— Bagian 1 · مقدمة المؤلف —
Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.
Bagian 1
مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. من الحسين بن الحسن الحليمي إلى من بلغه كتابه هذا من أهل القبلة، المشاركين له في الملة، الراغبين في العلم والحكمة، الطالبين علم المنهاج والشرعة، المجعولين لنبي الرحمة، المبعوث بالحنيفية السمحة، محمد خاتم الرسالة، وصاحب الشفاعة، والمؤتمن الشهيد على الجماعة، ﷺ، وخصه بالفضيلة والزلفة والوسيلة. سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله. أما بعد، أحسن الله توفيقكم، وسهل إلى ما يرضاه طريقكم، وقوانا وإياكم على طاعته ما أحيانا، وأجزل حظنا وحظكم من رحمته إذا توفانا، ونزع من صدورنا كل غل، وجعل الحق أحب إلينا وإليكم من كل خل. فالحمد لله الواحد القديم الماجد العظيم، الواسع العليم الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وعلمه أفضل تعليم، وكرمه على كثير ممن خلق أبين تكريم. أحمده وأستعينه وأعوذ به من الزلل، وأستهديه لصالح القول والعمل، وأسأله أن يصلي على النبي المصطفى الرسول الكريم المجتبى محمد خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم كثيرا، ثم إن هذا كتاب جمعت فيه من الكلام في حقيقة الإيمان، وبيان ما يشتمل هذا الاسم عليه ويشار به عند الاطلاق إليه. وشرح ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وتفصيل هذه الشعب واحدة واحدة، والكلام عليها بما يكشف عن حقيقتها، ويقف الناظر فيه على جليتها. ما أملت أن يعظم نفعه،
ه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وتفصيل هذه الشعب واحدة واحدة، والكلام عليها بما يكشف عن حقيقتها، ويقف الناظر فيه على جليتها. ما أملت أن يعظم نفعه،
ويكثر فائدته، ويحسن على متأمليه عائدته. وسميته المنهاج إذا كان إبانة لما نهجه الله- تعالى جده- لنا من الدين، وهدانا له من الصراط المستقيم، وقال تعالى جده في كتابه: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾. وقسمته عشرة أقسام في عشرة أبواب: أولها باب في البيان عن حقيقة الإيمان. وثانيها باب في زيادة الإيمان ونقصانه. وثالثها باب في الاستثناء في الإيمان وما يصح منه أو لا يصح. ورابعها باب في ألفاظ الإيمان وما يصح أو لا يصح. وخامسها باب في إيمان المقلد والمرتاب والتمييز بين المقلد وغيره. وسادسها باب فيمن يكون مؤمنا بإيمان غيره أو لا يكون. وسابعها باب فيمن يصح إيمانه أو لا يصح. وثامنها باب فيمن لم تبلغه الدعوة. وتاسعها باب فيمن مات مستدلا. وعاشرها باب في شعب الإيمان وهذا الباب ينقسم سبعة وسبعين بابا: أولها باب في الإيمان بالله ﷿ بآياته وبيناته. والثاني باب في الإيمان بالنبي ومن تقدمه من النبيين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين بدلائله وحججه. والثالث باب في الإيمان بالملائكة. والرابع باب في الإيمان بالقرآن وسائر كتب الله تعالى المنزلة. والخامس باب في الإيمان بالقدر وأن خيره وشره من الله. والسادس باب في الإيمان باليوم الآخر وتفسيره. والسابع باب في الإيمان بالبعث وكثير من حججه. والثامن باب في الإيمان بالحساب والميزان. والتاسع باب في الإيمان بالجنة والنار وفيه ذكر الصراط. والعاشر باب القول في محبة الله تعالى جده. والحادي عشر باب القول في مخافته والتفكر في وعيده. والثاني عشر باب في رجائه والثقة بوعده، ودخل في هذا الباب القول في الدعاء وشروطه وآدابه وأوقاته وأحواله. والثالث عشر باب القول في التوكل عليه والاعتصام به، دخل فيه القول في التداوي من الأمراض والاسترقاء وما جاء فيهما وفي سائر الاحترازات. والرابع عشر باب حب النبي ﷺ وآله وأصحابه. والخامس عشر باب في تعظيم النبي ﷺ وإجلاله وتوقيره. والسادس عشر باب في الشح بالدين.
يهما وفي سائر الاحترازات. والرابع عشر باب حب النبي ﷺ وآله وأصحابه. والخامس عشر باب في تعظيم النبي ﷺ وإجلاله وتوقيره. والسادس عشر باب في الشح بالدين.
والسابع عشر باب في طلب العلم والثامن عشر باب في نشر العلم. والتاسع عشر باب في تلاوة القرآن وآدابها وغيره من فضولها. والعشرون باب في الطهارات. والحادي والعشرون باب في الصلوات. والثاني والعشرون باب في الصدقات. والثالث والعشرون باب في الصيام. والرابع والعشرون باب في الاعتكاف. والخامس والعشرون باب في المناسك. والسادس والعشرون باب في الجهاد. والسابع والعشرون باب في المرابطة في سبيل الله. والثامن والعشرون باب في الثبات للعدو عند الالتقاء. والتاسع والعشرون باب في أداء خمس المغنم. والثلاثون باب في العتق ووجه التقرب به إلى الله ﷿. والحادي والثلاثون باب في الكفارات. والثاني والثلاثون باب في الإيفاء بالعهود. والثالث والثلاثون باب في تعديد نعم الله وما يجب من شكرها. والرابع والثلاثون باب في حفظ اللسان. والخامس والثلاثون باب في الأمانات وما يجب من أدائها إلى أهلها. والسادس والثلاثون باب في تحريم النفوس والجنايات عليها. والسابع والثلاثون باب في تحريم الفروج وما يجب من التعفف عنها. والثامن والثلاثون باب في تحريم أموال الناس وما يجب من التعفف عنها ودخل فيه القول في السرقة وقطع الطريق. والتاسع والثلاثون باب في المطاعم والمشارب وما يجب من التورع عنه منها. والأربعون باب في الملابس والزين والأواني وما يكره منها. والحادي والأربعون باب في تحريم الملاعب والملاهي. والثاني والأربعون باب في الاقتصاد في النفقة وتحريم أكل المال بالباطل. والثالث والأربعون باب في الحث على ترك الغل والحسد. والرابع والأربعون باب في تحريم أعراض الناس وما يلزم من ترك الرتع فيها. والخامس والأربعون باب في إخلاص العمل لله وتحريم الرياء. والسادس والأربعون باب في السرور بالحسنة والاغتمام بالسيئة. والسابع والأربعون باب في معالجة كل ذنب بالتوبة منه. والثامن والأربعون باب في القرابين والابانة عن معناها وغرضها والتاسع والأربعون باب في طاعة أولي الأمر بفضولها.
ربعون باب في معالجة كل ذنب بالتوبة منه. والثامن والأربعون باب في القرابين والابانة عن معناها وغرضها والتاسع والأربعون باب في طاعة أولي الأمر بفضولها. والخمسون باب في التمسك بما عليه الجماعة. والحادي والخمسون باب في الحكم بين الناس وما يتشعب فيه من الكلام. والثاني والخمسون باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والثالث والخمسون باب في التعاون على البر والتقوى، ونصرة المظلوم وإغاثة اللهفان.
والرابع والخمسون باب في الحياء بفضوله. والخامس والخمسون باب في بر الوالدين. والسادس والخمسون باب في صلة الأرحام. والسابع والخمسون باب في كظم الغيظ وحسن الخلق ولين الجانب والتواضع. والثامن والخمسون باب في الإحسان إلى المماليك. والتاسع والخمسون باب في حق السادة على المماليك. والستون باب في حقوق الأولاد والأهلين على الناس. والحادي والستون باب في مقاربة أهل الدين وموادتهم وإفشاء السلام فيهم. والثاني والستون باب في رد السلام. والثالث والستون باب في عيادة المريض. والرابع والستون باب في الصلاة على من مات من أهل القبلة. والخامس والستون باب في تشميت العاطس. والسادس والستون باب في مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم. والسابع والستون باب في إكرام الجار. والثامن والستون باب في إكرام الضيف. والتاسع والستون باب في الستر على أصحاب القروف. والسبعون باب في الصبر على المصائب. والحادي والسبعون باب في الزهد وقصر الأمل. والثاني والسبعون باب في الغيرة والمذاء. والثالث والسبعون باب في الإعراض عن اللغو. والرابع والسبعون باب في الجود والسخاء. والخامس والسبعون باب في رحم الصغير وتوقير الكبير. والسادس والسبعون باب في الإصلاح بين الناس. والسابع والسبعون باب في أن يحب الرجل لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، ويكره ما يكره لنفسه، ويدخل فيه إماطة الأذى عن الطريق. ووجدت في القرآن عدة آيات تشمل كل واحدة منها على من هذه الشعب التي تقدم ذكرها، وفي الأخبار عن النبي ﷺ مثلها، وجعلت لها بابا مفردا أفردتها فيه، وتكلمت على ما يحتاج منها إلى فضل إيضاح وشرح حتى ظهر وجهه، واستبان المراد منه بإذن الله تعالى. وقد كان بعض من ألف شعب الإيمان خرجها على تسعة وسبعين بابا، ووجدته عمد إلى شيء واحد اختلف العبارة عنه في الروايات، فأورده في بابين وعده شعبتين، وربما عمد إلى شيئين لا يتميزان ويجمعهما أصل واحد، فجعله شعبتين. وأخل مع ذلك ببعض ما أوردناه فلم يذكر أصلا، فكتبت بابا مفردا ذكرت فيه السبب الذي دعاني إلى تخريج هذه الشعب على سبعة وسبعين بابا. وبينت أن كل ما يظن
. وأخل مع ذلك ببعض ما أوردناه فلم يذكر أصلا، فكتبت بابا مفردا ذكرت فيه السبب الذي دعاني إلى تخريج هذه الشعب على سبعة وسبعين بابا. وبينت أن كل ما يظن
غيري أنه خارج من هذه الأبواب فهو ملتحق بها وداخل بالحقيقة في جملتها، واشتملت إلى وجه ذلك وأوضحته، فصارت جملة أبواب الكتاب اثني عشر، كل باب منها يجمع ما قصدته ووضع له إلا باب الشعب فإنه ينقسم إلى سبع وسبعين بابا كما تقدم بيانه. وكان مما حدا بي على تأليف هذا الكتاب، ورغبتي في جمع ما جمعته فيه، خوفي على كثير بما ضمنته إياه من دقائق العلم وخباياه ولطائف الشرع وقضاياه بين أن يدثر ويعفو رسمه فلا يذكر لزوال الهم به عن الصدور، ووقوع الإعراض عنه من الجمهور، والاشتغال عن العلوم بالجملة بالتبقر في الأهل والمال، والتهافت في الحرام والحلال، والتنافس في رتب الدنيا والتغافل عن درج الأخرى، والانقياد لدواعي الهوى وإن قادتهم عناتا إلى الردى وتزحزح هيبة الله ﷿ عن القلوب لما ران عليها من ظلم المعاصي والذنوب، والميل في عامة الأمور إلى الحفظ والدعة، وانشراح الصدر بالجهل الذي هو أدرك منازل الضعة. وفساد النيات والدخل وفتور العزائم والهمم. فإن الحال لما آل إلى ما ذكرت، وتراجعت للتراجع الذي وصفت، صارت طاعة الله- تعالى جده- تقام فيما تدعو إليه الضرورات الحاصلة، وتترك فيما تحرك عليه المتوقعات الآجلة. وكان الهم بالعلم بقدر الهم بالعمل، فطلب منه ما يضطر إلى العمل به سبب عاجل، وهجر منه ما لا يحمل على استعماله في الوقت حامل. ولذلك وقع الاقتصار بعد تقادم العهد وتطاول الأيام من امتثال الشريعة على أبواب معدودة منها: استباحة المباحات كالتبسط في المكاسب والتوسع في المطاعم والمشارب، وإنالة النفس هواها من المناكح والملابس، إذ كانت الإباحة للهوى موافقة، وللشهوات والمني مطابقة.
