— Bagian 30 · الشهادة به العارفون به. أو نور الإله الذي هو الن… —
Bagian 30
الشهادة به العارفون به. أو نور الإله الذي هو النبوة تذهبه الألسن؟ لا يكون ذلك، وكيف يكون ذلك وهو الذي يستضاء به في الظاهر والباطن، كيف يوصل الإله قلوبا للحق وملؤها البغضاء لحبيبه ﷺ؟. أقول: وقيل في سبب نزول سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] أن وفد نجران لما نطقوا بالتثليث، قال لهم المسلمون: من خلقكم؟ قالوا الله، قالوا لهم: فلم عبدتم غيره وجعلتم معه إلهين؟ فقالوا: بل هو إله واحد؛ لكنه حل في جسد المسيح، إذا كان في بطن أمه، فقالوا لهم: هل كان المسيح يأكل الطعام؟ قالوا: كان يأكل الطعام، فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) تكذيبا لهم في أنه ثالث ثلاثة، والصمد: هو الذي لا جوف له، فهو غير محتاج إلى الطعام. وقيل سبب نزولها أن قريشا هم الذين قالوا له انسب لنا ربك يا محمد؛ وتقدم ما فيه والله أعلم. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: الآية ٤٠] قال الله تعالى للأحبار من اليهود وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [البقرة: الآية ٤٠] الذي أخذته في أعناقكم للنبي ﷺ إذ جاءكم بتصديقه واتباعه أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: الآية ٤٠] أنجز لكم ما وعدتم عليه؛ بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: الآية ٤١] وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: الآية ٤٢] أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي، وبما جاء به وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. قال بعضهم: ولم يسلم من رؤساء علماء اليهود إلا عبد الله بن سلام وضم إليه السهيلي عبد الله بن صوريا، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف لعبد الله بن صوريا على إسلام من طريق صحيح، وإنما نسب لتفسير النقاش؛ أي ويضم لعبد الله بن سلام ميمون المتقدم ذكره.
ن صوريا، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف لعبد الله بن صوريا على إسلام من طريق صحيح، وإنما نسب لتفسير النقاش؛ أي ويضم لعبد الله بن سلام ميمون المتقدم ذكره. وروي في سبب إسلام عبد الله بن سلام: أي إظهار إسلامه على ما تقدم أنه لما بلغه مقدم النبي ﷺ أتاه في قباء، فعنه رضي الله تعالى عنه «جاء رجل حتى أخبر بقدومه ﷺ وأنا في رأس نخلة أعمل فيها وعمتي تحتي جالسة، فلما سمعت بقدوم رسول الله ﷺ كبرت، فقالت لي عمتي: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، فقلت لها: أي عمة، فو الله هو أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به. قالت يا بن أخي أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع بعث الساعة وفي لفظ «مع نفس الساعة، فقلت لها نعم» . أي وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «بعثت بين يدي الساعة
بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري» وجاء أنه ﷺ قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين وقال بأصبعيه هكذا يعني السبابة والوسطى» أي جمع بينهما. وفي رواية «بعثت في نفس الساعة سبقتها كما سبقت هذه هذه» وفي رواية «سبقتها بما سبقت هذه هذه وأشار بأصبعيه الوسطى والسبابة» قال الطبري الوسطى تزيد على السبابة نصف سبع أصبع، كما أن نصف يوم من سبعة أيام نصف سبع، أي وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الدنيا سبعة أيام، كل يوم ألف سنة، وبعث رسول الله ﷺ في آخر يوم منها، وتقدم في حديث أخرجه أبو داود «لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم» يعني خمسمائة سنة قال بعضهم: فإن قيل ما وجه الجمع بين هذا وبين قوله ﷺ لما سئل عن الساعة «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» لدلالة الرواية الأولى على علمه بها.
سمائة سنة قال بعضهم: فإن قيل ما وجه الجمع بين هذا وبين قوله ﷺ لما سئل عن الساعة «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» لدلالة الرواية الأولى على علمه بها. أجيب بأن القرآن نطق بأن علمها عند الله لا يعلمها إلا هو. ومعنى قوله «بعثت أنا والساعة كهاتين» أنه ليس بيني وبينها نبي آخر يأتي بشريعة ولا يتراخى إلى أن تندرس شريعتي، فهو ﷺ أول أشراطها لأنه نبي آخر الزمان، وهذا لا يقتضي أن يكون عالما بخصوص وقتها. قال ابن سلام: وكنت عرفت صفته واسمه: أي في التوراة. زاد في رواية «فكنت مسرّا لذلك ساكتا عليه حتى قدم المدينة فجئته ﷺ، فقلت: يا محمد إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال النبي ﷺ: أخبرني بهن جبريل آنفا، فقال ابن سلام: ذلك يعني جبريل عدو اليهود من الملائكة» . وقيل قائل ذلك عبد الله بن صوريا، ولا مانع من أن يكون قال ذلك كل منهما: أي وعن ابن صوريا أنه قال له ﷺ: «من ينزل عليك بالوحي؟ قال جبريل، قال: ذلك عدّونا لو كان غيره» وفي لفظ «لو كان ميكائيل لآمنا بك لأن جبريل ينزل بالخسف والحرب والهلاك، وميكائيل، ينزل بالخصب والسلم» . وسبب العداوة أنهم زعموا أنه أمر أن يجعل النبوة فيهم: أي يجعل النبي المنتظر في بني إسرائيل الذين هم أولاد إسحاق فجعلها في غيرهم: أي في ولد إسماعيل. وقيل سبب عداوتهم لجبريل أنه أنزل على نبيهم أن بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثوا من يقتله من أعظم بني إسرائيل قوة، فأراد قتله فمنعه عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بإهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، فصدقه ورجع عنه. أي فإن بني إسرائيل لما اعتدوا وقتلوا شعياء جاء بختنصر ملك فارس وحاصر
بيت المقدس وفتحها عنوة وأحرق التوراة وخرب بيت المقدس. وقيل في سبب العداوة كونه يطلع النبي ﷺ على سرهم، ولا مانع من أن يكون كل ذلك سببا للعداوة. ثم قال ﷺ: «أما أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت» أي وهي القطعة المنفردة المعلقة بالكبد. قال بعضهم: وهي في الطعم في غاية اللذة. ويقال إنها أهنأ طعام وأمرؤه. وروي «أن الثور ينطح الحوت بقرنه فيموت فتأكل منه أهل الجنة، ثم يحيا فينحر الثور بذنبه فتأكله أهل الجنة، ثم يحيا، قال: وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها» أي لكن في فتح الباري عن عائشة رضي الله تعالى عنها «إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله» والمراد بالعلو السبق. وعن ثوبان «إذ علا منيّ الرجل منيّ المرأة جاء الولد ذكرا، وإن علا منيّ المرأة منيّ الرجل جاء أنثى» والعلو فيه على بابه هذا كلامه، أي وإذا استوى الماآن جاء خنثى وفي رواية «قالوا له ﷺ: أين تكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ ومن أول الناس إجازة وما تحفتهم» أي الناس حين يدخلون الجنة «وما غذاؤهم على أثره، وما شرابهم عليه؟ فأجابهم ﵊ بأنهم يكونون في ظلمة دون الجسر» ولعل المراد بالجسر الصراط، لكن في رواية مسلم «أين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط» ثم رأيت عن البيهقي أن قوله: على الصراط مجاز لكونهم بمجاورته. ونقل القرطبي على صاحب الإفصاح أن الأرض والسماء يتبدلان مرتين. المرأة الأولى: تتبدل صفتها فقط، وذلك قبل نفخة الصعق فتناثر كواكبها، وتخسف الشمس والقمر وتتناثر السماء كالمهل، وتنكشط الأرض، وتسير الجبال. والمرة الثانية: تتبدل ذاتهما، وذلك إذا وقفوا في المحشر، فتتبدل الأرض بأرض من فضة لم يقع عليها معصية وهي الساهرة: أي والسماء تكون من ذهب كما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفأها الخباز كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة، فيأكل المؤمن من تحت رجليه، ويشرب من الحوض» .
الخدري: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفأها الخباز كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة، فيأكل المؤمن من تحت رجليه، ويشرب من الحوض» . قال الحافظ ابن حجر: ويستفاد منه أن المؤمنين لا يعذبون بالجوع في طول زمان الموقف، بل يقلب الله بقدرته طبع الأرض خبزا حتى يأكلون منها من تحت
أقدامهم ما شاء الله من غير علاج ولا كلفة. قال: ويؤيد أن هذا مراد الحديث ما جاء «تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب» هذا كلامه، فليتأمل ما مع قبله من أن الأرض تبدل بأرض من فضة، وأن هذا يدل على أن تلك الأرض التي تكون خبزة تكون في موقف الحساب. وما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه يدل على أنها تكون بعد مجاوزتهم الصراط «وأول الناس إجازة فقراء المهاجرين، وتحفة أهل الجنة حين يدخلونها زيادة كبد النون» أي الحوت «وغذاؤهم ينحر لهم ثور الجنة التي يأكل من أطرافها، وشرابهم من عين تسمى سلسبيلا. وسألوه ﷺ فقالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ فقال ﵊: تنام عيناه ولا ينام قلبه. وسألوه أي طعام حرم إسرائيل على نفسه قبل أن تنزل التوراة؟ قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا وطال سقمه، فنذر لله لئن شفاه الله تعالى من سقمه ليحرمنّ أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، فكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟ قالوا: اللهم نعم» أي حرمهما ردعا لنفسه ومنعا لها عن شهواتها. وقيل لأنه كان به عرق النسا وكان إذا طعم ذلك هاج به. وذكر أن سبب نزول قوله تعالى كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ [آل عمران: الآية ٩٣] قول اليهود له ﷺ «كيف تقول إنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وتشرب ألبانها وكان ذلك محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا أي علمه في التوراة، فنحن أولى الناس بإبراهيم منك ومن غيرك، فأنزل الله تعالى الآية تكذيبا لهم أي بأن هذا إنما حرمه يعقوب على نفسه، ومن ثم جاء فيها فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: الآية ٩٣] .
