— Bagian 5 · عشائر كعشائرهم، وشيوخ كشيوخهم، فمن عرف الحق حقا … —
Bagian 5
عشائر كعشائرهم، وشيوخ كشيوخهم، فمن عرف الحق حقا والواجب واجبا من مثل هذا الوجه فلم يعرفه الحقيقة، واعتقاد الدين من غير معرفة بحصته لا يصح والله أعلم. وأما المرتاب فلا اعتقاد له لأنه شاك لا يدري الإسلام وما يقوله المسلمون حق أو غير حق. والاعتقاد توطين النفس على أحد، فيسمى المنقسم أو أقسامه إذا كانت متباينة بإثباته ونفي ما سواه. فإذا كان الإسلام هو الاعتقاد، والاعتقاد ما وصفت وهو غير موجود من المرتاب، ثبت أنه ليس بمسلم. وأيضا فإن ما ضاد العلم بالله ضاد الإيمان به، والشك فيه مضاد للعلم به، كما الجهل به مضاد له. فلما استحال وجود الإيمان به مع جحده والجهل به استحال وجوده مع الشك فيه والارتياب به والله أعلم. فإن سأل سائل عن المؤمن: هل يكون مقلدا؟ أو يصح إيمانه؟ ومن هو؟ ومن المؤمن غير المقلد؟
قيل له: أما المؤمن غير المقلد فرجلان: أحدهما الذي عرف الله تعالى جده بالدلائل والحجج الدالة على صدقه، ثم اعترف بالله ورسوله، فقبل عن رسوله جميع ما جاء به من عنده، وأسلم نفسه لله بالطاعة فيما أمره به ونهاه عنه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ. والآخر: من يؤمن بالله إجابة لدعوة نبيه بعد قيام الحجة على نبوته، وهذا فضل يضطرب فيه كثير من الناس ويقولون: كيف يعرف رسول الله من لا يعرف الله، وكيف تثبت نبوة واحد عند من لا يعرف بالباري ﷻ حتى إذا ثبت إجاب دعوته، ولكن الأمر ليس على ما ظنه هؤلاء، وسنبين ذلك بيانا شافيا بإذن الله تعالى فنقول- وبالله التوفيق-: قد علمنا أن الله ﵎، بعث الرسل إلى أن ختمهم بنبينا محمد ﷺ، إلى طبقات الكفار مع اختلاف آرائهم وتشتت مذاهبهم، فما أحد منهم آمن إلا وثبت إيمانه ومن السنن الذي يخفى أن لقائل الذين آمنوا لم يكونوا كلهم يكلمون الاستدلال على الباري جل ثناؤه ووحدانيته، ولا إن كان منهم من يستدل ثم يؤمن بل كانوا يجتنبون لما يرونه من معجزات الأنبياء صلوات الله عليه، ويكتفون بها ولا يطلبون معها دلالة سواها، وكان أسبقهم إيمانا وأعجبهم إسلاما خيرهم وأحقهم بالتقديم وأفضلهم. فثبت بذلك أن الإيمان بالله إذا وقع إجابة لدعوة من قد ثبتت نبوته، كان صحيحا، سواء كان المؤمن من أهل الاستدلال بوجه آخر ولم يكن تم بنظر. فإن كان المؤمن قبل أن آمن يثبت الله تعالى، إلا أنه ملحد في أسمائه وصفاته كان إيمانه الحادث تركا لذلك الإلحاد لما يقوله النبي ويدعوه إليه. وإن كان قبل ذلك لا يدين دينا.
أن آمن يثبت الله تعالى، إلا أنه ملحد في أسمائه وصفاته كان إيمانه الحادث تركا لذلك الإلحاد لما يقوله النبي ويدعوه إليه. وإن كان قبل ذلك لا يدين دينا. ويروى أن لا صانع للعالم فإنه لم يزل على ما هو عليه الآن، فوجه إيمانه بالله لدعوة نبيه هو أن النبي ذكر أن للعالم إلها واحدا لم يزل ولا يزال، لا يسبه شيئا، قادرا لا يعجزه شيء، عالما حكيما، كان ولا شيء غيره، فأبدع كل موجود سواه، واخترعه اختراعا لا من أصل، وأنه أرسله إلى الناس ليعرفه إليهم، وينبههم على آثار خلقه التي يرونها ويعلقون عنها، ويدعوهم إلى طاعته وعبادته، وأن دلالته على صدقه هي ما أمده من كذا مما لا يستطيع الناس وإن تظاهروا أن يأتوا بمثله، وإنه إذا كان واحد من الناس تجمعه وإياهم البشرية ثم تجمعه وأهل بلده الهواء والأرض والماء، وكان ما عدا هذا الذي يذكر أنه أمد به ليكون دلالة على صدقه، لا يباين فيه أحدا من الناس، ويحتاج إلى الطعام
والشراب إلى مثل ما يحتاجون إليه، ولا يقدر من الأشياء المعتادة إلا على مثل ما يقدرون عليه، ويعجز عما يعجزون عنه، وجب أن تحكموا بأنه من فعل هذا الذي اختص به مما هو خارج عن قضية العادات عاجز مثلهم، وإنه إذا كان عاجزا عنه، وقد وجد به وظهر على يده حق أنه ليس من صنعه، ولكنه من صنع غيره، ولا جائزا أن يكون ذلك الغير من جنسه أو مثله، أو في القدرة تكاثره إذ لو كان كذلك لاستحال وجوده من غيره كما استحال وجوده منه. وفي ذلك ما يوجب أن يكون من صنع صانع، لا يفعل إل شيئا بمثل القوة والقدرة التي بهما يصنع الصناع المشاهدون. وأنه كما لم يشبه صنعه صنعهم فكذلك هو غير مشبه إياهم، ولا جائز عليه من معاني النقص ما هو جائز عليهم، فانتظمت حجة هذه إثبات الصانع على من يجهله ولا يعترف به، وإثبات رسالته من عنده، فمن استسلم لحجته وصدقه في جميع قوله، وآمن بجملة دعوته كان إثبات الرسول والمرسل منه معا في مقام واحد، ولم يكن إثبات الرسول، قبل معرفة المرسل، فهذا وجه الإيمان بالله إجابة لدعوة رسوله إليه، وهذا ما أجابه بحجه.
