السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya نور الدين الحلبي (w. 1044 H).

Bagian 18 dari 62 1574 halaman

— Bagian 18 · واستدلال، فيحصل الثواب لمن فعل ذلك، ويحصل العقاب… —

Bagian 18

واستدلال، فيحصل الثواب لمن فعل ذلك، ويحصل العقاب لمن أعرض عنه، إذ مع كشف الغطاء يحصل العلم الضروري، فلا يحتاج إلى إرسال الرسل، ويفوت الإيمان بالغيب. وأيضا لم يسألوا ما سألوا من تلك الآيات إلا تعنتا واستهزاء، لا على جهة الاسترشاد ودفع الشك، وإلى سؤالهم تلك الآيات وارتيابهم في القرآن، وقولهم فيه إنه سحر وافتراء: أي سحر يأثره: أي يأخذه عن مثله وعن أهل بابل، يفرّق به بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) [المدثر: الآية ٢٥] من قول أبي اليسر، وهو عبد لبني الحضرمي كان النبي ﷺ يجالسه وإلى قول أبي جهل أيضا: تزاحمنا نحن وبنو عبد المطلب الشرف، حتى صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزل قوله تعالى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الأنعام: الآية ١٢٤] وإلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله: عجبا للكفار زادوا ضلالا ... بالذي فيه للعقول اهتداء والذي يسألون منه كتاب ... منزل قد أتاهم وارتقاء أي أعجب عجبا من حال الكفار حالة كونهم زادوا ضلالا بالقرآن الذي فيه اهتداء للعقول، وأعجب عجبا أيضا من الأمر الذي يطلبونه منه ﷺ، وهو كثير من جملته كتاب منزل معه عليهم من السماء وهو القرآن:

أو لم يكفهم من الله ذكر ... فيه للناس رحمة وشفاء أعجز الإنس آية منه والجن ... فهلا يأتي به البلغاء كل يوم يهدي إلى سامعيه ... معجزات من لفظه القراء تتحلى به المسامع والأف ... واه فهو الحلي والحلواء رقّ لفظا وراق معنى فجاءت ... في حلاها وحليها الخنساء وأرتنا فيه غوامض فضل ... رقة من زلاله وصفاء إنما تجتلي الوجوه إذا ما ... جليت عن مرآتها الأصداء سور منه أشبهت صورا من ... اومثل النظائر النظراء والأقاويل عندهم كالتماث ... يل فلا يوهمنك الخطباء كم أبانت آياته عن علوم ... من حروف أبان عنها الهجاء فهي كالحب والنوى أعجب الزرا ... ع منها سنابل وزكاء فأطالوا فيه التردد والري ... ب فقالوا سحر وقالوا افتراء وإذا البينات لم تغن شيئا ... فالتماس الهدى بهن عناء وإذا ضلت العقول على عل ... م فماذا تقوله الفصحاء أي أو لم يكفهم عما سألوه عنادا ذكر واصل إليهم، حالة كونه من الله تعالى رحمة وشفاء للناس والجن والملائكة، أعجز الإنس والجن آية منه، فهلا يأتي بتلك الآية أهل البلاغة، كل وقت يهدي قراؤه إلى سامعيه معجزات من لفظه، ولذلك تتحلى بسماعه المسامع، من التحلية التي هي لبس الحلي، وتتحلى بألفاظه الأفواه من الحلواء فهو الحلي، والحلواء حسن من جهة اللفظ، وتصفى من شوائب النقص من جهة المعنى، فأرتنا رقة من زلاله، وصفاء من ذلك الزلال، خبايا فضل فيه وهي العلوم المستنبطة منه، وإنما تظهر الوجوه ظهورا واضحا لإخفاء معه بوجه إذا قوبلت بمرآه، وقت جلاء الأصداء عن تلك المرآة سور منه أشبهت صورا منا، من حيث اشتمال كل صورة منا على عقل وفهم، وخلق لا يشاركه فيه غيره، والأقاويل الصادرة من الكفار في القرآن كالصور التي يصورها المصورون فإنه لا وجود لها في الحقيقة؛ فما قالوه في القرآن باطل قطعي البطلان، فاحذر الخطباء أن توقع في وهمك أن ما تأتي به يقارب القرآن، كم أوضحت آياته علوما حالة كونها متولدة من حروف قليلة كشف عنها التهجي، كالحب الذي يلقيه الزارع، والنوى الذي يلقيه الغارس، أعجب الزراع والغراس منها: أي من تلك الحبوب والنوى سنابل وثمار

ولدة من حروف قليلة كشف عنها التهجي، كالحب الذي يلقيه الزارع، والنوى الذي يلقيه الغارس، أعجب الزراع والغراس منها: أي من تلك الحبوب والنوى سنابل وثمار

ونمو فاق الحصر، فأطالوا في تلك السور الشك فقالوا سحر وتمويه لا حقيقة له، وقالوا مرة أخرى أساطير الأولين، وإذا كانت الحجج والبراهين لم تفدهم شيئا من الهدى، فطلب الهدى منهم بتلك الحجج تعب لا يفيد شيئا، وإذا ضلت العقول عن طرق الحق مع علم منها بتلك الطرق فأي قول يقوله الفصحاء: أي وقال الوليد بن المغيرة يوما: أينزل القرآن على محمد، وأترك أنا وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود الثقفي سيد ثقيف ونحن عظماء القريتين: أي مكة والطائف؟ فأنزل الله تعالى وَقالُوا لَوْلا [الأنعام: الآية ٨] أي هلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) [الزخرف: الآية ٣١] أي أعظم وأشرف من محمد ﷺ، فرد الله تعالى عليهم بقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزّخرف: الآية ٣٢] الآية. وفي لفظ قال بعضهم: «كان الأحق بالرسالة الوليد بن المغيرة من أهل مكة أو عروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف» . ثم لا يخفى أن كفار قريش بعثوا مع النضر بن الحارث عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما: أسألهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول: أي التوراة، لأنه قبل الإنجيل وعندهم علم ليس عندنا، فخرجا، حتى قدما المدينة وسألا أحبار يهود: أي قالا لهم: أتيناكم لأمر حدث فينا، منا غلام يتيم حقير يقول قولا عظيما، يزعم أنه رسول الله. وفي لفظ «رسول الرحمن، قالوا صفوا لنا صفته، فوصفوا، قالوا فمن يتبعه منكم؟ قالوا سفلتنا، فضحك حبر منهم وقالوا: هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة.

الرحمن، قالوا صفوا لنا صفته، فوصفوا، قالوا فمن يتبعه منكم؟ قالوا سفلتنا، فضحك حبر منهم وقالوا: هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة. قالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول: أي وهم أهل الكهف ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها: أي وهو ذو القرنين ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك: أي بحقيقة الأولين وبعارض من عوارض الثالث، وهو كونها من أمر الله فاتبعوه فإنه نبي، فرجع النضر وعقبة إلى قريش وقالا لهم: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد وأخبراهم الخبر، فجاؤوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن ذلك، فقال لهم ﵊: أخبركم غدا، ولم يستثن: أي لم يقل إن شاء الله تعالى وانصرفوا، فمكث ﷺ خمسة عشرة يوما، وقيل ثلاثة أيام، وقيل أربعة أيام لا يأتيه الوحي، وتكلمت قريش في ذلك بما أخبر به النبي ﷺ، فقالوا: إن محمدا قلاه ربه وتركه: أي ومن جملة من قال ذلك له ﷺ أم جميل امرأة عمه أبي لهب، قالت له: ما أرى صاحبك إلا وقد ودعك وقلاك: أي تركك وبغضك. وفي رواية قالت: امرأة من قريش: أبطأ عليه شيطانه، وشقّ عليه ﷺ ذلك منهم. ثم جاءه

جبريل بسورة الكهف وفيها خبر الفتية الذين ذهبوا وهم أهل الكهف» . ويروى «أنهم يكونون مع عيسى ابن مريم ﵊ إذا نزل، ويحجون البيت. وخبر الرجل الطواف وهو ذو القرنين: أي وهو إسكندر ذو القرنين كان له قرنان صغيران من لحم تواريهما العمامة» . وفي لفظ: كان له شبه القرنين في رأسه، وقيل غديرتان من شعر، وقيل لأنه قرن ما بين طلوع الشمس ومغربها: أي بلغ قطري المشرق والمغرب، وقيل ضرب على قرن رأسه فمات ثم أحيي، ثم ضرب على قرنه الآخر فمات ثم أحيي. وقيل لأنه ملك الروم وفارس، وقيل لأنه انقرض في زمنه قرنان من الناس، والقرن زمان مائة سنة، وكان ذو القرنين رجلا صالحا من أهل مصر من ولد يونن. وفي لفظ يونان بن يافث بن نوح، وكان من الملوك العادلة، وكان الخضر صاحب لوائه الأكبر. وقيل كان نبيا قاله الضحاك. وجاءه ﷺ جبريل بالجواب عن الروح المذكور ذلك في سورة الإسراء، وهو أن الروح من أمر الله: أي قل لهم الروح من أمر ربي: أي من علمه لا يعلمه إلا هو: أي وكان في كتبهم أن الروح من أمر الله: أي مما استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، ومن ثم جاء في بعض الروايات ما تقدم «إن أجابكم عن حقيقة الروح فليس بنبي، وإلا بأن أجابكم عنها بأنها من أمر الله فهو نبي» ولعل هذا هو المراد كما جاء في بعض الروايات «سلوه عن الروح، فإن أخبركم به فليس بنبي، وإن لم يخبركم فهو نبي» . أقول: إذا كان في كتبهم أن حقيقة الروح مما استأثر الله تعالى بعلمه كيف يسألونه فيخبرهم بذلك؟ إلا أن يقال: المراد إن أجابكم بغير قوله من أمر ربي فاعلموا أنه غير نبي، فإنه يحاول أن يخبركم عن حقيقتها، وحقيقتها لا يعلمها إلا الله تعالى. ويوافقه ما في مأثور التفسير «من أمر ربي» من علم ربي لا علم لي به. وفي بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «سلوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في آدم، فإن قال لكم من الله تعالى، فقولوا له كيف يعذب الله في النار شيئا هو منه» .

