السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya نور الدين الحلبي (w. 1044 H).

Bagian 20 dari 62 1574 halaman

— Bagian 20 · ويجمع بين هذه الأقوال باحتمال أن يكون كتب بها نس… —

Bagian 20

ويجمع بين هذه الأقوال باحتمال أن يكون كتب بها نسخ: أي فكل كتب نسخة انتهى: أي وينبغي أن يكون الذي شلت يده هو كاتب الصحيفة التي علقت في الكعبة، ولعلها هي التي كتبت أولا، وإلى أكل الأرضة الصحيفة، وإلى عد الخمسة الذين سعوا في نقض الصحيفة أشار صاحب الهمزية بقوله: فديت خمسة الصحيفة بالخمسة ... إذ كان للكرام فداء فتية بيتوا على فعل خير ... حمد الصبح أمره والمساء يا لأمر أتاه بعد هشام ... زمعة إنه الفتى الأتاء وزهير والمطعم بن عدي ... وأبو البختري من حيث شاؤوا نقضوا مبرم الصحيفة إذ شد ... دت عليه من العدا الأنداء أذكرتنا بأكلها أكل منسا ... ة سليمان الأرضة الخرساء وبها أخبر النبي وكم أخرج ... خبا له الغيوب خباء أي فديت خمسة الصحيفة: أي الناقضين لها بالخمسة المستهزئين السابق ذكرهم، فتية ثبتوا وتراودوا واشتوروا بالحجون ليلا على فعل خير وهو نقض الصحيفة، حمد الصباح والمساء منهم ذلك الفعل، بالأمر عظيم وهو نقض الصحيفة أتاه بعد هشام زمعة بن الأسود وإنه الكريم في قومه، الأتاء: أي المبالغ في إيتاء الخير، وأتاه زهير، وأتاه المطعم بن عدي، وأتاه أبو البختري من المكان الذي قصدوه فنقضوا مبرم الصحيفة: أي الأمر الذي أبرمته أذكرتنا الأرضة الخرساء بأكلها تلك الصحيفة. منسأة: أي عصى سليمان، وبأكلها للصحيفة أخبر النبي ﷺ، ومرات كثيرة أخرج ﷺ شيئا مخبأ الغيوب له ساترة، والمراد أن كل واحد من هؤلاء الخمسة الذين نقضوا الصحيفة فدى بأولئك الخمسة المستهزئين من الأذى الذي أصابهم المتقدم ذكره؛ فلا ينافي أن بعض هؤلاء الذين نقضوا الصحيفة مات كافرا.

ؤلاء الخمسة الذين نقضوا الصحيفة فدى بأولئك الخمسة المستهزئين من الأذى الذي أصابهم المتقدم ذكره؛ فلا ينافي أن بعض هؤلاء الذين نقضوا الصحيفة مات كافرا. قال: جاء أن هشام بن عمرو بن الحارث رضي الله تعالى عنه- فإنه أسلم بعد ذلك كما تقدم- مشى إلى زهير بن أمية بن عاتكة بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك أيضا كما تقدم، فقال له: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب وأخوالك قد علمت لا يباعون ولا يبتاعون؟ فقال: ويلك يا هشام فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت لأنقضها يعني الصحيفة قال: وجدت رجلا، قال من هو؟ قال: أنا، فقال زهير: ابغنا رجلا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن علي، فقال له: يا مطعم أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، يعني بني هاشم وبني المطلب وأنت شاهد على ذلك؟ فقال له: ويحك ماذا

أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قلت: أنا، قال ابغنا رجلا ثالثا، قال: قد فعلت، قال: من هو؟ قلت: زهير بن أمية، قال: ابغنا رابعا، فذهبت إلى أبي البختري بن هشام، فقلت له نحوا مما قلت للمطعم، فقال: وهل معين علي هذا الأمر؟ قلت نعم، قال: من هو؟ قلت: زهير بن أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال ابغنا خامسا، فذهبت إلى زمعة بن الأسود فكلمته، فقال وهل من أحد يعين على ذلك فسميت له القوم.

ل: من هو؟ قلت: زهير بن أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال ابغنا خامسا، فذهبت إلى زمعة بن الأسود فكلمته، فقال وهل من أحد يعين على ذلك فسميت له القوم. ثم إن هؤلاء اجتمعوا ليلا عند الحجون، وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم؛ وغدا زهير وعليه حلة فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم، أي والمطلب هلكى؟ لا يباعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة، فقال أبو جهل كذبت والله لا تشق، قال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت، قال أبو البختري صدق زمعة، قال المطعم صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله تعالى منها ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بالليل، فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فشقها انتهى. أي وهذا يدل للرواية الدالة على أن الأرضة لحست اسم الله تعالى، وأثبتت ما فيها من العهود والمواثيق، وإلا فبعد امحاء ذلك منها لا معنى لشقها. وفي كلام بعضهم يحتمل أن أبا طالب إنما أخبرهم بعد سعيهم في نقضها. قال ابن حجر الهيتمي: ويبعده أن الإخبار بذلك حينئذ ليس له كبير جدوى، وقام هؤلاء الخمسة ومعهم جماعة ولبسوا السلاح ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا.

باب ذكر خبر وفد نجران ثم قدم عليه ﷺ وهو بمكة وفد نجران، وهم قوم من النصارى، ونجران: بلدة بين مكة واليمن، على نحو من سبع مراحل من مكة، كانت منزلا للنصارى، وكانوا نحو عشرين رجلا حين بلغهم خبره ممن هاجر من المسلمين إلى الحبشة، فوجدوه ﷺ في المسجد، فجلسوا إليه سألوه وكلموه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ينظرون إليهم، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ كما أرادوا دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به، وعرفوا منه ما هو موصوف به في كتابهم، فلما

قاموا عنه اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون أي تنظرون الأخبار لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم فصدقتموه بما قال، لا نعلم ركبا أحمق: أي أقل عقلا منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، ويقال نزل فيهم قوله تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ [البقرة: الآية ١٢١] إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: الآية ٥٥] ونزل قوله تعالى وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة: الآية ٨٣] . وذكر في الوفاء وفود ضماد الأزدي عليه ﷺ، فقال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من الريح: أي ولعل المراد به اللمعة من الجن، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي، قال: فأتيته فقلت: يا محمد إني أرقي من الريح، فإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فقال ضماد: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه وقال له رسول الله ﷺ: وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي.

ت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه وقال له رسول الله ﷺ: وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي.

باب ذكر وفاة عمه أبي طالب، وزوجته ﷺ خديجة رضي الله تعالى عنها لتعلم أنهما ماتا في عام واحد: أي بعد خروج بني هاشم والمطلب من الشعب بثمانية وعشرين يوما، وإلى موتهما في عام واحد أشار صاحب الهمزية بقوله: وقضى عمه أبو طالب والد ... دهر فيه السراء والضراء ثم ماتت خديجة ذلك العا ... م ونالت من أحمد المناء وذلك قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين، وبعد مضي عشر سنين من بعثته ﷺ: أي من مجيء جبريل ﵊ بالوحي. وهو يردّ قول ابن إسحاق ومن تبعه أن خديجة رضي الله تعالى عنها ماتت بعد الإسراء. وأفاد كلام صاحب الهمزية أن موت خديجة كان بعد موت أبي طالب. وقيل كانت وفاة خديجة رضي الله تعالى عنها قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة. وقيل

بعده بثلاثة أيام. ويؤيد ما في الهمزية قول الحافظ عماد الدين بن كثير المشهور أنه مات قبل خديجة رضي الله تعالى عنها: أي بثلاثة أيام. ودفنت بالحجون، ونزل ﷺ في حفرتها ولها من العمر خمس وستون سنة ولم تكن الصلاة على الجنازة شرعت. وذكر الفاكهاني المالكي في شرح الرسالة أن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، لكن ذكر ما يخالفه في الشرح المذكور حيث قال: وروي «أن آدم ﵊ لما توفي أتي بحنوط، وكفن من الجنة، ونزلت الملائكة فغسلته وكفنته في وتر من الثياب وحنطوه وتقدم ملك منهم فصلى عليه وصلت الملائكة خلفه، ثم أقبروه وألحدوه ونصبوا اللبن عليه وابنه شيث ﵊ الذي هو وصيه معهم، فلما فرغوا قالوا له: هكذا فاصنع بولدك وإخوتك، فإنها سنتكم» هذا كلامه:

