السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya نور الدين الحلبي (w. 1044 H).

Bagian 27 dari 62 1574 halaman

— Bagian 27 · قيد، والنسبة إليها مدني، ولغيرها من المدن مديني … —

Bagian 27

قيد، والنسبة إليها مدني، ولغيرها من المدن مديني للفرق بينهما. ويثرب: اسم محل فيها سميت كلها به، ولعل ذلك المحل سمي بذلك لأنه نزل به يثرب من نسل نوح. وفي الحديث «المدينة تنفي الناس» أي شرارهم «كما ينفي الكبير خبث الحديد» . ففي بعض الروايات «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها» قيل وكان ذلك في حياته ﷺ. وقيل يكون ذلك في زمن الدجال، فقد جاء أن الدجال يرجف بأهلها

فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه» وفي رواية «ينزل الدجال السبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله منها كل منافق وكافر» وبهذا استدل من قال: كون المدينة تنفي الخبث ليس عاما في الأزمنة ولا في الأشخاص، لأن المنافقين كانوا بها، وخرج منها جماعة من خيار الصحابة منهم علي وطلحة والزبير وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود. وفي كلام ابن الجوزي أن عبد الله بن مسعود مات بالمدينة، وقد قال ﷺ: «أيّ أرض مات بها رجل من أصحابي كان قائدهم ونورهم يوم القيامة» وفي رواية «فهو شفيع لأهل تلك الأرض» . وأما قوله ﷺ «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» أي خير لهم من بلاد الرخاء، بدليل صدر الحديث «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله من هو خير منه» أي من خرج منها رغبة عنها إلى غيرها من بلاد الرخاء والسعة فلا دليل في ذلك على أنها أفضل من مكة. ومن أسمائها أكالة البلدان، ومن أسمائها البارة بتشديد الراء، وتسمى الفاضحة لأن من أضمر فيها شيئا أظهر الله ما أضمره وافتضح به: أي فالمراد أضمر شيئا من السوء. وقد قال ﷺ «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى، هي طابة» كشامة «هي طابة، هي طابة، قال ذلك ثلاثا» وفي رواية «فليستغفر الله، فليستغفر الله، فليستغفر الله، هي طيبة» كهيبة «هي طيبة، هي طيبة، هي طائب» ككاتب.

بة» كشامة «هي طابة، هي طابة، قال ذلك ثلاثا» وفي رواية «فليستغفر الله، فليستغفر الله، فليستغفر الله، هي طيبة» كهيبة «هي طيبة، هي طيبة، هي طائب» ككاتب. قيل: وإنما سميت طيبة لطيب رائحة من مكث بها وتزايد روائح الطيب بها، ولا يدخلها طاعون ولا دجال، ولا يكون بها مجذوم: أي لأن ترابها يشفي من الجذام، وتسميتها يثرب في القرآن إنما هو حكاية لقول المنافقين أي بعد نهيهم عن ذلك، وقوله ﷺ «لا أراها إلا يثرب» أي ونحو ذلك من كل ما وقع في كلامه ﷺ من تسميتها بذلك كان قبل النهي عن ذلك انتهى. أي وجاء «إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها» ويأزر بكسر الزاي أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض، وفي رواية «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، يأزر كما تأزر الحية إلى جحرها» ، وإنما كرهت تسميتها بيثرب، لأن يثرب مأخوذ من التثريب وهو المؤاخذة بالذنب، ومنه قوله تعالى لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف: الآية ٩٢] أو من الثرب بالتحريك وهو الفساد. وعن القاسم بن محمد، قال: بلغني أن للمدينة في التوراة أربعين اسما، وقيل

أحد عشر، من جملتها سكينة، أي ومن جملتها الجابرة: أي التي تجبر، والعذراء والمرحومة. وفي كلام بعضهم: لها نحو مائة اسم منها دار الأخيار، ودار الأبرار، ودار الإيمان، ودار السنة، ودار السلامة، ودار الفتح. قال الإمام النووي: لا يعرف في البلاد أكثر اسما منها ومن مكة. ومما يدل على أن خروجه ﷺ من قباء متوجها إلى المدينة كان يوم الجمعة قول بعضهم: وعند مسيره ﷺ إلى المدينة أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي بمن معه من المسلمين وهم مائة، وصلاها بعد ذلك في المدينة وكانوا به ﷺ أربعين. فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا، أي ولم يحفظ أنه صلاها مع النقص عن هذا العدد ومن حينئذ صلى الجمعة في ذلك المسجد. سمي هذا المسجد بمسجد الجمعة، وهو على يمين السالك نحو قباء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة: أي وخطب لها، وهي أول خطبة خطبها في الإسلام أي ومن خطبته تلك «فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإنها تجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، والسلام على رسول الله ﷺ ورحمة الله وبركاته» وفي رواية «والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ونقل القرطبي هذه الخطبة في تفسيره، وأوردها جميعها في المواهب، وليس فيها هذا اللفظ. أقول: هذا واضح إن كان أقام في قباء الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس كما تقدم وأما على أنه ﷺ أقام بضع عشر ليلة أو أكثر من ذلك كما تقدم، فيبعد أنه لم يصل الجمعة في قباء في تلك المدة. ثم رأيت في كلام بعضهم أنه كان يصلي الجمعة في مسجد قباء في إقامته هناك.

شر ليلة أو أكثر من ذلك كما تقدم، فيبعد أنه لم يصل الجمعة في قباء في تلك المدة. ثم رأيت في كلام بعضهم أنه كان يصلي الجمعة في مسجد قباء في إقامته هناك. أي ويبعد أن صلاها من غير خطبة. وفي الجامع الصغير «إن الله كتب عليكم الجمعة في مقامي هذا، وفي ساعتي هذه، في مشهدي هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة، من تركها من غير عذر مع إمام عادل أو إمام جائر فلا جمع له شمله ولا بورك له في أمره، إلا ولا صلاة له ولا حج له، إلا ولا بركة له ولا صدقة له» فإن كان قال ذلك في هذه الخطبة التي خطبها في مسجد الجمعة كما هو المتبادر، اقتضى ذلك أنها لم تكن واجبة قبل ذلك وهو مخالف قول فقهائنا أنها وجبت بمكة ولم تقم بها لعدم قدرتهم على إظهارها بمكة، لأن إظهارها أقوى من إظهار جماعة الصلوات الخمس. وفي الإتقان مما تأخر حكمه عن نزوله آية الجمعة فإنها مدنية والجمعة فرضت بمكة. وقول ابن الغرس إن اقامة الجمعة لم تكن بمكة قط يرده ما أخرجه ابن ماجه

عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع النداء يستغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه أرأيت صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة لم هذا؟ قال: أي بني، كان أول من صلى بنا الجمعة قبل أن يقدم رسول الله ﷺ من مكة، هذا كلامه، وليتأمل ما وجه الرد من هذا. وجاء «صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها، وصيام شهر رمضان في المدينة ألف شهر فيما سواها» كذا في الوفاء عن نافع عن ابن عمر. وأوّل قرية صليت فيها الجمعة بعد المدينة قرية عبد القيس بالبحرين، وهل كانت الخطبة قبل الصلاة أو بعدها.

ر فيما سواها» كذا في الوفاء عن نافع عن ابن عمر. وأوّل قرية صليت فيها الجمعة بعد المدينة قرية عبد القيس بالبحرين، وهل كانت الخطبة قبل الصلاة أو بعدها. في الدر أنه ﷺ كان وهو بالمدينة يخطب الجمعة بعد أن يصلي مثل العيدين، فبينما هو يخطب يوم الجمعة قائما، إذ قدمت عير دحية الكلبي، وكان إذا قدم يخرج أهله للقائه بالطبل واللهو، ويخرج الناس للشراء من طعام تلك العير والتفرج عليها، وقيل للتفرج على وجه دحية، فقد قيل كان إذا قدم دحية المدينة لم تبق معصر إلا خرجت لتنظر إليه لفرط جماله. ولا مانع أن يكون ذلك لاجتماع الأمرين، فانفض الناس ولم يبق معه ﷺ إلا نحو اثني عشر رجلا. والجلال المحلي في قطعة التفسير أسقط لفظ نحو: أي وانفضاض ما عدا هؤلاء، يحتمل أن يكون بعد ذلك في حال الخطبة قبل تمام الأركان. ويحتمل أن يكون بعد ذلك. وعلى الأول: يجوز أن يكون رجع ممن انفض ما يكمل به العدد أربعين قبل طول الفصل. وقد أعاد ﷺ ما لم يسمعوه من أركان الخطبة عند انفضاضهم، فلا يخالف ما ذهب إليه إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجوب سماع أربعين لأركان الخطبة. قال مقاتل: بلغني أنهم فعلوا ذلك أي الانفضاض عند الخطبة ثلاث مرات، فأنزل الله تعالى وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً [الجمعة: الآية ١١] الآية. ثم صار ﷺ يخطب قبل أن يصلي أي ليحافظ الناس على عدم الانفضاض لأجل الصلاة، وعليه انعقد الإجماع، فلا نظر لمخالفة الحسن البصري. وحينئذ يكون قول بعض فقهائنا استدلالا على وجوب تأخر صلاة الجمعة عن الخطبتين يثبت صلاته ﷺ بعد خطبتين أي استقر ثبوت ذلك. وعن الزهري «بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا خطب» أي في غير الخطبة المتقدمة «كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد ولا يخف لأمر من الناس، يريد الناس أمرا ويريد الله أمرا، فما شاء الله كان لا ما شاء الناس، وما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما

بعد الله ولا يكون شيء إلا بإذن الله» والله أعلم. ثم ركب ﷺ راحلته بعد الجمعة متوجها للمدينة: أي وقد أرخى زمامها ولم يحركها وهي تنظر يمينا وشمالا، فسأله بنو سالم منهم عتبان بكسر العين المهملة ابن مالك، ونوفل بن عبد الله بن مالك، وعبادة بن الصامت، فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعزة والمنعة. وفي لفظ «والثروة» وفي لفظ «أنزل فينا، فإن فينا العدد والعدة والحلقة» أي السلاح «ونحن أصحاب الحدائق والدرك، يا رسول الله كان الرجل من العرب يدخل هذه البحيرة خائفا فيلجأ إلينا، فقال لهم خيرا، وقال: خلوا سبيلها» يعني ناقته «دعوها فإنها مأمورة» ، أي وفي رواية «إنها مأمورة خلوا سبيلها وهو يتبسم ويقول: بارك الله عليكم، فانطلقت حتى وردت دار بني بياضة» أي محلتهم، أي والمراد القبيلة «فسأله بنو بياضة أي ومنهم زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو ومثل ما تقدم، وأجابهم بأنها مأمورة خلوا سبيلها، فانطلقت حتى وردت دار بني ساعدة أي ومنهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وأبو دجانة، فسأله بنو ساعدة بمثل ذلك وأجابهم بخلوا سبيلها فإنها مأمورة، فانطلقت حتى مرت بدار عديّ بن النجار وهم أخواله ﷺ» أي أخوال جده عبد المطلب كما تقدم أي بأوائل دورهم «فسأله بنو عدي بن النجار أي أولئك الطائفة منهم بمثل ما تقدم» أي وفي رواية «أنهم قالوا له: نحن أخوالك، هلم إلى العدة والمنعة والعزة مع القرابة لا تجاوزنا إلى غيرنا يا رسول الله» أي زاد في رواية لا تجاوزنا، ليس أحد من قومنا أولى بك منا لقرابتنا، وأجابهم بأنها مأمورة، فانطلقت حتى بركت في محل من محلات بني النجار وذلك في محل المسجد، أي محل بابه أو في محل المنبر الآن وذلك عند دار بني مالك بن النجار، وعند باب أبي أيوب الأنصاري» أي واسمه خالد بن زيد النجاري الأنصاري الخزرجي شهد العقبة وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وكان مع علي بن أبي طالب من خاصته شهد معه الجمل وصفين والنهروان. غزا أيام معاوية أرض الشام مع يزيد بن معاوية سنة خمسين، وقيل:

المشاهد مع رسول الله ﷺ، وكان مع علي بن أبي طالب من خاصته شهد معه الجمل وصفين والنهروان. غزا أيام معاوية أرض الشام مع يزيد بن معاوية سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين فتوفي عند مدينة قسطنطينية فدفن هناك. وأمر يزيد بالخيل فجعلت تقبل وتدبر على قبره حتى خفي أثر القبر خوفا أن تنبشه الكفار، فكان المشركون إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فيمطروا فلم ينزل عنها ﷺ ثم وثبت، وسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها، ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مبركها فبركت فيه وتجلجلت أي بالجيم تضعضعت ووضعت جرانها أي باطن عنقها من المذبح إلى المنحر، وأزرمت أي صوتت من غير أن تفتح فاها فنزل عنها ﷺ، وقال رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون: الآية ٢٩] أي قال ذلك أربع مرات، وأخذه ﷺ الذي كان يأخذه عند الوحي أي وسري عنه وقال: هذا إن شاء الله يكون المنزل أي وأمر

أن يحط رحله وفي لفظ: أن أبا أيوب قال له ائذن لي أن أنقل رحلك فأذن له، واحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته، أي وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده، أي وذكر بعضهم أن أبا أيوب لما نقل رحله أناخ الناقة في منزله. وقد يقال: لا مخالفة، لجواز أن يكون أسعد أخذ بزمامها بعد ذلك فكانت عنده. أي وعن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه «لما قدم النبي ﷺ المدينة اقترعت الأنصار أيهم يأويه فقرعتهم» الحديث. وقد يقال: مراده بالأنصار أهل تلك المحلة التي بركت فيها الناقة. وذكر السهيلي أنها لما ألقت جرانها في دار بني النجار: أي في محل من محلاتها جعل رجل من بني سلمة وهو جبار بن صخر، أي وكان من صالحي المسلمين ينخسها رجاء أن تقوم فينزل في دار بني سلمة فلم تفعل. وجاء أنه ﷺ «قال خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير» .

فينزل في دار بني سلمة فلم تفعل. وجاء أنه ﷺ «قال خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير» . ولما بلغ ذلك سعد بن عبادة وجد في نفسه وقال: خلفنا فكنا آخر الأربع، أسرجوا إليّ حماري أتي رسول الله ﷺ فكلمه ابن أخته سهل، فقال: أتذهب لتردّ على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ أعلم؟ أو ليس حسبك أن تكون رابع أربع، فرجع وقال: الله ورسوله أعلم، وأمر بحماره فحل عنه. وفي رواية قال له: اجلس، ألا ترضى أن سماك رسول الله في الأربع الدور التي سمى، فمن ترك فلم يسم أكثر ممن سمي، فانتهى سعد بن عبادة عن كلام رسول الله ﷺ وخرجت جويريات من بني النجار بالدفوف يقلن: نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار فخرج إليهن رسول الله ﷺ، وقال: «أتحببنني، وفي رواية أتحبوني؟ قلن نعم يا رسول الله، فقال: الله يعلم أن قلبي يحبكن» وفي رواية «والله أحبكم» وفي رواية «وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم قال ذلك ثلاثا» وهذا دليل لسماع الغناء على الدفّ من المرأة لغير العرس؛ ويدل لذلك أيضا ما جاء عن ابن عباس مرفوعا «أن أصحاب النبي ﷺ جلسوا سماطين، وجاءت جارية يقال لها سيرين معها مزهر تختلف به بين القوم، وهي تغنيهم وتقول: هل عليّ ويحكم ... إن لهوت من حرج فتبسم النبي ﷺ وقال: «لا حرج إن شاء الله تعالى» . وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها «دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان من جواري الأنصار يغنيان» وفي رواية «يضربان بدفين، فاضطجع ﷺ على

الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فانتهرني، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: دعها» وفي رواية «قال أبو بكر بمزمور» وفي رواية «بمزمار» وفي لفظ «بمزمارة الشيطان في بيت رسول الله ﷺ، قال ذلك مرتين وانتهرني، وكان ﷺ متغشيا بثوبه، فكشف النبي ﷺ عن وجهه الشريف، فقال: دعها يا أبا بكر فإنها أيام عيد» أي لأن تلك كانت أيام منى. وقيل كان يوم عيد الفطر. وقيل الأضحى، ولا مانع من تعدد الواقعة. أقول: في البخاري عن الربيّع بنت معوّذ «أنه ﷺ دخل عليها غداة بنى عليها وعندها جويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال لها النبي ﷺ لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين» . وفي حديث أبي هريرة «أن النبي ﷺ خرج في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف، فقال لها: إن كنت نذرت فاضربي، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحتها وقعدت عليه؛ فقال النبي ﷺ: إن الشيطان ليفرق منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب ودخل أبو بكر وهي تضرب، فلما دخلت أنت ألقت الدف» أي وإذا كان الشيطان يخاف منك فما بالك بامرأة ضعيفة العقل. ولا ينافي هذا: أي سماعه الغناء من المرأة مع الضرب على الدف ما تقدم في باب ما حفظ به ﷺ في صغره من أمر الجاهلية، لأن الدف ثم كان معه مزمار بخلافه هنا، وتسمية أبي بكر رضي الله تعالى عنه الدف مزمارا، لأنه كان يعتقد حرمة ذلك، فشبهه بالمزمار المحرم سماعه. قال بعضهم: واعلم أن السماع في طريق القوم معروف وفي الجواذب إلى المحبة معدود وموصوف. وقال بعض آخر: إنه من أكبر مصايد النفوس أي والرجوع بها إلى الله تعالى. وقد شوهد تأثير السماع في الحيوانات غير الناطقة بل في الأشجار، ومن لم يحركه السماع فهو فاسد المزاج غليظ الطبع. وعن أبي بشير: أن النبي ﷺ وأبا بكر مرّا بالحبشة وهم يلعبون ويرقصون ويقولون: يا أيها الضيف المعرج طارقا ... لولا مررت بآل عبد الدار لولا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من جهد ومن إقتار

ر مرّا بالحبشة وهم يلعبون ويرقصون ويقولون: يا أيها الضيف المعرج طارقا ... لولا مررت بآل عبد الدار لولا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من جهد ومن إقتار أي ولم ينكر عليهم، وبه استدل أئمتنا على جواز الرقص حيث خلا عن