ن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «سلوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في آدم، فإن قال لكم من الله تعالى، فقولوا له كيف يعذب الله في النار شيئا هو منه» . وحاصل الجواب الذي أشارت إليه الآية أن الروح أمر بمعنى مأمور: أي مأمور من مأموراته، وخلق من خلقه، لا أنها جزء منه، والله أعلم: أي وهذا يدل على أن المسؤول عنه روح الإنسان التي هي سبب في إفادة الحياة للجسد. وفي كلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى أن الروح روحان: حيواني، وهي التي

تسميه الأطباء المزاج، وهو جسم لطيف بخاريّ معتدل، سار في البدن الحامل لقواه من الحواس الظاهرة والقوى الجسمانية، وهذه الروح تفنى بفناء البدن وتنعدم بالموت. وروح روحاني وهي التي يقال لها النفس الناطقة، ويقال لها اللطيفة الربانية، ويقال لها العقل، ويقال لها الروح ويقال لها القلب، من الألفاظ الدالة على معنى واحد، لها تعلق بقوى النفس الحيواني، وهذه الروح لا تفنى بفناء البدن، وتبقى بعد الموت، هذا كلامه. وفي كلام بعضهم: والروح عند أكثر أهل السنة جسم لطيف، مغاير للأجسام ماهية وهيئة، متصرف في البدن، حالّ فيه حلول الدهن في الزيتون يعبر عنه بأنا وأنت. وإذا فارق البدن مات. وذهب جمع منهم الغزالي والإمام الرازي وفاقا للحكماء والصوفية إلى أنه جوهر مجرّد غير حالّ بالبدن، يتعلق به تعلق العاشق بالمعشوق، يدبر أمره على وجه لا يعلمه إلا الله اهـ. ورأيت في كلام الشيخ الأكبر أن الإمام ركن الدين السمرقندي لما فتح المسلمون بلاد الهند، خرج بعض علمائها ليناظر المسلمين، فسأل عن العلماء، فأشاروا إلى الإمام ركن الدين السمرقندي، فقال له الهندي: ما تعبدون؟ قالوا: نعبد الله بالغيب، قال: ما أنبأكم؟ قالوا: محمد ﷺ، قال: فما الذي قال في الروح؟ قال: هو من أمر ربي، فقال صدقتم فأسلم، وليس المراد بالروح خلق من الملائكة على صورة بني آدم، أو ملك عظيم عرض شحمة أذنه خمسمائة عام إلى غير ذلك مما قيل. قال بعضهم: قلت كذا في هذه الرواية أنهم سألوه: أي مشركو مكة عن الروح. وحديث ابن مسعود يدل على أن السؤال عن الروح ونزول الآية كان بالمدينة: أي من اليهود، هذا كلامه.

ت كذا في هذه الرواية أنهم سألوه: أي مشركو مكة عن الروح. وحديث ابن مسعود يدل على أن السؤال عن الروح ونزول الآية كان بالمدينة: أي من اليهود، هذا كلامه. وفيه أنه سيأتي جواز تكرار السؤال وتكرر نزول الآية إلى آخر ما يأتي، وبه يعلم ما في الإتقان حيث تعقب قول بعضهم: إن أصحاب محمد ﷺ سألوه عن الروح وعن ذي القرنين بقوله: قلت: السائل عن الروح وذي القرنين مشركو مكة أو اليهود كما في أسباب النزول لا الصحابة. وفي الإتقان: قد يعدل عن الجواب أصلا إذا كان السائل قصده التعنت نحو وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: الآية ٨٥] قال صاحب الإفصاح: إنما سأل اليهود تعجيزا وتغليطا إذا كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان والقرآن وعيسى وجبريل وملك آخر وصنف من الملائكة، فقصد اليهود أن يسألوه ﷺ، فبأيّ مسمى أجابهم؟ قالوا: ليس هو، فجاءهم الجواب مجملا. وكان هذا الإجمال كيدا يرد به كيدهم، وفي سورة الكهف أيضا آية وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ

يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف: الآية ٢٣] أي إذا أردت أن تقول سأفعل شيئا فيما يستقبل من الزمان تقول إن شاء الله، فإن نسيت التعليق بذلك ثم تذكرت تأتي بها، فذكرها بعد النسيان كذكرها بعد القول. قال جمع منهم الحسن: ما دام في المجلس: أي وظاهره وإن طال الفصل. وفي الخصائص الكبرى أن هذا: أي الإتيان بالمشيئة بعد التذكر من خصائصه ﷺ، وليس لأحد منا أن يستثني: أي يأتي بالمشيئة إلا في صلة يمينه. أقول: كان ينبغي أن يقول في صلة إخباره، لأن مساق الآية في الإخبار لا في الحلف. فإن قيل: هي عامة في الخبر والحلف. قلنا كان ينبغي أن يقول حينئذ في صلة كلامه وحينئذ يقتضي كلامه أن نشاركه في الخبر دون الحلف والله أعلم. ثم لا يخفى أنه قيل سبب احتباس الوحي أنه لم يقل إن شاء الله تعالى وهو المشهور، وقيل لأنه كان في بيته كلب. وفي لفظ: كان تحت سريره جرو ميت، فقد جاء «أنه ﷺ لما عاتب جبريل في احتباسه، قال: أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب: أي فإنه ﷺ قال لخادمته خولة: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله ﷺ؟ جبريل لا يأتيني، قالت: فقلت في نفسي: لو كنست البيت، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو ميتا» . أقول: قال ابن كثير: قد ثبت في الحديث المروي في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعه من الصحابة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب» وقد أورد بعض الزنادقة سؤالا، وهو إذا كانت الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة: أي صورة التماثيل التي فيها الأرواح، يلزم أن لا يموت من عنده كلب أو صورة، وأن لا يكتب عمله. وأجيب عنه بأن المراد لا تدخل ذلك البيت دخول إكرام لصاحبه وتحصيل بركة، فلا ينافي دخولهم لكتابة الأعمال وقبض الأرواح، والله أعلم. وقيل لأنه ﷺ زجر سائلا ملحا، وقد كان قبل ذلك يرد السائل بقوله: «آتاكم الله من فضله» أي وربما سكت، فقد روى الشيخان «ما سئل رسول الله ﷺ شيئا فقال لا» قال الحافظ ابن حجر: المراد بذلك أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده شيء أعطاه وإلا سكت، وهذا هو المراد بما جاء أنه ﷺ ما ردّ سائلا قط: أي ما شافهه بالرد.

ال الحافظ ابن حجر: المراد بذلك أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده شيء أعطاه وإلا سكت، وهذا هو المراد بما جاء أنه ﷺ ما ردّ سائلا قط: أي ما شافهه بالرد. وقد حكى بعضهم قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله استغفر لي، فسكت، فقلت: يا رسول الله إن ابن عيينة حدثنا عن جابر أنك ما سئلت شيئا

قط فقلت لا، فتبسم ﷺ واستغفر لي، أي فكان يأتي بالأول حيث لا يكون المقام يقتضي الاقتصار على السكوت، ولعل هذا في غير رمضان. فلا يخالف ما رواه البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذ دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل» وبين الشيخ ابن الجوزي في النشر سبب إلحاح هذا السائل، فقال: «إن النبي ﷺ أهدي إليه قطف عنب قبل أوانه، فهمّ أن يأكل منه، فجاءه سائل فقال: أطعموني مما رزقكم الله، فسلم إليه ذلك القطف، فلقيه بعض الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي ﷺ، فعاد السائل إلى النبي ﷺ فسأله فأعطاه إياه، فلقيه رجل آخر من الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي ﷺ، فعاد السائل فسأله فانتهره وقال: إنك ملحّ» قال: وهذا سياق غريب جدا، وهو معضل. وقيل سبب ذلك غير ذلك، من ذلك الغير «أن جبريل ﵇ لما قال له ﷺ: ما حبسك عني؟ قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شعوركم، ولا تستاكون» . أقول: واختلاف هذه الأسباب ظاهر في أن الواقعة متعددة. ولا ينافيه قوله: ونزلت: أي آية سورة الضحى ردا عليهم في قولهم إن محمدا قلاه ربه وتركه، وهي ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) [الضّحى: الآية ٣] أي ما قطعك قطع المودع، وما أبغضك، لأنه يجوز أن يكون مما تكرر نزوله لاختلاف سببه.