إثبات الرسول والمرسل منه معا في مقام واحد، ولم يكن إثبات الرسول، قبل معرفة المرسل، فهذا وجه الإيمان بالله إجابة لدعوة رسوله إليه، وهذا ما أجابه بحجه. ومن هذا الوجه كان إيمان عامة المستجيبين للأنبياء والرسل صلوات الله عليهم، ثم قد كان فيهم من تنبه بعد، فرأى وبحث ونظر، فبصره الله تعالى من الدلائل ما شد بها أزره، وعصم دينه، وقوى نفسه. فطلب من هذا العلم ما ينصر به الدين ويجادل به أعداءه، وينتصر به للتدافع عنه. فأما أهل الإيمان فما أقل من خرج إيمانه عن الطريقة التي ذكرتها إذا كان الذين شاهدوا الرسول ﷺ، وسمعوا دعوته، وعاينوا حججه، آمنوا به استبصارا بها، ولم يحتاجوا معها إلى دلالة يستشيرونها بآرائهم من شواهد عقولهم. فكذلك الذين لم يدركوا عصره ولم يشاهدوه، إذا بلغهم خبره، وخبر المشاهدين له بلاغا- لا يمكن أن يكون كذبا ولا غلطا- صاروا كالمشاهدين في وقوع العلم لهم ضرورة بكل ما بلغهم. فإذا أذعنوا لدعوته من غير حجة جديدة يبغونها كانت منزلتهم في ذلك منزلة الأولين وكان إيمانهم سالما صحيحا، ثم كذلك كلما بلغ ذلك الخبر أهل عصر بلاغا، فوقع لهم العلم فآمنوا كانوا كالمشاهدين، وكان إيمانهم حجة لا تغير، وكل مؤمن اليوم فأصل إيمانه هذا البلاغ، ثم في المؤمنين من يوسع في النظر، واستكثر من وجوه الحجج لحاجته إليها
في الدفع والجدل، فقويت بذلك بصيرته، واشتدت من الدين مريرته، وحسن في الإسلام بلاؤه، وظهر جده وعناؤه. فأما الأصل فلم يكن إلا ما ذكرنا والله أعلم. فإن قيل: أرأيت الذي يؤمن اليوم ولا يخطر بقلبه من حقيقة دعوة رسول الله ﷺ وحجته شيء مما ذكرت، ولو أريد إسماعه لذلك لم يسمعه، ولو سمعه لم يدركه، ولو فهمه لم يفهمه، أيقال أنه مؤمن؟ قيل: هذا لا يخلو من أن يكون سمع أن النبي ﷺ ظهر على المشركين بالحجة، فإذا اعتمد هذا البلاغ ولأجله آمن، كان نظير الذين آمنوا واقفين على حجته، وإن لم يعرف هذا عين الحجة، وهذا الذي يدخل في إيمانه شيء من التقليد، ولا يضره لأنه لا يتسع لأكثر منه، وبالله التوفيق. فإن قيل: أرأيتم من بلغه على ألسنة المؤمنين ما وصفهم، وبلغه على ألسنة الكافرين خلافه، فبماذا يرجح عنده خبر المؤمنين حتى إذا قبله وآمن به صح إيمانه، وإن كان فيه من الحقيقة ما يرجحه. فهو إذا كان غافلا عنه وإن لم يكن في غفلة ما يوصله إلى معرفته، فماذا يعني ذلك عنه. قيل: إن البلاغ الواقع من قبل المؤمنين رجحانا وهو أن الكفار لا يتهيأ لهم أن يجحدوا أن النبي ﷺ، قد جاء بآيات وأعلام كثيرة، وأنها قد نقلت نقل اليهود أعلام موسى ونقل النصارى أعلام عيسى صلوات الله عليهما فهم مضطرون إلى الاعتراف بإثباته منها، بما يذكره المسلمون. وإذا ثبت ذلك ولم يتهيأ لهم تحقيق شيء فيما يتكلمون فيها، كانوا بترك الإيمان به معاندين، ولم يكن في شيء مما يبلغ مزيد الإيمان عنهم ما يقف موقف ما يبلغه عن المؤمنين، فلا يؤثر خلافهم أثرا، ولا أوقع فيما عند المسلمين من أمر دينهم خللا وبالله التوفيق. فأما من يبلغه الخبران، ولم يكن ممن يدرك الراجحان، فإنه إذا كان لا يدرك أمور الكلامين وأبينهما فبالحري أن لا يدرك أبهمهما وأظلمهما وهو ما يعارض به الكفار من شبههم وزخاريف أقوالهم، وإذا لم يدركها وسلم البلاغ الذي وصفناه عن النبي ﷺ في صدره خلص من الشك إيمانه وصح والله أعلم. وأيضا فإن تلك الأعلام وإن كان لا يحصل منها اليوم إلا على الخبر، فالقرآن قائم بين أظهرنا ونحن ندعي أن الأنس والجن لا يقدرون على الإتيان بمثله، فيدل عجزهم اليوم
تلك الأعلام وإن كان لا يحصل منها اليوم إلا على الخبر، فالقرآن قائم بين أظهرنا ونحن ندعي أن الأنس والجن لا يقدرون على الإتيان بمثله، فيدل عجزهم اليوم
كما كان سلفهم عنه عاجزين في الزمان الأول على صدق البلاغ الواقع من قبل المسلمين، وكذب البلاغ الواقع من قبل المخالفين. وإن سأل سائل عمن آمن وصح إيمانه إذا سمع من بعض الكفار طعنا في دلائل التوحيد ولم يكن من أهل النظر يهتدي إلى جوابه، ماذا يصنع؟ قيل له: إن هذا لا يخلو عند سماعه معارضة المخالفين من أن يفهمها ويشغل بها قلبه، ولا يفهمها ولا يشغل بها قلبه. فإن لم يفهمها ولا اشتغل بها قلبه فليس عليه منها شيء، وإن فهمها واشتغل بها قلبه لزمه أن يسأل عنها من يكشفها عن قلبه، فإن قدر على ذلك ولم يسأل وشرح بالشك صدرا كفر، وإن لم يشرح بالشك صدرا ولكنه اعتقد فيما سمح أنه شبهه وأن نارها ما يحلها وعلم ذلك موجود عند أهله كفاه ذلك، لأنه إذا جاز أن يثبت له الإيمان لو لم يسمع من المخالفين معارضة اتكالا على النبي ﷺ، قد جاء بالحجة الباهرة التي لا يذهب عنها إلا المعاند، ولأجلها آمن به من آمن. وإن كان لا يعرفها بعينها جاز أن يدوم بعد سماع المعارضة، اتكالا على أن تلك الحجة لا تخلو من أن يكون فيها الدفع نفسها- وإن كان لا يعلم وجه ذلك الدفع، أو على: أن عند القائلين بها من الانفصال عن الشبهة الواردة عيها ما تزاح به العلة، ولا يخلو ذلك من أن يكون وجد في الناس من يعلمه أو لم يوجد. وكان هذا الذي وصفنا كفره بهذا الاعتقاد داخلا في الذين مدحهم الله بقوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ لأنه استكمل الإيمان بالحجة التي أوردها رسول الله ﷺ، حتى بلغ من سكونه إليها وثقته بها أن لم يعدل عنها ولم يشكك فيها عند توجه الطعن والمعارضة عليه وعجزه عن الجواب. لكنه وثق بأن ما أورده عليه شبهه وأن بإزائها ما يدحضها، فلم يكن هذا مما يتخلف عن إثبات الجنة والنار والبعث والحساب بحشر الرسول ﷺ، وكان الدخول في الآية التي ذكرتها واستحباب الثناء أولى وأحق والله أعلم.
ضها، فلم يكن هذا مما يتخلف عن إثبات الجنة والنار والبعث والحساب بحشر الرسول ﷺ، وكان الدخول في الآية التي ذكرتها واستحباب الثناء أولى وأحق والله أعلم. ولما ذكرناه في أصل هذا الباب من وقوع الاكتفاء معجزات الرسل صلوات الله عليهم نهى من نهى عن السلف عن الخوض في مسائل الكلام، وذلك أنهم رأوا: أنه لا يحتاج إليه ليبين صحة هذا الدين في أصله إذا كان رسول الله ﷺ إنما بعث مؤيدا بالحجج فكانت مشاهدتها
للذين شاهدوا، وبلاغها المستفيض لمن بلغه، كافيا في إثبات التوحيد والنبوة معا عن غيرها، ولم يأمنوا أن يوسع الناس في علم الكلام، أن يكون فيهم من لا يكمل عقله ويضعف برأيه، فيرتبك في بعض ضلالات الضالين وشبه الملحدين، فلا يستطيع منها مخرجا، كالرجل الضعيف غير الماهر بالسباحة إذا وقع في ماء غامر قوي لم يؤمن أن يغرق فيه ولا يقدر على التخلص منه، ولم ينهوا عن علم الكلام لأن عينه مذموم أو غير مقيد. وكيف يكون العلم الذي يتخلص به إلى معرفة الله تعالى وعلم صفاته ومعرفة رسله والفرق بين النبي والمصادق عليه، وبين المتنبي الكاذب عليه، مذموما أو مرغوبا عنه، ولكنهم لإشفاقهم على الضعفة أن لا يبلغوا ما يريدون منه فيصلوا بهوا، وكثيرا من الخاصة كذلك كان الاحتياط للبعض في أن يحصلوا منه ما يقدرون به على جدال المخالفين أن هموا أن يغالبوا بالحجة، ويوهموا المسلمين أن دينهم تقليد وأنهم إن فحصوا عنه تثبيت لهم آثار ذلك فيه: بأنه ليس على أحد من في سرية مطمئن بين أهله وولده أن يشتري السلاح ويجمع ويستغل فعل من قد أحس بعدو يقصده، وبلغه خير عن أحد يريده، ولكن ذلك أن وقع وتحقق فحدث عليه خوف، وتغير له حاله لزمه أن يغير تدبيره ويحكم أمره ويستعد للدفع إن قصد، ويتأهب للدفع إن حضر، ولا يغفل عمن ليس عنه بغافل، ولا يهمل من ليس بمهمل.
ث عليه خوف، وتغير له حاله لزمه أن يغير تدبيره ويحكم أمره ويستعد للدفع إن قصد، ويتأهب للدفع إن حضر، ولا يغفل عمن ليس عنه بغافل، ولا يهمل من ليس بمهمل. هذا وقد يحضر المسلم من الكفار من يقول: إني لا أعرف حجة دينكم، ولا أعلم فيما تدعون إليه برهانا، فإن أقمتم على حجة أذعنت لها! فإن هو لم يقدر على إيراد الحجة عليه أصلا، أو قدر من ذلك على ما هو أصل لدعوة لما يثبت فلما أدخل الكافر عليه شبهة أو أحدث له معارضة، انقطع وبقي حائرا عاجزا لا مزيد عنده على ما كان سمعه، قام الكافر من عنده وهو في كفره أرسخ منه، أرجأه وابتدأ مكالمته ولم يتعد أن يكون المسلم قد جهل حال نفسه وظن أن القصور في الدعوة دون علمه، والخلل في الحجة لا في معرفته، فإذا الرجلان قد تفرقا عن اتفاق على الكفر بعد أن كان يرجى أن يتفرقا عن إيمان. فينبغي للمسلم أن لا يعطل هذا العلم، ولا يغفل عنه أصلا، بل يعد منه للخصام والجدال مثل ما يعده المقاتل للقتال، والله أعلم.
