— Bagian 55 · ي شرطته، فانطلق بنا حتى قدمنا عليه: أي في بيت ال… —
Bagian 55
ي شرطته، فانطلق بنا حتى قدمنا عليه: أي في بيت المقدس، فإذا هو جالس وعليه التاج وعظماء الروم حوله، فقال لترجمانه: أي وهو المعبر عن لغة بلغة وهو معرّب. وقيل اسم عربي، سلهم أيهم أقرب نسبا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ أي وفي لفظ: لهذا الرجل الذي خرج بأرض العرب يزعم أنه نبي، فقال أبو سفيان، أنا أقربهم نسبا إليه، لأنه لم يكن في الركب يومئذ من بني عبد مناف غيري: أي لأن عبد مناف هو الأب الرابع له ﷺ وكذا لأبي سفيان، أي وزاد في لفظ: ما قرابتك منه؟ قلت: هو ابن عمي، فقال له: ادن مني ثم أمر بأصحابي، فجعلوا خلف ظهري ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه إنما قدمت هذا أمامكم كي أسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، وإنما جعلتكم خلف ظهره لتردوا عليه كذبا إن قاله: أي حتى لا تستحيوا أن تشافهوه بالتكذيب إذا كذب، قال أبو سفيان: فو الله لولا الحياء يومئذ أن يردوا عليّ كذبا لكذبت، ولكني استحيت، فصدقت وأنا كاره، أي وفي رواية: لولا مخافة أن يؤثر عني الكذب لكذبت: أي لولا خفت أن ينقل عني الكذب إلى قومي ويتحدثوا به في بلادي لكذبت عليه، لبغضي إياه ومحبتي نقصه، وبه يعلم أن الكذب من القبائح جاهلية وإسلاما. ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ قلت: هو منا ذو نسب. قال: قل له هل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قلت: لا قال: قل له هل كنتم تتهمونه بالكذب على الناس قبل أن يقول ما قال؟ قلت لا. أي وفي رواية: هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره لعله يطلب ملكا وشرفا كان لأحد من أهل بيته قبله. قال: هل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا، أي وزاد في رواية: كيف عقله ورأيه؟ قال لم نعب عليه عقلا ولا رأيا قط. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، أي والمراد بأشراف الناس أهل النخوة وأهل التكبر، فلا يرد مثل أبي بكر وعمر وحمزة رضي الله تعالى عنهم ممن أسلم قبل هذا السؤال. وعند ابن إسحاق رحمه الله تعالى: تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث، وأما ذوو الأحساب والشرف فما تبعه منهم أحد، وهو محمول على الأكثر الأغلب:
السؤال. وعند ابن إسحاق رحمه الله تعالى: تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث، وأما ذوو الأحساب والشرف فما تبعه منهم أحد، وهو محمول على الأكثر الأغلب: أي الأكثر والأغلب أن أتباعه ﷺ ضعفاء. قال: فهل يزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه: أي كراهة له وعدم رضا به بعد أن
يدخل فيه؟ قلت لا. ولا يقال هذا منقوض بما لعبد الله بن جحش حيث ارتد ببلاد الحبشة لأنه يرتد كراهية للإسلام بل لغرض نفساني كما تقدم. قال: فهل يغدر إذا عاهد؟ قلت لا ونحن الآن منه في ذمة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت نعم. قال: فكيف حربكم وحربه؟ قلت دول وسجال، ندل عليه مرة أي كما في أحد، ويدال علينا أخرى أي كما في بدر، وقد تقدم في أحد أن أبا سفيان رضي الله تعالى عنه قال يوم أحد يوم بيوم بدر والحرب سجال: أي نوب. وفي لفظ قال أبو سفيان: انتصر علينا مرة يوم بدر وأنا غائب ثم غزوتهم في بيوتهم ببقر البطون وبجدع الآذان والأنوف والفروج، وأشار بذلك إلى يوم أحد. قال: فما يأمركم به؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا أي والذي في البخاري يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدقة. وفي لفظ: والزكاة. وفي لفظ جمع بين الصدق والصدقة والعفاف أي ترك المحارم وخوارم المروءة، ويأمرنا بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة. فقال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك: هل هذا القول قاله أحد منكم قبله فزعمت أن لا فلو كان أحد منكم قال هذا القول قبله لقلت هو يأتم بقول قيل قبله. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى. وسألتك: هل كان من آبائه ملك فقلت لا فلو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل: أي لأن الغالب أن أتباع الرسل أهل الاستكانة لا أهل الاستكبار. وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك: هل يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه فزعمت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، إذا حصل به انشراح الصدور والفرح به لا يسخطه أحد. وسألتك:
يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه فزعمت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، إذا حصل به انشراح الصدور والفرح به لا يسخطه أحد. وسألتك: هل قاتلتموه؟ قلت نعم، وإن حربكم وحربه دول وسجال يدال عليكم مرة وتدالون عليه أخرى، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون له العاقبة. وسألتك ماذا يأمركم به فزعمت أنه يأمركم بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. أي وفي البخاري: وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر: أي لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يناله طالبه إلا بالغدر، فعلمت أنه نبي. وقد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أظن أنه فيكم، وإن كان ما حدثني به حقا فيوشك: أي يقرب أن يملك موضع قدمي هاتين.
أي وذكر بعضهم أن هذا يدل على أن هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل كانت عنده في الكتب القديمة من علامات نبوته ﷺ. وفيه أن هذا لا يأتي مع قوله ما تقدم إذ هو يقتضي أن ذلك علامة على رسالة كل رسول ثم قال قيصر: ولو أعلم أني أخلص أي أصل إليه لتجشمت: أي تكلفت مع المشقة لقيه. أي وفي لفظ آخر: لا أستطيع أن أفعل، إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ولا عذر له في هذا، لأنه قد عرف صدق النبي ﷺ وإنما شح بالملك، فطلب الرياسة وآثرها على الإسلام، ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرياسة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: لو تفطن هرقل لقوله ﷺ في الكتاب إليه: «أسلم تسلم» وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لسلم لو أسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله. ثم قال: ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه: أي مبالغة في خدمته والتعبد له، ولا أطلب منه ولاية ولا منصبا.
لسلم لو أسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله. ثم قال: ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه: أي مبالغة في خدمته والتعبد له، ولا أطلب منه ولاية ولا منصبا. قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب النبي ﷺ فقرىء عليه، فإذا فيه «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى» أي ومن لم يتبع الهدى فلا سلام عليه، فليس في هذا بداءة الكافر بالسلام «أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام» أي بالكلمة الداعية للإسلام وهي كلمة التوحيد أي إليها، فالباء موضع إلى «أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين» أي لإيمانك بعيسى ثم بمحمد ﷺ، أو لإيمان أتباعك بسبب إيمانك «فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين» أي فلاحين القرى: أي ومن ثم جاء في رواية: «إثم الفلاحين» وفي رواية «إثم الأكارين» والأكار: الفلاح، لأن أهل السواد وما والاهم أهل فلاحة، والمراد إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك. وخص هؤلاء بالذكر لأنهم أسرع انقيادا من غيرهم، لأن الغالب عليهم الجهل والجفاء وقلة الدين، والمراد عليك مع إثمك إثم رعاياك، لأنه إذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا، فهو متسبب في عدم إسلامهم، والفاعل لمعصية المتسبب لارتكاب غيره لها عليه الإثم من جهتين: جهة فعله وجهة تسببه قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) [آل عمران: الآية ٦٤] والواو في قوله ﷺ: «ويا أهل الكتاب» عاطفة على مقدر معطوف على قوله أدعوك. والتقدير أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك ولأتباعك يا أهل الكتاب.
