السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya نور الدين الحلبي (w. 1044 H).

Bagian 22 dari 62 1574 halaman

— Bagian 22 · وهذه الرواية يحتمل أنها ثالثة. ويمكن أن تكون هي … —

Bagian 22

وهذه الرواية يحتمل أنها ثالثة. ويمكن أن تكون هي الأولى، أسقط من تلك قوله في هذه: وبرك منها جمل إلى آخره، كما أسقط من هذه قوله: في تلك: فندّ لهم بعير. وفي رواية: «ثم انتهيت إلى عير بني فلان بمكان كذا وكذا فيها جمل عليه غرارتان، غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذت العير نفرت وصرع ذلك البعير وانكسر، أي وأضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان أي بدلالتي لهم عليه فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد فاسألوهم عن ذلك» فعلم أن هذه الرواية والتي قبلها هي الأولى، غاية الأمر أنه زيد في هذه قوله: فسلمت عليهم فقالوا هذه واللات والعزى آية، قال ﷺ «ثم انتهيت إلى عير بني فلان بالأبواء» أي وهو كما تقدم غير مرة أنه محل بين مكة والمدينة «يقدمها جمل أورق أي بياضه إلى سواد كما تقدم ها هي تطلع عليكم من الثنية، فانطلقوا لينظروا فوجدوا الأمر كما قال ﷺ فقالوا صدق الوليد فيما قال أي في قوله إنه ساحر، وأنزل الله تعالى وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: الآية ٦٠] وهذا يدل على أن المراد رؤيا الإسراء وأنها رؤيا العين، وأنه يقال في مصدرها رؤيا بالألف كما يقال رؤية بالتاء خلافا لمن أنكر ذلك، إذ

الإسراء: الآية ٦٠] وهذا يدل على أن المراد رؤيا الإسراء وأنها رؤيا العين، وأنه يقال في مصدرها رؤيا بالألف كما يقال رؤية بالتاء خلافا لمن أنكر ذلك، إذ

لو كان رؤيا الإسراء مناما لما أنكر عليه في ذلك: أي وقيل نزلت وقد رأى النبي ﷺ ولد الحكم بن أبي العاص أبي مروان وهم بنو أمية على منبره كأنهم القردة، وقد ورد «رأيت بني مروان يتعاورون منبري» وفي لفظ «ينزون على منبري نزو القردة» زاد في رواية «فما استجمع ﷺ ضاحكا حتى مات» وأنزل الله تعالى في ذلك وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: الآية ٦٠] وفي رواية: فنزل إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) [الكوثر: الآية ١] وفي رواية: فنزل إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) [القدر: ١- ٣] قال بعضهم: أي خير من ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية، فإن مدة ملك بني أمية كانت اثنتين وثمانين سنة، وهي ألف أشهر وكان جميع من ولي الخلافة منهم أربعة عشر رجلا، أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد. وقد قيل لبعضهم: ما سبب زوال ملك بني أمية مع كثرة العدد والعدد والأموال والموالي؟ فقال: أبعدوا أصدقاءهم ثقة بهم، وقربوا أعداءهم جهلا منهم، فصار الصديق بأبعاد عدوا، ولم يصر العدوّ صديقا بالتقريب له، وحديث «رأيت بني مروان» إلى آخره. قال الترمذي: هو حديث غريب، وقال غيره منكر، قال ﷺ ورأيت بني العباس يتعاورون منبري فسرني ذلك: وقيل إن هذه الآية أي آية. وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: الآية ٦٠] إنما نزلت في رؤيا الحديبية، حيث رأى النبي ﷺ أنه وأصحابه يدخلون المسجد محلقين رؤوسهم ومقصرين، ولم يوجد ذلك بل صدهم المشركون، وقال بعض الصحابة له ﷺ: ألم تقل إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: بلى، أفقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا: لا، قال فهو كما قال جبريل ﵊ كما سيأتي ذلك في قصة الحديبية.

وقال بعض الصحابة له ﷺ: ألم تقل إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: بلى، أفقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا: لا، قال فهو كما قال جبريل ﵊ كما سيأتي ذلك في قصة الحديبية. وقيل: إنما نزلت هذه الآية في رؤيا وقعة بدر، حيث أراه جبريل مصارع القوم ببدر، فأرى النبي ﷺ الناس مصارعهم، فتسامعت بذلك قريش فسخروا منه، أي ولا مانع من تعدد نزول هذه الآية لهذه الأمور، فقد يتعدد نزول الآية لتعدد أسبابها. قال ابن حجر الهيتمي: إن اتحاد النزول لا ينافي تعدد أسبابه: أي وذلك إذا تقدمت الأسباب، ويروى أنه عين لهم اليوم الذي تقدم فيه العير: أي قالوا له: متى تجيء؟ قال لهم: يأتوكم يوم كذا وكذا، يقدمهم جمل أورق عليه مسح آدم وغرارتان، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون ذلك وقد ولي النهار ولم تجىء حتى كادت الشمس أن تغرب أي دنت للغروب، فدعا الله تعالى فحبس الشمس عن الغروب حتى قدم العير: أي كما وصف ﷺ. أقول: يجوز أن يكون هذا بالنسبة لبعض العيرات التي مرّ عليها فلا يخالف ما تقدم أنه ﷺ قال في بعض العيرات إنها الآن تصوب من الثنية، وإلى حبس الشمس

عن المغيب أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله: وشمس الضحى طاعتك وقت مغيبها ... فما غربت بل وافقتك بوقفة وجاء في بعض الروايات: أنها حبست له ﷺ عن الطلوع، ففي رواية: أن بعضهم قال له أخبرنا عن عيرنا «قال مررت بها بالتنعيم، قالوا: فما عدتها وأحمالها ومن فيها؟ فقال: كنت في شغل عن ذلك، ثم قيل له ذلك فأخبر بعدتها وعدة أحمالها وعدة من فيها، وقال: تطلع عليكم عند طلوع الشمس، فحبس الله تعالى الشمس عن الطلوع حتى قدمت تلك العير» . فلما خرجوا لينظروا فإذا قائل يقول: هذه الشمس قد طلعت، وقال آخر: وهذه العير قد أقبلت فيها فلان وفلان كما أخبر محمد ﷺ» . وعلى تقدير صحة هذه الروايات يجاب عنها بمثل ما تقدم والله أعلم، وحبس الشمس وقوفها عن السير: أي عن الحركة بالكلية، وقيل بطء حركتها، وقيل ردها إلى ورائها، قالوا: ولم تحبس له ﷺ إلا ذلك اليوم وما قيل إنها حبست له ﷺ يوم الخندق عن الغروب أيضا حتى صلى العصر معارض بأنه ﷺ صلى العصر بعد غروب الشمس وقال «شغلونا عن الصلاة الوسطى» كما سيأتي، ثم رأيت في كلام بعضهم ما يؤخذ منه الجواب، وهو أن وقعة الخندق كانت أياما فحبست الشمس في بعض تلك الأيام إلى الاحمرار والاصفرار وصلى حينئذ، وفي بعضها لم تحبس بلى صلى بعد الغروب قال ذلك البعض: ويؤيده أن راوي التأخير إلى الغروب غير راوي التأخير إلى الحمرة أو الصفرة. وجاء في رواية ضعيفة أن الشمس حبست عن الغروب لداود ﵊. وذكر البغوي أنها حبست كذلك لسليمان ﵊.

التأخير إلى الغروب غير راوي التأخير إلى الحمرة أو الصفرة. وجاء في رواية ضعيفة أن الشمس حبست عن الغروب لداود ﵊. وذكر البغوي أنها حبست كذلك لسليمان ﵊. أي فعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه «أن الله أمر الملائكة الموكلين بالشمس حتى ردوها على سليمان حتى صلى العصر في وقتها» وهذا ردّ لها لا حبس لها عن غروبها الذي الكلام فيه. والذي في كلام بعضهم إنما ضرب سيدنا سليمان سوق خيله وأعناقها حيث ألهاه عرضها عليه عن صلاة العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، ولم يتصدق بها مبادرة لتعظيم أمر الله تعالى بالصلاة في وقتها لأن التصدق يحتاج إلى صرف زمن في دفعها وأخذها. وحبست كذلك ليوشع ابن أخت موسى ﵊ وهو ابن نون بن يوسف الصديق ﵊، أي وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، لأن موسى ﵊ لما وعده الله تعالى أن يورثه وقومه بني إسرائيل الأرض المقدسة التي هي أرض الشام، وكان سكنها الكنعانيون الجبارون، وأمر بمقاتلة أولئك الجبارين وهم العماليق، سار بمن معه وهم ستمائة ألف مقاتل حتى نزل قريبا من مدينتهم وهي أريحا، فبعث إليهم اثني عشر

رجلا من كل سبط واحدا ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة فرأوا أمرا هائلا من عظم أجسادهم. فقد ذكر بعضهم أنه رأى في فجاج: أي نقرة عين رجل منهم ضبعة رابضة، أي جالسة هي وأولادها حولها، والفجاج في الأصل الطريق الواسع، واستظل سبعون رجلا من قوم موسى في قحف رجل منهم، أي في عظم أمّ رأسه، وفي العرائس: وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم، ويدخل في قشرة الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة، وإن رجلا من العماليق أخذ الاثني عشر ووضعهم في كمه مع فاكهة كانت فيه، وجاء بهم إلى ملكهم فسألهم فقالوا نحن عيون موسى فقال ارجعوا وأخبروه. وفي العرائس أنه عوج بن عنق إحدى بنات آدم ﵇ من صلبه، ويقال إنها أول بغيّ في الأرض.

