفتح، وبتجويزه ﷺ للأمة أن يصلي الواحد منهم الصلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على مقتضى الآية، فقد وقع النسخ أوّلا بالنسبة للأمة، ثم ثانيا بالنسبة إليه ﷺ، ولعل وجوب الغسل لكل صلاة كان بوحي غير قرآن أو باجتهاد. ولا يخفى أن كون ظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء والتيمم لكل صلاة إنما هو بقطع النظر عما نقله إمامنا رضي الله تعالى عنه عن زيد بن أسلم أن الآية فيها تقديم وحذف، وأن التقدير إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ
الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [المائدة: ٦، والنساء: ٤٣] فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] الآية، والله أعلم. وعن مقاتل بن سليمان فرض الله تعالى في أول الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة أي قبل طلوع الشمس وركعتين بالعشيّ أي قبل غروب الشمس. أقول: إن كان المراد بأول الإسلام نزول جبريل عليه باقرأ يردّ ما تقدم عن الإمتاع أن أول ما وجب ركعتان بالعشيّ ثم صارت صلاة بالغداة وصلاة بالعشي ركعتين إلا أن يراد الأولية الإضافية. وفي بعض الأحاديث ما يدل على أن وجوب الركعتين كان خاصا به ﷺ دون أمته. منها قوله ﷺ: «أول ما افترض الله على أمتي الصلوات الخمس» ، وفيه أنه افترض عليها قبل ذلك صلاة الليل ثم نسخ بالصلوات الخمس.
عتين كان خاصا به ﷺ دون أمته. منها قوله ﷺ: «أول ما افترض الله على أمتي الصلوات الخمس» ، وفيه أنه افترض عليها قبل ذلك صلاة الليل ثم نسخ بالصلوات الخمس. وفي الإمتاع «كان رسول الله ﷺ يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصلي صلاة الضحى، وكانت صلاة لا تنكرها قريش، وكان ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب فرادى ومثنى: أي فيصلون صلاة العشي، وكانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت الصلوات الخمس» هذا كلامه. وهو يفيد أن الركعتين الأوليين كان يصليهما وقت الضحى لا قبل الشمس فليتأمل والله أعلم، ثم فرضت الخمس ليلة المعراج. وذهب جمع إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة: أي لا عليه ولا على أمته إلا ما وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد: أي بقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ [المزمّل: الآية ٢٠] أي صلوا. أقول: وهو الناسخ لما وجب قبل ذلك من التحديد في أول السورة الحاصل بقوله: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: الآية ٢- ٤] وقد نسخ قيام الليل بالصلوات الخمس ليلة الإسراء، ولم يذكر أئمتنا وجوب صلاة الركعتين عليه ﷺ، بل قالوا: أول ما فرض عليه الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فرض عليه قيام الليل المذكور في أول سورة المزمل، ثم نسخ بما في آخرها، ثم نسخ بالصلوات الخمس، وهو مخالف لما تقدم عن ابن إسحق من وجوب صلاة الركعتين عليه، ويوافقه قول ابن كثير في قولهم ماتت خديجة قبل أن تفرض الصلوات: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء. قال بعضهم: وإنما قال ذلك، لأن أصل الصلاة قد فرض في حياة خديجة الركعتين بالغداة والركعتين بالعشي. وفي كلام ابن حجر الهيتمي: لم يكلف الناس إلا بالتوحيد فقط، ثم استمر
على ذلك مدة مديدة، ثم فرض عليهم من الصلاة ما ذكر في سورة المزمل، ثم نسخ ذلك كله بالصلوات الخمس، ثم لم تكثر الفرائض وتتتابع إلا بالمدينة، ولما ظهر الإسلام وتمكن في القلوب، وكان كلما زاد ظهورا وتمكن ازدادت الفرائض وتتابعت هذا كلامه. ولم أقف على ما كان يقرأ في صلاة الركعتين قبل فترة الوحي وبعدها وقبل نزول الفاتحة، بناء على تأخر نزولها عن ذلك كما هو الراجح، ثم رأيته في الإتقان ذكر أن جبريل حين حولت القبلة أخبر رسول الله ﷺ أن الفاتحة ركن في الصلاة كما كانت بمكة، هذا كلامه. وينبغي حمله على الصلوات الخمس، وحينئذ يكون ما تقدم من قول بعضهم لم يحفظ أنه كان في الإسلام صلاة بغير الفاتحة محمولا على ذلك أيضا، وقد تقدم ذلك، والله أعلم.