لمباحات كالتبسط في المكاسب والتوسع في المطاعم والمشارب، وإنالة النفس هواها من المناكح والملابس، إذ كانت الإباحة للهوى موافقة، وللشهوات والمني مطابقة. ومنها لزوم ما يجري من شرائع الدين مجرى الأعلام حتى لا يكاد المسلمون يتميزون عن غيرهم إلا بها كإقام الصلاة الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت، فإنهم لو أهملوها لالتحقوا في ظواهر ما يبدو للناس من أفعالهم بالذين لا يدينون دينهم ولا يعتقدون ملتهم، فكان القائم في نفس كل ذي دين، وراجع من معتقده إلى يقين من الميل إلى إظهار ما عنده، والكراهة من أن يظن به
ما يخالف عقده هو الحامل لهم على إقامة هذه الطاعات، والتمسك بها من بين أصناف العبادات. ومنها القيام بما إن أهملوه لم يحتملوا ولاة الأمور عليه، نحو الزكاة التي تلزمهم في مواشيهم وزرعهم وكرومهم وما يظهر من أموالهم، فإنهم لو منعوها لأخذت منهم قهرا، أو انتزعت من أيديهم جبرا، ونحو اجتناب الكبائر التي بها الحدود. فإن السلطان قائم بأمر الله تعالى جده على كل نفس بما كسبت تردعها عن السيئات وتحول بينهما وبين الموبقات، فمن واحد يقتله، وآخر يقطعه، وثالث يجلده، ورابع يجبسه، وخامس ينفيه ويعذبه، ولولا ذلك لانهمكوا في هذه الجنايات انهماكهم فيما لا حد له فيه من أصناف الخطيات، ولهذا قال بعض السلف: "ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن "، وقيل: لابد للناس من وزعه، وهم الولاة وعمالهم لأنه لولا مكانهم لأكل الناس بعضهم بعضا، وعطلت الحقوق وانتهكت الحرمات، فعم الصلاح بمكانهم واعتدل النظام بحسن قيامهم.
للناس من وزعه، وهم الولاة وعمالهم لأنه لولا مكانهم لأكل الناس بعضهم بعضا، وعطلت الحقوق وانتهكت الحرمات، فعم الصلاح بمكانهم واعتدل النظام بحسن قيامهم. ومنها إعراضهم عن الحرمات التي لا يشتهونها ولا تميل إليها قلوبهم، وتنكرها نفوسهم كلحم الخنزير والميتة والدم ونكاح الأم والبنت والأخت فإن كل غرض يكون لأكل لحم الخنزير في أكله فهو حاصل له في غيره ولا فائدة في لذة أو منفعة تكون فيه إلا ومثلها أو أكثر منها موجود في اللحوم المحللة، ثم إنها على كثرتها واختلاف طعومها تزيح علة القرم، وتقضي شهوة المطعم، فلا يبقى معها إلى لحم الخنزير حاجة، ولا نفع إليه ضرورة، وأما الميتة والدم فإنهما لخبثهما ورجاستهما لا يشتهيان، ولو كانا محللين لكانا يتركان، فكيف وهما محظوران ومحرمان! وأما نكاح المحارم فإن في القلوب النفار منه والكراهة له لما فيه من هتك الحرمة ومجانبة الحياء والشبه بالبهائم.
فصارت الشريعة في هذه الأبواب لموافقتها الأهواء مستعملة، كما صارت في المباحثات لمثل هذا السبب ممثلة، ولولا أن ذلك كذلك، لترك من شرب الخمور ما ترك من لحم الخنزير، ومن الزنا بالأجنبيات ما هجر من نكاح المحارم والقرابات. فعلمنا أن ما اتبع من هذه الشرائع قلما حمل على اتباعها من الدواعي التي بيناها. ومنها التعامل بالعقود والمحافظة فيها على الحدود، وذلك أن أحدهم لا يقضي عن صاحبه فيما يجب له من حق عليه، ومن اعتدى على آخر في نفس أو مال لم يمسك الآخر عنه، حتى يرافعه إلى سلطانه أو قاضي بلده، فأخذ على يده، وأنصف المظلوم من ظالمه، فصاروا لذلك يتبايعون ويتواهبون ويتكارون ويتعاقدون العقود المشروعة ويذرون الغصب والاختلاس والنهب في الأمر الأكثر، والأعم الأغلب، لمعرفتهم بما يلحقهم فيها من التبعات، ويؤيدهم إليه عقباها من المثلات، ثم قد يتفق خلال ذلك من ذوي الجهالة والسفالة هنات وزلات يئتون فيها من الاعتزاز بأنهم عسى لا يلحقون، ولا يقدر عليهم فيؤاخذون، فتجترئ على ذلك قلوبهم، وتقوى في الشر عزائمهم، وأما من غلب الخوف على قلبه وصار الاحتراز من همه، فما أقل ما تقع منه هذه الأمور، ولهذا صار الطريق المخوف إذا نقص بعضه، أمن الناس فيه مدة، ولم يعرض المكروه فيه إلا ندره. فلولا الردع من الفساد هو ما يخشى من الإنكار الوحي لاستوت الأحوال، وما ارتدع في كل وقت الجهال، ولولا أن ما وصفنا استعمال الناس له من الشرائع بعد انقراض عصري النبوة والخلافة، جاز في الأصل الذي ذكرت لهم استعمالهم أبواب الشريعة كلها دقيقها وجليلها، ولم يشذ عنهم منها إلا ما لم يبلغهم عنه خبر، ولم يأتهم ببيانه أثر، لأن من عمل من أمرين خوطب بهما أحدهما وترك الأخر مع تمكنه منه، واقتداره عليه، فقد أشعر أن عمله لم يكن لمجرد الأمر لكن لداعية (سوء) دعته إليها، ولولا ذلك لما كان فعله ما فعل أولى به من فعل ما ترك، ولا تركه ما ترك أولى به من ترك ما فعل، وما ينبغي أن يكون هذا بكذا مع تجلي آيات الله تعالى جده
، ولولا ذلك لما كان فعله ما فعل أولى به من فعل ما ترك، ولا تركه ما ترك أولى به من ترك ما فعل، وما ينبغي أن يكون هذا بكذا مع تجلي آيات الله تعالى جده
لبصائر العقلاء ووجوب حقوقه في معارف العلماء، بل الأمر اللازم والفرض الواجب أن يجعل المؤمن أمانة الله أمامه، وطاعة الله منهاجه، فلا يفعل الخير إلا إعظاما لأمره، ولا يدع الشر إلا إذعانا لنهيه. ولقد استقصر كثير من العلماء من يفعل الخير رغبة في الثواب، ويدع الشر خيفة من العقاب، وشبهوه بعبد السوء الذي لا يخدم مولاه إلا طمعا في نعمته وتحرزا وتخوفا من سطوته، وبالحمار البليد الذي لا ينساق حيث يساق إلا بالضرب والإرهاق، وإن كانوا لا يختلفون في أن الرجاء والخوف قدما صدق ومنزلتا حق عند الله جل ثناؤه. وإنما ذهبوا في ذلك إلى أن الله تعالى جده وإن كان أطمع وحذر ووعد وأوعد بأنه ﵎ لو أمر ونهى ولم يضمم إلى الأمر وعدا ولا إلى النهي وعيدا، لكانت الطاعة له واجبة، والمعصية محذورة، كما قال عمر ﵁ لصهيب: "نعم المرء صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه". فثبت أن الثواب والعقاب زيادتان واقعتان بعد لزوم الفرض، العبد بعبودته، وارتهان حقوق الله تعالى جده لرقبته، فالأليق به إذا والألزم له أن يؤدي ما عليه من طاعة، وينتهي عما ليس إليه عبودة، ثم يكون رجاؤه الثواب إذا أطاع، وخوفه العقاب إن عصى للبقية بوعد الله ووعيده، لا لمعنى سواهما فيتباديا منه إيمانا ويكتبا له برا وإحسانا، لا سببا حاصلا على أداء اللوازم، والانتهاء عن المعاصي والمحارم، وإذا كان هذا فيمن وصفنا كما بيناه، فكيف بمن لا يخطر بقلبه من وعد الله ووعيده خاطر، ولا يزجره عن سوئهم به من هيبة الله زاجر، وإنما أمامه الهوى أو الضرورة أو خوف الاقران أو نهب السلطان أو حذر القيل والقال، فإذا انتهى إلى ما خلاه الله تعالى فيه وأمانته، ولم ينصب عليه قيما، ولم يقيض له به مطالبا، ولم يجعل له فيه مخاصما، ولم يخش أن يرفع فيه إلى وال أو قاض، نبذه وراء ظهره، وأعرض عنه إعراض من لا يحفل به، ونسب من يأخذ نفسه به إلى التصنع أو سخر منه كما يسخر من الهازل المتلعب، أما يستحق أن يكون مثله مثل العبد السيئ والحمار السيئ،
عنه إعراض من لا يحفل به، ونسب من يأخذ نفسه به إلى التصنع أو سخر منه كما يسخر من الهازل المتلعب، أما يستحق أن يكون مثله مثل العبد السيئ والحمار السيئ، كلا أنه أسوأ حالا منهما، لأن العبد إنما يدري طاعة مثله، والحمار جاهل بصاحبه لا علم له به وحقه. فأما من تقدم وصفه فإنما يدع طاعة ربه ويضيع حق
خالقه، ولعل بعض المنهمكين في المعاصي خير منه في بعض المعاصي، لأنه إن لم يخف الله تعالى جده لم يخف من دونه، ومن كانت طاعته من أحد الوجوه التي تقدم ذكرها لا يخاف الله ويخاف من دونه، ومن لا يقدم أحدا على الله في حذره أمثل حالا ممن يقدم خلق الله على الله في بره. فأما حال هؤلاء المذكورين في الشغل بعلم الدين فسوف يقرب من حالهم في العمل بشرائعه، لأنهم إذا خصوا بالعمل أياما بأعيانها خصوها كذلك بطلب علمها، وأما ما خرج من جملتها مما يدخل في جملة الأبواب التي كتبناها في شعب الإيمان وتوخينا شرح ما فيها مما تيسر من البيان ومما يرجع إلى علم القرآن تفسيره وتأويله ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه، وعلم السنن مستفيضها وشاذها، وموصولها ومقطوعها، ومسندها وموقوفها، ومختلفها ومتفقها، وعلم الاجماع والاختلاف، واللسان الذي نزل به القرآن، وجاءت به السنن والآثار، فإن الأكثرين عنه معرضون، ولم قد يستغنى عنه في أغلب الأحوال عليه مؤثرون. قد رضوا في التوحيد لأنفسهم بمحض التقليد وعابوا الذين جاهدوا أعداء الله تعالى جده فيه، بالكلام الذي يقصر عنه نوافد الهام، والجدال الذي لا يبلغ شأوه شديد القتال، حتى أقاموا قناة الدين، وهدموا بنيان الملحدين، وبلغوا في نصرة الإسلام وأمانة ما نصب الله عليه من الأعلام ما لم تقارب ملي ولا معطل في نصرة قوله مقداره، ولم يبلغ في تأييده والدفع عنه معشاره، وما تركوا لمخالفيهم حجة إلا أدحضوها، ولا علة إلا نقضوها، ولا شبهة إلا جلوها، فليس لهم اليوم بحمد الله كلام يروع مؤمنا، أو يشكل موقنا، وما يخلفهم عن الدخول في دين الله إلا العناد وحب الفساد.