ملائكة خلفه، ثم أقبروه وألحدوه ونصبوا اللبن عليه وابنه شيث ﵊ الذي هو وصيه معهم، فلما فرغوا قالوا له: هكذا فاصنع بولدك وإخوتك، فإنها سنتكم» هذا كلامه: أي ويبعد أنه لم يفعل ذلك بعد القول المذكور له. ويحتمل أن المراد بالصلاة مجرد الدعاء لا هذه الصلاة المعروفة المشتملة على التكبير، لكن يبعده ما في العرائس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن آدم لما مات قال ولده شيث لجبريل صلّ عليه، فقال له جبريل: بل أنت تقدم فصلّ على أبيك، فصلى عليه وكبر ثلاثين تكبيرة» وقد أخرج الحاكم نحوه مرفوعا وقال صحيح الإسناد، ومنه تعلم أن الغسل والتكفين والصلاة والدفن واللحد من الشرائع القديمة، بناء على أن المراد بالصلاة الصلاة المشتملة على التكبير لا مجرد الدعاء. وحينئذ لا يحسن القول بأن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، إلا أن يقال لا يلزم من كونها من الشرائع القديمة أن تكون معروفة لقريش، إذ لو كانت كذلك لفعلوا ذلك، وسيأتي عنهم أنهم لم يفعلوا ذلك. وأيضا لو كانت معروفة لهم لصلى ﷺ على خديجة ومن مات قبلها من المسلمين كالسكران ابن عم سودة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما الذي هو زوجها، وسيأتي أنه ﷺ لما قدم المدينة وجد البراء بن معرور قد مات فذهب هو وأصحابه فصلى على قبره، وأنها أول صلاة صليت على الميت في الإسلام، ومعرور معناه في الأصل مقصود. لا يقال: يجوز أن يكون المراد بتلك الصلاة مجرد الدعاء. لأنا نقول قد جاء أنه كبر في صلاته أربعا. وقد روى هذه الصلاة تسعة من الصحابة ذكرهم السهيلي، وسيأتي عن الإمتاع: لم أجد في شيء من السير متى فرضت صلاة الجنازة، ولم ينقل أنه ﷺ صلى على أسعد بن زرارة وقد مات في السنة الأولى: ولا على عثمان بن مظعون وقد مات في السنة الثانية. وفي كلام بعضهم: صلاة الجنازة فرضت في السنة الأولى من الهجرة، وأول من صلى عليه ﷺ أسعد بن زرارة فليتأمل.

وفي كلام بعضهم: كانوا في الجاهلية يغسلون موتاهم، وكانوا يكفنونهم ويصلون عليهم. وهو أن يقوم ولي الميت بعد أن يوضع على سريره ويذكر محاسنه كلها ويثني عليه ثم يقول: عليك رحمة الله ثم يدفن، أي وكأن رسول الله ﷺ يسمي ذلك العام عام الحزن، ولزم بيته وأقلّ الخروج، وكانت مدة إقامتها معه ﷺ خمسا وعشرين سنة على الصحيح. ويذكر «أنه ﷺ دخل على خديجة رضي الله تعالى عنها وهي مريضة فقال لها: يا خديجة أتكرهين ما أرى منك، وقد يجعل الله في الكرة خيرا؟ أشعرت أن الله قد أعلمني أنه سيزوجني» وفي رواية «أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى وهي التي علمت ابن عمها قارون الكيمياء، وآسية امرأة فرعون، فقالت: آلله أعلمك بهذا يا رسول الله؟» وفي رواية «آلله فعل ذلك يا رسول الله؟ قال نعم، قالت: بالرفاء والبنين» زاد في رواية «أنه ﷺ أطعم خديجة من عنب الجنة» وقولها بالرفاء والبنين هو دعاء كان يدعى به في الجاهلية عند التزويج، والمراد منه الموافقة والملائمة، مأخوذ من قولهم رفأت الثوب: ضممت بعضه إلى بعض، ولعل هذا كان قبل ورود النهي عن ذلك. هذا، وفي الإمتاع أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁ جاء إلى مجلس المهاجرين الأولين في الروضة فقال رفئوني، فقالوا ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت عليّ هذا كلامه، ولعل النهي لم يبلغ هؤلاء الصحابة حيث لم ينكروا قوله، كما لم يبلغ سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهم. وفي الشهر الذي ماتت فيه خديجة رضي الله تعالى عنها وهو شهر رمضان بعد موتها بأيام تزوج سودة بنت زمعة، وكانت قبله عند السكران ابن عمها، وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها، فلما انقضت عدتها تزوّجها ﷺ، وأصدقها أربعمائة درهم. وقد كانت رأت في نومها أن النبي ﷺ وطئ عنقها فأخبرت زوجها، فقال: إن صدقت رؤياك أموت أنا ويتزوّجك رسول الله ﷺ، ثم رأت في ليلة أخرى أن قمرا انقضّ عليها من السماء وهي مضطجعة، فأخبرت زوجها فقال: لا ألبث حتى أموت فمات من يومه ذلك.

اك أموت أنا ويتزوّجك رسول الله ﷺ، ثم رأت في ليلة أخرى أن قمرا انقضّ عليها من السماء وهي مضطجعة، فأخبرت زوجها فقال: لا ألبث حتى أموت فمات من يومه ذلك. وعقد ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها وهي بنت ست أو سبع سنين في شوّال. فعن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت «قلت لما ماتت خديجة: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال: من؟ قلت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، قال: فمن البكر؟ قلت: أحق خلق الله بك، بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، قال: ومن

الثيب؟ قلت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول، قال: فاذهبي فاذكريهما عليّ، قالت: فدخلت على سودة بنت زمعة فقلت لها: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك عليه، قالت: وددت، ادخلي على أبي فاذكري ذلك له وكان شيخا كبيرا فدخلت عليه وحيته بتحية الجاهلية فقال: من هذه؟ قلت: خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قلت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة، قال: كفء كريم، قال: ما تقول صاحبتك؟ قالت تحب ذلك، قال ادعيها إلي، فدعوتها قال: أي بنية إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك منه؟ قالت نعم، قال: ادعيه لي، فجاء رسول الله ﷺ فزوجه إياها، ولما قدم أخوها عبد بن زمعة وقد بلغه ذلك صار يحثي على رأسه التراب، ولما أسلم قال: لقد كدني السفه يوم أحثي على رأسي التراب إذ تزوج رسول الله ﷺ سودة يعني أخته» وذهبت خولة إلى أم رومان أم عائشة فقالت لها «ماذا أدخل الله عليكم من البركة والخير؟ قد أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر فقلت له: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قلت: قد أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح أي تحل له؟ إنما هي بنت أخيه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: ارجعي إليه، فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي- أي تحل، فرجعت فذكرت ذلك له، قالت أم رومان رضي الله تعالى عنها: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه جبير ووعده،

وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي- أي تحل، فرجعت فذكرت ذلك له، قالت أم رومان رضي الله تعالى عنها: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه جبير ووعده، والله ما وعد وعدا قط فأخلفه- تعني أبا بكر- فدخل أبو بكر على مطعم وعنده امرأته أم ابنه المذكور، فكلمت أبا بكر بما أوجب ذهاب ما كان في نفسه من عدته لمطعم، فإن المطعم لما قال له أبو بكر: ما تقول في أمر هذه الجارية أقبل المطعم على امرأته وقال لها: ما تقولين يا هذه؟ فأقبلت على أبي بكر وقالت له: لعلنا إن أنكحنا هذا الفتى إليكم تصبيه وتدخله في دينك الذي أنت عليه، فأقبل أبو بكر على المطعم وقال له: ماذا تقول أنت؟ فقال: إنها لتقول ما تسمع، فقام أبو بكر وليس في نفسه من الوعد شيء، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله ﷺ فدعته فزوجه إياها وعائشة حينئذ بنت ست سنين، وقيل سبع سنين وهو الأقرب» . فعلم أن العقد على سودة تقدم على العقد على عائشة، لأن العقد على سودة كان في رمضان الشهر الذي ماتت فيه خديجة رضي الله تعالى عنها وعلى عائشة كان في شوّال، ومعلوم أن الدخول بسودة كان بمكة وعلى عائشة كان بالمدينة. ثم رأيت بعضهم ذكر أن خولة ذهبت إلى طلب عائشة وأن النبي ﷺ عقد عليها

قبل ذهابها لسودة وعقده عليها، ولا تخفى المخالفة، إلا أن يراد بالعقد على سودة الدخول بها. وفيه أنه لا يحسن ذلك مع قوله قبل ذهابها لسودة. ولما اشتكى أبو طالب: أي مرض وبلغ قريشا ثقله: أي اشتداد المرض به قال بعضهم لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا أي يسلبونه، ومنه قولهم: من عزّ بز: أي من غلب أخذ السلب: وهو الثياب التي هي البز. وفي لفظ: إنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء: أي قتل محمد كما في بعض الروايات، فتعيرنا العرب ويقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه، فمشى إليه أشرافهم منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأمية بن خلف وأبو سفيان رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم ليلة الفتح كما سيأتي، وأرسلوا رجلا يدعى المطلب؛ فاستأذن لهم علي أبي طالب فقال: هؤلاء شيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك، قال أدخلهم؛ فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب أنت منا حيث قد علمت. وفي لفظ قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك؛ وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه لينكف عنا وننكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه، فبعث إليه ﷺ أبو طالب فجاءه، ولما دخل ﷺ على أبي طالب وكان بين أبي طالب وبين القوم فرجة تسع الجالس، فخشي أبو جهل أن يجلس النبي ﷺ في تلك الفرجة فيكون أرقى منه؛ فوثب أبو جهل فجلس فيها، فلم يجد النبي ﷺ مجلسا قرب أبي طالب، فجلس عند الباب انتهى.