قيل وهذه الآية كتبها ﷺ قبل نزولها لأنها إنما نزلت في وفد نجران، وذلك في سنة تسع. وهذه القصة كانت في سنة ست، وقيل بعد نزولها لأن نزولها كان في أول الهجرة في شأن اليهود. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وجوز بعضهم نزولها مرتين وهو بعيد كذا قال فليتأمل. قال أبو سفيان رضي الله تعالى عنه: فلما قضى مقالته وفرغ من الكتاب علت أصوات الذين حوله وكثر لغطهم: أي أصواتهم التي لا تفهم. وفي البخاري: كثر عنده الصخب: وارتفاع الأصوات. والصخب. اختلاط الأصوات عند المخاصمة. زاد البخاري: فلا أدري ما قالوا وأمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت أنا وأصحابي وخلصنا قلت لهم لقد أمر أمر ابن أبي كبشة: أي عظم أمره، هذا ملك بني الأصفر يخافه، فما زلت موقنا أن سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام، أي فأظهرت ذلك اليقين لأنه ارتفع. وفي لفظ: فما زلت مرعوبا من محمد حتى أسلمت. وقد تقدم الكلام على كبشة، وهو أن جد وهب لأمه أبو آمنة أم النبي ﷺ كان يكنى أبا كبشة. قال في شرح مسلم: وهو الذي كان يعبد الشعرى، وأبو سلمة أم جده عبد المطلب كان يكنى أبا كبشة، وزوج مرضعته ﷺ كان يكنى أبا كبشة، وتقدم الكلام أيضا على بني الأصفر. ويروى أن أبا سفيان رضي الله تعالى عنه قال لقيصر لما سأله: هل كنتم تتهمونه بالكذب؟ فقال: لا لكن أخبرك عنه أيها الملك خبرا تعرف به أنه قد كذب، قال: وما هو؟ قلت إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح، فقال بطريق: أي قائد من قواد الملك كان واقفا عند رأس قيصر: صدق أيها الملك، فنظر إليه قيصر، فقال: ما أعلمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة أبدا حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول جبلا، فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا: لا نستطيع أن نحركه حتى نصبح، فلما أصبحت جئت إليه فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب. قال في النور: الذي يظهر لي أنه الصخرة: أي المراد بالصخرة في بعض الروايات كما قدمناه، وإذا فيه أثر مربط الدابة فقلت لأصحابي:
ذي في زاوية المسجد مثقوب. قال في النور: الذي يظهر لي أنه الصخرة: أي المراد بالصخرة في بعض الروايات كما قدمناه، وإذا فيه أثر مربط الدابة فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة إلا لهذا الأمر، فقال قيصر لقومه: يا قوم ألستم تعلمون أن بين يدي الساعة نبيا بشركم به عيسى ابن مريم ترجون أن يجعله الله فيكم؟ قالوا: بلى، قال: فإن الله قد جعله في غيركم، وهي رحمة الله ﷿ يضعها حيث يشاء، أي وأمر بإنزال دحية وإكرامه.
وذكر أن ابن أخي قيصر أظهر الغيظ الشديد وقال لعمه: قد ابتدأ بنفسه وسماك صاحب الروم، ألق به: يعني الكتاب، فقال له: والله إنك لضعيف الرأي، أترى أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر؟ هو أحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق، أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه. أي وفي لفظ أن أخا قيصر لما سمع الترجمان يقرأ: «من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم ضرب في صدر الترجمان ضربة شديدة، ونزع الكتاب من يده، وأراد أن يقطعه، فقال له قيصر: ما شأنك؟ فقال: تنظر في كتاب رجل قد بدأ بنفسه قبلك وسماك قيصر صاحب الروم وما ذكر لك ملكا؟ فقال له قيصر: إنك أحمق صغير أو مجنون كبير، أتريد أن تمزق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه؟ ولعمري إن كان رسول الله كما يقول لنفسه أحق أن يبدأ بها مني، ولئن سماني صاحب الروم لقد صدق، ما أنا إلا صاحبهم وما أملكهم، ولكن الله سخرهم لي، ولو شاء لسلطهم عليّ كما سلط فارس على كسرى فقتلوه. ولما جاء ﷺ الخبر عن قيصر قال: «ثبت ملكه» وفي لفظ: «سيكون لهم بقية، ولقد صدق الله ورسوله» . فقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن الملك المنصور قلاوون أرسل بعض أمرائه إلى ملك المغرب بهدية فأرسله ملك المغرب إلى الفرنج في شفاعة فقبله وأكرمه وقال له لأتحفنك بتحفة سنية فأخرج له صندوقا مصفحا بالذهب وأخرج منه مقلمة، وفي لفظ قصبة من الذهب.
ية فأرسله ملك المغرب إلى الفرنج في شفاعة فقبله وأكرمه وقال له لأتحفنك بتحفة سنية فأخرج له صندوقا مصفحا بالذهب وأخرج منه مقلمة، وفي لفظ قصبة من الذهب. فعن السهيلي رحمه الله تعالى قال: بلغني أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيما له، فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، وقد ألصق عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وذكر لنا آباؤنا عن آبائهم أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزول الملك عنا فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه، ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا، أي ولا ينافيه ما جاء: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» لأن المراد إذا زال ملكه عن الشام لا يخلفه فيه أحد، وكان كذلك لم يبق إلا ببلاد الروم. أي ويروى أن قيصر لما رجع من بيت المقدس إلى محل دار ملكه وهي حمص، أي فإنه لما ظهر على الفرس وأخرجهم من بلاده نذر أن يأتي بيت المقدس ماشيا شكرا لله، فلما أراد الذهاب إلى بيت المقدس ماشيا بسط له البسط وطرح له عليها الرياحين، ولا زال يمشي على ذلك إلى أن وصل إلى بيت المقدس كما سيأتي، فلما رجع إلى حمص كان له فيها قصر عظيم، فأغلق أبوابه وأمر مناديا ينادي: ألا إن هرقل قد آمن بمحمد واتبعه، فدخلت الأجناد في سلاحها وطافت تريد قتله فأرسل إليهم: إني أردت اختبار صلابتكم في دينكم، فقد رضيت فرضوا عنه.
والذي في البخاري أن قيصر لما سار إلى حمص أذن لعظماء الروم في دسكرة له، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع، فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد أغلقت، فلما رأى قيصر نفرتهم وأيس من الإيمان منهم أي وقالوا له اتدعونا أن نترك النصرانية ونصير عبيدا لأعرابي، فقال ردوهم عليّ وقال: إني قلت مقالتي أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه. وعند ذلك كتب كتابا وأرسله مع دحية إلى رسول الله ﷺ يقول فيه إني مسلم ولكنني مغلوب، وأرسل بهدية، فلما قرىء عليه ﷺ الكتاب قال: كذب عدو الله، ليس بمسلم، وقبل ﷺ هديته وقسمها بين المسلمين، ومصداق قوله ﷺ: أن قيصر بعد هذه القصة بدون سنتين قاتل المسلمين بغزوة مؤتة. وفي صحيح ابن حبان عن أنس رضي الله تعالى عنه: «أن النبي ﷺ كتب إليه أيضا من تبوك يدعوه وأنه قارب الإجابة ولم يجب» وفي مسند الإمام أحمد: «أنه كتب من تبوك إلى النبي ﷺ إني مسلم، فقال النبي ﷺ: كذب إنه على نصرانيته» . وفي لفظ: «كذب عدو الله والله إنه ليس بمسلم» . قال الحافظ ابن حجر ﵀: فعلى هذا إطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن: أي أظهر التصديق، لكنه لم يستمر عليه ولم يعمل بمقتضاه، بل شح بملكه، وآثر العافية على العاقبة لعنة الله عليه، أي لأنه تحقق كفره أي وقد ذكر حامل كتابه إليه ﷺ قال جئت تبوك فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا، فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: هو هذا، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره، ثم قال: من أنت؟ قلت: أنا أحد تنوخ، قال: هل لك في الإسلام دين الحنيفة ملة إبراهيم؟ قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، فضحك ﷺ وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) [القصص: الآية ٥٦] فلما فرغ من قراءة كتابي قال: إن لك حقا، وإنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا قوم سفر، فقال رجل: أنا أجوزه، فأتى بحلة فوضعها في حجري، فسألت عنه؟ فقيل لي: إنه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
و وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا قوم سفر، فقال رجل: أنا أجوزه، فأتى بحلة فوضعها في حجري، فسألت عنه؟ فقيل لي: إنه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
ذكر كتابه ﷺ إلى كسرى ملك فارس على يد عبد الله بن حذافة، أي لأنه كان يتردد عليه كثيرا بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة السهمي، وقيل أخاه خنيسا، وقيل أخاه خارجة، وقيل شجاع بن وهب، وقيل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم إلى
كسرى، وبعث معه كتابا مختوما فيه «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس» أي الذين هم أتباعك. قال عبد الله بن حذافة رضي الله تعالى عنه: فأتيت إلى بابه وطلبت الإذن عليه حتى وصلت إليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ، فقرىء عليه، فأخذه ومزقه. أي وفي رواية: «أن كسرى لما أعلم بكتاب رسول الله ﷺ، فأذن بحامل الكتاب أن يدخل عليه، فلما وصل أمر كسرى أن يقبض منه الكتاب، فقال: لا، حتى أدفعه إليك كما أمرني رسول الله ﷺ، فقال كسرى ادنه، فدنا فناولته الكتاب، فدعا من يقرؤه، فقرأه فإذا فيه: من محمد رسول الله ﷺ إلى كسرى عظيم فارس، فأغضبه حين بدأ رسول الله ﷺ بنفسه وصاح ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، وأمر بإخراج حامل ذلك الكتاب فأخرج، فلما رأى ذلك قعد على راحلته وسار، فلما ذهب عن كسرى سورة غضبه، بعث فطلب حامل الكتاب فلم يجده، فلما وصل إليه ﷺ وأخبره الخبر قال ﷺ: مزق كسرى ملكه» .