القسم السادس باب القول فيمن يكون مؤقتا بإيمان غيره ولا يكون نقول- وبالله التوفيق- أن ما ولد أبوين مسلمين فهو في عامة الأحكام مسلم. وإن كان أبواه كافرين فهو في عامة الأحكام كافرا مثلهما. فإن أسلما أو أسلم أحدهما وهو صغير، صار مسلما. وإن أسلم الجد فقد قبل. وإن أسلم قبل إسلامه كإسلام الأب- وقيل: يفارقه. فإذا سبي الصغير من دار الحرب مع أبويه فدينه دينهما، وكذلك أن سبي ومعه أحدهما فدينه دينه، وإن لم يكن معه واحد من أبويه، فدينه دين سابيه. وما يقال من هذا في الصغير، والقول في الكبير المعتوه مثله، ثم نذكر وجوه هذه الفصول بإذن الله وتوفيقه فنقول: أما إتباع ولد المسلمين أباهما فلأن الأمل في طلب النسل أنه طريق إلى استبقاء الجنس، والغرض من استبقاء الجنس إكبار المؤمنين بالله، والعابدين له، إذ كان الله ﷿ إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه. وقال النبي ﷺ: "تناكحوا تكثروا، فأني أباهي بكم الأمم". وإذا كان هذا هكذا، صح وقوع الإذن من الله ﷿ في طلب النسل، فحكم الولد بحكمها في الدين أيضا، لأنهما إلى غرضهما من الزيادة في عدد المؤمنين به، ولم يتأخر ذلك إلى أن يبلغ المولود فتوجد حقيقة الإيمان والعبادة منه إذا كان يمكن أن يحترم قبل البلوغ، ويمكن أن يلغ أن يخالف الأبوين، فحكم له بحكمها عادلا لما ذكرت والله أعلم. وإنما ولد الكافر فإنما اتبعهما لان غرضهما أيضا من طلب النصل إكبار أهل الدين، إلا أن الدين عندهما فإنهما عليه فألحق بهما، كما يقر أهل الكتاب على ما هم عليه بالجزية، لأن عندهم: إن ما هم عليه هو الحق وإن كان الأمر بخلافه والله أعلم. وأيضا فإن الأبوين المسلمين إذا اكتسبا الإيمان وفشا، فأدامه الله تعالى لهما بعد في سائر الأوقات وإن كان الإيمان لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثا بالكفر كذلك عداه عنهما إلى
المسلمين إذا اكتسبا الإيمان وفشا، فأدامه الله تعالى لهما بعد في سائر الأوقات وإن كان الإيمان لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثا بالكفر كذلك عداه عنهما إلى
الولد الذي هو جزء منهما، فكان الولد مؤمنا من غير سبب إيمان، كما كان الأبوان طول عمرهما مؤمنين من غير كسب منهما في جميعه. والكافر أيضا إنما اكتسب الكفر وقتا، فأدام الله حكمه لها بعد، في سائر الأوقات، وإن كان ذلك لا يخطر بقلوبهما ما لم يحدثنا إيمانا كذلك عداه فيهما إلى الولد الذي هو جزء منهما. فكان الولد كافرا من غير كسب الكفر كما كان للأبوان طول عمرهما كافرين من غير كسب يكون منهما في جميعه والله أعلم. وجاء في هذا الباب عن النبي ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" وقد اختلف في معنى هذا الحديث، فقيل: أن المراد بالفطرة الدين الذي شرعه الله للخلق الأول الذي هو أصل هذا النسل، هو أبونا آدم ﵇. وهو التوحيد الذي لا تشريك فيه ولا تشبيه، وإنما قيل على الفطرة لأنه أريد على الدين الذي كان عند ابتداء الفطرة وهي الخلقة والبنية. وقيل: أن المعنى- أن كل مولود يولد خاليا من كل دين لكنه لا يترك كذلك بل يتبع أبويه، فيكونان البساه دين أنفسهما وأدخلاه فيه. فمن ذهب إلى الوجه الأول احتج بحجج أحدهما قول الله ﷿: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليهما﴾. قال فقد أخبر ﷿ أنه فطر الناس كلهم على الدين فثبت أن معنى قول النبي ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة" هو أنه يولد على الحق حتى يكون أبواه هما اللذان يرفعانه عنه، ويمثلان به إلى الباطل. ودل على صحة هذا أنه لم يقل: حتى يكون أبواه يسلمانه، كما قال يهدوانه وينصرانه. فلو كان معنى يولد على الفطرة فيولد خاليا من كل دين، ومعنى يهودانه أن يجعل تابعا لأبويه في الدين إذ لم يكن له في نفسه دين لذكر الإسلام كما ذكرت أصناف الكفر. ولما لم يذكر، بان أن معنى الفطرة الدين الأول الذي شرع لأول فطور من البشر. والحجة الثانية: أن الله ﷿ قال في كتابه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألبت بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم
لبشر. والحجة الثانية: أن الله ﷿ قال في كتابه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألبت بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم
القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾. ووردت الأخبار بأن الله ﷿ لما خلق آدم صلوات الله عليه اخرج كل من علم أنه كائن من صلبه أمثال الذر، فأخذ عليهم الميثاق ما لم يحدث خلافه. فإن قيل: قال الناس لا يذكر أحد منهم أنه أعطى من نفسه هذا الميثاق لا حقيقة ولا ظنا، ولئن كان هذا مما أخذ عليهم فهم في هذه الدار اخذ عهدان منهم في الدار الآخرة، فكيف لا يذكرونه في أقرب الأوقات من وقت هذه الكائنة، ويذكرونه في أبعدها؟ قيل: إن هذا الميثاق لما أخذ عليهم مخرجين من صلب آدم، لا شرك أنه أخذ وقد ركب فيهم الحركة والنطق والعقل، فلما أعيدوا إلى صلب آدم بطل ما كانوا، فردوا به من هذه المعاني فزال العلم الذي كان متعلقا به، ولما عادوا يخرجون من صلبه واحدا بعد واحد على سبيل التوالد، انسوا ذلك الميثاق لأن الدار كانت دار ابتلاء وامتحان وتعبد، فلو ذكر كل واحد ما كان فيه فيها خلال حقه وصدقه يجري الإيمان مجرى الضرورات، وارتفعت المحنة واقتضت الحكمة انساءهم إياه، وابتداءهم بالخطاب والتكليف مقرونين بإرسال الرسم وتأييدهم بالأعلام بعد تركيب العقل فيهم وتمكينهم من التمييز بين الحق والباطل ليكون منهم ما يكون، حتى إذا كان يوم القيامة ذكروا من ذلك ما كانوا نسوه، لاحتجاج به عليهم ما أمدوا به على ألسنه الرسل من التنبيه والوعظ والعد والوعيد وبالله التوفيق. والحجة الثالثة: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله ﷿ خلقت عبادي حنفاء فأحلتهم الشياطين عن دينهم". وهذا يدل على أن أصل الناس في دينهم الأيمان وأنهم في ذلك بمنزلة الماء والثوب والأرض التي أصلها الطهارة ما لم يرد عليه راد ينجسها. ومن قال بالقول الآخر دفع هذه المقالة، فإن الدين كسب لا حيلة، لأن الله تبارك
وتعالى يثيب ما حسن منه ويعاقب على ما قبح منه، ويأمر بالحسن وينهي عن القبيح، وما كان بابه باب الحيلة، فإنه لا ثواب ولا عقاب لأحد عليه، فإن الله تعالى لا يثيب البصير على بصره ولا يعاقب الأعمى على عماه، وكذلك كل من جرى مجراه. وهو يثيب المسلم بإسلامه، ويعاقب المبطلين على باطلهم، فثبت بذلك: أن الدين من باب الاكتساب لا من باب الجبلة والبنية، وإذا كان كذلك، والمولد بين الكافرين لم يكسب دين الحق ولم يكسبه له أبواه فإني كان مسلما! وأيضا فإن الله ﷿ لو خلقه مسلما، لم يرع إتباعه الأبوين الكافرين في كفرهما لوجهين: احدهما لأنه ليس من دينه أن يقبل من أحد كفرا بعد الإيمان، والآخر أن كل من اتبع غيره في شيء فإنما يتبع فيما لا يكون له بنفسه، فيكون محتاجا، فلو كان له بنفسه دين لم يتبع في الدين أبويه. فأما قول الله ﷿: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ فطرة الله التي فطر الناس عليها الإسلام، لكن ما يتوصل به إلى الإسلام هو الحق من دلالة العقل، وهي التي لا يتهيأ لأحد تبديلها، فإن ذهب عنها ذاهب كانت هي مجالها حجة عليه وداعية له إلى الصراط المستقيم، وبالله التوفيق. وأما النبي ﷺ لما لم يقل حتى يكون أبواه يسلمانه، دل على أن المراد بالفطرة الإسلام، فلا دلالة له فيه لأنه أراد بين أن فساد الدين ضرر يلحق الأولاد من قبل آبائهم وأمهاتهم. فذكر الأديان الفاسدة، ولم يذكر الدين الصحيح ولأن بنوته للولد بابوية نفع وصلاح له وتأس من الضرر، فإنما سكت عنه لهذا: لا لأن ثبوت الدين الحق له من قبل الخلقه- فإنا قد بينا أن الدين لا يجري مجرى الخلق- ولكنه من باب الاكتساب. وفي ذلك ما يمنع أن يكون المراد بالفطرة الدين. وأما قول الله ﷿: ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم، ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ فإنما معناه أنه أخرجهم من أصلاب آبائهم عقلاء مذ ركب فيهم آلة التمييز ما يعلمون به أن لهم خالقا، فأشهدهم بما في عقولهم المركبة في أبدانهم