باب: ذكر أول الناس إيمانا به ﷺ أي بعد البعثة: أي الرسالة، وهي المرادة عند الإطلاق بناء على أنها مقارنة للنبوة. لا يخفى أنه ﷺ لما بعث أخفى أمره وجعل يدعو إلى الله سرا، واتبعه ناس عامتهم ضعفاء من الرجال والنساء، وإلى هذا الإشارة بقوله ﷺ: «إن هذا الدين بدا غريبا وسيعود كما بدا، فطوبى للغرباء» ولا يخفى أن أهل الأثر وعلماء السير على أن أول الناس إيمانا به ﷺ على الإطلاق خديجة ﵂. أقول: نقل الثعلبي المفسر اتفاق العلماء عليه. وقال النووي: إنه الصواب عند جماعة من المحققين. وقال ابن الأثير: خديجة أول خلق الله تعالى أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا امرأة. وفيه أن بناته الأربع كنّ موجودات عند البعثة ويبعد تأخر إيمانهن، إلا أن يقال خديجة تقدم لها إشراك بخلافهن، أخذا مما يأتي. وعن ابن إسحق أن خديجة كانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت ما جاء به عن الله تعالى، وكان لا يسمع شيئا يكرهه من قومه إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها وأخبرها به. ثم عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ففي المرفوع عن سلمان أن النبي ﷺ قال: «أول هذه الأمة ورودا على الحوض أوّلها إسلاما عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه» وجاء «أنه لما زوجه فاطمة قال لها زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة، وإنه لأول أصحابي إسلاما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما» وكان لم يبلغ
رضي الله تعالى عنه» وجاء «أنه لما زوجه فاطمة قال لها زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة، وإنه لأول أصحابي إسلاما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما» وكان لم يبلغ
الحلم كما سيأتي حكاية الإجماع عليه، كان سنة ثمان سنين، وكان عند النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه يطعمه ويقوم بأمره، لأن قريشا كان أصابهم قحط شديد وكان أبو طالب كثير العيال، فقال رسول الله ﷺ لعمه العباس: «إن أخاك أبا طالب كثير العيال والناس فيما ترى من الشدة، فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله، تأخذ واحدا وأنا واحدا فجاآ إليه وقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا قيل وطالبا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله ﷺ عليا رضي الله تعالى عنه فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه وتركا له عقيلا وطالبا، فلم يزل عليّ مع رسول الله» . وفي خصائص العشرة للزمخشري «أن النبي ﷺ تولى تسميته بعليّ وتغذيته أياما من ريقه المبارك بمصه لسانه» فعن فاطمة بنت أسد أم عليّ رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «لما ولدته سماه عليا وبصق في فيه، ثم إنه ألقمه لسانه، فما زال يمصه حتى نام، قالت: فلما كان من الغد طلبنا له مرضعة فلم يقبل ثدي أحد، فدعونا له محمدا ﷺ فألقمه لسانه فنام، فكان كذلك ما شاء الله ﷿» هذا كلامه فليتأمل. وعنها رضي الله تعالى عنها أنها في الجاهلية أرادت أن تسجد لهبل وهي حامل بعليّ فتقوّس في بطنها فمنعها من ذلك. وكان عليّ رضي الله تعالى عنه أصغر إخوته، فكان بينه وبين أخيه جعفر عشر سنين، وبين جعفر وأخيه عقيل كذلك، وبين عقيل وأخيه طالب ذلك أيضا، فكل أكبر من الذي بعده بعشر سنين، فأكبرهم طالب ثم عقيل ثم جعفر ثم عليّ: أي وكلهم أسلموا إلا طالبا فإنه اختطفته الجن فذهب ولم يعلم إسلامه. وقد جاء أنه ﷺ قال لعقيل لما أسلم «يا أبا يزيد إني أحبك حبين حبا لقرابتك مني، وحبا لما كنت أعلم لحب عمي إياك» . وكان عقيل أسرع الناس جوابا وأبلغهم في ذلك قال له معاوية يوما: أين ترى عمك أبا لهب من النار؟ فقال: إذا دخلتها يا معاوية فهو على يسارك مفترشا عمتك حمالة الحطب، والراكب خير من المركوب.