رج، فلما رأى ذلك قعد على راحلته وسار، فلما ذهب عن كسرى سورة غضبه، بعث فطلب حامل الكتاب فلم يجده، فلما وصل إليه ﷺ وأخبره الخبر قال ﷺ: مزق كسرى ملكه» . وكتب كسرى إلى بعض أمرائه باليمن له باذان: إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إليّ برأسه، يكتب إليّ هذا الكتاب: أي الذي بدأ فيه بنفسه وهو عبدي، أي وفي رواية: إن تكفيني رجلا خرج بأرضك يدعوني إلى دينه وإلا فعلت فيك كذا يتوعده، فابعث إليه برجلين جلدين فيأتياني به، فبعث باذان بكتاب كسرى إلى النبي ﷺ مع قهرمانه، وبعث معه رجلا آخر من الفرس، وبعث معهما إلى رسول الله ﷺ يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، فخرجا وقدما الطائف، فوجدا رجلا من قريش في أرض الطائف. فسألاه عنه، فقال: هو بالمدينة. فلما قدما عليه ﷺ المدينة قالا له: شاهنشاه ملك الملوك كسرى بعث إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتي بك، وقد بعثنا إليك فإن أبيت هلكت وأهلكت قومك وخربت بلادك، وكانا على زي الفرس من حلق لحاهم وإعفاء شواربهم، فكره ﷺ النظر إليهما، ثم قال لهما: ويلكما، من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله ﷺ: ولكن أمرني ربي بإعفاء لحيتي وقص شاربي، ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتياني غدا، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بأن الله قد سلط على كسرى ابنه يقتله في شهر كذا في ليلة كذا، فلما كان الغد دعاهما وأخبرهما الخبر، وكتب رسول الله ﷺ إلى باذان: إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى يوم كذا من شهر كذا. فلما أتى الكتاب
باذان توقف، وقال إن كان نبيا فسيكون ما قال، فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله ﷺ على يد ولده شيرويه، قيل قتله ليلا بعد ما مضى من الليل سبع ساعات فيكون المراد باليوم في تلك الرواية مجرد الوقت: أي وفي رواية: قال ﷺ لرسول باذان: اذهب إلى صاحبك وقل له إن ربي قد قتل ربك الليلة، ثم جاء الخبر بأن كسرى قتل تلك الليلة فكان كما أخبر ﷺ، فلما جاءه ﷺ هلاك كسرى قال: «لعن الله كسرى، أول الناس هلاكا فارس ثم العرب» . وعن جابر بن سمرة ﵄ أنه ﷺ قال: «لتفتحن عصابة من المسلمين أو المؤمنين أو رهط من أمتي كنوز كسرى التي في القصر الأبيض» فكنت أنا وأبي فيهم، وأصبنا من ذلك ألف درهم وقدم على باذان كتاب ولد كسرى شيرويه، فيه: أما بعد، فقد قتلت كسرى ولم أقتله إلا غضبا لفارس فإنه قتل أشرافهم. فتفرق الناس، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وانظر الرجل الذي كان كسرى يكتب إليك فيه فلا تزعجه حتى يأتيك أمري فيه، فبعث باذان بإسلامه وإسلام من معه إلى رسول الله ﷺ. هذا وفي رواية أنه قيل له ﷺ: إن كسرى قد استخلف ابنته. فقال: «لا يفلح قوم تملكهم امرأة» .
أمري فيه، فبعث باذان بإسلامه وإسلام من معه إلى رسول الله ﷺ. هذا وفي رواية أنه قيل له ﷺ: إن كسرى قد استخلف ابنته. فقال: «لا يفلح قوم تملكهم امرأة» .
ذكر كتابه ﷺ للنجاشي ملك الحبشة على يد عمرو بن أمية الضمري ﵁ بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري ﵁ إلى النجاشي وبعث معه كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، سلم أنت: أي أنت سالم» لأن السلم يأتي بمعنى السلامة «فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن. وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة» : أي العفيفة: أي المنقطعة عن الرجال التي لا شهوة لها فيهم، أو المنقطعة عن الدنيا وزينتها، ومن ثم قيل لفاطمة بنت النبي ﷺ البتول «فحملت بعيسى. حملته من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والمولاة على طاعته، وأن تتبعني وتوقن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله ﷿، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى» فلما وصل إليه الكتاب وضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض، ثم أسلم ودعا بحق من عاج، أي وهو الفيل، وجعل فيه كتاب رسول الله ﷺ وقال: لن تزال الحبشة
وصل إليه الكتاب وضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض، ثم أسلم ودعا بحق من عاج، أي وهو الفيل، وجعل فيه كتاب رسول الله ﷺ وقال: لن تزال الحبشة
بخير ما كان هذا الكتاب بين أظهرهم. أي وفي كلام بعضهم: بعث ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فكان أول رسول، وكتب إليه كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، وفي الآخر يأمره أن يزوجه ﷺ أم حبيبة، فأخذ الكتابين وقبلهما ووضعهما على رأسه وعينيه، ونزل عن سريره تواضعا، ثم أسلم وشهد شهادة الحق. وكتب إليه ﷺ النجاشي: أي جواب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله ﷺ، من النجاشي أصحمة، السلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته الذي لا إله إلا هو. زاد في لفظ: الذي هداني للإسلام. أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى ﵊، فورب السماء والأرض إن عيسى ﵊ لا يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعث به إلينا. وقد قرّبنا ابن عمك وأصحابه، يعني جعفر بن أبي طالب ومن معه من المسلمين ﵃، فأشهد أنك رسول الله ﷺ صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، أي جعفر بن أبي طالب، وأسلمت على يده لله رب العالمين. أي وعند ذلك قال ﷺ: «اتركوا الحبشة ما تركوكم» . وذكر أن عمرو بن أمية ﵁ قال للنجاشي. أي عند إعطائه الكتاب: يا أصحمة إن عليّ القول وعليك الاستماع، إنك كأنك في الرقة علينا منا وكأنا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه، ولم نحفظك على شرّ قط إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من قبل آدم، والإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يردّ، وقاض لا يجور، في ذلك موقع الخير وإصابة الفضل، وإلا فأنت في هذا النبي الأمي ﷺ كاليهود في عيسى ابن مريم ﵊، وقد فرق النبي ﷺ رسله إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له، وأمنك على ما خافهم عليه لخير سالف وأجر ينتظر، فقال النجاشي: أشهد بالله إنه للنبي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى ﵊ براكب الحمار كبشارة عيسى ﵊ براكب الجمل، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر. زاد بعضهم: ولكن أعواني من الحبشة قليل، فأنظرني حتى أكثر الأعوان وألين القلوب.
براكب الحمار كبشارة عيسى ﵊ براكب الجمل، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر. زاد بعضهم: ولكن أعواني من الحبشة قليل، فأنظرني حتى أكثر الأعوان وألين القلوب. أقول: كذا في الأصل، وهو صريح في أن هذا المكتوب إليه هو الذي هاجر إليه المسلمون سنة خمس من النبوة، ونعاه ﷺ يوم توفي وصلى عليه بالمدينة منصرفه ﷺ من تبوك، وذلك في السنة التاسعة. والذي قاله غيره كابن حزم أن هذا النجاشي الذي كتب إليه ﷺ الكتاب وبعث به عمرو بن أمية الضمري لم يسلم، وأنه غير النجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ الذي آمن به وأكرم أصحابه، وفي صحيح مسلم ما يوافق ذلك.
ففيه عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النجاشي الذي كتب إليه ليس بالنجاشي الذي صلى عليه. ويردّ بأنه يجوز أن يكون ﷺ كتب للنجاشي الذي صلى عليه وللنجاشي الذي تولى بعده على يد عمرو بن أمية فلا مخالفة. ومن ثم قال في النور: والظاهر أن هذه الكتابة متأخرة عن الكتابة لأصحمة الرجل الصالح الذي آمن به ﷺ وأكرم أصحابه هذا كلامه. وفيه أن رد الجواب على النبي ﷺ بالكتاب المذكور ورده على عمرو بن أمية بقوله أشهد بالله النبي الذي ينتظره أهل الكتاب إلى آخره إنما يناسب الأوّل الذي هو الرجل الصالح ويكون جواب الثاني لم يعلم، وقد تقدم عن ابن حزم أنه لم يسلم. وقال بعضهم: إنه الظاهر، وحينئذ يكون الراوي خلط فوهم أن المكتوب إليه ثانيا هو المكتوب إليه أوّلا كما أشار إليه في الهدى، والله أعلم.