ربه وتركه، وهي ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) [الضّحى: الآية ٣] أي ما قطعك قطع المودع، وما أبغضك، لأنه يجوز أن يكون مما تكرر نزوله لاختلاف سببه. ويمكن أن يقال: يجوز أن تكون الواقعة واحدة وتعددت أسبابها. ولا ينافيه إخبار جبريل ﵇ تارة بأن سبب احتباسه عدم قص الأظفار وما ذكر معه، وتارة بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، وتارة بقوله: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: الآية ٦٤] كما يأتي قريبا، وكما سيأتي في قصة الإفك، لكن قال الحافظ ابن حجر: قصة إبطال جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية أي ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) [الضّحى: الآية ٣] غريب فالمعتمد ما في الصحيح هذا كلامه. أقول: ومما يدل على أن واقعة الجرو كانت بالمدينة ما في بعض التفاسير أن هذا الجرو كان للحسن والحسين ﵄، وما رواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «واعد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في ساعة أن يأتيه، فجاء تلك الساعة ولم يأته فيها، قالت: وكان بيده عصا فطرحها من يده وهو يقول: ما يخلف الله وعده ولا رسله، ثم التفت فإذا كلب تحت السرير، فقال: متى دخل هذا الكلب؟ فقلت: والله ما دريت به، فأمر به فأخرج، فجاء جبريل ﵊، فقال له رسول الله ﷺ: وعدتني فجلست لك ولم تأت؟ فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة» .

وفي زيادة الجامع الصغير «أتاني جبريل فقال لي: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فأمر ﷺ برأس التمثال الذي في البيت فليقطع فيصير كهيئة الشجرة، وأمر بالستر فليقطع فيجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن، وأمر بالكلب فأخرج» ومعلوم أن مجيء جبريل له ﷺ إكرام وتشريف له ﷺ، فلا ينافي ما تقدم فليتأمل. ولما نزلت السورة المذكورة كبر ﷺ فرحا بنزول الوحي، واستمر ﷺ لا يجاهر قومه بالدعوة حتى نزل وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) [الضّحى: الآية ١١] فعند ذلك كبر ﷺ أيضا، وكان ذلك سببا للتكبير في افتتاح السورة التي بعدها وفي ختمها إلى آخر القرآن. وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه «أنه قرأ كذلك على النبي ﷺ بعد أمره له بذلك، وأنه كان كلما ختم سورة وقف وقفة ثم قال: الله أكبر» . هذا، وقيل ابتداء التكبير من أول ألم نشرح لا من أول والضحى. وقيل إن التكبير إنما هو لآخر السورة، وابتداؤه من آخر سورة الضحى إلى آخر قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) [النّاس: الآية ١] والإتيان بالتكبير في الأول والآخر جمع بين الروايتين والرواية التي جاءت بأنه كبر في أول السورة المذكورة والرواية الأخرى أنه كبر في آخرها. ومما يدل على أن التكبير أول سورة الضحى، ما جاء عن عكرمة بن سليمان قال: «قرأت على إسمعيل بن عبد ربه، فلما بلغت الضحى قال: كبر، فإني قرأت على عبد الله بن كثير أحد القراء السبعة، فلما بلغت وَالضُّحى (١) [الضّحى: الآية ١] قال لي: كبر حتى تختم. وأخبرني ابن كثير أنه قرأ على مجاهد، فأمره بذلك، وأخبره أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أمره بذلك وأخبره ابن عباس أن أبيّ بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبيّ أن النبي ﷺ أمره بذلك» قال بعضهم: حديث غريب. ونقل عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال لآخر: إذا تركت التكبير: أي من الضحى إلى الحمد في الصلاة وخارجها فقد تركت سنة من سنن نبيك ﷺ، لكن في كلام الحافظ ابن كثير: ولم يرد ذلك أي التكبير عند نزول سورة الضحى بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف.

في الصلاة وخارجها فقد تركت سنة من سنن نبيك ﷺ، لكن في كلام الحافظ ابن كثير: ولم يرد ذلك أي التكبير عند نزول سورة الضحى بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف. وقد ذكر الشيخ أبو المواهب الشاذلي رضي الله تعالى عنه عن شيخه أبي عثمان أنه قال: إنما نزلت سورة أَلَمْ نَشْرَحْ [الشّرح: الآية ١] عقب قوله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) [الضّحى: الآية ١١] إشارة إلى أن من حدث بنعمة الله فقد شرح الله صدره قال: كأنه تعالى يقول إذا حدثت بنعمتي ونشرتها بين عبادي فقد شرحت صدرك. وعن ابن إسحق: ذكر لي «أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: لقد احتبست عني يا

جبريل حتى سؤت ظنا» وفي لفظ «ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فقال له جبريل وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) [مريم: الآية ٦٤] أي لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته على مقتضى حكمته، وما كان ربك تاركا لك كما زعم الكفار، بل كان ذلك لحكمة رآها. وأما حديث الزبيدي، فقد حدث بعضهم الزبيدي، فقد حدث بعضهم قال: «بينا رسول الله ﷺ جالس في المسجد ومن معه من الصحابة إذا رجل من زبيد يطوف على حلق قريش حلقة بعد أخرى وهو يقول: يا معشر قريش كيف تدخل عليكم المارة أو يجلب إليكم جلب، أو يحل بضم الحاء أي ينزل بساحتكم تاجر وأنتم تظلمون من دخل عليكم في حرمكم؟ حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ في أصحابه، فقال له ﷺ: ومن ظلمك؟ فذكر أنه قدم بثلاثة أجمال خيرة إبله أي أحسنها فسامه بها أبو جهل ثلث أثمانها، ثم لم يسمه بها لأجله سائم، قال: فأكسد عليّ سلعتي فظلمني، فقال له رسول الله ﷺ: وأين جمالك؟ قلا: هذه هي بالحزورة، فقام رسول الله ﷺ وقام أصحابه فنظروا إلى الجمال فرأى جمالا حسنا، فساوم ذلك الرجل حتى ألحقه برضاه، وأخذها رسول الله ﷺ فباع جملين منها بالثمن، وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنه، وكل ذلك وأبو جهل جالس في ناحية من السوق ولم يتكلم، ثم أقبل إليه رسول الله ﷺ فقال له:

ن منها بالثمن، وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنه، وكل ذلك وأبو جهل جالس في ناحية من السوق ولم يتكلم، ثم أقبل إليه رسول الله ﷺ فقال له: إياك يا عمرو أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الرجل فترى مني ما تكره، فجعل يقول: لا أعود يا محمد لا أعود يا محمد، فانصرف رسول الله ﷺ وأقبل على أبي جهل أمية بن خلف ومن معه من القوم، فقالوا له: ذللت في يد محمد، فإما أن تكون تريد أن تتبعه، وإما رعب دخلك منه، فقال لهم: لا أتبعه أبدا، إن الذي رأيتم مني لما رأيته، رأيت معه رجالا عن يمينه ورجالا عن شماله معهم رماح يشرعونها إليّ، لو خالفته لكانت إياها أي لأتوا على نفسي» . ونظير ذلك «أن أبا جهل كان وصيا على يتيم فأكل ماله وطرده، فاستغاث اليتيم بالنبي ﷺ على أبي جهل، فمشى معه إليه ورد عليه ماله، فقيل له في ذلك فقال: خفت من حربة عن يمينه وحربة عن شماله لو امتنعت أن أعطيه لطعنني» . وأما حديث المستهزئين. فمما استهزئ به على رسول الله ﷺ ما حدث به بعضهم «أن أبا جهل بن هشام ابتاع من شخص يقال له الإراشي بكسر الهمزة نسبة إلى إراشة بطن من خثعم أجمالا فمطله بأثمانها، فدلته قريش على النبي ﷺ لينصفه من أبي جهل استهزاء برسول الله ﷺ، لعلمهم بأنه لا قدرة له على أبي جهل: أي بعد أن وقف على ناديهم فقال: يا معشر قريش من رجل يعينني على أبي الحكم بن