الجالس، فخشي أبو جهل أن يجلس النبي ﷺ في تلك الفرجة فيكون أرقى منه؛ فوثب أبو جهل فجلس فيها، فلم يجد النبي ﷺ مجلسا قرب أبي طالب، فجلس عند الباب انتهى. وفي الوفاء أنه ﷺ قال لهم: خلوا بيني وبين عمي، فقالوا: ما نحن بفاعلين؛ وما أنت بأحق به منا، إن كانت لك قرابة فإن لنا قرابة مثل قرابتك، فقال أبو طالب لرسول الله ﷺ: يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك، وفي لفظ: هؤلاء شيخة قومك وسرواتهم، وقد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك. وفي لفظ: سألوك النصف، وفي لفظ: أعط سادات قومك ما سألوك، فقد أنصفوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك، فقال رسول الله ﷺ: أرأيتكم إن أعطيتكم ما سألتم هل تعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ أي تطيع وتخضع، فقال أبو جهل: نعم وآتيك عشر كلمات. وفي لفظ لنعطيكها وعشرا معها، فما هي؟ قال: تقولون لا إله إلا الله وتقلعون عما تعبدون من دونه، فصفقوا بأيديهم ثم قالوا يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا، إن أمرك لعجب، فأنزل الله تعالى ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص الآية ١] إلى آخر الآيات، وفي لفظ قالوا: أيسع لحاجاتنا جميعا إله واحد، وفي لفظ قالوا: سلنا غير هذه الكلمة. وفي لفظ أن أبا طالب قال: يا بن أخي

كْرِ [ص الآية ١] إلى آخر الآيات، وفي لفظ قالوا: أيسع لحاجاتنا جميعا إله واحد، وفي لفظ قالوا: سلنا غير هذه الكلمة. وفي لفظ أن أبا طالب قال: يا بن أخي

هل من كلمة غيرها، فإن قومك قد كرهوها، قال: يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، ثم قال ﷺ: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها، ثم قال بعضهم لبعض: والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه ثم تفرقوا. وفي لفظ قالوا عند قيامهم: والله لنشتمك وإلهك الذي يأمرك بهذا، أي وفي لفظ لتكفن عن سبّ آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي أمرك بهذا. قال في الينبوع: وهذه العبارة أحسن من الأولى، لأنهم كانوا يعرفون أنه يعبد الله، وما كانوا ليسبوا الله عالمين، لكنهم ما كانوا يعرفون أن الله أمره بذلك، وذكر أن ذلك سبب نزول قوله تعالى وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: الآية ١٠٨] . هذا، وفي النهر أن سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا لأبي طالب: إما أن تنهى محمدا عن سب آلهتنا والنقص منها، وإما أن نسبّ إلهه ونهجوه، قال فيه: وحكم هذه الآية باق في هذه الأمة، فإذا كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو الرسول فلا يحل للمسلم ذم دين الكافر، ولا يتعرض لما يؤدي إلى ذلك، لأن الطاعة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة خرجت عن أن تكون طاعة فيجب النهي عنها كما ينهى عن المعصية هذا كلامه. وعند ذلك قال أبو طالب لرسول ﷺ: والله يا بن أخي ما رأيتك سألتهم شحطا أي بالحاء والطاء المهملتين أمرا بعيدا، فلما قال ذلك طمع رسول الله ﷺ فيه، فجعل يقول: أي عم فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة: أي لو ارتكبت ذنبا بعد قولها، وإلا فالإسلام يجبّ ما قبله، فلما رأى حرص رسول الله ﷺ قال له:

عل يقول: أي عم فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة: أي لو ارتكبت ذنبا بعد قولها، وإلا فالإسلام يجبّ ما قبله، فلما رأى حرص رسول الله ﷺ قال له: والله يا بن أخي لولا مخافة السبة: أي العار عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا: أي بالجيم والزاي خوفا من الموت، وهذا هو المشهور. وقيل بالخاء المعجمة والراء، أي ضعفا لقلتها، وفي رواية: لأقررت بها عينك لما أرى من شدة وجدك، لكني أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف، فأنزل الله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: الآية ٥٦] الآية. أي وعن مقاتل «أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا، فقال له النبي ﷺ: يا عمّ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟ قال. فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله تعالى، فقال: يا بن أخي قد علمت أنك صادق لكني أكره أن يقال» الحديث، قال في الهدى: وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها: أي وكذا أقرباؤه وبنو عمه تأخر إسلام من أسلم منهم، ولو أسلم أبو طالب وبادر أقرباؤه وبنو عمه إلى الإيمان به لقيل قوم

أرادوا الفخر برجل منهم وتعصبوا له، فلما بادر إليه الأباعد وقاتلوا على حبه من كان منهم حتى أن الشخص منهم يقتل أباه وأخاه، علم أن ذلك إنما هو عن بصيرة صادقة ويقين ثابت. وذكر «أنه لما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه، فقال: يا بن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بقولها، فقال رسول الله ﷺ لم أسمع» . وفيه أنه لم يثبت أن العباس ذكر ذلك بعد الإسلام وأيضا نزول الآية حيث ثبت أن نزولها في حق أبي طالب يردّ ذلك. ويرده أيضا ما في الصحيحين عن العباس رضي الله تعالى عنه أنه قال «قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحيطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ قال نعم، وجدته- أي كشف لي عن حاله وما يصير إليه يوم القيامة- فوجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح» أي وفي لفظ آخر «قال نعم، هو- أي يوم القيامة- في ضحضاح من النار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» ولو كانت الشهادة المذكورة عند العباس ما سأل هذا السؤال ولأداها بعد الإسلام، إذ لو أداها لقبلت. وقد يقال: إنما سأل هذا السؤال ولم يعد الشهادة بعد الإسلام، لأنه لما قال له ﷺ أولا لم أسمع، فهم أنه حيث لم يسمعها ﷺ لم يعتدّ بها سأل هذا السؤال وفهم أن إعادة الشهادة بعد إسلامه لا تفيد شيئا.

شهادة بعد الإسلام، لأنه لما قال له ﷺ أولا لم أسمع، فهم أنه حيث لم يسمعها ﷺ لم يعتدّ بها سأل هذا السؤال وفهم أن إعادة الشهادة بعد إسلامه لا تفيد شيئا. ويرده أيضا ما جاء في رواية «أنه ﷺ لما كرر علي أبي طالب أن يقول كلمة الشهادة وهو يأتي إلى أن قال هو على دين عبد المطلب قال ﷺ: أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عن ذلك. أي عن الاستغفار لك فأنزل الله ﷿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) [التوبة: الآية ١١٣] أي وتقدم أن سبب نزول هذه الآية طلب استغفاره لأمه عند زيارة قبرها، أن يقال لا مانع من تكرر سبب نزولها، لجواز أنه ﷺ جوّز الفرق بين أمه وعمه، لأن أمه لم تدع للإسلام بخلاف عمه، وفي منع استغفاره لأمه ما تقدم. ولا يشكل على ذلك قوله يوم أحد «اللهم اغفر لقومي» لأن ذلك أي غفران الذنوب مشروط بالتوبة: أي الإسلام، فكأنه ﷺ دعا لهم بالتوبة التي هي الإسلام، ويؤيده رواية «اللهم اهد قومي» أي للإسلام. قال: وأيضا جاء في صحيح ابن حبان عن علي رضي الله تعالى عنه قال «لما مات أبو طالب أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فواره، قال علي رضي الله تعالى عنه: فلما واريته جئت إليه، فقال لي اغتسل» . أقول: لأنه غسله، وبه وبقوله ﷺ «من غسل ميتا فليغتسل» استدل أئمتنا على أن من غسل ميتا مسلما أو كافرا استحب له أن يغتسل.

يته جئت إليه، فقال لي اغتسل» . أقول: لأنه غسله، وبه وبقوله ﷺ «من غسل ميتا فليغتسل» استدل أئمتنا على أن من غسل ميتا مسلما أو كافرا استحب له أن يغتسل.

وروى البيهقي خبر «أن عليا رضي الله تعالى عنه غسله بأمر النبي ﷺ له بذلك» لكن ضعفه وفي رواية عن علي رضي الله تعالى عنه «لما أخبرت النبي ﷺ بموت أبي طالب بكى وقال: اذهب فاغسله وكفنه وواره، غفر الله له ورحمه» . وأما ما روي عنه أنه ﷺ عارض جنازة عمه أبي طالب فقال: وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم» فقال الذهبي إنه خبر منكر، والله أعلم. وجاء أيضا «أنه ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: إنه ستنفعه شفاعتي» وفي رواية «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار» أي مقدار ما يغطي بطن قدميه. وفي رواية «في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منها دماغه» وفي لفظ عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب، وأخ لي كان في الجاهلية» يعني أخاه من الرضاعة من حليمة كما في رواية تأتي. أقول: يجوز أن يكون ذكر شفاعته لأبويه كان قبل إحيائهما وإيمانهما به كما قدمناه جوابا عن نهيه عن الاستغفار لهما، والله أعلم. وفي لفظ آخر «شفعت في أبي وعمي أبي طالب وأخي من الرضاعة- يعني من حليمة- ليكونوا من بعد البعث هباء» . ومما يستأنس به لإيمان أبيه ما جاء «أنه ﷺ قال لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وقد عزّت قوما من الأنصار في ميتهم: لعلك بلغت معهم الكدي- بالدال المهملة أو الكرا بالراء، يعني القبور- فقالت: لا، فقال: لو كنت بلغت معهم الكدي ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك يعني عبد المطلب» ولم يقل جدك يعني أباه الذي هو عبد الله، وتقدم القول بأن حليمة وأولادها أسلموا.