لآية تكذيبا لهم أي بأن هذا إنما حرمه يعقوب على نفسه، ومن ثم جاء فيها فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: الآية ٩٣] . وكانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها أي وفي كلام الواحدي قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت كفعل المجوس هذا كلامه «فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك» أي قال له بعض الأعراب «يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلك الحيض فأنزل الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً [البقرة: الآية ٢٢٢] الآية فقال لهم رسول الله ﷺ: اصنعوا كل شيء إلا النكاح» أي الوطء وما في معناه، وهو مباشرة ما بين السرة والركبة، أي فإن الآية لم تنص إلا على عدم قربانهن بالوطء في الحيض. ومن ثم جاء في رواية «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم
باخراجهن من البيوت، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر إلى رسول الله ﷺ، وقالا إن اليهود قالت كذا فهلا نجامعهن؟ أي نوافقهن، فتغير وجه رسول الله ﷺ» أي وعند ذلك قال بعض الصحابة «فظننا أنه قد وجد أي غضب عليهما فلما خرجا استقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في أثرهما فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجد عليهما» . وذكر المفسرون أن في منع الوطء للحائض اقتصادا من إفراط اليهود وتفريط النصارى، فإنهم لا يمتنعون من وطء الحيض، أي وذكر أن ابن سلام وغيره ممن أسلم من يهود استمروا على تعظيم السبت وكراهة أكل لحم الإبل وشرب ألبانها، فأنكر ذلك عليهم المسلمون فقالوا: إن التوراة كتاب الله فنعمل به أيضا، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: الآية ٢٠٨] : أي وفي رواية «قالوا له ما هذا السواد الذي في القمر؟ فأجابهم ﷺ عن ذلك بأنهما كانا شمسين أي شمس في الليل وشمس في النهار، قال الله تعالى فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الإسراء: الآية ١٢] فالسواد الذي يرى هو المحو» أي أثره. قال بعضهم في قوله تعالى وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: الآية ٣٧] أن الليل ذكر والنهار أنثى، فالليل كآدم والنهار كحواء. وقد ذكر أن الليل من الجنة والنهار من النار، ومن ثم كان الأنس بالليل أكثر وجاء «أنه ﷺ قال لرجل من علماء اليهود: أتشهد أني رسول الله؟ قال لا، قال أتقرأ التوراة؟ قال نعم، قال: والإنجيل؟ قال نعم، فناشده هل تجدني في التوراة والإنجيل؟ قال: نجد مثلك ومثل مخرجك ومثل هيئتك، فلما خرجت خفنا أن تكون أنت، فنظرنا فإذا أنت لست هو، قال: ولم ذاك؟ قال: معه من أمته سبعون ألفا ليس عليهم حساب ولا عذاب، وإنما معك نفر يسير، قال: والذي نفسي بيده لأنا هو وإنهم لأكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا» وقد سأله ﷺ اليهود عن الرعد أي والبرق فقال «صوت ملك موكل بالسحاب يسوقه أي بمخراق من نار في يده يزجر به السحاب إلى حيث أمره الله تعالى» .
وسبعين ألفا» وقد سأله ﷺ اليهود عن الرعد أي والبرق فقال «صوت ملك موكل بالسحاب يسوقه أي بمخراق من نار في يده يزجر به السحاب إلى حيث أمره الله تعالى» . وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال «البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة يزجرون به السحاب» والمخراق المنديل يلف ليضرب به، أي وحينئذ فالمراد بالملك الجنس. وفي رواية «إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك، ومنطقها الرعد، وضحكها البرق» . وفي بعض الآثار «لله ملائكة يقال لهم الحيات، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق» أي وتحريكهم لأجنحتهم يكون غالبا عند الرعد، لأن الغالب وجود البرق عند الرعد.
وعن بعضهم قال: بلغني أن البرق ملك له أربعة وجوه، وجه إنسان، ووجه ثور ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه، أي حركه فذلك البرق، أي وتحريكه غالبا يكون عند وجود الرعد. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «البرق ملك يتراءى» أي يظهر ويغيب وفي رواية «الرعد ملك يزجر السحاب، والبرق طرف ملك» أي ينظر به عند وجود الرعد غالبا. وفي رواية «إن ملكا موكل بالسحاب في يده مخراق، فإذا رفع برقت، وإذا زجر رعدت، وإذا ضربه صعقت» . وعن مجاهد: «الرعد ملك، والبرق أجنحته يسوق بها السحاب» فيكون المسموع صوته أو صوت سوقه، فليتأمل الجمع بين هذه الروايات. وذهب الفلاسفة إلى أن الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب، والبرق ما ينقدح من اصطكاكها، فقد زعموا أن عند اصطكاك أجرام السحاب بعضها ببعض تخرج نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود. وقيل في سبب نزول قوله تعالى ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة: الآية ١٠٦] أن اليهود أنكروا النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافة، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا فنزلت.
قرة: الآية ١٠٦] أن اليهود أنكروا النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافة، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا فنزلت. «وسألوه ﷺ مم يخلق الولد؟ فقال: يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، أما نطفة الرجل فنطفة غليظة أي بيضاء منها العظم والعصب، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة أي صفراء منها اللحم والدم؛ فقالوا: هكذا كان يقول من قبلك أي من الأنبياء» وتقدم في ترجمة سطيح إيراد عيسى ﵊ على ذلك، أي وقالوا إغاظة ﷺ له ما نرى لهذا الرجل همة، إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء؛ فأنزل الله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [الرّعد: الآية ٣٨] . فقد جاء «إنه كان لسليمان ﵊ مائة امرأة وتسعمائة سرية» . «وسألوه ﷺ عن رجل زنى بامرأة بعد إحصانه: أي كان شريفا من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فبعثوا رهطا منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله ﷺ: أي قالوا لهم إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب، فسألوه فأجابهم بالرجم؛ فلم يفعلوا ذلك فقال لجمع من علمائهم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أما تجدون في التوراة على من زنى بعد إحصان الرجم؟ الرجم فأنكروا ذلك، فقال عبد الله بن سلام كذبتم، فإن فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة، فوضع واحد منهم يده على تلك الآية، فقال له ابن سلام ارفع
يدك عنها فرفعها فإذا آية الرجم. أقول: هذا كان في السنة الرابعة، وهو يخالف ما في بعض الروايات «أن بعض أحبار يهود أي وهم كعب بن الأشرف وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق اجتمعوا في بيت المدارس حين قدم رسول الله ﷺ المدينة وقد زنى رجل من يهود بعد إحصانه بامرأة محصنة من اليهود وقالوا: إن أفتانا بالجلد أخذنا به واحتججنا بفتواه عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، وإن أفتانا بالرجم خالفناه، لأنا خالفنا التوراة فلا علينا من مخالفته» . وفي رواية الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا: أي بعد إحصان، فقال لهم رسول الله: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ قالوا: نفضحهما: أي بأن نسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل إدبار الحمار» وفي لفظ «يحملان على الحمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما ويجلدان، أي بحبل من ليف مطلي بقار، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك؛ فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدقت يا محمد، فيها آية الرجم» . وقد جاء «إن موسى ﵊ خطب بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة جلدة، ومن زنى وله امرأة رجمناه حتى يموت» والله أعلم.