التكسر، فقد صحت الأخبار وتواترت الآثار بإنشاد الأشعار بين يديه ﷺ بالأصوات الطيبة مع الدف وبغيره، وبذلك استدل أئمتنا على جواز الضرب بالدف ولو فيه جلاجل لما هو سبب لإظهار السرور. وعلى جواز إنشاد الشعر واستماعه، حيث خلا عن هجو لغير نحو فاسق متجاهر بفسقه، وخلا عن تشبب بمعين من امرأة أو غلام، والخلاف إنما هو في سماع الملاهي كالأوتار والمزامير، وخوف الفتنة من سماع صوت المرأة أو الأمرد الجميل. ونقل عن الجنيد أنه قال: الناس في السماع: أي سماع الآلات على ثلاثة أضرب العوام وهو حرام عليهم لبقاء نفوسهم. والزهاد وهو مباح لهم لحصول مجاهداتهم. والعارفون وهو مستحب لهم الحياة قلوبهم. وذكر نحوه أبو طالب المكي، وصححه السهروردي في عوارف المعارف. وفي كلام بعضهم: جبلت النفوس حتى غير العاقلة على الإصغاء إلى ما يحسن من سماع الصوت الحسن، فقد كانت الطيور تقف على رأس داود ﵊ لسماع صوته، لكن يشكل على ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة عن صفوان بن أمية وهو من المؤلفة قال: «كنا عند النبي ﷺ إذ جاء عمر بن قرة، فقال: يا رسول الله إن الله كتب عليّ الشقوة فلا أنال الرزق إلا من دفي بكفي، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال النبي ﷺ: لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت أي عدوّ الله: أي يا عدوّ الله، والله لقد رزقك الله طيبا فاخترت ما حرّم الله عليك من رزقه، مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد كهذه المقالة، لضربتك ضربا وجيعا» إلا أن يقال هذا النهي إن صح محمول على من يتخذ ضرب الدف حرفة، وهو مكروه تنزيها. وقوله ﷺ «اخترت ما حرم الله عليك» إلى آخره للمبالغة في التنفير عن ذلك. «ونزل ﷺ على أبي أيوب وقال: المرء مع رحله، أي بعد أن قال أي بيوت أهلنا يعني أهل تلك المحلة من بني النجار أقرب؟ فقال أبو أيوب: داري هذه وقد حططنا رحلك فيها، فذهبت تلك الكلمة أي التي هي: المرء مع رحله مثلا وقال:

بيوت أهلنا يعني أهل تلك المحلة من بني النجار أقرب؟ فقال أبو أيوب: داري هذه وقد حططنا رحلك فيها، فذهبت تلك الكلمة أي التي هي: المرء مع رحله مثلا وقال: اذهب فهيىء لنا مقيلا فذهب فهيأ ذلك، ثم جاء فقال: يا نبي الله قد هيأت مقيلا فقم على بركة الله تعالى، ونزل معه ﷺ زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه» . أقول: وفي رواية «فتنازع القوم أيهم ينزل عليه» أي كل يحرص على أن تكون داره له منزلا أي مقاما «فقال رسول الله ﷺ: أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك، فلما أصبح غدا حيث أمر» وحينئذ يكون قوله ﷺ: أنزل الليلة: أي غد تلك الليلة، ولا يخالف هذا ما قبله من قول بني النجار هلم إلينا، وقوله لهم: إنها مأمورة، لجواز أن يكون أمر بالنزول عليهم.

واعلم أن خصوص البقعة والمحلة من محلات بني النجار التي ينزل بها من دارهم ما تبرك به الناقة. وفيه أنه يبعد مع ذلك، أي مع قوله المذكور أي أنه ينزل على بني النجار سؤال غير بني النجار في النزول عنده، إلا أن يقال لعل السائلين له ﷺ في ذلك لم يبلغهم قوله المذكور، أو جوزوا أن يكون رسول الله ﷺ بدا له في ذلك رأي، وقد أشار إلى نزوله ﷺ على بني النجار الإمام السبكي في تائيته بقوله: نزلت على قوم بأيمن طائر ... لأنك ميمون السنا والنقيبة فيا لبني النجار من شرف به ... يجرون أذيال المعالي الشريفة وهذا السياق يدل على أن تنازع القوم، وقوله لهم المذكور كان في آخر ليلة، وهو في قباء، وهو يرد قول بعضهم: يشبه أن يكون ذلك في أول قدومه ﷺ من مكة قبل نزوله قباء، لا في قدومه باطن المدينة. فالمراد بأهل المدينة أهل قباء. ويرد قول سبط ابن الجوزي لعله نزل على بني النجار ليلة انتهى: أي تلك الليلة ثم ارتحل إلى بني عمرو بن عوف أي في قباء. هذا وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا متقلدين سيوفهم. قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر رديفه وملأ من بني النجار حوله حتى أناخ بفناء أبي أيوب» وهذه الرواية وقع فيها اختصار كبير. ويقال «إنه ﷺ عرّج على عبد الله بن أبي ابن سلول وكان جالسا محتبيا وأراد النزول عليه، فقال له اذهب إلى الذين دعوك وأنزل عليهم، فقال له سعد بن عبادة:

ر. ويقال «إنه ﷺ عرّج على عبد الله بن أبي ابن سلول وكان جالسا محتبيا وأراد النزول عليه، فقال له اذهب إلى الذين دعوك وأنزل عليهم، فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله لا تجد في نفسك من قوله، فقد قدمت علينا والخزرج تريد أن تملكه» وقد وقع له في بعض الأيام «أنه ﷺ، قيل له: يا رسول الله لو أتيت عبد الله بن أبي ابن سلول» أي متألفا له ليكون ذلك سببا لإسلام من تخلف من قومه، وليزول ما عنده من النفاق «فانطلق النبي ﷺ وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون معه، فلما أتاه النبي ﷺ قال له: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد، والأيدي والنعال، فنزل وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [الحجرات: الآية ٩] كذا في البخاري. وفيه أيضا «أن رسول الله ﷺ مرّ على ابن أبي ابن سلول وهو في جماعة فقال

ابن أبيّ: لقد عثا ابن أبي كبشة في هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنه، فاستأذن رسول الله ﷺ أن يأتيه برأسه، فقال له ﷺ لا، ولكن برّ أباك» وكان ابن أبيّ جميل الصورة ممتلىء الجسم، فصيح اللسان، وهو المعنيّ بقوله تعالى وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ [المنافقون: الآية ٤] الآية، ولكونه متبوعا جيء فيه بصيغة الجمع.

لجسم، فصيح اللسان، وهو المعنيّ بقوله تعالى وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ [المنافقون: الآية ٤] الآية، ولكونه متبوعا جيء فيه بصيغة الجمع. وعن الزهري «أخبرني عروة بن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ ركب حمارا على إكاف وأردف أسامة وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مرّ بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي ابن سلول، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة فثار غبار من مشي الحمار، فخمر ابن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا؛ فسلم رسول الله ﷺ عليهم ثم نزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال ابن أبيّ: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بل يا رسول الله فاغشنا فإنا نحب ذلك، واستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتبادرون، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب رسول الله ﷺ دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول الله ﷺ: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب يعني ابن أبيّ، قال كذا وكذا، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فو الله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما ردّ بالحق الذي أعطاك الله شرق، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ» والله أعلم. ومكث ﷺ ببيت أبي أيوب إلى أن بني المسجد وبعض مساكنه، وقد مكث في بناء ذلك من شهر ربيع الأول إلى شهر صفر من السنة القابلة، أي وذلك اثنا عشر شهرا: وقيل مكث ببيت أبي أيوب سبعة أشهر. «قال ولما تحول رسول الله ﷺ من بين عمرو بن عوف إلى المدينة تحول المهاجرون» أي غالبهم أخذا مما يأتي «فتنافس فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة بينهم. فكان المهاجرون في دور الأنصار وأموالهم» اهـ.

أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة بينهم. فكان المهاجرون في دور الأنصار وأموالهم» اهـ. وكان من جملة محل مسجده ﷺ مسجد لأبي أمامة أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه، وكان أبو أمامة يجمع فيه بمن يليه، بناه في بعض مربد للتمر لسهل وسهيل: أي يجفف فيه التمر، ويرادف المربد الجرين والمسطح والبيدر: وهو ما

يبسط فيه الزرع أو التمر للتجفيف. «وكان رسول الله ﷺ يصلي في ذلك المسجد، قال: فعن أمّ زيد بن ثابت أنها قالت: رأيت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله ﷺ المدينة يصلي بالناس الصلوات الخمس ويجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل، قالت: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ لما قدم وصلى بهم في ذلك المسجد وبناه» أي مع إدخال بقية ذلك المربد فهو مسجده. وحينئذ لا يخالف ذلك قول الحافظ الدمياطي عن الزهري قال «بركت ناقة رسول الله ﷺ عند موضع مسجد رسول الله ﷺ، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين قبل قدومه ﷺ، وكان مربدا لسهل وسهيل، وكان جدار مجدرا ليس عليه سقف وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، وكان يصلي بأصحابه ويجمع بهم فيه الجمعة قبل قدوم رسول الله ﷺ، أي ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة صار يصلي فيه» . وفي الإمتاع «كان أسعد بن زرارة بنى فيه جدارا تجاه بيت المقدس كان يصلي إليه بمن أسلم قبل قدوم مصعب بن عمير، ثم صلى بهم إليه مصعب» هذا كلامه، وتعلم ما فيه لما قدّمناه في قدوم مصعب المدينة، لكن في البخاري «أنه ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يا بني المسجد» أي ولعله اتفق له ذلك في بعض الأوقات، لأنه ﷺ كان يصلي حيث أدركته الصلاة. «ثم إنه ﷺ بعد ذلك سأل أسعد بن زرارة أن يبيعه تلك البقعة التي كان من جملتها ذلك المسجد ليجعلها مسجدا فإنها كانت في يده ليتيمين في حجره، وهما سهل وسهيل، وقيل كانا في حجر معاذ ابن عفراء» قال في الأصل، وهو الأشهر. وفي المواهب: أن الأول هو المرجح، واليتيمان المذكوران من بني مالك بن النجار، وقيل كانا في حجر أبي أيوب الأنصاري. قال بعضهم: والظاهر أن الكل: أي من أسعد ومعاذ وأبي أيوب كانوا يتكلمون لليتيمين لأنهم بنو عمّ فنسبا إلى حجر كل. «وقد عرض أبو أيوب عليه ﷺ أن يأخذ تلك الأرض ويغرم لليتيمين قيمتها، فأبى رسول الله ﷺ وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر» أي وفي رواية «فدعا الغلامين فساومهما بالمربد فقالا: نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك» أي وحينئذ يكون وصفهما باليتيم باعتبار ما كان.

به لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك» أي وحينئذ يكون وصفهما باليتيم باعتبار ما كان. وفي رواية «أرسل ﷺ إلى ملأ من بني النجار ولعلهم من تقدم وهم أسعد

ومعاذ وأبو أيوب ومعهم سهل وسهيل فجاؤوه ﷺ، فقال لهم ثامنوني بحائطكم هذا أي خذوا مني ثمنه. قالوا لا يا رسول الله، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأبى أن يأخذه إلا بالثمن» . قال «وجاء أن أسعد بن زرارة عوض اليتيمين من تلك الأرض نخلا أي له في بني بياضة، وقيل: أرضا هما فيها أبو أيوب، وقيل معاذ ابن عفراء» . وطريق الجمع بين ذلك أنه يحتمل أن كلا من أسعد وأبي أيوب ومعاذ ابن عفراء دفع للغلامين شيئا: أي زيادة على العشرة دنانير فنسب ذلك لكل منهم. وجاء «أنه كان في تلك الأرض قبور جاهلية فأمر بها ﷺ فنبشت؛ وأمر بالعظام فألقيت» اهـ، أي وفي رواية «وأمر بالعظام أن تغيب» أي وفي رواية «كان في موضع المسجد نخل وخرب» أي حفر ومقابر للمشركين «فأمر ﷺ بالقبول فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطعت» . أي وفي سيرة الحافظ الدمياطي «فأمر رسول الله ﷺ بالنخل الذي في الحديقة» أي وهي تلك الأرض التي كانت مربدا، أي وسمي حديقة لوجود النخل به «وأمر بالغرقد الذي فيه أن يقطع» أي والغرقد: شجر معروف. وبقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة. وشجر الغرقد: يقال له شجر اليهود، فإنه لا يدل على اليهودي إذا توارى به عند نزول عيسى ﵊ وقتله للدجال ولجنده من اليهود، فإذا توارى اليهودي بشجرة نادته يا روح الله هاهنا يهودي، فيأتي حتى يقف عليه، فإما أن يسلم وإما أن يقتل؛ إلا شجر الغرقد فإنه لا يدل على اليهودي إذا توارى به؛ فقيل له شجر اليهود لذلك. قال: وكان في المربد ماء مستبحر فسيروه حتى ذهب. والمستبحر الذي ينشع ويظهر من الأرض. «ثم إن رسول الله ﷺ أمر باتخاذ اللبن فاتخذ وبنى المسجد» وجاء «أنه ﷺ عند الشروع في البناء وضع لبنة، ثم دعا أبا بكر فوضع لبنة أي بجانب لبنته ﷺ، ثم دعا عمر فوضع لبنة بجانب لبنة أبي بكر، ثم جاء عثمان فوضع لبنة بجانب لبنة عمر» .

شروع في البناء وضع لبنة، ثم دعا أبا بكر فوضع لبنة أي بجانب لبنته ﷺ، ثم دعا عمر فوضع لبنة بجانب لبنة أبي بكر، ثم جاء عثمان فوضع لبنة بجانب لبنة عمر» . أي وقد أخرج ابن حبان «لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع في البناء حجرا وقال لأبي بكر: ضع حجرك إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال لعثمان ضع حجرك إلى جنب حجر عمر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء بعدي» قال أبو زرعة إسناده لا بأس به، فقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وفي رواية «هؤلاء ولاة الأمر بعدي» قال ابن كثير وهذا الحديث بهذا الإسناد غريب جدا.

قال بعضهم: وقوله ﷺ لعثمان ما ذكر. أي ضع حجرك إلى جنب حجر عمر يرد على من زعم أن هذا منه ﷺ إشارة إلى قبورهم، أي إذ لو كان إشارة إلى ذلك لدفن عثمان بجانب عمر كما دفن عمر بجانب أبي بكر، بل هو إشارة إلى ترتيب الخلافة، أي لأنه لا يستفاد من قوله ﷺ «هؤلاء الخلفاء بعدي إلا ذلك» ومن ثم جاء في رواية «فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال أمر الخلافة من بعدي» . وتصحيح الحاكم لما ذكر يظهر التوقف في قول بعضهم إن هذا لم يجىء في الصحيح إلا أن يريد صحيح الشيخين. وأما قوله قال البخاري في تاريخه: إن ابن حبان لم يتابع على الحديث المذكور، لأن عمر وعثمان وعليا قالوا: لم يستخلف النبي ﷺ، فقد يقال عليه: معناه لم ينص على استخلاف أحد بعينه عند موته، وذلك لا ينافي الإشارة إلى وقوع الخلافة لهؤلاء بعده، ولا ينافي قوله «هؤلاء الخلفاء بعدي» لجواز أن يراد الخلافة في العلم. ثم رأيت ابن حجر الهيتمي أشار إلى ذلك حيث قال: قلت هذا أي وضع تلك الأحجار، وقوله ﷺ «هؤلاء الخلفاء بعدي» مع احتماله للخلافة في العلم والإرشاد متقدم على وقت الاستخلاف عادة وهو قرب الموت، فلم يكن نصا سالما من المعارض هذا كلامه «ثم قال للناس ضعوا أي الحجارة فوضعوا، ورفع بالحجارة أي قريب من ثلاثة أذرع، وبني باللبن وجعل عضادتيه أي جانبيه بالحجارة وسقفه بالجريد، وجعلت عمده» وفي رواية «سواريه من جذوع النخل، وطول جداره قامة» أي كان ارتفاعه قدر قامة. قال: وعن شهر بن حوشب قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يا بني المسجد قال «ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك، قيل: وما ظلة موسى؟ قال: كان إذا قام أصاب رأسه السقف» انتهى. أي فالمراد اجعلوا سقفه يكون بحيث إذا قمت أصاب رأسي السقف، أو رفعت يدي أصابت السقف. والجمع بين هاتين الروايتين يدل على أن المراد ما هو قريب من ذلك، بحيث لا يكون كثير الارتفاع، فلا ينافي ما يأتي من أمره بجعل ارتفاعه سبعة أذرع فليتأمل. وفي سيرة الحافظ الدمياطي «فقيل له: ألا تسقف؟ فقال: عريش كعريش موسى، خشبات وثمام» أي وقيل للحسن: ما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العرش: يعني السقف.

وفي سيرة الحافظ الدمياطي «فقيل له: ألا تسقف؟ فقال: عريش كعريش موسى، خشبات وثمام» أي وقيل للحسن: ما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العرش: يعني السقف. وفي رواية «لما أراد رسول الله ﷺ بناء المسجد، قال: قيل لي: أي قال له

جبريل: عريش كعريش أخيك موسى، سبعة أذرع طولا في السماء، وكان سبعة أذرع بحيث يصيب رأسه ولا تزخرفه، ثم الأمر أعجل من ذلك» أي وفيه أن هذا يقتضي أن موسى كان طوله سبعة أذرع، وهو يخالف ما اشتهر أن قامة موسى كانت أربعين ذراعا، وعصاه كذلك، ووثبته كذلك. وقد جاء «ما أمرت بتشييد المساجد» أي ولعل قوله ذلك كان «لما جمع الأنصار مالا وجاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد» . وجاء «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» . وجاء «من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد» أي تزخرفها كما تزخرف اليهود والنصارى كنائسهم وبيعهم ولم يكن على السقف كبير طين، إذ كان المطر يكف: أي ينزل منه ماء المطر المخالط للطين عليهم بحيث يمتلىء: أي المسجد طينا، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت فطين: أي جعل عليه طين كثير بحيث لا ينزل عليه المطر فقال: «لا عريش كعريش موسى» فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله ﷺ، وعند بنائه عمل فيه المسلمون المهاجرون والأنصار، وعمل فيه رسول الله ﷺ بنفسه ليرغب المسلمين في العمل فيه. قال: فقد جاء «أنه ﷺ صار ينقل اللبن» أي في ثيابه. وفي رواية «في ردائه حتى اغبرّ صدره الشريف، وصار يقول: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربنا وأطهر» أي هذا المحمول من اللبن أبرّ وأطهر يا ربنا مما يحمل من خيبر من نحو التمر والزبيب، فالحمال بالحاء المهملة بمعنى المحمول؛ ووقع في رواية بالجيم جمع جمل، قال بعضهم: وله وجه، والأول أظهر، ولا يحسن هذا الوجه إلا إذا كانت جمال خيبر أنفس من جمال غيرها وصار يقول: اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجره قال البلاذري: وهذا القول لامرأة من الأنصار، وتمامه: وعافهم من حرّ نار ساعره ... فإنها لكافر وكافره

هم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجره قال البلاذري: وهذا القول لامرأة من الأنصار، وتمامه: وعافهم من حرّ نار ساعره ... فإنها لكافر وكافره والذي في البخاري «فاغفر للأنصار والمهاجرة» ولعله ﷺ هو الذي أخرجه عن الوزن كما هو عادته في إنشاد الشعر كما سيأتي: وفي لفظ «فأصلح» وفي لفظ «فأكرم» وفي رواية «اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فارحم المهاجرين والأناصرة» وفي رواية «فانصر الأنصار والمهاجرة» وعن الزهري أنه كان يقول «اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فارحم المهاجرين والأنصار» لأنه كان لا يقيم الشعر: أي لا يأتي به موزونا ولو متمثلا، وفيه أنه مع قوله: اللهم إن الأجر إلى آخره لا يكون شعرا موزونا، إلا

