— Bagian 5 · ل: يا ولدي دعوة مظلوم سرت ليلا غفلنا عنها وما غف… —
Bagian 5
ل: يا ولدي دعوة مظلوم سرت ليلا غفلنا عنها وما غفل الله عنها: أي فقد قال أبو الدرداء: إياكم ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام. أي ولأن الله تعالى يقول: «أنا أظلم الظالمين إن غفلت عن ظلم الظالم» وقد قال ﷺ: «اتق دعوة المظلوم فإنما يسأل الله حقه، وإن الله تعالى لن يمنع ذا حق حقه» وجاء «اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» وجاء «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» والمراد بالغمام: الغمام الأبيض الذي فوق السماء السابعة، المعنيّ بقوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: الآية ٢٥] أي لا تقوى على حمله إذا سقط. ونصر دعوة المظلوم: استجابتها ولو بعد زمن طويل، فهو ﷾ وإن أمهل الظالم لا يهمله، وجاء «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة» أي تصعد إلى السماء السابعة فما فوقها وجاء «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب» . وقد قال القائل: تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم ومما قيل في يحيى بن خالد هذا من المدح البليغ: سألت الندى هل أنت حر فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد فقلت شراء؟ قال لا بل وراثة ... توارثني من والد بعد والد ومما يحفظ عن والده خالد: التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمولود. ومما يحفظ عن جعفر ولد يحيى قوله: شر المال ما لزمك الإثم في كسبه، وحرمت الأجر في
إنفاقه، وقوله: المسيء لا يظن في الناس إلا سوآ لأنه يراهم بعين طبعه. ومما قيل في جعفر من المدح قول الشاعر: تروم الملوك ندى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع وخمدت نار فارس أي مع إيقاد خدامها لها: أي كتب له صاحب فارس: إن بيوت النار خمدت تلك الليلة ولم تخمد قبل ذلك بألف عام. وغاضت أي غارت بحيرة ساوة أي بحيث صارت يابسة كأن لم يكن بها شيء من الماء مع شدة اتساعها: أي كتب له بذلك عامله باليمن، وإلى هذا يشير صاحب الأصل بقوله: لمولده إيوان كسرى تشققت ... مبانيه وانحطت عليه شؤونه لمولده خرت على شرفاته ... فلا شرف للفرس يبقى حصينه لمولده نيران فارس أخمدت ... فنورهم إخماده كان حينه لمولده غاضت بحيرة ساوة ... وأعقب ذاك المدّ جور يشينه كأن لم يكن بالأمس ريا لناهل ... ووردا لعين المستهام معينه وإلى ذلك أيضا يشير صاحب الهمزية ﵀ بقوله: وتداعى إيوان كسرى ولولا ... آية منك ما تداعى البناء وغدا كل بيت نار وفيه ... كربة من خمودها وبلاء وعيون للفرس غارت فهل كا ... ن لنيرانهم بها إطفاء أي ومن العجائب التي ظهرت ليلة ولادته ﷺ انهدام إيوان كسرى أنو شروان الذي كان يجلس به مع أرباب مملكته، وكان من أعاجيب الدنيا سعة وبناء وإحكاما، ولولا وجود علامة صادرة عنك إلى الوجود ما تهدّم هذا البناء العجيب الإحكام. ومن ذلك أيضا أنه صار تلك الليلة كل واحد من بيوت نار فارس التي كانوا يعبدونها خامدة نيرانه والحال أن في ذلك البيت غما وبلاء عظيما من أجل سكون لهب تلك النيران التي كانوا يعبدونها في وقت واحد. ومن ذلك أيضا غور ماء عيون الفرس في الأرض حتى لم يبق منها قطرة. وحينئذ يستفهم توبيخا وتقريعا لهم، فيقال: هل تلك المياه التي غارت كان بها إطفاء لتلك النيران؟ ويقال في جوابه، لا بل إطفاؤها إنما هو لوجود هذا النبي العظيم وظهوره. ورأى الموبذان: أي القاضي الكبير. وفي كلام ابن المحدث، هو خادم النار
لك النيران؟ ويقال في جوابه، لا بل إطفاؤها إنما هو لوجود هذا النبي العظيم وظهوره. ورأى الموبذان: أي القاضي الكبير. وفي كلام ابن المحدث، هو خادم النار
الكبير ورئيس حكامهم، وعنه يأخذون مسائل شرائعهم، ورأى في نومه إبلا صعابا تقود خيلا عرابا: أي وهي خلاف البراذين، قد قطعت دجلة، أي وهي نهر بغداد، وانتشرت في بلادها، أي والإبل كناية عن الناس، ورأى كسرى ما هاله وأفزعه أي الذي هو ارتجاس الإيوان وسقوط شرافاته، فلما أصبح تصبر: أي لم يظهر الانزعاج لهذا الأمر الذي رآه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك: أي هذا الأمر الذي هاله وأفزعه عن مرازبته بضم الزاي: أي فرسانه وشجعانه، فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره، ثم بعث إليهم، فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيما بعثت إليكم؟ قالوا لا إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران، أي وورد عليه كتاب من صاحب إيليا يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة. وورد عليه كتاب صاحب الشام يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة. وورد عليه كتاب صاحب طبرية يخبره أن الماء لم يجر في بحيرة طبرية، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله: أي وهو ارتجاس الإيوان وسقوط شرافاته، فقال الموبذان، فأنا. أصلح الله الملك- قد رأيت في هذه الليلة رؤيا ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب، فابعث إلى عاملك بالحيرة بوجه إليك رجلا من علمائهم، فإنهم أصحاب علم بالحدثان. فكتب كسرى عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد: فوجه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح الغساني:
دثان. فكتب كسرى عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد: فوجه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح الغساني: أي وهو معدود من المعمرين، عاش مائة وخمسين سنة فلما ورد عليه قال: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه، قال ليسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي علم منه، وإلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بالذي وجه إليه فيه، قال علم ذلك عند خالي يسكن مشارف الشام بالفاء: أي أعاليها: أي وهي الجابية المدينة المعروفة، يقال له سطيح، قال فأته فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح وقد أشفى أي أشرف على الضريح. أي الموت: أي احتضر، وعمره إذ ذاك ثلاثمائة سنة، وقيل سبعمائة سنة: أي ولم يذكره ابن الجوزي في المعمرين، وكان جسدا ملقى لا جوارح له، وكان لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب فإنه ينتفخ فيجلس، وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق. وفي كلام غير واحد: لم يكن له عظم سوى عظم رأسه وفي لفظ لم يكن له عظم ولا عصب إلا الجمجمة والكفين، ولم يتحرك منه إلا اللسان، قيل لكونه مخلوقا من ماء امرأة لأن ماء الرجل يكون منه العظم والعصب: أي كما سيأتي عنه ﷺ من قوله: «نطفة الرجل يخلق منها العظم والعصب، ونطفة المرأة يخلق منها اللحم والدم» .
قال ﷺ ذلك لما سأله اليهود فقالوا له: مم يخلق الولد؟ فلما قال لهم ما ذكر، قالوا له: هكذا كان يقول من قبلك: أي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وفيه أن عيسى ﵊ على تسليم أنه خلق من نطفة وهي نطفة أمه كان فيه العظم والعصب. فقد قيل: تمثل لها الملك في صفة شاب أمرد حتى انحدرت شهوتها إلى أقصى رحمها، وقيل لم يخلق من نطفة أصلا. وقد صرح بالأول الشيخ محيي الدين ابن العربي ﵀ حيث قال: أنكر الطبيعيون وجود ولد من ماء أحد الزوجين دون الآخر، وذلك مردود عليهم بعيسى ﵇ فإنه خلق من ماء أمه فقط، وذلك أن الملك لما تمثل لها بشرا سويا لشدة اللذة بالنظر إليه، فنزل الماء منها إلى الرحم، فتكون عيسى ﵇ من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة منها، فهو من ماء أمه فقط هذا كلامه. أي وكون سطيح كان وجهه في صدره لم يختص سطيح بهذا الوصف. فقد رأيت أن عمرا ذا الأذعار إنما قيل له ذلك لأنه سبى أمة وجوهها في صدورها فذعرت الناس منهم وعمرو هذا كان في زمن سليمان بن داود ﵉، وقيل قبله بقليل، وملكت بعده بلقيس بعد قتلها له. وكان لسطيح سرير من الجريد والخوص إذا أريد نقله إلى مكان يطوي من رجليه إلى ترقوته. وفي لفظ إلى جمجمته كما يطوى الثوب، فوضع على ذلك السرير فيذهب إلى حيث يشاء، وإذا أريد استخباره ليخبر عن المغيبات يحرك كما يحرك وطب المخيض: أي سقاء اللبن الذي يخض ليخرج زبده، فينتفخ ويمتلئ ويعلوه النفس، فيسأل فيخبر عما يسأل عنه، وكانت جمجمته إذا لمست أثر اللمس فيها للينها. قيل وهو أول كاهن كان في العرب، وهذا يدل على أنه سابق على شق. وقد تقدم في حفر زمزم أن الكاهنة التي ذهب إليها عبد المطلب وقريش ليتحاكموا عندها تفلت في فم سطيح وفم شق، وذكرت أن سطيحا يخلفها، ومن ثم قال بعضهم: لم يكن أحد أشرف في الكهانة، ولا أعلم بها ولا أبعد فيها صيتا من سطيح وكان في غسان.