على أنفسهم﴾ فإنما معناه أنه أخرجهم من أصلاب آبائهم عقلاء مذ ركب فيهم آلة التمييز ما يعلمون به أن لهم خالقا، فأشهدهم بما في عقولهم المركبة في أبدانهم
على أنفسهم، لأنه لو خاطبهم وأمرهم، ونهاهم من غير أن يعطيهم عقلا يدركون به مراده لم يكن عليه سؤال ولا عيب، وإذا أعطاهم آلة التمييز والمعرفة نوجه عليهم العيب والسؤال، ولم يكن لهم أن يقولوا كنا عما يلزمنا غافلين، ولا نوجه لاختلافهم أن يجبلوا على إسلامهم. فالميثاق إذا هو العقل لا غيره، وبيت فساد تعلق من خالف هذا بالآية أن الله تعالى لم يقل: وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته، وإنما قال: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم﴾ فظاهر ذلك أنه أراد توكيد بعضهم من بعض على ممر الأزمان، وباشهادهم على أنفسهم، أعطاهم عقلا يدلهم على صانعهم ووحدانيته وقدسه والله أعلم. وأيضا فإنه إن كان أخرج من صلب آدم صلوات الله عليه جميع ذريته وسألهم عن نفسه، فاعترفوا بأنه ربهم، ولا شك في أنه ركب فيهم الخبرة والعقل والنطق وسألهم، لأن ما لا يدري مالا يقال هل فلا معنى لسؤاله، وإن كان فعل ذلك بهم فلا يخلو من أن يكون قولهم "بلى شهدنا" اضطرارا واستدلالا، فما بالهم لم تتفرق بهم السبل، ولم تضطرب آراؤهم، وكان كأمثال الذر وحبوبهم ومعارفهم، وقواهم بحسب أبدانهم أن تكون على الإصابة بعد ما أكمل خلقهم، وأغرزت عقولهم وقويت معاني الخير فيهم أقدر وله أخلق. وإن كان ذلك وقع منهم اضطرابا فلهم من الحجة يوم القيامة أن يقولوا: لا نكث لعهد منا ولا نقص لميثاق، لأنا شهدنا اضطرارا، فلما زال علم الضرورة عنا، وكلنا إلى آرائنا، كان منا من أصاب ومنا من أخطأ. كما كان ذلك يكون المجلون وآراؤهم في كل شيء. وهكذا أن قال قائل: كان إقرارهم عن استدلالهم ولكنهم عصموا عنده من الخطأ ووفقوا للإصابة.
أصاب ومنا من أخطأ. كما كان ذلك يكون المجلون وآراؤهم في كل شيء. وهكذا أن قال قائل: كان إقرارهم عن استدلالهم ولكنهم عصموا عنده من الخطأ ووفقوا للإصابة. قيل لهم: فلهم إذا كان يوم القيمة أن يقولوا: أيدنا يوم شهدنا على أنفسنا بتوفيق وعصمة حرمناها من بعد، ولم أمددنا بها أبدا لكانت شهادتنا في كل وقت وحال كشهادتنا في أول الأمر، ولم يختلف. فقد بان المقصود الذي يدعيه أهل هذا القول، ولا يحصل بالأهل الذي يصفونه، وأيضا فإن الله تعالى يقول: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾.
فلو كان الناس قد أخذ عليهم بالإيمان ميثاق ما يقولونه- الذي جلبنا قولهم- لما كانت لهم على الله حجة وأن لم يرسل إليهم الرسل، وقد أخبر الله ﷿: أنها كانت تكون، فثبت أن أخذ الميثاق عليهم من الوجه الذي يقولونه، لم يكن، والله أعلم. فلو قيل: لو امتنع أن يكون المراد بالآية: أعطاهم العقول، لنفس هذه الآية أيضا، قيل: ولا سواء، لأن ما وضع في العقل من المعارف فهو مختلف: فمنه ما ليس فيه إلا وجه واحد، ومنه ما له وجهان أو أكثر، ومنه ما يدرك البديهة، وفيه ما يدرك بالاستدلال والناس في العقول وسائر القوى مختلفون: فمنهم التام عقله، الساكن نفسه، الجيد طبعه، ومنهم: الناقص عقله، المضطرب نفسه، الركيك طبعه. ومنهم: ذو الشغل الواحد، فهمه مقصور عليه. وفيهم ذو الأشغال الكثيرة، فهمه متوزع بينهما، منقسم عليها. مختلف استدل المستدلين بحسب اختلاف أحوالهم، فيكمل من واحد وينقص من آخر، ويضعف رأي واحد، ويقوى رأي آخر. فاحتاجوا لذلك إلى الإمداد بالرسل ليقووا عزائمهم ويحدوا سرائهم، فيأمنوا مكانهم الوقوع في الغلط والخطأ، وإنما الإقرار وان كان وقع عن الجماعة فشئ قد مضى، ولا يتغير عن حاله- كان بعده رسول أو لم يكن- وأكثر ما يمكن أن ينسوه أو ينكروه عند أهل هذا القول أنهم غير معدودين بما عرض لهم فيه، وإن الإقرار محتج به عليهم يوم القيامة، فلا حاجة مع هذا إلى الرسل إذا! وإذا أخبر الله ﷿ أنه أرسل الرسل لقطع الحجة صح أن هذا الإقرار الذي يصفونه على الوجه الذي يذكرونه غير واضع من الجماعة والله أعلم.
مع هذا إلى الرسل إذا! وإذا أخبر الله ﷿ أنه أرسل الرسل لقطع الحجة صح أن هذا الإقرار الذي يصفونه على الوجه الذي يذكرونه غير واضع من الجماعة والله أعلم. وأما ما يروى عن النبي ﷺ من قوله: "يقول الله ﷿: خلقت عبادي حنفاء فاحالتهم الشياطين عن دينهم"، أنه خلق آدم وحواء صلوات الله عليهما، وجعلهما مسلمين وذرا أولادهم على الإسلام، فكذلك كانوا إلى أن ألقى الشيطان فيهم حدث الكفر، فحال به عن ذلك حال عما كان عليه الأصل، وليس المعنى أن كل مولود فإنه يكون مسلما، ثم يكفر منهم من يكفر. ويقال: لمن زعم أن أصل الناس الإسلام كما أن أصل الماء والتراب والثياب الطهارة:
قد علمنا أن كل شيء من هذا، حكم بأنه طاهر في أصله، فإن تلك الطهارة تظهر عليها ما بانها، وللإسلام في أهله آيات. فما أنه الإسلام في أولاد المشركين وهم كما يتفضلون عن أمهاتهم يمكن لها بحكم المشركين أو حين يكونون اجنة في بطون أمهاتهم كذلك أيضا، وإذا لم يكن للإسلام فيهم انه قط علم أن الإسلام فيهم وانه لا دين لهم من قبل أنفسهم إذا الدين كسب ولا كسب لهم فهم كذلك يتبعون آباءهم وأمهاتهم ويجعل ما كسباه من الدين ككسبه لعلة الحرونة والله أعلم. فصل ثم القول في الأطفال وما هم صائرون إليه من الجنة والنار، يتبع الأصل الذي سبق ذكره وتقديره. فمن قال: أن كل مولود فإنما يولد على الحق، حتى يكون أبواه ينقلانه إلى الباطل. قال: أن الطفل المولود بين مشركين إذا مات ولم يبلغ مبلغ الاختبار، فيختار الدين الحق أو الذي عليه أبواه، زالت عنه ولاية أبويه فزال ما كان فيهما من تغيير دينه، فرجع إلى أصل أمره، فكان بذلك من أهل الجنة. ومن قال: بالقول الآخر قال لا يقطع في أمرهم بشيء، وقد يجوز أن يكون مع آبائهم وأمهاتهم في النار، لأن الله ﷿ قد اتبعهم إياهم في الدنيا، فيمكن أن يتبعهم إياهم في الآخرة. قال: قد يجوز أن يوردوا النار وإن لم يدينوا، لأن من أورد النار، فلأنه خلق لها، ومن أدخل الجنة، فلأنه خلق لها. واحتج بقول الله ﷿: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنس والأنس﴾. ويجوز أن يصاروا إلى الجنة في هذا القول. فيدل ذلك على أنهم خلقوا لها وإن لم يكونوا كسبوا في الدنيا خيرا. وقد قيل: أنهم يصاروا إلى الجنة ليكونوا خدام أهلها، لا تكون الجنة ثوابا لهم. فإن الثواب يقابل الطاعة، وهم لا طاعة لهم. فيكونون لأهل الجنة في الجنة كخدام الملوك في قصورهم وبساتينهم. ومعلوم أنهم بأن ينعموا بها يلبسوا فيها كسادتهم. فكذلك هؤلاء الأطفال وأن ينعموا بالجنة فليسوا فيها كالذين جعلت الجنة ثواباً لهم.