ذكر كتابه ﷺ للمقوقس ملك القبط وهم أهل مصر والإسكندرية وليسوا من بني إسرائيل- على يد حاطب بن أبي بلتعة ﵁. بعث رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ إلى المقوقس، أي فإنه ﷺ عند منصرفه من الحديبية، قال: أيها الناس، أيكم ينطلق بكتابي هذا إلى صاحب مصر وأجره على الله، فوثب إليه حاطب ﵁، وقال، أنا يا رسول الله، قال: بارك الله فيك يا حاطب، قال حاطب ﵁: فأخذت الكتاب وودّعته ﷺ، وسرت إلى منزلي، وشددت على راحلتي، وودعت أهلي وسرت. زاد السهيلي: وأنه ﷺ أرسل مع حاطب جبيرا مولى أبي رهم الغفاري، فإن جبيرا هو الذي جاء بمارية من عند المقوقس. واعترض بأن هذا لا يلزمه أن يكون ﷺ أرسل جبيرا مع حاطب للمقوقس، لجواز أن يكون المقوقس أرسل جبيرا مع حاطب. والمقوقس لقب، وهو لغة:
بمارية من عند المقوقس. واعترض بأن هذا لا يلزمه أن يكون ﷺ أرسل جبيرا مع حاطب للمقوقس، لجواز أن يكون المقوقس أرسل جبيرا مع حاطب. والمقوقس لقب، وهو لغة: المطول للبناء، واسمه جريج بن مينا. وبعث معه ﷺ كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتّين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط» أي الذين هم رعاياك، ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: الآية ٦٤] وختم الكتاب، وجاء به حاطب ﵁ حتى دخل على المقوقس بالإسكندرية: أي بعد أن
ذهب إلى مصر فلم يجده فذهب إلى الإسكندرية، فأخبر أنه في مجلس مشرف على البحر، فركب حاطب ﵁ سفينة وحاذى مجلسه، وأشار بالكتاب إليه، فلما رآه أمر باحضاره بين يديه، فلما جيء به نظر إلى الكتاب وفضه وقرأه، وقال لحاطب: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه: أي من قومه، وأخرجوه من بلده إلى غيرها أن يسلط عليهم، فاستعاد منه الكلام مرتين ثم سكت، فقال له حاطب: ألست تشهد أن عيسى ابن مريم رسول الله؟ فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يقتلوه أن لا يكون دعا عليهم أن يهلكهم الله تعالى حتى رفعه الله إليه؟ قال: أحسنت، أنت حكيم جاء من عند حكيم، ثم قال له حاطب ﵁: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى يعني فرعون فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) [النّازعات: الآية ٢٥] فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك، إن هذا النبي ﷺ دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى عليهما الصلاة والسلام إلا كبشارة عيسى بمحمد ﷺ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قوما فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي.
ى بمحمد ﷺ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قوما فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي. ولسنا ننهاك عن دين المسيح ﵇، ولكنا نأمرك به. فقال: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب عنه، ولم أجده بالساحر الضالّ ولا الكاهن الكذاب، ووجدت معه آلة النبوّة بإخراج الخبء بفتح الخاء المعجمة وهمز في آخره: أي الشيء الغائب المستور، والإخبار بالنجوى، أي يخبر بالمغيبات وسأنظر، وأخذ كتاب النبي ﷺ وجعله في حق عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له. ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبي ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك. أما بعد: فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقي، وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك» ، أي فإنه قد دفع له مائة دينار وخمسة أثواب «وبعثت لك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم» أي وهما مارية وسيرين بالسين المهملة مكسورة «وبثياب: أي وهي عشرون ثوبا من قباطي مصر» قال بعضهم: وبقيت تلك الثياب حتى كفن ﷺ في بعضها. وفي كلام هذا البعض: وأرسل له ﷺ عمائم وقباطي وطيبا وعودا وندا ومسكا مع ألف مثقال من الذهب ومع قدح من قوارير، فكان ﷺ يشرب فيه، أي لأنه سأل حاطبا ﵁ فقال: أي طعام أحب إلى صاحبكم؟ قال: الدباء: يعني القرع، ثم قال له: في أي شيء يشرب؟ قال: في قعب من خشب، ثم قال «وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك» ، ولم يزد على ذلك، ولم يسلم.
ولا يخفى أنه سيأتي أنه أهدى إليه ﷺ زيادة على الجاريتين جارية أخرى اسمها قيسر، وهي أخت مارية، ولعله إنما اقتصر على ذكر الجاريتين دون هذه الثالثة مع أنها أخت مارية لأنها دونهما في الحسن. وذكر بعضهم أن سيرين أيضا أخت مارية، فالثلاث أخوات. وفي ينبوع الحياة لابن ظفر: فأهدى إليه ﷺ المقوقس جواري أربعا، أي ويوافقه قول بعضهم: وأرسل إليه ﷺ جارية سوداء اسمها بريرة. وفي كلام بعضهم أنه ﷺ أهدى إحدى الجاريتين لأبي جهم بن قيس العبدي، فهي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر. وأخرى أهداها لحسان بن ثابت، وهي أم عبد الرحمن بن حسان كما تقدم في قصة الإفك. وأهدى إليه المقوقس زيادة على ذلك خصيا: أي مجبوبا: أي غلام أسود يقال له مأبور بإثبات الراء، وقيل بحذفها، وقيل هابو أي بالهاء بدل الميم وإسقاط الراء ابن عمّ مارية. وكونه كان مجبوبا عند إرساله وكان المهدي له المقوقس هو المشهور. وفي كلام بعضهم أن المهدي له جريج بن مينا القبطي الذي كان على مصر من قبل هرقل، وأنه لم يكن حال الإرسال مجبوبا، وأنه قدم مع مارية فأسلم وحسن إسلامه، وكان يدخل عليها، وأنه رضي من مكانه من دخوله على سرية النبي ﷺ أن يجبّ نفسه فقطع ما بين رجليه حتى لم يبق منه شيء فليتأمل، وسيأتي ما وقع له. وأهدى إليه المقوقس زيادة على البغلة وهي الدلدل، وكانت شهباء. والدلدل في اللغة: اسم للقنفذ العظيم، وكانت أنثى، ولا يستدل بلحوق التاء لها لأنها للوحدة. وفي كلام بعضهم: أجمع أهل الحديث على أن بغلة النبي ﷺ كانت ذكرا لا أنثى، وأول من استنتج البغال قارون. قالوا: والبغل أشبه بأمه منه بأبيه. قيل: ولم يكن يومئذ في العرب بغلة غيرها. وقد قال له سيدنا على ﵁: لو حملنا الحمر على الخيل لكان لنا مثل هذه، فقال رسول الله ﷺ: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون. قال ابن حبان: أي الذين لا يعلمون النهي عنه.
سيدنا على ﵁: لو حملنا الحمر على الخيل لكان لنا مثل هذه، فقال رسول الله ﷺ: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون. قال ابن حبان: أي الذين لا يعلمون النهي عنه. وفيه أن الله امتن بها كالخيل والحمير، ولا يقع الامتنان بالمكروه. وحمارا أشهب يقال له يعفورا وعفير بالعين المهملة مضمومة. وضبطه القاضي عياض بالمعجمة وغلط في ذلك، مأخوذ من العفرة: وهي لون التراب، وفرسا وهو اللزاز، أي فإن المقوقس سأل حاطبا ﵁ ما الذي يحب صاحبك من الخيل؟ فقال له حاطب: الأشقر، وقد يركب عنده فرسا يقال له المرتجز، فانتخب له ﷺ فرسا من خيل مصر الموصوفة، فأسرج وألجم، وهو فرسه ﷺ الميمون. وأهدى له ﷺ عسلا من عسل بنها بكسر الباء الموحدة: قرية من قرى مصر،
وأعجب به ﷺ ودعا في عسل بنها بالبركة، لأنه حين أكل منه قال: إن كان عسلكم أشرف فهذا أحلى، ثم دعا فيه بالبركة. وأهدى إليه مربعة يضع فيها المكحلة وقارورة الدهن والمشط والمقص والمسواك، ومكحلة من عيدان شامية ومرآة ومشطا، أي فإن المقوقس سأل حاطبا عن النبي ﷺ هل يكتحل؟ فقال له: نعم، وينظر في المرآة، ويرجل شعره، ولا يفارق خمسا في سفر كان أو في حضر، وهي: المرآة، والمكحلة، والمشط، والمدرى، والمسواك والمدرى: شيء كالمسلة يفرق به بين شعر الرأس ويحك به لأن حكه بالأصبع يشوش الشعر ويلوي بها قرون شعر الرأس. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: «سبع لم تفارق رسول الله ﷺ في سفر ولا حضر: القارورة التي يكون فيها الدهن، والمشط، والمكحلة، والمقراض» ، أي المقص والمسواك، والمرآة. زاد بعضهم «والإبرة، والخيط» ولعل عدم ذكر ذلك في الكتاب أنه لم يره شيئا ينبغي ذكره. أي وقد قال بعضهم: إن المقوقس أرسل مع الهدية طبيبا، فقال له النبي ﷺ: «ارجع إلى أهلك نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع» . واعترض كون الحمار الذي أرسله المقوقس يسمى يعفورا، بأن الحمار الذي يسمى يعفورا أهداه له فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر. وأهدى إليه أيضا بغلة شهباء يقال لها فضة. وفرسا يقال له الظرب كما تقدم.