و كنت بلغت معهم الكدي ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك يعني عبد المطلب» ولم يقل جدك يعني أباه الذي هو عبد الله، وتقدم القول بأن حليمة وأولادها أسلموا. وعليه فيجوز أن يكون هذا منه ﷺ قبل أن يسلم أخوه من الرضاعة كما تقدم مثل ذلك في أبيه وأمه. وفي رواة الحديث الأول من هو منكر الحديث، وفي الثاني من هو ضعيف. وقال فيه ابن الجوزي: إنه موضوع بلا شك: أي وهذا أي قبول شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب عد من خصائصه ﷺ، فلا يشكل بقوله تعالى فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) [المدّثّر: الآية ٤٨] أو لا تنفعهم شفاعة الشافعين في الإخراج من النار بالكلية: أي وفي هذا الثاني أنه لا يناسب أن شفاعته لهم أن يكونوا من بعد البعث هباء: أي في صيرورتهم هباء، إلا أن يقال إنه لم يستجب له في ذلك. قال: وجاء أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال «إن أهون أهل النار- أي وهم الكفار- عذابا أبو طالب، وهو ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه» أي وفي رواية «كما يغلى المرجل» أي القدر من النحاس «حتى يسيل

دماغه على قدميه» وفي رواية «كما يغلى المرجل بالقمقم» قيل والقمقم بكسر القافين: البسر الأخضر يطبخ في المرجل استعجالا لنضجه يفعل ذلك أهل الحاجة. وذكر السهيلي الحكمة في اختصاص قدميه بالعذاب وزعم بعض غلاة الرافضة أن أبا طالب أسلم، واستدل له بأخبار واهية ردها الحافظ ابن حجر في الإصابة. أي وقد قال: وقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولم يثبت من ذلك شيء. وروى أبو طالب عن النبي ﷺ قال «حدثني محمد أن الله أمره بصلة الأرحام» وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه غيره» وقال «سمعت ابن أخي الأمين يقول اشكر ترزق، ولا تكفر تعذب» انتهى. وفي المواهب عن شرح التنقيح للقرافي أن أبا طالب ممن آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، لأنه كان يقول: إني لا أعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أني أخاف أن يعيرني نساء قريش لاتبعته، فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان، غير أنه لم يذعن للأحكام، هذا كلامه. وفيه أن الإيمان باللسان الإتيان بلا إله إلا الله، ولم يوجد ذلك منه كما علمت، وتقدم أن الإيمان النافع عند الله الذي يصير به الشخص مستحقا لدخول الجنة ناجيا من الخلود في النار، التصديق بالقلب بما علم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ وإن لم يقر بالشهادتين مع التمكين من ذلك حيث لم يطلب منه ذلك ويمتنع، وأبو طالب طلب منه ذلك وامتنع. وقد روى الطبراني عن أم سلمة «أن الحارث بن هشام- أي أخا أبي جهل بن هشام- أتى النبي ﷺ يوم حجة الوداع، فقال: إنك تحث على صلة الرحم، والإحسان إلى الجار، وإيواء اليتيم، وإطعام الضيف، وإطعام المسكين، وكل هذا مما يفعله هشام، يعني والده، فما ظنك به يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلا الله فهو جذوة من النار، وقد وجدت عمي أبا طالب في طمطام من النار، فأخرجه الله لمكانه مني وإحسانه إليّ، فجعله في ضحضاح من النار» .

صاحبه أن لا إله إلا الله فهو جذوة من النار، وقد وجدت عمي أبا طالب في طمطام من النار، فأخرجه الله لمكانه مني وإحسانه إليّ، فجعله في ضحضاح من النار» . وذكر أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجهاء قريش فأوصاهم، وكان من وصيته أن قال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم المطاع، وفيكم المقدم الشجاع، والواسع الباع، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة. أوصيكم بتعظيم هذه البنية: أي الكعبة، فإن فيها مرضاة للرب، وقواما للمعاش. صلوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإن في صلة الرحم منسأة- أي فسحة- في

الأجل، وزيادة في العدد. واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم. أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات. وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة، فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام. وإني أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش- أي وهو الصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن- أي البغض- وهو لغة في الشنآن- وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأعطته قيادها دونكم يا معشر قريش، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد. وفي لفظ آخر أنه لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره، فأطيعوه ترشدوا.

لا يأخذ أحد بهديه إلا سعد. وفي لفظ آخر أنه لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره، فأطيعوه ترشدوا. ولما مات أبو طالب نالت قريش من النبي ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى أن بعض سفهاء قريش نثر على رأس النبي ﷺ التراب، فدخل ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه بعض بناته وجعلت تزيله عن رأسه وتبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها لا تبكي لا تبكي يا بنية، فإن الله تعالى مانع أباك، وكان ﷺ يقول «ما نالت قريش مني شيئا أكرهه- أي أشد الكراهة- حتى مات أبو طالب» وتقدم، وسيأتي بعض ما أوذي به. قال: ولما رأى قريشا تهجموا قال يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك. ولما بلغ أبا لهب ذلك قام أبو لهب بنصرته أياما وقال له: يا محمد امض لما أردت، وما كنت صانعا إذا كان أبو طالب حيا فاصنعه، لا واللات والعزى لا يوصل إليك حتى أموت. واتفق أن ابن العيطلة- أي وهو أحد المستهزئين المتقدم ذكرهم سب النبي ﷺ، فأقبل عليه أبو لهب ونال منه، فولى وهو يصيح: يا معشر قريش صبا أبو عتبة- يعني أبا لهب- فأقبلت قريش على أبي لهب وقالوا له: أفارقت دين عبد المطلب؟ فقال: ما فارقت» وفي لفظ «قالوا له: أصبوت؟ قال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكن أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم، فمكث رسول الله ﷺ على ذلك أياما لا يتعرض له أحد من قريش وهابوا أبا لهب إلى أن جاء أبو جهل وعقبة بن أبي معيط إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ أي المحل الذي يكون فيه، يزعم أنه في النار، فقال له أبو

لهب: يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار، فقال أبو لهب: لا برحت لك عدوا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار، فاشتد عليه هو وسائر قريش انتهى. وفي لفظ «قال له: يا محمد أين مدخل عبد المطلب؟ قال: مع قومه، فخرج أبو لهب إلى أبي جهل وعقبة، فقال: قد سألته، فقال: مع قومه، فقالا: يزعم أنه في النار، فقال: يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله ﷺ نعم» الحديث، ولا يخفى أن عبد المطلب من أهل الفترة، وتقدم الكلام عليهم والله أعلم.

باب ذكر خروج النبي ﷺ إلى الطائف سميت بذلك، لأن رجلا من حضرموت نزلها فقال لأهلها: ألا أبني لكم حائطا يطيف ببلدكم فبناه، فسمي الطائف، وقيل غير ذلك. لما مات أبو طالب ونالت قريش من النبي ﷺ ما لم تكن نالته منه في حياته كما تقدم خرج إلى الطائف: أي وهو مكروب مشوش الخاطر مما لقي من قريش وقرابته وعترته خصوصا من أبي لهب وزوجته أم جميل حمالة الحطب من الهجو والسب والتكذيب. وعن عليّ رضي الله تعالى عنه أنه قال بعد موت أبي طالب «لقد رأيت رسول الله ﷺ أخذته قريش تتجاذبه وهم يقولون له ﷺ أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا؟ قال: فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر فصار يضرب هذا ويدفع هذا وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟» . وخروجه ﷺ إلى الطائف كان في شوال سنة عشر من النبوة وحده، وقيل معه مولاه زيد بن حارثة يلتمس من ثقيف الإسلام رجاء أن يسلموا، وأن يناصروه على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه. قال في الإمتاع: لأنهم كانوا أخواله. قال بعضهم: ومن ثم أي من أجل أنه ﷺ خرج إلى الطائف عند ضيق صدره وتعب خاطره جعل الله الطائف مستأنسا على من ضاق صدره من أهل مكة، كذا قال. وفي كلام غيره: ولا جرم جعل الله الطائف مستأنسا لأهل الإسلام ممن بمكة إلى يوم القيامة، فهي راحة الأمة، ومتنفس كل ذي ضيق وغمة سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) [الأحزاب: الآية ٦٢] فليتأمل.

ومتنفس كل ذي ضيق وغمة سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) [الأحزاب: الآية ٦٢] فليتأمل. فلما انتهى ﷺ إلى الطائف عمد إلى سادات ثقيف وأشرافهم وكانوا إخوة ثلاثة: أحدهم عبد ياليل، أي واسمه كنانة لم يعرف له إسلام، وأخوه مسعود أي

وهو عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام لم يعرف له إسلام أيضا، وحبيب. قال الذهبي: في صحبته نظر، أي وهم أولاد عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، وجلس ﷺ إليهم وكلمهم فيما جاءهم به أي من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة أي ينتفها ويقطعها، أي وقيل يسرقها إن كان الله أرسلك. وقال له آخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك. وقال له الثالث والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسول الله كما تقول لأنت أعظم خطرا: أي قدرا من إن أراد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك، فقام ﷺ من عندهم وقد أيس من خير ثقيف، وقال لهم: اكتموا عليّ، وكره ﷺ أن يبلغ قومه ذلك فيشتد أمرهم عليه وقالوا له اخرج من بلدنا وألحق بمناجاتك من الأرض، وأغروا به- أي سلطوا عليه- سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر ﷺ بين الصفين جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا أرضخوهما أي دقوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه ﷺ.