في قصورهم وبساتينهم. ومعلوم أنهم بأن ينعموا بها يلبسوا فيها كسادتهم. فكذلك هؤلاء الأطفال وأن ينعموا بالجنة فليسوا فيها كالذين جعلت الجنة ثواباً لهم.
والله أعلم. وقد قيل: إن كل من علم الله منه أنه أن بلغه الكبر آمن به وعده أدخله الجنة، وكل من علم منه أنه بلغه كفر وفخر، أدخله النار. ومن ذهب إلى هذا احتج بما روى أن النبي ﷺ، سئل عن أطفال المشركين. فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، وقد يحتمل أن يكون المراد بهذا الخبر غير هذا المعنى، وهو أن الله أعلم بما هم صائرون إليه، وما هو كائن من أمرهم. ويجوز أن يكون سئل عن هذا قبل أن يتبين له ما بهم، فقد كان ﷺ بمكة قبل ما كتب بدعاء الرسل، وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم، ولم يكشف له عن عاقبة أمره وأمر المشركين، ثم أنزل عليه: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ ثم أنزل عليه: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، أنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾، وأنزل عليه، ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾. فاعلم أن الذي يفعل به أن يظهره عليهم، والذي يفعل بهم أن يقهروا أو يذلوا، إلا أن يدخلوا في دين الحق، وكذلك يجوز أن يكون لم يعلم خبر الأطفال عند حدوث هذا السؤال فيوقف، وقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين، أيدخلون الجنة آمنين أم يكونوا في النار معذبين". ولم يرد بذلك أن كل واحد منهم يعامل في الآخرة بما علم الله أنه لو خلاه في الدنيا فعله، لأن ذلك لو كان جزاء، فالجزاء لا يكون بما لو وجد ليجزي إليه سبيل لفعل أو إذا يكون بما قعد فعل، ألا ترى أن أحدا من العصاة لا يعذب على معصية كانت تقع منه لو أمهل وترك في الدنيا، أكثر مما كان بها واحدا من الفقراء لا يعذب على منع زكاة كان يكون منه، لو أولي مالا، فالأطفال الذين هم أضعف منه وأقل قوة أولى أن لا يعاملوا بمثل هذه المعاملة وبالله التوفيق. وقد قيل أن أمرهم يجري على ما ورد به الخبر عن النبي ﷺ: "من أنه تؤجج لهم نار يوم القيامة، ويؤمرون بدخولها، فمن هم اصرف بها إلى الجنة، ومن أبي أمر به إلى
د قيل أن أمرهم يجري على ما ورد به الخبر عن النبي ﷺ: "من أنه تؤجج لهم نار يوم القيامة، ويؤمرون بدخولها، فمن هم اصرف بها إلى الجنة، ومن أبي أمر به إلى
النار، وقال الله ﷿: إياي عصيتم، فكيف لو رسلي بالغيب أتتكم". وليس هذا لحديث ثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار امتحان. فإن المعرفة بالله فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة، لأن الأطفال هناك لا لهول من أن يكونوا عقلاء. فإن كانوا عقلاء كانوا مضطرين إلى المعرفة، فلا يليق باحوالهم المحنة. وإن كانوا غير عقلاء، فهم من المحنة أبعد. فإن قيل: لوم، إذا كانوا مضطرين إلى المعرفة لم يجز أن يكونوا ممتحنين ما وراء المعرفة. قيل: لأن سائر الطاعات تقع بالمعرفة، فإذا وقع الامتحان وقع ما وراءها، وإذا سقط الامتحان بها لم يثبت فيما وراءها. ولولا أن هذا هكذا لجاز أن يؤمر الكفار إلى الآخرة بأمر، بعد أن عرفوا الله ضرورة واعترفوا به، فإذا انتهوا إليه ادخلوا الجنة. وأن يمتحن الفقراء بأن يؤتوا في الآخر مالا، ثم يؤمر قوم أن سلوهم منه شيئا، فمن أعطى أدخل الجنة، ومن أبى أدخل النار وعذاب عذاب مانع الزكاة. فإذا لم يجز هذا لم يجز مثله، وعليه أن مرجع هذا الحديث إلى أنهم يقدمون على كفر، لو كفروا في الدنيا لكان يقع منهم، وقد بينا أن التعذيب على مثله لا يكون. وأيضا فإن دلائل الشرع قد استقرت على أن التخليد في النار لا يكون إلا على الشرك، وامتناع الصغار في الآخرة من دخول النار المؤججة ليس بشرك، فكيف يجوز أن يخلدوا لأجله نار جهنم. فإن قيل إذا لا يخلد المسلم بمعاصيه لأنه مؤمن، فهؤلاء لا إيمان لهم مكتسبا. قيل: والكفار إنما يخلدون لكفرهم، وهؤلاء لا كفر منهم أصلا. فثبت بهذا كله أن هذا الحديث مخالف لأصول المسلمين، ولا يجوز إثباته، وبالله التوفيق. فصل وأما ولدان المسلمين، فقد توقف فيهم من توقف في ولدان المشركين، فقال: إذا كان كل منهم معامل بما علم الله تعالى منه أنه فاعله لو بلغه، فكذلك ولدان المسلمين.