هشام فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني علي حقي، فقالوا له أترى ذلك الرجل؟ يعنون رسول الله ﷺ، اذهب إليه فهو يعينك عليه، فجاء إلى رسول الله ﷺ، فذكر له حاله مع أبي جهل- أي قال له: يا أبا عبد الله إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله وأنا غريب وابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يأخذ لي بحقي منه فأشاروا إليك، فخذ حقي منه يرحمك الله- فخرج النبي ﷺ مع الرجل إلى أبي جهل وضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال محمد، فخرج إليه وقد انتقع لونه: أي تغير وصاح كلون النقع- الذي هو التراب، وهو الصفرة مع كدرة كما تقدم- فقال له: أعط هذا حقه، قال نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له، فدفعه إليه. قال: ثم إن الرجل أقبل حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا يعني النبي ﷺ فقد والله أخذ لي بحقي، وقد كانوا أرسلوا رجلا ممن كان معهم خلف النبي ﷺ وقالوا له انظر ماذا يصنع؟ فقالوا لذلك الرجل ماذا رأيت؟ قال: رأيت عجبا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه فقال: أعط هذا حقه، فقال نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إليه، فعند ذلك قالوا لأبي جهل: ويلك ما رأينا مثل ما صنعت، قال: ويحكم، والله ما هو إلا أن ضرب عليّ بابي وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسي فحلا من الإبل ما رأيت مثله قط، لو أبيت أو تأخرت لأكلني» وإلى هذه القصة أشار صاحب الهمزية بقوله: واقتضاه النبي دين الإراشي ... وقد ساء بيعه والشراء ورأى المصطفى أتاه بما لم ... ينج منه دون الوفاء النجاء هو ما قد رآه من قبل لكن ... ما على مثله يعد الخطاء أي وطلب ﷺ من أبي جهل أن يؤدي دين الإراشي وقد ساء بيعه وشراؤه مع ذلك الرجل ورأى المصطفى ﷺ وقد أتاه بفحل من الإبل لم ينج منه دون الوفاء لذلك الدين. كثير النجاء، وذلك الذي أتاه به هو الفحل الذي قد رآه من قبل: أي لما أراد عدو الله أن يلقي عليه ﷺ الحجر وهو ساجد كما تقدم، لكن ما على مثله فضلا عنه يعدّ الخطأ لأن خطأه لا ينحصر.

ه به هو الفحل الذي قد رآه من قبل: أي لما أراد عدو الله أن يلقي عليه ﷺ الحجر وهو ساجد كما تقدم، لكن ما على مثله فضلا عنه يعدّ الخطأ لأن خطأه لا ينحصر. أي ومن استهزاء أبي جهل بالنبي ﷺ «أنه في بعض الأوقات سار خلف النبي ﷺ يخلج بأنفه وفمه يسخر به، فاطلع عليه ﷺ، فقال له: كن كذلك، فكان كذلك إلى أن مات» . قال ابن عبد البر: وكان من المستهزئين الذين قال الله تعالى فيهم إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) [الحجر: الآية ٩٥] أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط والحكم بن

العاص بن أمية وهو والد مروان بن الحكم عم عثمان بن عفان، والعاص بن وائل، فمن استهزاء أبي جهل ما تقدم. ومن استهزاء أبي لهب به ﷺ أنه كان يطرح القذر على باب رسول الله ﷺ كما تقدم، ومرّ يوما من الأيام فرآه أخوه حمزة رضي الله تعالى عنه قد فعل ذلك، فأخذه وطرحه على رأسه، فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول صابئ أحمق. ومن استهزاء عقبة بن أبي معيط به ﷺ أنه كان يلقي القذر أيضا على بابه ﷺ كما تقدم، وقد قال ﷺ: «كنت بين شرّ جارين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحونها على بابي» كما تقدم.

ن يلقي القذر أيضا على بابه ﷺ كما تقدم، وقد قال ﷺ: «كنت بين شرّ جارين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحونها على بابي» كما تقدم. ومن استهزائه «أنه بصق في وجه النبي ﷺ فعاد بصاقه على وجهه وصار برصا: أي فإنه ﷺ كان يكثر مجالسة عقبة بن أبي معيط، فقدم عقبة يوما من سفر فصنع طعاما ودعا الناس من أشراف قريش ودعا النبي ﷺ، فلما قرب إليهم الطعام أبى رسول الله ﷺ أن يأكل، فقال: ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، فأكل ﷺ من طعامه وانصرف الناس، وكان عقبة صديقا لأبيّ بن خلف، فأخبر الناس أبيا بمقالة عقبة، فأتى إليه وقال: يا عقبة صبوت؟ قال: والله ما صبوت، ولكن دخل منزلي رجل شريف، فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم والشهادة ليست في نفسي، فقال له أبيّ وجهي ووجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأه وتبزق في وجهه وتلطم عينه، فقال له عقبة: لك ذلك، ثم إن عقبة لقي النبي ﷺ ففعل به ذلك» قال الضحاك: لما بزق عقبة لم تصل البزقة إلى وجه رسول الله ﷺ بل وصلت إلى وجهه هو كشهاب نار فاحترق مكانها، وكان أثر الحرق في وجهه إلى الموت. وحينئذ يكون المراد بقوله فيما تقدم «فعاد بصاقه برصا في وجهه» أي صار كالبرص «وأنزل الله تعالى في حقه وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ [الفرقان: الآية ٢٧] أي في النار يأكل إحدى يديه إلى المرفق ثم يأكل الأخرى، فتنبت الأولى فيأكلها وهكذا» . ومن استهزاء الحكم بن العاص «أنه كان ﷺ يمشي ذات يوم وهو خلفه يخلج بفمه وأنفه، يسخر بالنبي ﷺ، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال له: كن كذلك فكان كذلك» أي كما تقدم نظير ذلك لأبي جهل «واستمر الحكم بن العاص يخلج بأنفه وفمه بعد أن مكث شهرا مغشيا عليه حتى مات» أسلم يوم فتح مكة وكان في إسلامه شيء «اطلع على رسول الله ﷺ من باب بيته وهو عند بعض نسائه بالمدينة، فخرج إليه ﷺ بالعنزة- أي وقيل بمدرى في يده- والمدرى كالمسلة يفرق به شعر الرأس- وقال: من عذيري من هذه الوزغة، لو أدركته لفقأت عينه، ولعنه وما ولد، وغربه

عن المدينة إلى وجّ الطائف، فلم يزل حتى ولي ابن أخي عثمان رضي الله تعالى عنه الخلافة، فدخل المدينة بعد أن سأل عثمان أبا بكر في ذلك، فقال: لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ، ثم سأل عمر لما ولي الخلافة فقال له مثل ذلك، ولما أدخله عثمان نقم عليه الصحابة بسبب ذلك، فقال: أنا كنت شفعت فيه إلى رسول الله ﷺ فوعدني برده: أي أني أردّه» ولا ينافي ذلك سؤال عثمان لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم في ذلك كما لا يخفى، لأنه يحتمل أن يرده عثمان إما بنفسه أو بسؤاله، وسيأتي ذلك في جملة أمور نقهما عليها الصحابة. وعن هند ابن خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما «أن النبي ﷺ مرّ بالحكم، فجعل يغمز بالنبي ﷺ، فرآه فقال: اللهم اجعل به وزغا فرجف وارتعش مكانه» والوزغ: الارتعاش. وفي رواية «فما قام حتى ارتعش» . وعن الواقدي «استأذن الحكم بن العاص على رسول الله ﷺ فعرف صوته، فقال: ائذنوا له، لعنه الله ومن يخرج من صلبه إلا المؤمنين منهم وقليل ما هم، ذو مكر وخديعة، يعطون الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق» «وكان لا يولد لأحد ولد بالمدينة إلا أتى به النبي ﷺ، فأتي إليه بمروان لما ولد، فقال: هو الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون» وعلى هذا فهو صحابي إن ثبت أن النبي ﷺ رآه، لأنه يحتمل أنه أتي به إليه ﷺ فلم يأذن بإدخاله عليه، وربما يدل لذلك قوله هو الوزغ إلى آخره.