وجاء بهم إلى ملكهم فسألهم فقالوا نحن عيون موسى فقال ارجعوا وأخبروه. وفي العرائس أنه عوج بن عنق إحدى بنات آدم ﵇ من صلبه، ويقال إنها أول بغيّ في الأرض. وفي العرائس: أنه لما لقيهم كان على رأسه حزمة حطب، وأخذ الاثني عشر في حجره وانطلق بهم لامرأته، وقال انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها، وقال لها: ألا أطحنهم برجلي، فقالت امرأته: لا ولكن خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك، فلما رجعوا أخبروا موسى ﵊، فقال: اكتموا خوفا من بني إسرائيل أن يفشلوا ويرتدوا عن موسى فلم يفعلوا، وأخبر كل واحد سبطه بشدة ما رآه من أمرهم الهائل، ففشلوا وجبنوا عن القتال إلا رجلان لم يخبرا سبطيهما وهما يوشع بن نون من سبط يوسف، وكالب بن يوقنا من سبط بنيامين، وقالوا لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) [المائدة: الآية ٢٤] فدعا عليهم وقال رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [المائدة: الآية ٢٥] أي: فإنه لم يبق معه موافق يثق به غير أخيه هارون وكالب ويوشع، وهما المذكوران بقوله تعالى قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ [المائدة: الآية ٢٣] لأن الله منجز وعده وإنا قد خبرناهم فوجدنا أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة فلا تخشوهم وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: الآية ٢٣] وحينئذ يكون مراد موسى بقوله وأخي من واخاه ووافقه لا خصوص هارون، ثم دعا بقوله فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: الآية ٢٥] أي باعد بيننا وبينهم فضرب عليه التيه فتاهوا، أي تحيروا في ستة فراسخ من الأرض، يمشون النهار كله ثم يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، وأنزل الله تعالى عليهم المنّ والسلوى، لأنهم شغلوا عن المعاش، وأبقيت عليهم ثيابهم لا تخلق ولا تتسخ، وتطول مع الصغير إذا طال، وظلل عليهم الغمام من الشمس، ولما رأى موسى ﵊ ما بهم من التعب ندم على دعائه عليهم.

معاش، وأبقيت عليهم ثيابهم لا تخلق ولا تتسخ، وتطول مع الصغير إذا طال، وظلل عليهم الغمام من الشمس، ولما رأى موسى ﵊ ما بهم من التعب ندم على دعائه عليهم. وفي حياة الحيوان: لما عبد بنو إسرائيل العجل أربعين يوما عوقبوا بالتيه أربعين سنة لكل يوم سنة، فأوحى الله تعالى له فَلا تَأْسَ أي لا تحزن عَلَى الْقَوْمِ

الْفاسِقِينَ [المائدة: الآية ٢٦] أي الذين فسقوا: أي خرجوا عن أمرك. قال في أنس الجليل: ومن عجب الاتفاق أن أريحا هذه كانت في زمن بني إسرائيل منزل الجبارين، وفي زمن الإسلام منزل حكام الشرطة فإنها الآن قرية من قرى بيت المقدس. ثم مات موسى وهارون بالتيه، مات هارون أولا ثم موسى بعد سنتين. وفي ذلك رد على من قال إن قبر هارون أخي موسى بأحدكما سيأتي. وفيه رد أيضا على من يقول موسى مات قبل هارون وأنه دفنه، وقيل إن هارون رأى سريرا في بعض الكهوف فقام عليه فمات، وإن بني إسرائيل قالوا قتل موسى هارون حسدا له على محبة بني إسرائيل له، فقال لهم موسى: ويحكم كان أخي ووزيري أفتراني أقتله؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا فنزل السرير الذي قام عليه فمات حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه. وعلى الأول أن موسى انطلق ببني اسرائيل إلى قبره، ودعا الله أن يحييه فأحياه الله تعالى، وأخبرهم أنه مات ولم يقتله موسى، وعند ذلك قام بالأمر يوشع بن نون المذكور؛ أي فإن موسى لما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي، وإن الله أمره بقتال الجبارين، فسار بهم يوشع وقاتل الجبارين وكان يوم الجمعة، ولما كاد أن يفتحها كادت الشمس أن تغرب فقال للشمس: «أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور، بحرمتي عليك إلا ركدت، أي مكثت ساعة من النهار» . وفي رواية «قال اللهم احبسها عليّ فحبسها الله تعالى حتى افتتح المدينة» أي قال ذلك خوفا من دخول السبت المحرم عليهم فيه المقاتلة، وقد عبر الإمام السبكي عن حبسها ليوشع بردها في قوله: وردت عليك الشمس بعد مغيبها ... كما أنها قدما ليوشع ردّت ولولا قوله بعد مغيبها لما أشكل، وأمكن أن يراد بالرد وقوفها وعدم غروبها، ومن ثم ذكر ابن كثير في تاريخه، أن في حديث رواه الإمام أحمد وهو على شرط البخاري «إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ﵊، ليالي سار إلى بيت المقدس» وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون لا موسى، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس، لا في فتح أريحا هذا كلامه وهو خلاف السياق.

المقدس» وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون لا موسى، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس، لا في فتح أريحا هذا كلامه وهو خلاف السياق. وفي العرائس أن موسى ﵊ لم يمت في التيه، بل سار ببني إسرائيل إلى أريحا وعلى مقدمته يوشع، فدخل يوشع وقتل الجبارين ثم دخلها موسى ﵊ ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله ثم قبض، ولا يعلم موضع قبره من الخلق أحد، قال: وهذا أولى الأقاويل بالصدق وأقربها إلى الحق. وذكر بعد ذلك أن موسى لما حضرته الوفاة قال يا رب ادنني من الأرض المقدسة برمية

حجر، فقال رسول الله ﷺ «لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» . قال ابن كثير: وقوله ﷺ لم تحبس لبشر، يدل على أن هذا من خصائص يوشع ﵊، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت أي بعد مغيبها أي في خيبر كما سنذكره هنا حتى صلى عليّ بن أبي طالب العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبي ﷺ على ركبته، وهو حديث منكر، ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان وهو مما تتوفر الدواعي على نقله وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها هذا كلامه، وسيأتي قريبا ما فيه. على أن قوله ﷺ لم تحبس لبشر أي غيره ﷺ، وقد علمت أن الحبس لها يكون منعا لها عن مغيبها والرد لها يكون بعد مغيبها فليتأمل. وفي كلام سبط ابن الجوزي: إن قيل حبسها ورجوعها مشكل لأنها لو تخلفت أو ردت لاختلت الأفلاك ولفسد النظام قلنا حبسها وردها من باب المعجزات ولا مجال للقياس في خرق العادات. وذكر أنه وقع لبعض الوعاظ ببغداد إذ قعد يعظ بعد العصر ثم أخذ في ذكر فضائل آل البيت فجاءت سحابة غطت الشمس فظن وظن الناس الحاضرون عنده أن الشمس غابت، فأرادوا الانصراف فأشار إليهم أن لا يتحركوا، ثم أدار وجهه إلى ناحية الغرب وقال: لا تغربي يا شمس حتى ينتهي ... مدحي لآل المصطفى ولنجله إن كان للمولى وقوفك فليكن ... هذا الوقوف لولده ولنسله فطلعت الشمس فلا يحصى ما رمي عليه من الحليّ والثياب هذا كلامه.

ينتهي ... مدحي لآل المصطفى ولنجله إن كان للمولى وقوفك فليكن ... هذا الوقوف لولده ولنسله فطلعت الشمس فلا يحصى ما رمي عليه من الحليّ والثياب هذا كلامه. ولما افتتحوا المدينة التي هي أريحا أصابوا بها أموالا عظيمة، وكانوا: أي الأمم السابقة إذا أصابوا الغنائم قربوها، فتجيء النار تأكلها أي إذا لم يكن فيها غلول كما تقدم، فمجيء النار وأكلها دليل على قبولها، ولم تحل إلا لنبينا ﷺ كما سيأتي، فلما أصابوا تلك الغنائم قربوها فلم تجئ إليها النار، فقالوا له: يا نبي الله ما لها لا تأكل قرباننا؟ قال: فيكم الغلول، فدعا رأس كل سبط وصافحه، فلصق كف واحد منهم في كف يوشع ﵇، فقال: الغلول في سبطك، فقال: كيف أعلم ذلك؟ قال: تصافح واحدا بعد واحد، فلصقت كفه بكف واحد منهم، فسئل فقال نعم: رأيت رأس بقرة من ذهب، عيناها من ياقوت وأسنانها من لؤلؤ فأعجبتني فغللتها فجاء بها ووضعها في الغنيمة فجاءت النار فأكلتها. وذكر البغوي أن الشمس حبست عن الطلوع لموسى ﵊ كما