ها تفلت في فم سطيح وفم شق، وذكرت أن سطيحا يخلفها، ومن ثم قال بعضهم: لم يكن أحد أشرف في الكهانة، ولا أعلم بها ولا أبعد فيها صيتا من سطيح وكان في غسان. وذكر بعضهم أن سطيحا كان في زمن نزار بن معد بن عدنان، وهو الذي قسم الميراث بين بني نزار وهم مضر وإخوته، وهو يؤيد ما تقدم من أنه عمر سبعمائة سنة، ثم شق وعبد المسيح، وهؤلاء كانوا رؤوس الكهنة وأهل العلم الغامض منهم بالكهانة: أي وإلا فمنهم أي من أهل العلم الغامض: مسيلمة الكذاب في بني حنيفة،
وسجاح كانت في بني تميم، وسجاح أخرى كانت في بني سعد. والكهانة: هي الإخبار عن الغيب، والكهانة من خواص النفس الإنسانية، لأن لها استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها. فسلم عبد المسيح على سطيح وكلمه، فلم يرد عليه سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن أي سيدهم إلى آخر أبيات ذكرها، فلما سمع سطيح شعر عبد المسيح رفع رأسه. أقول: قد يقال لا منافاة بين إثبات الرأس هنا، ونفيه في قوله: ولم يكن له رأس، لأنه يجوز أن يكون المراد بالرأس المثبت الوجه، لكن قد تقدم أنه لم يكن له عظم سوى ما في رأسه أو الجمجمة، ففي ذلك إثبات الرأس. وقد يقال: لما كان رأسه وتلك الجمجمة يؤثر فيهما اللمس للينهما لمخالفتهما لرأس غيره ساغ إثبات الرأس له ونفيه عنه والله أعلم. وعند رفع رأسه قال: عبد المسيح، على جمل مشيح: أي سريع إلى سطيح، وقد وافى على الضريح: أي القبر، والمراد به الموت كما تقدم. بعثك ملك ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، أي تلاوة القرآن، وظهر صاحب الهراوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست بابل للفرس مقاما، ولا الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت. ثم قضى سطيح مكانه: أي مات من ساعته.
خمدت نار فارس، فليست بابل للفرس مقاما، ولا الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت. ثم قضى سطيح مكانه: أي مات من ساعته. والهراوة بكسر الهاء: وهي العصا الضخمة: أي وهو النبي ﷺ، لأنه كان يمسك العصا كثيرا عند مشيه. وكان يمشي بالعصا بين يديه وتغرز له فيصلي إليها التي هي العنزة. وفي الحديث «حمل العصا علامة المؤمن، وسنة الأنبياء» وفي الحديث «من بلغ أربعين سنة ولم يأخذ العصا عدله» أي عدم أخذ العصا «من الكبر والعجب» . وقد يقال: مراد سطيح بالعصا العنزة التي تغرز ويصلي إليها في غير المسجد، لأنه لم يحفظ أن ذلك كان لمن قبله من الأنبياء. وذكر الطبري أن أبرويز بن هرمز جاء له جاء في المنام فقيل له: سلم ما في يدك إلى صاحب الهراوة، فلم يزل مذعورا من ذلك حتى كتب إليه النعمان بظهور النبي ﷺ بتهامة، فعلم أن الأمر سيصير إليه.
وعند موت سطيح نهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول شعرا منه: شمر فإنك ماضي العزم شمير ... ولا يغرنك تفريق وتغيير والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمحقور ومهجور وهم بنو الأم أما إن رأوا نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور فلما قدم عبد المسيح على كسرى وأخبره بما قاله سطيح، قال له كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان ﵁: أي فقد ذكر أن آخر من هلك منهم كان في أول خلافة عثمان ﵁. أي وكانت مدة ملكهم ثلاثة آلاف سنة ومائة سنة وأربعا وستين سنة.
وملك الباقون إلى خلافة عثمان ﵁: أي فقد ذكر أن آخر من هلك منهم كان في أول خلافة عثمان ﵁. أي وكانت مدة ملكهم ثلاثة آلاف سنة ومائة سنة وأربعا وستين سنة. ومن ملوك بني ساسان سابورذ والأكتاف، قيل له ذلك، لأنه كان يخلع أكتاف من ظفر به من العرب. ولما جاء لمنازل بني تميم وجدهم فروا منه ومن جيشه، ووجد بها عمير بن تميم وهو ابن ثلاثمائة سنة، وكان معلقا في قفة لعدم قدرته على الجلوس، فأخذ وجيء به إليه، فاستنطقه فوجد عنده أدبا ومعرفة، فقال للملك: أيها الملك لم تفعل فعلك هذا بالعرب؟ فقال: يزعمون أن ملكنا يصير إليهم على يد نبي يبعث في آخر الزمان فقال له عمير: فأين حلم الملوك وعقلهم؟ إن يكن هذا الأمر باطلا فلن يضرك، وإن يكن حقا ألفوك ولم تتخذ عندهم يدا يكافئونك عليها ويعظمونك بها في دولتك، فانصرف سابور وترك تعرضه للعرب، وأحسن إليهم بعد ذلك. وقول سطيح يملك منهم ملوك وملكات، لم أقف على أنه ملك منهم من النساء إلا واحدة وهي بوران ولما بلغه ﷺ ذلك قال: «لا يفلح قوم ملكتهم امرأة» فملكت سنة ثم هلكت. وذكر ابن إسحق ﵀ أن أمه ﷺ لما ولدته أرسلت خلف جده عبد المطلب إنه قد ولد لك غلام فانظر إليه، فأتاه ونظر إليه وحدثته بما رأته، فأخذه عبد المطلب ودخل به الكعبة: أي وقام يدعو الله: أي وأهله يؤمنون ويشكر له ما أعطاه. ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، وقد تقدم الوعد بذلك وتقدم ما فيه. قال وتكلم ﷺ في المهد في أوائل ولادته. وأول كلام تكلم به أن قال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا اهـ. أقول: وتقدم أنه قال حين ولد: جلال ربي الرفيع، كما أورده السهيلي عن
الواقدي وروي أنه تكلم حين خروجه من بطن أمه، فقال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. ولا مانع من تكرر ذلك حين خروجه وحين وضعه في المهد وأنه زاد في المرة الثالثة وسبحان الله بكرة وأصيلا، وحينئذ يكون تكلمه حين خروجه من بطن أمه لم يشاركه فيه غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا الخليل وإلا نوح كما سيأتي، بخلاف تكلمه في المهد. على أنه سيأتي أنه يجوز أن يكون المراد بالتكلم في المهد التكلم في غير أوان الكلام ويقال: إنه قال ذلك عند فطامه، وتقدم أنه قال: الحمد لله لما عطس على الاحتمال الذي أبداه بعضهم كما تقدم بما فيه. ولا مانع من وجود هذه الأمور الثلاثة التي هي: جلال ربي الرفيع، والله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا حين ولادته، وعلم ترتيبها يتوقف على نقل، وحينئذ تكون الأولية في الواقعة في بعض ذلك إما حقيقية أو إضافية. وقدمنا أن الأولية في قوله جلال ربي الرفيع بالنسبة لقوله: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا إضافية. قال وقد تكلم جماعة في المهد نظمهم الجلال السيوطي رحمه الله تعالى في قوله: تكلم في المهد النبي محمد ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبري جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلم وما شطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم اهـ. قال بعضهم لكن هو ﷺ حصر من تكلم في المهد في ثلاثة ولم يذكر نفسه، أي فقد روي عن أبي هريرة مرفوعا «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى وصاحب جريج، وابن المرأة التي مر عليها بامرأة يقال لها إنها زنت» وقد يقال: هذا الحصر إضافي أي ثلاثة من بني إسرائيل، أو أن ذلك كان قبل أن يعلم مما زاد. وذكر أن عيسى ﵊ تكلم في المهد وهو ابن ليلة. وقيل وهو ابن أربعين يوما أشار بسبابته وقال بصوت رفيع إني عبد الله لما مر بنو إسرائيل على مريم ﵍ وهي حاملة له ﷺ وأنكروا عليها ذلك، وأشارت إليهم أن كلموه وضربوا بأيديهم على وجوههم تعجبا وقالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
﵍ وهي حاملة له ﷺ وأنكروا عليها ذلك، وأشارت إليهم أن كلموه وضربوا بأيديهم على وجوههم تعجبا وقالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
[مريم: الآية ٢٩] قال لهم ما قصة الله ﷾، ثم رأيتني في الكلام على قصة الإسراء والمعراج ذكرت ذلك، وأن عيسى تكلم يوم ولادته، قال لابن خال أمه يوسف النجار وقد خرج في طلب أمه وقد خرجت لما أخذها ما يأخذ النساء من الطلق عند الولادة خارج بيت المقدس، وجلست تحت نخلة يابسة، فاخضرت النخلة من ساعتها وتدلت عراجينها وجرت من تحتها عين ماء ووضعته تحتها: أبشر يا يوسف وطب نفسا وقر عينا، فقد أخرجني ربي من ظلمة الأرحام إلى ضوء الدنيا، وسآتي بني إسرائيل وأدعوهم إلى طاعة الله، فانصرف يوسف إلى زكريا ﵊ وأخبره بولادة مريم وقول ولدها ما ذكر ﷺ. وفي النطق المفهوم أن عيسى ﵊ كلم يوسف المذكور وهو في بطن أمه. فقد قيل: إنه أول من علم بحمل مريم ﵍، فقال لها مقرعا لها: يا مريم هل تنبت الأرض زرعها من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير فحل؟ فقال له عيسى ﵊ وهو في بطن أمه: قم فانطلق إلى صلاتك، واستغفر الله مما وقع في قلبك. وعن أبي هريرة ﵁ أن عيسى ﵊ تكلم في المهد ثلاث مرات ثم لم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان عادة: أي ولعل المرة الثالثة هي التي حمد الله فيها بحمد لم تسمع الآذان مثله، فقال: اللهم أنت القريب في علوك المتعالي في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، حارت الأبصار دون النظر إليك. ومبري جريج تكلم كذلك أي في بطن أمه، قيل له: من أبوك، فقال الراعي عبد بني فلان، وتكلم بعد خروجه من بطن أمه، فقد تكلم مرتين مرة في بطن أمه ومرة وهو طفل كذا في «النطق المفهوم» ولم أقف على وقت كلامه، ولا على ما تكلم به حينئذ. وأما يحيى ﵊ فتكلم وهو ابن ثلاث سنين، قال لعيسى: أشهد أنك عبد الله ورسوله. والخليل تكلم وقت ولادته، وسيأتي ما تكلم به، وفي كون ابن ثلاث سنين وفي كون من تكلم وقت ولادته يكون في المهد نظر، إلا أن يكون المراد بالتكلم في المهد التكلم في غير أوان الكلام.