عون ابن الملعون» وعلى هذا فهو صحابي إن ثبت أن النبي ﷺ رآه، لأنه يحتمل أنه أتي به إليه ﷺ فلم يأذن بإدخاله عليه، وربما يدل لذلك قوله هو الوزغ إلى آخره. وفي كلام بعضهم أن مروان ولد بمكة. وفي كلام بعض آخر أنه ولد بالطائف بعد أن نفي أبوه إلى الطائف: أي ولم يجتمع بالنبي ﷺ فهو ليس بصحابي، ومن ثم قال البخاري: مروان بن الحكم لم ير النبي ﷺ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت لمروان «نزل في أبيك وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) [القلم: الآية ١٠ و ١١] وقالت له «سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبيك وجدك الذي هو العاص بن أمية: إنهم الشجرة الملعونة في القرآن» ولي مروان الخلافة تسعة أشهر. وعن عائشة ﵂ أنها قالت لمروان بن الحكم، حيث قال لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر لما بايع معاوية لولده، قال مروان: سنة أبي بكر لما بايع معاوية لولده، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فقال عبد الرحمن: بل سنة هرقل وقيصر، وامتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما [الأحقاف: الآية ١٧] فبلغ ذلك عائشة، فقالت كذب والله ما هو به، ثم قالت له: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صلبه. وعن جبير بن مطعم «كنا مع رسول الله ﷺ فمرّ الحكم بن العاص، فقال

له ما هو به، ثم قالت له: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صلبه. وعن جبير بن مطعم «كنا مع رسول الله ﷺ فمرّ الحكم بن العاص، فقال

النبي ﷺ: «ويل لأمتي مما في صلب هذا» قال بعضهم: وكون النبي ﷺ مع ما هو عليه من الحلم والإغضاء على ما يكره فعل بالحكم ذلك، يدل على أمر عظيم ظهر له في الحكم وأولاده. وعن حمران بن جابر الجعفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل لبني أمية ثلاث مرات» أي وقد ولي منهم الخلافة أربعة عشر رجلا، أوّلهم معاوية بن أبي سفيان، وآخرهم مروان بن محمد، وكانت مدة ولايتهم ثنتين وثمانين سنة، وهي ألف شهر. وقال بعضهم: لا يزيد ذلك يوما ولا ينقص يوما. قال ابن كثير: وهذا غريب جدا، وفيه نظر، لأن معاوية حين تسلم الخلافة من الحسن كان ذلك سنة أربعين أو إحدى وأربعين، واستمر الأمر في بني أمية إلى أن انتقل إلى بني العباس سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ومجموع ذلك ثنتان وتسعون سنة، وألف شهر تعدل ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر هذا كلامه. ومن استهزاء العاص بن وائل أنه كان يقول: غرّ محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث. أي ومن استهزائه. أن خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه كان قينا بمكة: أي حدادا يعمل السيوف، وقد كان باع للعاص سيوفا فجاءه يتقاضى ثمنها، فقال له: يا خباب أليس يزعم محمد هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم أو ولد؟ قال خباب بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقك، وو الله لا تكونن أنت وصاحبك آثر عند الله مني ولا أعظم حظا في ذلك.

ب بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقك، وو الله لا تكونن أنت وصاحبك آثر عند الله مني ولا أعظم حظا في ذلك. وفي لفظ أن العاص قال له: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال: والله لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يبعثك، قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتي مالا وولدا فأقضيك، فأنزل الله تعالى فيه أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) [مريم: الآيات ٧٧- ٨٠] !. وفي كلام ابن حجر الهيتمي، وفي البخاري من عدة طرق: أن خبابا رضي الله تعالى عنه طلب من العاص بن وائل السهمي دينا له عليه، قال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال: لا أكفر به حتى يميتك الله ثم يبعثك. وفيه أن هذا تعليق للكفر بممكن: أي وتعليق الكفر ولو بمحال عادي، وكذا شرعي أو عقلي على احتمال كفر، لأنه ينافي عقد التصميم الذي هو شرط في الإسلام.

وأجيب بأنه لم يقصد التعليق قطعا، وإنما أراد تكذيب ذلك اللعين في إنكار البعث، ولا ينافيه قوله «حتى» لأنها تأتي بمعنى إلا المنقطعة فتكون بمعنى لكن الذي صرحوا بأن ما بعدها كلام مستأنف، وعليه خرج ابن هشام الخضراوي حديث «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه» أي لكن أبواه. وعد بعضهم من المستهزئين الحارث بن عيطلة، ويقال ابن عيطل ينسب إلى أمه، وكان من استهزائه ما تقدم عن العاص بن وائل وأبي جهل من الاختلاج خلف رسول الله ﷺ. وعد منهم الأسود بن يغوث، وهو ابن خال النبي ﷺ، كان إذا رأى المسلمين قال لأصحابه استهزاء بالصحابة: قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون كسرى وقيصر: أي لأن الصحابة كانوا متقشفين، ثيابهم رثة، وعيشهم خشن، ويقول للنبي ﷺ: أما كلمت اليوم من السماء يا محمد، وما أشبه هذا القول. وعد منهم الأسود بن عبد المطلب. ومن استهزائه أنه كان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي ﷺ وأصحابه ويصفرون إذا رأوهم. وعد منهم النضر بن الحارث، فهلك غالبهم قبيل الهجرة بضروب من البلاء. أقول: والذي ينبغي أن يكون المراد بالمستهزئين في الآية وهي إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) [الحجر: الآية ٩٥] الوليد بن المغيرة والد خالد وعم أبي جهل، فإنه كان من عظماء قريش، وكان في سعة من العيش ومكنة من السيادة، كان يطعم الناس أيام منى حيسا، وينهي أن توقد نار لأجل طعام غير ناره، وينفق على الحاج نفقة واسعة، وكانت الأعراب تثني عليه، كانت له البساتين من مكة إلى الطائف، وكان من جملتها بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفا، وببركته ﷺ أصابته الجوائح والآفات في أمواله حتى ذهبت بأسرها ولم يبق له في أيام الحج ذكر. وكان المقدم في قريش فصاحة، وكان يقال له ريحانة قريش، ويقال له الوحيد أي في الشرف والسودد والجاه والرياسة. قال بعضهم: بل هو وحيد في الكفر والخبث والعناد. والعاص بن وائل والد عمرو بن العاص والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث والحارث بن عيطلة. وفي لفظ: ابن الطلاطلة. والطلاطلة في اللغة: الداهية، قال بعضهم وهو اشتباه، لأن ابن الطلاطلة اسمه مالك لا حارث.

ب والأسود بن عبد يغوث والحارث بن عيطلة. وفي لفظ: ابن الطلاطلة. والطلاطلة في اللغة: الداهية، قال بعضهم وهو اشتباه، لأن ابن الطلاطلة اسمه مالك لا حارث. والحارث بن العيطلة كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وإليه كانت الحكومة والأموال التي تجعل للآلهة، وذكره ابن عبد البر في الصحابة. قال في أسد الغابة: لم أر أحدا ذكره في الصحابة إلا أبا عمرو يعني ابن عبد البر. والصحيح أنه كان من المستهزئين، وهؤلاء الخمسة هم الذين اقتصر عليهم القاضي البيضاوي، لما يروى «أن جبريل أتى النبي ﷺ وهو في المسجد: أي يطوف بالبيت؛ وقال له أمرت أن

أكفيكهم، فلما مر الوليد بن المغيرة قال له: يا محمد كيف تجد هذا؟ فقال: بئس عبد الله، فأومأ إلى ساق الوليد وقال كفيته، ومرّ العاص بن وائل، فقال: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال عبد سوء، فأشار إلى أخمصه وقال كفيته، ثم مرّ الأسود بن المطلب فقال كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: عبد سوء، فأومأ إلى عينه، وقال كفيته، ثم مر الأسود بن عبد يغوث فقال: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال عبد سوء، فأومأ إلى رأسه وقال كفيته، ثم مر الحارث بن عيطلة فقال: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: عبد سوء، فأومأ إلى بطنه وقال كفيته» وحينئذ يكون معنى كفاية هذا له ﷺ أنه لم يسع ولم يتكلف في تحصيل ذلك، وإلى هذا أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله: وجبريل لما استهزأت فرقة الردى ... أشار إلى كل بأقبح ميتة والله أعلم. قال: وروى الزهري «أن الأسود بن عبد يغوث خرج من عند أهله فأصابته السموم فاسودّ وجهه، فأتى أهله فلم يعرفوه وأقفلوا دونه الباب، وسلط عليه العطش فلا زال يشرب الماء حتى انشق بطنه» وهذا يناسب ما سيأتي عن الهمزية، ولا يناسب أن جبريل ﵊ أشار إلى رأسه، وفي كلام البلاذري عن عكرمة «أن جبريل أخذ بعنق الأسود بن عبد يغوث فحنى ظهره حتى احقوقف، فقال رسول الله ﷺ: خالي خالي» أي لأنه كما تقدم ابن خاله، فهو إما على حذف المضاف، أو لأجل مراعاة أبيه: أي يراعى لأجل أبيه الذي هو خالي «فقال جبريل: يا محمد دعه» وفي رواية «قال له جبريل: خلّ عنك، ثم حثاه حتى قتله» وهذا لا يناسب كون جبريل أشار إلى رأسه.