هم في ذلك قال له معاوية يوما: أين ترى عمك أبا لهب من النار؟ فقال: إذا دخلتها يا معاوية فهو على يسارك مفترشا عمتك حمالة الحطب، والراكب خير من المركوب. ولما وفد على معاوية وقد غضب من أخيه عليّ لما طلب منه عطاءه وقال له اصبر حتى يخرج عطاؤك مع المسلمين فأعطيك، فقال له: لأذهبنّ إلى رجل هو أوصل إليّ منك، فذهب إلى معاوية فأعطاه معاوية مائة ألف درهم، ثم قال له معاوية: اصعد المنبر فاذكر ما أولاك عليّ وما أوليتك، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني أخبركم أني أردت عليّا على دينه فاختار دينه، وإني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه. وفي رواية أن معاوية قال لجماعة يوما بحضرة عقيل: هذا أبو يزيد يعني عقيلا، لولا علمه بأني خير له من أخيه لما أقام عندنا
وتركه، فقال عقيل: أخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي، وأسأل الله تعالى خاتمه الخير. توفي عقيل في خلافة معاوية. قال: وسبب إسلام علي كرم الله تعالى وجهه «أنه دخل على النبي ﷺ ومعه خديجة وهما يصليان سرا، فقال: ما هذا؟ فقال رسول الله ﷺ: دين الله الذي اصطفاه لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وإلى الكفر باللات والعزى، فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم فلست بقاض أمرا حتى أحدّث أبا طالب، وكره رسول الله ﷺ أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا عليّ إذا لم تسلم فاكتم هذا، فمكث ليلته. ثم إن الله ﵎ هداه للإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ فأسلم» اهـ. أقول: وذلك في اليوم الثاني من صلاته ﷺ هو وخديجة، وهو يوم الثلاثاء كما في سيرة الدمياطي: أي لأنه تقدم أن صلاته ﷺ مع خديجة كانت آخر يوم الاثنين، وهذا إنما يأتي على القول بأن النبوة والرسالة تقارنتا لا على أن الرسالة تأخرت عن النبوة، وأن بينهما فترة الوحي على ما تقدم. وفي أسد الغابة «أن أبا طالب رأى النبي ﷺ وعليا يصليان وعليّ على يمينه، فقال لجعفر رضي الله تعالى عنه: صل جناح ابن عمك، فصلى عن يساره، وكان إسلام جعفر بعد إسلام أخيه عليّ بقليل. قال بعضهم: وإنما صح إسلام علي: أي مع أنهم أجمعوا على أنه لم يكن بلغ الحلم: أي ومن ثم نقل عنه أنه قال: سبقتكمو إلى الإسلام طرّا ... صغيرا ما بلغت أوان حلمي أي كان عمره ثمان سنين على ما سبق، لأن الصبيان كانوا إذ ذاك مكلفين، لأن القلم إنما رفع عن الصبي عام خيبر. وعن البيهقي أن الأحكام إنما تعلقت بالبلوغ في عام الخندق. وفي لفظ في عام الحديبية وكانت قبل ذلك منوطة بالتمييز. هذا، وقد ذكر أنه لم يحفظ عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال شعرا. وقيل لم يقل إلا بيتين: أي ولعل أحدهما ما تقدم، ثم رأيت عن القاموس أن البيتين هما قوله: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك ما برّوا ولا ظفروا فإن هلكت فرهن مهجتي لهمو ... بذات ودقين لا تبقي ولا تذر وذات ودقين: هي الداهية. وقد ذكر أن الزبير بن العوام أسلم وهو ابن ثمان سنين، وقيل ابن خمس عشرة
إن هلكت فرهن مهجتي لهمو ... بذات ودقين لا تبقي ولا تذر وذات ودقين: هي الداهية. وقد ذكر أن الزبير بن العوام أسلم وهو ابن ثمان سنين، وقيل ابن خمس عشرة