، حتى اجتمع عليه الناس وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر ﷺ بين الصفين جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا أرضخوهما أي دقوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه ﷺ. وفي لفظ: حتى اختضبت نعلاه بالدماء، وكان ﷺ إذا أزلقته الحجارة- أي وجد ألمها- قعد إلى الأرض، فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، كل ذلك وزيد بن حارثة- أي بناء على أنه كان معه ﷺ يقيه بنفسه حتى لقد شجّ رأسه شجاجا، فلما خلص منهم رجلاه يسيلان دما عمد إلى حائط من حوائطهم: أي بستان من بساتينهم، فاستظل في حبلة- أي بفتح الباء الموحدة وتسكينها غير معروف- شجرة كرم، وقيل لها حبلة لأنها تحمل بالعنب. وقد فسر نهيه ﷺ عن بيع حبل الحبلة ببيع العنب قبل أن يطيب. قال السهيلي: وهو غريب لم يذهب إليه أحد في تأويل الحديث، فجاء إلى ذلك المحل وهو مكروب موجع» أي وقد جاء النهي عن أن يقال لشجر العنب الكرم في قوله ﷺ «لا يقولن أحدكم الكرم، فإن الكرم قلب المؤمن، ولكن قولوا حدائق العنب» قال وسبب النهي عن تسميتها كرما، لأن الخمر تتخذ من ثمرتها وهو يحمل على الكرم فاشتقوا لها اسما من الكرم. وفي لفظ: ثم إن هؤلاء الثلاثة أي عبد ياليل وإخوته أغروا عليه سفهاءهم وعبيدهم فصاروا يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فلما دخل الحائط رجعوا عنه. قال «وذكر أنه ﷺ دعا بدعاء منه: اللهم إني أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي» اهـ وإذا في الحائط أي البستان عتبة

وشيبة ابنا ربيعة: أي وقد رأيا ما لقي من سفهاء أهل الطائف، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله، فلما رأياه وما لقي تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس معدود في الصحابة، مات قبل الخروج إلى بدر، فقالا خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، أي وهذا لا ينافي كون زيد بن حارثة كان معه كما لا يخفى، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي ﷺ، ثم قال له كل، فلما وضع رسول الله ﷺ، فيه يده الشريفة قال بسم الله ثم أكل: أي لأنه ﷺ كان إذا وضع يده في الطعام قال بسم الله، ويأمر الآكل بالتسمية، وأمر من نسي التسمية أوله أن يقول بسم الله أوله وآخره، فنظر عداس في وجهه وقال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال رسول الله ﷺ: من أيّ البلاد أنت، وما دينك يا عداس؟ قال نصراني، وأنا من أهل نينوى بكسر النون الأولى وفتح الثانية، وقيل بضمها: قرية على شاطىء دجلة في أرض الموصل، فقال له رسول الله ﷺ من أهل قرية، أي وفي رواية «من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى» اسم أبيه، أي كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وفي تاريخ حماة أنه اسم أمه. قال: ولم يشتهر باسم أمه غير عيسى ويونس عليهما الصلاة والسلام. أي وفي مزيل الخفاء: فإن قيل قد ورد في الصحيح «لا تفضلوني على يونس ابن متى» ونسبه إلى أبيه وهو يقتضي أن متى أبوه لا أمه. أجيب بأن متى مدرج في الحديث من كلام الصحابي لبيان يونس بما اشتهر به، لا من كلام النبي ﷺ. ولما كان ذلك موهما أن الصحابي سمع هذه النسبة من النبي ﷺ دفع الصحابي ذلك بقوله: ونسبه إلى أبيه لا إلى أمه، هذا كلامه.

ما اشتهر به، لا من كلام النبي ﷺ. ولما كان ذلك موهما أن الصحابي سمع هذه النسبة من النبي ﷺ دفع الصحابي ذلك بقوله: ونسبه إلى أبيه لا إلى أمه، هذا كلامه. «وعند ذلك قال عداس له ﷺ: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فإني والله لقد خرجت منها- يعني نينوى- وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفت ابن متى وأنت أميّ وفي أمة أمية فقال رسول الله ﷺ ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي أمي. وفي رواية «أنا رسول الله، والله أخبرني خبره، وما وقع له مع قومه» أي حيث وعدهم العذاب بعد أربعين ليلة لما دعاهم فأبوا أن يجيبوه وخرج عنهم، وكانت عادة الأنبياء إذا واعدت قومها العذاب خرجت عنهم، فلما فقدوه قذف الله تعالى في قلوبهم التوبة: أي الإيمان بما دعاهم إليه يونس. وقيل كما في الكشاف إنه قال لهم يونس أنا أؤجلكم أربعين ليلة، فقالوا إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة أطبقت السماء غيما

أسود يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم، فعند ذلك لبسوا المسوح، وأخرجوا المواشي، وفرقوا بين النساء وأولادها، وبين كل بهيمة وولدها، فلما أقبل عليهم العذاب جأروا إلى الله تعالى، وبكى الناس والولدان، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، وقالوا: يا حيّ حيث لا حي، ويا حي يحيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت. وعن الفضيل أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجلّ، فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله. وفي الكشاف أنهم عجوا أربعين ليلة، وعلم الله تعالى منهم الصدق فتاب عليهم، وصرف عنهم العذاب بعد أن صار بينه وبينهم قدر ميل، فمر رجل على يونس فقال له: ما فعل قوم يونس؟ فحدثه بما صنعوا، فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم. قيل وكان في شرعهم أن من كذب قتل، فانطلق مغاضبا لقومه، وظن أن لن نقضي عليه بما قضى به عليه أي من الغم وضيق الصدر، قال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: الآية ٨٧] أي لن نضيق عليه، وكانت التوبة عليهم يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة.

ُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: الآية ٨٧] أي لن نضيق عليه، وكانت التوبة عليهم يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة. أي وفي كلام بعضهم كشف العذاب عن قوم يونس يوم عاشوراء، وأخرج فيه يونس من بطن الحوت، وهو يؤيد القول بأنه نبذ من يومه وهو قول الشعبي، التقمه ضحوة ونبذه عشية أي بعد العصر؛ وقاربت الشمس الغروب. وذكر أن الحوت لم يأكل ولم يشرب مدة بقاء يونس في بطنه لئلا يضيق عليه. وقال السدي: مكث أربعين يوما. وقال جعفر الصادق: سبعة أيام. وقال قتادة: ثلاثة أيام؛ وذلك بعد أن نزل السفينة فلم تسر؛ فقال لهم: إن معكم عبدا آبقا من ربه وإنها لا تسير حتى تلقوه في البحر وأشار إلى نفسه؛ فقالوا: لا نلقيك يا نبيّ الله أبدا؛ قال: فاقترعوا فخرجت القرعة عليه ثلاث مرات؛ فألقوه فالتقمه الحوت. وقيل قائل ذلك بعض الملاحين؛ وحين خرجت القرعة عليه ثلاثا ألقى نفسه في البحر؛ وهذا السياق يدل على أن رسالته كانت قبل أن يلتقمه الحوت: وقيل إنما أرسل بعد نبذ الحوت له؛ وفيه كيف يدعوهم ويعدهم العذاب وهو غير مرسل لهم. وعن وهب بن منبه، وقد سئل عن يونس فقال: كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها فألقاها عنه وخرج هاربا، أي فقد تقدم أن للنبوة أثقالا لا يستطيع حملها إلا أولو العزم من الرسل، وهم نوح، وهود، وإبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم. أما نوح فلقوله يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ [يونس: ٧١] الآية. وأما هود فلقوله إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ

دُونِهِ [هود: ٥٤، ٥٥] الآية. وأما إبراهيم فلقوله هو والذين آمنوا معه إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة: ٤] الآية. وأما محمد ﷺ فلقول الله تعالى له فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: الآية ٣٥] فصبر ﷺ. فعند ذلك أكبّ عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه، أي فقال أحدهما: أي عتبة وشيبة للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قال له أحدهما: ويلك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قال: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك. أقول: وفي رواية «قال له وما شأنك؟ سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم نرك فعلته بأحدنا؟ قال: هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى، فضحكا به وقالا: لا يفتننك عن نصرانيتك فإنه رجل خداع ودينك خير من دينه» وقد تقدم في بعض الروايات: أن خديجة رضي الله تعالى عنها قبل أن تذهب بالنبي ﷺ لورقة بن نوفل ذهبت به إلى عداس وكان نصرانيا من أهل نينوى: قرية سيدنا يونس ﵊، وتقدم أنه غير هذا خلافا لمن اشتبه عليه به. وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: قد اجتمعت بجماعة من قوم يونس سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالأندلس حيث كنت فيه، وقست أثر رجل واحد منهم في الأرض فرأيت طول قدمه ثلاثة أشبار وثلثي شبر، والله أعلم. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها «إنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم أشدّ من أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال» أي والمناسب لما سبق إسقاط لفظ ابن الأولى والإتيان بواو العطف موضع ابن الثانية، أي فيقال عبد ياليل وكلال، أي وعبد كلال، ويكون خصهما بالذكر دون أخيهما حبيب لأنهما كانا أشرف وأعظم منه، أو لأنهما كانا المجيبين له ﷺ بالقبيح دون حبيب، إلا إن ثبت أن آباء هؤلاء الثلاثة شخصا يقال له عبد يا ليل وعبد كلال، وحينئذ يكون المراد هؤلاء الثلاثة، لأن ابن مفرد مضاف، ثم رأيته في النور ذكر ما يفيد أن لفظ ابن ثابت في الصحيح.