أي يراعى لأجل أبيه الذي هو خالي «فقال جبريل: يا محمد دعه» وفي رواية «قال له جبريل: خلّ عنك، ثم حثاه حتى قتله» وهذا لا يناسب كون جبريل أشار إلى رأسه. والمناسب لذلك ما ذكره بعضهم أنه امتخض رأسه قيحا، ثم لم يزل يضرب برأسه أصل شجرة حتى مات، وكذا الحارث بن عيطلة: أي وفي كلام القاضي وحارث بن قيس. وفي تكملة الجلال السيوطي عدي بن قيس، فقد أكل حوتا مملحا فلم يزل يشرب عليه الماء حتى انقدّ بطنه، وهذا المناسب لما ذكر هنا أن جبريل أشار إلى بطنه، لكن لا يناسب ما قاله القاضي البيضاوي أنه أشار إلى أنفه فامتخض قيحا. وأما الأسود بن المطلب فقد عمي بصره. فقد ذكر «أنه خرج ليستقبل ولده، وقد قدم من الشام، فلما كان ببعض الطريق جلس في ظل شجرة، فجعل جبريل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها حتى عمي، فجعل يستغيث بغلامه، فقال له غلامه: لا أحد يصنع بك شيئا: أي وقيل ضربه بغصن فيه شوك، فسالت حدقتاه،

وصار يقول: ها هو ذا طعن بالشوك في عيني، فيقال له ما نرى شيئا، وقيل أتى شجرة فجعل ينطح رأسه بها حتى خرجت عيناه» أي وفعل ذلك لا ينافي ما ورد «فأشار أي جبريل إلى وجهه فعمي بصره في الحال» لجواز أن يراد بالحال الزمن القريب، وفي رواية: أنه كان يقول «دعا عليّ محمد بالعمى فاستجيب له، ودعوت عليه بأن يكون طريدا شريدا فاستجيب لي» وسيأتي عن بعضهم في غزوة بدر «أنه ﷺ دعا على الأسود بن المطلب بالعمي وفقد أولاده، فجعل له العمى وفقد أولاده ببدر. وأما الوليد بن المغيرة فمر بشخص يعمل النبل فتعلق بثوبه سهم فلم ينقلب لينحيه تعاظما، فعدا فأصاب السهم عرقا في ساقه فقطعه فمات. وأما العاص بن وائل، فدخلت شوكة في أخمصه فانتفخت رجله حتى صارت كالرحا ومات» وإلى الخمسة الذين ذكرنا أنهم المرادون بقوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) [الحجر: الآية ٩٥] أشار صاحب الهمزية بقوله: وكفاه المستهزئين وكم سا ... ء نبيا من قومه استهزاء خمسة كلهم أصيبوا بداء ... والردى من جنوده الأدواء فدهي الأسود بن مطلب ... أيّ عمي ميت به الأحياء ودهي الأسود بن عبد يغوث ... أن سقاه كأس الرد استسقاء وأصاب الوليد خدشة سهم ... قصرت عنها الحية الرقطاء وقضت شوكة على مهجة العا ... ص فلله النقعة الشوكاء وعلى الحارث القيوح وقد سا ... ل بها رأسه وسال الوعاء خمسة طهرت بقطعهم الأر ... ض فكف الأذى بهم شلاء أي وكفى الله رسوله ﷺ المستهزئين به، ومرات كثيرة أحزن نبينا ﷺ كغيره من الأنبياء استهزاء قومه به، وهؤلاء المستهزئون به ﷺ خمسة كلهم أصيبوا بداء عظيم، والهلاك من جملة جنوده الأمراض.

ئين به، ومرات كثيرة أحزن نبينا ﷺ كغيره من الأنبياء استهزاء قومه به، وهؤلاء المستهزئون به ﷺ خمسة كلهم أصيبوا بداء عظيم، والهلاك من جملة جنوده الأمراض. فأهلك الأسود بن المطلب عمى عظيم الأحياء أموات بسببه، وهو المناسب لكون جبريل أشار إلى عينيه. ودهي أيضا الأسود بن عبد يغوث استسقاء سقاه كأس الموت، وهذا لا يناسب كون جبريل أشار إلى رأسه. وأصاب الوليد أثر سهم في ساقه قصرت عنه الحية الرقطاء: أي سمها. وقضت شوكة على مهجة العاص دخلت في رجله، فلله هذه النقعة الخشنة اللمس. وقضت على الحارث القيوح والحال أنه قد سار رأسه، وفسد ذلك الوعاء لتلك القيوح، وهذا هو المناسب لكون جبريل أشار إلى أنفه، لا لقول بعضهم إنه أشار إلى بطنه. خمسة طهرت بهلاكهم الأرض، فكف

الأذى بهم شلاء: فاقدة الحركة. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هؤلاء الخمسة هلكوا في ليلة واحدة، فعلم أن هؤلاء هم المرادون بقوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) [الحجر: الآية ٩٥] كما ذكرنا، وإن كان المستهزئون غير منحصرين فيهم فلا ينافي عدّ منبه ونبيه ابني الحجاج منهم. فقد قيل: كانا ممن يؤذي رسول الله ﷺ، وكانا يلقيانه فيقولان له أما وجد الله من يبعثه غيرك؟ إن هاهنا من هو أسن منك وأيسر، فإن كنت صادقا فأتنا بملك ليشهد لك ويكون معك، وإذا ذكر لهما رسول الله ﷺ قالا معلم مجنون يعلمه أهل الكتاب ما يأتي به. ولا ينافي عدّ أبي جهل وغيره منهم كما تقدم. وفي سيرة ابن المحدث قال ﵊ «من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد ﷺ وأصحابه» . ومن استهزاء أبي جهل أيضا بالنبي ﷺ أنه قال يوما لقريش: يا معشر قريش يزعم محمد أن جنود الله الذين يقذفونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عددا، فيعجز كل مائة رجل منكم عن واحد منهم؟.

يش: يا معشر قريش يزعم محمد أن جنود الله الذين يقذفونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عددا، فيعجز كل مائة رجل منكم عن واحد منهم؟. أي وفي رواية «أن بعض قريش وكان شديدا قويّ البأس، بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدمه فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه، قال له: أنا أكفيك سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، ويقال إن هذا دعا النبي ﷺ إلى المصارعة، وقال له: يا محمد إن صرعتين آمنت بك، فصرعه النبي ﷺ مرارا فلم يؤمن» . أي وفي رواية أنا أبا جهل قال: أنا أكفيكم عشرة فاكفوني تسعة، فأنزل الله تعالى وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [المدّثر: الآية ٣١] أي لا يطاقون كما تتوهمون وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً [المدّثّر: الآية ٣١] ضلالا لِلَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة: الآية ٢١٢] الآية: أي بأن يقولوا ما ذكر، أو يقولوا لم كانوا تسعة عشر؟ وماذا أراد الله بهذا العدد: أي وهذا العدد لحكمة استأثر الله تعالى بعملها، وقد أبدى بعض المفسرين لذلك حكما يراجع. وقد جاء في وصف تلك الملائكة «أن أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي» أي القرون «ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة» وفي رواية «ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب، لأحدهم قوة مثل قوة الثقلين، نزعت الرحمة منهم» . وأخرج العتبي في «عيون الأخبار» عن طاوس: إن الله خلق مالكا وخلق له أصابع على عدد أهل النار، فما من أهل النار معذب إلا ومالك يعذبه بأصبع من

أصابعه، فو الله لو وضع مالك أصبعا من أصابعه على السماء لأذابها، وهؤلاء التسعة عشر هم الرؤساء، ولكل واحد أتباع لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. قال تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدّثّر: الآية ٣١] أي وهؤلاء الأتباع منهم. وأخرج هناد عن كعب قال: يؤمر بالرجل إلى النار فيبتدره مائة ألف ملك: أي والمتبادر أن هؤلاء من خزنتها. وفي كلام بعضهم: لم يثبت لملائكة النار عدد معين سوى ما في قوله تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) [المدّثّر: الآية ٣٠] وإنما ذلك لسقر التي هي إحدى دركات النار، لقوله تعالى قبل ذلك سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) [المدّثّر: الآية ٢٦] وقد يكون على كل واحدة منها مثل هذا العدد أو أكثر. قيل و «بسم الله الرحمن الرحيم» عدد حروفها على عدد هؤلاء الزبانية التسعة عشر، فمن قرأها وهو مؤمن دفع الله تعالى عنه بكل حرف منها واحدا منهم. أقول: ومن استهزاء أبي جهل أيضا أنه قال يوما لقريش وهو يهزأ برسول الله ﷺ وبما جاء به من الحق: يا معشر قريش يخوّفنا محمد بشجرة الزقوم، يزعم أنها شجرة في النار يقال لها شجرة الزقوم، والنار تأكل الشجر، إنما الزقوم التمر والزبد. وفي لفظ: العجوة تترب بالزبد، هاتوا تمرا وزبدا وتزقموا، فأنزل الله تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) [الصّافات: الآية ٦٤] أي منبتها في أصل جهنم ولا تسلط لجهنم عليها، أما علموا أن من قدر على خلق من يعيش في النار ويلتذ بها فهو أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإحراق بها؟

منبتها في أصل جهنم ولا تسلط لجهنم عليها، أما علموا أن من قدر على خلق من يعيش في النار ويلتذ بها فهو أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإحراق بها؟ وقد قال ابن سلام رضي الله تعالى عنه: إنها تحيا باللهب كما يحيا شجر الدنيا بالمطر، وثمر تلك الشجرة مرّ له زفرة. وأخرج الترمذي وصححه النسائي والبيهقي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن تكون طعامه؟» أي وقال: يا محمد لتتركن سبّ آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي تعبد، فأنزل الله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: الآية ١٠٨] فكف عن سبّ آلهتهم، وجعل يدعوهم إلى الله ﷿. ثم رأيت في الدر المنثور في تفسير إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) [الحجر: الآية ٩٥] قيل نزلت في جماعة مرّ النبي ﷺ بهم، فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون. هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبريل، فغمز جبريل ﵊ بأصبعه في أجسادهم فصارت جروحا وأنتنت، فلم يستطع أحد يدنو منهم حتى ماتوا فلينظر الجمع على تقدير الصحة. وقد يدّعى أنهم طائفة آخرون غير من ذكر، لأنهم المستهزئون ذلك الوقت،