ا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة جلدة، ومن زنى وله امرأة رجمناه حتى يموت» والله أعلم. قال «ولما جاؤوا إليه ﷺ قالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة زنيا: أي بعد إحصان فقال لهم: ما تجدون في التوراة؟ فقالوا: دعنا من التوراة، فقل لنا ما عندك فأفتاهم بالرجم فأنكروه، فلم يكلمهم رسول الله ﷺ حتى أتى بيت مدارسهم، فقام على الباب فقال: يا معشر يهود أخرجوا إليّ أعلمكم، فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا وأبا ياسر بن أخطب ووهب بن يهود، فقالوا: هؤلاء علماؤنا، فقال أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى بعد إحصان قالوا: يحم أي يعير ويجتنب، فقال عبد الله بن سلام كذبتم فإن فيها آية الرجم» ، أي وفي رواية «لما سألهم وأجابوه إلا شابا منهم فإنه سكت، فألح عليه ﷺ في النشدة فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، ولكن رأينا أنه إن زنى الشريف جلدناه والوضيع رجمناه كان من الحيف، فاتفقنا على ما نقيمه على الشريف والوضيع وهو ما علمت فعند ذلك قال رسول الله ﷺ: أنا أحكم بما في التوراة» ولعل هذا الشاب ابن صوريا، ففي الكشاف «أنه لما أمرهم ﵊ بالرجم فأبوا
على الشريف والوضيع وهو ما علمت فعند ذلك قال رسول الله ﷺ: أنا أحكم بما في التوراة» ولعل هذا الشاب ابن صوريا، ففي الكشاف «أنه لما أمرهم ﵊ بالرجم فأبوا
أن يأخذوا به، فقال له جبريل ﵇: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا حكما» أي ووصفه له جبريل «فقال ﷺ: هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا نعم؛ وهو أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى في التوراة ورضوا به حكما، فقال له رسول الله ﷺ: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى وفلق البحر، ورفع فوقكم الطور، وأنجاكم، وأغرق فرعون، وظلل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المنّ والسلوى والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ قال: نعم، فوثب عليه سفلة اليهود، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب» ، وفي رواية «قال نعم، والذي ذكرتني به لولا خشيت أن تحرقني التوراة إن كذبتك ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال: إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم، فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى» فليتأمل الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها «ثم سأله رسول الله ﷺ عن أشياء يعرفها من أعلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي» وهذا مما يدل على إسلامه، وتقدم إنكار صحته عن الحافظ ابن حجر، فقال رسول الله ﷺ: ائتوا بالشهود، فجاؤوا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر بهما فرجما عند باب مسجده ﷺ» قال ابن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة، فكان ذلك سببا لنزول قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [المائدة: الآية ٤٤] ولنزول قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: الآية ٤٥] وفي آية أخرى فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمران: الآية ٨٢] وفي أخرى فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: الآية ٤٤] .
ِمُونَ [المائدة: الآية ٤٥] وفي آية أخرى فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمران: الآية ٨٢] وفي أخرى فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: الآية ٤٤] . وعن عمرو بن ميمون قال: رأيت الرجم في الجاهلية في غير نبي آدم، كنت في اليمن في غنم لأهلي، فجاء قرد ومعه قردة فتوسد يدها ونام، فجاء قرد أصغر منه فغمزها فسلت يدها من تحت رأس القرد برفق وذهبت معه، ثم جاءت فاستيقظ القرد فزعا فشمها فصاح فاجتمعت القردة، فجعل يصيح ويومي إليها بيده، فذهبت القردة يمنة ويسرة، فجاؤوا بذلك القرد، فحفروا لهما حفرة فرجموهما. وفي لفظ: رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها يعني القردة ورجمتها معهم. قال في الاستيعاب: وهذا عند جماعة من أهل العلم منكر لإضافة الزنا إلى غير المكلف وإقامة الحدود في البهائم، ولو صح هذا لكانوا من الجن، لأن العبادات في الإنس والجن دون غيرهما، هذا كلامه فليتأمل والله أعلم. وقد ذكر غير واحد أن أحبار يهود غيروا صفته ﷺ التي في التوراة خوفا على
انقطاع نفقتهم، فإنهم كانت على عوامهم لقيامهم بالتوراة، فخافوا أن تؤمن عوامهم فتنقطع عنهم النفقة، أي وكانوا يقولون لمن أسلم: لا تنفقوا مالكم على هؤلاء، يعني المهاجرين فإنا نخشى عليكم الفقر، فأنزل الله تعالى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النّساء: الآية ٣٧] أي من صفة النبي ﷺ التي يجدونها في كتابهم، فقد كان فيه «أكحل عين؛ ربعة جعد الشعر، حسن الوجه، فمحوه وقالوا نجده طويلا، أزرق العين، سبط الشعر، وأخرجوا ذلك إلى اتباعهم، وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج آخر الزمان، وعند ذلك أنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ [البقرة: الآية ١٧٤] الآية. وكان اليهود إذا كلموا النبي ﷺ قالوا راعنا سمعك وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ [النساء: الآية ٤٦] ، ويضحكون فيما بينهم، أي لأن ذلك كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلسان اليهود السب القبيح، فلما سمع المسلمون منهم ذلك ظنوا أن ذلك شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم، فصاروا يقولون ذلك للنبي ﷺ، ففطن سعد بن معاذ لليهود يوما وهم يضحكون. فقال لهم: يا أعداء الله لئن سمعنا من رجل منكم هذا بعد هذا المجلس لأضربن عنقه: فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا [البقرة: الآية ١٠٤] . وفي رواية أن اليهود لما سمعوا الصحابة رضي الله تعالى عنهم تقول له ﷺ إذا ألقى عليهم شيئا: يا رسول الله راعنا: أي انتظرنا وتأن علينا حتى نفهم، وكانت هذه الكلمة عبرانية تتسابب بها اليهود، فلما سمعوا المسلمين يقولون له ﷺ راعنا خاطبوا رسول الله ﷺ براعنا يعنون بها تلك السبة، ومن ثم لما سمع سعد بن معاذ ذلك من اليهود قال لهم: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها فنزلت «وجاءه ﷺ جماعة من اليهود بأطفالهم، فقالوا له: يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟
منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها فنزلت «وجاءه ﷺ جماعة من اليهود بأطفالهم، فقالوا له: يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال لا، فقالوا: والذي يحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار وما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، فأنزل الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [النّساء: الآية ٤٩] الآية. وجاء «أن أحبار يهود منهم ابن صوريا: أي قبل أن يسلم على ما تقدم وشاس بن قيس وكعب بن أسيد اجتمعوا وقالوا نبعث إلى محمد لعلنا نفتنه في دينه، فجاؤوا إليه ﷺ فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم، وإن اتبعناك اتبعك كل اليهود وبيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم فنؤمن بك، فأبى ذلك عليهم فنزل قوله تعالى وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [المائدة: الآية ٤٩] الآية» .
ومن اليهود من دخل في الإسلام تقية من القتل، لما قهرهم الإسلام بظهوره واجتماع قومهم عليه، فكان هواهم مع يهود في السر، أي هم المنافقون. وقد ذكر بعضهم «أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثمائة منهم الجلاس بجيم مضمومة فلام مخففة فألف فسين مهملة ابن سويد بن الصامت قال يوما إن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير، فسمعها عمير بن سعد رضي الله تعالى عنه، وهو ابن زوجة جلاس، أي فإن الجلاس كان زوجا لأم عمير، وكان عمير يتيما في حجره ولا مال له، وكان يكفله ويحسن إليه، فجاء الجلاس ليلة فاستلقى على فراشه فقال: لئن كان ما يقوله محمد حقا فلنحن شر من الحمير. فقال له عمير: يا جلاس إنك لأحب الناس وأحسنهم عندي يدا، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك، ولئن صمتّ عليها: أي سكت عنها ليهلكن عليّ ديني ولأحداهما أيسر علي من الأخرى فمشى إلى رسول ﷺ فذكر له مقالة جلاس، فأرسل رسول الله ﷺ إلى جلاس، فحلف بالله لقد كذب عليّ عمير وما قلت ما قال عمير، فقال عمير: بلى والله لقد قلته فتب إلى الله، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته» .
ﷺ إلى جلاس، فحلف بالله لقد كذب عليّ عمير وما قلت ما قال عمير، فقال عمير: بلى والله لقد قلته فتب إلى الله، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته» . وجاء «أنه ﷺ استحلف الجلاس عند المنبر، فحلف أنه ما قال، واستحلف الراوي عنه فحلف لقد قال وقال: اللهم أنزل على نبيك تكذيب الكاذب وتصديق الصادق، فقال النبي ﷺ آمين، فنزل قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [التّوبة: الآية ٧٤] إلى قوله فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ [التّوبة: الآية ٧٤] فاعترف الجلاس وتاب، وقيل منه ﷺ توبته، وحسنت توبته، ولم ينزع عن خير كان يصنعه مع عمير؛ فكان ذلك مما عرف به حسن توبته، فقال ﷺ لعمير: وقيت أذنك» . ومنهم نبتل بنون مفتوحة فموحدة ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فلام ابن الحارث قال النبي ﷺ «من أحبّ أن فلينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث، كان يجلس إليه ﷺ ثم ينقل حديثه للمنافقين، وهو الذي قال لهم: إنما محمد أذن، من حدثه بشيء صدقه فأنزل الله فيه وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التّوبة: الآية ٦١] الآية» . وجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له «يجلس إليك رجل معك صفته كذا، تقال: أي للحديث الذي تحدث به، كبده أغلظ من كبد الحمار، ينقل حديثك إلى المنافقين فاحذره» . ومنهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول وهو رأس المنافقين، ولاشتهاره بالنفاق لم يعدّ في الصحابة، وكان من أعظم أشراف أهل المدينة، وكانوا قبل مجيئه ﷺ للمدينة
قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم، أي كما تقدم، لأن الأنصار من آل قحطان. ولم يتوج من العرب إلا قحطان، ولم يبق من الخرز إلا خرزة واحدة كانت عند شمعون اليهودي، فلما جاءهم الله تعالى برسوله ﷺ انصرف عنه قومه إلى الإسلام فضغن: أي أضمر العداوة، لأنه رأى أن رسول الله ﷺ قد سلبه ملكا عظيما، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على النفاق، أي وكان له إماء يكرههن على الزنا ليأخذ أجورهن، فأنزل الله تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [النّور: الآية ٣٣] الآية. وقد قيل في سبب نزول قوله تعالى وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [البقرة: الآية ١٤] أي عبد الله بن أبيّ وأصحابه خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله تعالى عنهم. فقال عبد الله بن أبيّ: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فأخذ بيد أبي بكر، فقال: مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله ﷺ في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ. ثم أخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بسيد بني عدي الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ. ثم أخذ بيد عليّ فقال: مرحبا يا بن عمّ رسول الله ﷺ وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله ﷺ، ثم افترقوا فقال له عليّ: اتق الله يا عبد الله ولا تنافق، فإن المنافقين شرّ خليفة الله تعالى، فقال له عبد الله: مهلا يا أبا الحسن، إليّ تقول هذا؟ والله إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم. فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا فنزلت. وقد قال ﷺ «مثل المنافق مثل الشاة العابرة بين الغنمين» أي المترددة بينهما تعبر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة. وفي السنة الأولى من الهجرة أعرس ﷺ بعائشة رضي الله تعالى عنها كذا في الأصل. وفي المواهب أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرا، وقيل بعد سبعة أشهر، وقيل بعد ثمانية أشهر من مقدمه ﷺ.