وسيأتي ما تكلم به، وفي كون ابن ثلاث سنين وفي كون من تكلم وقت ولادته يكون في المهد نظر، إلا أن يكون المراد بالتكلم في المهد التكلم في غير أوان الكلام. ولم أقف على سن من تكلم في المهد حين تكلم غير من ذكر وغير الطفل الذي لذي الأخدود، فإنه لما جيء بأمه لتلقي في نار الأخدود لتكفر وهو معها مرضع: فتقاعست قال لها: يا أماه اصبري فإنك على الحق: قال ابن قتيبة: كان سنه
سبعة أشهر. وفي «النطق المفهوم» أن شاهد يوسف الصديق ﵊ كان عمره شهرين وكان ابن داية زليخا. وفي الخصائص الصغرى: وخص ﷺ بكلام الصبيان في المراضع، وشهادتهم له بالنبوة، ذكر ذلك البدر الدماميني ﵀، هذا كلامه، وفيه نظر، لأنه لم يشهد له بالنبوة من هؤلاء إلا مبارك اليمامة حسبما وقفت عليه. ورأيت في الأجوبة المسكتة لابن عون ﵀ «أن اليهود قالوا للنبي ﷺ: ألست لم تزل نبيا؟ قال نعم، قالوا: فلم لم تنطق في المهد كما نطق عيسى؟ قال: إن الله خلق عيسى من غير فحل، فلولا أنه نطق في المهد لما كان لمريم عذر وأخذت بما يؤخذ به مثلها، وأنا ولدت بين أبوين» هذا كلامه، وهو يخالف ما تقدم من أنه ﷺ تكلم في المهد إلا أن يقال مرادهم لم لم تنطق في المهد بمثل الذي نطق به عيسى، أو أن ذلك منه ﷺ إرخاء للعنان فليتأمل. ثم رأيت أن إبراهيم الخليل ﵊ لما سقط على الأرض استوى قائما على قدميه وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، الحمد لله الذي هدانا لهذا. قال في «النطق المفهوم» ولد بالغار الذي ولد به نوح وإدريس عليهما الصلاة والسلام ويقال لهذا الغار في التوراة غار النور، ويضم لهؤلاء ما ذكره الشيخ محيي الدين بن العربي ﵀ قال: قلت لبنتي زينب مرة وهي في سن الرضاعة قريبا عمرها من سنة ما تقولين في الرجل يجامع حليلته ولم ينزل؟ فقالت يجب عليه الغسل فتعجب الحاضرون من ذلك، ثم إني فارقت تلك البنت وغبت عنها سنة في مكة وكنت أذنت لوالدتها في الحج، فجاءت مع الحج الشامي، فلما خرجت لملاقاتها رأتني من فوق الجمل وهي ترضع، فقالت بصوت فصيح قبل أن تراني أمها هذا أبي، وضحكت وأرمت نفسها إلي.
تها في الحج، فجاءت مع الحج الشامي، فلما خرجت لملاقاتها رأتني من فوق الجمل وهي ترضع، فقالت بصوت فصيح قبل أن تراني أمها هذا أبي، وضحكت وأرمت نفسها إلي. قال: وقد رأيت أي علمت من أجاب أمه بالتشميت وهو في بطنها حين عطست وسمع الحاضرون كلهم صوته من جوفها شهد عندي الثقات بذلك، قال: وهذا واحد يخصه الله بعلمه وهو في بطن أمه ولا يحجبك قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النّحل: الآية ٧٨] لأنه لا يلزم من العالم حضوره مع علمه دائما. وفي «النطق المفهوم» أن يوسف صلوات الله وسلامه عليه تكلم في بطن أمه فقال: أنا المفقود والمغيب عن وجه أبي زمنا طويلا، فأخبرت أمه والده بذلك، فقال لها: اكتمي أمرك.
وفيه أن نوحا ﵊ تكلم عقب ولادته، فإن أمه ولدته في غار خوفا على نفسها وعليه فلما وضعته وأرادت الانصراف قالت وانوحاه، فقال لها لا تخافي أحدا علي يا أماه، فإن الذي خلقني يحفظني. وفيه أن أم موسى ﵊ لما وضعت موسى استوى قاعدا وقال: يا أماه لا تخافي، أي من فرعون، إن الله معنا. ومبارك اليمامة قال بعض الصحابة، دخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله ﷺ وسمعت فيها عجبا: جاءه رجل بصبي يوم ولد وقد لفه في خرقة فقال له النبي ﷺ، يا غلام من أنا؟ قال الغلام بلسان طلق: أنت رسول الله، قال صدقت بارك الله فيك. ثم إن الغلام لم يتكلم بشيء فكنا نسميه مبارك اليمامة. وكانت هذه القصة في حجة الوداع، وكان ﷺ يناغي القمر وهو في مهده: أي يحدثه يقال ناغت المرأة الصبي إذا كلمته بما يسره ويعجبه، وعد ذلك من خصائصه. ففي حديث فيه مجهول، وقيل فيه إنه غريب المتن والإسناد، عن عمه العباس ﵁ أنه قال يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك إشارة أي علامة نبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر: أي تحدثه، فتشير إليه بأصبعك، فحيثما أشرت إليه مال قال: كنت أحدثه ويحدثني، ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته: أي سقطته حين يسجد تحت العرش أي ولم أقف على سنه ﷺ حين ذلك، وكان مهده ﷺ يتحرك بتحريك الملائكة، وعده ابن سميع رحمه الله تعالى من خصائصه.
، وأسمع وجبته: أي سقطته حين يسجد تحت العرش أي ولم أقف على سنه ﷺ حين ذلك، وكان مهده ﷺ يتحرك بتحريك الملائكة، وعده ابن سميع رحمه الله تعالى من خصائصه.
باب: تسميته ﷺ محمدا وأحمدا لا يخفى أن جميع أسمائه ﷺ مشتقة من صفات قامت به توجب له المدح والكمال، فله من كل وصف اسم. قال: وكما أن الله ﷿ ألف اسم للنبي ﷺ ألف اسم. عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وهو الباقر، من بقر العلم، أتقنه قال: أمرت آمنة أي في المنام وهي حامل برسول الله ﷺ أن تسميه أحمد وعن ابن إسحق ﵀ أن تسميه محمد وقد تقدم قال: والثاني هو المشهور في الروايات أي وعلى الأول اقتصر الحافظ الدمياطي ﵀. والمسمي له بمحمد جده عبد المطلب. فعن ابن عباس ﵄ قال: «لما ولد رسول الله ﷺ عقّ عنه: أي يوم سابع ولادته جده بكبش وسماه محمدا؟ فقيل له: يا أبا الحرث ما حملك على أن تسميه محمدا ولم تسمه باسم آبائه. وفي لفظ: وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء وتحمده الناس في الأرض» اهـ.
أقول: وهذا هو الموافق لما اشتهر أن جده سماه محمدا بإلهام من الله تعالى تفاؤلا بأن يكثر حمد الخلق له، لكثرة خصاله الحميدة التي يحمد عليها، ولذلك كان أبلغ من محمود وإلى ذلك يشير حسان ﵁ بقول: فشق له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمد وهذا الإلهام لا ينافي أن تكون أمه قالت له إنها أمرت أن تسميه بذلك، وقد حقق الله رجاءه بأنه ﷺ تكاملت فيه الخصال المحمودة والخلال المحبوبة فتكاملت له ﷺ المحبة من الخالق والخليقة، فظهر معنى اسمه على الحقيقة. وفي الخصائص الصغرى: وخص ﷺ باشتقاق اسمه من اسم الله تعالى وبأنه ﷺ سمي أحمد ولم يسم به أحد قبله، ولإفادته الكثرة في معناه، لأنه لا يقال إلا لمن حمد المرة بعد المرة، لما يوجد فيه من المحاسن والمناقب. ادّعى بعضهم أنه من صيغ المبالغة: أي الصيغ المفيدة للمبالغة بالمعنى المذكور استعمالا لا وضعا لأن الصيغ الموضوعة لإفادة المبالغة منحصرة في الصيغ الخمسة وليس هذا منها.