ى يعفورا، بأن الحمار الذي يسمى يعفورا أهداه له فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر. وأهدى إليه أيضا بغلة شهباء يقال لها فضة. وفرسا يقال له الظرب كما تقدم. ثم رأيت بعضهم سمى الحمار الذي أهداه عامل قيصر عفيرا أيضا، وعليه فتسمية حمار المقوقس عفيرا أيضا كما في الأصل أن الحمار الذي أهداه المقوقس يقال له يعفورا وعفير من خلط بعض الرواة فلا منافاة. وفي هذا قبول هدية المشركين. وقد تقدم رده ﷺ لهداياهم وقال: لا أقبل زبد المشركين. ومما يشكل عليه أيضا أنه ﷺ في هدنة الحديبية أهدى ﷺ لأبي سفيان عجوة، واستهداه أدما فأهداه إليه أبو سفيان وهو على شركه. وذكر أن المقوقس قال لحاطب رضى الله عنه: القبط لا يطاوعوني في اتباعه، ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك، وأنا أضنّ: أي أبخل بملكي أن أفارقه، وسيظهر على البلاد، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده أي وكان كذلك، فإن المسلمين فتحوا مصر سنة ست عشرة ونزلها الصحابة. فارجع إلى صاحبك، وارحل من عندي، ولا تسمع منك القبط حرفا واحدا. قال حاطب ﵁: فرحلت من عنده، أي وبعث معه جيشا إلى أن دخل جزيرة العرب ووجد قافلة من الشام تريد المدينة فردّ الجيش وارتفق بالقافلة.
قال حاطب: وذكرت قوله للنبي ﷺ، فقال: «ضنّ الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه» . ومن ثم ذكر بعضهم أن هرقل لما علم ميل المقوقس إلى الإسلام عزله، ويخالفه قول بعضهم: وبعث أبو بكر ﵁ حاطبا هذا إلى المقوقس بمصر فصالح القبط، إلا أن يقال: يجوز أن يكون المقوقس عاد لولايته بعد عزله. وذكر بعضهم أن باني الإسكندرية لما أراد بناءها قال: أبني مدينة فقيرة إلى الله غنية عن الناس فدامت، وبنى أخوه مدينة قال عند إرادة بنائها: أبني مدينة فقيرة إلى الناس غنية عن الله، فسلط الله عليها الخراب في أسرع وقت. ولما فتح عمرو بن العاص ﵁ مصر وقف على بعض ما بقي من آثار تلك المدينة فسأل عن ذلك، فأخبر بهذا الخبر.
ذكر كتابه ﷺ للمنذر بن ساوي العبدي بالبحرين على يد العلاء بن الحضرمي بعث رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي، وبعث معه كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوي، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فإني أذكرك الله ﷿، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية» أي وهذا جواب كتاب أرسله المنذر جوابا لكتاب أرسله له ﷺ قبل ذلك يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وحسن إسلامه. أقول: ولم أقف على ذلك الكتاب ولا على حامله. والظاهر أنه العلاء المذكور، فقد ذكر السهيلي ﵀ أن العلاء قدم على المنذر بن ساوي، فقال له:
سلم وحسن إسلامه. أقول: ولم أقف على ذلك الكتاب ولا على حامله. والظاهر أنه العلاء المذكور، فقد ذكر السهيلي ﵀ أن العلاء قدم على المنذر بن ساوي، فقال له: يا منذر إنك عظيم العقل في الدنيا فلا تصغرنّ عن الآخرة، إن هذه المجوسية شر دين، ينكح فيها ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكره من أكله، وتعبدون في الدنيا نارا تأكلكم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب في الدنيا أن لا نصدقه، ولمن لا يخون أن لا نأتمنه، ولمن لا يخلف أن لا نثق به، فإن كان هذا هكذا فهذا هو النبيّ الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن
يقول ليت ما أمر به نهى عنه أو ما نهى عنه أمر به. فقال المنذر: قد نظرت في هذا الذي في يديّ فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للآخرة والدنيا فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت؟ ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده. وإن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله، وسأنظر والله أعلم. ومن جملة كتاب المنذر، أي الذي هذا الكتاب جوابه «أما بعد يا رسول الله، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحبّ الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود فأحدث لي في ذلك أمرك» . وذكر ابن قانع أن المنذر المذكور وفد على النبي ﷺ فهو من الصحابة. قال أبو الربيع: ولا يصح ذلك.
منهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود فأحدث لي في ذلك أمرك» . وذكر ابن قانع أن المنذر المذكور وفد على النبي ﷺ فهو من الصحابة. قال أبو الربيع: ولا يصح ذلك.
ذكر كتابه ﷺ إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ملكي عمان أي بضم العين المهملة وتخفيف الميم: بلدة من بلاد اليمن على يد عمرو بن العاص ﵁. بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص ﵁ إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، وبعث معه كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، سلام على من اتبع الهدى» أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحقّ القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرّا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تحل: أي تنزل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما» وختم رسول الله ﷺ الكتاب. قال عمرو: ثم خرجت حتى انتهيت إلى عمان، فعمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت: إني رسول رسول الله ﷺ إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم عليّ بالسن والملك، وأنا أوصلك به حتى يقرأ كتابك، ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده. وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك؟ يعني العاص بن وائل، فإن لنا فيه قدوة؟ قلت: مات ولم يؤمن بمحمد ﷺ، ووددت له لو كان آمن وصدق به، وقد كنت قبل على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام قال: متى اتبعته؟ قلت: قريبا، فسألني أين كان إسلامي؟ فقلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه قال:
والأساقفة: أي رؤساء النصرانية والرهبان، قلت نعم؟ قال: انظر يا عمرو ما تقول؟ إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له: أي أكثر فضيخة من كذب. قلت: وما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي. قلت له بلى، قال: بأي شيء علمت ذلك يا عمرو؟ قلت: كان النجاشي ﵁ يخرج له خراجا. فلما أسلم النجاشي وصدّق بمحمد ﷺ قال لا والله، ولو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خراجا ويدين دينا محدثا. فقال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع، قال: انظر ما تقول يا عمرو. قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرني: ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله ﷿، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبرّ وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا: أي تابعا. قلت: إنه إن أسلم ملّكه رسول الله ﷺ على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم، قال: إن هذا الخلق حسن، وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله ﷺ من الصدقات في الأموال. أي ولما ذكرت المواشي قال: يا عمرو، يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وترد المياه: فقلت نعم، فقال؟ والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا.
ت المواشي قال: يا عمرو، يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وترد المياه: فقلت نعم، فقال؟ والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا. قال عمرو: فمكث أياما بباب جيفر وقد أوصل إليه أخوه خبري، ثم إنه دعاني فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعي: أي عضدي، قال: دعوه، فأرسلت، فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت إليه، فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه كتابا مختوما، ففض خاتمه، فقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه، ثم قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: اتبعوه، إما راغب في الدين وإما راهب مقهور بالسيف. قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام، واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين، فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه الخرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراءك: أي جماعتك فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال، قال: دعني يومي هذا وارجع إليّ غدا. فلما كان الغد أتيت إليه، فأبى أن يأذن لي، فرجعت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ههنا، وإن بلغت خيله ألفت: أي وجدت قتالا ليس كقتال
من لاقى. قلت وأنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه، فأصبح فأرسل إليّ، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا، وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونا على من خالفني.