حبست كذلك لنبينا ﷺ كما تقدم، وكذا القمر حبس لموسى ﵊ عن الطلوع له. فعن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه قال: إن الله تعالى حين أمر موسى ﵊ بالمسير ببني إسرائيل إلى بيت المقدس، أمره أن يحمل معه عظام يوسف ﵊، وأن لا يخلفها بأرض مصر وأن يسير بها حتى يضعها بالأرض المقدسة، أي وفاء بما أوصى به يوسف ﵊. فقد ذكر أن يوسف ﵊ لما أدركته الوفاة، أوصى أن يحمل إلى مقابر آبائه، فمنع أهل مصر أولياءه من ذلك، فسأل موسى ﵊ عمن يعرف موضع قبر يوسف، فما وجد أحدا يعرفه إلا عجوزا من بني إسرائيل، فقالت له: يا نبي الله أنا أعرف مكانه وأدلك عليه إن أنت أخرجتني معك ولم تخلفني بأرض مصر، قال أفعل، وفي لفظ: إنها قالت أكون معك في الجنة فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له أعطها طلبتها فأعطاها. وقد كان موسى ﵊ وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع القمر، فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف ﵊، ففعل فخرجت به العجوز حتى أرته أيلة في ناحية من النيل، وفي لفظ في مستنقعة ماء أي وتلك المستنقعة في ناحية من النيل، فقالت لهم أنضبوا عنها الماء: أي ارفعوه عنها ففعلوا، قالت: احفروا فحفروا وأخرجوه. وفي لفظ: أنها انتهت به إلى عمود على شاطئ النيل، أي في ناحية منه فلا يخالفه ما سبق في أصله سكة من حديد فيها سلسلة؛ أي ويجوز أن يكون حفرهم الواقع في تلك الرواية كان على إظهار تلك السكة فلا مخالفة، ووجدوه في صندوق من حديد وسط النيل في الماء، فاستخرجه موسى ﵊، وهو في صندوق من مرمر أي داخل ذلك الصندوق الذي من الحديد فاحتمله. وفي أنس الجليل: أن موسى ﵊ جاءه شيخ له ثلاثمائة سنة، فقال له يا نبي الله ما يعرف قبر يوسف إلا والدتي، فقال له موسى: قم معي إلى والدتك فقام الرجل ودخل منزله وأتى بقفة فيها والدته فقال لها موسى: ألك علم بقبر يوسف؟ فقالت: نعم ولا أدلك على قبره إلا إذا دعوت الله تعالى أن يرد عليّ شبابي إلى سبع عشرة سنة ويزيد في عمري مثل ما مضى فدعا موسى لها، وقال لها كم عمرك؟ قالت له تسعمائة سنة فعاشت ألفا وثمانمائة سنة، فأرته قبر يوسف وكان في وسط نيل مصر ليمر النيل عليه فيصل إلى جميع مصر فيكونون شركاء في بركته.

ا كم عمرك؟ قالت له تسعمائة سنة فعاشت ألفا وثمانمائة سنة، فأرته قبر يوسف وكان في وسط نيل مصر ليمر النيل عليه فيصل إلى جميع مصر فيكونون شركاء في بركته. وأما عود الشمس بعد غروبها، فقد وقع له ﷺ في خيبر، فعن أسماء بنت عميس أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ، ولم يسر عن النبي ﷺ، حتى غربت الشمس وعليّ لم يصل العصر أي فقال له رسول الله ﷺ:

أصليت العصر؟ فقال لا، فقال رسول الله ﷺ: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس. قالت أسماء فرأيتها طلعت بعد ما غربت» . قال بعضهم: لا ينبغي لمن سبيله العلم أن يتخلف عن حفظ هذا الحديث، لأنه من أجلّ أعلام النبوّة وهو حديث متصل. وقد ذكر في الإمتاع: أنه جاء عن أسماء من خمسة طرق وذكرها، وبه يرد ما تقدم عن ابن كثير بأنه تفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها، وبه يرد على ابن الجوزي، حيث قال فيه إنه حديث موضوع بلا شك لكن في الإمتاع ذكر في خامس الطرق «أن عليا اشتغل مع رسول الله ﷺ في قسمة الغنائم يوم خيبر حتى غابت الشمس، فقال رسول الله ﷺ: يا عليّ صليت العصر؟ قال لا يا رسول الله، فتوضأ رسول الله ﷺ وجلس في المسجد فتكلم بكلمتين أو ثلاثة كأنها من كلام الحبش، فارتجعت الشمس كهيئتها في العصر فقام علي فتوضأ وصلى العصر ثم تكلم رسول الله ﷺ بمثل ما تكلم به قبل ذلك، فرجعت إلى مغربها فسمعت لها صريرا كالمنشار في الخشب» وذلك مخالف لسائر الطرق، إلا أن يدعي أن هذه الطريق فيها حذف، والأصل اشتغل مع النبي ﷺ في قسمة غنائم خيبر، ثم وضع رأسه في حجر علي ونام فما استيقظ حتى غابت الشمس فلا مخالفة. قال «وجاء أنه ﷺ قبل وصوله إلى بيت المقدس ساروا حتى بلغوا أرضا ذات نخل؛ فقال له جبريل: انزل فصلّ هنا ففعل، ثم ركب فقال: أتدري أين صليت؟

مس فلا مخالفة. قال «وجاء أنه ﷺ قبل وصوله إلى بيت المقدس ساروا حتى بلغوا أرضا ذات نخل؛ فقال له جبريل: انزل فصلّ هنا ففعل، ثم ركب فقال: أتدري أين صليت؟ قال لا، قال: صليت بطيبة وإليها المهاجرة» وسيأتي ما فيه في الكلام على الهجرة «فانطلق البراق يهوي يضع حافره حيث أدرك طرفه، حتى إذا بلغ أرضا فقال له جبريل انزل فصل ههنا ففعل ثم ركب، فقال له جبريل أتدري أين صليت؟ قال لا، قال: صليت بمدين» أي وهي قرية تلقاء غزة عند شجرة موسى، سميت باسم مدين ابن إبراهيم لما نزلها «ثم ركب فانطلق البراق يهوي به، ثم قال انزل فصل، ففعل ثم ركب، فقال له: أتدري أين صليت؟ قال لا، قال: صليت ببيت لحم» أي وهي قرية تلقاء بيت المقدس «حيث ولد عيسى ﵊» أي وفي الهدى وقيل إنه نزل ببيت لحم وصلى فيه ولا يصح عنه ذلك البتة «وبينا هو يسير على البراق إذ رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رآه، فقال له جبريل: ألا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخرّ لفيه؟ فقال ﷺ بلى، فقال جبريل: قل أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن، أي فقال ذلك فانكب لفيه وطفئت شعلته. ورأى حال المجاهدين في

سبيل الله» أي كشف له عن حالهم في دار الجزاء بضرب مثاله، فرأى قوما يزرعون في يوم أي في وقت «ويحصدونه في يوم» أي في ذلك الوقت كما يرشد إليه الحال «كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من خير فهو يخلفه» هذا الثاني هو المناسب لحالهم دون الأول، فالأولى الاقتصار عليه إلا أن يدعي أنه ﷺ شاهد الحصاد والعود العدد المذكور الذي هو سبعمائة مرة على أن المضاعفة المذكورة لا تختص بالمجاهدين. فقد جاء «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا أن يقال المراد تكرر الجزاء العدد المذكور للمجاهدين أمر مؤكد لا يكاد يتخلف، وفي غيرهم بخلافه. «ووجد ﷺ ريح ما شطة بنت فرعون، ووجد داعي اليهود وداعي النصارى، فأما الأول، فقد رأى عن يمينه داعيا يقول: يا محمد انظرني أسألك، فلم يجبه، فقال: ما هذا يا جبريل، فقال: داعي اليهود، أما إنك لو أجبته لتهودت أمتك» أي لتمسكوا بالتوراة، والمراد غالب الأمة «وأما الثاني فقد رأى عن يساره داعيا يقول: يا محمد انظرني أسألك فلم يجبه، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال هذا داعي النصارى، أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك» أي لتمسكت بالإنجيل، وحكمة كون داعي اليهود على اليمين وداعي النصارى على اليسار لا تخفى. «ورأى ﷺ حال الدنيا أي كشف له عن حالتها بضرب مثال «فرأى امرأة حاسرة عن ذراعيها» كأن ذلك شأن المقتص لغيره «وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى» أي ومعلوم أن النوع الواحد من الزينة يجذب القلوب إليه، فكيف بوجود سائر أنواع الزينة «فقالت يا محمد انظرني أسألك، فلم يلتفت إليها، فقال: من هذه يا جبريل؟ قال تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة. ورأى عجوزا على جانب الطريق، فقالت: يا محمد انظرني أسألك، فلم يلتفت إليها، فقال: من هذه يا جبريل؟ فقال: إنه لم يبق من عمر الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز «أي فزينتها لا ينبغي الالتفات إليها لأنها على عجوز شوهاء لم يبق من عمرها إلا القليل» ولينظر لم لم يقل تلك الدنيا ولم يبق من عمرها إلى آخره؟.

ك العجوز «أي فزينتها لا ينبغي الالتفات إليها لأنها على عجوز شوهاء لم يبق من عمرها إلا القليل» ولينظر لم لم يقل تلك الدنيا ولم يبق من عمرها إلى آخره؟. وفي كلام بعضهم: الدنيا قد يقال لها شابة وعجوز، بمعنى يتعلق بذاتها، وبمعنى يتعلق بغيرها، الأول وهو حقيقة أنها من أول وجود هذا النوع الإنساني إلى أيام إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه سبعة بعدها تسمى الدنيا شابة وفيما بعد ذلك إلى بعثة نبينا ﷺ كهلة، ومن بعد ذلك إلى يوم القيامة تسمى عجوزا. واعترض بأن الأئمة صرحوا بأن الشباب ومقابله إنما يكون في الحيوان. ويجاب بأن الغرض من ذلك التمثيل.

وكشف له ﷺ عن حال من يقبل الأمانة مع عجزه عن حفظها بضرب مثال «فأتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها ويريد أن يتحمل عليها» . وكشف له ﷺ عن حال من يترك الصلاة المفروضة في دار الجزاء «فأتى على قوم ترضخ رؤوسهم، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال: يا جبريل ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة» أي المفروضة عليهم. وكشف له ﷺ عن حال من يترك الزكاة الواجبة عليه «ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع» وهو اليابس من الشوك «والزقوم» ثم شجر مر له زفرة، قيل إنه لا يعرف بشجر الدنيا وإنما هو بشجرة من النار، وهي المذكورة في قوله تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) [الصّافات: الآية ٦٤] أي منبتها في أصل الجحيم، وتقم الكلام عليها عند الكلام على المستهزئين ويأكلون رضف جهنم أي حجاراتها المحماة، لأن الرضف بالضاد المعجمة الحجارة المحماة التي يكون بها «فقال من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم المفروضة عليهم» .