من صيغ المبالغة: أي الصيغ المفيدة للمبالغة بالمعنى المذكور استعمالا لا وضعا لأن الصيغ الموضوعة لإفادة المبالغة منحصرة في الصيغ الخمسة وليس هذا منها. وهذا السياق يدل على أن تسميته ﷺ بذلك كانت في يوم العقيقة، وأن العقيقة كانت في اليوم السابع من ولادته، وتقدم: ولد الليلة لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا، وهو يدل على أن تسميته ﷺ بذلك كانت في ليلة ولادته أو يومها. وقد يقال: لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون قوله هنا: وسماه محمدا، معناه أظهر تسميته بذلك لعموم الناس، وهذا التعليل للتسمية بهذا الاسم يرشد إلى ما قيل: اقتضت الحكمة أن يكون بين الاسم والمسمى تناسب في الحسن والقبح واللطافة والكثافة، ومن ثم غير ﷺ الاسم القبيح بالحسن وهو كثير، وربما غير الاسم الحسن بالقبيح للمعنى المذكور كتسميته لأبي الحكم بأبي جهل، وتسميته لأبي عامر الراهب بالفاسق. وجاء «أنه ﷺ قال لبعض أصحابه ادع لي إنسانا يحلب ناقتي، فجاءه بإنسان، فقال له ما اسمك؟ فقال له حرب، فقال اذهب. فجاءه بآخر فقال: ما اسمك؟ فقال يعيش، فقال احلبها» . ويروى «أنه ﷺ طلب شخصا يحفر له بئرا، فجاءه رجل، فقال له ما اسمك؟ قال مرة، فال اذهب» وليس هذا من الطيرة التي كرهها ونهى عنها، وإنما هو من كراهة الاسم القبيح، ومن ثم كان ﷺ يكتب لامرائه «إذا أبردتم لي بريدا فأبردوه» أي إذا أرسلتم لي رسولا فأرسلوه «حسن الاسم حسن الوجه» ومن ثم لما قال له سيدنا عمر ﵁ لما قال لمن أراد أن يحلب له ناقته أو يحفر له البئر ما تقدم «لا
أدري أقول أم أسكت، فقال له رسول الله ﷺ قل، قال: قد كنت نهيتنا عن التطير، فقال له ﷺ: ما تطيرت ولكن آثرت الاسم الحسن» وللجلال السيوطي كتاب فيمن غير رسول الله ﷺ اسمه، ولم أقف عليه. ورأيت في كلام بعضهم «أن حزن بن أبي وهب أسلم يوم الفتح وهو جد سعيد ابن المسيب أراد النبي ﷺ تغيير اسمه وتسميته سهلا فامتنع وقال لا أغير اسما سمانيه أبواي، قال سعيد: فلم تزل الحزونة فينا» والله أعلم. أي وفي حديث «أنه ﷺ عقّ عن نفسه بعد ما جاءته النبوة» قال الإمام أحمد، هذا منكر: أي حديث منكر، والحديث المنكر من أقسام الضعيف لا أنه باطل كما قد يتوهم، والحافظ السيوطي لم يتعرض لذلك وجعله أصلا لعمل المولد، قال لأن العقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا الذي فعله النبي ﷺ إظهارا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين، وتشريعا لأمته، كما كان يصلي على نفسه لذلك. قال: فيستحب لنا إظهار الشكر بمولده ﷺ هذا كلامه. ويروى أن عبد المطلب إنما سماه محمدا لرؤيا رآها: أي في منامه، رأى كأن سلسلة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق وأهل المغرب يتعلقون بها فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه، يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدا: أي مع ما حدثته به أمه بما رأته على ما تقدم.
فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه، يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدا: أي مع ما حدثته به أمه بما رأته على ما تقدم. وعن أبي نعيم عن عبد المطلب قال: بينما أنا نائم في الحجر، إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش، فلما نظرت إليّ عرفت في وجهي التغير فقالت: ما بال سيدهم قد أتى متغير اللون؟ هل رابه من حدثان الدهر شيء؟ فقلت لها بلى، فقلت لها، إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورا أزهر منها، ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا، ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا، فيكسر أظهرهم، ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا فلم أنله، فانتبهت مذعورا فزعا، فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك، ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب، وتدين له الناس، وعند ذلك قال عبد المطلب لابنه أبي طالب: لعلك أن تكون هذا المولود، فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعد ما ولد ﷺ ويقول: كانت الشجرة هي محمد ﷺ.
ه الناس، وعند ذلك قال عبد المطلب لابنه أبي طالب: لعلك أن تكون هذا المولود، فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعد ما ولد ﷺ ويقول: كانت الشجرة هي محمد ﷺ.
وفي الإمتاع: لما مات قثم بن عبد المطلب قبل مولد رسول الله ﷺ بثلاث سنين وهو ابن تسع سنين وجد عليه وجدا شديدا، فلما ولد رسول الله ﷺ سماه قثم حتى أخبرته أمه آمنة أنها أمرت في منامها أن تسميه محمدا، فسماه محمدا: أي ولا مخالفة بين هذه الروايات على تقدير صحتها كما لا يخفى، لأنه يجوز أن يكون نسي تلك الرؤية ثم تذكرها، ويكون معنى سؤاله: ما حملك على أن تسميه محمدا وليس من أسماء قومك؟ أي لم استقر أمرك على أن تسميه محمدا؟ وذكر بعضهم أنه لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم: يعني محمدا قبله إلا ثلاثة طمع آباؤهم حين وفدوا على بعض الملوك وكان عنده علم من الكتاب الأول، وأخبرهم بمبعث النبي ﷺ: أي بالحجاز وبقرب زمنه وباسمه المذكور الذي هو محمد، وهو يدل على أن اسمه في بعض الكتب القديمة محمد، وكان كل واحد منهم قد خلف زوجته حاملا فنذر كل واحد منهم إن ولد له ذكر أن يسميه محمدا، ففعلوا ذلك. وفي الشفاء أن في هذين الاسمين محمد وأحمد من بدائع آياته: أي المصطفى وعجائب خصائصه أن الله تعالى حماهما عن أن يسمى بهما أحد قبل زمانه: أي قبل شيوع وجوده. أما أحمد الذي أتى في الكتب القديمة وبشرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمنع الله تعالى بحكمته أن يتسمى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله منذ خلقت الدنيا وفي حياته. زاد الزين العراقي: ولا في زمن أصحابه رضي الله تعالى عنهم حتى لا يدخل لبس أو شك على ضعيف القلب: أي فالتسمية به من خصائصه ﷺ على جميع الناس ممن تقدمه، خلافا لما يوهمه كلام الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى أنه من خصائصه على الأنبياء فقط. ومن ثم ذهب بعضهم إلى أفضليته على محمد. وقال الصلاح الصفدي: إنّ أحمد أبلغ من محمد، كما أن أحمر وأصفر أبلغ من محمر ومصفر، ولعله لكونه منقولا عن أفعل التفضيل، لأنه ﷺ أحمد الحامدين لرب العالمين، لأنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله.
غ من محمر ومصفر، ولعله لكونه منقولا عن أفعل التفضيل، لأنه ﷺ أحمد الحامدين لرب العالمين، لأنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله. وفي الهدى: لو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه لكان الأولى أن يسمى الحماد كما سميت بذلك أمته، وأما هذا فهو الذي يحمده أهل السماء والأرض وأهل الدنيا والآخرة، لكثرة خصاله المحمودة التي تزيد على عد العادين وإحصاء المحصين: أي أحق الناس وأولاهم بأن يحمد، فهو كمحمد في المعنى، فهو مأخوذ من الفعل الواقع على المفعول لا الواقع من الفاعل. وحينئذ فالفرق بين محمد وأحمد أن محمدا من كثر حمد الناس له، وأحمد من يكون حمد الناس له أفضل من حمد غيره، وسيأتي عن الشفاء أنه أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، فيجوز أن
يكون أحمد مأخوذا من الفعل الواقع عن المفعول، كما يجوز أن يكون مأخوذا من الفعل الواقع من الفاعل. وفي كلام السهيلي: ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان قبل أحمد، فبأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمد، لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، وأطال في بيان ذلك. وفي كلام بعض فقهائنا معاشر الشافعية: أنه ليس في أحمد من التعظيم ما في محمد، لأنه أشهر أسمائه الشريفة وأفضلها فلذلك لا يكفي الإتيان به في التشهد بدل محمد. وقد جاء «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» قال بعضهم: وعبد الله أحب من عبد الرحمن لإضافة العبد إلى الله المختص به تعالى اتفاقا والرحمن مختص به على الأصح ومن ثم سمى نبينا ﷺ في القرآن بعبد الله في قوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن: الآية ١٩] وعلى ما ذكر هنا يكون بعد عبد الرحمن المذكور في القرآن في قوله تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ [الفرقان: الآية ٦٣] أحمد ثم محمد: أي وبعدهما إبراهيم خلافا لمن جعله بعد عبد الرحمن. وذكر بعضهم أن أول من تسمى بأحمد بعد نبينا ﷺ ولد لجعفر بن أبي طالب، وعليه يشكل ما تقدم عن الزين العراقي. وقيل والد الخليل: أي ولعل المراد به الخليل بن أحمد صاحب العروض. ثم رأيت الزين العراقي صرح بذلك حيث قال: وأول من تسمى في الإسلام أحمد والد الخليل بن أحمد العروضي. ويشكل على ذلك وعلى قوله لم يسمّ به أحد في زمن الصحابة تسمية ولد جعفر بن أبي طالب بذلك، إلا أن يقال لم يصح ذلك عند العراقي، أو يقال مراد العراقي أصحابه الذين تخلفوا عنه بعد وفاته، فلا يرد جعفر لأنه مات في حياته ﷺ وهو خامس خمسة كل يسمي الخليل بن أحمد، وزاد بعضهم سادسا، وكذلك محمد أيضا لم يتسم به أحد قبل وجوده ﷺ وميلاده إلا بعد أن شاع أن نبيا يبعث اسمه محمد بالحجاز وقرب زمنه، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك، وحمى الله تعالى هؤلاء أن يدّعي أحد منهم النبوة أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه شيء من سماتها، أي علاماتها حتى تحققت له ﷺ.
قليل من العرب أبناءهم بذلك، وحمى الله تعالى هؤلاء أن يدّعي أحد منهم النبوة أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه شيء من سماتها، أي علاماتها حتى تحققت له ﷺ. وفي دعوى أن الذي في الكتب القديمة إنما هو أحمد مخالفة لما سبق، وما يأتي عن التوراة والإنجيل: أي فالمراد بالكتب القديمة غالبها، فلا ينافي أن في بعضها اسمه محمد، وفي بعضها اسمه أحمد، وفي بعضها الجمع بين محمد وأحمد. قال بعضهم: سمعت محمد بن عدي وقد قيل له: كيف سماك أبوك في الجاهلية محمدا؟ قال: سألت أبي، أي عما سألتني عنه، قال: خرجت رابع أربعة من تميم نريد الشام، فنزلنا عند غدير عند دير، فأشرف علينا الديراني وقال: إن هذه
للغة قوم ما هي لغة أهل هذه البلد، فقلنا له: نحن قوم من مضر، فقال: من أيّ المضائر؟ فقلنا: من خندف، فقال لنا: إن الله سيبعث فيكم نبيا وشيكا: أي سريعا فسارعوا إليه، وخذوا حظكم ترشدوا، فإنه خاتم النبيين، فقلنا له: ما اسمه؟ قال محمد، ثم دخل ديره، فو الله ما بقي أحد منا إلا زرع قوله في قلبه، فأضمر كل واحد منا إن رزقه الله غلاما سماه محمدا، رغبة فيما قاله: أي فنذر كل واحد منا ذلك، فلا يخالف ما سبق. قال: فلما انصرفنا ولد لكل واحد منا غلام فسماه محمدا رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالاته. أقول: يجوز أن يكون هؤلاء الأربعة منهم الثلاثة الذين وفدوا على بعض الملوك. وحينئذ تكرر لهم هذا القول من الملك ومن صاحب الدير، وإضمار ذلك لا ينافي نذره المتقدم، فالمراد باضماره نذره كما قدمناه. ويجوز أن يكونوا غيرهم فيكونوا سبعة.