ي خلا به أخوه، فأصبح فأرسل إليّ، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا، وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونا على من خالفني.
ذكر كتابه ﷺ إلى هوذة بالذال المعجمة، وقيل بالدال المهملة. قال في النور: ولا أظنه إلا سبق قلم- صاحب اليمامة- أي وزاد بعضهم: وإلى ثمامة بن أثال الحنفيين ملكي اليمامة، وفيه نظر، لأن ثمامة رضي الله تعالى عنه كان مسلما حينئذ على يد سليط بفتح السين المهملة ابن عمرو العامري أي لأنه كان يختلف إلى اليمامة، وبعث معه كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ﷺ إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى. واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر: أي حيث تقطع الإبل والخيل، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك» فلما قدم عليه سليط بكتاب رسول الله ﷺ مختوما أنزله وحياه، وقرأ عليه الكتاب فردّ ردا دون ردّ. فكتب إلى النبي ﷺ: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني فاجعل إليّ بعض الأمر أتبعك، وأجاز سليطا رضي الله تعالى عنه بجائزة، وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على النبي ﷺ فأخبره، وقرأ النبي ﷺ كتابه، وقال: لو سألني سيابة، أي بفتح السين المهملة وتخفيف المثناة من تحت وموحدة مفتوحة: أي قطعة من الأرض ما فعلت، باد وباد ما في يديه. فلما انصرف رسول الله ﷺ من الفتح جاءه جبريل ﵊. فأخبره بأن هوذة قد مات، فقال ﷺ: أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي، أي فقال قائل: يا رسول الله من يقتله؟ فقال له رسول الله ﷺ: أنت وأصحابك، فكان كذلك. أقول: هذا يدل على أن القائل له ﷺ ذلك هو خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه وجهه أميرا على الجيش الذي أرسله لمقاتلة مسيلمة لعنه الله، وتقدم الخلاف في قاتله. والمشهور أنه وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما، وكان سن هوذة مائة وخمسين سنة.
على الجيش الذي أرسله لمقاتلة مسيلمة لعنه الله، وتقدم الخلاف في قاتله. والمشهور أنه وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما، وكان سن هوذة مائة وخمسين سنة. ويذكر أن هوذة هذا كان عنده عظيم من عظماء النصارى حين قال للنبي ﷺ ما قال، فقال له: لم لا تجيبه؟ قال: أنا ملك قومي، ولئن اتبعته لم أملك، فقال: بلى والله لئن اتبعته ليملكنك، وإن الخيرة لك في اتباعه، وإنه النبي العربي الذي بشر به عيسى ابن مريم ﵊، وإنه لمكتوب عندنا في الإنجيل محمد رسول الله الحديث.
أي وذكر السهيلي رحمه الله تعالى أن سليطا قال له: يا هوذة إنه سودتك أعظم حائلة: أي بالية، وأرواح في النار يعني كسرى، لأنه الذي كان توجه، وإنما السيد من متع بالإيمان، ثم تزود بالتقوى. وإن قوما سعدوا برأيك فلا تشقينّ به، وأنا آمرك بخير مأمور به، وأنهاك عن شر منهي عنه، آمرك بعبادة الله، وأنهاك عن عبادة الشيطان، فإن في عبادة الله الجنة، وفي عبادة الشيطان النار. فإن قبلت نلت ما رجوت وأمنت ما خفت، وإن أبيت فبيننا وبينك كشف الغطاء وهو المطلع، فقال هوذة: يا سليط سوّدني من لو سودك تشرفت به، وقد كان لي رأي أختبر به الأمور ففقدته، فاجعل لي فسحة ليرجع إليّ رأيي فأجيبك به إن شاء الله تعالى.
ذكر كتابه ﷺ إلى الحارث بن أبي شمر الغساني أي وكان بدمشق: أي بغوطتها: أي وهو محلّ معروف كثير المياه والشجر. بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني وبعث معه كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق، وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك» وختم الكتاب.
يم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق، وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك» وختم الكتاب. قال شجاع رضي الله تعالى عنه: فخرجت حتى انتهيت إلى بابه، فأقمت يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله ﷺ إليه: فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا، وجعل حاجبه يسألني عن رسول الله ﷺ وما يدعو إليه، فكنت أحدثه فيرق حتى يغلبه البكاء، ويقول: إني قرأت في الإنجيل وأجد صفة هذا النبيّ بعينه فكنت أراه: أي أظنه يخرج بالشام، فأراه قد خرج بأرض القرظ: أي وهو ورق، أو ثمر السلم، فأنا أؤمن به وأصدقه، وأنا أخاف من الحارث بن أبي شمر أن يقتلني، فكان هذا الحاجب يكرمني ويحسن ضيافتي، ويخبرني عن الحارث باليأس منه. ويقول: هو يخاف قيصر، فخرج الحارث يوما وجلس وعلى رأسه التاج وأذن لي عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ فقرأه، ثم رمى به، ثم قال: من ينزع مني ملكي، أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته. عليّ بالناس. فلم يزل جالسا يعرض عليه حتى الليل وأمر بالخيل أن تنعل، ثم قال لي: أخبر صاحبك بما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره الخبر وصادف أن كان عند قيصر دحية الكلبي ﵁، بعثه إليه رسول الله ﷺ، فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب إليه أن لا تسر إليه واله عنه، أي لا تذكره، واشتغل بإيلياء: أي بيت المقدس، ومعنى إيلياء بالعبرانية بيت الله، والمراد باشتغاله بذلك أن يهيىء لقيصر الإنزال ببيت المقدس، فإنه نذر المشي من حمص، وقيل من قسطنطينية إلى بيت المقدس ماشيا شكرا لله تعالى حيث كشف عنه
، والمراد باشتغاله بذلك أن يهيىء لقيصر الإنزال ببيت المقدس، فإنه نذر المشي من حمص، وقيل من قسطنطينية إلى بيت المقدس ماشيا شكرا لله تعالى حيث كشف عنه
جنود فارس، وأظهر الله تعالى الروم على فارس، ففرشوا له بسطا ونثروا عليها الرياحين وهو يمشي عليها حتى بلغ بيت المقدس فجاء إليه كتاب قيصر: أي والذي فيه أنه يلهو عنه ولا يذكره وأنا مقيم فدعاني وقال متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ قلت: غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهبا، ووصلني حاجبه بنفقة وكسوة، وقال لي ذلك الحاجب: اقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام وأخبره أني متبع دينه. قال شجاع: فقدمت على النبي ﷺ فأخبرته بما كان من الحارث، قال باد: أي هلك ملكه، وأقرأته السلام من الحاجب وأخبرته بما قال، فقال رسول الله ﷺ صدق. وفي كلام بعضهم وبعض أهل السير على أن الحارث أسلم، ولكن قال: أخاف أن أظهر إسلامي فيقتلني قيصر. وذكر ابن هشام وغيره أن شجاع بن وهب إنما توجه إلى جبلة بن الأيهم. ويقال إن شجاع بن وهب أرسل إلى الحارث وإلى جبلة بن الأيهم، وإن شجاعا قال له: يا جبلة إن قومك نقلوا هذا النبي من داره إلى دارهم، يعني الأنصار، فآووه ومنعوه ونصروه، وإن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك ولكنك ملكت الشام وجاورت الروم، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس، فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك الروم وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا وكانت لك الآخرة، وقد كنت استبدلت المساجد بالبيع، والأذان بالناقوس، والجمع بالشعانين، وكان ما عند الله خير وأبقى. قال جبلة: إني والله لوددت أن الناس اجتمعوا على هذا النبي اجتماعهم على من خلق السموات والأرض، وقد سرّني اجتماع قومي له، وقد دعاني قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه، ولكني لست أرى حقا ولا باطلا وسأنظر. وفي كلام بعضهم أنه أسلم ورد جواب كتاب رسول الله ﷺ، وأعلمه بإسلامه، وأرسل الهدية، وكان ثابتا على إسلامه لزمن عمر ﵁ فإنه حج في خلافته.