ها المحماة، لأن الرضف بالضاد المعجمة الحجارة المحماة التي يكون بها «فقال من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم المفروضة عليهم» . وكشف له ﷺ عن حال الزناة، بضرب مثال «ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدور ولحم نيء أيضا في قدور خبيث فجعلوا يأكلون من ذلك النيء الخبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح» . وكشف له ﷺ عن حال من يقطع الطريق بضرب مثال «ثم أتى على خشبة لا يمر بها ثوب ولا شيء إلا خرقته، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقاعدون على الطريق فيقطعونه وتلا وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ [الأعراف: الآية ٨٦] . وكشف له ﷺ عن حال من يأكل الربا أي حالته التي يكون عليها في دار الجزاء «فرأى رجلا يسبح في نهر من دم يلقم الحجارة، فقال له: من هذا؟ قال: آكل الربا» وقد شبهه الله تعالى في القرآن بقوله الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: الآية ٢٧٥] أي إذا بعث الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين من قبورهم، إلا آكلة الربا فإنهم لا يقومون من قبورهم إلا مثل قيام الذي يصرعه الشيطان، فكلما قاموا سقطوا على وجوههم وجنوبهم وظهورهم، كما

أن المصروع حاله ذلك، أي فهذه حالته في الذهاب إلى المحشر زيادة على حالته المتقدمة التي تكون في دار الجزاء. وكشف له ﷺ عن حال من يعظ ولا يتعظ «ثم أتي على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء خطباء الفتنة، خطباء أمتك، يقولون ما لا يفعلون» . وكشف له ﷺ عن حال المغتابين للناس «فمر على قوم لهم أظفار من نجاس يخدشون وجوههم وصدورهم، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» . وكشف له ﷺ عن حال من يتكلم بالفحش بضرب مثال «فأتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث يخرج فلا يستطيع، فقال: ما هذا الرجل يا جبريل؟ فقال: هذا الرجل من أمتك يتكلم الكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها» . وكشف له ﷺ عن حال من أحوال الجنة «فأتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة كريح المسك وسمع صوتا، فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا صوت الجنة تقول يا رب ائتني بما وعدتني» أي لأنه يجوز أن يكون محل الجنة من السماء السابعة مقابلا لذلك الوادي. وكشف له ﷺ عن حال من أحوال النار «فأتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا خبيثة، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا صوت جهنم، تقول يا رب ائتني بما وعدتني» أي وليست جهنم بذلك الوادي كما سيأتي أن الوادي التي هي به هو الذي ببيت المقدس، ولعل هذا الوادي مقابل لذلك الوادي، وينبغي أن لا يكون هذا هو المراد بما في الخصائص الصغرى للسيوطي. وخص ﷺ باطلاعه على الجنة والنار، بل المراد بذلك رؤية ذلك في المعراج، وعند وصوله ﷺ إلى الوادي الذي ببيت المقدس بالنسبة للنار. «ورأى ﷺ الدجال شبيها بعبد العزى بن قطن» أي وهو من هلك في الجاهلية أي قبل البعثة. «ومرّ ﷺ على شخص منتحيا على الطريق، يقول: هلم يا محمد، قال: جبريل: سر يا محمد، قال: من هذا؟ قال: هذا عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه» اهـ. وفي رواية «لما وصلت بيت المقدس وصليت فيه ركعتين أي إماما بالأنبياء والملائكة أخذني العطش أشدّ ما أخذني، فأتيت بإناءين في إحداهما لبن وفي

إليه» اهـ. وفي رواية «لما وصلت بيت المقدس وصليت فيه ركعتين أي إماما بالأنبياء والملائكة أخذني العطش أشدّ ما أخذني، فأتيت بإناءين في إحداهما لبن وفي

الأخرى عسل، فهداني الله تعالى، فأخذت اللبن فشربت، وبين يديّ شيخ متكئ على منبر له، فقال: أي مخاطبا لجبريل: أخذ صاحبك الفطرة، إنه لمهديّ، فلما خرجت منه جاءني جبريل ﵊ بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة» أي الاستقامة التي سببها الإسلام، ومنه «كل مولود يولد على الفطرة» أي على الإسلام. وفي رواية أخرى «فأتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتي بإناء منها فيه ماء فشرب منه قليلا. وفي رواية: أنه لم يشرب منه شيئا، وأنه قيل له لو شربت الماء» أي جميعه أو بعضه «لغرقت أمتك» أي وفي رواية: «أنه سمع قائلا يقول: إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته، ثم رفع إليه إناء آخر فيه لبن فشرب منه حتى روي» . أي وفي رواية «سمع قائلا يقول إن أخذ اللبن هدي وهديت أمته، ثم رفع إليه إناء فيه خمر، فقيل له اشرب، فقال: لا أريده فقد رويت، فقال له جبريل: إنها ستحرم على أمتك» أي بعد إباحتها لهم. وفي رواية أخرى «أنه قيل له لو شربت الخمر لغويت أمتك ولم تتبعك» أي لا يكون على طريقتك منهم إلا قليل. أي وفي رواية «أنه سمع قائلا يقول إن أخذ الخمر غوى وغويت أمته» . أقول: وهذه الرواية محتملة لأن تكون وهو في بيت المقدس، ولأن تكون وهو خارج عنه، ومن هذا كله تعلم أنه تكرر عليه عرض اللبن والخمر داخل بيت المقدس وخارجه، ولا مانع من تكرر عرض آنيتي الخمر واللبن قبل خروجه من بيت المقدس وبعد خروجه منه قبل العروج. ولا تعارض بين الأخبار بأن إحداهما كان فيه عسل مع اللبن، وبين الإخبار بأن إحداهما كان فيه خمر مع اللبن. ولا بين الإخبار بإناءين، والإخبار بأواني ثلاثة، لأنه يجوز أن يكون بعض الرواة اقتصر على إناءين. ولا بين كون الإناء الثالث كان فيه عسل أو ماء، لأنه يجوز أن يكون إحدى الأواني الثلاثة كان فيها عسل ثم جعل فيها الماء بدل العسل، أو مزج العسل به وغلب الماء على العسل، أو تكون الأواني أربعة وبعض الرواة اقتصر.

أن يكون إحدى الأواني الثلاثة كان فيها عسل ثم جعل فيها الماء بدل العسل، أو مزج العسل به وغلب الماء على العسل، أو تكون الأواني أربعة وبعض الرواة اقتصر. وقد قال ابن كثير: مجموع الأواني أربعة، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي تخرج من أصل سدرة المنتهى، ولكن لم يسقط اللبن. وفي رواية بخلاف غيره، فإنه تارة ذكر معه الخمر فقط، وتارة ذكر معه العسل فقط، وتارة ذكر معه الماء والخمر. وعلى الاحتمال الأول يسأل عن سر عدم ذكر جبريل عليه الصلاة والسلام

حكمة عدم الشرب من العسل والله أعلم. قال «ومرّ على موسى ﵊ وهو يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر وهو يقول برفع صوته: أكرمته، فضلته» اهـ. وفي رواية «سمعت صوتا وتذمرا» هو بالذال المعجمة: الحدة «فسلم عليه فرد ﵇، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا موسى بن عمران، قال: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك، قال: أو يرفع صوته على ربه» والعتاب مخاطبة فيها إدلال، وهذا يدل على أن الصوت الذي سمعه كان مشتملا على عتاب وتذمر مع رفعه. وفي رواية «على من كان تذمره» أي حدته «قال على ربه، قلت: أعلى ربه؟ قال جبريل: إن الله ﷿ قد عرف له حدته» وهذا كما علمت كان كالذي بعده قبل وصوله إلى مسجد بيت المقدس والله أعلم. وجاء «وليلة أسري بي مر بي جبريل على قبر أبي إبراهيم، فقال: انزل فصل ركعتين قال: ومرّ على شجرة تحتها شيخ وعياله، فقال: ومن هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أبوك إبراهيم ﵊، فسلم عليه فرد ﵇، فقال: من هذا الذي معك يا جبريل؟ فقال: هذا ابنك أحمد، قال: مرحبا بالنبي العربي الأمي، ودعا له بالبركة» أي فموسى عرفه فلم يسأل عنه، وإبراهيم لم يعرفه فسأل عنه، لكن في السيرة الهشامية «أن موسى سأل عنه أيضا، فقال: من هذا يا جبريل. فقال: هذا أحمد، فقال: مرحبا بالنبي العربي الذي نصح أمته، ودعا له بالبركة. وقال: اسأل لأمتك اليسير» والظاهر أن قبر إبراهيم ﷺ كانت تحت تلك الشجرة أو قريبا منها، فلا مخالفة بين الروايتين. «وسار ﷺ حتى أتى الوادي الذي في بيت المقدس، فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابيّ» أي وهي النمارق. أي الوسائد «فقيل: يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال: مثل الحممة» أي الفحمة اهـ.