كذا في الأصل. وفي المواهب أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرا، وقيل بعد سبعة أشهر، وقيل بعد ثمانية أشهر من مقدمه ﷺ. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها «تزوجني رسول الله وبنى بي في شوال فأيّ نساء رسول الله ﷺ كانت أحظى عنده مني» أي فما توهمه بعض الناس من التشاؤم بذلك، لكونه بين العيدين، فتحصل المفارقة بين الزوجين لا عبرة به ولا التفات إليه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «جاء رسول الله ﷺ فدخل بيتنا واجتمع إليه رجال ونساء من الأنصار، فجاءتني أمي وإني لفي أرجوحة بين عذقين» أي نخلتين «فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة» أي شعر «لأني وعكت» أي مرضت «لما قدمنا المدينة» أي أصابتها الحمى.
فعن البراء رضي الله تعالى عنه قال «دخلت مع أبي بكر الصديق على أهله فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها الحمى، فرأيت أباها يقبل خدها ويقول: كيف أنت يا بنية؟ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فتمزق شعري، ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من ماء ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب وإني لأنهج حتى سكن نفسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك، بارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا» أي فقد بني بها نهارا. وفي الصحاح: العامة تقول: بنى بأهله وهو خطأ، وإنما يقال بنى على أهله، قال الحافظ ابن حجر: ولا يغني عن الخطأ كثرة استعمال الفصحاء له: أي كاستعمال عائشة له هنا. وفي الاستيعاب وأقره، عن عائشة رضي الله تعالى عنها «أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ قال: الصداق، فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية ونشا، فبعث بها إلينا وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفي به، ودفن فيه رسول الله ﷺ» وفيه أن سياق ما تقدم وما يأتي يدلّ على أنه إنما دخل بها في بيت أبيها بالسنح.
الله ﷺ في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفي به، ودفن فيه رسول الله ﷺ» وفيه أن سياق ما تقدم وما يأتي يدلّ على أنه إنما دخل بها في بيت أبيها بالسنح. ثم رأيت بعضهم صرح بذلك، فقال «كان دخوله بها ﵊ بالسنح نهارا» وهذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم هذا كلامه. وفي رواية عنها «أتتني أمي وإني لفي أرجوحة مع صواحب لي فصرخت بي، فأتيتها ما أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي حتى وقفت بي على باب الدار وأنا أنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهنّ وأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين» قال بعضهم: دخل رسول الله ﷺ بعائشة ولعبتها معها. أي وعنها رضي الله تعالى عنها أنها كانت تلعب بالبنات أي اللعب عند رسول الله ﷺ، وكانت تأتيها جويريات يلعبن معها بذلك، وربما كان رسول الله ﷺ يسيرهن إليها: أي يطلبهن لها ليلعبن معها. قالت «وقدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو حنين، فهبت ريح فكشفت ناحية من ستر على صفة في البيت عن بنات لي، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت: بناتي، ورأى بينهن فرسا لها جناحان من رقاع، قال: وما هذا الذي أرى وسطهن؟ قلت: فرس. قال: وما هذا الذي عليه؟ قلت جناحان، قال: جناحان! قلت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه» وفيه هلا أمرها بتغيير ذلك.
وأجيب بأن هذا مستثنى من عدم جواز تصوير ذي الروح، وقولها «أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة» وإقراره ﷺ لها على ذلك يدل على صحته. ثم رأيت بعضهم أورد أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة، وقد ذكرت ذلك عند الكلام على إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه في أوائل هذه السيرة. وعنها رضي الله تعالى عنها أيضا أنها قالت: «وما نحرت عليّ جزور ولا ذبحت عليّ شاة، أي عند بنائه بها ﷺ حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنته التي كان يرسلها» وأرسل بها إلى رسول الله ﷺ» أي وفي كلام بعضهم: وروي «أنه ﷺ ما أولم على عائشة رضي الله تعالى عنها بشيء غير أن قدحا من لبن أهدي من بيت سعد بن عبادة، فشرب النبي ﷺ بعضه وشربته عائشة رضي الله تعالى عنها باقيه» . أقول: يجوز أن يكون سعد رضي الله تعالى عنه أرسل بالقدح من اللبن وبالجفنة، وأن بعض الرواة اقتصر على أحدهما. ثم لا يخفى أنه يجوز أن تكون الرواية الأولى واقعة بعد هذه الرواية الثانية، وأنها ذهبت إلى الأرجوحة ثانيا بعد أن أصلح النساء من شأنها، وفعلت بها أمها ما ذكر، وأنه وقع الاقتصار في الرواية الأولى، والله ﷾ أعلم.
لرواية الثانية، وأنها ذهبت إلى الأرجوحة ثانيا بعد أن أصلح النساء من شأنها، وفعلت بها أمها ما ذكر، وأنه وقع الاقتصار في الرواية الأولى، والله ﷾ أعلم.
باب ذكر مغازيه ﷺ ذكر أن مغازيه: أي وهي التي غزا فيها بنفسه كانت سبعا وعشرين، أي وهي: غزوة بواط، ثم غزوة العشيرة، ثم غزوة سفوان، ثم غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة بني سليم، ثم غزوة بني قينقاع، ثم غزوة السويق، ثم غزوة قريرة الكدر ثم غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر ثم غزوة نجران بالحجاز ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوت ذات الرقاع وهي غزوة محارب وبني تغلبة، ثم غزوة بدر الآخرة وهي غزوة بدر الموعد، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة بني المصطلق ويقال لها المريسيع، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة ذي قرد ويقال لها قرد بضمتين. وهي في اللغة: الصوف الرديء، ثم غزوة حنين، ثم غزوة وادي القرى، ثم غزوة عمرة القضاء، ثم غزوة فتح مكة، ثم غزوة حنين والطائف، ثم غزوة تبوك. والتي وقع فيها القتال من تلك الغزوات: أي وقع القتال فيها من أصحابه وهو المراد بقول بعضهم كالأصل التي قاتل فيها رسول الله ﷺ تسع، وهي: غزوة بدر الكبرى وأحد والمريسيع؛ أعني بني المصطلق والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف، أي وبعضهم أسقط فتح مكة. قال النووي ﵀: ولعل مذهبه أنها فتحت صلحا كما قال إمامنا الشافعي وموافقوه، أي فيصح بيع دورها وإجارتها، واستدل لذلك بأنها لو كانت فتحت عنوة لقسمها بين الغانمين، وسيأتي الجمع بأن أسفلها فتح عنوة، أي لوقوع القتال فيه من خالد بن الوليد مع المشركين؛ وأعلاها فتح صلحا لعدم وجود القتال فيه. وفي الهدى: من تأمل الأحاديث الصحيحة وجدها كلها دالة على قول الجمهور إنها فتحت عنوة: أي لوقوع القتال بها. ومما يدل على ذلك أنه ﷺ لم يصالح أهلها عليها، وإلا لم يحتج إلى قوله «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن إلى الخ» وإنما لم يقسمها لأنها دار المناسك، فكل مسلم له فيها حق.