ئذ تكرر لهم هذا القول من الملك ومن صاحب الدير، وإضمار ذلك لا ينافي نذره المتقدم، فالمراد باضماره نذره كما قدمناه. ويجوز أن يكونوا غيرهم فيكونوا سبعة. وذكر ابن ظفر أن سفيان بن مجاشع نزل على حيّ من تميم فوجدهم مجتمعين على كاهنتهم وهي تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، فقال لها سفيان: من تذكرين لله أبوك؟ فقالت: صاحب هدى وعلم وحرب وسلم، فقال سفيان: من هو لله أبوك؟ فقالت نبي مؤيد، قد آن حين يوجد، ودنا أوان يولد، يبعث للأحمر والأسود اسمه محمد، فقال سفيان: أعربي أم عجمي؟ فقالت: أما والسماء ذات العنان والشجر ذوات الأفنان، إنه لمن معدّ بن عدنان، حسبك فقد أكثرت يا سفيان، فأمسك عن سؤالها ومضى إلى أهله وكانت امرأته حاملا فولدت له ولدا فسماه محمدا، رجاء منه أن يكون هو النبي الموصوف، والله أعلم. وقد عدّ بعضهم ممن سمي بمحمد ستة عشر، ونظمهم في قوله: إن الذين سموا باسم محمد ... من قبل خير الخلق ضعف ثمان ابن البراء مجاشع بن ربيعة ... ثم ابن مسلم يحمدي حرماني ليثي السليمي وابن أسامة ... سعدي وابن سواءة همداني وابن الجلاح مع الأسيدي يا فتى ... ثم الفقيمي هكذا الحمراني قال بعضهم: وفاته آخران لم يذكرهما، وهما: محمد بن الحارث، ومحمد بن عمر بن مغفل بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام. ووقع النزاع الكثير والخلاف الشهير في أوّل من سمي بذلك الاسم منهم. أقول: وفي شرح الكفاية لابن الهائم. ويمكن أن يكون من زاد على أولئك الأربعة أو السبعة سمع ذلك من بعضهم فاقتدى به في ذلك، طمعا فيما طمع فيه. ومثل ذلك وقع لبني إسرائيل، فإن يوسف صلوات الله وسلامه عليه لما حضرته
الوفاة أعلم بني إسرائيل بحضور أجله، وكان أول أنبيائهم، فقالوا له: يا نبي الله إنا نحب أن تعلمنا بما يؤول إليه أمرنا بعد خروجك من بين أظهرنا في أمر ديننا فقال لهم: إن أموركم لم تزل مستقيمة حتى يظهر فيكم رجل جبار من القبط، يدعي الربوبية، يذبح أبناءكم ويستحيي نساءكم، ثم يخرج من بني إسرائيل رجل اسمه موسى بن عمران فينجيكم الله به من أيدي القبط، فجعل كل واحد من بني إسرائيل إذا جاء له ولد يسميه عمران رجاء أن يكون ذلك النبي منه. ولا يخفى أن بين عمران أبي موسى وعمران أبي مريم أم عيسى. وهو آخر أنبياء بني إسرائيل- ألف وثمانمائة سنة، والله أعلم. والذي أدرك الإسلام ممن تسمى باسمه ﵊ محمد بن ربيعة ومحمد بن الحارث، ومحمد بن مسلمة. وادعى بعضهم أن محمد بن مسلمة ولد بعد مولد النبي ﷺ بأكثر من خمسة عشر سنة. أي وقد ذكر ابن الجوزي أن أول من تسمى في الإسلام بمحمد محمد بن حاطب. وعن ابن عباس «اسمي في القرآن أي كالتوراة محمد، وفي الإنجيل أحمد» . وأما فضل التسمية بهذا الاسم: أعني محمدا، فقد جاء في أحاديث كثيرة، وأخبار شهيرة: أي منها أنه ﷺ قال: قال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لا أعذب أحدا تسمى باسمك في النار» أي باسمك المشهور وهو محمد أو أحمد. ومنها «ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد» أي وفي رواية: «فيها اسمي إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتين» ومنها قال: «يوقف عبدان أي اسم أحدهما أحمد والآخر محمد بين يدي الله تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة، فيقولان ربنا بما استأهلنا الجنة ولم نعمل عملا تجازينا به الجنة؟ فيقول الله تعالى: ادخلا الجنة، فإني آليت على نفسي أن لا يدخل النار من اسمه أحمد أو محمد» لكن قال بعضهم: ولم يصح في فضل التسمية بمحمد حديث، وكل ما ورد فيه فهو موضوع، قال بعض الحفاظ: وأصحها أي أقربها للصحة «من ولد له مولود فسماه محمدا حبا لي وتبركا باسمي كان هو ومولوده في الجنة» .
مد حديث، وكل ما ورد فيه فهو موضوع، قال بعض الحفاظ: وأصحها أي أقربها للصحة «من ولد له مولود فسماه محمدا حبا لي وتبركا باسمي كان هو ومولوده في الجنة» . وعن أبي رافع عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سميتموه محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه» وفي رواية طعن فيها بأن بعض رواتها متهم بالوضع «فلا تسبوه، ولا تجبهوه، ولا تعنفوه، وشرّفوه، وعظموه، وأكرموه، وبروا قسمه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجها، بورك في محمد، وفي بيت فيه محمد، وفي مجلس فيه محمد» وفي رواية «تسمونه محمدا ثم تسبونه» وفي رواية طعن فيها «أما يستحي أحدكم أن يقول يا محمد ثم يضربه» وعن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما «من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمدا فقد جهل» أي وفي رواية «فهو من الجفاء» وفي أخرى «فقد جفاني» . وذكر بعضهم وإن لم يرد في المرفوع «من أراد أن يكون حمل زوجته ذكرا فليضع يده على بطنها وليقل إن كان هذا الحمل ذكرا فقد سميته محمدا فإنه يكون ذكرا» . وجاء عن عطاء قال: «ما سمي مولود في بطن أمه محمدا إلا كان ذكرا» قال ابن الجوزي في الموضوعات: وقد رفع هذا بعضهم: أي وروي «ما اجتمع قوم قط في مشورة فيهم رجل اسمه محمد لم يدخلوه في مشورتهم إلا لم يبارك فيه» أي في الأمر الذي اجتمعوا له، وفي رواية: «فيهم رجل اسمه محمد أو أحمد فشاوروه إلا خير لهم: أي إلا حصل لهم الخير فيما تشاوروا فيه: «وما كان اسم محمد في بيت إلا جعل الله في ذلك البيت بركة» واتهم راوي ذلك بأنه مجروح. وروي «ما قعد قوم قط على طعام حلال فيهم رجل اسمه اسمي إلا تضاعفت فيهم البركة» أي اسمه المشهور وهو أحمد أو محمد كما تقدم. وفي الشفاء: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض عبادتهم» أي بالباء الموحدة «كل دار فيها اسم محمد» أي حراسة أهل كل دار فيها اسم محمد. وقد ذكر الحافظ السيوطي أن هذا الحديث غير ثابت. وعن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما قال: «من كان له حمل فنوى أن يسميه محمدا حوّله الله تعالى ذكرا وإن كان أنثى» قال بعض رواة الحديث فنويت سبعة كلهم سميتهم محمدا. وعنه ﷺ «من كان له ذو بطن فأجمع أن يسميه محمدا رزقه الله تعالى غلاما» .
لله تعالى ذكرا وإن كان أنثى» قال بعض رواة الحديث فنويت سبعة كلهم سميتهم محمدا. وعنه ﷺ «من كان له ذو بطن فأجمع أن يسميه محمدا رزقه الله تعالى غلاما» . وشكت إليه ﷺ امرأة بأنها لا يعيش لها ولد، فقال لها: «اجعلي لله عليك أن تسميه- أي الولد الذي ترزقينه- محمدا، ففعلت فعاش ولدها» . وعن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا «ليس أحد من أهل الجنة إلا يدعى باسمه- أي ولا يكنى- إلا آدم ﷺ فإنه يدعى أبا محمد تعظيما له وتوقيرا للنبي ﷺ» أي لأن العرب إذا عظمت إنسانا كنته، ويكنى الإنسان بأجلّ ولده قاله الحافظ الدمياطي. وفي رواية «ليس أحد- أي من أهل الجنة- يكنى إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد» أي وفي حديث معضل «إذا كان يوم القيامة نادى مناد يا محمد قم فادخل الجنة بغير حساب، فيقوم كل من اسمه محمد يتوهم أن النداء له، فلكرامة محمد ﷺ لا يمنعون» . وفي الحلية لأبي نعيم عن وهب بن منبه قال: كان رجل عصى الله مائة سنة-
أي في بني إسرائيل- ثم مات فأخذوه وألقوه في مزبلة، فأوحى الله تعالى إلى موسى ﵊ أن أخرجه فصل عليه، قال: يا رب إن بني إسرائيل شهدوا أنه عصاك مائة سنة، فأوحى الله إليه: هكذا، إلا أنه كان كلما نشر التوراة ونظر إلى اسم محمد قبله ووضعه على عينيه، فشكرت له ذلك وغفرت له وزوجته سعبين حوراء» . ومن الفوائد أنه جرت عادة كثير من الناس إذا سمعوا بذكر وضعه ﷺ أن يقوموا تعظيما له ﷺ، وهذا القيام بدعة لا أصل لها: أي لكن هي بدعة حسنة، لأنه ليس كل بدعة مذمومة. وقد قال سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في اجتماع الناس لصلاة التراويح: نعمت البدعة. وقد قال العز بن عبد السلام: إن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة، وذكر من أمثلة كل ما يطول ذكره. ولا ينافي ذلك قوله ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا. أي شرعنا- ما ليس منه فهو رد عليه» لأن هذا عام أريد به خاص. فقد قال: إمامنا الشافعي قدس الله سره: ما أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهو البدعة الضلالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك فهو البدعة المحمودة. وقد وجد القيام عند ذكر اسمه ﷺ من عالم الأمة ومقتدي الأئمة دينا وورعا الإمام تقي الدين السبكي، وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره، فقد حكى بعضهم أن الإمام السبكي اجتمع عنده جمع كثير من علماء عصره فأنشد منشد قول الصرصري في مدحه ﷺ: قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب ... على ورق من خط أحسن من كتب وأن تنهض الأشراف عند سماعه ... قياما صفوفا أو جثيا على الركب فعند ذلك قام الإمام السبكي ﵀ وجميع من في المجلس، فحصل أنس كبير بذلك المجلس، ويكفي مثل ذلك في الاقتداء.