لوادي الذي في بيت المقدس، فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابيّ» أي وهي النمارق. أي الوسائد «فقيل: يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال: مثل الحممة» أي الفحمة اهـ. قال ﷺ «ثم عرج بنا إلى السماء» أي من الصخرة كما تقدم «أي على المعراج» بكسر الميم وفتحها «الذي تعرج أرواح بني آدم فيه» وهو كما في بعض الروايات «سلم له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب» أي عشر مراقي. وهو المراد بقول بعضهم: «كانت المعاريج ليلة الإسراء عشرة: سبع إلى السموات، والثامن إلى سدرة المنتهى، والتاسع إلى المستوى، والعاشر إلى العرش والرفرف» أي فأطلق على كل مرقاة معراجا «وهذا المعراج لم ير الخلائق أحسن منه. أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء» أي بعد خروج روحه «فإن ذلك عجبه بالمعراج الذي نصب لروحه لتعرج عليه، وذلك شامل للمؤمن والكافر، إلا أن المؤمن يفتح لروحه إلى السماء دون الكافر فتردّ بعد عروجها تحسيرا وندامة وتبكيتا له. وذلك المعراج أتي به

من جنة الفردوس وإنه منضد باللؤلؤ» أي جعل فيه اللؤلؤ بعضه على بعض «عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة، فصعد هو وجبريل عليهما الصلاة والسلام» قال الحافظ ابن كثير: ولم يكن صعوده على البراق كما توهمه بعض الناس، أي ومنهم صاحب الهمزية كما يأتي عنه «حتى انتهى إلى باب من أبواب سماء الدنيا، أي ويقال له باب الحفظة عليه ملك يقال له إسماعيل، أي وهذا يسكن الهواء، لم يصعد إلى السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قط إلا مع ملك الموت لما نزل لقبض روحه الشريفة وتحت يده اثني عشر ألف ملك» .

له إسماعيل، أي وهذا يسكن الهواء، لم يصعد إلى السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قط إلا مع ملك الموت لما نزل لقبض روحه الشريفة وتحت يده اثني عشر ألف ملك» . أي وفي رواية «أن تحت يده سبعين ألف ملك تحت يد كل ملك سبعون ألف ملك، فاستفتح جبريل، فقيل من أنت» وفي رواية «فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل سماء الدنيا أي حفظتها من هذا؟ قال جبريل، فقيل: ومن معك؟ أي فإنهم رأوهما ولم يعرفوهما، ولعل جبريل لم يكن على الصورة التي يعرفونه بها «قال محمد» وفي رواية «قال معك أحد» يجوز أن يكون هذا القائل لم يرهما ويكون الرائي له معظم الحفظة «قال: نعم معي محمد، قيل: وقد بعث إليه» أي للإسراء والعروج، أي لأنه كان عندهم علم بأنه سيعرج به إلى السموات بعد الإسراء به إلى بيت المقدس، وإلا فبعثته ﷺ ورسالته إلى الخلق يبعد أن تخفى على أولئك الملائكة إلى هذه المدة. وأيضا لو كان هذا مرادهم لقالوا وقد بعث ولم يقولوا إليه. فإن قيل قد جاء في حديث أنس «إن ملائكة سماء الدنيا قالت لجبريل أو قد بعث» قلنا تقدم أن حديث أنس كان قبل أن يوحى إليه، وأنه كان مناما لا يقظة. قال السهيلي: ولم نجد في رواية من الروايات أن الملائكة قالوا وقد بعث إلا في هذا الحديث. وفي رواية بدل بعث إليه «أرسل إليه. قال: قد بعث إليه ففتح لنا، قال ﷺ: فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير» . واختلف في لفظ آدم؟ فقيل أعجمي، ومن ثم منع الصرف. وقيل عربي، لأنه مشتق من الأدمة التي هي السّمرة، والمراد بها هنا لون بين البياض والحمرة حتى لا ينافي كونه أحسن الناس، أو هو مشتق من أديم الأرض أي وجهها لأنه مخلوق منه. وعلى أنه عربي يكون مع صرفه للعلمية ووزن الفعل. وفي رواية «تعرض عليه أرواح بنيه فيسرّ بمؤمنها» أي عند رؤيته «ويعبس بوجهه عند رؤية كافرها» . قال وفي رواية «فإذا فيها آدم كيوم خلقه الله تعالى على صورته» أي على غاية من الحسن والجمال «فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة

ونفس طيبة، خرجت من جسد طيب، اجعلوها في عليين. وتعرض عليه أرواح ذريته الكفار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة خرجت من جسد خبيث، اجعلوها في سجين» . أقول: وهذا وإن اقتضى كون أرواح العصاة من المؤمنين في عليين كأرواح الطائعين منهم، لكن لا يقتضي تساويهما في الدرجة كما لا يخفى. وفي رواية «تعرض عليه أعمال ذريته» وهو إما على حذف المضاف: أي صحف أعمالهم التي وقعت منهم، وهي التي في صحف الحفظة، أو التي ستقع منهم وهي ما في صحف الملائكة غير الحفظة. أو تعرض عليه نفس أعمال تجسمت لما سيأتي أن المعاني تجسم، ففي كل من الروايتين اقتصار، والله أعلم. وفي رواية سندها ضعيف، كما قاله الحافظ ابن حجر «وعن يمينه أسودة، وباب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله أسودة، وباب يخرج منه ريح خبيثة، فإذا نظر عن يمينه أي إلى تلك الأسودة ضحك واستبشر، وإذا نظر عن شماله أي إلى تلك الأسودة حزن وبكى فسلم عليه ﷺ، فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، فقال النبي ﷺ: من هذا؟ فقال: هذا أبوك آدم» أي وزاد في الجواب قوله «وهذه الأسودة نسيم» أي أرواح «بنيه، فأهل اليمين أهل الجنة، وأهل الشمال أهل النار؛ فإذا نظر عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر عن شماله حزن وبكى» وزاد في الجواب أيضا قوله «وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر من سيدخله من ذريته حزن وبكى» اهـ أي إذا نظر إلى أرواح من سيدخلهما، وفيه أن الجنة فوق السماء السابعة والنار في الأرض السابعة، وهي محيطة بالدنيا فكيف يكون بابهما في السماء الدنيا، وأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء كما تقدم. وأجيب عن الثاني بأن عرضها: أي أرواح ذريته الكفار عليه نظرة إليها وهي دون السماء لأنها شفاقة أو من ذلك الباب، أي وكونها عن يساره الذي أخبر به ﷺ: أي في جهة يساره.

ثاني بأن عرضها: أي أرواح ذريته الكفار عليه نظرة إليها وهي دون السماء لأنها شفاقة أو من ذلك الباب، أي وكونها عن يساره الذي أخبر به ﷺ: أي في جهة يساره. ويجاب عن الأول بأن الباب الذي على يمينه يجوز أن يكون محاذيا لموضع الجنة من السماء السابعة، ولهذا قيل له باب الجنة، وكذا يقال في باب جهنم، لأن الاضافة تأتي لأدنى ملابسة، وبما أجبنا به عن كون أرواح ذريته الكفار عن جهة يساره يعلم أنه لا حاجة في الجواب عن ذلك إلى قول الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يقال إن النسم المرئية هي الأرواح التي لم تدخل الأجساد بعد: أي الآن، ومستقرها عن يمين آدم وشماله. وقد أعلم بما سيصيرون إليه، بناء على أن الأرواح مخلوقة قبل أجسادها. على أنه لا يناسب قوله روح طيبة ونفس طيبة خرجت من جسد طيب إلى آخره.

ولا حاجة لما نقل عن القرطبي في الجواب عن ذلك، من أن الكفار التي لا يفتح لها أبواب السماء المشركون دون الكفار من أهل الكتاب، فيجوز أن تكون تلك الأسودة أرواح كفار أهل الكتاب، إذ هو يقتضي أن المراد بأرواح بنيه في الروايتين السابقتين الأرواح التي خرجت من أجسادها.

ن أهل الكتاب، فيجوز أن تكون تلك الأسودة أرواح كفار أهل الكتاب، إذ هو يقتضي أن المراد بأرواح بنيه في الروايتين السابقتين الأرواح التي خرجت من أجسادها. قال ﷺ: «ورأيت رجالا لهم مشافر كمشافر الإبل» أي كشفاه الإبل «أي وفي أيديهم قطع من نار كالأفهار» أي الحجارة التي كل واحد منها ملء الكف «يقذفونها في أفواهم تخرج من أدبارهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلا آكلة أموال اليتامى ظلما» وهؤلاء لم تتقدم رؤيته ﷺ لهم في الأرض: أي ولعل المراد بالرجال الأشخاص، أو خصوا بذلك لأنهم أولياء الأيتام غالبا «قال ﷺ: ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط» وفي رواية «أمثال البيوت» زاد في رواية «فيها حيات، ترى من خارج البطون بسبيل» أي طريق آل فرعون، يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار ولا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك: أي فتطؤهم آل فرعون الموصوفون بما ذكر، المقتضي لشدة وطئهم لهم. والمهيومة: التي أصابها الهيام، وهو داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض ولا ترعى، وفي كلام السهيلي: الإبل المهيومة العطاش، والهيام: شدة العطش. أي وفي رواية «كلما نهض أحدهم خر» أي سقط «قال: قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء آكلة الربا» وتقدمت رؤيته ﷺ لهم في الأرض، لا بهذا الوصف، بل إن الواحد منهم يسبح في نهر من دم يلقم الحجارة: أي ولا مانع من اجتماع الوصفين لهم: أي فيخرجون من ذلك النهر ويلقون في طريق من ذكر، وهكذا عذابهم دائما. قال ﷺ «ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم خبيث منتن، يأكلون من الغث أي الخبيث المنتن، ويتركون السمين الطيب، قال: قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن» أي وتقدمت رؤيته ﷺ لهم أي الرجال والنساء في الأرض بنحو هذا الوصف. وفي رواية «رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد، وأخرى عليها لحم منتن عليها ناس يأكلون. قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام» أي من الأموال، أعمّ مما قبله: أي وهؤلاء لم تتقدم رؤيته ﷺ لهم في الأرض.