علة إلا نقضوها، ولا شبهة إلا جلوها، فليس لهم اليوم بحمد الله كلام يروع مؤمنا، أو يشكل موقنا، وما يخلفهم عن الدخول في دين الله إلا العناد وحب الفساد. ثم إن هؤلاء الموفقين لنصرة الله، القائمين بحق هذه الدعوة ما خصموا أضدادهم إلا بالقرآن وبما أودعه الله تعالى من البيان إلا أنهم لم يقنعوا بعلم ما ظهر منه وتجلى دون الإحاطة بما يظن منه واختفى، ولا بالوقوف على ما يتلى من تنزيله، دون الوصول إلى ما يدل من تأويله، فصرفوا عظم همهم إليه، وقصروا جل شغلهم عليه. حتى أدركوا حقائق ما جاءهم به الرسول، واستبان لهم من قبلها الصحيح والمعلول، وجدوا بعد ذلك واجتهدوا وقرروا مما عرفوا لكل شبهة مدفعا ومن كل معضلة مخرجا، فمن فارقهم في علن ما نزل من القرآن، في هذا العظيم من الشأن، كان لمعظم القرآن هاجرا،
وإن كان بما عداه يصير خابرا، لأن آيات الأعلام في كتاب الله أكثر من آيات الأحكام. وقد ذم الله تعالى وجل ثناؤه ﴿الذين جعلوا القرآن عضين، وأقسم ليسألنهم أجمعين: عما كانوا يعملون﴾، فكيف يسع عاقلا أن يحتذي حذو مسئول في القيامة ملوم، أو موبخ فيها مذموم. وكما نزل القرآن بالأعلام والأحكام، فكذلك قد نزل بالآداب ومكارم الأخلاق، والإنابة عن حقائق العبودة التي تلزم المكلفين أن يأخذوا بها أنفسهم فيكونوا لله داخرين. وفصلت السنة، ولخصت منها ما فصلت من حمل الأحكام، ولخصت مع جوامع الحلال والحرام، ونهجت للناس من الآداب المحمودة والسنن المرضية، في إقامة العبادات ووجه المعاشرات والمعاملات. وما يحق لكل امرئ أن يحافظ عليه في نفسه ومع غيره مثل ما نهجت لهم من أحكام المعاقدات والجنايات والمظالم والخصومات وما شيء من ذلك إلا وإلى القرآن مرجعه، وإلى بعض معانيه منزعه. فمن ألحق هذه الأبواب بالزوائد والفصول، وميزها عن سائر الأركان والفصول، لم يحصل من علم الدين إلا على القليل، وتلك منزلة لا يحمدها أهل الحصافة والتحصيل. وإذا كان هذا حال من لا ينظر في هذه الأبواب غفلة واشتغالا عنها بغيرها، فكيف بمن يسمي الحديث حشوا، والتفسير قصصا؟ وإذا سمع شيئا من محاسن الشريعة قال: هذا متاع المدكرين. فإن نبأ عنه فهمه قال: إنه كلام المبتدعين. وإن جرى عنده علم اللسان قال: هذا علم المؤدبين. فإن من كان هذا رأيه في هذه الأبواب لم يطلب علمها ولم يحم حولها، لأنه إنما يطلب علم الشيء من عرف قدره ومال إليه قلبه. والعلم لا يتعرض لكارهيه. ولا يتصدى للزاهدين فيه، وما الناس وإن تمنوه بنائليه، حتى يطلبوه أجد الطلب، ويرغبوا فيه أشد الرغب، وما هو بمعطيهم بعضه حتى يعطوه كلهم، وإذا أعطوه كلهم كانوا من إعطائه إياهم البعض على خطر، فكانت عاقبة هؤلاء الراصنين من علم الدين بأيسره والظانين إنهم قد حصلوا على جمهوره أو أكثره، وإن خسروا منه ووزروا من عظيم الإثم وما وزروا بنبزهم إخوانهم الذين جدوا في طلب الآثار وجمع
م الدين بأيسره والظانين إنهم قد حصلوا على جمهوره أو أكثره، وإن خسروا منه ووزروا من عظيم الإثم وما وزروا بنبزهم إخوانهم الذين جدوا في طلب الآثار وجمع
السنن والأخبار لقب الحشو، وإطلاقهم ألسنتهم فيهم بالهجر واللغو. وإنما أتى القوم من حيث ظنوا أن تعظيم علم الأحكام الذي يعرف بالفقه لا يتم إلا بالوضع من غيره والازراء بمن يتعاطاه ويشتغل به. وكانوا في ذلك كمن يضع من قدر سورة ليرفع به من قدر سورة، أو يزري بسنة ليعلي به قدر سنة. والإنصاف في ذلك أولى بالمسلمين من التشدد في الخلاف، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. ومن نظر وتبين علم: أن الفقه إن كان يستوجب الثناء ويستحق المدح والإطراء لأنه علم أصله وحي. فما وصفناه من إضراب علم الشريعة، وحي أصله، تنزيل كله، وإن كان ذلك لما يحتاج إليه فيه من الفهم والفطنة، فما علم من العلوم إلا ومنه جلي ومنه خفي، ولا وجه لإدراك الخفي إلا الاستدلال بالجلي عليه، ولا سبيل إلى الاستدلال بالجلي على الخفي إلا بعد إدراك المعاني وتبينها، وفي ذلك ما يبين أن اسم الفقه علم العلوم، الشريعة كلها، أعلاها الذي يتوصل بها إلى معرفة الله تعالى وجده ووحدانيته وقدسه وعامة صفاته ومعرفة أنبياء الله ورسله، والفرق بينهم وبين من يدعي مثل ما ادعوا، ولا يأتي من البينات بمثل ما أتوا، وما بعد ذلك من علم العبادات وأحكام الاكتساب والمعاملات، والحدود والجنايات، والفصل بين المتنازعين، وإيصال الحقوق إلى المستحقين، ومن علم الأحوال والأخلاق والآداب والسيرة الحميدة والعشرة الجميلة، والمروءة التي هي قرينة العدالة، وإبقاء معاني العبودة على تصرف الأحوال في الجملة. وعلم مع ذلك، إن التذكير مما أمر الله تعالى جده في كتابه، والله لا يأمر بالهزل ولا بما يهزأ به، ولا بما يصنع امتثاله من تمثيله ويحط استعماله من قدر مستعمله، قال الله ﷿: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾، وقال: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكافر ولا مجنون﴾. فيسمي الله تعالى جده، نبيه- ﷺ مذكرا، وسمى تبليغه وتعليمه تذكيرا، وأمره به إرشادا وتبصيرا.
المؤمنين﴾، وقال: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكافر ولا مجنون﴾. فيسمي الله تعالى جده، نبيه- ﷺ مذكرا، وسمى تبليغه وتعليمه تذكيرا، وأمره به إرشادا وتبصيرا. فكيف يعرض لأسباب الضعة ما جعله الله تعالى من أسباب الرفعة؟ وكيف يجري في إعداد أهل النقص طائفة: قائدها نبيها وإمامها رسولها؟ أو كيف يخرج علم
التذكير من جملة الفقه وهو لا يقع إلا من أولي الفطنة والتمييز والخبرة بما يوجبه الحال ويرجى أن ينجع فيمن يذكره المقدار الذي لا يستكثر، فيمل منه، أو يتضجر، وبالوقت الذي يكون التذكير فيه أنفع، ومن قلوب السامعين أوقع، وينبوع الذكر الذي يكون إلى القبول أسرع، وفي القلوب أنجع. وإذا تؤمل هذا المقام وما جرى فيه من الكلام، وجد اشبه المقامات بالقضاء بين المتخاصمين، والحكم بين المتنازعين التذكير، لأن المذكر يفصل بين دواعي النفس، فيميز المردية منها عن المنجية، ويلخص الموبقة من المعتقة، ويرجح دواعي العقل على دواعي الهوى والطبع، ويلزم السامعين أن يقفوا عند الحدود المحدودة لهم ولا يعتدوها، ويلزموا المثل الممثلة لهم ولا يتخطوها، كما أن القاضي يفصل بين المحق في دعواه والمبطل الراكب هواه. ويميز البينات عن دواحض الشبهات. ويرجح من أصنافها ما يجب ترجيحه، ويقدم منها ما يحق تقديمه، ويلزم المتحاكمين إليه أن ينتهوا إلى ما يوجبه الحكم لهم، ولا يرضى ببغي أن ظهر له منهم. فإن كان علم القضاء فقها كما يحتاج القاضي إليه من الفهم والفطنة والذكاء والخبرة، فعلم التذكير مثله، لأنه في هذا المعنى شكله. وبعد هذا فكيف ينفر الناس عن علم القصص وهو من براهين النبوة وأعلام الرسالة، إذ يقول الله ﷿: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾. هذا وقد سمى الله ﷿ القرآن قصصا، فقال: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾. وقال: ﴿إن هذا لهم القصص الحق﴾. وإنما الاقتصاص إذا الخبر على وجهه، فسواء كان المخبر عنه أنباء الأولين أو الحكام أو أحكام ما شرع للآخرين، فكل ذلك قصص.