ارت جروحا وأنتنت، فلم يستطع أحد يدنو منهم حتى ماتوا فلينظر الجمع على تقدير الصحة. وقد يدّعى أنهم طائفة آخرون غير من ذكر، لأنهم المستهزئون ذلك الوقت،

أي فقد تكرر نزول الآية، والله أعلم. قال: ومن استهزاء النضر بن الحارث أنه كان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا يحدّث فيه قومه ويحذرهم ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله تعالى خلفه في مجلسه ويقول لقريش: هلموا فإني والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، يعني النبي ﷺ «ثم يحدثهم عن ملوك فارس، لأنه كان يعلم أحاديثهم ويقول: ما حديث محمد إلا أساطير الأولين. ويقال إنه الذي قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [الأنعام: الآية ٩٣] انتهى: أي لأنه ذهب إلى الحيرة واشترى منها أحاديث الأعاجم ثم قدم بها مكة فكان يحدث بها ويقول: هذه كأحاديث محمد عن عاد وثمود وغيرهم. ويقال إن ذلك كان سببا لنزول قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان: الآية ٦] . قال في الينبوع: والمشهور أنها نزلت في شراء المغنيات. وقال: ولا بعد في أن تكون الآية نزلت فيهما ليتحقق العطف في قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً [لقمان: الآية ٧] أي فإن هذا الوصف الثاني إنما يناسب النضر، فليتأمل، ولما تلا عليهم ﷺ نبأ الأولين قال النضر بن الحارث: لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين، فأنزل الله تعالى تكذيبا له قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: الآية ٨٨] أي معينا له.

ُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: الآية ٨٨] أي معينا له. وجاء «أن جماعة من بني مخزوم منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة تواصوا على قتله ﷺ، فبينما النبي ﷺ قائما يصلي سمعوا قراءته، فأرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم وأعلمهم بذلك فأتوه، فلما سمعوا قراءته قصدوا الصوت، فإذا الصوت من خلفهم، فذهبوا إليه فسمعوه من أمامهم ولا زالوا كذلك حتى انصرفوا خائبين، فأنزل الله تعالى قوله: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) [يس: الآية ٩] وتقدم في سبب نزولها غير ذلك. ويمكن أن يدعي أنها نزلت لوجود الأمرين فليتأمل. وجاء «أن النضر بن الحارث رأى النبي ﷺ منفردا أسفل ثنية الحجون فقال: لا أجده أبدا أخلى منه الساعة فأغتاله، فدنا إلى رسول الله ﷺ ليغتاله، فرأى أسود تضرب بأذنابها على رأسه فاتحة أفواهها فرجع على عقبه مرعوبا فلقي أبا جهل فقال: من أين؟ فأخبره النضر الخبر، فقال أبو جهل: هذا بعض سحره» . ومما تعنتوا به أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: الآية ٩٨] أي وقودها. وحصب بالزنجية حطب: أي حطب

جهنم. وقد قرأتها عائشة رضي الله تعالى عنها كذلك أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) [الأنبياء: الآية ٩٩] شق على كفار قريش وقالوا لعبد الله بن الزبعرى: قد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا حصب جهنم، فقال ابن الزبعرى: أنا أخصم لكم محمدا ادعوه لي، فدعوه له، فقال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله؟ فقال: بل لكل من عبد من دون الله، فقال ابن الزبعرى: أخصمت ورب هذه البنية. يعني الكعبة- ألست تزعم يا محمد أن عيسى عبد من دون الله وكذا عزير والملائكة، عبدت النصارى عيسى واليهود عزيرا وبنو مليح الملائكة، فضج الكفار وفرحوا فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) [الأنبياء: الآية ١٠١] يعني عيسى وعزيرا والملائكة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة وإسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة وإسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما رأى رسول الله ﷺ ما نزل بالمسلمين من توالي الأذى عليهم من كفار قريش مع عدم قدرته على انقاذهم مما هم فيه، قال لهم: تفرقوا في الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: هاهنا وأشار بيده إلى جهة أرض الحبشة؛ قال: وفي رواية «قال لهم اخرجوا إلى جهة أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد؛ أي وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» انتهى. أي ويجوز أن يكون قال ذلك عند استفساره ﷺ عن محل اشارته. فقد جاء في الحديث «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم خليل الله ونبيه محمد ﷺ» فهاجر إليها ناس ذو عدد مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله تعالى بدينهم. ومنهم من هاجر بأهله. ومنهم من هاجر بنفسه؛ فممن هاجر بأهله عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، هاجر ومعه زوجته رقية بنت النبي ﷺ، وكان أول خارج. وقيل أول من هاجر إلى الحبشة حاطب بن أبي عمرو. وقيل سليط بن عمرو، ولا ينافيهما قوله ﷺ «إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط» أي حيث قال إني مهاجر إلى ربي فهاجر إلى عمه إبراهيم الخليل، ثم هاجرا عليهما الصلاة والسلام حتى أتيا حران، ثم هاجرا إلى أن نزل إبراهيم ﵊ فلسطين، ونزل لوط ﵊ المؤتفكة. ووجه عدم المنافاة أن كلا من حاطب وسليط يجوز أن يكون هاجر بغير أهله

والسلام حتى أتيا حران، ثم هاجرا إلى أن نزل إبراهيم ﵊ فلسطين، ونزل لوط ﵊ المؤتفكة. ووجه عدم المنافاة أن كلا من حاطب وسليط يجوز أن يكون هاجر بغير أهله

وكان مع رقية أم أيمن حاضنته ﷺ، وكانت رقية رضي الله تعالى عنها ذات جمال بارع وكذا عثمان رضي الله تعالى عنه، ومن ثم كان النساء يغنينهما بقولهن: أحسن شيء قد يرى إنسان ... رقية وبعدها عثمان ومن ثم ذكر «أنه ﷺ بعث رجلا إلى عثمان ورقية رضي الله تعالى عنهما فاحتبس عليه الرسول، فلما جاء إليه قال له ﷺ: إن شئت أخبرتك ما حبسك؟ قال نعم، قال: وقفت تنظر إلى عثمان ورقية تعجب من حسنهما» أي ومعلوم أن ذلك كان قبل آية الحجاب. ويذكر أن نفرا من الحبشة كانوا ينظرون إليها فتأذت من ذلك فدعت عليهم فقتلوا جميعا. وقد جاء في وصف حسن عثمان رضي الله تعالى عنه قوله ﷺ «قال لي جبريل: «إن أردت أن تنظر من أهل الأرض شبيه يوسف الصديق فانظر إلى عثمان بن عفان» وسيأتي ذلك مع زيادة. وأبو سلمة هاجر ومعه زوجته أم سلمة: أي وقيل هو أول من هاجر بأهله، وهو مخالف للرواية السابقة أن عثمان أول من هاجر بأهله. ويمكن أن تكون الأولية فيه إضافية فلا ينافي ما سبق عن عثمان. وعامر بن ربيعة هاجر ومعه امرأته ليلى: أي وعنها رضي الله تعالى عنها كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما ركبت بعيري أريد أن أتوجه إلى أرض الحبشة إذا أنا بعمر بن الخطاب، فقال لي: إلى أين يا أمّ عبد الله؟ فقلت: قد آذيتمونا في ديننا، نذهب في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال صحبكم الله، ثم ذهب فجاء زوجي عامر فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يسلم عمر، والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب: أي استبعاد لما كان يرى من قسوته وشدته على أهل الإسلام، وهذا دليل على أن إسلام عمر كان بعد الهجرة الأولى للحبشة، وهو كذلك: أي خلافا لمن قال: إنه كان تمام الأربعين من المسلمين: أي ممن أسلم.

على أهل الإسلام، وهذا دليل على أن إسلام عمر كان بعد الهجرة الأولى للحبشة، وهو كذلك: أي خلافا لمن قال: إنه كان تمام الأربعين من المسلمين: أي ممن أسلم. وفيه أن المهاجرين إلى أرض الحبشة كانوا فوق ثمانين كما قاله بعضهم، اللهم إلا أن يقال إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة، وربما يدل لذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الصديق وفي ضرب قريش له رضي الله تعالى عنه لما قام خطيبا في المسجد الحرام، وقد تقدمت حيث قالت: وكان المسلمون تسعة وثلاثين رجلا، لكن في الرواية أنهم قاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر فليتأمل.