سنة، وقيل ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل ابن ست عشرة سنة. ومما يدل للأول ما جاء عن بعضهم: كان علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص ولدوا في عام واحد. ومن العجب أن الزمخشري في خصائص العشرة اقتصر على أن سنّ الزبير حين أسلم ست عشرة سنة، وذكر بعد ذلك بأسطر أنه أول من سلّ سيفا في سبيل الله وهو ابن اثنتي عشرة سنة مقتصرا على ذلك. ومما يدل للأول أيضا ما جاء في كلام بعض آخر: أسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وهما ابنا ثمان سنين، وإجماعهم على أن عليا لم يكن بلغ الحلم يرد القول بأن عمره كان إذ ذاك عشر سنين: أي بناء على أن سن إمكان الاحتلام تسع سنين كما تقول به أئمتنا. ويوافقه ما حكاه بعضهم أن الراشد بالله وهو الحادي والثلاثون من خلفاء بني العباس لما كان عمره تسع سنين وطئ جارية حبشية فحملت منه، فولدت ولدا حسنا. ويرد القول بأن سنه إذ ذاك كان ثلاث عشرة أو خمس عشرة أو ست عشرة سنة. أقول: قال بعض متأخري أصحابنا: وإنما صحت عبادة الصبي المميز ولم يصح إسلامه، لأن عبادته نفل والإسلام لا يتنفل به. وعلى هذا مع ما تقدم يشكل ما في الإمتاع: وأما علي بن أبي طالب فلم يكن مشركا بالله أبدا، لأنه كان مع رسول الله ﷺ في كفالته كأحد أولاده، يتبعه في جميع أموره، فلم يحتج أن يدعى للإسلام فيقال أسلم، هذا كلامه فليتأمل، فإن عليا كان تابعا لأبيه في دينه ولم يكن تابعا له ﷺ كأولاده. وقوله فلم يحتج أن يدعى للإسلام يرده ما تقدم من قوله ﷺ له: أدعوك إلى الله وحده إلى آخره. ثم رأيت في الحديث ما يدل لما في «الإمتاع» وهو «ثلاثة ما كفروا بالله قط: مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب، ة وآسية امرأة فرعون» .
إلى الله وحده إلى آخره. ثم رأيت في الحديث ما يدل لما في «الإمتاع» وهو «ثلاثة ما كفروا بالله قط: مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب، ة وآسية امرأة فرعون» . والذي في العرائس: روي عن النبي ﷺ أنه قال: «سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار صاحب يس، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم وهو أفضلهم» إلا أن يراد بعدم كفرهم أنهم لم يسجدوا لصنم. وفيه أنه قد يخالف ذلك قوله ﷺ له: «وأدعوك إلى الكفر باللات والعزى» وأنه قيل أيضا إن أبا بكر لم يسجد لصنم قط. وقد عد ابن الجوزي من رفض عبادة الأصنام الجاهلية: أي لم يأت بها: أبا
بكر الصديق، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وورقة بن نوفل، ورباب بن البراء، وأسعد بن كريب الحميري، وقس بن ساعدة الإيادي، وأبا قيس بن صرمة. ولا يخفى أن عدم السجود للأصنام لا ينافي الحكم بالكفر على من لم يسجد لها، لكن في كلام السبكي: الصواب أن يقال الصديق لم يثبت عنه حال كفر بالله تعالى، فلعل حاله قبل البعث كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه، فلذلك خص الصديق بالذكر عن غيره من الصحابة، هذا كلامه، وهو واضح إذا لم يكن أحد من جميع من ذكر أسلم. وفي كلام الحافظ ابن كثير: الظاهر أن أهل بيته ﷺ آمنوا قبل كل أحد: خديجة وزيد وزوجة زيد أم أيمن وعلي رضي الله تعالى عنهم، فليتأمل قوله آمنوا قبل كل أحد، وكذا يتأمل قول ابن إسحق: أما بناته ﷺ فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن.