وقال: ﴿إن هذا لهم القصص الحق﴾. وإنما الاقتصاص إذا الخبر على وجهه، فسواء كان المخبر عنه أنباء الأولين أو الحكام أو أحكام ما شرع للآخرين، فكل ذلك قصص. والفقه محتاج فيهما إليه لأن به يدرك مقاصد الاقتصاص، وبإدراكها يتميز العام عن الخاص، وليست بنا من تعظيم اسم الفقه والتنويه باسم الرأي وحسه، ولا ذاك بالذي يلحقنا منه مساءة، فإنا بحمد الله من أهل ذلك كله، وإنا لنحن أحكمنا معاقد الرأي والنظر، بعد أن أوضحنا معالم النقل والخبر، فأبينا على من خالفنا القياس، وأوثقنا منه القواعد والأساس، وفصلنا أقسامه
ولخصنا شروطه وإعلامه، وإنما يسوءنا أن يخرج من جملة الفقه ما ليس بخارج منها لنتذرع بذلك إلى نبذه وهجره، والبخس بحقه والإزراء بقدره، ولا ذلك بالذي يتصور به إلا من يراه، ويركب في استحسانه له هواه. ولكنا من أهل عصر من الأعصار إذا نشأوا عليه، وحدث قبل انقراضهم من يحتاج إلى الأخذ عنهم، احتذى حذوهم ولزم نهجهم، وظن أن لا علم إلا ما حصلوه، وإنهم لو علموا في غيرهم لأحكموه، ولو أبصروا فيه نفعا لم يضيعوه. فلا تزال الأشياء على هذا تتلاحق، والآراء منهم تتوافق وتتطابق، حتى لا يوجد في الناس من يحسن من تفسير القرآن ووجوه الأخيار. وحكم التذكير الذي هو فصل بين السامع وبين هواه، كما القضاء فصل بين المدعي وبين من أنكر دعواه. وعلم القصص الذي عظم الله تعالى شأنه، وأظهر به النبي ﷺ برهانه، إلا قليلا فتذهب من علم الشريعة أصوله، وتعفو منه أعلامه ورسومه، فذاك الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب، وتقسيمه على ما بينت من الأبواب. وقد أثبت فيه بتوفيق الله وعونه جملا من العلوم المهجورة المجفوة، بمقدار ما حملته من الأبواب التي كتبتها في شعب الإيمان، وضمنت كل باب منها من الكلام فيما يلتحق بسمته، ويدخل في جملته ما يكتفي به ويوصل منه إلى غيره. فمن بلغه كتابي هذا فلا يحرمن نفسه جزيل الحظ من الخير الذي سهلته له وسقته إليه بالإعراض عن تدبره، وترك الوقوف عليه إلى أن يحظى بما جمعته وينعم النظر فيما ألفته، فإن ذلك أن تيسر له ولم يخنه فهمه، وحسنت في سعيه نيته، رجوت أن يبتهج بإذن الله تعالى أجمعه، ولا يرى في شيء منه أن يدفعه، وبالله التوفيق والتسديد، والإرشاد والقصد والتأييد، وهو حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
تعالى أجمعه، ولا يرى في شيء منه أن يدفعه، وبالله التوفيق والتسديد، والإرشاد والقصد والتأييد، وهو حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
القسم الأول باب البيان عن حقيقة الإيمان الإيمان اسم مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف، كما قال ﵎: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾، ومعناه والغرض الذي يراد به عند إطلاقه هو التصديق والتحقيق لأن الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب والأمر والنهي كل واحد منهما قول يتردد بين أن يطاع قائله وبين أن يعصى، فمن سمع خبرا فلم يستشعر في نفسه جواز أن يكون واعتقد أنه حق وصدق، فإنما أمن نفسه باعتقاد ما اعتقد فيما سمع من أن يكون مكذوبا له ملبسا عليه، ومن سمع أمرا ونهيا واعتقد الطاعة له، فكأنما أمن نفسه باعتقاد ما اعتقد فيما سمع من أن يكون مظلوما أو مستسخرا، أو محمولا على ما لا يلزمه قبوله والإنقياد له، فمن ذهب إلى هذا المعنى أنزل قول القائل: أمنت بكذا، والمراد نفسي منزلة قولهم ووطنت نفسي على كذا، أو حملت نفسي على كذا، أو رصنت نفسي أو ذللتها، وصنت نفسي عن كذا بمعنى أمنت، أي بدا لي صدق وما سمعت بأذني، وحق ما أدركته بعقلي، وما اعتقدته أمنا من الخطأ فيه، ويكون تركهم ذكر النفس في قولهم: أمنت، إختصارا لما قد كثر استعماله كما يقال بسم الله بمعنى بدأت، أو ابدأ باسم الله، وحذف ذكر الابتداء لكثرة الاستعمال. والله أعلم. وفيه وجه آخر وهو أن يكون معنى أمنت، أي أمنت مخبري أو الداعي لي من التكذيب، والخلاف بما صرحت له به من التصديق والوفاق، فإذا قيل: آمنت بالله، فالمعنى أمنت الداعي إلى الله من الخلاف والتكذيب بما أظهرت له من الوفاق والتصديق
يب، والخلاف بما صرحت له به من التصديق والوفاق، فإذا قيل: آمنت بالله، فالمعنى أمنت الداعي إلى الله من الخلاف والتكذيب بما أظهرت له من الوفاق والتصديق
والإيمان بالرسول، إيمانه في نفسه من الشقاق عليه بإظهار التصديق له، والإيمان بالملائكة والكتب إيمان المخبر عنها من الخلاف بإظهار الوفاق. وقد يجوز أن يكون إيمان من آمن بالله من الملائكة لا عن رسول كان إليه إيمانه بنفسه يحسن الإعتقاد لما أوجبه استدلاله من أن يكون الذي وقع له وسوسة أو ظنا، ويدخل في هذا إيمان المستدلين من الناس أيضا، وذهب بعض الناس إلى أن معنى آمنت بالله، أمنت نفسي من عذاب الله بالاعتراف به والتوحيد له، وهذا لا يصح لأنه لا سبيل لأحد من المؤمنين إلى القطع بأنه قد أمن عذاب الله، وقد قال الله تعالى ﷿: ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾، ولأن الأمور بعواقبها ولا يدري أحد بماذا يختم له، ولأن لقطة الإيمان ليست تستعمل فيما يعقب الذهاب عنه عذابا فقط، ولكنه مستعمل حيث لا يتوهم فيه عذاب، لأن معنى الإيمان التصديق، فقد يجوز أن يقول القائل لصاحبه فيما يحدثه: لا أؤمن بما تقول، كما يقول: لا أصدق: ثم لا يكون المعنى لا أؤمن نفسي من العذاب بتصديقك. فبان أن ليس تأويل الآية ما قاله هذا القائل والله أعلم. فصل ثم إن الإيمان الذي يراد به التصديق لا يعدو إلى من يضاف إليه ويلصق به إلا بصلة وتلك الصلة قد تكون باء وقد تكون لاما. أما ما جاء بحرف الباء فمنه قول الله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾، وقوله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، وقوله جل وعز: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾، وأما ما جاء باللام فمنه قوله تعالى في قصة إبراهيم صلوات الله عليه: ﴿فآمن له لوط﴾، وقوله حكاية عن نوح صلوات الله عليه: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾، وعن قوم فرعون أنهم قالوا لموسى وهارون
صلوات الله عليهما: ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون﴾، وعن أبناء يعقوب صلوات الله عليهم أنهم قالوا لأبيهم: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾، وعن كفار العرب أنهم قالوا فيما بينهم: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾. فمن الناس من قال: إن قولهم "آمنت به"، و"آمنت له" لغتان يعبر بهما عن معنى واحد. والصحيح ما خالف هذا، وهو أن قولهم: "آمنت به" إنما يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده. وقوله: "آمنت له" إنما يراد إتباعه وموافقته،.فالإيمان بالله تعالى جده إثباته والاعتراف بوجوده، والإيمان له القبول عنه والطاعة له. والإيمان بالنبي إثباته والإعتراف بثبوته، والإيمان بالنبي موافقته والطاعة له. ويدل على افتراق الصلتين أن إحداهما تصلح حيث لا تصلح الأخرى، فإن بني يعقوب ﵇ لو قالوا لأبيهم: "وما أنت بمؤمن بنا" لما صلح لذلك. ولو قال كفار العرب: "ولا تؤمنوا إلا بمن اتبع دينكم" لما أدى ذلك لما أرادوه من المعنى. وأمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يقول للمنافقين: ﴿لن نؤمن لكم﴾، أي لن نقبل منكم عذركم، ولو كان مكانه: "لن نؤمن بكم"، ما جاز ولا حسن. وقال جل ثناؤه: ﴿قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾، ولو كان مكان ذلك: "ويؤمن بالمؤمنين" لما جاز ولا صلح. فثبت بما اقتصصنا أن الصلتين موضوعان لمعنيين متغايرين لا لمعنى واحد. ويدل على صحة ما ذكرت أن اسم التصديق الذي هو حقيقة الإيمان قد يحتمل صلتين: إحداهما الباء والأخرى الهاء. فأما الباء فإنه يليق بالتصديق وبما يتصرف عنه من فعل ونعت. وأما الهاء فإنه يلزم ما ينصرف عنه من فعل، فإذا جاء النعت جازت اللام مكان الهاء، فيقال: "صدقت فلانا وصدقت به"، فمعنى صدقته أثبت قوله وخبره ووثقت بصحته ومعنى صدقت به: أثبت وجوده وكونه. ثم يقال: صدقت به وأنا مصدق. وإذا قيل صدقته، جاز أن يقال: "وأنا مصدقه ومصدق له، قال الله تعالى: ﴿مصدقا لما بين يديه من الكتاب﴾، ولا يصلح مكانه ومصدقا بما بين يديه لأن الغرض، أن هذا الكتاب
دقته، جاز أن يقال: "وأنا مصدقه ومصدق له، قال الله تعالى: ﴿مصدقا لما بين يديه من الكتاب﴾، ولا يصلح مكانه ومصدقا بما بين يديه لأن الغرض، أن هذا الكتاب
مثبت من وحدانية الله تعالى وقدسه ووجوب طاعته وتحسين العدل، وتقبيح الظلم والشهادة للذين جاؤوا بالكتب المقدمة، بأنهم جاؤوا بها من عند الله تعالى ما أثبتته تلك الكتب أنفسها. ولو قيل: "مصدقا لما بين يديه من الكتاب"، لصلح، فعلم أن اللام قائمة مقام الهاء في صدقته. ولو قيل: "ومصدقا بما يديه"، لم يدلك على أكثر من أنه أثبت أن كتبا كانت قبله، فثبت بهذا افتراق الصلتين، وتغاير ما يراد بهما، والله أعلم. وما ينبغي لأحد أن يستنكر هذا الفرق، فإن الوجود منه هو الموافق للصواب والحكمة إذ كان الاعتراف بالله ﷻ، لابد من أن يسبق حتى يصح القبول عنه وطاعته وعبادته من بعد، والاعتراف بالنبي كذلك لأنه يسبق، ثم تكون متابعته والقبول عنه، ولو تجردت المتابعة بفعل ما يأمر به، والانتهاء عما ينهي عنه عن الاعتراف بالنبوة لما سلمت، ولا سلمت نفعت، فكان حقا أن يعود الأصل من هاتين الخصلتين بإحدى هاتين اللفظتين والتابع منهما بالأخرى. فيكون التصديق بالله إثباته والاعتراف بوجوده، والتصديق له قبول شرائعه، وإتباع فرائضه على أنها صواب وحكمة وعدل، والطاعة فيها لازمة، والمحافظة على حدوده، والثقة بوعده ووعيده. وكذلك التصديق بالنبي، غير التصديق له. فالتصديق به: هو الاعتراف بوجوده وكونه وإثباته نبيا في الجملة. والتصديق له: إتباعه وطاعته وقبول ما جاء عنه، وكذلك الإيمان بالله: هو الاعتراف به وإثباته: والإيمان له: طاعته وإتباع أمره. وعلى هذا الإيمان بالله أو النبي، إيمان بالدلائل التي دلت عليه، لأنه قبول لدلالتها عنها، وانقياد لموجبها. والإيمان بالكتاب إيمان للدلائل التي دلت على أنه من عند الله.
بالله أو النبي، إيمان بالدلائل التي دلت عليه، لأنه قبول لدلالتها عنها، وانقياد لموجبها. والإيمان بالكتاب إيمان للدلائل التي دلت على أنه من عند الله.