وفي لفظ عن أم عبد الله زوج عامر قالت: إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر، تعني زوجها، إلى بعض حاجته، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وكنا نتقي منه الأذى والبلاء والشدة علينا، فقال: إنه لخروج يا أم عبد الله، فقلت: والله لنخرجن إلى أرض فقد آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا وفرجا، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وتفرست فيه حزنا لخروجنا، وقلت لعامر: يا أبا عبد الله لو رأيت ما وقع من عمر وذكرت ما تقدم. وممن هاجر أبو سبرة، وهو أخو أبي سلمة رضي الله تعالى عنهما لأمه، أمهما برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، هاجر ومعه امرأته أم كلثوم. وممن هاجر بنفسه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهما: أي وكان أميرا عليهم كما قيل، وجزم به ابن المحدث في سيرته. وقال الزهري: لم يكن لهم أمير. وسهيل ابن البيضاء: أي والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم. وقيل إنما كان عبد الله بن مسعود في الهجرة الثانية فخرجوا سرا: أي متسللين، منهم الراكب، ومنهم الماشي حتى انتهوا إلى البحر، فوفق الله تعالى لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار: أي وفي المواهب: وخرجوا مشاة إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار؛ هذا كلامه فليتأمل.

حر، فوفق الله تعالى لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار: أي وفي المواهب: وخرجوا مشاة إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار؛ هذا كلامه فليتأمل. وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة، فخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا إلى البحر، فلم يجدوا أحدا منهم، ولعل خروجهم سرا لا ينافيه ما تقدم عن ليلى امرأة عامر بن ربيعة من سؤال عمر لها وإخبارها له بأنها تريد أرض الحبشة، فلما وصلوا إلى أرض الحبشة نزلوا بخير دار عند خير جار، فمكثوا في أرض الحبشة بقية رجب وشعبان إلى رمضان، فلما كان شهر رمضان قرأ رسول الله ﷺ على المشركين وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) [النّجم: الآية ١] أي وقد أنزلت عليه في ذلك الوقت. ففي كلام بعضهم «جلس رسول الله ﷺ يوما مع المشركين، وأنزل الله تعالى عليه سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) [النّجم: الآية ١] فقرأها عليهم حتى إذا بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) [النجم: الآية: ١٩] وسوس إليه الشيطان بكلمتين، فتكلم بهما ظانا أنهما من جملة ما أوحي إليه، وهما: تلك الغرانيق العلى: أي الأصنام، وإن شفاعتهن لترتجى» وفي لفظ: «لهي التي ترتجى» شبهت الأصنام بالغرانيق التي هي طير الماء، جمع غرنوق بكسر الغين المعجمة وإسكان الراء ثم نون مفتوحة، أو غرنوق بضم الغين والنون أيضا، أو غرنوق بضم الغين وفتح النون: وهو طير طويل العنق وهو الكركي أو يشبهه. ووجه الشبه بين الأصنام وتلك الطيور أن تلك الطيور تعلو وترتفع في السماء، فالأصنام شبهت بها في علو القدر وارتفاعه ثم مضى يقرأ السورة

الكركي أو يشبهه. ووجه الشبه بين الأصنام وتلك الطيور أن تلك الطيور تعلو وترتفع في السماء، فالأصنام شبهت بها في علو القدر وارتفاعه ثم مضى يقرأ السورة

حتى بلغ السجدة فسجد وسجد القوم جميعا: أي المسلمون والمشركون. أقول: قال بعضهم: ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان، وإنما سمع ذلك المشركون فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ومن ثم عجب المسلمون من سجود المشركين معهم من غير إيمان. قال بعضهم: والنجم هي أول سورة نزل فيها سجدة: أي أول سورة نزلت جملة كاملة فيها سجدة فلا ينافي أن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] سورة نزلت فيها سجدة، لأن النازل منها أوائلها كما علمت. وقد جاء «أنه ﷺ قرأ يوما اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] فسجد في آخرها وسجد معه المؤمنون فقام المشركون على رؤوسهم يصفقون» . وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه «أنه ﷺ سجد في النجم: أي غير سجدته المتقدمة التي سجد معه المشركون» ومجموع ذلك يردّ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل قبل أن يتحول إلى المدينة» لأن سورة النجم من المفصل، لأن عند أئمتنا أن أول المفصل الحجرات على الراجح من أقوال عشرة. لا يقال: لعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ممن يرى أن النجم ليس من المفصل. لأنا نقول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] من المفصل اتفاقا. وعلى ما قال أئمتنا يكون في المفصل ثلاث سجدات: في النجم والانشقاق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] وهي أي النجم أول سورة أعلنها رسول الله ﷺ بمكة. وذكر الحافظ الدمياطي «أن رسول الله ﷺ كان رأى من قومه كفا عنه: أي تركا وعدم تعرض له، فجلس خاليا فتمنى، فقال: ليته لم ينزل عليّ شيء ينفرهم عني» وفي رواية: «تمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبينهم حرصا على إسلامهم، وقارب رسول الله ﷺ قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما مجلسا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) [النّجم: الآية ١] » إلى آخر ما تقدم والله أعلم.

نهم ودنوا منه، فجلس يوما مجلسا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) [النّجم: الآية ١] » إلى آخر ما تقدم والله أعلم. ومن جملة من كان من المشركين حينئذ الوليد بن المغيرة لكنه رفع ترابا إلى جبهته فسجد عليه، لأنه كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. وقيل الذي فعل ذلك، سعيد بن العاص، ويقال كلاهما فعل ذلك، وقيل الفاعل لذلك أمية بن خلف وصحح، وقيل عتبة بن ربيعة، وقيل أبو لهب، وقيل المطلب. وقد يقال: لا مانع أن يكونوا فعلوا ذلك جميعا، بعضهم فعل ذلك تكبرا،

وبعضهم فعل ذلك عجزا، وممن فعل ذلك تكبرا أبو لهب، فقد جاء «وفيها سجد رسول الله ﷺ وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس، غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال يكفي هذا» . ولا يخالف ذلك ما نقل عن ابن مسعود «ولقد رأيت الرجل أي الفاعل لذلك قتل كافرا» لأنه يجوز أن يكون المراد بقتل مات «فعند ذلك قال المشركون له ﷺ: قد عرفنا أن الله تعالى يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لنا نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله ﷺ وجلس في البيت» . وفيه أنه كيف يكبر عليه ﷺ ذلك مع أنه موافق لما تمناه من أن الله ينزل عليه ما يقارب بينه وبين المشركين حرصا على إسلامهم المتقدم ذلك عن سيرة الدمياطي، إلا أن يقال هذا كان بعد ما عرض السورة على جبريل، وقال له: ما جئتك بهاتين الكلمتين المذكور ذلك في قولنا: «فلما أمسى ﷺ أتاه جبريل: فعرض عليه السورة وذكر الكلمتين فيها، فقال له جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله ﷺ: قلت على الله ما لم يقل أي فكبر عليه ذلك- فأوحى الله تعالى إليه ما في سورة الإسراء وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ [الإسراء: الآية ٧٣] بموافقتك لهم على مدح آلهتهم بما لم نرسل به إليك وإذا لو فعلت أي دمت عليه لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء: الآية ٧٣] إلى قوله ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الإسراء: الآية ٧٥] أي مانعا يمنع العذاب عنك، وهذا يدل لما تقدم أنه تكلم بذلك ظانا أنه من جملة ما أوحي إليه.

ه ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الإسراء: الآية ٧٥] أي مانعا يمنع العذاب عنك، وهذا يدل لما تقدم أنه تكلم بذلك ظانا أنه من جملة ما أوحي إليه. وقيل نزل ذلك لما قال له اليهود حسدا له ﷺ على إقامته بالمدينة: لئن كنت نبيا فالحق بالشام لأنها أرض الأنبياء حتى نؤمن بك، فوقع ذلك في قلبه فخرج برحله فنزلت، فرجع أي بدليل ما بعدها. وقيل إن التي بعدها نزلت في أهل مكة وقيل إن آية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: الآية ٧٣] نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خلالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا ننحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك؟ فقل إن الله أمرني. وقيل نزلت في قريش قالوا: لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلمّ بآلهتنا وتمسها بيدك. وقد يدعى أن هذا مما تعدد أسباب نزوله، والقاضي البيضاوي اقتصر على ما عدا الأول، والله أعلم.

قال: وقيل إن هاتين الكلمتين لم يتكلم بهما رسول الله ﷺ، وإنما ارتصد الشيطان سكتة عند قوله الأخرى، فقالهما محاكيا نغمته ﷺ، فظنهما النبي ﷺ كما في «شرح المواقف» ومن سمعه أنهما من قوله ﷺ: أي حتى قال: قلت على الله ما لم يقل، وتباشر بذلك المشركون، وقالوا إن محمدا قد رجع إلى ديننا: أي دين قومه حتى ذكر أن آلهتنا لتشفع لنا، وعند ذلك أنزل الله تعالى قوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحجّ:

Bagian 18 dari 62