واحتج بما روى أن صبيا مات لرجل من المسلمين فقالت عائشة ﵂: "يا رسول الله، طوباه، عصفور من عصافير الجنة لم يدرك شرا، ولم يعمل به. فقال النبي ﷺ أو غير ذلك يا عائشة! أن الله تعالى خلق للجنة أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم. وخلق للنار أهلا، وجعلها لهم وهم في أصلاب آبائهم". فيما مضى أن ما يروى عن قول النبي ﷺ في أطفال المشركين: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يحتمل أن يكون معناه غير ما يقول المحتج به. وأما هذا الحديث الأخير، فيحتمل أن يكون إنكار النبي ﷺ على التي قطعت: إن الصبي في الجنة، لأن القطع في ذلك بإيمان أبويها، وقد كان يحتمل أن يكونا منافقين، فيكون الصبي ابن كافر. فيخرج هذا على قول من يقول: قد يجوز أن يكون ولدان المشركين في النار، وقد يحتمل أن يكون أنكر ذلك لأنه لم يكن أنزل عليه في ولدان المسلمين شيء، ثم أنزل قوله ﷿: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾. فأخبر ﷿: أن الذين آمنوا في الحياء الدنيا وجعل ذرياتهم إتباعا لهم في الإيمان، فإنه يلحق بهم ذرياتهم في الآخرة. فثبت بذلك أن ذراري المسلمين في الجنة. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "سألت ربي ﷿ أن يريني أهل الجنة أهل النار، فجاءني جبريل وميكائيل في اليوم فقال: انطلق يا أبا القاسم، وذكر الحديث إلى أن قال: وأنا أسمع لغط الصبيان، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هم ذرية أهل الإسلام الذين يموتون قبل آبائهم، تكفل بهم إبراهيم صلوات الله عليه حتى يلحق بهم آباؤهم". ففي هذا الحديث أيضا بيان أنهم في الجنة، والله أعلم. فصل وإذا سبى الصبي من دار الحرب ومعه أبواه أو أحدهما، فدينه دين من معه من أبويه لأنهما يبقيان على كفرهما بعد السبي، فكان في ذلك تابعا لهما كما كان عند الولادة تابعا لهما
دار الحرب ومعه أبواه أو أحدهما، فدينه دين من معه من أبويه لأنهما يبقيان على كفرهما بعد السبي، فكان في ذلك تابعا لهما كما كان عند الولادة تابعا لهما
والله أعلم، فإن سبى وحده فدينه دين السابي لأنه وليه الذي لا أولى به منه كفالة وحمل مؤونة وغيرهما. فقام في دينه مقام أبويه كما قام في الولاية والكافلة مقامها والله اعلم. وإذا أسلم أب الطفل أو أحدهما كان الطفل مسلما، فأما إذا أسلم الأبوان معا فلان دينه دين الأبوين وكذلك كان في حال كفرهما كافرا، فوجب أن يكون في حال إسلامهما مسلما، وبأن أسلم أحدهما صار مسلما، لأن الجمع بين الاسم والكفر له غير ممكن. فكان الإسلام اغلب لأنه أحق والكفر باطل ولن يغلب الباطل حقا. قال الله تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فإذا فيدمغه هو زاهق﴾. وإن أسلم الجد فقد قيل: يكون الولد مسلما وقيل: لا يكون، والأولى أن أب الصغير إن لم يكن حيا، وكان جده يكفله، فإسلامه له إسلام، وإن لم يكن الجد عليه ولاية، فليس إسلامه بإسلام، لان المعتبر هو الولاية والكافلة، ألا ترى أنه لو سبي دون أبويه لكان دينه دين السابي دون الأبوين، وكذلك إذا صادف الولاية للجد يموت الأب أو عتقه أو رقه، وجب أن يكون إسلامه كإسلام الأب، وإذا كان الأب حيا، والولاية له، فإسلام الجد غير معتبر كم يعتبر إسلام السابي إذا كان مع الصغير أبواه أو أحدهما، والله أعلم. فإن قيل: إن كان دين الصغير دين وليه، فينبغي أن يكون دينه دين السابي، وإن كان معه أبواه، لأنه لا ولية لهما عليه وإنما هي السابي. وينبغي إذا أسلم الأبوان وهما رقيقان أو أحدهما أن لا يصير بذلك مسلما. فالجواب: أن الأصل في هذا الباب أن الولد تابع في الدين لأبويه، فإذا ولد بين كافرين كان كافرا بكفرهما، لأنه جزء منهما، على السياق الذي تقدم تقريره في الباب الأول. وإذا سبوا جميعا كان حكمه حكمهما، لأن السبي لم يوجب تغير دين الأبوين، فكان الولد تابعا لهما في أن يبقى على دينه لبقائهما، وأمكن بهذا الإتباع بعد أن كان سبي الواحدة قد ضمهم فكانوا في الإجماع بعد السبي كما كانوا قبله.
ين، فكان الولد تابعا لهما في أن يبقى على دينه لبقائهما، وأمكن بهذا الإتباع بعد أن كان سبي الواحدة قد ضمهم فكانوا في الإجماع بعد السبي كما كانوا قبله. وأما إذا سبي وحده فهذا المعنى غير موجود لأنه لا سبى في الأبوين، فيقال: إن سبيهما إذا لم يوجب تغيير دينهما، كان الولد في ذلك بمنزلتهما، وإذا لم يتهيأ إتباعه إياهما
وكانت ولايته وكفالته قد صارت إلى السابي، ولم يكن للصغير يد من دين، كان السابي أولى بأن يجعل دين الصغير دينه، فكانت الولاية لترجع السابي بها على غيره بعد أن فات إتباع الصغير أبويه، وذلك لا يوجب أن يكون دينه دين السابي مع وجود أبويه. فإن قيل: فلم لا تركتموه تبعا لوالديه في دينهما، وإن كان منفردا عنهما، وما أنكرتم أنه إذا سبي معها كان تابعا لهما في دينهما لأنه صغير، فكذلك يتبعهما. وإن سبي وحده لأنه صغير وليس سبيه وحده أكثر من موت أبويه، ولو ماتا لم ينقطع بذلك إتباعه إياهما في الدين، فلم لا كان سبيه وحده كذلك؟ قيل: أن السبي إذا كان يقطع حقوق المسبي ولم يغير دينه إذا كان بالغا عاقلا صار ذلك إقرارا مبتدأ له على دينه، فنزل ذلك منزلة عقد الذمة، ألا ترى أن المسبي لا يقبل على الكفر الذي كان يقبل عليه حين حزبيا، كما لا يقبل الذمي على الكفر الذي كان عليه حين كان حزبيا، ومعلوم أن الصغير يتبع في الذمة أباه، وكذلك يتبع ولد المسبي أبويه. وإذا كان هذا هكذا لم يجز إذا أسبي وحده ومات الأبوين هذا المعنى أن يثبت الولد فيعود أصلا في كفره بعد ما كان تابعا، وإذالم يثبت ذلك له وهو لا يحل قبله ولا يمكن إجباره على تغيير الدين فليس إلا أن سلبي كفر أبويه ويجعل دينه دين غيره. ثم كان السابي أولى الناس به فجعل تابعا له في دينه، وكان هذا هو الذي يقتضيه صغره، وإلا أبقاء على كفر أبويه والله أعلم. وأما إذا مات أبواه وهو صغير، فإن الكفر استقر منهما بالموت، واستحال أن يوجب ذلك زواله عنه، وهو تابع لهما فيه. فإن قيل: فلم لا يستقر فيه تابع. قيل: لم يستقر حكم، إن المستقر لعجزهما بعد الموت عن تعبير الدين، ولو كان الاستقرار حكما لتبعهما فيه والله أعلم.
ا فيه. فإن قيل: فلم لا يستقر فيه تابع. قيل: لم يستقر حكم، إن المستقر لعجزهما بعد الموت عن تعبير الدين، ولو كان الاستقرار حكما لتبعهما فيه والله أعلم. فأما إذا سبي بواه فالسبي أيضا لم يضمهم حتى إذا صار أبواه مقرين على كفرهما صار مقرا مثلهما، فبقي في الكفر أسوة بأهل داره كما لو سبي وحده لكان في الدين أسوة بابيه والله أعلم. وأما إذا أسلم أبو الصغير وهما عبدان، فإنهما إن كانا سبيا معه ثم أسلما عند السابي أو عند من باعه السابي إياهما أو وهبهما له، كان بذلك مسلما. وإن سبي الصغير دونهما ثم أسبيا، سواء سبيناهما من سبي الصغير أو غيره، ثم أسلما لم يصير الصغير مسلما بإسلامهما،