لاثة شخصا يقال له عبد يا ليل وعبد كلال، وحينئذ يكون المراد هؤلاء الثلاثة، لأن ابن مفرد مضاف، ثم رأيته في النور ذكر ما يفيد أن لفظ ابن ثابت في الصحيح. والذي في كلام ابن اسحاق وأبي عبيد وغيرهما إسقاطه. ثم رأيت الشمس الشامي قال: الذي ذكره أهل المغازي أن الذي كلمه رسول الله ﷺ عبد ياليل نفسه لا ابنه. وعند أهل السير أن عبد كلال أخوه لا أبوه: أي أبو أبيه كما لا يخفى «فلم

يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب» : أي ويقال له قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد الحجاز أو اليمن، بينه وبين مكة يوم وليلة. وفي لفظ «وهو موضع على ليلة من مكة وراء قرن» بسكون الراء. ووهم الجوهري في تحريكها، وفي قوله إن أويسا القرني منسوب إليه، وإنما هو منسوب إلى قرن قبيلة من مراد كما ثبت في مسلم «فرفعت رأسي، فإذا أنا بالسحابة قد أظلتني؛ فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فنادى فقال: قد سمع قول قومك لك- أي أهل ثقيف كما هو المتبادر- وما ردوا عليك به، وقد بعثت إليك بملك الجبال فتأمره بما شئت فيهم، فناداه ﷺ ملك الجبال وسلم عليه، وقال له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت» أي وهما جبلان يضافان تارة إلى مكة وتارة إلى منى. فمن الأول قوله: وهما أبو قبيس وقعيقعان. وقيل الجبل الأحمر الذي يقابل أبا قبيس المشرف على قعيقعان، ومن الثانية الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد. وفيه أن ثقيفا ليسوا بينهما، بل الجبلان خارجان عنهم فيكف يطبقهما عليهم؟ وفي لفظ «إن شئت خسفت بهم الأرض أو دمدمت عليهم الجبال» أي التي بتلك الناحية. ثم رأيت الحافظ ابن حجر، قال: المراد بقوم عائشة في قوله: لقد لقيت من قومك قريش: أي لا أهل الطائف الذين هم ثقيف، لأنهم كانوا هم السبب الحامل على ذهابه ﷺ لثقيف؛ ولأن ثقيفا ليسوا قوم عائشة رضي الله تعالى عنها؛ وعليه فلا إشكال. ويوافقه قول الهدى: فأرسل ربه ﵎ إليه ﷺ ملك الجبال يستأمره أن يطبق على أهل مكة الأخشبين: وهما جبلاها التي هي بينهما.

الله تعالى عنها؛ وعليه فلا إشكال. ويوافقه قول الهدى: فأرسل ربه ﵎ إليه ﷺ ملك الجبال يستأمره أن يطبق على أهل مكة الأخشبين: وهما جبلاها التي هي بينهما. وعبارة الهدى في محل آخر: وفي طريقه ﷺ أرسل الله تعالى إليه ملك الجبال، فأمره بطاعته ﷺ؛ وأن يطبق على قومه أخشبي مكة؛ وهما جبلاها إن أراد، هذا كلامه. ولا يخفى أن هذا خلاف السياق، إذ قوله «وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي» إلى آخره، وقول جبريل «قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك به» ظاهر في أن المراد بهم ثقيف لا قريش. ويوافق هذا الظاهر قول ابن الشحنة في شرح منظومة جده بعد أن ساق دعاءه ﷺ المتقدم بعضه «فأرسل الله ﷿ جبريل ومعه ملك الجبال؛ فقال إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» وحينئذ يكون المراد أطباقهما عليهم بعد نقلهما من محلهما إلى محل ثقيف الذي هو الطائف لأن القدرة صالحة. وعند قول ملك الجبال له ما ذكر قال النبي ﷺ «بل أرجو أن يخرج الله تعالى» وفي رواية «أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله تعالى لا

يشرك به شيئا، وعن ذلك قال له ملك الجبال: أنت كما سماك ربك رؤوف رحيم» قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم ملك الجبال؛ وإلى حلمه وإغضائه ﷺ أشار صاحب الهمزية بقوله. جهلت قومه عليه فأغضى ... وأخو الحلم دأبه الإغضاء وسع العالمين علما وحلما ... فهو بحر لم تعيه الأعباء أي جهلت قومه ﷺ فآذوه أذية لا تطاق؛ فأغضى عنهم حلما؛ وأخو الحلم: أي وصاحب عدم الانتقام شأنه التغافل؛ فإن علمه وسع علوم العالمين؛ ووسع حلمه حلمهم؛ فهو واسع العلم والحلم؛ لم تعيه الأعباء: أي لم تتعبه الأثقال؛ لكن تقييده بقومه السياق يدل على أن المراد به ثقيف؛ وقد علمت ما فيه فليتأمل. وعند منصرفه ﷺ المذكور من الطائف نزل نخلة وهي محلة بين مكة والطائف، فمر به نفر سبعة؛ وقيل تسعة من جن نصيبين: أي وهي مدينة بالشام؛ وقيل باليمن أثنى عليها ﷺ بقوله «رفعت إلي نصيبين: حتى رأيتها فدعوت الله تعالى أن يعذب نهرها وينضر شجرها ويكثر مطرها» وقد قام رسول الله ﷺ من جوف الليل أي وسطه يصلي. وفي رواية «يصلي صلاة الفجر» وفي رواية «هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة» فلعله كان يقرأ في الصلاة، والمراد بصلاة الفجر الركعتان اللتان كان يصليهما قبل طلوع الشمس، ولعله صلاهما عقب الفجر وذلك ملحق بالليل. وفي قوله جوف الليل تجّوز من الراوي، أو صلى صلاتين صلاة في جوف الليل وصلاة بعد الفجر وقرأ فيهما، أو جمع بين القراءة والصلاة، وأن الجن استمعوا للقراءتين، واطلاق صلاة الفجر على الركعتين المذكورتين سائغ، وبهذا يندفع قول بعضهم: صلاة الفجر لم تكن وجبت، وكان ﷺ يقرأ سورة الجن. وفيه: أي في الصحيحين «أن سورة الجن إنما نزلت بعد استماعهم» .

ن المذكورتين سائغ، وبهذا يندفع قول بعضهم: صلاة الفجر لم تكن وجبت، وكان ﷺ يقرأ سورة الجن. وفيه: أي في الصحيحين «أن سورة الجن إنما نزلت بعد استماعهم» . وقد يقال: سيأتي ما يعلم منه أنه ليس المراد بالاستماع المذكور هنا، بل استماع سابق على ذلك، وهو المذكور في رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الآتية، ورواية صلاة الفجر هنا ذكرها الكشاف كالفخر، وإلا فالروايات التي وقفت عليها فيها الاقتصار على صلاة الليل، وصلاة الفجر كانت في ابتداء البعث في بطن نخلة عند ذهابه وأصحابه إلى سوق عكاظ كما سيأتي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فآمنوا به وكانوا يهودا لقولهم- إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى- ولم يقولوا من بعد عيسى إلا أن يكون ذلك بناء على أن شريعة عيسى مقررة لشريعة موسى لا ناسخة لها. ولا يخفى أنهم غلبوا ما نزل من الكتاب على ما لم ينزل، لأنهم لم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كله منزلا. قال: وأنكر ابن عباس رضي

الله تعالى عنهما اجتماع النبي ﷺ بالجن أي بأحد منهم. ففي الصحيحين عنه قال «ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ- أي وكان بين الطائف ونخلة، كان لثقيف وقيس عيلان» كما تقدم «وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، ففزعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: قد حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: وما ذاك إلا من شيء قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمن النفر جماعة أخذوا نحو تهامة، فإذا هم بالنبي ﷺ وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا- يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد- فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الجن: ١] أي قل أخبرت بالوحي من الله تعالى أنه استمع لقراءتي نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ١] أي جن نصيبين» .