يأكلون. قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام» أي من الأموال، أعمّ مما قبله: أي وهؤلاء لم تتقدم رؤيته ﷺ لهم في الأرض. قال ﷺ «ثم رأيت نساء متعلقات بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال ما ليس من أولادهم، أي بسبب زناهن: أي وهؤلاء لم يتقدم رؤيته ﷺ لهن في الأرض، والذي تقدم رؤيته لهن الزانيات لا بهذا

القيد، وهو إدخالهن على أزواجهن ما ليس من أولادهم، على أنه يجوز أن يكون المراد مطلق الزانيات، لأن الزنا سبب في حصول ما ذكر غالبا، ولا مانع من اجتماع الوصفين لهن. قال «ثم مضى هنيهة، فإذا هو بأقوام يقطع اللحم من جنوبهم فيلقمونه، فيقال له أي لكل واحد منهم كل كما كنت تأكل لحم أخيك، قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك، اللمازون: أي المغتابون للناس النمامون لهم» اهـ أي وتقدمت رؤيته ﷺ للمغتابين في الأرض بغير هذا الوصف. أي وروي «أنه ﷺ رأى في هذه السماء النيل والفرات يطردان أي يجريان وعنصرهما: أي أصلهما» وهو يخالف ما يأتي «أنه ﷺ رأى في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران» وأن الظاهرين النيل والفرات. وأجيب بأنه يجوز أن يكون منبعهما من تحت سدرة المنتهى، ومقرهما وهو المراد بعنصرهما الذي هو أصلهما في السماء الدنيا: أي بعد مرورهما في الجنة، ومن سماء الدنيا ينزلان إلى الأرض. فقد جاء «في تفسير قوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون: الآية ١٨] أنهما النيل والفرات أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح جبريل ﵊ فأودعهما بطون الجبال» ثم إن الله ﷾ سيرفعهما ويذهب بهما عند رفع القرآن وذهاب الإيمان، وذلك قوله تعالى وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ [المؤمنون: الآية ١٨] وذكره السهيلي وفي زيادة الجامع الصغير «أن النيل ليخرج من الجنة، ولو التمستم فيه حين يسبح لوجدتم فيه من ورقها» . قال ﷺ: «ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ﵊، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل: قد بعث إليه؟ قال نعم قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما، أي شبيه أحدهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما، ومعهما نفر من قومهما، فرحبا بي ودعوا لي بخير» وفي بعض الروايات التي حكم عليها بالشذوذ «أنهما في السماء الثالثة» وقد ذكرها الجلال السيوطي في أوائل الجامع الصغير، وذكر بعضهم أنها رواية الشيخين عن أنس، والشذوذ لا ينافي الصحة المطلقة.

شذوذ «أنهما في السماء الثالثة» وقد ذكرها الجلال السيوطي في أوائل الجامع الصغير، وذكر بعضهم أنها رواية الشيخين عن أنس، والشذوذ لا ينافي الصحة المطلقة. فقد قال شيخ الإسلام في شرح ألفية العراقي عند قوله من غير ما شذوذ: خرج الشاذ، وهو ما خالف فيه الراوي من هو أرجح منه، ولا يرد عليه الشاذ الصحيح عند بعضهم، لأن التعريف للصحيح المجمع على صحته لا مطلقا هذا كلامه. وفي كلام السخاوي نقلا عن شيخه ابن حجر أن من تأمل الصحيحين وجد

فيهما أمثلة من ذلك، أي من الصحيح الموصوف بالشذوذ. أقول: وكونهما ابني الخالة: أي أن أم كل خالة الآخر هو المشهور. وعليه قال ابن السكيت: يقال ابنا خالة، ولا يقال ابنا عمة، ويقال ابنا عم ولا يقال ابنا خال؛ لكن في عيون المعارف للقضاعي أن يحيى إنما هو ابن خالة مريم أم عيسى لا ابن خالة عيسى، لأن أم يحيى أخت أم مريم لا أخت مريم. وكذا في كلام ابن إسحاق أن عمران وزكريا كلاهما من ذرية سليمان عليهم الصلاة والسلام، وأنهما تزوجا أختين؛ فزوجة زكريا ولدت يحيى قبل عيسى بستة أشهر، ثم ولدت مريم عيسى، وزوجة عمران ولدت مريم، فأم يحيى أخت أم مريم، فعيسى ابن بنت خالة يحيى، وحينئذ يكون قوله ﷺ «فإذا أنا بابني الخالة» على التجوّز، وكذا قول عيسى ليحيى يا ابن الخالة كما في تفسير التستري على التجوز. ففيه: حكي عن يحيى وعيسى ﵉ أنهما خرجا يمشيان، فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا بن الخالة، لقد أخطأت اليوم خطيئة ما أرى الله ﷿ يغفرها لك، قال: وما هي؟ قال: صدمت امرأة قال: والله ما شعرت بها، قال عيسى: سبحان الله: بدنك معي فأين قلبك؟ قال: معلق بالعرش، ولو أن قلبي اطمأن إلى جبريل صلوات الله وسلامه عليه طرفة عين لظننت أني ما عرفت الله ﷿ ووجه التجوز أنه أطلق على بنت الأخت لفظ الأخت. قال بعضهم: وهو كثير شائع في كلامهم. ثم رأيت المولى أبا السعود ذكر ما يجمع به بين القولين، وهو أنه قيل إن أم يحيى أخت أم مريم من الأم، وأخت مريم من الأب، فليتأمل تصويره بناء على تحريم نكاح المحارم لأن أم مريم حينئذ بنت موطوءة أبيها لأنها ربيبته إلا أن يكون في شريعتهم جواز ذلك.

الأم، وأخت مريم من الأب، فليتأمل تصويره بناء على تحريم نكاح المحارم لأن أم مريم حينئذ بنت موطوءة أبيها لأنها ربيبته إلا أن يكون في شريعتهم جواز ذلك. ثم رأيت بعضهم ذكر ذلك حيث قال: لا يبعد أن عمران تزوج أولا أم حنة فولدت أشياع: أي التي هي أم يحيى، ثم تزوج حنة بعد ذلك التي هي ربيبته بنت موطوءته فجاء منها بمريم، بناء على جواز ذلك في شريعتهم. وفيه أنه تقدم أن نوحا ﵊ بعث بتحريم نكاح المحارم، إلا أن يقال المراد محارم النسب دون المصاهرة، ولم يسم أحد يحيى بعد يحيى هذا إلا يحيى بن خلاد الأنصاري جيء به للنبي ﷺ يوم ولد فحنكه بتمرة؛ وقال: لأسمينه باسم لم يسم به بعد يحيى بن زكريا فسماه يحيى. ومما يدل على شرف سيدنا يحيى بن زكريا ما في الكشاف عن ابن عباس

رضي الله تعالى عنهما «كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فذكرنا نوحا بطول عبادته، وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم الله تعالى إياه، وعيسى برفعته إلى السماء، وقلنا رسول الله ﷺ أفضل منهم؟ بعث إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء؛ أي فدخل رسول الله ﷺ، فقال: فيم أنتم؟ فذكرنا له، فقال: لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولا همّ بها» أي ففي الحديث «ما من أحد إلا ويلقى الله ﷿ وقد همّ بمعصية عملها إلا يحيى بن زكريا فإنه لم يهمّ بها ولم يعملها» فليتأمل ما في ذلك. وقد ذكر «أن والد زكريا لأمه على كثرة العبادة والبكاء، فقال له: أنت أمرتني بذلك يا أبت، ألست أنت القائل: إن بين الجنة والنار عقبة لا يجوزها إلا البكاؤون من خشية الله ﷿؟ فقال: بلى، فجدّ واجتهد» . وقد جاء في الحديث «أن يحيى هو الذي يذبح الموت يوم القيامة، يضجعه ويذبحه بشعرة تكون في يده والناس ينظرون إليه، أي فإن الموت يكون في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ويقال لأهلهما: أتعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت» أي يلقي الله ﷿ معرفته في قلوبهم، وتجسم المعاني جاء به الحديث الصحيح. على أنه جاء في تفسير قوله تعالى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الملك: الآية ٢] أن الموت في صورة كبش، لا يمر على أحد إلا مات. وخلق الحياة في صورة فرس لا يمر على شيء إلا حيي، وهو يدل على أن الموت جسم، وأن الميت يشاهد حلول الموت به. وقيل الذي يذبح الموت جبريل ﵊. وقيل إن في هذه السماء الثانية إدريس، وهو قول شاذ. وقيل يوسف جاءت به رواية ذكرها الجلال السيوطي في أوائل الجامع الصغير، وذكر فيها أن ابني الخالة في السماء الثالثة كما تقدم، وتقدم أن بعضهم ذكر أنها رواية الشيخين عن أنس. قال أبو حيان: وعيسى لفظ أعجمي. والظاهر أن مثله يحيى، هذا كلامه. وفي كلام غيره أن يحيى عربي، ومنع صرفه العلمية ووزن الفعل. وقيل في عيسى إنه عربي مشتق من العيس: وهو بياض يخالطه صفرة. وعلى أنه أعجمي قيل عبراني. وقيل سرياني.