إن حذف أل من اللهم وقال لا هم وكسر همزة فارحم؛ وحينئذ تكون المرأة من الأنصار إنما نطقت بذلك: أي قالت لا هم إلى آخره، وهو ﷺ هو الذي غيره. ونقل عن الزهري «أنه ﷺ لم يقل بيتا موزونا متمثلا به إلا قوله هذا الحمال» البيت، ولم أقف على قائله، وسيأتي عن الزهري أنه من إنشائه ﷺ وسيأتي ما فيه. وفي كلام بعضهم: قال ابن شهاب: يعني الزهري: لم يبلغنا في الأحاديث أنه ﷺ تمثل ببيت شعر تام: أي موزون إلا هذه الأبيات، قال ابن عائذ: أي التي كان يرتجز بهن وهو ينقل اللبن لبناء المسجد: أي وفيه أن هذا مخالف لما تقدم عن الزهري أنه ﷺ لم يقل بيتا موزونا إلا قوله هذا الحمال، فلا يحسن أن يفسر كلامه بذلك، على أنه تمثل ببيت شعر تام موزون غير ذلك، فقد جاء «أنه ﷺ جعل يدور بين قتلى بدر ويقول: نفلق هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعقّ وألّا ما وفي المواهب: وقد قيل إن الممتنع عليه ﷺ إنشاء الشعر لا إنشاده، أي ولذلك جاء «ما أبالي ما أوتيت إن أنا قلت الشعر من قبل نفسي» وفي الكشاف: وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر، ولا دليل على منه إنشاده أي الشعر موزونا متمثلا. أقول: نقل الحافظ الدمياطي عن الزهري أنه كان يقول: إنه ﷺ لم يقل شيئا من الشعر إلا ما قد قيل قبله إلا قوله: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربنا وأطهر أي فإنه من قوله، وهو يخالف ما تقدم عنه، ولعله سقط من عبارة الزهري المذكورة شيء، والأصل أنه لم يقل شيئا من الشعر إلا ما قد قيل قبله، ولم يقل ما قبله تاما: أي موزونا إلا قوله: هذا الحمال إلى آخره، فلا يخالف ما تقدم عنه، وكونه كان لا يقيم الشعر: أي لا يأتي به موزونا ولو متمثلا هو المنقول عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد قيل لها: هل كان رسول الله ﷺ يأتي بشيء من الشعر؟ فقالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر، غير أنه كان يتمثل ويجعل أوله آخره وآخره أوله: أي غالبا كان يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار، ويقول: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا أي وذلك قول سحيم بمهملة مصغرا عبد بني الحساس، شاعر مشهور مخضرم: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

تزود بالأخبار، ويقول: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا أي وذلك قول سحيم بمهملة مصغرا عبد بني الحساس، شاعر مشهور مخضرم: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ولما غير ذلك رسول الله ﷺ قال له الصديق رضي الله تعالى عنه: إنما قال الشاعر كذا، فأعاده ﷺ كالأول، فقال الصديق: أشهد أنك رسول الله وَما عَلَّمْناهُ

الشِّعْرَ [يس: الآية ٦٩] . ولما سمع رسول الله ﷺ قول سحيم: الحمد لله حمدا لا انقطاع له ... فليس إحسانه عنا بمقطوع قال أحسن وصدق، وقول الصديق أشهد أنك رسول الله وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: الآية ٦٩] يدل على أنه ﷺ لا يجري الشعر على لسانه موزونا وقد قيل له ﷺ: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول: ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها وإن لم تطيب طيبا الأصل وجدت بها طيبا وإن لم تطيب. وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما أنت بشاعر ولا رواية، والمراد بكون الشعر أبغض إليه الإتيان به، وإلا فقد كان يسمع الشعر كما تقدم ويستنشده، فقد ذكر بعضهم «أنه ﷺ كان يستنشد الخنساء أخت صخر لأمه، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده وهو يقول: هيه يا خناس، ويومىء بيده» . وقد قال بعضهم: أجمع أهل العلم أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها، ومن شعرها في أخيها المذكور: أعينيّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندا طويل النجاد عظيم الرماد ... وساد عشيرته أمردا وللجلال السيوطي كتابه سماه «نزهة الجلساء في أشعار الخنساء» وقولنا في قول عائشة إنه كان يتمثل بالشعر، ويجعل أوله آخره: أي غالبا حتى لا ينافي ما جاء عنها: كان يتمثل بشعر ابن رواحة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقولها: ما سمعت رسول الله ﷺ ينشد شعرا إلا بيتا واحدا: تفاءل لما تهوى بكن فلقلما ... يقال لشيء كان إلا تخلفا وفي الخصائص الكبرى قال المزني: ولم يبلغني أنه ﷺ أنشد بيتا تاما على رويه، بل إما الصدر كقول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل أو العجز كقول طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود أي وفيه ما تقدم عن عائشة، وكقوله- وقد أنشده أعشى بني مازن أبياتا في ذم النساء، آخر تلك الأبيات:

باطل أو العجز كقول طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود أي وفيه ما تقدم عن عائشة، وكقوله- وقد أنشده أعشى بني مازن أبياتا في ذم النساء، آخر تلك الأبيات:

وهن من شر غالب لمن غلب فجعل ﷺ يقول: وهن شر غالب لمن غلب فإن أنشد بيتا كاملا غيره أي غالبا، لما تقدم كبيت العباس بن مرداس، أي فإنه ﷺ قال يوما للعباس بن مرداس «أرأيت قولك» وفي لفظ أنت القائل: أصبح نهبي ونهب العبي ... د بين الأقرع وعيينه فقيل له: إنما هو بين عيينة والأقرع، فقال ﵊: إنما هو الأقرع وعيينة، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله» وفي لفظ «أشهد أنك رسول الله، ما أنت بشاعر ولا رواية، ولا ينبغي لك» إنما قال بين عيينة والأقرع: أي أنه لا ينبغي لك أن تكون شاعرا كما قال الله، ولا ينبغي لك أن تكون راويا للشعر: أي بأن تأتي به على وجهه، أي لا يكون شأنك ذلك مباعدة عن الشعر، وكون شأنه ذلك لا ينافي وجوده منه على وجهه في بعض الأحيان فليتأمل. وعن بعضهم: ما جمع رسول الله ﷺ بيت شعر قط أي موزونا. وقد يقال: لا يخالف هذا ما تقدم عن المواهب، لأنه يجوز أن يكون هذا المنقول عن عائشة. وعن المزني وعن بعضهم: كان أغلب أحواله كما قدمناه في المنقول عن عائشة ثم رأيته في الامتاع أشار إلى ذلك بقوله: وربما أنشد ﷺ البيت المستقيم في النادر، وقول المواهب: لا دليل على منع إنشاده متمثلا، أي دائما وأبدا، ويدل لذلك قول الزهري: إنه لم يقل بيتا موزونا متمثلا به إلا قوله: هذا الحمال إلى آخره، وفيه ما علمت ولا يخفى أن الشعر عرف بأنه كلام عربي موزون عن قصد. قال البدر الدمياطي. وقولنا عن قصد يخرج ما كان وزنه اتفاقيا كآيات شريفة اتفق جريان الوزن فيها: أي من بحور الشعر الستة عشر، وقد ذكرها الجلال السيوطي في نظمه للتخليص، وذلك كما في قوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: الآية ٩٢] وكقوله تعالى وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [سبإ: الآية ١٣] وقوله تعالى نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصّف: الآية ١٣] وككلمات شريفة نبوية جاء الوزن فيها اتفاقيا غير مقصود، كما في قول النبي ﷺ:

لآية ١٣] وقوله تعالى نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصّف: الآية ١٣] وككلمات شريفة نبوية جاء الوزن فيها اتفاقيا غير مقصود، كما في قول النبي ﷺ: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت أي بناء على تسليم أنه من قوله ﷺ، وإلا فقد قيل إنه من قول عبد الله بن رواحة: أي فإن ذلك مذكور في أبيات قالها في غزوة مؤتة وقد صدمت أصبعه فدميت، وذكر بدل «في سبيل الله» في كتاب الله، ولا مانع أن يكون ابن رواحة أدخل ذلك البيت في تلك الأبيات التي صنعها كما تقدم.