ديجة وزيد وزوجة زيد أم أيمن وعلي رضي الله تعالى عنهم، فليتأمل قوله آمنوا قبل كل أحد، وكذا يتأمل قول ابن إسحق: أما بناته ﷺ فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن. وعن ابن إسحق: ذكر بعض أهل العلم «أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي مستخفيا من قومه فيصليان فيها، فإذا أمسيا رجعا كذلك، ثم إن أبا طالب عثر: أي اطلع عليهما يوما وهما يصليان: أي بنخلة، المحل المعروف، فقال لرسول الله ﷺ: يا ابن أخي ما هذا الذي أراك تدين به؟ فقال: هذا دين الله ودين ملائكته ورسله ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إلى الله تعالى وأعانني عليه، فقال أبو طالب: إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه» . وفي رواية «أنه قال له: ما بالذي تقول من بأس، ولكن والله لا تعلوني استي أبدا» وهذا كما لا يخفى ينبغي أن يكون صدر منه قبل ما تقدم من قوله لابنه جعفر: صل جناح ابن عمك وصلّ على يساره لما رأى النبي ﷺ يصلي وعليا على يمينه، لكن يروى أن عليا رضي الله تعالى عنه ضحك يوما وهو على المنبر فسئل عن ذلك؟ فقال: تذكرت أبا طالب حين فرضت الصلاة ورآني أصلي مع رسول الله ﷺ بنخلة، فقال: ما هذا الفعل الذي أرى؟ فلما أخبرناه قال: هذا حسن ولكن لا أفعله أبدا، إني لا أحب أن تعلوني استي، فلما تذكرت الآن قوله ضحكت. وقوله حين فرضت الصلاة يعني الركعتين بالغداة والركعتين بالعشي، وهذا يؤيد القول بأن ذلك كان واجبا. وذكر أن أبا طالب قال لعلي: أي بني، ما هذا الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت آمنت بالله ورسوله، وصدقت ما جاء به، ودخلت معه واتبعته، فقال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه. أي ويذكر عنه أنه كان يقول: إني لأعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أني
أخاف أن تعيرني نساء قريش لا تبعته. وعن عفيف الكندي رضي الله تعالى عنه قال: كنت امرأ تاجرا قدمت للحج، وأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان العباس لي صديقا، وكان يختلف إلى اليمن يشتري العطر ويبيعه أيام الموسم، فبينما أنا عند العباس بمنى: أي وفي لفظ بمكة في المسجد إذا رجل مجتمع: أي بلغ أشده خرج من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس، فلما رآها مالت توضأ فأسبغ الوضوء: أي أكمله ثم قام يصلي: أي إلى الكعبة كما في بعض الروايات، ثم خرج غلام مراهق: أي قارب البلوغ فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلي، ثم جاءت امرأة من ذلك الخباء فقامت خلفهما، ثم ركع الرجل وركع الغلام وركعت المرأة، ثم خر الرجل ساجدا وخر الغلام وخرت المرأة، فقلت: ويحك يا عباس ما هذا الدين؟ فقال: هذا دين محمد بن عبد الله أخي، يزعم أن الله بعثه رسولا، وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب، وهذه امرأته خديجة، قال عفيف بعد أن أسلم: يا ليتني كنت رابعا» أي ولعل زيد بن حارثة لم يكن موجودا عندهم في ذلك الوقت، فلا ينافي أنه كان يصلي معهم أو أن ذلك كان قبل إسلامه، لأنه سيأتي قريبا أن إسلامه كان قبل إسلام علي، وكذا أبو بكر لم يكن موجودا عندهم، بناء على أن إسلامه كان قبل إسلام علي، ويؤيده ما قيل: أول من صلى مع النبي ﷺ أبو بكر، لكن في الاستيعاب لابن عبد البر أن العباس قال لعفيف الكندي لما قال له ما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي، وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الغلام. وفيه أن عليا قال: لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين، أي ولعل المراد أنه عبده بغير الصلاة. وقوله في هذا الحديث: فنظر إلى الشمس، فلما رآها مالت توضأ وصلى قد يخالف ما تقدم من أن فرض الصلاة كان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي قبل غروب الشمس فقط. أقول: قد يقال لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون صلاته في الوقت ليست مما فرض عليه، والجماعة في ذلك جائزة، وقد فعلها ﷺ في النقل المطلق، وهذا يدل على أن الجماعة كانت مشروعة بمكة حتى في صدر الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس.
مما فرض عليه، والجماعة في ذلك جائزة، وقد فعلها ﷺ في النقل المطلق، وهذا يدل على أن الجماعة كانت مشروعة بمكة حتى في صدر الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس. وفي كلام بعض فقهائنا أنها لم تشرع إلا في المدينة دون مكة لقهر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إلا أن يقال المراد بمشروعيتها طلبها، فكانت في المدينة مطلوبة استحبابا أو وجوبا، كفاية أو عينا على الخلاف عندنا في ذلك، وفي مكة كانت مباحة، لكن في كلام بعض آخر من فقهائنا أن الجماعة لم تفعل بمكة لقهر
الصحابة. وفيه أن القهر إنما ينافي إظهار الجماعة لا فعلها، إلا أن يقال تركت حسما للباب. وفيه أنه يبعد تركها وهم مستخفون في دار الأرقم فليتأمل، والله أعلم. ثم بعد إسلام علي رضي الله تعالى عنه أسلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم زيد بن حارثة بن شرحبيل. وقال ابن هشام: شرحبيل مولى رسول الله ﷺ وهبته له خديجة، أي لما تزوجها ﷺ، أي وكان اشتراه لها ابن أخيها حكيم بن حزام ممن سباه من الجاهلية، أي فإن عمته خديجة أمرته أن يبتاع لها غلاما ظريفا عربيا، فلما قدم سوق عكاظ وجد زيدا يباع، أي وعمره ثمان سنين، فإنه أسر من عند أخواله طي، وعليه اقتصر السهيلي. فإن أمه لما خرجت به لتزيره أهلها فأصابته خيل فباعوه فاشتراه، أي وقيل اشتراه من سوق حباشة بأربعمائة درهم، ويقال بستمائة درهم، فلما رأته خديجة أعجبها فأخذته أي ولعل هذا مراد من قال فباعه من عمته خديجة أي اشتراه لها، فلما تزوّجها ﷺ وهو عندها أعجب به فاستوهبه منها فوهبته له، فأعتقه رسول الله ﷺ وتبناه قبل الوحي. أي وقيل اشتراه ﷺ لها فإنها جاء إلى خديجة، فقال: «رأيت غلاما بالبطحاء قد أوقفوه ليبيعوه، ولو كان لي ثمنه لاشتريته، قالت وكم ثمنه؟ قال سبعمائة درهم، قالت: خذ سبعمائة درهم فاذهب فاشتره، فاشتراه رسول الله ﷺ فجاء به إليها، وقال: إنه لو كان لي لأعتقته، قالت: هو لك فأعتقه» وقيل بل اشتراه رسول الله ﷺ من الشام لخديجة حيث توجه مع ميسرة فوهبته له فليتأمل ذلك. وزعم أبو عبيدة أن زيد بن حارثة لم يكن اسمه زيدا، ولكن النبي ﷺ سماه بذلك باسم جدّه قصيّ حين تبناه.