اف عند سماعه ... قياما صفوفا أو جثيا على الركب فعند ذلك قام الإمام السبكي ﵀ وجميع من في المجلس، فحصل أنس كبير بذلك المجلس، ويكفي مثل ذلك في الاقتداء. وقد قال ابن حجر الهيتمي: والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها، وعمل المولد واجتماع الناس له كذلك أي بدعة حسنة، ومن ثم قال الإمام أبو شامة شيخ الإمام النووي: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده ﷺ من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبته ﷺ وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر الله على ما منّ به من إيجاد رسول الله ﷺ الذي أرسله رحمة للعالمين، هذا كلامه. قال السخاوي: لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد، ويتصدقون
في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. قال ابن الجوزي: من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام. وأول من أحدثه من الملوك صاحب أربل وصنف له ابن دحية كتابا في المولد سماه «التنوير بمولد البشير النذير» فأجازه بألف دينار، وقد استخرج له الحافظ ابن حجر أصلا من السنة، وكذا الحافظ السيوطي، وردا على الفاكهاني المالكي في قوله إن عمل المولود بدعة مذمومة.
» فأجازه بألف دينار، وقد استخرج له الحافظ ابن حجر أصلا من السنة، وكذا الحافظ السيوطي، وردا على الفاكهاني المالكي في قوله إن عمل المولود بدعة مذمومة.
باب ذكر رضاعه ﷺ وما اتصل به يقال إنه ﷺ ارتضع من ثمانية من النساء، وقيل من عشرة بزيادة: خولة بنت المنذر، وأم أيمن عزيزة قالت: أول من أرضع رسول الله ﷺ ثويبة: أي بعد إرضاع أمه له كما سيأتي، قال: وثويبة هي جارية عمه أبي لهب، وقد أعتقها حين بشرته بولادته ﷺ: أي فإنها قالت له: أما شعرت أن آمنة ولدت ولدا. وفي لفظ غلاما لأخيك عبد الله، فقال لها: أنت حرة، فجوزي بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين، بأن يسقى ماء في جهنم في تلك الليلة: أي ليلة الاثنين، في مثل النقرة التي بين السبابة والإبهام اهـ: أي أن سبب تخفيف العذاب عنه يوم الاثنين ما يسقاه تلك الليلة في تلك النقرة. ويذكر أن بعض أهل أبي لهب: أي وهو أخوه العباس رضي الله تعالى عنه رآه في النوم في حالة سيئة، فعن العباس رضي الله تعالى عنه قال: مكثت حولا بعد موت أبي لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شرّ حال: فقلت له: ماذا لقيت. فقال له أبو لهب: لم أذق بعدكم رخاء. وفي لفظ: فقال له بشر خيبة، بفتح الخاء المعجمة، وقيل بكسر الخاء: وهي سوء الحال، غير أني سقيت في هذه وأشار إلى النقرة المذكورة بعتاقتي ثويبة، ذكره الحافظ الدمياطي. والذي في المواهب: وقد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم: فقيل له: ما حالك؟ فقال في النار، إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمصّ من بين أصبعيّ هاتين ماء، وأشار برأس أصبعيه، وأن ذلك بإعتاقي لثوبية عند ما بشرتين بولادة النبي ﷺ وبإرضاعها له فليتأمل. وقيل إنه إنما أعتقها لما هاجر ﷺ إلى المدينة: أي فإن خديجة رضي الله تعالى عنها كانت تكرمها وطلبت من أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها فأبى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أعتقها أبو لهب.
أقول: قد يقال: لا منافاة لجواز أن يكون لما أعتقها لم يظهر عتقها وإباؤه بيعها لكونها كانت معتوقة ثم أظهر عتقها بعد الهجرة والله أعلم. وإرضاعها له ﷺ كان أياما قلائل قبل أن تقدم حليمة، وكان بلبن ابن لها يقال له مسروح، وهو بضم الميم وسين مهملة ساكنة ثم راء مضمومة ثم حاء مهملة، كذا في النور. وفي السيرة الشامية بفتح الميم، وكانت قد أرضعت قبله أبا سفيان ابن عمه ﷺ الحارث. وفي كلام بعضهم كان تربا له ﷺ، وكان يشبهه، وكان يألفه إلفا شديدا قبل النبوة فلما بعث ﷺ عاداه وهجره وهجا أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فإنه كان شاعرا مجيدا وسيأتي إسلامه رضي الله تعالى عنه عند توجهه ﷺ لفتح مكة وأرضعت ثويبة رضي الله تعالى عنها قبلهما عمه ﷺ حمزة بن عبد المطلب، وكان أسنّ منه ﷺ بسنتين، وقيل بأربع سنين. أقول: هذا يخالف ما تقدم من أن عبد المطلب تزوج من بني زهرة هالة وأتى منها بحمزة، وأن عبد الله تزوج من بني زهرة آمنة وذلك في مجلس واحد، وأن آمنة حملت برسول ﷺ عند دخول عبد الله بها، وأنه دخل بها حين أملك عليها فكيف يكون حمزة أسنّ منه ﷺ بسنتين، إلا أن يقال ليس فيما تقدم تصريح بأن عبد المطلب وعبد الله دخلا على زوجتيهما في وقت واحد. وعبارة السهيلي: هالة بنت وهيب عبد بن مناف بن زهرة عم آمنة بنت وهب أم النبي ﷺ تزوجها عبد المطلب، وتزوج ابنه عبد الله آمنة في ساعة واحدة، فولدت هالة لعبد المطلب حمزة، وولدت آمنة لعبد الله رسول الله ﷺ، ثم أرضعتهما ثويبة، هذا كلامه، وليس فيه كقول «أسد الغابة» المتقدم أن عبد المطلب تزوج هو وعبد الله في مجلس واحد تصريح بأنهما دخلا بزوجتيهما في وقت واحد، لإمكان حمل التزوج على الخطبة المصرح بها فيما تقدم عن ابن المحدث: أن عبد المطلب خطب هالة في مجلس خطبة عبد الله لآمنة، والله أعلم. ثم رأيت في الاستيعاب قال: كان أي حمزة أسنّ من رسول الله ﷺ بأربع سنين، وهذا لا يصح عندي لأن الحديث الثابت أن حمزة أرضعته ثويبة مع رسول الله ﷺ، إلا أن تكون أرضعتهما في زمانين، هذا لفظه، وفيه ما علمت، وفيه أيضا على تسليم أنها أرضعتهما في زمانين، لكن بلبن ابنها مسروح كما سيأتي.
مع رسول الله ﷺ، إلا أن تكون أرضعتهما في زمانين، هذا لفظه، وفيه ما علمت، وفيه أيضا على تسليم أنها أرضعتهما في زمانين، لكن بلبن ابنها مسروح كما سيأتي. ويبعد بقاء لبن ابنها مسروح أربع سنين ثم أرضعت به رسول الله ﷺ، وسيأتي الجواب عنه. وأرضعت ثويبة رضي الله تعالى عنها بعده ﷺ أبا سلمة بن عبد الأسد أي ابن عمته الذي كان زوجا لأم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
فقد أرضعت ثويبة حمزة ثم أبا سفيان ابن عمه الحارث ثم رسول الله ﷺ، ثم أبا سلمة، وهو مخالف بظاهره لقول المحب الطبري. وأرضعته ثويبة جارية أبي لهب وأرضعت معه حمزة بن عبد المطلب وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد بلبن ابنها مسروح، هذا كلامه، وفيه ما علمت. وقد يجاب بأنه ممكن بأن تكون لم تحمل على ولدها مسروح في المدة المذكورة فاستمر لبنها. وأيضا هي أرضعت بين حمزة ورسول الله ﷺ ابن عمه أبا سفيان الحارث كما علمت. وذكر بعضهم أن أبا سلمة أول من يدعى للحساب اليسير، وقد روي عن النبي ﷺ حديثا واحدا، فعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله ﷺ، فقال: فقد سمعت من رسول الله ﷺ قولا سررت به قال: «لا تصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف عليّ خيرا منها إلا فعل به» قال الترمذي حسن غريب.