وفي كلام ابن دحية: ولا يمرّ على لسان رسول الله ﷺ من ضروب الرجز إلا ضربان منهوك ومشطور؛ فالمنهوك: أنا النبي لا كذب والمشطور: هل أنت إلا أصبع دميت وقيل البيت الواحد لا يكون شعرا، على أنه قيل: إن الرجز ليس من الشعر عند الأخفش خلافا للخليل: أي فإن الأخفش احتج على أن الرجز ليس بشعر رادا على الخليل ومن تبعه القائلين بأنه من الشعر حيث قال: لأحتجنّ عليهم بحجة إن لم يقروا بها كفروا: لم كان شعرا ما جرى على لسان رسول الله ﷺ، لأن الله تعالى يقول وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: الآية ٦٩] هذا كلامه. قال في النور: والصحيح أنه شعر أي موافقة للخليل، وقد علمت أن ما جرى منه على لسانه ﷺ ليس شعرا لعدم قصده فليتأمل. وقد نقل الماوردي من أئمتنا أنه كما يحرم عليه قول الشعر أي إنشاؤه، يحرم عليه روايته أي دون إنشاده متمثلا. وفرق بعضهم بين الإنشاد والرواية، بأن الرواية يقول: قال فلان كذا؛ وأما إنشاده متمثلا، فلا يقول ذلك هذا كلامه. وفيه أنه قال لما قيل له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول إلى آخره. وقال للعباس بن مرداس: أنت القائل إلى آخره. قال ذلك البعض. وكان الفرق بين الرواية والإنشاد أن في قوله قال فلان فيه رفعة للقائل بسبب قوله، وهذا متضمن لرفع شأن الشعر، والمطلوب منه الإعراض عن الشعر من حيث كونه شعرا. وفيه أن الصديق قال له عند كل من الرواية والإنشاد، لست بروايه كما تقدم، وعن الخليل: كان الشعر أحب إليه ﷺ من كثير من الكلام. أي وقد يقال لا يخالف هذا ما تقدم عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان أبغض الحديث إليه ﷺ الشعر، لأن المراد بالشعر الذي يحبه ما كان مشتملا على حكمة أو وصف جميل من مكارم الأخلاق؛ والذي يبغضه ما كان مشتملا على ما فيه هجنة أو هجو ونحو ذلك. ومن ثم قيل: الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح. وفي الجامع الصغير: الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، الشعر الحسن أحد الجمالين، يكسوه الله المرء المسلم. وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا خفي عليكم شيء من غريب

حسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، الشعر الحسن أحد الجمالين، يكسوه الله المرء المسلم. وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا خفي عليكم شيء من غريب

القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب، وفي كلام سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه: نعم الأبيات من الشعر يقدمها الرجل في صدر حاجته، يستعطف بها قلب الكريم ويستميل بها لؤم اللئيم. والحاصل أن الحق الحقيق بالاعتماد وبه تجتمع الأقوال أن المحرم عليه ﷺ إنما هو إنشاد الشعر: أي الإتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه، وهذا هو المعنى بقوله تعالى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: الآية ٦٩] . فإن فرض وقوع كلام موزون منه ﷺ لا يكون ذلك شعرا اصطلاحا لعدم قصد وزنه، فليس من الممنوع منه. والغالب عليه ﷺ أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله لا يأتي به موزونا، وربما أتى به موزونا. وادّعى بعض الأدباء أنه ﷺ كان يحسن الشعر: أي يأتي به موزونا قصدا، ولكنه كان لا يتعاطاه: أي لا يقصد الإتيان به موزونا. قال: وهذا أتم وأكمل مما لو قلنا بأنه كان لا يحسنه، وفيه أن في ذلك تكذيبا للقرآن. وفي التهذيب للبغوي. من أئمتنا، قيل: كان ﷺ يحسن الشعر ولا يقوله. والأصح أنه كان لا يحسنه، ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه، ولعل المراد بين الموزون منه وغير الموزون. ثم رأيته في ينبوع الحياة. قال: كان بعض الزنادقة المتظاهرين بالإسلام حفظا لنفسه وماله يعرّض في كلامه بأن النبي ﷺ كان يحسن الشعر، يقصد بذلك تكذيب كتاب الله تعالى في قوله تعالى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: الآية ٦٩] . قال بعضهم: والحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره أن القرآن منبع الحق، ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر التخيل بتصور الباطل في صورة الحق، والإفراط في الإطراء، والمبالغة في الذم والإيذاء، دون إظهار الحق وإثبات الصدق، ولهذا نزه الله تعالى نبيه عنه، ولأجل شهر الشعر بالكذب سمّى أصحاب البرهان القياسات المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية.

الحق وإثبات الصدق، ولهذا نزه الله تعالى نبيه عنه، ولأجل شهر الشعر بالكذب سمّى أصحاب البرهان القياسات المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية. وقد جاء التنفير عن إنشاد الشعر في المسجد، قال ﷺ «من رأيتموه ينشد شعرا في المسجد فقولوا: فض الله فاك ثلاث مرات» والأخذ بعمومه فيه من العسر ما لا يخفى. وفي العرائس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: من قال آدم قد قال الشعر فقد كذب على الله ورسوله ورمى آدم بالإثم، وإن محمدا والأنبياء صلوات الله

وسلامه عليهم كلهم في النهي عن الشعر سواء. وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي في قوله وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: الآية ٦٩] اعلم أن الشعر محل الإجمال واللغز والتوراة: أي ما رمزنا لمحمد ﷺ شيئا ولا ألغزنا ولا خاطبناه بشيء ونحن نريد شيئا آخر، ولا أجملنا له الخطاب بحيث لم يفهمه، وأطال في ذلك. وهل يشكل على ذلك الحروف المقطعة أوائل السور، ولعله رضي الله تعالى عنه لا يرى أن ذلك من المتشابه، أو أن المتشابه ليس مما استأثر الله بعلمه والله أعلم. ولما رأته ﷺ الصحابة ينقل اللبن بنفسه دأبوا في ذلك، أي في نقل اللبن أي وهو المراد بالصخر في قول بعضهم وجعل أصحابه ينقلون الصخر، أو المراد الصخر الذي يا بنى به الجدار وجانبا الباب كما تقدم، حتى قال قائلهم: لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل وجعل يحمل كل رجل لبنة لبنة، وعمار بن ياسر يحمل لبنتين لبنتين، فجعل رسول الله ﷺ ينفض التراب عن رأس عمار ويقول: «يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد الأجر من الله تعالى» وفي رواية «كان يحمل لبنة عن نفسه ولبنة عنه ﷺ، فمسح رسول الله ﷺ ظهره وقال: يا بن سمية: للناس أجر، ولك أجران، وآخر زادك أي من الدنيا شربة من لبن» وجاء في حق عمار ابن سمية «ما عرض عليه أمران قط إلا اختار ﵁ الأرشد منهما، إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق، وتقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنة، وتدعوك إلى النار، وعمار يقول: أعوذ بالله» . وفي رواية: بالرحمن من الفتن، أي وهذا السياق يدل على أنه ﷺ لم يستمر ينقل اللبن، بل نقل ذلك في بعض الأوقات.

وتدعوك إلى النار، وعمار يقول: أعوذ بالله» . وفي رواية: بالرحمن من الفتن، أي وهذا السياق يدل على أنه ﷺ لم يستمر ينقل اللبن، بل نقل ذلك في بعض الأوقات. وفي مسلم وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال أخبرني من هو خير مني «أن رسول الله ﷺ نظر لعمار حين شغل بحفر الخندق، فجعل يمسح رأس عمار ويقول: ابن سمية تقتلك فئة باغية» . وفي رواية: تعيين من أبهمه أبو سعيد وهو أبو قتادة. وزاد في رواية «أن النبي ﷺ لما حفر الخندق وكان الناس يحملون لبنة لبنة» أي من الحجارة التي تقطع «وعمار ناقة من وجع كان به، فجعل يحمل لبنتين، قال لعمار: بؤسا لك يا بن سمية، تقتلك الفئة الباغية» . ثم رأيت بعضهم قال: يشبه أن يكون ذكر الخندق وهما، أو قالها عند بناء المسجد وقالها يوم الخندق، هذا كلامه: أي ويكون عمار بن ياسر في الخندق قد صار يحمل الحجرين وكان في بناء المسجد يحمل اللبنتين، وكان عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه رجلا متنظفا أي مترفها، فكان إذا حمل اللبنة يجافي بها عن ثوبه لئلا يصيبه التراب، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب

رضي الله تعالى عنه وأنشد يقول: أي مباسطة مع عثمان بن مظعون لأطعنا فيه: لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن التراب حائدا أي وكان عثمان هذا من جملة من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: لا أشرب شرابا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني. وذكر ابن إسحاق قال: سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز، هل تمثل به عليّ أو أنشأه؟ فكل يقول: لا أدري، فسمع ذلك الرجز عمار بن ياسر، فصار يرتجز بذلك وهو لا يدري من يعني بذلك، فمرّ يرتجز بذلك على عثمان، فظن عثمان أن عمارا يقصد التعريض به، فقال له عثمان: يا بن سمية ما أعرفني بمن تعرض به، لتكفنّ أو لأعترضنّ بهذه الحديدة- لحديدة كانت معه- وجهك، وفي لفظ: والله إني أراني سأعرض هذه العصا بأنفك، لعصا كانت في يده، فسمعه رسول الله ﷺ فغضب وقال «إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني. ووضع يده الشريفة بين عينيه الشريفتين فقال الناس لعمار: قد غضب رسول الله ﷺ: أي ونخاف أن ينزل فينا قرآن، فقال: أنا أرضيه، فقال: يا رسول الله ما لي ولأصحابك؟ قال: ما لك ولهم؟ قال: يريدون قتلي فيحملون لبنة لبنة ويحملون عليّ لبنتين لبنتين» أي وفي لفظ «يحملون عليّ اللبنتين والثلاث» أي ولعله حمل ثلاث لبنات في بعض الأوقات «فأخذ بيده وطاف به المسجد، وجعل يمسح ذفرته من التراب» والذفرة بالذال المعجمة: الشعر الذي جهة القفا، ويقول يا بن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية، ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة» أي إلى سببها، وهو اتباع الإمام الحق، لأنه كان يدعو إلى اتباع عليّ وطاعته وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك «ويدعونه إلى النار» أي إلى سببها، وهو عدم اتباع عليّ وطاعته واتباع معاوية وطاعته.