فأما إذا قلت: "آمنت بالكتاب"، لم تكن دللت على أكثر من أنك أثبته كتابا لله تعالى، والإيمان بالنبي إيمان لله لأنه قبول لدلالته التي أيده بها، وطاعة له فيما أتى به من عنده، والإيمان بالله إيمان بالنبي لأنه إجابة لدعوته ومتابعة له على مقالته. وقد يجوز أن يقول: آمنت للكتاب والتزمت العمل بأمره ووعيده. فإن قال قائل: فما يمنع أن يكون الإيمان بالله إيمانا لله؟ لأن الإيمان بالله من فرائض الله، وطاعته فيه إيمان له، والإيمان بالنبي إيمان للنبي لأنه مؤمن بنفسه كما هو مؤمن بالله، والإقرار له بذلك متابعة له على ما هو عنده، فرجع الأمر: إلى أن الإيمان بمن يضاف الإيمان إليه والإيمان له سواء، فالفرق بينهما ساقط! فالجواب: إنا لا ننكر أن يكون هذا هكذا إذا كان أحد هذين المعنيين مضافا إلى صيغة اللفظ الآخر وإلى تأويله! وإنما ينكر أن يكون جميعا مضافين إلى صيغة اللفظ إذا كانت الشواهد التي تقدم ذكرها تشهد بأن كل واحدة من اللفظتين موضوعة لغير ما وضعت له الأخرى. فكانت نفس الصيغة تدل على ذلك، لأنه إذا قيل: آمنت بكذا، أوجب ذلك إلصاق الإيمان بذلك الكذا، إذ الباء عندهم حرف إلصاق، فلا يكاد هذا اللفظ يدل على أكثر من التصديق بذات من أضيف الإيمان بالله. فإذا قيل: آمنت لكذا، أوجب ذلك إيمانا غير ملصق بذلك الكذا لكن واقعا لأجله. فكان قولهم: "آمنت بالله"، كقولهم "أثبت الله واعترفت به". وقولهم: "آمنت لله"، كقولهم: "خضعت لله، والخضوع له عز اسمه معنى غير إثباته، فلو جاز أن يقال: أن أحدهما هو الآخر. مع افتراقهما من حيث ذكرت، لجاز أن يقال: أن اسم الصلاة لصيغته موضوع لطاعته، إذ كانت الصلاة لله طاعة له، والصيام وكل عبادة مثلها، فتكون الصلاة صياما لأنها طاعة مثله، أو الصيام صلاة لأنه طاعة مثلها، وكل واحد منهما مستعملا حيث تستعمل الطاعة، إذ كان كل واحد منهما طاعة.
عبادة مثلها، فتكون الصلاة صياما لأنها طاعة مثله، أو الصيام صلاة لأنه طاعة مثلها، وكل واحد منهما مستعملا حيث تستعمل الطاعة، إذ كان كل واحد منهما طاعة. فإذا لم يجز أن يقال ذلك لافتراق الاسمين فيما صيغ كل واحد من اللفظين له من المعنى، فكذلك الإيمان بالله والإيمان لله، هذه منزلتهما. ويدل على صحة ذلك اسم الإسلام يصلح مكان اسم الإيمان عند وصله باللام، ولا
يصلح مكانه عند وصله بالباء. إذ قد يجوز أن يقال: "آمنت لله وأسلمت لله"، ولا يجوز أن يقال: "أسلمت بالله" كما يقال: "آمنت بالله". فثبت بهذا ثبوتا ظاهرا إن الإيمان لله غير الإيمان بالله، وأن الإيمان بالله إثباته والاعتراف به. فلما لم يكن من قولهم أسلمت بالله، هذا المعنى، لم يجز استعماله وأن الإيمان لله هو الطواعية له بإتباع أوامره بعد الاعتراف به، إذ كان إتباع الأمر مع الجحود لا يتحقق، فلما كان ذلك إسلاما للنفس وتسليما لأمر الله، صح أن يقال: "أسلمت لله"، فبان عما قلنا أن من قال: "آمنت بالله"، كان الإثبات والاعتراف به هو المعنى المضاف إلى صيغة اللفظ، وأما ما فيه من معنى الطاعة فهو من تأويل اللفظ لا من حكم صيغته. وأما من قال: "آمنت الله"، كان الإذعان والطواعية له بقبول أوامره وسائر ما جاء من عنده، هو المعنى المضاف إلى صيغة اللفظ. فأما ما فيه من معنى الإثبات له والاعتراف به، من حيث أن إتباع الأمر والنهي لا يكون إلا مع الاعتراف، فهو من تأويل اللفظ لا من حكم صيغته، والله أعلم. فصل ومن هذا الوجه الذي بيناه أوجبنا أن تكون الطاعات كلها: فرائضها ونوافلها إيمانا، ولم نوجب أن تكون المعاصي الواقعة من المؤمنين كفرا. وذلك أن الكفر بالله أو برسوله مقابل الإيمان به. فإذا كان الإيمان بالله أو برسوله الاعتراف به والإثبات له، كان الكفر به جحوده والنفي له والتكذيب به. فأما الأعمال فإنها إيمان لله ولرسوله بعد وجود الإيمان به. والمراد به إقام الطاعة على شرط الاعتراف المتقدم، فكان الذي يقابله هو الشقاق والعصيان دون الكفر، فلذلك قلنا أن تارك الإتباع مع الثبات على التصديق فاسق وليس بكافر. وكان هذا هو الذي يوجبه اللسان إلى أن يحقق المعاني وينظر فيما يوجبه، والله أعلم.
ر، فلذلك قلنا أن تارك الإتباع مع الثبات على التصديق فاسق وليس بكافر. وكان هذا هو الذي يوجبه اللسان إلى أن يحقق المعاني وينظر فيما يوجبه، والله أعلم.
فصل ثم أن التصديق الذي هو معنى الإيمان بالله وبرسوله ينقسم: فيكون منه ما يخفى وينكتم، ويكون منه ما يتجلى ويظهر، وأما الذي يخفى فهو الواقع منه بالقلب ويسمى اعتقادا، وأما الذي يظهر فهو الواقع باللسان ويسمى إقرارا ويسمى شهادة. وكذلك الإيمان لله ولرسوله ينقسم: إلى جلي وخفي. فالخفي منه هو النيات والعزائم التي لا تجوز العبادات إلا بها. واعتقاد الواجب واجبا والمباح مباحا والرخصة رخصة والمحظور محظورا والعبادة عبادة والحد حدا ونحو ذلك. والجلي ما يقام بالجوارح إقامة ظاهرة وهو عدة أمور: منها الطهارة ومنها الصلاة ومنها الحج ومنها العمرة ومنها الزكاة ومنها الصيام ومنها الجهاد في سبيل الله، وأمور سواها ستذكر في مواضعها. وكل ذلك إيمان وإسلام وطاعة لله ﷿ ولرسوله ﷺ إلا أنه إيمان لله بمعنى أنه عبادة له، وإيمان للرسول بمعنى أنه قبول عنه دون أن يكون عبادة له، إذ العبادة لا تحق لأحد ﷿. فصل ونقول: الخلاف في هذا الأصل الذي تقدم من قبل اللسان تمهيده كثير، ولكن القصد في هذا الكتاب، الكلام على الفريقين: أحدهما: الذين يقولون أن التصديق بالقلب كان لإثبات الإيمان ومزايلة الكفر، وأن الإقرار باللسان وإن كان فرضا، فليس أن الكفر لا ينتفي إلا به، وإنما هو كالصلاة والزكاة وغيرهما من أركان الإسلام. وهي وإن كانت فرضا، فالكفر ينتفي من دونها، فكذلك الإقرار. والآخر: الذين يقولون أن التصديق بالقلب واللسان معا هما الإيمان، فمن اعتقد بقلبه وأقر بلسانه فقد استكمل الإيمان، وأما سائر الطاعات والعبادات فاسم الإيمان لا يلحقها، وإنما يقال أنها حقوق الإيمان أو شرائع الإيمان، فأما الإيمان نفسه الاعتقاد والإقرار. وأما نحن فنقول: أن اسم الطاعات كلها فرائضها ونوافلها. فالاعتقاد
وإنما يقال أنها حقوق الإيمان أو شرائع الإيمان، فأما الإيمان نفسه الاعتقاد والإقرار. وأما نحن فنقول: أن اسم الطاعات كلها فرائضها ونوافلها. فالاعتقاد
إيمان، وكل عبادة من صلاة أو زكاة أو حج أو جهاد أو غيرها فهي إيمان. ثم في تسميتها إيمانا وجهان: أحدهما أن كلها إيمان بالله ﷿ وبرسوله ﷺ. والآخر: أن الاعتقاد والإقرار إيمان بالله وبرسوله، وسائر الطاعات والعبادات إيمان لله ورسوله. وسنتكلم عن كل واحد من الوجهين عند الحاجة إليه إن شاء الله. والدليل على أن التصديق بالقلب لا ينفك عن الكفر دون أن ينضم إليه الإقرار باللسان إذا كان مقدورا عليه- إن الله ﷿ أمر بالقول فقال: ﴿قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾. ثم قال ﷿: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾. فأمر المؤمنين أن يقولوا: "آمنا" ثم أخبر- بقوله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به- إن ذلك القول منهم إيمان، وسمي قولهم مثل ذلك إن قالوه وإيمانا، إذ لا معنى لقوله: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ إلا فإن آمنوا بأن قالوا: "مثل ما قلتم"، فكانوا مؤمنين كما آمنتم. فصح أن القول إيمان، وبأن قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم فقد اهتدوا وأن تولوا فإنما هم في شقاق﴾ بعد ما ثبت أن تقديره ما وصفنا أن المعنى. فإن قالوا مثل ما قلتم فقد اهتدوا وإن تولوا وأبوا وامتنعوا فإنما هم في شقاق، ومشاقة الله تعالى كفر، فصح أن القول باللسان محتاج إليه لنفي الكفر، والله أعلم. وقال ﷿ في آية أخرى: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا: أمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾. إن ذلك القول لم ينقلهم عن الكفر، لأنه كان بعد رؤية البأس، فثبت أنه لو كان قبلها، لنفعها بأن كان ينقلهم عن الكفر إلى الإيمان. ودلت السنة على مثل ما جاء به القرآن، فروي أن النبي ﷺ قال: (أمرت أن
أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها). ومعلوم أن الإيمان هو الواجب للعصمة، فلما أخبر النبي ﷺ: أن العصمة المزايلة بالكفر تثبت بالقول، صح أن القول إيمان، وأن الحاجة إليه كالحاجة إلى الاعتقاد لانتفاء الكفر، والنظر يدل على صحة هذا القول، لأن اللسان محل التوحيد كالقلب، فإن القاصد إلى الإيمان كما يخطر بقلبه أن لا إله إلا الله، ويوطن نفسه على أن ذلك كذلك، فيكون موحدا بقلبه. فكذلك يجري لسانه بمثل ما كسب قلبه ويعبر عما في ضميره فيقول: لا إله إلا الله، فيكون موحدا بلسانه، فبان بذلك أن كل واحد من القلب واللسان محل التوحيد، ووجب إذا كان اعتقاد التوحيد أمرا لا ينتفي الكفر بدونه أن يكون القول باللسان في هذا مثله، وأن لا يقضي بزوال الكفر مع خلو محل التوحيد وبالله التوفيق. ووجه آخر: وهو أن الكفر لما كان يقوم بالعقد وحده وبالقول وحده، لأن من تكلم بكلمة الكفر مختار عالما بمعناها غير حاك لها عن غيره كفر، وإن ما كان لا يعتقد أن ما تنبي عنه الكلمة صحيح، كما أن من اعتقد ضربا من ضروب الكفر كفر، وإن لم يعبر عنه بلسانه. دل ذلك على أنه لا ينتفي إلا باجتماع العقد والقول على نفيه، لأنه لما احتيج إلى عقد القلب لنفي الكفر لم تكن العلة فيه، إلا أن فساد العقد مثبت للكفر، وهذا المعنى موجود في القول لأن فساده موجب للكفر، فصح أنه محتاج إليه لنفي الكفر كالعقد، فوجب أن لا يثبت الإيمان إلا بالجمع بين الاعتقاد الصحيح والإقرار الصريح وبالله التوفيق. ووجه آخر: وهو أن الإجماع قد حصل على أن الإقرار فرض، وإن كان مختلف في أن البراءة من الكفر تقع من دونه أو لا تقع، فلا يخلو وجوبه من أوجه ثلاثة. أما أن يكون لشغل جاز حتى التوحيد للجمع بذلك بين ظاهر الإيمان وباطنه، أو