لأن السبي إذا جرى عليهم معا، فقد حدث لهما إقرار على كفرهما بالسبي، ولست أعني بالإقرار في هذا الموضع أكثر من أن دينهما لم يتبدل بالسبي كما تبدل ذهابهما فأوجب ذلك أن يكون الصغير تابعها لهما في التقاء على ذلك الكفر، كما كان تابعا لهما في نفس الكفر حين حدث بينهما. وأما إذا سبي وحده، سبى الأبوان، فإن انفراده بالسبي قد أوجب تغيير دينه، فلا يعود تابعا لهما بسبي يحدث عليهما، لأن حال الإتباع حال يحقق الولد مع أبويه كالملوق الذي هو حال يحدث له مع أبويه، والسبي الذي هو حال له مع أبويه. فإذا فات إمكان الإتباع لانفراده بوقوع السبي عليه، لم يعد هذا الحكم، بل ينس أبواه بعده فيجتمع معهما قياسا على أن الميراث إذا كان يستحق باستفاق الدينين عند الموت، فإن كان ذلك إذا فات عند الموت لم يعد بإسلام يحدثه الولد الكافر بعد موت الأب، وكذلك هذا، وإذا لم يعد تابعا لأبويه- إذا سبيا بعده- في الدين، فسبوا، أأسلما بعد ذلك أو لم يسلما. وأيضا فإنه إذا سبي وحده لم يخل سابيه من أن يكون مسلما أو كافرا: فإن كان مسلما فمن المحال أن يعود الصغير الذي صار مسلما بإسلام سابيه إلى الكفر، إذا لحق به أبواه، لأن الله ﷿ لا يقبل الكفر بعد الإسلام ولا يقر أحدا عليه، وإذا كان كفرا غير كفر الأبوين، والانتقال من كفر إلى كفر غير مقبول من أحد أيضا أن كان كفره كفر الصغير وأبويه والعلة فيما ذكرت بها، وهي تجمع الأحوال كلها من أن حال الإتباع حال يتجدد للولد مع أبويه، فلما فات أمكان الإتباع إلى الحل التي تحدث وهي السبي دون أبويه، لم يعد هذا الحكم بان يلحق به أبواه من بعد فيجتمعوا، وإذا كان الأمر على وصفنا لم يصير مسلما بإسلام أبويه لأن كفر ولم يكن من قبلهما، فيزول بزواله عنهما والله أعلم. فصل وإذا حكمنا للمولود بين كافرين بأنه كافر، فإن غاية هذا الحكم أن يبلغ الصغير، فإذا بلغ فله حكم نفسه. فإن اختار دين أبويه، كافرا من ذلك الوقت بكفر نفسه،
إذا حكمنا للمولود بين كافرين بأنه كافر، فإن غاية هذا الحكم أن يبلغ الصغير، فإذا بلغ فله حكم نفسه. فإن اختار دين أبويه، كافرا من ذلك الوقت بكفر نفسه،
وإن مات على ذلك لم يدخل الجنة أبدا. وإن اختار الإسلام كان مسلما، فإن قتله قاتل قبل أن يمكنه اختيار دين أبويه، والإسلام ضمنه لأنه على جملة الدين المتقدم إلى أن يختار تركه فيسلم، وإن عمل قبله وهو كافر عليه القصاص، وإن أمكنه الاختيار فلم يفعل ولم يسلم بذلك كان مختارا لدين أبويه وترك، فإن قتله قاتل في هذه الحالة ضمنه. وإذا أسلم أبواه أو احدهما وهو صغير كان مسلما فإن بلغ بقلبه أن يجدد الإسلام، فإن غفل عن ذلك ولم يعلمه أصلا فهو على حكم الدين المقدم إلى أن يمكنه الإسلام أو غيره، ولا إمكان مع الجهل ولا مع السهو والغفلة، فإن قتله على ذلك قاتل عمدا فعليه القصاص إلا أن يكون مسلما، فلا يقبض منه للشبهة، وهي أنه بالغ، لم تثبت له حكم الإسلام بنفسه، وإن أمكنه الاختبار فأسلم، كان كسائر المسلمين، وإن كفروا بالإسلام فإن اختار كفرا سوى دين أبويه الذي كان له لم يترك، وإن أراد الرجوع إلى دين أبويه قبل أن يسلما، فقد قيل: يترك، لأنه وإن كان كافرا بكفرهما في بدء أمره، ثم أزيل الكفر عنه بما عدم من اتفاق أبويه على الكفر، فلما صار له علم نفسه زال حكم الإتباع عنه، فإن عاد إلى ذلك الكفر فكان ما بينهما لم يكن. وقيل: لا يقر عليه لأنه كفر ببعد إيمان وهذا أولى. والأول مبني على أنه صار مسلما تبعا لأبويه لما اسلما. والثاني مبني على أنه كافر بكفرهما تبعا لهما، فلما اسلما وهو صغير زالت عليه كفره، فلم يجز أن يكون كافرا مع زوال علة الكفر. وكل كافر زال كفره فلا يزول إلا إلى الإسلام، لأنه لا ضد له سواه. وإن كان المولود بين المسلمين فهو مسلم ما دام صغيرا، فإذا بلغ كان عليه إن يحدد الإيمان، فإن غفل عنه ولم يعلم ذلك أصلا فهو على حكم الإسلام، وإذا علم أن عليه التجديد فلم يجدد الإسلام وهو يمكنه، فلا يقر على كفره، بل يكون كسائر المرتدين والله أعلم.
عنه ولم يعلم ذلك أصلا فهو على حكم الإسلام، وإذا علم أن عليه التجديد فلم يجدد الإسلام وهو يمكنه، فلا يقر على كفره، بل يكون كسائر المرتدين والله أعلم.
القسم السابع باب القول فيمن يصح إيمانه ولا يصح أجمع المسلمون على أن البالغ العاقل من الكفار إذا أسلم طائعا صح إسلامه. وأجمعوا على أن الطفل إذا لقن شهادة الحق فقالها متلقنا وهو لا يميزها ولا يعرف ما يراد بها لم يكن ذلك منه إسلاما. فأما المراهق الذي يدري ويميز ويعرف من كلمة الإخلاص لفظها وتفسيرها أو يعلم في الجملة أنها شهادة الحق، فقد اختلفوا فيه: إذا تكلم بها مريدا للإسلام فكان أشبه قول المختلفين عندنا أن إسلامه لا يصلح لأنه غير مخاطب في كتاب ولا سنة، فكان كالمعتوه لأن الإسلام شهادة أو إقرار والصبي ليس من أهل واحد منهما، فثبت انه ليس من أهل الإسلام بنفسه، ولأنه لو أسلم أبواه وأمه صار مسلما بإسلامه، ومن ثبت له ذلك الإسلام بغيره لا يثبت له بنفسه كالطفل الصغير إذا لقن والمعتوه، ولأنه لم يسلم لم تجب النار عليه ما لم يكفر وهو بالغ. فدل على أنه لا يصح إسلامه بنفسه كالطفل لأنه ليس عليه جهاد المشركين في ماله لصغره، فدل ذلك على أن الإسلام له بنفسه كالطفل، ولأن عقد الإسلام عقد لازم، والصبي ليس من أهل العقود اللازمة بنفسه كالبيع والنكاح والطلاق. ولأن الإسلام ضمان، وضمان الصبي لا يصح كما لو ضمن دين رجل، ولأن ردته ليست بردة، فكذلك إسلامه ليس بإسلام. والدليل على أن ردته ليست بردة أنه لا يعاقب عقوبة المرتدين وهو صغير، وكل قول لم يؤخذ الصبي بعقوبته لصغره، فإن ذلك القول موضوع عنه أصلا وهو في حكم الساكت عنه كالقذف. وإذا كان كذلك ثبت أن ردته موضوعة عنه، ولان من لا ردة له لا إسلام له كالمجنون. ولأن الموجب لكفره كفر ولييه وكافليه، أعني أبويه، وإسلامه لا يزيل كفرهما. فاستحال أن لا يثبت له الإسلام، فإن الحكم لا يرتفع مع بقاء علته.
فإن قيل: بل العلة في كفره، عدم الإسلام منه بعد وقوع المعرفة له به. قيل: هذا باطل، لأنه لو كان بين أبوين مسلمين لم يكن قبل البلوغ كافرا. إذا لم يعقد الإسلام بنفسه بعد وقوع المعرفة له به، فثبت أنه إذا كان بين أبوين كافرين، فإنما ألحقه حكم الكفر من قبل أبويه لا لما وصفت والله أعلم. فإن قال قائل: ليس إذا كان الصبي كافرا لكفر أبويه، وكان إسلامه لا يزيل كفرهما، وجب أن لا يصح إسلامه. فإن الصبي المسبي إنما يكون كافرا لكفر أبويه، وإذا سباه مسلم دونهما، صار مسلما، وإن كان سبيه إياه لا يزيل كفر أبويه. فالجواب: أن إسلام السابي يجعله مسلما إذا سباه وحده دون أبويه، فإنه نزل منه منزلة أبويه. لما يقل حق الولاية والكفالة عنها إليه، فصار كان أسلما، ولو أسلما لصار مسلما بإسلامها. فكذلك إذا سباه مسلم وحده صار مسلما بإسلامه. فإن قيل: فقولوا أنه يصير مسلما إذا سباه مع أبويه، لأنه وإن كان سباه مع أبويه، فإن حق الولاية يكون له عليه وعلى أبويه جميعا. قيل: وإن سباه مع أبويه فإن حق الولاية والكفالة يحتاج إليها الصغير في تربيته، وتنشئته تكون لأبويه. ولا يكون للسابي أن يحول بينهما ولا بينه، ولا يجوز بيعه إياه دونهما ولا بيعهما دونه، وإن كانت أمه ترضعه لم يكن له أن يحول بينهما وبين إرضاعه، وللأب فيه من حق الكفالة التي يتبع لها الرجال مباشرة، وإشارة بها على الأم ما كان يكون له من قبل، فلذلك كان تابعا لهما في الدين. وأما إذا سبي وحده فقد بطل عليهما ما كان لهما فيه من ولاية وكفالة، وصار للسابي، فلذلك صار دينه دينه والله أعلم. فإن قيل: أليس ولد الأمة يكون رقيقا لرق أمه، ثم قد يعتق وأمه رقيق بحالها فيعتق، ولا يدفع عن الحرية لأجل أن رقع كان حكما لرق الأم ورقها دائم. فكذلك الشاة إذا ماتت نجس جلدها لموتها، ثم يدمغ فيظهر والموت قائم فيه، ولم يرتفع بالدفاع عنه. فلم لا أجزتم أن يكون الصغير كافرا بكفر أبويه، فإذا عقل وميز واسلم صح إسلامه. فإن كان الكفر في أبيه فإنما الجواب: أن رق الأم بشرائطه علة لعلوق الولد رقيقا، فأما دوام رقه فليس معلولا برق الأم.