م غيره أن يحيى عربي، ومنع صرفه العلمية ووزن الفعل. وقيل في عيسى إنه عربي مشتق من العيس: وهو بياض يخالطه صفرة. وعلى أنه أعجمي قيل عبراني. وقيل سرياني. «ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا

فإذا أنا بيوسف ﷺ، أي ومعه نفر من قومه، وإذا هو أعطي شطر الحسن» أي وفي رواية «صورته صورة القمر ليلة البدر» والمراد بشطر الحسن نصف الحسن الذي أعطيه الناس. وفي الحديث: «أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الدنيا، وأعطي الناس الثلثين» ويحتاج للجمع بينها وبين ما جاء في رواية «قسم الله ليوسف من الحسن والجمال ثلثي حسن الخلق، وقسم بين سائر الخلق الثلث» وعن وهب بن منبه: الحسن عشرة أجزاء تسعة منها ليوسف وواحد منها بين الناس. وفي كلام بعضهم «كان فضل يوسف في الحسن على الناس كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء، وكان إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يتلألأ نور الشمس وضوء القمر على الجدران» والمراد بالناس غير نبينا ﷺ، لأن حسن نبينا ﷺ لم يشارك في شيء كما أشار إليه صاحب البردة بقوله: فجوهر الحسن فيه غير منقسم خلافا لابن المنير حيث ادعى أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ؛ وتبعه على ذلك شارح تائية الإمام السبكي. وعبارته «فإذا هو أي يوسف ﵊ أعطي شطر الحسن الذي أعطيه كله ﷺ» . هذا، وقد قيل إن يوسف ورث الحسن من إسحاق الذي هو جده، وإسحاق ورث الحسن من سارة التي هي أمه، وسارة أعطيت سدس الحسن، ورثت ذلك من حواء. أي وفي رواية «وصف يوسف وإنه أحسن ما خلق الله تعالى، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب» أي كفضل القمر ليلة البدر على بقية الكواكب الليلية، والمراد بخلق الله تعالى وبالناس غير نبينا ﷺ، لما علمت أنه أعطي شطر الحسن الذي لغير نبينا ﷺ ولأن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه على ما فيه. وقد جاء «إن يوسف أعطي نصف حسن آدم» وفي رواية «ثلث حسن آدم» وقد جاء «كان يوسف يشبه آدم يوم خلقه ربه» .

ولأن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه على ما فيه. وقد جاء «إن يوسف أعطي نصف حسن آدم» وفي رواية «ثلث حسن آدم» وقد جاء «كان يوسف يشبه آدم يوم خلقه ربه» . وفي الخصائص الصغرى للسيوطي: وخص بأنه ﷺ أوتي كل الحسن ولم يعط يوسف إلا شطره، فلينظر الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها. وقد جاء «ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه وحسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجها أحسنهم صوتا» . قال: «فرحب بي ودعا لي بخير» وفي بعض الروايات «إن في هذه السماء

الثالثة ابني الخالة يحيى وعيسى» كما مر «ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير» وفي رواية «قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح» . وفي رواية قتادة «مرحبا بالابن الصالح» قال بعضهم: وهو القياس، لأنه جده الأعلى لأنه من ولد شيث، بينه وبين شيث أربعة آباء؛ أرسل بعد موت آدم بمائتي سنة. وهو أول من أعطي الرسالة من ولد آدم، وهو يقتضي أن شيثا لم يكن رسولا. ونوح من ولده، بينه وبينه ابنان، فإدريس في عمود نسبه ﷺ، وحينئذ يكون قوله بالأخ الصالح في تلك الرواية محمول على التواضع منه، خلافا لمن تمسك بذلك. على أن إدريس ليس جدا لنوح ولا هو من آباء النبي ﷺ، قال الله ﷿ وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) [مريم: الآية ٥٧] أي حال حياته لأنه رفع إلى السماء. قيل من مصر بعد أن خرج منها ودار الأرض كلها وعاد إليها ودعا الخلائق إلى الله تعالى باثنتين وسبعين لغة، خاطب كل قوم بلغتهم وعلمهم العلوم. وهو أوّل من استخرج علم النجوم: أي علم الحوادث التي تكون في الأرض باقتران الكواكب. قال الشيخ محيي الدين بن العربي: وهو علم صحيح لا يخطئ في نفسه؛ وإنما الناظر في ذلك هو الذي يخطئ لعدم استيفاء النظر. ودعوى إدريس ﵇ الخلائق يدل على أنه كان رسولا. وفي كلام الشيخ محيي الدين: لم يجئ نص في القرآن برسالة إدريس بل قيل فيه صديقا نبيا.

ئ لعدم استيفاء النظر. ودعوى إدريس ﵇ الخلائق يدل على أنه كان رسولا. وفي كلام الشيخ محيي الدين: لم يجئ نص في القرآن برسالة إدريس بل قيل فيه صديقا نبيا. وأول شخص افتتحت به الرسالة نوح ﵊، ومن كانوا قبله إنما كانوا أنبياء كل واحد على شريعة من ربه، فمن شاء دخل معه في شرعه، ومن شاء لم يدخل؛ فمن دخل ثم رجع كان كافرا. ومما يؤثر عنه ﵊: حب الدنيا والآخرة لا يجتمعان في قلب أبدا. الناس اثنان: طالب لا يجد، وواجد لا يكتفي. من ذكر عار الفضيحة هان عليه لذتها. خير الإخوان من نسي ذنبك ومعروفه عندك. وقد قبضت روحه في هذه السماء الرابعة فصلت عليه الملائكة، ومدفنه بها، تصلي عليه الملائكة كلما هبطت. وحينئذ لا يقال: من كان في السماء الخامسة والسادسة والسابعة أرفع منه. على أنه قيل لما مات أحياه الله تعالى وأدخله الجنة، وهو فيها الآن: أي غالب أحواله في الجنة، فلا ينافي وجوده في السماء المذكورة في تلك الليلة، لأن الجنة أرفع من السموات، لأنها فوقها السماء السابعة، ولا ما جاء في الحديث أنه في السماء حيّ

كعيسى عليهما الصلاة والسلام. وفي بعض الروايات أن في هذه السماء الرابعة هارون. «ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون أي ونصف لحيته بيضاء ونصف لحيته سوداء تكاد تضرب إلى سرّته من طولها وحوله قوم من بني إسرائيل وهو يقص عليهم، فرحب بي ودعا لي بخير» أي وفي رواية «فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا الرجل المحبب في قومه هارون بن عمران» أي لأنه كان ألين لهم من موسى عليهما الصلاة والسلام، لأن موسى ﵊ كان فيه بعض الشدة عليهم، ومن ثم كان له منهم بعض الإيذاء. «ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﷺ، فرحب بي ودعا لي بخير» أي وفي رواية «جعل يمر بالنبي والنبيين معهم القوم، والنبي والنبيين ليس معهم أحد، ثم مر بسواد عظيم فقال: من هذا؛ قيل موسى وقومه» المناسب هذا قوم موسى كما لا يخفى «لكن ارفع رأسك، فإذا هو بسواد عظيم قد سد الأفق من ذا الجانب ومن ذا الجانب، فقيل: هؤلاء أمتك، هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب» أي منهم بدليل ما جاء في رواية «قيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقال عكاشة بن محصن: أنا منهم؟ قال نعم، ثم قال رجل آخر: أنا منهم؟ قال ﷺ: سبقك بها عكاشة» لأن هذا الرجل كان منافقا، فلم يقل له ﷺ لست منهم لأنك منافق، بل أجابه بما فيه ستر عليه. والقول بأن ذلك الرجل هو سعد بن عبادة مردود.

ﷺ: سبقك بها عكاشة» لأن هذا الرجل كان منافقا، فلم يقل له ﷺ لست منهم لأنك منافق، بل أجابه بما فيه ستر عليه. والقول بأن ذلك الرجل هو سعد بن عبادة مردود. وهذا تمثيل: أي مثل له ﷺ أمته أي وأمة موسى أيضا، إذ يبعد وجودها حقيقة في السماء السادسة وهذا السياق يدل على أن الذي مر بهم من النبي والنبيين في السماء السادسة «فلما خلصا» أي جاوز ما ذكر من النبي والنبيين والسواد العظيم «فإذا موسى بن عمران رجل آدم طوال كأنه من رجال شنوءة كثير الشعر» أي مع صلابته «لو كان عليه قميصان لنفذ الشعر منهما» أي وكان إذا غضب يخرج شعر رأسه من قلنسوته وربما اشتعلت قلنسوته نارا لشدة غضبه. وفي كلام بعضهم: كان إذا غضب خرج شعره من مدرعته كسل النخل، ولشدة غضبه لما فرّ الحجر بثوبه صار يضربه حتى ضربه ست ضربات أو سبعا مع أنه لا إدراك له. ووجه بأنه لما فر صار كالدابة، والدابة إذا جمحت بصاحبها يؤدبها

بالضرب «فسلم عليه النبي ﷺ فرد ﵇، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم دعا له ولأمته بخير، وقال: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا؟ بل هذا أكرم على الله مني، فلما جاوزه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل الجنة من أمتي» أي وبل من سائر الأمم. فقد ذكر الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى أن مما اختص به ﷺ في أمته في الآخرة أن أهل الجنة: أي من الأمم مائة وعشرون صفا، هذه الأمة منها ثمانون وسائر الأمم أربعون. وجاء في المرفوع «كل أمة بعضها في الجنة وبعضها في النار إلا هذه الأمة، فإنها كلها في الجنة» . وفي العرائس عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «لما كلم الله ﷿ موسى كان بعد ذلك يسمع دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصفا، من مسيرة عشرة فراسخ» . وفي الحديث «ليس أحد يدخل الجنة إلا جرد مرد إلا موسى بن عمران فإن لحيته إلى سرته ثم عرج بنا إلى السماء السابعة واسمها عريبا، واسم الأرض السابعة جريبا» .