في أن البراءة من الكفر تقع من دونه أو لا تقع، فلا يخلو وجوبه من أوجه ثلاثة. أما أن يكون لشغل جاز حتى التوحيد للجمع بذلك بين ظاهر الإيمان وباطنه، أو
ليعلم المقر غيره أنه قد اعتقد التوحيد وترك ما يخالفه، أو لا لهذا ولا لذلك. ولكنه فرض كسائر الفروض التي هي الصلاة والزكاة والصيام، فبطل أن يكون وجوب الإقرار ليعلم المقر غيره حال نفسه من الإيمان، فإن المنفرد بنفسه حيث لا بأس عنده ولا أحد معه يلزمه من الإقرار والتشهد بشهادة الحق، ما يلزم التارك بين الجماعة ومعلوم أنه إذا كان خاليا بنفسه، فليس يحتاج أن يعلم غيره إيمانه بل لا غير فيعلمه، فثبت أن وجود الإقرار ليس للإعلام، ودل على ذلك أيضا أنه لو أقر من حيث لا يسمع إلا لنفسه لسقط عنه فرض الإقرار، فعلم أن وجوبه ليس لأعلام الغير، وبطل أن يكون وجوبه كوجوب الصلاة والزكاة لأنه أخف كلفة وأقل شغلا من الصلاة والزكاة والصيام، ثم لا يتكرر تكرارا متداينا ولا ييكر امتزاجيا، فلو كان وجوبه على أنه من فروع الإيمان لتكرر كما يتكرر ما هو أشق وأثقل منه، فإن قال: فإن الإقرار يتكرر في الصلوات، قيل: أول ما يجب الإقرار فإنما يجب في غير الصلاة فتكرره يجب مرة بعد أخرى في غير الصلاة ليكون مقصودا بنفسه، وأما إذا وجب في الصلاة فإنما يجب لتكميلها، وليس ذلك من وجوبها لنفسها بسبيل. ألا ترى أن عامة ما يجب على الصائم الإمساك عنه، يجب على المصلي الإمساك عنه؟ ثم لا يكون تكرر صيام لأنه مشروط غيره وليس بمقصود في نفسه! فكذلك الإقرار والله أعلم. ولما بطل هذان الوجهان صح الثالث وهو أن الإقرار إنما يلزم لينضم إلى الاعتقاد ويعاونه على نفي الكفر والله أعلم. ووجه آخر: يدل على أن الإقرار إنما يجب وجوب الاعتقاد، أنه يلزم العاقل البالغ معجلا مضيقا كما يلزمه الاعتقاد معجلا مضيقا، فبان أنه للجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه لا لدلالة الغير على استحداث الإيمان، فإن الغرض من الإقرار لو كان تعريف الحال لجاز أن يتأخر إلى أن تقع الحاجة إلى التعريف، ولما لم يجز تأخيره بعد حصول المعرفة كما لا يجوز تأخير الاعتقاد دل على ذلك على أنه لما قلنا من الجمع بين ظاهر الأمر وباطنه والله أعلم.
ة إلى التعريف، ولما لم يجز تأخيره بعد حصول المعرفة كما لا يجوز تأخير الاعتقاد دل على ذلك على أنه لما قلنا من الجمع بين ظاهر الأمر وباطنه والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن الكافر إذا اعتقد وأقر كان مؤمنا، ثم لا يلزمه في غير أحوال الصلاة أن يتكلم بشهادة الحق، وإن اعترضت في أمره شبهة فاحتاج إلى إزالتها للدفع عن نفسه كفاه أن يقول: إني مسلم أو قد أسلمت من وقت كذا، ولم يلزمه أن يأتي بالشهادة على وجهها. فبان أن ذلك للجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه لا لمعنى سواه، إذ لو كان الدلالة على حال نفسه للزمه في كل حال من أحوال الأشكال الواقع في أمره أن يأتي بالشهادة على وجهها. وإذا لم يلزمه في ذلك ما يلزم في بدئ أمره، صح أن مجموع الاعتقاد والإقرار هو الإيمان وبالله التوفيق. فإن قال قائل: فما أنكرتم أن الإيمان هو التصديق بالقلب وحده، لأن الله ﷿ أمر بالإيمان بقوله: ﴿آمنوا﴾ والتصديق بالقلب إيمان في اللسان، فمن جاء بذلك فقد وفى الأمر حقه وخرج عن عهدته: فالجواب أن التصديق المطلق قول القائل: صدقت، بقول العرب: إن صدقت فصدقني، وإن أصبت فصوبني، وإن أخطأت فخطئني، وإن أسأت فسؤني، على أن قيل لي: صدقت، أصبت، أخطأت، أسأت،. وقال الله ﷿: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾. فسمى قوله: ﴿وصدق الله ورسوله﴾ بعد تقديم الإيمان زيادة إيمان. فثبت أن الإيمان ليس التصديق بالقلب دون القول به، وأيضا فإن هذه الآية لم تتجرد عن سائر الآيات والسنة التي فيها اشتراط القول لثبوت الإيمان، فوجب أن يكون محمولا على الإيمان ومضمومه إليها. وأيضا فإن لا خلاف بيننا وبين قائل هذا القول في أن الإقرار إيمان لأنه يقول الطاعات كلها إيمان، والإقرار طاعة. فهو إذن إيمان. فإن كان قوله ﷿: آمنوا، محمولا على الإيمان الجامع لجميع شعبه، فالإقرار منها بل هو رأسها. وإن كان محمولا على كل شيء يلحقه اسم الإيمان فلا ينبغي أن يكون التصديق بالقلب أندر إليه من التصديق باللسان، ولا التصديق باللسان أندر إليه من التصديق بالقلب.
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن الإيمان هو التصديق بالقلب وحده لقول الله ﷿: ﴿قالت الأعراب آمنا، قل: لن تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾. فأخبر أن القول ليس بإيمان وأن ما في القلب هو الإيمان. فالجواب: أن الآية إن كانت توجب أن لا يكون القول إيمانا، فإنما ذلك في القول العاري عن الاعتقاد، ولسنا نخالف ذلك، بل نقول به، فإن قال: فإن في الآية أن التصديق بالقلب إيمان، وإنه لو كان في قلوبهم، لكانوا مؤمنين. قيل: لو كان في قلوبهم لكانوا مؤمنين لجمعهم بين التصديق بالقلب والقول باللسان لا التصديق بالقلب وحده، لأن الله تعالى وصفهم بالقول، لا إنه سلب ذلك القول اسم الإيمان ليعري القلب عن حقيقته، فدل على أن حقيقته إذا كانت موجودة في القلب كان وجود الإيمان بالقلب واللسان معا لا بأحدهما دون الآخر. فإن قال: ما أنكرتم أن الاعتقاد وحده إيمان، لأن من سلب البيان يصح منه الإيمان بقلبه، ومن سلب العقل لم يصح الإيمان منه بلسانه. فعلم أن مدار الإيمان على القلب لا على اللسان! فالجواب أن من سلب البيان صحت منه الصلاة بلا كلام، ومن سلب العقل لم تصح له صلاة أصلا، ولا يدل ذلك على أن الجمع بين العقل والقول غير محتاج إليه في وجود حقيقة الصلاة عند القدرة على الجمع بينهما، فكذلك ما ذكرتم، ثم لا يدل على أن الجمع بين العقل والقول غير محتاج إليه في وجود حقيقة الإيمان عند القدرة على الجمع بينهما. وأيضا فإن من سلب العقل، كما لا يصح منه الإيمان بلسانه فكذلك لا يصح منه الكفر بلسانه، وذلك لا يدل على أن الكفر النافي للإيمان لا يقع باللسان، فلذلك امتناع صحة الإيمان من المجنون لا يدل على أن نفي الكفر لا يقع باللسان, والله أعلم. فإن قال: لما كان المكره على الكفر يحفظ الإيمان على نفسه بالثبات على اعتقاده مع إجرائه الكفر على لسانه، دل ذلك على أن الاعتماد في الإيمان على القلب. فالجواب: أن المكره ليس يحفظ الإيمان على نفسه، بمجرد الاعتقاد، لكن به وبالإقرار السابق الذي قدمه ثم لم يتبعه ما ينقصه، وذلك أن القول الذي أكره عليه،
فالجواب: أن المكره ليس يحفظ الإيمان على نفسه، بمجرد الاعتقاد، لكن به وبالإقرار السابق الذي قدمه ثم لم يتبعه ما ينقصه، وذلك أن القول الذي أكره عليه،
لا يكمل لنقص الإقرار السابق إذ كان المكره لا يتكلم به لما تحته من المعنى، وإنما يتكلم به لأنه محمول عليه بعينه، فلا يخلص نفسه إلا به. فأوجب ذلك إهدار كلامه حتى إذا هدر كان دوام الإيمان بالاعتقاد وبما تقدم من الإقرار الذي سلم عما ينقصه ويرفعه لا بالاعتقاد وحده، والله أعلم. فإن قال: الإقرار عمل بإحدى الجوارح الظاهرة، فهو كالصلاة والصيام والحج والجهاد. ومعلوم أن كافرا لو أسلم وقت صلاة أو قبل الفجر من ليلة من ليالي رمضان، أو في وقت قد وقع النفير، لم يتوقف انتقاله عن الكفر وبراءته منه، على فعل ما قد وجب من هذه الأعمال. فكذلك الإقرار شبيه بها، فكان حكمه حكمها! فالجواب: أن الاعتقاد يتوقف عن الإقرار لأن المقدمة هو المعتقد، والذي يجري على اللسان من الإيمان هو الذي يخطر على القلب ويعقد عليه. وإنما يفرق بين الأمرين الأدلة والوصف، فإن أحدهما يفعل باللسان، والآخر بالقلب، وأحدهما يظهر والآخر لا يظهر. وأما العمل نفسه، فإنه متفق غير مختلف ولا ممنوع فيوقف الاعتقاد على الإقرار للجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه. وأما سائر الأعمال، فإنها غير المعتقد بالقلب، والمعبر عنه باللسان، وكلها تزد من الاعتقاد والإقرار منزلة الإمارات من الصحيح، لأن كل واحد بين الاعتقاد والإقرار صريح تصديق، ولا يمكن أن يكون فوقهما أشد صراحة منهما. وأما الأعمال الأخر، فإنها أمارات التصديق يعني أنه إذا كان عاقلا لا يخضع بالتقرب إلى من ينكر وجوده، ولا يتحمل الجهد والمشقة الغليظة في تكلف الأعمال وهو لا يثبته. وإن كان يثبته لا يرى أنه موضع رغبة إليه أو رهبة منه، كانت إقامة العبادات المشروعة ممن يقيمها تصديقا بصانعه، وثقة بوعيده ووعيده، وتصديقا لمن أدى إليه عنه، أنه مريد منه ما هو فاعله ومتعرف عليه. فأما أن يكون ذلك صريح تصديق، فلا! فلم تجز إذا وجد الصريح منه أن يتوقف الحكم به على وجود ما هو أمارة. لأن التوقف على الحكم بأقوى الدلالتين انتظارا لوجود أضعفها، لا معنى له، والله أعلم.