لا باطلا وسأنظر. وفي كلام بعضهم أنه أسلم ورد جواب كتاب رسول الله ﷺ، وأعلمه بإسلامه، وأرسل الهدية، وكان ثابتا على إسلامه لزمن عمر ﵁ فإنه حج في خلافته. أي وفي كلام بعضهم: لما أسلم جبلة بن الأيهم في أيام عمر ﵁ كتب إليه يخبره بإسلامه ويستأذنه في القدوم عليه، فسرّ عمر بذلك، وأذن له، فخرج في خمسين ومائتين من أهل بيته، حتى إذا قارب المدينة عمد إلى أصحابه فحملهم على الخيل، وقلدها بقلائد الذهب والفضة، وألبسها الديباج وسرف الحرير، ووضع تاجه على رأسه، فلم تبق بكر ولا عانس إلا خرجت تنظر إليه وإلى زيه وزينته. فلما دخل على عمر رضي الله تعالى عنه رحب به وأدنى مجلسه، وأقام بالمدينة مكرما، فخرج عمر رضي الله تعالى عنه حاجا فخرج معه وحين تطوف بالبيت وطىء رجل من فزارة إزاره فانحل، فلطم الفزاري لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه، أي ويقال فقأ عينه، فشكا الفزاري ذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فاستدعاه وقال له: لم
هشمت أنفه، أو قال لم فقأت عينه؟ فقال: يا أمير المؤمنين تعمد حلّ إزاري، ولولا حرمة البيت، لضربت عنقه بالسيف، فقال له عمر: إما أنت فقد أقررت، أما أن ترضيه وإلا أقدته منك. وفي رواية: وحكم إما بالعفو أو بالقصاص، فقال جبلة فتصنع بي ماذا؟ قال: مثل ما صنعت به. وفي رواية: أتقتص له مني سواء وأنا ملك وهذا سوقي؟ فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: الإسلام سوى بينكما، ولا فضل لك عليه إلا بالتقوى، فقال: إن كنت أنا وهذا الرجل سواء في الدين فأنا أتنصر، فإني كنت أظن يا أمير المؤمنين أني أكون في الإسلام أعزمني في الجاهلية، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: إذا أضرب عنقك، فقال فأمهلني الليلة حتى أنظر في أمري، قال: ذلك إلى خصمك فقال الرجل: أمهلته يا أمير المؤمنين، فأذن له عمر رضي الله تعالى عنه في الانصراف، ثم ركب في بني عمه وهرب إلى القسطنطينية أي فدخل على هرقل وتنصر هناك ومات على ذلك. وقيل عاد إلى الإسلام ومات مسلما. وكان جبلة رجلا طوالا طوله اثنا عشر شبرا، وكان يمسح الأرض برجليه وهو راكب، فسرّ هرقل به، وزوجه ابنته، وقاسمه ملكه، وجعله من سماره، وبنى له مدينة بين طرابلس واللاذقية سماها جبلة باسمه يقال إن فيها قبر إبراهيم بن أدهم. وقيل المحاكمة كانت عند أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه. أي فقد ذكر بعضهم أن جبلة لم يزل مسلما حتى كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فبينما هو في سوق دمشق إذ وطىء رجلا من مزينة فوثب المزني فلطم خدّ جبلة، فأرسله مع جماعة من قومه إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم جبلة، قال: فليلطمه، قالوا: ما يقبل، قال: لا، يقبل، قالوا: إنما تقطع يده، قال: لا، إنما أمر الله بالقود، فلما بلغ جبلة ذلك، قال: أترون أني جاعل وجهي ندا لوجه؟ بئس الدين هذا، ثم ارتد نصرانيا وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم على هرقل.
، إنما أمر الله بالقود، فلما بلغ جبلة ذلك، قال: أترون أني جاعل وجهي ندا لوجه؟ بئس الدين هذا، ثم ارتد نصرانيا وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم على هرقل.
حجة الوداع ويقال لها حجة البلاغ، وحجة الإسلام، لأنه ﷺ ودّع الناس فيها ولم يحج بعدها، ولأنه ذكر لهم ما يحل وما يحرم. وقال لهم: هل بلغت، ولأنه ﷺ لم يحج من المدينة غيرها، قيل لإخراج الكفار الحج عن وقته، لأن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون الحج في كل عام أحد عشر يوما حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته، ولذلك قال ﵊ في هذه الحجة: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» فإن هذه الحجة كانت في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته وكانت سنة عشر. قال الجمهور: فرض الحج وكان سنة ست من الهجرة أي وصححه الرافعي في باب السير وتبعه النووي. وقيل فرض سنة تسع. وقيل سنة عشر انتهى، وبه قال أبو حنيفة، ومن ثم قال إنه على الفور. وقيل فرض قبل الهجرة واستغرب. خرج رسول الله ﷺ يريد الحج وأعلم الناس بذلك، ولم يحج منذ هاجر إلى المدينة غير هذه الحجة، قال: وأما بعد النبوة قبل الهجرة فحج ثلاث حجات، أي وقيل حجتين: أي وهما اللتان بايع فيهما الأنصار عند العقبة. وفي كلام ابن الأثير: كان ﷺ يحج كل سنة قبل أن يهاجر. وفي كلام ابن الجوزي: حج ﷺ قبل النبوة وبعدها حججا لا يعلم عددها، أي وكان ﷺ قبل النبوة يقف بعرفات ويفيض منها إلى مزدلفة، مخالفا لقريش توفيقا له من الله، فإنهم كانوا لا يخرجون من الحرم، فإنهم قالوا: نحن بنو إبراهيم ﵊، وأهل الحرم، وولاة البيت وعاكفو مكة فليس لأحد من العرب منزلتنا فلا تعظموا شيئا من الحل أي كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فليس لنا أن نخرج من الحرم نحن الحمس، فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منه إلى المزدلفة، ويرون ذلك لسائر العرب: قال بعض الصحابة: لقد رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه واقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا له من الله ﷿. وعند خروجه ﷺ للحج أصاب الناس بالمدينة جدري بضم الجيم وفتح الدال
واقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا له من الله ﷿. وعند خروجه ﷺ للحج أصاب الناس بالمدينة جدري بضم الجيم وفتح الدال
وبفتحهما أو حصبة، منعت كثيرا من الناس من الحج معه ﷺ، ومع ذلك كان معه جموع لا يعلمها إلا الله تعالى، قيل كانوا أربعين ألفا، وقيل كانوا سبعين ألفا وقيل كانوا تسعين ألفا وقيل كانوا مائة ألف وأربعة عشر ألفا وقيل وعشرين ألفا، وقيل كانوا أكثر من ذلك. وقد قال ﷺ: أي عند ذهابه: عمرة في رمضان تعدل حجة، أو قال حجة معي، أي قال ذلك تطبيبا لخواطر من تخلف. وصوب بعضهم أن هذا إنما قاله ﷺ بعد رجوعه أي إلى المدينة، قاله لأم سنان الأنصارية لما قال لها: ما منعك أن تكوني حججت معنا؟ وقالت: لنا ناضحان حج أبو فلان: تعني زوجها وولدها على أحدهما، وكان الآخر نسقي عليه أرضنا لنا. وقال ذلك أيضا لغيرها من النسوة، قاله لأم سليم ولأم طلق ولأم الهيثم. ولا مانع أن يكون قال ذلك مرتين: مرة عند ذهابه لما ذكر، ومرة عند رجوعه لمن ذكر. وكان خروجه ﷺ يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة أي وقيل يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة ورجحه بعضهم وأطال في الاستدلال له وذلك سنة عشر نهارا بعد أن ترجل وادهن، وبعد أن صلى الظهر بالمدينة، وصلى عصر ذلك اليوم بذي الحليفة ركعتين، وطاف تلك الليلة على نسائه، أي فإنهن كن معه ﷺ في الهوداج وكن تسعة، ثم اغتسل، ثم صلى الصبح أي والظهر، ثم طيبته عائشة رضي الله تعالى عنها بذريرة: هي نوع من الطيب مجموع من أخلاط الطيب وبطيب فيه مسك، ثم أحرم ﷺ أي وذلك بعد أن اغتسل لإحرامه غير غسله الأول، وتجرد في إزاره وردائه، أي فقد روى الشيخان أنه ﷺ أحرم في رداءه وإزار، ولم يغسل الطيب بل كان يرى وبيص المسك في مفارقه ولحيته الشريفة، أي فإنه ﷺ لبد شعر رأسه بما يلزق بعضه ببعض فلا يشعت.