ذلك أنه ﷺ لم يصالح أهلها عليها، وإلا لم يحتج إلى قوله «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن إلى الخ» وإنما لم يقسمها لأنها دار المناسك، فكل مسلم له فيها حق. أقول: هذا واضح في غير دورها، وسيأتي الجواب عن ذلك، وبما قررناه يعلم أن قول المواهب قاتل ﷺ في تسع بنفسه، فيه نظر ظاهر، لأنه ﷺ لم يقاتل بنفسه في شيء من تلك الغزوات إلا في أحد كما سيأتي، وكأنه اغتر في ذلك بقول
بعضهم المتقدم قاتل فيها رسول الله ﷺ، وقد علمت المراد منه والله أعلم. ولا يخفى أنه ﷺ مكث بضع عشرة سنة ينذر بالدعوة بغير قتال، صابرا على شدة أذية العرب بمكة، واليهود بالمدينة له ﷺ ولأصحابه لأمر الله تعالى له بذلك: أي بالإنذار والصبر على الأذى والكف بقوله فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [النساء: الآية ٦٣] وبقوله وَاصْبِرْ [المزمل: الآية ١٠] ووعده بالفتح، أي فكان يأتيه أصحابه بمكة ما بين مضروب ومشجوج فيقول ﷺ لهم «اصبروا، فإني لم أومر بالقتال» لأنهم كانوا بمكة شر ذمة قليلة. ثم لما استقر أمره ﷺ: أي بعد الهجرة وكثرت أتباعه، وشأنهم أن يقدموا محبته على محبة آبائهم وأبنائهم وأزواجهم، وأصرّ المشركون على الكفر والتكذيب أذن الله تعالى لنبيه ﷺ أي ولأصحابه في القتال، أي وذلك في صفر من السنة الثانية من الهجرة، لكن لمن قاتلهم وابتدأهم به بقوله فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: الآية ١٩١] قال بعضهم: ولم يوجبه بقوله تعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ [الحجّ: الآية ٣٩] أي للمؤمنين أن يقاتلوا بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحجّ: الآية ٣٩] أي بسبب أنهم ظلموا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحجّ: الآية ٣٩] ، أي فكان ذلك القتال عوضا من العذاب الذي عوملت به الأمم السالفة لما كذبت رسلهم. وذكر في سبب نزول قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النّساء:
لعذاب الذي عوملت به الأمم السالفة لما كذبت رسلهم. وذكر في سبب نزول قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النّساء: الآية ٧٧] الآية «أن جماعة منهم عبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن الأسود، وقدامة بن مظعون، وسعد بن أبي وقاص، وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا بمكة، فقالوا: يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فأذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم: كفوا أيديكم عنهم، فإني لم أومر بقتالهم. فلما هاجر ﷺ إلى المدينة وأمر بالقتال للمشركين كرهه بعضهم وشق عليه ذلك، فأنزل الله تعالى الآية» . لا يقال: يدل لما تقدم من أنه قاتل ﷺ بنفسه في تلك الغزوات ما جاء عن بعض الصحابة «كنا إذا لقينا كتيبة أو جئنا أول من يضرب النبي ﷺ» لأني أقول لا يبعد أن يكون المراد بالضرب السير في الأرض: أي أول من يسير إلى تلقاء العدو. ويؤيده ما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه «لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله ﷺ، وكان أشد الناس بأسا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه ﷺ» . وفي رواية «كنا إذا حمي البأس والتقى القوم بالقوم اتقينا رسول الله ﷺ، أي كان وقاية لنا من العدوّ» . وقد نقل إجماع المسلمين على أنه لم يرو أحد قط أنه ﷺ انهزم بنفسه في موطن من المواطن، بل ثبتت الأحاديث الصحيحة بإقدامه ﷺ وثباته في جميع المواطن. لا يقال: سيأتي في غزوة بدر عن السيرة الهشامية غير معزوّ لأحد أنه قاتل
بنفسه قتالا شديدا، وكذلك أبو بكر ﵁ وكانا في العريش يجاهدان بالدعاء، فقاتلا بأبدانهما جمعا بين المقامين وأيضا سيأتي في خيبر ما قد يدل على أنه ﷺ قاتل بنفسه. لأنا نقول: سيأتي ما في ذلك مما يدل على أنه ﷺ لم يباشر القتال إلا في أحد كما سيأتي، ولم تقاتل معه الملائكة إلا في بدر وإلا في حنين. قيل وأحد، وسيأتي ما في ذلك، ولم يرم ﷺ بالحصباء في وجوه العدوّ في شيء من الغزوات إلا في هذه الثلاثة على خلاف في الثالثة، أي ولم يجرح أي لم يصبه جراحة في غزوة من الغزوات إلا في أحد، ولم ينصب المنجنيق في غزوة من الغزوات إلا في غزوة الطائف، وفيه أنه نصبه على بعض حصون خيبر، وسيأتي الجمع بينهما، ولم يتحصن بالخندق في غزوة إلا في غزوة الأحزاب. ثم لا يخفى أن الآية المذكورة: أي التي هي أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) [الحجّ: الآية ٣٩] قال بعضهم: هي أول آية نزلت في شأن القتال، ولما نزلت أخبر ﷺ بقوله «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» أي وفي لفظ «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى، قيل: وما حقها؟ قال زنا بعد إحصان وكفر بعد إسلام، أو قتل نفس» . أقول: وظاهر هذا السياق يقتضي أن الآية فيها الأمر له ﷺ بالقتال المذكور. وقد يتوقف في ذلك، ولعله أمر بذلك بغير الآية المذكورة، لأن الآية إنما هي ظاهرة في الإباحة والمباح ليس مأمورا به، وحينئذ يكون قوله في الآية الأخرى وهي فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: الآية ١٩١] للإباحة، لأن صيغة أفعل تأتي لها وإن كان الأصل فيها الوجوب. وعلى أن قوله ﷺ «أمرت» وأن أمره كان بغير هذه الآية يحمل على أن المراد الندب، لأن الأمر مشترك بين الوجوب والندب، فلا ينافي ما تقدم من أنه لم يكن وجب عليه القتال حينئذ والله أعلم.
مره كان بغير هذه الآية يحمل على أن المراد الندب، لأن الأمر مشترك بين الوجوب والندب، فلا ينافي ما تقدم من أنه لم يكن وجب عليه القتال حينئذ والله أعلم. ثم لما رمتهم العرب قاطبة عن قوس، وتعرضوا لقتالهم من كل جانب كانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلا فيه ويقولون ترى نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا الله ﷿؛ أنزل الله ﷿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النّور: الآية ٥٥] ثم أذن في القتال، أي أبيح الابتداء به حتى لمن لم يقاتل أي لكن في غير الأشهر الحرم أي التي هي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، أي بقوله فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التّوبة: الآية
٥] الآية ثم أمر به وجوبا أي بعد فتح مكة في السنة الثانية مطلقا، أي من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التّوبة: الآية ٣٦] أي جميعا في أي زمن. فعلم أن القتال كان قبل الهجرة وبعدها إلى صفر من السنة الثانية محرّما، أي لأنه كان في ذلك مأمورا بالتبليغ، وكان إنذارا بلا قتال، لأنه نهى عنه في نيف وسبعين آية ثم صار مأذونا له فيه أي أبيح قتال من قاتل ثم أبيح قتال من لم يبدأ به في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقا: أي لمن قاتل ومن لم يقاتل في كل زمن؛ أي في الأشهر الحرم وغيرها.
أي أبيح قتال من قاتل ثم أبيح قتال من لم يبدأ به في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقا: أي لمن قاتل ومن لم يقاتل في كل زمن؛ أي في الأشهر الحرم وغيرها. وظاهر كلام الإمام الإسنوي أن القتال في الحالة الثانية كان مأمورا به لا مباحا كالحالة الأولى. وعبارته: لما بعث ﷺ أمر بالتبليغ والإنذار بلا قتال، فقال فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [النساء: الآية ٦٣] وقال وَاصْبِرْ [المزمّل: الآية ١٠] ثم أذن له بعد الهجرة في القتال إن ابتدؤوا فقال فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: الآية ١٩١] ثم أمر بذلك ابتداء ولكن في غير الأشهر الحرم فقال فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التّوبة: الآية ٥] ثم أمر به مطلقا فقال وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التّوبة: الآية ٣٦] هذا كلامه. ولا يخفى أن الإسنوي ممن يرى أن «أمر» للوجوب، وهو يقتضي أن يكون الأمر به في الحالة الثانية للوجوب. والراجح ما علمت أن «أمر» مشترك بين الوجوب والندب، وأنه في الحالة الثانية مباح لا مأمور به. ثم استقر أمر الكفار معه ﷺ بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: القسم الأول محاربون له ﷺ، وهؤلاء المحاربون إذا كانوا ببلادهم يجب قتالهم على الكفاية في كل عام مرة أي يكفي ذلك في إسقاط الحرج كإحياء الكعبة، واستدل لذلك بقوله تعالى فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التّوبة: الآية ١٢٢] أي فهلا نفر. وقيل كان فرض عين، لقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك. ويحتاج إلى الجواب عن ذلك. وقيل كان فرض كفاية في حق الأنصار، وفرض عين في حق المهاجرين. والقسم الثاني أهل عهد وهم المؤمنون من غير عقد الجزية: أي صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوّهم، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم. والقسم الثالث أهل ذمة: أي وهم من عقدت لهم الجزية. وهناك قسم آخر، وهو من دخل في الإسلام تقية من القتل وهم المنافقون كما تقدم. وأمر ﷺ أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، فكان معرضا عنهم إلا فيما يتعلق بشعائر الإسلام الظاهرة كالصلاة فلا يخالف ما رواه الشيخان «لقد
هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» فقد ذكر أئمتنا أن ذلك ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون: أي أصلا بدليل السياق، أي لأن صدر الحديث «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر» أي جماعتهما «ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت الخ» . وفي الخصائص الصغرى: وكان الجهاد في عهده ﷺ فرض عين في أحد الوجهين عندنا، وكان إذا غزا بنفسه ﷺ يجب على كل أحد الخروج معه، لقوله تعالى ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التّوبة: الآية ١٢٠] ومن ثم وقع لمن تخلف عنه في غزوة تبوك ما وقع. وأما بعده ﷺ فللكفار حالان مذكوران في كتب الفقه. وعند الإذن له ﷺ في القتال خرج لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة: أي مكث بالمدينة باقي الشهر الذي قدم فيه وهو شهر ربيع الأوّل وباقي ذلك العام كله إلى صفر من السنة الثانية من الهجرة. «فخرج ﷺ غازيا حتى بلغ ودّان» بفتح الواو وتشديد الدال المهملة آخره نون: وهي قرية كبيرة، بينها وبين الأبواء ستة أميال أو ثمانية. والأبواء بالمد: قرية كبيرة بين مكة والمدينة كما تقدم؛ سميت بذلك لتبوؤ السيول بها. وقيل لما كان فيها من الوباء فيكون على القلب، وإلا لقيل الأوباء. وحينئذ لا تخالف بين تسمية ابن الخفاف لها بغزوة ودّان وبين تسمية البخاري لها بغزوة الأبواء لتقارب المكانين، أي وفي الإمتاع: ودان جبل بين مكة والمدينة. وأقول: قد يقال لا منافاة، لأنه يجوز أن تكون تلك القرية كانت عند الجبل المذكور فسميت باسمه، والله أعلم. وكان خروجه ﷺ بالمهاجرين ليس فيهم أنصاري يعترض عيرا لقريش ولبني ضمرة أي وخرج ﷺ لبني ضمرة، فكان خروجه للشيئين كما يفهم من الأصل.