لأنه كان يدعو إلى اتباع عليّ وطاعته وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك «ويدعونه إلى النار» أي إلى سببها، وهو عدم اتباع عليّ وطاعته واتباع معاوية وطاعته. وفيه أن تلك الفئة التي كان فيها قاتلة كان فيها جمع من الصحابة وهم معذورون بالتأويل الذي ظهر لهم، إلا أن يقال: يدعونه إلى النار باعتبار اعتقاده، وإطلاق البغي عليهم حينئذ باعتبار ذلك، قال بعضهم: وفئة معاوية وإن كانت باغية لكنه بغي لا فسق فيه، لأنه إنما صدر عن تأويل يعذر به أصحابه انتهى، أي وما زاده بعضهم في الحديث: «لا أنا لهم الله شفاعتي يوم القيامة» قال ابن كثير: من روى هذا فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ فإنه لم يقلها، إذ لم تنقل عمن يقبل. وقال الإمام أبو العباس بن تيمية: وهذا كذب مزيد في الحديث، لم يروه أحد من أهل العلم، بإسناد معروف وكذلك قوله ﷺ «عمار جلدة ما بين عينيّ» لا يعرف له إسناد. والذي في الصحيح «تقتل عمارا الفئة الباغية» وعن أبي العالية، سمعت

رسول الله ﷺ يقول «قاتل عمار في النار» ومن العجب أن أبا العالية هذا هو القاتل لعمار يوم صفين، فكان أبو العالية مع معاوية، وكان عمار مع عليّ، أي ويقول: إن عمارا لما برز للقتال قال: اللهم لو أعلم رضاك عني أن أوقد نارا فأرمي نفسي فيها لفعلت، أو أغرق نفسي لفعلت، وإني لا أريد قتال هؤلاء إلا لوجهك الكريم، وأنا أرجو أن لا تخيا بني وجعلت يده ترتعش على الحربة، أي لأن عمره يومئذ كان ثلاثا وسبعين سنة، أي وقد كان جيء به بلبن فضحك، فقيل له: ما يضحكك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ «آخر شراب تشربه حين تموت لبن» وفي رواية «آخر زادك من الدنيا مشيج من اللبن» ثم نادى: اليوم زخرفت الجنان، وزينت الحور الحسان، اليوم نلقى الأحبة، محمدا وحزبه. ولما قتل عمار دخل عمرو بن العاص على معاوية فزعا وقال: قتل عمار، فقال معاوية قتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول «تقتل عمارا الفئة الباغية» فقال له معاوية: دحضت، أي زلقت في بولك، أنحن قتلناه، إنما قتله من أخرجه، وفي رواية قال له: اسكت، فوالله ما تزال تدحض، أي تزلق في بولك، إنما قتله عليّ وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بيننا.

ولك، أنحن قتلناه، إنما قتله من أخرجه، وفي رواية قال له: اسكت، فوالله ما تزال تدحض، أي تزلق في بولك، إنما قتله عليّ وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بيننا. وذكر أن عليا رضي الله تعالى عنه لما احتج على معاوية رضي الله تعالى عنه بهذا الحديث ولم يسع معاوية إنكاره، قال إنما قتله من أخرجه من داره يعني بذلك عليا، فقال علي رضي الله تعالى عنه فرسول الله ﷺ إذن قتل حمزة حين أخرجه. ولما قتل عمار، جرد خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه سيفه وقاتل مع علي وكان قبل ذلك اعتزل عن الفريقين، وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتل عمارا الفئة الباغية» فقاتل معاوية حتى قتل. وكان ذو الكلاع رضي الله تعالى عنه مع معاوية، وقال له يوما ولعمرو بن العاص: كيف نقاتل عليا وعمار بن ياسر، فقالا له: إن عمارا يعود إلينا ويقتل معنا فقتل ذو الكلاع قبل قتل عمار. ولما قتل عمار قال معاوية: لو كان ذو الكلاع حيا لمال بنصف الناس إلى علي أي لأن ذا الكلاع كان ذووه أربعة آلاف أهل بيت، وقيل عشرة آلاف. وكان عبد الله بن بديل بن ورقاء رضي الله تعالى عنه مع علي رضي الله تعالى عنه، فلما قتل عمار أخذ سيفين ولبس درعين، ولم يزل يضرب بسيفيه حتى انتهى إلى معاوية، فأزاله عن موقفه، وأزال أصحابه الذين كانوا معه عن موقفهم. ثم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ثم قال: ألا إن معاوية ادعى ما ليس له ونازع الأمر أهله. ومن ليس قبله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق؛ وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، وزين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وأنتم والله على الحق، على نور من ربكم وبرهان مبين، فقاتلوا

الطغاة الجناة؛ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، قاتلوا الفئة الباغية الذين نازعوا الأمر أهله، قوموا رحمكم الله. ولما قتل عمار ندم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما على عدم نصرة عليّ والمقاتلة معه، وقال عند موته: ما أسفي على شيء ما أسفي على ترك قتال الباغية، قال بعضهم: شهدنا صفين مع علي بن أبي طالب في ثمانمائة من أهل بيعة الرضوان، وقتل منهم ثلاثة وستون منهم عمار بن ياسر، وكان خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين كان مع علي يوم صفين كافا سلاحه حتى قتل عمار جرد سيفه وقاتل حتى قتل، لأنه كان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «عمار تقتله الفئة الباغية» . وفي الحديث «من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، مما يزول مع الحق حيث يزول، عمار خلط الإيمان بلحمه ودمه، عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما» . وجاء «أن عمارا دخل على النبي ﷺ فقال: مرحبا بالطيب المطيب إن عمار بن ياسر حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانا» وفي رواية «إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» . وتخاصم عمار مع خالد بن الوليد في سرية كان فيها خالدا أميرا، فلما جاآ إليه ﷺ استبا عنده، فقال خالد: يا رسول الله أيسرك أن هذا العبد الأجدع يشتمني، فقال رسول الله ﷺ: يا خالد لا تسب عمارا؛ فإن من سب عمارا فقد سب الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله، ثم إن عمارا قام مغضبا، فقام خالد فتبعه حتى أخذ بثوبه واعتذر إليه، فرضي عنه.

سب عمارا فقد سب الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله، ثم إن عمارا قام مغضبا، فقام خالد فتبعه حتى أخذ بثوبه واعتذر إليه، فرضي عنه. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه؛ أن رسول الله ﷺ قال «الحق مع عمار ما لم يغلب عليه دلهة الكبر» وهذا الحديث من أعلام النبوّة، فإن عمارا وقع بينه وبين عثمان بن عفان بعض الشحناء، وأشيع عنه أنه يريد أن يخلع عثمان، فاستدعاه سعد بن أبي وقاص وكان مريضا، فقال له: ويحك يا أبا اليقظان، كنت فينا من أهل الخير، فما الذي بلغني عنك، من السعي في الفساد بين المسلمين، والتألب على أمير المؤمنين، أمعك عقلك أم لا؟ فغضب عمار ونزع عمامته وقال: خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه، فقال سعد: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويحك حين كبر سنك ورق عظمك ونفد عمرك، خلعت ربقة الإسلام من عنقك، وخرجت من الدين عريانا كما ولدتك أمك، فقام عمار مغضبا موليا وهو يقول: أعوذ بربي من فتنة سعد، وعند ذلك روى سعد الحديث وقال: قد دله وخرف عمار، وأظهر عمار القوم على ذلك.

قال: وجعلت قبلة المسجد إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، باب في مؤخره والباب الذي كان يقال له باب عاتكة، وكان يقال له باب الرحمة، والباب الذي يقال له الآن باب جبريل. انتهى، أي وهو الباب الذي كان يدخل منه ﷺ ويقال له باب عثمان، لأنه كان يلي دار عثمان، وهو الذي يخرج منه الآن إلى البقيع. أقول: وجعل قبلته إلى بيت المقدس كان قبل أن تحول القبلة، ولما حولت قبلته إلى الكعبة وهذا محمل قوله ﷺ «ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى رفعت لي الكعبة فوضعتها أتيممها أو أؤمها» أي أقصدها. وفي رواية «ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى فرج لي ما بيني وبين الكعبة» والله أعلم. أي وفي كلام بعضهم: ومن الفوائد الحسنة ما ذكره مغلطاي، أن موضع المسجد كان ابتاعه تبع لرسول الله ﷺ قبل مبعثه بألف سنة، وإنه لم يزل على ملكه: أي متعلقا به من ذلك العهد على ما دل عليه كتاب تبع. أقول: سيأتي أن تبعا بنى للنبي ﷺ دارا بالمدينة إذا قدمها ينزل في تلك الدار، وأنه يقال: إنها دار أبي أيوب.

لقا به من ذلك العهد على ما دل عليه كتاب تبع. أقول: سيأتي أن تبعا بنى للنبي ﷺ دارا بالمدينة إذا قدمها ينزل في تلك الدار، وأنه يقال: إنها دار أبي أيوب. وقد يجمع بأنه يجوز أن يكون ذلك المربد ودار أبي أيوب مجموعها تلك الدار، وأن تلك الدار قسمت فكان دار أبي أيوب بعضها وذلك المربد بعضها الآخر؛ وأن الأيدي تداولت سكنى تلك الدار إلى أن صارت سكنا لأبي أيوب، وهذا هو المراد بقول المواهب: تداولت الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب. لكن قد يقال: لو كانت الدار مذكورة في الكتاب لذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فإن الكتاب كما سيأتي وصل إليه في مكة في أول البعثة ونزوله دار أبي أيوب، وأخذه المربد على الكيفية المذكورة يبعد ذلك، أي أنه ذكر له أمر تلك الدار، والله أعلم. قال «ومكث ﷺ يصلي في المسجد بعد تمامه إلى بيت المقدس خمسة أشهر، ولما حولت القبلة سد ﷺ الباب الذي كان في مؤخر المسجد» . وفي كلام بعضهم: لما حولت القبلة لم يبق من الأبواب التي كان يدخل منها ﷺ إلا الباب الذي يقال له باب جبريل ﵇، أي فإنه بقي في محله وأما باب الرحمة الذي كان يقال له أيضا باب عاتكة فأخر عن محله. وسبب وضع الحصا في المسجد أن المطر جاء ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يأتي بالحصا في ثوبه فيبسطه تحته ليصلي عليه، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: «ما أحسن هذا» وفي رواية «ما أحسن هذا البساط» .