الشيخان أنه ﷺ أحرم في رداءه وإزار، ولم يغسل الطيب بل كان يرى وبيص المسك في مفارقه ولحيته الشريفة، أي فإنه ﷺ لبد شعر رأسه بما يلزق بعضه ببعض فلا يشعت. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: «طيبته ﷺ لحرمه وحله» وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، رواه الشيخان. وعنها قالت: «كنت أطيب رسول الله ﷺ ثم يطوف على نسائه، ثم يصبح محرما ينضح طيبا» وبه ردّ على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قوله: لأن أصبح مطيبا بقطران أحب إليّ من أن أصبح محرما أنضح طيبا. ويؤيد ما قاله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما تقدم في الحديبية: من أمره ﷺ من تطيب قبل إحرامه بغسل الطيب وتقدم ما فيه، أي وصلى كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ركعتين أي قبل أن يحرم، وبه يردّ قول ابن القيم رحمه الله تعالى: لم ينقل عنه ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر وأهل حيث انبعثت به راحلته أي وهي القصواء أي وهو يردّ ما روي عن ابن سعد رحمه الله تعالى، حج النبي ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة قد ربطوا أوساطهم، ومن
ثم قال ابن كثير رحمه الله تعالى: إنه حديث منكر ضعيف الإسناد، وإنما كان ﷺ راكبا وبعض أصحابه مشاة: ولم يعتمر ﷺ في عمره ماشيا، وأحواله ﷺ أشهر من أن تخفى على الناس، بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله وكان على راحلته ﷺ رحل رث يساوي أربعة دراهم وفي رواية: «حج ﷺ على رحل وقطيفة تساوي أو لا تساوي أربعة دراهم، وقال: اللهم اجعله حجا مبرورا لا رياء فيه ولا سمعة وذلك عند مسجد ذي الحليفة، وأحرم بالحج والعمرة معا فكان قارنا. قال: وقيل أحرم بالحج فقط فكان مفردا، وقيل بالعمرة فقط، أي ثم أحرم بالحج بعد فراغه من أعمال العمرة فكان متمتعا، أخذا من قول بعض الصحابة إنه ﷺ أحرم متمتعا، وقيل أطلق إحرامه. وفي كلام السهيلي ﵀: واختلفت الروايات في إحرامه ﷺ، هل كان مفردا، أو قارنا، أو متمتعا وكلها صحاح إلا من قال كان متمتعا وأراد أنه أهل بعمرة. قال الإمام النووي: وطريق الجمع أي بين من يقول إنه أحرم قارنا، ومن يقول إنه أحرم مفردا، ومن يقول إنه أحرم متمتعا أنه أحرم أولا مفردا: أي بالحج ثم أدخل العمرة، أي وذلك: أي دخول الأضعف وهي العمرة على الأقوى الذي هو الحج من خصائصه ﷺ فصار قارنا، ويدل لذلك حديث البخاري «أنه ﷺ أهلّ بالحج، فلما كان بالعقيق أتاه آت من ربه فقال له: صل بهذا الوادي المبارك، وقل لبيك بحجة وعمرة معا فصار قارنا بعد أن كان مفردا. فمن روى القرآن اعتمد آخر الأمر، أي ومنه سيدنا أنس ﵁: «سمعت رسول الله ﷺ يقول لبيك عمرة وحجا» . ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق بالقرآن انتهى: أي بالقرآن المذكور الذي هو إدخال العمرة على الحج، لأنه يكفي فيه الاقتصار على عمل واحد في النسكين، أي فلا يأتي بطوافين ولا بسعيين، أي وليس مراده التمتع الحقيقي، بأن أحرم بعمرة فقط، ثم بعد فراغه من أعمالها أحرم بالحج كما هو حقيقة التمتع. ومن ثم قال بعضهم: أكثر السلف يطلقون المتعة على القرآن.
ده التمتع الحقيقي، بأن أحرم بعمرة فقط، ثم بعد فراغه من أعمالها أحرم بالحج كما هو حقيقة التمتع. ومن ثم قال بعضهم: أكثر السلف يطلقون المتعة على القرآن. ومن روى الإفراد اعتمد أول الأمر، ومنه قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد سئل عن ذلك «لبى بالحج وحده» أو أن ابن عمر سمعه يقول: لبيك بحج ولم يسمع قوله وعمرة فلم يحك إلا ما سمع، وأنس ﵁ سمع ذلك: أي سمع الحج والعمرة، أي فإن ابن عمر ﵁ قيل له عن أنس بن مالك «أنه سمع النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة فقال ابن عمر لبى بالحج وحده، فقيل لأنس عن ابن
عمر ذلك، فقال أنس ﵁: ما يعدونا إلا صبيانا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك لبيك عمرة وحجا» أي يصرح بهما جميعا وقال: «إني لرديف لأبي طلحة وإن ركبتي لتمس ركبة رسول الله ﷺ وهو يلبي بالحج والعمرة، وذلك مثبت لما قاله ابن عمر وزائد عليه فليس مناقضا له. أي ودليل من قال إنه أحرم مطلقا ما رواه إمامنا الشافعي ﵁ أنه ﷺ: «خرج هو وأصحابه ﵃ مهلّين: أي محرمين إحراما مطلقا ينتظرون القضاء» أي نزول الوحي لتعيين ما يصرفون إحرامهم المطلق إليه أي بإفراد أو تمتع أو قران» أي فجاءه ﷺ الوحي أن يأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة فيكون متمتعا، ومن معه هدي أن يجعله حجا فيكون مفردا، لأن من معه هدي أفضل ممن لا هدي معه، والحج أفضل من العمرة. ويدل لكون الصحابة أطلقوا إحرامهم ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂: «خرجنا نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة» لكن أجيب عن ذلك بأنهم لا يذكرون ذلك مع التلبية وإن كانوا سموه حال الإحرام. هذا وفي مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: من أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليفعل» فلينظر الجمع بين هذا وما قبله. وجاء أنه ﷺ قال لهم: «من لم يكن معه هدي وأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا» أي فلا يجعلها عمرة بل يجعل إحرامه حجا، ولم يذكر القران. وجاء في بعض الطرق: «أنه أمر من كان معه هدي أن يحرم بالحج والعمرة معا» .
ومن كان معه هدي فلا» أي فلا يجعلها عمرة بل يجعل إحرامه حجا، ولم يذكر القران. وجاء في بعض الطرق: «أنه أمر من كان معه هدي أن يحرم بالحج والعمرة معا» . وفي بعض الروايات: «خرج ﷺ من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ بالحج ولم يكن معه هدي أن يجعله عمرة» . وفي الهدى: الصواب أنه ﷺ أحرم بالحج والعمرة معا من حين أنشأ الإحرام، فهو قارن، ولم يحل حتى حل منهما جميعا وطاف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترات تواترا يعلمه أهل الحديث. وما ورد أنه ﷺ طاف طوافين وسعى سعيين لم يصح. قال: وغلط من قال لبى بالحج وحده ثم أدخل عليه العمرة: أي الذي تقدم في الجمع بين الروايات عن النووي رحمه الله تعالى. ومن قال لبى بالعمرة ثم أدخل عليها الحج: أي وهذا لم يتقدم. ومن قال أحرم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا ثم
عينه بعد إحرامه أي وهو ما تقدم عن إمامنا الشافعي ﵁. ومن قال أفرد الحج، أراد به أنه أتى بأعمال الحج ولم يفرد للعمرة أعمالا، وهذا محمل ما في بعض الروايات، وأفرد رسول الله ﷺ الحج ولم يعتمر. على أن بعض الحفاظ قال: إنه حديث غريب جدا، وفيه نكارة شديدة. ثم لبى ﷺ أي بعد أن استقبل القبلة فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وروي أنه زاد على ذلك لبيك إله الخلق لبيك: أي وروي أنه زاد: لبيك حقا، تعبدا ورقا على تلبيته المذكورة والناس معه يزيدون فيها وينقصون لم ينكر عليهم، وبه استدل أئمتنا على عدم كراهة الزيادة على تلبيته المشهورة المتقدمة فكان ابن عمر ﵄ يزيد فيها: لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. وأتاه ﷺ جبريل ﵊، وأمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية من شعائر الحج، فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل ﵊، فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج» . واستعمل ﷺ على المدينة أبا دجانة ﵁، وقيل سباع بن عرفطة ﵁ وولدت أسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق ﵄ ولدها محمد بن أبي بكر ﵃ في ذي الحليفة، وأرسلت إليه ﷺ فأمرها أن تغتسل وتستثفر، أي بخرقة عريضة بعد أن تحشو بنحو قطن، وتربط طرفي تلك الخرقة في شيء تشده في وسطها لتمنع بذلك سيلان الدم كما تفعل الحائض وتحرم. ثم حاضت سيدتنا عائشة ﵂ في أثناء الطريق بمحل يقال له سرف بكسر الراء، وكانت قد أحرمت بعمرة، ففي البخاري: «أنها قالت: وكنت فيمن أهلّ بعمرة فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل وتدخل الحج على العمرة» . أقول: وقد جاء: «أنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة؟» وفي لفظ «ما يبكيك يا هنتاه؟ لعلك نفست: أي حضت، قلت: نعم: والله لوددت أني لم أخرج معكم عامي هذا في هذا السفر، قال: لا تقولين ذلك، فهذا شيء كتبه الله على بنات آدم» .