ميت باسمه، والله أعلم. وكان خروجه ﷺ بالمهاجرين ليس فيهم أنصاري يعترض عيرا لقريش ولبني ضمرة أي وخرج ﷺ لبني ضمرة، فكان خروجه للشيئين كما يفهم من الأصل. ويوافقه قول بعضهم: وخرج ﷺ في سبعين رجلا من أصحابه يريد قريشا وبني ضمرة. والمفهوم من سيرة الشامي أن خروجه ﷺ إنما كان لاعتراضه العير، وإنه اتفق له موادعة بني ضمرة، ويوافقه قول الحافظ الدمياطي: خرج يعترض عيرا لقريش، فلم يلق كيدا. وفي هذه الغزوة وادع بني ضمرة هذا كلامه، أي صالح سيدهم حينئذ، وهو مجدي بن عمر. وعبارة بعضهم: فلما بلغ الأبواء لقي سيد بني ضمرة مجدي بن عمر الضمري، فصالحه ثم رجع إلى المدينة والمصالحة على أن لا يغزوهم ولا يغزوه ولا
يكثروا عليه ﷺ جمعا ولا يعينوا عليه عدوّا، قال: وكتب بينه وبينهم كتابا نسخته «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الكتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصرة على من رامهم» أي قصدهم «ألا أن يحاربوا في دين الله، ما بلّ بحرصوفة» أي ما بقي فيه ما يبل الصوفة «وأن النبي ﷺ إذا دعاهم لنصره أجابوه عليهم، بذلك ذمة الله وذمة رسوله» أي أمانهما انتهى. وكان لواؤه ﷺ أبيض. وكان مع عمه حمزة؛ واستعمل على المدينة سعد بن عبادة، وانصرف إلى المدينة راجعا، فهي أوّل غزواته ﷺ، أي وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، والله أعلم.
ه ﷺ أبيض. وكان مع عمه حمزة؛ واستعمل على المدينة سعد بن عبادة، وانصرف إلى المدينة راجعا، فهي أوّل غزواته ﷺ، أي وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، والله أعلم.
غزوة بواط ثم غزا رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول، أي وقيل الآخر: أي من السنة المذكورة، يريد عيرا لقريش فيها أمية بن خلف، ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير خرج في مائتين من أصحابه: أي من المهاجرين خاصة، وحمل اللواء وكان أبيض سعد بن أبي وقاص، واللواء: هو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به موضع أمير الجيش. وقد يحمله أمير الجيش، وقد يجعل في مقدم الجيش. وأول من عقد الألوية إبراهيم الخليل ﷺ: بلغه أن قوما أغاروا على لوط ﵇، فعقد لواء وسار إليهم بعبيده ومواليه. قال بعضهم: صرح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية، أي فيطلق على كل اسم الآخر. وعن ابن إسحاق وابن سعد أن اسم الراية إنما حدث بعد خيبر، واستعمل ﷺ على المدينة سعد بن معاذ وقيل السائب بن مظعون: أي أخا عثمان بن مظعون وقيل السائب بن عثمان حتى بلغ بواط- بضم الموحدة وفتحها وتخفيف الواو والطاء المهملة- أي وهي جبل الينبع، أي ومن ثم قيل لها غزوة بواط. قال بعضهم: ومن هذا الجبل تقلع أحجار المسانّ، وهذا الجبل لجهينة من ناحية رضوى، وهو أحد الأجبل التي بني منها أساس الكعبة. وفيه أنه لم يذكر رضوى في تلك الأجبل الخمس التي كان منها أساس الكعبة المتقدم ذكرها على المشهور. وقد جاء في الحديث «رضوى رضي الله تعالى عنه» وتزعم الكيسانية وهم أصحاب كيسان مولى علي رضي الله تعالى عنه أن محمد ابن الحنفية مقيم برضوى حي يرزق وهو الإمام المنتظر عندهم. أي وفي كلام بعضهم أن المنتظر هو محمد القاسم بن الحسن العسكري الذي
تزعم الشيعة أنه المنتظر وهو صاحب السرداب، يزعمون أنه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر إليه فلم يخرج إليها، وكان عمره تسع سنين، وأنه يعمر إلى آخر الزمان كعيسى، وسيظهر فيملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا، واختفاؤه الآن خوفا من أعدائه. قال: وهو زعم باطل لا أصل له، ثم رجع ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا أي حربا وأصل الكيد الاحتيال والاجتهاد ومن ثم يسمى الحرب كيدا، والله أعلم.
غزوة العشيرة أي وبها بدأ البخاري المغازي، ويدل له ما جاء عن زيد بن أسلم وقد قيل له: ما أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ؟ فقال: ذات العشيرة. وأجيب عنه بأن المراد ما أول غزوة غزاها وأنت معه. ثم غزا رسول الله ﷺ في شهر جمادى الأولى. وفي سيرة الدمياطي الآخرة من تلك السنة. أي وفي الإمتاع في جمادى الآخرة: ويقال جمادى الأولى، يريد عيرا لقريش متوجهة للشام. يقال إن قريشا جمعت جميع أموالها في تلك العير لم يبق بمكة لا قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في تلك العير إلا حويطب بن عبد العزى، يقال إن في تلك العير خمسين ألف دينار أي وألف بعير. وكان فيها أبو سفيان، أي قائدها. وكان معه سبعة وعشرون وقيل تسعة وثلاثون رجلا منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وهي العير التي خرج إليها حين رجعت من الشام. وكان سببا لوقعة بدر الكبرى كما سيأتي. خرج في خمسين ومائة؛ ويقال في مائتين من المهاجرين خاصة حتى بلغ العشيرة بالمعجمة والتصغير آخره هاء، أي ولم يختلف فيه أهل المغازي كما قال الحافظ ابن حجر. وفي البخاري آخرها همزة، وفيه أيضا العسيرة بالسين المهملة آخره هاء أي بالتصغير. وأما التي بغير تصغير فهي غزوة تبوك كما سيأتي، والتي بالتصغير فقال أيضا لموضع ببطن الينبع: أي وهو منزل الحاج المصري، وهي لبني مدلج. واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وحمل اللواء- وكان أبيض- عمه حمزة بن عبد المطلب، خرجوا على ثلاثين بعيرا يتعقبونها، فوجدوا العير قد مضت قبل ذلك بأيام، ورجع ولم يلق حربا. ووداع ﷺ فيها بني مدلج، قال في الأصل وحلفاءهم من بني ضمرة.
لب، خرجوا على ثلاثين بعيرا يتعقبونها، فوجدوا العير قد مضت قبل ذلك بأيام، ورجع ولم يلق حربا. ووداع ﷺ فيها بني مدلج، قال في الأصل وحلفاءهم من بني ضمرة. وذكر في المواهب هنا صورة الكتاب الذي كتبه ﷺ لبني ضمرة في غزوة ودّان الذي قدمناه ثم، فليتأمل ذلك؛ وكنى ﷺ فيها عليا بأبي تراب حين وجده نائما وهو وعمار بن ياسر وقد علق به التراب، فأيقظه ﵊ برجله وقال له «قم أبا تراب» لما يرى عليه من التراب: أي الذي سفته عليه الريح؛ ولما قام قال له صلى الله عليه وسلم
«ألا أخبرك بأشقى الناس أجمعين: عاقر الناقة والذي يضربك على هذا ووضع يده على قرن رأسه، فيخضب هذه ووضع يده على لحيته» وفي رواية «أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك» . وفي رواية «أنه ﷺ قال يوما لعليّ كرم الله وجهه من أشقى من الأولين؟ فقال عليّ: الذي عقر الناقة يا رسول الله قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال عليّ: لا علم لي يا رسول الله قال: الذي يضربك على هذه وأشار إلى يافوخه» وكان كما أخبر ﷺ، فهو من أعلام نبوته. فإنه لما كان شهر رمضان سنة أربعين صار يفطر ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد في أكله على ثلاث لقم ويقول: أحب أن ألقى الله وأنا خميص، فما كانت الليلة التي ضرب صبيحتها أكثر الخروج والنظر إلى السماء، وجعل يقول: والله إنها الليلة التي وعدت، فلما كان وقت السحر وأذن المؤذن بالصلاة خرج إلى المسجد فأقبل الأوز الذي في داره يصحن في وجهه فمنعهن بعض نساء أهل بيته، فقال: دعوهن فإنهن نوائح، فلما دخل المسجد أقبل ينادي «الصلاة الصلاة» فشد عليه عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله من طائفة الخوارج، فضربه الضربة التي أخبر بها ﷺ، وعند ذلك شد عليه الناس من كل جانب فطرح عليه رجل قطيفة ثم طنبوه وأخذ السيف منه، وقالوا له: يا أمير المؤمنين خلّ بيننا وبين مراد، يعنون قبيلة الرجل الذي ضربه، فقال: لا، ولكن احبسوا الرجل، فإن أنا مت فاقتلوه، وإن أعش فالجروح قصاص. فحبس.