سررت به قال: «لا تصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف عليّ خيرا منها إلا فعل به» قال الترمذي حسن غريب. ويدل لكون أبي سلمة أخاه ﷺ من الرضاعة ما جاء عن أم حبيبة قالت: «دخل عليّ رسول الله ﷺ، فقلت له: هل لك في أختي بنت أبي سفيان» أي وهي عزة بعين مهملة ثم زاي: أي وفي رواية «هل لك في أختي حمنة بنت أبي سفيان» والذي في مسلم «انكح أختي عزة» أي وفي البخاري «أنكح أختي بنت أبي سفيان، قال: أو تحبين ذلك؟ قالت نعم، لست لك بمخلية» بضم الميم وسكون الخاء وكسر اللام وبالتحتية: أي لست لك بتاركة عدم أخذها، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي ﷺ: فإن ذلك لا يحل لي، قالت: فو الله إني أنبئت» أي وفي لفظ «إنا لنتحدث أنك تخطب درة» أي وفي لفظ «تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة» أي بضم الدال المهملة، وأما ضبطه بفتح الذال المعجمة قال بعضهم: هو تصحيف لا شك فيه، تعني بدرة بنتها من أبي سلمة «قال: ابنة أبي سلمة؟ قلت نعم، فقال: والله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة: أرضعتني وإياه ثويبة» أي وفي رواية «لولا أني لم أنكح أم سلمة يعني أم حبيبة التي هي أمها لم تحل لي، إن أباها أخي من الرضاعة» أي وأختك على فرض أن لا تكون بنت أخي من الرضاعة لا يحل لي أن أجمعها معك «فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» قيل وفي هذا: أي وفي قوله «لو لم تكن ربيبتي في حجري» وفي قوله: تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النّساء: الآية ٢٣] حجة لداود الظاهري أن الربيبة لا تحرم إلا إذا كانت في حجر زوج أمها، فإن لم تكن في حجره فهي حلال له: أي وقيل لها ربيبة لأنها مأخوذة من الرب وهو الإصلاح، لأن زوج أمها يقوم بإصلاح أحوالها. قال: ولك
أن تقول: كان الظاهر الاقتصار على الأخوات، لأن أم حبيبة هي التي عرضت أختها ولم تعرض بنتها التي هي درة. وقد يجاب بأنه ﷺ جعل خطاب أم حبيبة خطابا لجميع زوجاته ﷺ، لأن هذا الحكم لا يختص بواحدة دون أخرى اهـ. أقول: فيه أن هذا واضح لو كان في زوجاته ﷺ من عرض عليه بنته، إلا أن يقال المراد فلا تعرضن لا ينبغي لكن أن تعرضن، وذلك لا يستلزم وقوع العرض بالفعل. ثم رأيت الإمام النووي ﵀ ذكر أن هذا من أم حبيبة: أي من عرض أختها محمول على أنها لم تكن تعلم تحريم الجمع بين الأختين عليه ﷺ. قال: وكذا لم تعلم من عرض بنت أم سلمة تحريم الربيبة، هذا كلامه، وهو يقتضي أن بعض الناس عرض عليه بنت أم سلمة. وإذا كان من عرضها عليه إحدى نسائه اتجه قوله: «فلا تعرضن عليّ بناتكن» تأمل. وبهذا الحديث استدل من قال: إنه لا يجوز له ﷺ أن يجمع بين المرأة وأختها، وهو الراجح من وجهين. ومقابله يقول: خص بجواز ذلك له، ولا يجمع بين المرأة وبنتها، خلافا لوجه حكاه الرافعي، وهذا الحديث وهو قوله ﷺ: «لو لم أنكح أم سلمة لم تحل لي» يردّ هذا الوجه. وعبارة الخصائص الصغرى: وله ﷺ الجمع بين المرأة وأختها وعمتها وخالتها في أحد الوجهين، وبين المرأة وابنتها في وجه حكاه الرافعي وتبعه في الروضة. وجزموا بأنه غلط، والله أعلم. ومما يدل أيضا على أن عمه ﷺ حمزة أخوه من الرضاعة ما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «قلت: يا رسول الله ما لك لا تتوّق في قريش» أي بمثناتين فوق مفتوحتين ثم واو مشددة ثم قاف: أي لا تتشوق إليهم، مأخوذ من التوق الذي هو الشوق. وفي رواية بالتاء والنون: أي لا تختار ولا تتزوج منهم. قال: أو عندك؟ قلت نعم ابنة حمزة: أي عمه، وهي أمامة وهي أحسن فتاة في قريش، قال: «تلك ابنة أخي من الرضاعة» أي وهذا، من عليّ رضي الله تعالى عنه محمول على أنه لم يكن يعلم بتحريم بنت الأخ من الرضاعة عليه ﷺ، أو أنه لم يكن يعلم أن عمه حمزة أخ له ﷺ من الرضاعة. وفيه أنه جاء رواية «أليس قد علمت أنه أخي من الرضاعة، وأن الله قد حرم من الرضاعة ما حرم من النسب» إلا أن يراد بقوله: «قد علمت» أي أعلم. قال:
الرضاعة. وفيه أنه جاء رواية «أليس قد علمت أنه أخي من الرضاعة، وأن الله قد حرم من الرضاعة ما حرم من النسب» إلا أن يراد بقوله: «قد علمت» أي أعلم. قال:
ولعله لم يقل أرضعتني وإياه ثويبة كما قال ذلك في أبي سلمة، لأن ثويبة أرضعت حمزة، ثم رسول الله ﷺ، ثم أبا سلمة لأن حمزة رضيعه أيضا من امرأة من بني سعد غير حليمة، كان حمزة رضي الله تعالى عنه مسترضعا عندها في بني سعد، أرضعته ﷺ يوما وهي عند حليمة: أي فهو رضيعه ﷺ من جهة ثويبة، ومن جهة تلك المرأة السعدية، ولم أقف على اسم تلك المرأة اهـ: أي ولو اقتصر على ثويبة لأوهم أنه لم يرتضع معه على غيرها. وذكر في الأصل أن بعضهم ذكر من مراضعه ﷺ خولة بنت المنذر. أقول: وتقدم ذلك، ونسب هذا البعض في ذلك للوهم، وأن خولة بنت المنذر التي هي أم بردة إنما كانت مرضعة لولده إبراهيم. وقد يجاب عنه بأنه يجوز أن تكون خولة بنت المنذر اثنتان: واحدة أرضعته ﷺ، وواحدة أرضعت ولده إبراهيم، وأن خولة التي أرضعته ﷺ هي السعدية التي كانت ترضع حمزة التي قال فيها الشمس الشامي: لم أقف على اسم تلك المرأة، والله أعلم، ولم يذكر إسلام ثويبة إلا ابن منده. قال الحافظ ابن حجر: وفي طبقات ابن سعد ما يدل على أنها لم تسلم، ولكن لا يدفع نقل ابن منده به. وفي الخصائص الصغرى: لم ترضعه ﷺ مرضعة إلا أسلمت ولم أقف على إسلام ابنها مسروح. أقول: ومما يدل على عدم إسلامه ما جاء بسند ضعيف «إذا كان يوم القيامة أشفع لأخ لي في الجاهلية» قال الحافظ السيوطي: يعني أخاه من الرضاعة لأنه لم يدرك الإسلام. لا يقال: من أين أنه مسروح جاز أن يكون ابن حليمة، وهو عبد الله الذي كان يرضع معه ﷺ، بناء على أنه لم يدرك الإسلام، لأنه لم يعرف له إسلام. لأنا نقول: سيأتي عن شرح الهمزية لابن حجر أن عبد الله ولد حليمة أسلم، والله أعلم. أي وقد يدل على عدم إسلام ثويبة وابنها المذكور الذي هو مسروح ما جاء «أنه ﷺ كان يبعث لها بصلة وكسوة وهي بمكة، حتى جاءه خبر وفاتها مرجعه ﷺ من خيبر سنة سبع، فقال: ما فعل ابنها مسروح، فقيل مات قبلها» أي ولو كانا أسلما لهاجرا إلى المدينة.
لها بصلة وكسوة وهي بمكة، حتى جاءه خبر وفاتها مرجعه ﷺ من خيبر سنة سبع، فقال: ما فعل ابنها مسروح، فقيل مات قبلها» أي ولو كانا أسلما لهاجرا إلى المدينة. أقول: وهذا بظاهره يدل على أن مسروحا أدرك الإسلام. وقد ينافي علم وفاتهما مرجعه ﷺ من خيبر ما ذكر السهيلي أنه ﵊ كان يصلها من المدينة، فلما افتتح مكة سأل عنها وعن ابنها مسروح، فأخبر أنهما ماتا.
وقد يقال: لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون سؤاله الثاني للتثبت لوصوله محل إقامتهما. والقول بأنهما لو كانا أسلما لهاجرا إلى المدينة. يقال عليه: يجوز أن تكون الهجرة تعذرت عليهما لعارض عرض لهما، والله أعلم. قال: وجاء أن أمه أرضعته ﷺ تسعة أيام. أقول: وعن عيون المعارف للقضاعي سبعة أيام. وفي الإمتاع أنها أرضعته ﷺ سبعة أشهر، ثم أرضعته ثويبة أياما قلائل، هذا كلامه، وقوله ثم أرضعته ثويبة يخالف ما تقدم، من أن أول من أرضعه ثويبة، إلا أن يقال المراد أول من أرضعه غير أمه ثويبة فلا مخالفة. وبهذا يرد نقل ابن المحدث عن الأصل أن أول لبن نزل جوفه ﷺ لبن ثويبة، فإنه فهم ذلك من قول الأصل: أول من أرضعه ثويبة، لما علمت أن الأولية إضافية لا حقيقية، إلا أن يدعى ذلك في نقل ابن المحدّث أيضا: أي أول لبن نزل جوفه ﷺ بعد لبن أمه والله أعلم. قال: وأرضعه ﷺ ثلاث نسوة: أي أبكار من بني سليم، أخرجن ثديهن فوضعنها في فمه فدرت في فيه فرضع منهن، وأرضعته ﷺ أم فروة اهـ. أي وهؤلاء النسوة الأبكار كل واحدة منهن تسمى عاتكة، وهى اللاتي عناهن ﷺ بقوله: «أنا ابن العواتك من سليم» على ما تقدم. وما تقدم من أن أم أيمن أرضعته ﷺ ذكره في الخصائص الصغرى، ردّ بأنها حاضنته لا مرضعته. وعلى تقدير صحته ينظر بلبن أي ولد لها كان، فإنه لا يعرف لها ولد إلا أيمن وأسامة، إلا أن يقال جاز أن لبنها در له ﷺ من غير وجود ولد كما تقدم في النسوة الأبكار. وأرضعته ﷺ حليمة بنت أبي ذؤيب، وتكنى أم كبشة: أي باسم بنت لها اسمها كبشة، ويكنى بها أيضا والدها الذي هو زوج حليمة: أي وكانت من هوازن أي من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسيأتي الكلام على إسلامها.