ي الحديث «ليس أحد يدخل الجنة إلا جرد مرد إلا موسى بن عمران فإن لحيته إلى سرته ثم عرج بنا إلى السماء السابعة واسمها عريبا، واسم الأرض السابعة جريبا» . روى الخطيب بإسناد صحيح أن وهب بن منبه قال: من قرأ البقرة وآل عمران يوم الجمعة كان له ثواب يملأ ما بين عريبا وجريبا «فاستفتح جبريل، قيل: من هذا قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال نعم قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا بإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، أي رجل أشمط» وفي لفظ «كهل» ولا ينافي ذلك ما تقدم من قوله ﷺ في وصفه إنه أشبه بصاحبكم يعني نفسه ﷺ خلقا وخلقا «جالس عند باب الجنة» أي في جهتها كما تقدم، وإلا فالجنة فوق السماء السابعة على كرسي مسندا ظهره إلى البيت المعمور: أي وهو من عقيق ويقال له الضراح بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وفي آخره حاء مهملة، من ضرح: إذا بعد، ومنه الضريح. أي وفي كلام الحافظ ابن حجر: يقال له الضراح والضريح. وجاء «إنه مسجد بحذاء الكعبة لو خر لخرّ عليها» أي فهو في تلك السماء في محل يحاذي الكعبة، أي وقيل في السماء الرابعة» وبه جزم في القاموس، وقيل في السادسة، وقيل في الأولى، وتقدم أن في كل سماء بيتا معمورا، وأن كل بيت منها بحيال الكعبة «وإذا هو يدخله كل يوم ألف ملك لا يعودون إليه» .

أقول: عن بعضهم «أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك» وفي رواية «سبعون وجيها، مع كل وجيه سبعون ألف ملك» والوجيه: الرئيس، ولعله ﷺ علم ذلك بإعلام جبريل، وإلا فرؤيته ﷺ له تلك الليلة لا تقتضي ذلك. ثم رأيت الشيخ عبد الوهاب الشعراني أشار إلى ذلك حيث قال «وسما له البيت المعمور، فنظر إليه وركع فيه ركعتين وعرّفه» أي جبريل «أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الباب الواحد، ويخرجون من الباب الآخر» فالدخول من باب مطالع الكواكب والخروج من باب مغاربها. والظاهر أن دخول هؤلاء الملائكة خاص بالذي في السماء السابعة. وقال السهيلي: وقد ثبت في الصحيح «أن أطفال المؤمنين والكافرين في كفالة إبراهيم ﵊، وأن رسول الله ﷺ قال لجبريل حين رآهم مع إبراهيم ﵊: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أولاد المؤمنين الذين يموتون صغارا، قال له: وأولاد الكافرين؟ قال له: وأولاد الكافرين» أخرجه البخاري في الحديث الطويل في كتاب الجنائز، وخرجه في موضع آخر فقال «فيه أولاد الناس» . وقد روي في أطفال الكافرين أيضا أنهم خدم أهل الجنة، هذا كلامه. وجاء في حديث مرفوع، لكن سنده ضعيف «إن في السماء الرابعة نهرا يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم» أي سحرا كما في بعض الروايات «فينغمس ثم يخرج فينتفض، فيخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق الله تعالى من كل قطرة ملكا» وفي لفظ «يخلق الله ﷿ من كل قطرة كذا وكذا ألف ملك يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور يصلون فيه، فهم الذين يصلون في البيت المعمور ثم لا يعودون إليه أبدا، يولي عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم في السماء موقفا يسبحون الله ﷿ إلى أن تقوم الساعة» وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن جبريل أخبره بذلك في تلك الليلة، والله أعلم.

أحدهم يؤمر أن يقف بهم في السماء موقفا يسبحون الله ﷿ إلى أن تقوم الساعة» وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن جبريل أخبره بذلك في تلك الليلة، والله أعلم. وفي رواية «وإذا أنا بأمتي شطرين شطرا عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطرا عليهم ثياب رمدة، فدخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرمدة، فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور» أي والظاهر أنه ليس المراد بالشطر النصف حتى يكون العصاة من أمته بقدر الطائعين، وإن الصلاة محتملة للدعاء ولذات الركوع والسجود، ويناسبه ما تقدم من قوله ركعتين «وأن إبراهيم ﵊ قال له: يا نبي الله إنك ملاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك في أمتك فافعل» . وفي السيرة الشامية أن سيدنا إبراهيم ﵊، قال له ﷺ ذلك في

الأرض قبل وصول بيت المقدس، وقال له: هنا «مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقال له: وما غراس الجنة؟ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله» وفي رواية أخرى «أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» . وقال يقال: لا مخالفة بين الروايتين، لأنه يجوز أن يكون غراس الجنة مجموع ما ذكر وأن بعض الرواة اقتصر. قال ﷺ «واستقبلتني جارية لعساء وقد أعجبتني، فقلت لها: يا جارية أنت لمن؟ قالت: لزيد بن حارثة» أي ولعل تلك الجارية خرجت من الجنة فيكون استقبالها له ﷺ بعد مجاوزة السماء السابعة، لكن في رواية «فرأيت فيها أي في الجنة جارية» الحديث. وقد يقال: يجوز أن يكون رآها مرتين خارج الجنة وداخلها فيكون سؤالها في المرة الأولى. واللعس: لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا، وذلك مستملح قاله في الصحاح. وفي رواية «فلما انتهى إلى السماء السابعة رأى فوقه رعدا وبرقا وصواعق» أي وهذه الرواية ظاهرة في أنه ﷺ رأى ذلك في السماء السابعة محتملة لأن يكون رآه قبل دخوله فيها، وحينئذ يكون قوله ثم أتى بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل على الاحتمالين المذكورين.

أى ذلك في السماء السابعة محتملة لأن يكون رآه قبل دخوله فيها، وحينئذ يكون قوله ثم أتى بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل على الاحتمالين المذكورين. وعند عرض تلك الأواني عليه ﷺ أخذ اللبن فقال جبريل: أصبت الفطرة: أي بأخذك اللبن الذي هو الفطرة، أصاب الله ﷿ بك أمتك على الفطرة: أي أوجدهم على الفطرة ببركتك. وفي رواية «هذه الفطرة التي أنت عليها وأمتك» أي وتقدم أن المراد بها الإسلام. وورد أن إبراهيم ﵊ في السماء السادسة، وموسى في السماء السابعة، وهذه الرواية في البخاري عن أنس، وتقدم أن ذلك كان في الإسراء بروحه ﷺ لا بجسده، وفيه أن رؤيا الأنبياء حق. فالأولى الجمع بين الروايات بالانتقال، وأن بعض الأنبياء نزل من محله إلى ما تحته لملاقاته ﷺ عند صعوده، وبعضهم خرج عن محله وصعد إلى ما فوقه لملاقاته ﷺ عند هبوطه، فأخبر ﷺ عنه تارة بأنه في سماء كذا وتارة بأنه في سماء كذا، والحافظ ابن حجر لا يرى الجمع، بل يحكم على ما خالف أصح الروايات بأنه لا يعمل به. قال: والجمع إنما هو مجرد استرواح لا ينبغي المصير إليه هذا كلامه.

وعندي فيه نظر ظاهر، والجمع أولى من اثبات المعارضة لا سيما بين الأصح والصحيح وإن كان الصحيح شاذا، لأنا لا نقدم الأصح أو الصحيح على غيره إلا حيث تعذر الجمع فليتأمل. وعلى المشهور من الروايات الذي صدّرنا به أبدى بعضهم لاختصاص هؤلاء الأنبياء بملاقاته ﷺ واختصاص كل واحد منهم بالسماء الذي لقيه فيها حكمة يطول ذكرها. قال ﷺ «ثم ذهب بي: أي جبريل إلى سدرة المنتهى، وإذا أوراقها كآذان الفيلة» وفي رواية «مثل آذان الفيول» وفي رواية «الورقة منها تظل الخلق» وفي رواية «تكاد الورقة تغطي هذه الأمة» وفي رواية «لو أن الورقة الواحدة ظهرت لغطت هذه الدنيا» وحينئذ يكون المراد بكونها كآذان الفيلة في الشكل، وهو الاستدارة لا في السعة «وإذا ثمرها كالقلال» وفي رواية «كقلال هجر» قرية بقرب المدينة، والواحدة من قلالها تسع قربتين ونصفا من قرب الحجاز، والقربة تسع من الماء مائة رطل بغدادي، فلما غشيها من أمر الله ﷿ ما غشيها تغيرت» أي صار لها حالة من الحسن غير تلك الحالة التي كانت عليها «فما أحد من خلق الله ﷿ يستطيع أن ينعتها من حسنها» أي لأن رؤية الحسن تدهش الرائي، وهذا السياق يدل على أن سدرة المنتهى فوق السماء السابعة: أي وهو قول الأكثر، وفي بعض الروايات أن أغصانها تحت الكرسي، وعن وهب أن العرش والكرسي فوق السماء السابعة. قال: ويسأل هل ثمرة سدرة المنتهى كالثمار المأكولة في أنه يزول ويعقبه غيره هذا الزائل يؤكل أو يسقط، أي فلا يؤكل اهـ. قال ﷺ «ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ» أي بالمعجمة «قباب اللؤلؤ» وفي لفظ «حبائل اللؤلؤ أي المعقود والقلائد، وإذا ترابها المسك، ورمانها كالدلاء وطيرها كالبخت» فدخوله ﷺ للجنة كان قبل عروجه للسحابة. وفي الحديث «ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل، والذي نفس محمد بيده لا يقطف رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل الله مكانها خيرا منها» وهذا القسم يرشد إلى أن ثمرة الجنة كلها حلوة تؤكل، وأنها تكون على صورة ثمرة الدنيا المرة. وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: فاكهة الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة:

Bagian 22 dari 62