ا له: يا أمير المؤمنين خلّ بيننا وبين مراد، يعنون قبيلة الرجل الذي ضربه، فقال: لا، ولكن احبسوا الرجل، فإن أنا مت فاقتلوه، وإن أعش فالجروح قصاص. فحبس. فلما مات رضي الله تعالى عنه غسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، ومحمد ابن الحنفية يصب الماء، وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى عليه الحسن وكبر عليه سبعا، ودفن ليلا؛ قيل بدار الإمارة بالكوفة، وقيل بغير ذلك، وأخفي قبره لئلا تنبشه الخوارج. وقيل حملوه على بعير ليدفنوه مع رسول الله ﷺ، فبينا هم في مسيرهم ليلا إذ ندّ البعير الذي عليه فلم يدر أين ذهب. ومن الناس من يزعم أنه انتقل إلى السماء، وأنه الآن في السحاب. ولما أصيب كرم الله وجهه دعا الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما فقال لهما: أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا، ولا تبكيا على شيء زوى منها عنكما، وقولا الحق فلا تأخذكما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى ولده محمد ابن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ فقال نعم، فقال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك، ولا ترينّ أمرا دونهما، ثم قال: أوصيكما به فإنه أخوكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله إلى أن قبض، فلما قبض أخرج الحسن رضي الله تعالى عنه ابن ملجم من الحبس وقتله.
أقول: ذكر بعضهم عن المبرد قال ابن ملجم لعليّ كرم الله تعالى وجهه: إني اشتريت سيفي هذا بألف، وسممته بألف، وسألت الله تعالى أن يقتل به شر خلقه، فقال عليّ: قد أجاب الله دعوتك، يا حسن إذا أنا مت فاقتله بسيفه ففعل به الحسن ذلك ثم أحرقت جثته. وقد ذكر أنه قطعت أطرافه وجعل في قوصرة وأحرقوه بالنار. وقد ذكر أن عليا قال يوما وهو مشير لابن ملجم: هذا والله قاتلي، فقيل له ألا نقتله؟ فقال: من يقتلني؟ وتبع الأصل في كون تكنية عليّ بأبي تراب في هذه الغزوة شيخه الدمياطي. واعترضه في الهدى بأنه ﷺ إنما كناه بذلك بعد نكاحه فاطمة رضي الله تعالى عنها «فإنه ﷺ دخل عليها يوما وقال أين ابن عمك؟ قالت: خرج مغاضبا، فجاء إلى المسجد فوجده مضطجعا فيه وقد لصق به التراب، فجعل ينفضه عنه ويقول: اجلس أبا تراب» وقيل إنما كناه أبا تراب لأنه كان إذا غضب على فاطمة في شيء لم يكلمها ولم يقل لها شيئا تكرهه، إلا أنه يأخذ ترابا فيضعه على رأسه. وكان رسول الله ﷺ إذا رأى التراب على رأسه عرف أنه عاتب على فاطمة. قال في النور: يجوز أن يكون ﷺ خاطبه بهذه الكنية مرتين، أي ويكون سبب الكنية علوق التراب به، وكونه يضعه على رأسه، والله أعلم.
غزوة سفوان ويقال لها غزوة بدر الأولى وحين قدم ﷺ من غزوة العشيرة لم يقم بالمدينة إلا ليالي لم تبلغ العشرة حتى غزا وخرج خلف كرز بن جابر الفهري وقد أغار قبل أن يسلم على سرح المدينة: أي النعم والمواشي التي تسرح للمرعى بالغداة. خرج في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان بالمهملة والفاء ساكنة، وقيل مفتوحة من ناحية بدر، أي ولذا قيل لها غزوة بدر الأولى، وفاته ﷺ كرز ولم يدركه. وكان قد استعمل على المدينة زيد بن حارثة، وحمل اللواء- وكان أبيض- علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقد تبعت الأصل في تقديم غزوة العشيرة على غزوة سفوان لما تقدم، وهو عكس ما في سيرة الشامي الموافق لسيرة الدمياطي ولما في الإمتاع، والله أعلم.
الى عنه، وقد تبعت الأصل في تقديم غزوة العشيرة على غزوة سفوان لما تقدم، وهو عكس ما في سيرة الشامي الموافق لسيرة الدمياطي ولما في الإمتاع، والله أعلم.
باب تحويل القبلة وحولت القبلة في شهر رجب من السنة المذكورة التي هي الثانية في نصفه، وقيل في نصف شعبان. قال بعضهم: وعليه الجمهور الأعظم، وقيل كان في جمادى الآخرة، أي فقد قيل «إنه ﷺ في المدينة إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، وقيل
سبعة عشر شهرا وقيل أربعة عشر شهرا، وقيل غير ذلك، وتقدم أنه ﷺ صلى في مسجده بعد تمامه إلى بيت المقدس خمسة أشهر» . والأكثرون على أن تحويلها كان في صلاة الظهر، وقيل العصر، أي ففي الصحيحين عن البراء «إن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ أي للكعبة صلاة العصر» . وقد يقال: لا منافاة لجواز أن يكون المراد أول صلاة صلاها كلها للكعبة صلاة العصر، لأن الظهر صلى نصفها الأول لبيت المقدس ونصفها الثاني للكعبة: ثم رأيت الحافظ ابن حجر فعل كذلك، حيث قال: التحقيق أن أول صلاة صلاها بالمسجد النبوي صلاة العصر، أو أن التحويل في العصر كان في محل آخر للأنصار أي وهم بنو حارثة. وقيل حولت في صلاة الصبح وهو محمول على أن ذلك كان في قباء، لأن الخبر لم يبلغهم إلا حينئذ كما سيأتي، وإنما حولت لأنه ﷺ كان يعجبه أن تكون قبلته الكعبة سيما لما بلغه أن اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا. أي وفي لفظ: قالوا للمسلمين: لو لم نكن على هدى ما صليتم لقبلتنا فاقتديتم بنا فيها.