لله تعالى على نبيه ﷺ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الجن: ١] أي قل أخبرت بالوحي من الله تعالى أنه استمع لقراءتي نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ١] أي جن نصيبين» . أقول: تقدم أن إطلاق الفجر على الركعتين اللتين كان يصليهما قبل طلوع الشمس سائغ، فإن ذلك باعتبار الزمان لا لكونهما إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء، وقوله بأصحابه يجوز أن تكون الباء بمعنى مع، ويجوز أن يكون صلى بهم إماما، لأن الجماعة في ذلك جائزة. ولا يخفى أن هذه القصة التي تضمنتها رواية ابن عباس غير قصة انصرافه ﷺ من الطائف، يدل لذلك قوله «انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ» لأنه في تلك القصة التي هي قصة الطائف كان وحده أو معه مولاه زيد بن حارثة على ما تقدم، وكان مجيئه ﷺ من الطائف قاصدا مكة. وفي هذه كان ذهابه من مكة قاصدا سوق عكاظ، وأنه قرأ في تلك أي مجيئه من الطائف سورة الجن، وفي هذه قرأ غيرها ثم نزلت تلك السورة، وأن هذه القصة تضمنتها رواية ابن عباس سابقة على تلك، لأن قصة ابن عباس كانت في ابتداء الوحي، لأن الحيلولة بين الجن وبين خبر السماء بالشهب كانت في ذلك الوقت، وتلك كانت بعد ذلك بسنين عديدة. وسياق كل من القصتين يدل على أنه لم يجتمع الجن به ﷺ ولا قرأ عليهم، وإنما استمعوا قراءته من غير أن يشعر بهم. وقد صرح به ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه، وصرح به الحافظ الدمياطي في تلك حيث قال في سيرته «فلما انصرف رسول الله ﷺ من الطائف راجعا إلى مكة ونزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر من الجن سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا له ﷺ وهو يقرأ سورة الجن، ولم يشعر بهم رسول الله ﷺ حتى نزل عليه وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: الآية ٢٩] هذا كلامه، ونزول ما ذكره كان بعد انصرافهم.

فقد قال ابن إسحاق «فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا به وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله تعالى خبرهم على النبي ﷺ» وبهذا يعلم ما في سفر السعادة. ولما وصل ﷺ في رجوعه إلى نخلة جاءه الجن وعرضوا إسلامهم عليه، وكذا يعلم ما في المواهب من قوله «ولما انصرف ﷺ عن أهل الطائف ونزل نخلة صرف إليه سبعة من جن نصيبين» إلى أن قال: وفي الصحيح أن الذي آذنه ﷺ بالجن ليلة الجن شجرة، وأنهم سألوه الزاد، فقال: كل عظم إلى آخره؛ لأن سؤالهم له ﷺ الزاد فرع اجتماعهم، وقد ذكر هو أنهم لم يؤذنه ﷺ بهم إلا شجرة هناك. وعلى جواز أن الشجرة آذنته بهم قبل انصرافهم أي أعلمته بوجودهم، وأن ذلك كان سببا لاجتماعهم به ﷺ، وأن دعوى ذلك لا ينافي أنه ﷺ لم يشعر باجتماعهم للقرآن إلا مما نزل عليه من القرآن، فسؤالهم له ﷺ الزاد كان في قصة أخرى غير هاتين القصتين كانت بمكة سيأتي الكلام عليها. ثم رأيت عن ابن جرير أنه تبين من الأحاديث أن الجن سمعوا قراءة النبي ﷺ بنخلة وأسلموا، فأرسلهم ﷺ إلى قومهم منذرين، إذ لا جائز أن يكون ذلك في أول البعث، لمخالفته لما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وحينئذ يؤيد الاحتمال الثاني الذي ذكرناه من أنه يجوز أنهم اجتمعوا به ﷺ بعد أن آذنته بهم الشجرة، وقوله فأرسلهم إلى قومهم منذرين لم أقف في شيء من الروايات على ما هو صريح في ذلك: أي أن إرساله لهم كان من نخلة عند رجوعه من الطائف، ولعل قائله فهم ذلك من قوله تعالى وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف: الآية ٢٩] . وغاية ما رأيت أن ابن جرير والطبراني رويا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن الجن الذين اجتمعوا به ﷺ ببطن نخلة كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم» وهذا ليس صريحا في أنه ﷺ كان عند رجوعه من الطائف. لا يقال: يعني ذلك إنكار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اجتماعه ﷺ بالجن المرة الأولى التي كانت عند البعث، لاحتمال أنه ﷺ كان في بطن نخلة في مرة أخرى ثالثة.

يقال: يعني ذلك إنكار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اجتماعه ﷺ بالجن المرة الأولى التي كانت عند البعث، لاحتمال أنه ﷺ كان في بطن نخلة في مرة أخرى ثالثة. ثم رأيت في النور ما يخالف ما تقدم عن ابن عباس من قوله «إنه لم يجتمع ﷺ بالجن حين خروجه إلى سوق عكاظ» حيث قال: الذي في الصحيح وغيره أن اجتمع بهم، وهو خارج من مكة إلى سوق عكاظ ومعه أصحابه فليتأمل. قال: وذكر «أنه ﷺ أقام بنخلة أياما بعد أن أقام بالطائف عشرة أيام وشهرا لا

يدع أحدا من أشرافهم» أي زيادة على عبد ياليل وأخويه «إلا جاء إليه وكلمه فلم يجبه أحد. فلما أراد الدخول إلى مكة قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم؟ يعني قريشا وهم قد أخرجوك: أي كانوا سببا لخروجك وخرجت تستنصر فلم تنصر، فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه، فسار ﷺ إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق أي رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك ليجيره: أي ليدخل ﷺ مكة في جواره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير- أي في قاعدة العرب وطريقتهم واصطلاحهم- فبعث ﷺ إلى سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك أيضا فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب» وفيه أنه لو كان كذلك لما سألهما ﷺ، وكونه ﷺ لم يكن يعرف هذا الاصطلاح بعيد، إلا أن يقال جوّز ﷺ مخالفة هذه الطريقة «فبعث ﷺ إلى المطعم بن عديّ- أي وقد مات كافرا قبل بدر بنحو سبعة أشهر- يقول له: إني داخل مكة في جوارك، فأجابه إلى ذلك، وقال له: قل له فليأت، فرجع إليه ﷺ فأخبره، فدخل رسول الله ﷺ مكة، ثم تسلح المطعم بن عديّ وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يؤذه أحد منكم، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ أن أدخل، فدخل رسول الله ﷺ المسجد وطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله.

يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يؤذه أحد منكم، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ أن أدخل، فدخل رسول الله ﷺ المسجد وطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله. أي والمطعم بن عدي وولده مطيفون به ﷺ» قال «وذكر أنه ﷺ بات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج مطعم وقد لبس سلاحه هو وبنوه، وكانوا ستة أو سبعة، وقالوا لرسول الله ﷺ: طف، واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف مدة طوافه ﷺ، وأقبل أبو سفيان على المطعم، فقال: أمجير أم تابع؟ فقال: بل مجير، فقال: إذن لا تخفر- أي لا تزال خفارتك. أي جوارك، قد أجرنا من أجرت، فجلس معه حتى قضى رسول الله ﷺ طوافه» اهـ. أي ولا بدع في دخوله ﷺ في أمان كافر، لأن حكمة الحكيم القادر قد تخفى، وهذا السياق يدل على أن قريشا كانوا أزمعوا على عدم دخوله ﷺ مكة بسبب ذهابه إلى الطائف ودعائه لأهله. أي ولهذا المعروف الذي فعله المطعم قال ﷺ في أسارى بدر «لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» . ورأيت في أسد الغابة «أن جبيرا ولد المطعم رضي الله تعالى عنه- فإنه أسلم بين الحديبية والفتح، وقيل يوم الفتح- جاء إلى النبي ﷺ وهو كافر فسأله في أسارى بدر، فقال: لو كان الشيخ أبوك حيا فأتانا فيهم لشفعناه فيهم» كما سيأتي، أي لأنه فعل معه ﷺ هذا الجميل وكان من جملة ما سعى في نقض الصحيفة كما تقدم. قال: وعن كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه «لما انصرف النفر السبعة من أهل

نصيبين من بطن نخلة جاؤوا قومهم منذرين، ثم جاؤوا مع قومهم وافدين إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة وهم ثلاثمائة فانتهوا إلى الحجون، فجاء واحد من أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ، فقال: إن قومنا قد حضروا بالحجون يلقونك، فوعده رسول الله ﷺ ساعة من الليل بالحجون» اهـ. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال «أتانا رسول الله ﷺ، فقال: إني أمرت أن أقرأ على إخوانكم من الجن، فليقم معي رجل منكم ولا يقم رجل في قلبه مثقال حبة خردل من كبر، فقمت معه: أي بعد أن كرر ذلك ثلاثا ولم يجبه أحد منهم» ولعلهم فهموا أن من الكبر ما ليس منه وهو محبة الترفع في نحو الملبس الذي لا يكاد يخلو منه أحد. وقد بين ﷺ الكبر في الحديث ببطر الحق وغمص الناس: أي استصغارهم وعدم رؤيتهم شيئا بعد أن قالوا له «يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر من بطر الحق وغمط الناس» بالطاء المهملة كما في رواية أبي داود، وجاء «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، ولا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» قال الخطابي: المراد بالكبر هنا: أي في هذه الرواية كبر الكفر لأنه قابله بالإيمان. قال ابن مسعود «وذهب ﷺ في بعض نواحي مكة- أي بأعلاها بالحجون- فلما برز خط لي خطا: أي برجله وقال: لا تخرج، فإنك إن خرجت لم ترني ولم أرك إلى يوم القيامة» وفي رواية «لا تحدثنّ شيئا حتى آتيك، لا يروعنك: أي لا يخوفنك ويفزعنك؛ ولا يهولنك: أي لا يعظم عليك شيء تراه، ثم جلس رسول الله ﷺ، فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط، وهم طائفة من السودان الواحد منهم زطي، وكانوا كما قال الله تعالى كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن: الآية ١٩] أي لازدحامهم لِبَداً أي كاللبد في ركوب بعضهم بعضا حرصا على سماع القرآن منه ﷺ، فأردت أن أقوم فأذبّ عنه، فذكرت عهد رسول الله ﷺ فمكثت، ثم إنهم تفرقوا عنه ﷺ فسمعتهم يقولون: يا رسول الله إن شقتنا أن أرضنا التي نذهب إليها بعيدة ونحن منطلقون، فزوّدنا: أي لأنفسنا ودوابنا» ولعله كان نفد زادهم وزاد دوابهم، فقال كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدكم أوفر ما كان لحما» رواه مسلم.