فلم تجز إذا وجد الصريح منه أن يتوقف الحكم به على وجود ما هو أمارة. لأن التوقف على الحكم بأقوى الدلالتين انتظارا لوجود أضعفها، لا معنى له، والله أعلم. ودل على ما قلنا: أن رجلا لو أقر لرجل بمال ادعاه عليه، لأخذ بدفعه إليه، ولم
يتوقف الإقرار على الدفع حتى لا يكون صحيحا إلا به إن كان الدفع- إذا وجد- تصديقا للمدعي كما كان قوله باللسان تصديقا. وما ذاك إلا لأن القول صريح، والدفع أمارته. فلم يجز أن يتوقف صحة الصريح على وجود الإمارة. فكذلك هذا في الإيمان والله أعلم. ووجه آخر: وهو أن الاعتقاد والإقرار معا إيمان بالله ﷿ ونزلا منزلة واحدة. وأما الأعمال فإنها إيمان لله ﷿ ولرسوله ﷺ، والإيمانان جميعا واجبان، غير أنهما متغايران في الحد والحقيقة، فلم يتوقف أحدهما على الآخر لذلك، ولا تغاير بين الاعتقاد والإقرار في حقيقتهما، فاحتيج إلى وجودهما معا ليقع به الجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه والله أعلم. فإن قيل: إن كانت الأعمال إيمانا لله ﷿، فهل وجدتم في كتاب أو سنة إيجابهما بهذا الاسم؟ فإن كنتم لم تجدوه، فليس علينا أن نقبله منكم بلا رهان. فالجواب: إنا وجدنا ذلك لأن الله ﷿، أخبر عن قوم نوح ﵇: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾ قدمهم بذلك، فدل ذلك على أن نوحا ﵇ كان يدعوهم إلى أن يؤمنوا له فيمتنعون ولولا ذلك لما جادلوه بأن يقولوا له: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾، ولا ذم الله تعالى ذلك منهم إذ قالوه. وهكذا قوم موسى ﵇: ﴿فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا﴾ فدل ذلك على أن موسى وهارون ﵉ كانا يأمرانهم أن يؤمنوا لهما. وإذا ثبت ذلك في غير شريعتنا، وكانت الشرائع كلها متفقة على أنها أعمال وقع التعبد بها. صح أنا من حيث أمرنا بها مأمورون بالإيمان لنبينا ﷺ. فصح لنا ما قلناه من هذا الوجه. فإن قيل: ما أنكرتم أن معنى قولهم: "أنؤمن لك، أنؤمن بك، وكذلك معنى أنؤمن لبشرين مثلنا، أنؤمن ببشرين مثلنا! قيل: ليس كذلك! لأن قوم نوح لما قالوا: "أنؤمن لك، وصلوا ذلك بقولهم:
"واتبعك الأرذلون"، فدل على أنهم أرادوا بقولهم، أؤمن لك. أنقبل عنك ونتابعك ولا نرى أحدا اتبعك إلا الأرذلون لنكون أسوة الأراذل، وإنما نحن أماثل. وكذلك قوم موسى لما قالوا: "أنؤمن لبشرين مثلنا" وصلوا ذلك بقولهم ﴿وقومهما لنا عابدون﴾، فدل ذلك على أنهم أرادوا: نلتزم طاعتهما فنكون قد عبدنا أنفسا لهما وقومهما لنا عابدون. فنحول الذلة عن قومهما إلى أنفسنا، والعز والرفعة عن أنفسنا إليهما وإلى قومهما. ولو كان المراد نفس التصديق لم يلق أن نعتذر من التأخر عنه بما حكى الله عنهم، أنهم قالوا: لا في الطباع والعادات ولا في قياس النظر، لأن أتباع الأراذل رجلا لا يجعل أن يكون صادقا في قوله، ولا العبودة تجعل أن يكون العبد صادقا في قوله. فأما الاعتذار من ترك الطاعة والانقياد بمثل ما ذكر فلائق بما في الطباع، وإن كانت الشرائع لا تسوغه. فيثبت أن المراد بالاثنين ما قلنا، وفي ذلك ثبوت ما وصفنا. وبالله التوفيق. وجواب آخر: وهو أنا وجدنا في الكتاب والسنة وإيجاب العمل والندب إلى أعمال. ووجدنا في اللسان أن إتباع الأمر إيمان للأمر. فعلمنا من ذلك أن الأعمال التي أمر الله جل وعز طاعة له، والفرق بين الإيمانين قد مضى ذكره وتقريبه والله أعلم، وبه العصمة والتوفيق. ذكر الكلام مع الفريق الآخر: وأما الدليل على أن الطاعات كلها إيمان. فهو أن الإيمان عند العرب التصديق، وكل طاعة تصديق، لأن أحدا لا يطيع من لا يثبته، أو لا يثبت أمره ولا يعتد به، وإذا كانت الطاعة لا تقع إلا لأمر آمر علمنا أن فعل الطاعة تصديق بالأمر وللآمر، فكذلك قلنا أنه إيمان. ووجه آخر: وهو أن الدوام على الإيمان إيمان، وهو منزلة بعد الانتقال عن الكفر، وإنما كان ذلك إيمانا لأنه طاعة، فكل طاعة فهو إيمان قياسا عليه. ووجه آخر: وهو أن كل مستحق بفعله ثواب وبتركه عقاب، فهو إيمان قياسا على الإقرار والاعتقاد.
ما كان ذلك إيمانا لأنه طاعة، فكل طاعة فهو إيمان قياسا عليه. ووجه آخر: وهو أن كل مستحق بفعله ثواب وبتركه عقاب، فهو إيمان قياسا على الإقرار والاعتقاد.
ووجه آخر: وهو أنه ما لا يلائم الكفر ولا يكون معه برا وقربة فهو إيمان كالإقرار. ووجه آخر: وهو أن الله ﷿ وصف المؤمنين في كتابه فقال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا﴾، فلما أخبر ﷿: أن المؤمنين هم الذين جمعوا هذه الأعمال، دلل ذلك على أنها من جوامع الإيمان. فإن قيل: هذا حجة عليكم! لأن الله جل وعز أثبت أن هؤلاء مؤمنون حقا. وأنتم تقولون: أن هؤلاء الموصوفين إن لم يحجوا، ولم يجاهدوا من غير وقوع الكفاية بغيرهم، أو دعي أحدهم إلى شهادة قد تحملها فأبى، أو جحد وديعة عنده، أو كذب، أو قتل، أو زنا، أو سرق، أو شرب خمرا، فليسوا المؤمنين حقا، لأن إيمانهم إيمان ناقص، فالآية توجب أن يكونوا مؤمنين حقا. فهي إذا حجة عليكم! فالجواب: أن هذه معارضة ساقطة عنا، لأن الآية فيمن إذا تليت عليه آيات الله زادته إيمانا، وليس المتخلف عن الفرائض، والقعود عن الواجبات اللوازم، من زيادة الإيمان بسبيل. فالآية فيمن إذا ذكر الله وجل قلبه، وليس ارتكاب المعاصي ومخالفة الأوامر من إمارات الوجل. فصح أن الذين بيننا: أن يكونوا مؤمنين حقا أو حسبنا أن يكونوا ناقصي الإيمان، غير داخلين في الآية. وأيضا فإنه إذا ثبت أن الموصوفين في الآية، إنما كانوا بما استوجبوا اسم المؤمنين حقا لمكان الأعمال التي وصفهم الله بها، ولم تكن الأعمال المتعبد بها هذه وحدها، صح أن المراد بذكرها هي وما في معناها من الأعمال المفروضة أو المندوب إليها، والصلاة إشارة إلى الطاعات التي تقام بالأبدان خاصة، والإنفاق مما رزق الله ﷿ إلى الطاعات التي تقام بالأموال، ووجل القلوب إشارة إلى الاستقامة من كل وجه. ويدخل فيها إقام الطاعات والابتعاد عن المعاصي. وأيضا فإن الله ﷿ وصف الصلاة: أنها تنهي عن الفحشاء والمنكر.