لته الكعبة سيما لما بلغه أن اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا. أي وفي لفظ: قالوا للمسلمين: لو لم نكن على هدى ما صليتم لقبلتنا فاقتديتم بنا فيها. وفي لفظ «كان يحب أن يستقبل الكعبة محبة لموافقة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام وكراهة لموافقة اليهود، ولقول كفار قريش للمسلمين لم تقولون نحن على ملة إبراهيم وأنتم تتركون قبلته وتصلون إلى قبلة اليهود؟ أي ولأنه لما هاجر صار إذا استقبل صخرة بيت المقدس يستدبر الكعبة، فشق ذلك عليه ﷺ، فقال لجبريل: وددت أن الله ﷾ صرفني عن قبلة اليهود، فقال جبريل: إنما أنا عبد لا أملك لك شيئا إلا ما أمرت به، فادع الله تعالى، فكان رسول الله ﷺ يدعو الله تعالى، يكثر إذا صلى إلى بيت المقدس من النظر إلى السماء ينتظر أمر الله تعالى» أي لأن السماء قبلة الدعاء، وفي رواية، أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: وددت أنك سألت الله تعالى أن يصرفني إلى الكعبة، فقال جبريل: لست أستطيع أن أبتدىء الله جل وعز بالمسألة، ولكن إن سألني أخبرته، وخرج رسول الله ﷺ زائرا أمّ بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاما، وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه في مسجد هناك، فلما صلى ركعتين نزل جبريل فأشار إليه أن صلّ إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فاستدار رسول الله ﷺ إلى الكعبة، أي فاستدار النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء» أي فقد تحول من مقدم المسجد إلى مؤخره، لأن من استقبل الكعبة في المدينة يلزم أن يستدبر بيت المقدس أي كما أن من يستقبل بيت المقدس يستدبر الكعبة، وهو ﷺ لو دار كما هو مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف. قيل وكان ذلك وهم راكعون، وفيه أن هذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة وهو مفسد لها عندنا إذا توالى. وقد يقال: لا مانع لجواز أن يكون ذلك قبل تحريم العمل الكثير في الصلاة،
أو أن هذا العمل لم يكن على التوالي. أقول: وبدخوله أي على أم بشر ﷺ وعلى الربيع بنت معوذ ابن عفراء، وعلى أم حرام بنت ملحان، وعلى أختها أم سليم، والخلوة بكل منهن، فقد كانت أم حرام بنت ملحان تفلي رأسه الشريفة وينام عندها، استدل أن من خصائصه ﷺ جواز النظر إلى الأجنبية والخلوة بها لأمنه الفتنة كما سيأتي، والله أعلم. وسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، وقيل كانت تلك الصلاة التي هي صلاة الظهر التي وقع التحول فيها في مسجده ﷺ، فخرج عباد بن بشر وكان صلى مع رسول الله ﷺ ومرّ على قوم من الأنصار يصلون العصر وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل البيت يعني الكعبة ثم بلغ أهل قباء ذلك وهم في صلاة الصبح في اليوم الثاني أي وهم ركوع، وقد ركعوا ركعة فنادى مناد: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فتحولوا إليها. أي وفي البخاري «بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فاستداروا إلى الكعبة، وفي مسلم بدل صلاة الصبح صلاة الغداة. قال الحافظ ابن حجر: وهو أحد أسمائها. وقد نقل بعضهم كراهة تسميتها بذلك، ولم ينقل أنهم أمروا بقضاء العصر والمغرب والعشاء، ولا إعادة الركعة التي صلوها من الصبح، وهو دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به وإن تقدم نزوله. وعلى أنه يجوز ترك الأمر المقطوع به، وهو استقبال بيت المقدس إلى أمر مظنون وهو خبر الواحد. وأجيب عن هذا الثاني بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن أفادت القطع عندهم بصدق المخبر، فلم يتركوا الأمر المعلوم إلا لأمر معلوم أيضا. على أنه يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، لأن محل النسخ الحكم، ودلالة المتواتر عليه ظنية كما تقرر في محله. ويقال إن المبلغ لهم عباد بن بشر أيضا فيكون عباد أتى بني حارثة أولا في صلاة العصر ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح، والقرآن الذي نزل قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: الآية ١٤٤] الآيات أي وإلى هذا يشير بعضهم بقوله: كم للنبي المصطفى من آية ... غراء حار الفكر في معناها
ْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: الآية ١٤٤] الآيات أي وإلى هذا يشير بعضهم بقوله: كم للنبي المصطفى من آية ... غراء حار الفكر في معناها لما رأى الباري تقلب وجهه ... ولاه أيمن قبلة يرضاها وعن عمارة بن أوس الأنصاري، قال: صلينا إحدى صلاتي العشي أي وهما الظهر والعصر، فقام الرجل على باب المسجد ونحن في الصلاة، فنادى: إن الصلاة
قد وجهت نحو الكعبة فتحول إمامنا نحو الكعبة وقوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: الآية ١٤٤] أي متطلعا نحو الوحي ومتشوقا للأمر باستقبال الكعبة فَلَنُوَلِّيَنَّكَ [البقرة: الآية ١٤٤] أي نحو لنك قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة: الآية ١٤٤] أي تحبها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: الآية ١٤٤] أي نحوه، والمراد بالمسجد الحرام الكعبة وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ [البقرة: الآية ١٤٤] أي الرجوع إلى الكعبة مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: الآية ٥] أي لما في كتبهم من نعته ﷺ بأنه يتحول إلى الكعبة. أقول: ولعل هذه القصة التي رواها عمارة هي التي رويت عن رافع بن خديج، قال «أتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل، فقال إن رسول الله ﷺ قد أمر أن يتوجه إلى الكعبة فدار أمامنا إلى الكعبة ودرنا معه» والله أعلم.
رافع بن خديج، قال «أتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل، فقال إن رسول الله ﷺ قد أمر أن يتوجه إلى الكعبة فدار أمامنا إلى الكعبة ودرنا معه» والله أعلم. «واجتمع قوم من كبار اليهود جاؤوا إليه ﷺ وقالوا له: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه أي وما كنت عليه قبلة إبراهيم» وهذا بناء على دعواهم أن بيت المقدس كان قبلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما سيأتي عنهم، وسيأتي ما فيه ثم قالوا ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك «وإنما يريدون بذلك فتنة ليعلم الناس أنه ﷺ في حيرة من أمره» أي واختبار لما يجدونه في نعته ﷺ من أنه يرجع عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة وأنه لا يرجع عن تلك القبلة، وفي رواية أنهم قالوا للمسلمين: ما صرفكم عن قبلة موسى ويعقوب وقبلة الأنبياء» أي ويوافقه قول الزهري «لم يبعث الله منذ هبط آدم ﵊ إلى الأرض نبيا إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس» ويوافق هذا ظاهر قول الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته: وصليت نحو القبلتين تفردا ... وكل نبيّ ما له غير قبلة قال شارحها: يشير إلى أن كل نبي كانت قبلته بيت المقدس، وهو ﷺ قد شاركهم فيها، أي واختص بالكعبة. ومن ثم جاء في التوراة في وصفه ﷺ «صاحب القبلتين» وفيه أن قبلة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما هي الكعبة. فعن أبي العالية كانت الكعبة قبلة الأنبياء، وكان موسى يصلي إلى صخرة بيت المقدس، وهي بينه وبين الكعبة، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف، أي ويقال بمثل هذا فيما تقدم عن اليهود وعن الزهري، على تسليم صحته من أن صخرة بيت المقدس كانت قبلة لجميع الأنبياء أنهم كانوا يصلون إليها ويجعلونها بينهم وبين الكعبة، فلا مخالفة. لا يقال: هذا ليس أولى من العكس، أي أن استقبال الأنبياء للكعبة إنما كانوا يجعلونها بينهم وبين صخرة بيت المقدس. لأنا نقول: قد ذكر في الأصل في تفسير
قوله تعالى لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [البقرة: الآية ١٤٦- ١٤٧] أي يكتمون ما علموا من أن الكعبة هي قبلة الأنبياء، أي المقصودة بالاستقبال، لا أنهم يستقبلونها لأجل صخرة بيت المقدس. وذكر عن بعضهم أن اليهود لم تجد كون الصخرة قبلة في التوراة، وإنما كان تابوت السكينة على الصخرة، فلما غضب الله على بني إسرائيل رفعه فصلوا إلى الصخرة بمشاورة منهم، أي وادعوا أنها قبلة الأنبياء- وما تقدم عن الزهري تقدم الجواب عنه- ثم قالوا والله إن أنتم إلا قوم تفتنون، فأنزل الله تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة: الآية ١٤٢] أي الجهات كلها فيأمر بالتوجه إلى أيّ جهة شاء لا اعتراض عليه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: الآية ١٤٢] أي فكان أوّل ما نسخ أمر القبلة. فعن ابن عباس أول ما نسخ من القرآن فيما يذكر لنا والله أعلم شأن القبلة فاستقبل ﷺ بيت المقدس- أي بمكة والمدينة- ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة. أي وأما قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: الآية ١١٥] فمحمول على النفل في السفر إذا صلى حيث توجه. وما قيل إن سبب نزولها ما ذكره بعض الصحابة، قال «كنا في سفر ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت» ففيه نظر لضعف الحديث؛ أو هو محمول على ما إذا صلوا باجتهاد. أي ولما توجه ﷺ إلى الكعبة، قال المشركون من أهل مكة توجه محمد بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه، ويوشك أي يقرب أن يدخل في دينكم ومن ثم ارتد جماعة وقالوا مرة هاهنا ومرة هاهنا. «ولما حوّلت القبلة إلى الكعبة أتى رسول الله ﷺ مسجد قباء فقدم جدار المسجد موضعه الآن، وقالت الصحابة له: يا رسول الله لقد ذهب منا قوم قبل التحول، فهل يقبل منا ومنهم؟ فأنزل الله تعالى قوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: الآية ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس» . وذكر في الأصل «أن الصحابة قالوا:
ومنهم؟ فأنزل الله تعالى قوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: الآية ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس» . وذكر في الأصل «أن الصحابة قالوا: مات قبل أن تحول قبل البيت رجال وقتلوا، أي وهم عشرون، ثمانية عشر من أهل مكة، واثنان من الأنصار وهما البراء بن معرور، وأسعد بن زرارة فلم ندر ما نقول فيهم؛ فأنزل الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: الآية ١٤٣] الآية» ولفظة القتل وقعت في البخاري. وأنكرها الحافظ ابن حجر فقال: ذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت
هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر، قتل في تلك المدة في غير الجهاد. ثم قال: وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار، فقلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما كان بعد الإسراء، هذا كلام الحافظ وفيه أن الركعتين اللتين كان يصليهما وهو والمسلمون بالغداة وبالعشي قبل فرض الصلوات الخمس كانتا لبيت المقدس، فقد تقدم أنه كان يصلي هو وأصحابه إلى الكعبة ووجوههم إلى بيت المقدس، فكانوا يصلون بين الركنين اليماني والذي عليه الحجر الأسود لأجل استقبال بيت المقدس، وتقدم أنه ﷺ لم يلتزم ذلك بل كان في بعض الأوقات يصلي إلى الكعبة في أي جهة أراد. ثم لما قدم المدينة صار يستقبل بيت المقدس ويستدبر الكعبة إلى وقت التحويل، ومن ثم قال في الأصل «ولما كان ﷺ يتحرى القبلتين جميعا أي يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس لم يتبين توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة» أي فإنه استدبر الكعبة واستقبل بيت المقدس.