شام لخديجة حيث توجه مع ميسرة فوهبته له فليتأمل ذلك. وزعم أبو عبيدة أن زيد بن حارثة لم يكن اسمه زيدا، ولكن النبي ﷺ سماه بذلك باسم جدّه قصيّ حين تبناه. ثم إنه خرج في إبل لأبي طالب إلى الشام، فمرّ بأرض قومه، فعرفه عمه فقام إليه وقال: من أنت يا غلام؟ قال: غلام من أهل مكة، قال: من أنفسهم؟ قال لا، قال: فحر أنت أم مملوك؟ قال: مملوك، قال: عربيّ أنت أم أعجمي؟ قال: بل عربيّ، قال: ممن أهلك؟ قال من كلب، قال: من أي كلب؟ قال: من بني عبد ود، قال: ويحك ابن من أنت؟ قال ابن حارثة بن شرحبيل، قال: وأين أصبت؟ قال: في أخوالي قال: ومن أخوالك؟ قال: طيّ، قال: ما اسم أمك؟ قال: سعدى، فالتزمه وقال ابن حارثة ودعا أباه، فقال: يا حارثة هذا ابنك، فأتاه حارثة، فلما نظر إليه عرفه، قال: كيف صنع مولاك إليك؟ قال: يؤثرني على أهله وولده، ورزقت منه حبا فلا أصنع إلا ما شئت، فركب معه أبوه وعمه وأخوه. وفي رواية أنا ناسا من قومه حجوا فرأوا زيدا فعرفوه وعرفهم فانطلقوا وأعلموا
أباه ووصفوا له مكانه، فجاء أبوه وعمه. وقد يقال: لا مخالفة، لجواز أن يكون اجتماعه بعمه وأبيه كان بعد إخبار أولئك الناس، فلما جاء أهلك في طلبه ليفدوه خيره النبي ﷺ بين المكث عنده والرجوع إلى أهله، فاختار المكث عند رسول الله ﷺ. فقد ذكر أنهم لما جاؤوا للنبي ﷺ، قالوا: يا ابن عبد المطلب يا ابن سيد قومه: أي وفي لفظ، لما قدم أبوه وعمه في فدائه سألا عن النبي ﷺ، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب يا ابن هشام يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون الأسير العاني، وتطعمون الجائع جئناك في ولدنا عندك، فامنن علينا وأحسن في فدائه فإنا سندفع لك، فقال: وما ذاك؟ قال: زيد بن حارثة، فقال: أو غير ذلك؟ قالوا: وما هو؟ قال ادعوه فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم من غير فداء، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على الذي اختارني فداء، فقالوا، زدت على النصف. وفي لفظ زدتنا على النصف وأحسنت، فدعاه فقال: تعرف هؤلاء؟ قال: نعم أبي وعمي، ولعل سكوته عن أخيه لاستصغاره بالنسبة لأبيه وعمه، على أن أكثر الروايات الاقتصار على مجيء أبيه وعمه. وفي كلام السهيلي «أن زيدا لما جاء قال ﷺ له من هذان؟ فقال: هذا أبي حارثة بن شرحبيل، وهذا كعب بن شرحبيل عمي. فعند ذلك قال ﷺ له: أنا من علمت، وقد رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني مكان الأب والعم، فقالا، ويحك يا زيد تختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال نعم، ما أنا بالذي أختار عليه أحدا، فلما رأى رسول الله ﷺ منه ما رأى أخرجه إلى الحجر: أي الذي هو محل جلوس قريش، فقال إن زيدا ابني أرثه ويرثني فطابت أنفسهما وانصرفا» .