بشة: أي باسم بنت لها اسمها كبشة، ويكنى بها أيضا والدها الذي هو زوج حليمة: أي وكانت من هوازن أي من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسيأتي الكلام على إسلامها. وعنها أنها كانت تحدّث أنها خرجت من بلدها معها ابن لها ترضعه اسمه عبد الله، ومعها زوجها. قال: وهو الحارث بن عبد العزى، ويكنى أبا ذؤيب: أي كما يكنى أبا كبشة أدرك الإسلام وأسلم. فقد روى أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن السائب أنه بلغه «أن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة، فقام رسول الله ﷺ وأجلسه بين يديه» .
وعن ابن إسحق: بلغني أن الحارث إنما أسلم بعد وفاة النبي ﷺ، وهو يؤيد قول بعضهم: لم يذكر الحارث كثير ممن ألف في الصحابة اهـ. أقول: يدل للأول ظاهر ما روي «أن الحارث هذا قدم على رسول الله ﷺ بمكة بعد نزول القرآن عليه ﷺ» فقالت له قريش: أو تسمع يا حارث ما يقول ابنك؟ فقال: وما يقول؟ قالوا: يزعم أن الله يبعث من في القبور، وأن لله دارين يعذب فيهما من عصاه، ويكرم فيهما من أطاعه: أي يعذب في إحداهما من عصاه وهي النار، ويكرم في الأخرى من أطاعه وهي الجنة، فقد شتت أمرنا، وفرق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بني، ما لك ولقومك، يشكونك ويزعمون أنك تقول كذا: أي أن الناس يبعثون، بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة ونار «فقال له رسول الله ﷺ، نعم أنا أقول ذلك» وفي لفظ «أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت فلآخذن بيدك حتى أعرّفك حديثك اليوم» فأسلم الحارث بعد ذلك وحسن إسلامه: أي وقد كان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة، وإنما قلنا ظاهر، لأنه قد يقال قوله بعد ذلك يصدق بما بعد وفاته ﷺ، فلا دلالة في ذلك على أنه أسلم في حياته ﷺ. وفي شرح الهمزية لابن حجر: ومن سعادتها يعني حليمة توفيقها للإسلام هي وزوجها وبنوها، وهم: عبد الله، والشيما، وأنيسة، هذا كلامه. وفي الإصابة أن رسول الله ﷺ كان جالسا- أي على ثوب- فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه ﷺ فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه ﷺ من الرضاعة، فقام رسول الله ﷺ فجلس بين يديه» ورجاله ثقات، ولعل المراد بجلوسه بين يديه جلوسه مقابله، وحينئذ ففاعل جلس النبي ﷺ، وضمير يديه راجع لأخيه: أي قام ﷺ عن محل جلوسه على الثوب، وأجلس أخاه على الثوب مكانه وجلس ﷺ قبالة أخيه، فعل ﷺ ذلك ليكون أخوه هو وأبواه جميعا على الثوب، والله أعلم.
اجع لأخيه: أي قام ﷺ عن محل جلوسه على الثوب، وأجلس أخاه على الثوب مكانه وجلس ﷺ قبالة أخيه، فعل ﷺ ذلك ليكون أخوه هو وأبواه جميعا على الثوب، والله أعلم. قالت: وخرجت في نسوة من بني سعد: أي ابن بكر بن هوازن عشرة يطلبن الرضعاء في سنة شهباء: أي ذات جدب وقحط لم تبق شيئا، على أتان قمراء بفتح القاف والمد: أي شديد البياض، ومعنى شارف أي ناقة مسنة، ما تبض بالضاد المعجمة، وربما روي بالمهملة: أي ما ترشح بقطرة لبن، قالت: وما كنا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي. وفي رواية ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه بمعجمتين، وقيل بمعجمة ثم مهملة، وقيل بإسكان العين المهملة وكسر الذال المعجمة وضم الباء الموحدة: أي ما يكفيه بحيث يرفع رأسه وينقطع عن الرضاعة. قالت حليمة: ولكنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على
أتاني تلك، فلقد أدمت بالدال المهملة وتشديد الميم بالركب: أي حبسته بتأخرها عنه لشدة عنائها وتعبها لضعفها وهزالها، حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس: أي نطلب الرضعاء جمع رضيع، وأدمّ مأخوذ من الماء الدائم، يقال أدم بالركب: إذا أبطأ حتى حبسهم، ويروى بالمعجمة: أي جاء بما يذم عليه وهو هنا الإبطاء. أقول: لأنه كان من شيم العرب وأخلاقهم إذا ولد لهم ولد يلتمسون له مرضعة في غير قبيلتهم، ليكون أنجب للولد، وأفصح له. وقيل لأنهم كانوا يرون أنه عار على المرأة أن ترضع ولدها انتهى: أي تستقل برضاعه. ويدل للأول ما جاء أنه ﷺ كان يقول لأصحابه «أنا أعربكم» أي أفصحكم عربية «أنا قرشي، واسترضعت في بني سعد» وجاء «أنا أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما قال له ﷺ: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله، فقال له: ما يمنعني وأنا من قريش، وأرضعت في بني سعد؟» فهذا كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات. ومن ثم نقل عن عبد الملك بن مروان أنه كان يقول: أضر بنا حب الوليد، يعني ولده، لأنه لمحبته له أبقاه مع أمه في المصر ولم يسترضعه في البادية مع الأعراب، فصار لحانا لا عربية له. وأخوه سليمان استرضع في البادية مع الأعراب فصار عربيا غير لحان.
ته له أبقاه مع أمه في المصر ولم يسترضعه في البادية مع الأعراب، فصار لحانا لا عربية له. وأخوه سليمان استرضع في البادية مع الأعراب فصار عربيا غير لحان. قالت حليمة: فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها يتيم، وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق: أي عزمنا عليه، قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك الرضيع فلآخذنه، قال: لا عليك: أي لا بأس عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، فذهبت إليه فأخذته. أقول: وهذا السياق قد يخالف قول بعضهم: إن عبد المطلب خرج يلتمس له المراضع فجاءت له حليمة ابنة أبي ذؤيب، إلا أن يقال: جاز أن يكون التماسه للمراضع غير حليمة كان عند قدومهن، وأبين أن يقبلن، ثم طلب من حليمة ذلك بعد أن لم يجد رضيعا. ويدل لذلك قول صاحب «شفاء الصدور» إن حليمة قالت: استقبلني عبد المطلب فقال: من أنت؟ فقلت: أنا امرأة من بني سعد قال: ما اسمك؟ قلت حليمة، فتبسم عبد المطلب وقال: بخ بخ، سعد وحلم، خصلتان فيهما خير الدهر وعز الأبد، يا حليمة إن عندي غلاما يتيما، وقد عرضته على نساء بني سعد فأبين أن يقبلن وقلن: ما عند اليتيم من الخير، إنما نلتمس الكرامة من
الآباء، فهل لك أن ترضعيه، فعسى أن تسعدي به؟ فقلت: ألا تذرني حتى أشاور صاحبي، فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته، فكأن الله قذف في قلبه فرحا وسرورا، فقال لي: يا حليمة خذيه، فرجعت إلى عبد المطلب فوجدته قاعدا ينتظرني، فقلت: هلمّ الصبي، فاستهل وجهه فرحا، فأخذني وأدخلني بيت آمنة، فقالت لي أهلا وسهلا، وأدخلتني في البيت الذي فيه محمد ﷺ، فإذا هو مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن، وتحته حريرة خضراء، راقد على قفاه يغط، يفوح منه رائحة المسك، فأشفقت: أي خفت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا وفتح عينيه إليّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه وأخذته، وما حملني على أخذه: أي أكد أخذه إلا أني لم أجد غيره، وإلا فما ذكرته من أوصافه مقتض لأخذه: أي وهذه الرواية ربما تدل على أنها لم تره قبل ذلك، وأن إباءها كان قبل رؤيتها له، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل ثدياي بما شاء الله من لبن فشرب حتى روي: أي من الثدي الأيمن، وعرضت عليه الأيسر فأباه. قالت حليمة: وكانت تلك حالته بعد: أي بعد ذلك: لا يقبل إلا ثديا واحدا وهو الأيمن.
لله من لبن فشرب حتى روي: أي من الثدي الأيمن، وعرضت عليه الأيسر فأباه. قالت حليمة: وكانت تلك حالته بعد: أي بعد ذلك: لا يقبل إلا ثديا واحدا وهو الأيمن. وفي السبعيات للهمداني: أن أحد ثديي حليمة كان لا يدر اللبن منه، فلما وضعته في فم رسول الله ﷺ در اللبن منه. قالت: وشرب معه أخوه حتى روي ثم نام، وما كنا ننام معه قبل ذلك: أي فعدم نومه من الجوع، فقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حافل: أي ممتلئة الضرع من اللبن، فجلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، قلت: والله إني لأرجو ذلك، ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته ﷺ معي عليها فو الله لقطعت بالركب: أي صيرته خلفها ما يقدر عليها: أي على مرافقتها ومصاحبتها شيء من حمرهن، حتى أن صواحبي يقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب، ويحك، اربعي: أي اعطفي علينا بالرفق وعدم الشدة في السير، أليس هذا أتانك التي كنت خرجت عليها تخفضك طورا وترفعك أخرى؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي، فيقلن: والله إن لها لشأنا: أي وقالت حليمة فكنت أسمع أتاني تنطق وتقول: والله إن لي لشأنا ثم شأنا، شأني بعثني الله بعد موتي، ورد لي سمني بعد هزالي، ويحكن يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة، وهل تدرين من على ظهري؟ على ظهري خير النبيين، وسيد المرسلين، وخير الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين، ذكره في النطق المفهوم. وذكرت أنها لما أرادت فراق مكة رأت تلك الأتان سجدت: أي خفضت رأسها نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت. قالت: ثم قدمنا