وقد يعارض هذا ما قيل «إن رسول الله ﷺ أمر أن يحصب المسجد» فمات قبل ذلك فحصبه عمر رضي الله تعالى عنه. أقول: قد يقال لا معارضة، لأنه يجوز أن يكون ﷺ لما أعجبه ذلك من فعل بعض الصحابة أمره أن يحصب جميع المسجد، لأن الواقع تحصيب بعضه، لكن يشكل على ذلك قول بعضهم من البدع فرش المساجد، إلا أن يراد بالحصر ونحوها لأنه لم يكن زمنه ﷺ ولا أمر به، ثم رأيت بعضهم ذكر ذلك حيث قال: أول من فرش الحصر في المساجد عمر بن الخطاب، وكانت قبل ذلك مفروشة بالحصباء أي في زمنه ﷺ كما تقدم. وفي الإحياء: أكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذ من عزيز المعروف في زماننا فرش المساجد بالبسط الرقيقة فيها، وقد كان يعدّ فرش البواري في المسجد بدعة؛ كانوا لا يرون أن يكون بينهم وبين الأرض حائل، هذا كلام الإحياء: أي والحصباء لا تعد حائلا، وسيأتي أن المسجد بني بعد فتح خيبر، وهي التي عناها خارجة رضي الله تعالى عنه بقوله «ما كثر الناس قالوا: يا رسول الله لو زيد فيه، ففعل» ولعلها هي التي أدخل فيها الأرض التي اشتراها عثمان رضي الله تعالى عنه من بعض الأنصار بعشرة آلاف درهم، ثم جاء عثمان إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله أتشتري مني البقعة التي اشتريتها من الأنصار أي التي كانت مجاورة للمسجد «فاشتراها منه ببيت في الجنة» . أي وفي رواية: أن عثمان رضي الله تعالى عنه لما حصر، أي الحصرة الثانية وأشرف على الناس من فوق سطح داره، وقد اشتد به العطش، قال: أهاهنا عليّ؟

ي الجنة» . أي وفي رواية: أن عثمان رضي الله تعالى عنه لما حصر، أي الحصرة الثانية وأشرف على الناس من فوق سطح داره، وقد اشتد به العطش، قال: أهاهنا عليّ؟ قالوا لا، قال: أهاهنا طلحة؟ قالوا لا، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال «من يبتاع مربد بني فلان» أي لمربد كان مجاورا للمسجد «غفر الله له» فابتعته بعشرين ألفا أو بخمسة وعشرين ألفا شك عثمان، وتقدم أنه اشتراها بعشرة آلاف درهم فليتأمل «فأتيت النبي ﷺ فقلت: قد ابتعته، فقال اجعله مسجدنا وأجره لك، قالوا: اللهم نعم، قد كان ذلك» وفي لفظ، أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ من يشتري بقعة ابن فلان لبقعة كانت إلى جنب المسجد؟ فقال ﷺ: من يشتريها ويوسعها في المسجد له مثلها» وفي لفظ «خير له منها في الجنة» فاشتريتها ووسعتها في المسجد فأنتم الآن تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين، أي وزاد فيه عثمان رضي الله تعالى عنه بعد ذلك زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج كما في البخاري، وعدد عثمان رضي الله تعالى عنه أشياء منها أنه قال «أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها

وسقفه بالساج كما في البخاري، وعدد عثمان رضي الله تعالى عنه أشياء منها أنه قال «أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها

ماء يستعذب غير بئر رومة، ولم يكن يشرب منها أحد إلا بالثمن، فقال رسول الله ﷺ: من يشتري بئر رومة، ولم يكن يشرب منها أحد إلا بالثمن، فقال رسول الله ﷺ: من يشتري بئر رومة يجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين» في لفظ: «ليكون دلوه فيها كدلاء المسلمين بخير له منها في الجنة» وفي لفظ له «بها مشرب في الجنة» فاشتريتها من صلب مالي فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها، بل وتمنعوني الماء: ألا أحد يسقينا فإني أفطر على الماء الملح وفي رواية: هل فيكم من يبلغ عليا عطشنا فأبلغوه، فلما بلغ ذلك عليا أرسل إليه بثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية أي وكانت هذه البئر ركية ليهودي يقال له رومة، يقال إنه أسلم، وكان يبيع المسلمين ماءها، كانت بالعقيق، وتفل فيها ﷺ فعذب ماؤها: ولما قال رسول الله ﷺ «من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين، يضرب بدلوه في دلائهم وله بها مشرب في الجنة» فساومه فيها عثمان فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى نصفها باثني عشر ألف درهم، وجعل ذلك للمسلمين، وجعل له يوما ولليهودي يوما، فإذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى اليهودي ذلك قال لعثمان: أفسدت عليّ زكيتي، فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف، وقيل جملة ما اشتراها به خمسة وثلاثون ألف درهم. وقول عثمان جعلتها للغني والفقير وابن السبيل، دليل على أن قوله دلوي فيها كدلاء المسلمين على أنه لم يشترط ذلك بل قصد به التعميم في الموقوف عليه. ولا دليل فيه على جواز أن للواقف أن يشترط له الانتفاع بما وقفه كما زعمه بعضهم.

كدلاء المسلمين على أنه لم يشترط ذلك بل قصد به التعميم في الموقوف عليه. ولا دليل فيه على جواز أن للواقف أن يشترط له الانتفاع بما وقفه كما زعمه بعضهم. وكان حصار عثمان رضي الله تعالى عنه شهرين وعشرين يوما. وفي كلام سبط ابن الجوزي: كان الحصار الأول عشرين يوما، والثاني أربعين يوما، وفي يوم من تلك الأيام قال: وددت لو أن رجلا صادقا أخبرني عن أمري هذا: أي من أين أوتيت؟ فقام رجل من الأنصار، فقال أنا أخبرك يا أمير المؤمنين، إنك تطأطأت لهم فركبوك وما جرأهم على ظلمك إلا إفراط حلمك، فقال له: صدقت، اجلس. وأول من دخل عليه الدار محمد بن أبي بكر، تسور عليه هو وجماعة من الحائط من دار عمرو بن حزم فأخذ بلحيته، فقال له: دعها يا بن أخي، فوالله لقد كان أبوك يكرمها فاستحى وخرج. وفي رواية: لما أخذ بلحيته هزها وقال له ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن أبي سرح، فقال له: يا بن أخي أرسل لحيتي، فوالله إنك لتجر لحية كانت تعز على أبيك، وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني، فتركه وخرج، ويقال إنه قال له: ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك، فقال عثمان: أستنصر بالله عليك وأستعين به، ثم طعن جبينه بمشقص كان في يده، ثم

ضربه بعض هؤلاء بالسيف فأتته نائلة زوج عثمان فقطع أصابع يدها الخمس. وعن ابن الماجشون، عن مالك أن عثمان بعد قتله ألقي على المزبلة ثلاثة أيام، وقيل أغلق عليه بابه بعد قتله ثلاثة أيام لا يستطيع أحد أن يدفنه، فلما كان الليل أتاه اثنا عشر رجلا منهم حويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير، وقيل ﷺ أربعة، وإن ابن الزبير لم يشهد قتل عثمان فاحتملوه، فلما اجتازوا به للمقبرة منعوهم وقالوا: والله لا يدفن في مقابر المسلمين فدفنوه بمحل كان الناس يتوقون أن يدفنوا موتاهم به، فكان يمر به ويقول: سيدفن هنا رجل صالح فيتأسى به الناس في دفن موتاهم به وكان ذلك المحل بستانا فاشتراه عثمان وزاده في البقيع، فكان هو أول من قبر فيه، وحملوه على باب وإن رأسه ليقرع الباب لإسراعهم به من شدة الخوف، ولما دفنوه عفّوا قبره خوفا عليه أن ينبش. وأما غلاماه اللذان قتلا معه فجروهما برجليهما وألقوهما على التلال فأكلتهما الكلاب. وسبب هذه الفتنة أنهم نقموا عليه أمورا: منها عزلة لأكابر الصحابة ممن ولاه رسول الله ﷺ، ومنهم من أوصى عمر رضي الله تعالى عنه بأن يبقى على ولايته، وهو أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه من البصرة، فإن عمر رضي الله تعالى عنه أوصى بأن يبقى على ولايته، فعزله عثمان وولى ابن خاله عبد الله بن عامر محله، وعزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها ابن أبي سرح وعزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة، وعزل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عنها أيضا وأشخصه إلى المدينة، وعزل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه عن الكوفة وولى أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي سماه الله تعالى فاسقا بقوله تعالى أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً [السّجدة: الآية ١٨] وصار الناس يقولون بئس ما فعل عثمان، عزل اللين الهين الورع المستجاب الدعوة، وولى أخاه الخائن الفاسق المدمن للخمر، ولعل مستندهم في ذلك ما رواه الحاكم في صحيحه «من ولى رجلا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» .

Bagian 27 dari 62