نحن منطلقون، فزوّدنا: أي لأنفسنا ودوابنا» ولعله كان نفد زادهم وزاد دوابهم، فقال كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدكم أوفر ما كان لحما» رواه مسلم. وفي رواية «إلا وجد عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، وكل بعر علف دوابكم» . وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «أنهم لما سألوه ﷺ الزاد، قال لهم: لكم كل عظم عراق، ولكم كل روثة خضرة» والعراق بضم العين وفتح الراء جمع

عرق بفتح العين وسكون الراء: العظم الذي أخذ عنه اللحم. وقيل الذي أخذ عنه معظم اللحم «قلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم أي عن أنفسهم وعن دوابهم» بدليل قوله «فقال إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت» وفي رواية «وجدوه- أي الروث والبعر- شعيرا» فهذه الرواية تدل على أن الروثة مطعوم دوابهم، ويوافقه ما جاء «أن الشعير يعود خضرا لدوابهم» ويحتاج للجمع بين كون الروث كالبعر يعود حبا يوم أكل، وبين كونه يعود شعيرا، وبين كونه يعود خضرا. هذا، وفي رواية لأبي نعيم «أن الروث يعود لهم تمرا» وهي تدل على أن الروث من مطعومهم، ويحتاج إلى الجمع. وجمع ابن حجر الهيتمي بأن الروث يكون تارة علفا لدوابهم وتارة يكون طعاما لهم أنفسهم، أي وفي لفظ «سألوني المتاع فمتعتهم كل عظم حائل وكل روثة وبعرة» والحائل: البالي بمرور الزمن، لأنه لم يخرج بذلك عن كونه مطعوما لهم، كما لم يخرج بذلك عن كونه مطعوما لهم لو حرق وصار فحما، ولعل الغرض من ذكر الحائل الإشارة إلى أن زادهم العظم ولو كان حائلا، لا أنه لم يمنعهم إلا الحائل؛ وقوله إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل يدل على أن المراد عظم المذكاة، وبدليل ذكر اسم الله تعالى عليه، فلا يأكلون ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من عظم: أي وكذا من طعام الانس سرقة كما جاء في بعض الأخبار. هذا، ولكن في رواية أبي داود «كل عظم لم يذكر اسم الله تعالى عليه» قال السهيلي: وأكثر الأحاديث تدل على معنى رواية أبي داود.

رقة كما جاء في بعض الأخبار. هذا، ولكن في رواية أبي داود «كل عظم لم يذكر اسم الله تعالى عليه» قال السهيلي: وأكثر الأحاديث تدل على معنى رواية أبي داود. وقال بعض العلماء: رواية «ذكر اسم الله عليه» في الجن المؤمنين. ورواية «لم يذكر اسم الله تعالى عليه» في حق الشياطين منهم، وهذا قول صحيح يعضده الأحاديث. هذا كلامه، أي التي من تلك الأحاديث «أن إبليس قال: يا رب ليس أحد من خلقك إلا وقد جعلت له رزقا ومعيشة فما رزقي؟ قال: كل ما لم يذكر عليه اسمي» ومعلوم أن إبليس أبو الجن وأن ما لم يذكر اسم الله عليه يشمل عظم الميتة. ومقابلة الشياطين بالمؤمنين تدل على أن المراد بهم فسقتهم لا الكفار منهم؛ لأن في كون الكفار من الجن اجتمعوا به ﷺ مع المؤمنين، وأن كلا من الفريقين سأله الزاد، وأنه خاطب كلا بما يليق به فيه بعد لا سيما مع ما تقدم عن ابن مسعود وما يأتي من قوله إخوانكم من الجن، ومن ثم قال بعضهم: إن السائلين له ﷺ الزاد كانوا مسلمين فليتأمل. ولما ذكر ﷺ لهم العظم والروث «قالوا: يا رسول الله إن الناس يقذرونهما علينا، فنهى النبي ﷺ أن يستنجى بالعظم أو بروثه بقوله: فلا يستنقينّ أحدكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة، لأنه زاد إخوانكم من الجن» .

وفي رواية «قالوا له ﷺ أنه أمتك عن الاستنجاء بهما، فإن الله تعالى قد جعل لنا فيهما رزقا، فنهى رسول الله ﷺ عن الاستنجاء بالعظم والبعر» أي وحرمة نحو البول أو التغوط عليهما تعلم من ذلك بالأولى، ومنه يعلم أن مرادهم بالتقذير التنجيس لا ما يشمل التقذير بالطاهر كالبصاق والمخاط. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال «بينا أنا مع رسول الله ﷺ أمشي إذ جاءت حية فقامت إلى جنبه ﷺ وأدنت فاها من أذنه وكأنها تناجيه، فقال النبي ﷺ: نعم فانصرفت، قال جابر: فسألته، فأخبرني أنه رجل من الجن، وأنه قال له مر أمتك لا يستنجوا بالروث ولا بالرمة: أي العظم، لأن الله تعالى جعل لنا في ذلك رزقا» ولعل هذا الرجل من الجن لم يبلغه أنه ﷺ نهى عن ذلك. ولا يخفى أن سؤال الزاد يقتضي أن ذلك لم يكن زادهم وزاد دوابهم قبل ذلك. وحينئذ يسأل ما كان زادهم قبل ذلك؟ وقد يقال: هو كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام الآدميين، وحينئذ يكون ما تقدم في خبر إبليس المراد بما لم يذكر اسم الله عليه غير العظم فليتأمل، والنهي عن الاستنجاء يدل على أن ذلك لا يختص بحالة السفر بل هو زادهم بعد ذلك دائما وأبدا. وقصة جابر هذه سيأتي في غزوة تبوك نظيرها «وهو أن حية عظيمة الخلق عارضتهم في الطريق، فانحاز الناس عنها، فأقبلت حتى وقفت على رسول الله ﷺ وهو على راحلته طويلا والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة، فقال رسول الله ﷺ: أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن» قال في المواهب: وفي هذ ردّ على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب: أي وإنما يتغذون بالشم. أقول: ذكرت في كتابي «عقد المرجان فيما يتعلق بالجان» أن في أكل الجن ثلاثة أقوال: قيل يأكلون بالمضغ والبلع، ويشربون بالازدراد. والثاني لا يأكلون ولا يشربون بل يتغذون بالشم. والثالث أنهم صنفان: صنف يأكل ويشرب، وصنف لا يأكل ولا يشرب، وإنما يتغذون بالشم وهو خلاصتهم، والله أعلم.

والثاني لا يأكلون ولا يشربون بل يتغذون بالشم. والثالث أنهم صنفان: صنف يأكل ويشرب، وصنف لا يأكل ولا يشرب، وإنما يتغذون بالشم وهو خلاصتهم، والله أعلم. «قال ابن مسعود: فلما ولوا قلت من هؤلاء؟ قال: هؤلاء جن نصيبين» وفي رواية «فتوارى عني حتى لم أره، فلما سطع الفجر أقبل رسول الله ﷺ، فقال لي: أراك قائما، فقلت ما قعدت، فقال: ما عليك لو فعلت أي قعدت؟ قلت: خشيت أن أخرج منه فقال: أما إنك لو خرجت لم ترني ولم أرك إلى يوم القيامة» أي وفي رواية «لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم» وفيه أن الخروج لا ينشأ عن القعود حتى يخشى منه الخروج. وفي رواية «قال لي: أنمت؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس، أي لما تراكموا عليك، وسمعت منهم لغطا شديدا

حتى خفت عليك إلى أن سمعتك تقرعهم بعصاك وتقول: اجلسوا، وسأله عن سبب اللغط الشديد الذي كان منهم، فقال: إن الجن تداعت في قتيل قتل بينهم فتحاكموا إليّ، فحكمت بينهم بالحق» . وفي رواية عن سعيد بن جبير أنه أي ابن مسعود قال له: أولئك جن نصيبين، وكانوا اثني عشر ألفا، والسورة التي قرأها عليهم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] أي ولا ينافي ذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه افتتح القرآن، لأن المراد بالقرآن القراءة. زاد ابن مسعود على ما في بعض الروايات «ثم شبك أصابعه في أصابعي، وقال: إني وعدت أن تؤمن بي الجن والإنس، أما الإنس فقد آمنت، وأما الجن فقد رأيت» . أقول: وفي هذا أن ابن مسعود لم يخرج من الدائرة التي اختطها له ﷺ وفي السيرة الهشامية ما يقتضي أنه خرج منها حيث قال عن ابن مسعود «فجئتهم فرأيت الرجال ينحدرون عليه ﷺ من الجبال، فازدحموا عليه إلى آخره» فليتأمل.

Bagian 20 dari 62