، ووجل القلوب إشارة إلى الاستقامة من كل وجه. ويدخل فيها إقام الطاعات والابتعاد عن المعاصي. وأيضا فإن الله ﷿ وصف الصلاة: أنها تنهي عن الفحشاء والمنكر. فبان بذلك، أن المحافظ على الصلوات، المقيم بها كما شرعت، الموفي حقها من الاستكانة والتباؤس والخشوع لا
يكون إلا منتهياً عن الفحشاء والمنكر، فخلصت الآية إذا في الممتنعين من الفواحش التي وقعت بها المعارضة، والله أعلم. فإن قيل في الآية ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ والوجل أمر يجده المؤمن مجتلبا، لأن من اعتقد من وحدانية الله وعظمته وقدرته والثقة بوعده ووعيده، ما يحق ويلزم، ثم عكف عن التفكر والتدبر، ولم يعرف عنه إلى شهوات الدنيا بقلبه، أورث في قلبه الخشية. وكلما استجد لله تعالى ذكرا استجد منه خشية، فيكون ما يجده منها في قلبه من جلب إكسابه. فلذلك يصح أن يضاف إليه ويسمى إيمانا، ويمدح به ويثني عليه به والله أعلم. ووجه آخر: وهو أن الله جل وعز وصف الإيمان في هذه الآية بالزيادة. ومعلوم أن الإقرار والاعتقاد إذا كانا هما الإيمان، فزيادة الإيمان تأكيد الاعتقاد، وتكرير الإقرار فثبت أن تكرير التوحيد إيمان. فإذا ثبت ذلك بلغ أن الصلاة وما معها من أعمال الإيمان إيمان، إذ يستحيل أن يكون التوحيد المنتقل به إيمانا، والصلاة المفروضة وما يجري من الشهادة المفروضة فيها غير إيمان، وبالله التوفيق. فإن قيل: ما أنكرتم أن زيادة الإيمان تأكيد الاعتقاد، فإن الاعتقاد قد يكون في أول درجاته يدنو من الشك، وقد يكون آكد ومن الشك أبعد. ولهذا صار المعتقد يوصف بقلبه الرأي مرة، وبالإحاطة واليقين أخرى، وكل واحد منهما منزله وراء الشك. فإذا جاز أن يزول الشك إلى غلبة الرأي، ثم يزداد حتى يكون يقينا، جاز أن يزداد حتى يقارب الضرورة أو يكون بمثلها. فهذا زيادة الإيمان ولهذا قال النبي ﷺ: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعرة من إيمان)، وأنه ﷺ أشار بذلك إلى زيادة الاعتقاد ونقصانه، وقربه من الضرورة وبعده. وإلى هذا أشار الله ﷿ بقوله: ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين
آمنوا إيمانا، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون﴾. فإن سياق الآية يدل على أن المراد بزيادة الإيمان زيادة اليقين. فالجواب: أن هذا السؤال غير ملائم أصل السائل، لأنه يأبى أن يكون الاعتقاد وحده إيمانا في مبتدئه ولا في دوامه. فلا يصح أن يقول: إن الزيادة التي تخص الاعتقاد زيادة إيمان، بل ينبغي له أن يقول: إن الاعتقاد إذا تزايد وتأكد الإقرار معه بالتكرير أو بذكر شبهه، فذاك ازدياد إيمان. وإذا قال ذلك، فقد أوجب أن يكون ذكر الله ومدحه والثناء عليه، الذي دعا تأكدا لاعتقاده إليه إيمانا. وإذا دخل في هذا، لم يجد بدا من أن يقول: وإذا بعثه ما تأكد من إيمانه على أن لا يدع طاعة إلا أتاها، ولا معصية إلا اتقاها، كان ذلك منه إيمانا. فإن قيل: إني كنت لا أقول أن الاعتقاد وحده إيمان ثابت، لا نقول أن الصلاة وحدها إيمان، ثم لم يمتنع من أن يقول: إن إقام الصلاة زيادة إيمان، فلم أمتنع على أن أقول تأكدا لاعتقادي زيادة إيمان؟ وقيل له: ليسا سواء، لأن زيادة الإعتقاد والإقرار بالصلاة عندي كزيادة المال بانضمام مستقاد منه مستقاد، اتفق الجنس أو اختلف، ومل شيء من ذلك حدث، فلا يقتضي صحة وصفه بالزيادة معي سوى سلامة الحادث قبله. فكذلك هذا، وأما أنت فإنك تجعل الاعتقاد الماضي بما حدث من تأكده أقوى، وتلك القوة الحادثة محض الاعتقاد ولا تتعداه إلى الإقرار وإذا كان عندك، أن مجموع الاعتقاد والإقرار هو الإيمان. لم يكن لك أن تقول: أن تأكد الاعتقاد وحده وقوته زيادة إيمان. وأما أنا فإني أجعل سابغ الأعمال زوائد إيمان من طرق كثيرة الأجزاء والعدد. فكلما أحدث منها حادث، وصادفه ما تقدمه ثابتا، صح لي أن أقول زيادة إيمان، لأنه من طريق العدد. فكثر بما تقدمه، والذي تقدمه يكثر به. وهذا فرق ما بيننا. وجواب آخر: عن أصل الكلام وهو الذي يسلمه، من أن تأكد الاعتقاد زيادة إيمان، حجة عليه. لأن أدنى اليقين كاف للنقل عن الكفر إلى الإيمان. ثم كان ما جاوزه
وجواب آخر: عن أصل الكلام وهو الذي يسلمه، من أن تأكد الاعتقاد زيادة إيمان، حجة عليه. لأن أدنى اليقين كاف للنقل عن الكفر إلى الإيمان. ثم كان ما جاوزه
مما يدني المتيقن من المضطر زيادة إيمان باتفاق، ولم تكن العلة فيه إلا أنه زيادة تصديق. فكذلك كل ما حادث من طاعة فهو فصل تصديق، لأن الطاعة لا تكون إلا لأمر مرغوب إليه مرغوب إياه. فإذا وجدت من أحد كان وجودها تصديقا بالمعبود والموعود. فوجب أن يكون ذلك إيمانا، وحدوثه حدوث إيمان. فإن قال: التصديق الواقع بالفعل هذا الذي سبق وقوعه بالاعتقاد. وإنما الفعل إظهار لذلك التصديق! قيل: هذا لا يمنع من أن يكون الفعل تصديقا سوى التصديق الواقع بالاعتقاد. فيكون انضمامه إليه زيادة تصديق حادث، كما أن الإقرار إظهار للمعتقد أيضا ثم لا يمنع ذلك من أن يكون تصديقا سوى التصديق الواقع بالاعتقاد، ويكون انضمامه إليه زيادة تصديق حادث والله أعلم. وأما قول الله ﷿: ﴿ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا﴾. فليس المراد به: أن المؤمنين يزدادون يقينا، وإنما هو: ويصدق المؤمنون بالله ورسوله. فهذا الخبر غير شاكين فيه، فيزداد إيمانهم بانضمام شعبة منه إلى شعبة تقدمتها، وهذا يوجب أن يكون تصديق حادث زيادة إيمان. وما من طاعة تحدث إلا وهي تصديق حادث كما بينت، فوجب أن يكون إيمانا. ووجه آخر للمسألة: وهو أن الله ﷿ سمى الصلاة إيمانا، فقال في كتابه نصا: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. وأجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس. فثبت أن الصلاة إيمان. وإذا ثبت ذلك، فكل طاعة إيمان، إذ لم أعلم فارقا فرق في هذه التسمية بين الصلاة وسائر الطاعات. ووجه آخر يدل على أن الطاعات كلها إيمان. وهو أن المؤمن إذا طرى الإيمان في الوقت بعد الوقت. فجدد الاعتقاد وكرر الإقرار، كان ذلك إيمانا منه. وإنما كان كذلك، لأنه بر وقربة، فكذلك كل طاعة فهي بر وقربة وعبادة فإن أنكروا ما قلناه ثبتناه عليهم بالدليل وقلنا لهم: لما كان الاعتقاد والإقرار إيمانا وجب إذا كرروا
لأنه بر وقربة، فكذلك كل طاعة فهي بر وقربة وعبادة فإن أنكروا ما قلناه ثبتناه عليهم بالدليل وقلنا لهم: لما كان الاعتقاد والإقرار إيمانا وجب إذا كرروا
تكريرهما بر باتفاق أن يكون حكم الإعادة حكم الابتداء، حتى إذا كان المبتدأ إيمانا كان المعاد إيمانا، ألا ترى أن الصلاة إذا أعيدت- وكانت إعادتها برا-كانت صلاة كالأولى. والوضوء إذا جدد، كان الثاني وضوءا كالأول. والحج إذا كرر كان حجا كالأول. وكذلك الاعتقاد والإقرار إذا أعيدا وكانت إعادتهما برا، وجب أن يكون المعاد إيمانا كالأول. فإن قالوا: كيف يكون المعاد إيمانا كالأول وهو لا يزيل كفرا؟ قيل: كما كان الوضوء المجدد وضوءا ولا يزيل حدثا، وكما كانت الصلاة الثانية صلاة وليست تسقط فرضا، والحج الثاني حجا وليس يرفع واجبا، كذلك الاعتقاد والإقرار إذا أعيدا كانا إيمانا، وإذ لم يرفعا كفرا، والله أعلم. ووجه آخر: وهو أن كل عبادة كان التكذيب بها كفرا، كان فعلها مع الإخلاص جزءا من أجزاء الإيمان كالإقرار. وأنه لما كان التكذيب بوجوبه كفرا، كان الإتيان به مع الإخلاص من أجزاء الإيمان. وكذلك كل عبادة. ومما يقرر هذا، أن التصديق بالشرائع لما كان إيمانا، لم يجز أن لا يكون فعلها وأداؤها إيمانا، كما أن التصديق بوجوب الإقرار لما كان إيمانا، لم يجز أن يكون فعلها مع الإخلاص إيمانا. والله أعلم. فقد بان أن ما كان اعتقاد حكم العبادة فيه إيمانا فلا يخلو وأداؤه مع الإخلاص من أن يكون إيمانا، والله أعلم. فإن قيل: أن الاعتقاد الذي هو أول جزء من أجزاء الإيمان يتقدمه العلم بوجوبه، ويتقدم ذلك العلم الاستدلال المؤدي إليه إلى علم التوحيد، ثم اعتقاد وجوب ما ظهر بالدليل، وعقد القلب عليه دون التغافل عنه، إيمان.
ن يتقدمه العلم بوجوبه، ويتقدم ذلك العلم الاستدلال المؤدي إليه إلى علم التوحيد، ثم اعتقاد وجوب ما ظهر بالدليل، وعقد القلب عليه دون التغافل عنه، إيمان. قيل: هذا يختلف! فإن كان رجل سمع التوحيد والنبوة فقبلهما واعتقدهما واعترف بهما تصديقا لمن أخبره بهما، ثم أراد أن يعلم ذلك بالدليل. واستدل غير شاك عند استدلاله، في أن ما اعتقد حق، وأن صحته إن لم تظهر له باستدلاله. فلتقصيره وأخطائه جهته، كان هذا الاستدلال منه إيمانا. وإذا ظهر له نية مطلوبة، واعتقد أن الاستسلام لما قال الدليل عليه واجب، وأن إغفاله وتضييقه حرام، كان هذا الاعتقاد إيمانا منه.
فأما إن كان رجل خطر بقلبه النظر في حال العالم فلم يعتقد فيه شيئا حتى استدل فكان عنده أن الاستدلال قد يؤدي إلى حدث العالم، وقد يؤدي إلى قدمه. لم يكن هذا الاستدلال منه إيمانا بعد أن كانت حقيقة الإيمان ما ثبت في صدر هذا الكتاب وبالله التوفيق. ووجه آخر: وهو أن الاستكبار على الله ﷿ بترك الطاعة له فيما أقر به كفر، فدل على أن الاستجداء له بالطاعة إنما يدل على ذلك أن الاستكبار على الله ﵎ الإقرار به لما كان كفرا كان الإذعان له بالإقرار بربوبيته ووحدانيته إيمانا. فكان كل طاعة في هذا مثله. ووجه آخر: وهو أن الله ﷿ قال: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾. فلا يخلو قوله ﷿ هذا من أحد معنيين: أما أن يكون المراد به فزادتهم ثقة بنبوة النبي ﷺ لما فيها من إطلاعه على أسرار المنافقين، إذ كان لا يمكن أن يكون وقف عليها إلا من قبل الوحي. أو يكون المراد، أيكم رغبته هذه السورة في جهاد المشركين، ودعته إلى بذل النفس والمال فيه. فإن كان المراد هو الأول، فقد بان أن أحداث تصديق النبي ﷺ بامتثال أمر من أوامره، وأقام عبادة لله على حده هو الذي دعا إليها ونبه عليها زيادة إيمان. وإن كان المراد هو الثاني فقد ثبت أن الجهاد إيمان، فوجب على قياسه أن تكون كل عبادة إيمانا. وهكذا قوله ﷿: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾، لا يخلو من أن يكون المراد به ليثقوا بصدق النبي ﷺ فيما أخبرهم به من الفتح الكائن، فتعجل السرور به، ولا يحزنوا بما وقع عليهم من الصد عن البيت، أو يكون المراد به ليطيعوه بالدخول في الصلح الذي يأمرهم به، وإن كان شديدا عليهم أن يخلوا من أخراهم ويرجعوا وراءهم. فإن كان المراد هو الوجه الأول لزم أن تكون الثقة بصدقه لذي كل عزمة على طاعة بتنفيذها وفعلها، وكل عزمة على