ويه، فإذا عقل وميز واسلم صح إسلامه. فإن كان الكفر في أبيه فإنما الجواب: أن رق الأم بشرائطه علة لعلوق الولد رقيقا، فأما دوام رقه فليس معلولا برق الأم. وكذلك الموت بشرائطه علة لتنجيس الجلد، فأما دوام نجاسته فليس معلولا بالموت،
لكن علة دوام الرق تمسك المولي بحقه منه، وعله دوام النجاسة إهمال الجلد وإخلاؤه من الدباغة، وأما علة كفر الصغير في حال العلوق وبعدها فكفر الوالدين اللذين هما ولياه وكافلاه بأنفسهما لا غير، وذلك لا يرتفع بإسلامه، فلم يجز أن يكون مسلما مع بقاء ما يوجب كفره. فإن قال: فإني أقول علوق الولد كافرا لكفر أبويه ودوام كفره إنما هو لتمسكه به وامتناعه من الإسلام. قيل: لو كان كذلك لم يصير مسلما بإسلام أبويه، كما لا يعتق الولد المنفصل بعتق أمه، وفي وقوع الإجماع على أنه يصبر مسلما ما دل على أن كفره من قبل أبويه. وأيضا فالمولود بين مسلمين يلزمه إذا بلغ أن يتشهد شهادة الحق ويجدد الإيمان ولا يلزمه ذلك قبل البلوغ وإن كان يدري ويميز لزوما لو تركه لكفر، فكذلك المولود بين كافرين كان يلزمه الإيمان إذا بلغ فلا يلزمه قبل البلوغ، لزوما إذا تركه كفر. فصح أن كفره من قبل أبويه اللذين ما وليا وكافلاه بأنفسهما والله أعلم. قالوا: روينا أن عليا ﵁ أسلم وهو صغير لم يبلغ وإن حكمه، فدل ذلك صحة الصغير. فالجواب: أن الخبر ورد بأن النبي ﷺ دعاه يومئذ إلى الإسلام والصلاة فاسلم وصلى، فصح إسلامه وصحت صلاته. وأنت تقول: لا صلاة للصغر، فالحديث حجة عليك. وأما أنا فأقول إنما أمره رسول ﷺ بالإسلام والصلاة، فهو أحد شيئين: أما أكون يكون خصه بالخطاب لما صار من أهل التمييز والمعرفة دون سائر الصغار، ليكون ذلك كرامة له ومنقبة، فلما توجه عليه الخطاب والدعوة فلا يصح منهم الإسلام.
أكون يكون خصه بالخطاب لما صار من أهل التمييز والمعرفة دون سائر الصغار، ليكون ذلك كرامة له ومنقبة، فلما توجه عليه الخطاب والدعوة فلا يصح منهم الإسلام. أو يكون خطاب النبي ﷺ إياه بالدعاء إلى الإسلام والصلاة يومئذ على أنه بالغ عنه، لأن البلوغ بالسنين ليس مما شرع في أول الإسلام، بل ليس يحفظ قبل قصة ابن عمر في أحد والخندق في ذلك شيء. فالظاهر أن الناس كانوا يحرون في ذلك على رأيهم وما تعارفوه وتوارثوه: من أن الصبي من لا يمكن أن يولد له، والرجل من يمكن أن يولد له. وكان علي ابن عشر سنين لما أسلم. وظاهر من قال: أنه ابن عشر أنه استكمل عشرا ودخل في الحادي عشر، ومن بلغ هذا السن فقد يمكن أن يولد له، ولهذا قلنا أن امرأة
ابن العشر إذا جاءت بولد كان لاحقا به حتى يبلغ، فينفيه باللعان. وإن كان هذا هكذا فلا به أن عليا ﵁ كان في حكم يومئذ بالغا، فلذلك صح إسلامه، وتوجه الخطاب عليه. فلما شرع البلوغ بعد ذلك بالسنين، ونظر إلى السن الذي كل من بلغها جاز أن يولد له دون السن الذي يندر ممن بلغها للإيلاد، كان من قصرت سنوه عن ذلك الحد صغيرا في الحكم، ولم يجب أن يصح إسلامه، وهذا أولى ما يقال في هذه القصة والله أعلم. قال القائل: الإيمان من موجبات العقول، فإذا عقل الصبي الإيمان الزمه عقله أن يؤمن فإذا آمن وجب يعتد بإيمانه لأنه فعل ما التزمته الحجة بفعله. فالجواب: أن الذين يذهبون إلى أن الوجوب والسقوط يدركان في بعض الأشياء بالعقل، وإن الإيمان بالله جل ثناؤه حسن علينه، والكفر به قبيح لعينه، لا يزيدون في الإيمان على ما أصف، وهو أن العاقل إذا استدل فعرف أن يعتقد- ومعنى يعتقد أن يوطن القلب على أن ما ظهر له صحيح، ثم أن يحدث بما عرف فأخبر عنه صدق ولم يكذب. فأما أن يكون عليه في قضية العقل أن يخبره عما اعتقده، ويتحدث به فلا، وليس ما يلزمه أن يصدق أو يحدث خاصا لما عرفه من الله تعالى، ولكنه عام لكل ما عرفه وأدركه.
يكون عليه في قضية العقل أن يخبره عما اعتقده، ويتحدث به فلا، وليس ما يلزمه أن يصدق أو يحدث خاصا لما عرفه من الله تعالى، ولكنه عام لكل ما عرفه وأدركه. وأجمعنا على أن الإيمان لا يتم بمجرد الاعتقاد ولكنه يحتاج معه إلى الإقرار باللسان، وإذا لم يكن إضافة وجوب الإقرار إلى العقل لم يجز أن يقال: أن إقرار الصبي إيمان لأجل انه يعقل والإيمان من موجبات العقول. ويدل على ما قلنا أن العقلاء اختلفوا في أن الإقرار من كمال الإيمان حتى لا يتبقى الكفر إلا به، أو هو من شرائعه وفروعه، وليس من شرطه كماله، ولم يختلفوا في وجوب الاعتقاد بعد حصول المعرفة، فلو كان الإقرار من موجبات العقول لم يختلفوا في وجوبه كما لم يختلفوا في الاعتقاد، وكما لم يختلفوا في أنه أن قصد الإخبار معتقده كان عليه أن يصدق ويخبر بالحق والله أعلم. وأيضا فإن الإيمان الذي يشاق وجوبه إلى العقل، هو الإيمان بعد المعرفة الناشئة عن الاستدلال، والصبي لا يكمل لمثل هذه المعرفة، فلم يكمل لوجوب الإيمان عليه بالعقل. ويدل على ما قلنا أن الكفار الذين تقع لهم معرفة الباري جل جلالة لما يرون أن الإيمان به
واجب، وإن كانوا بأنفسهم عقلاء مميزين، بل كان ذلك عندهم داخلا في أبواب المحال. وإنما رأى أن الإيمان واجب بالعقل من حصلت له المعرفة، فثبت أن الإيمان الناشئ عن المعرفة هو الذي يضاف وجوبه إلى العقل والمعرفة في قصة العقل له أن يكون اضطرارا، وليس ذلك قولنا. وأما أن يكون استدلالا- وهو قولنا- والصبي لا يتكمل الإستدلال المؤدي إلى المعرفة فلم يمكن أن يضاف وجوب الإيمان عليه إلى العقل والله أعلم. وأيضا فأن الإيمان بالله لا يتجرد على الإيمان بالنبي ﷺ، ووجوب الإيمان بالنبي ﷺ يقع لدعوته، ودعوته خطاب يذيع بالسمع، فلما لم يكن الصبي حط في الخطاب المسمعي، دل ذلك على أن حجة النبوة، إنما تقوم عليه، فتلزمه إذا بلغ، وفي ذلك دليل على أنه لا يكون مسلما- وأن آمن بالله- ما لم يبلغ مؤمن برسوله ﷺ. فإن قيل: أرأيت إن قلنا إن المقدار الذي يلزمه بالعاقل من الإيمان يصح منه إلى أن يصير من أهل الزيادة عليه. قيل: ليس لك أن تقول هذا، لأنك قبل منه الإيمان بالله ورسوله، وتنزله في غاية الأحكام الشرعية منزلة الكبير. فلو كنت صححت منه ما يوجبه العقل دون غيره، لوجب أن لا يلبسه الإيمان كله، وهو إنما يلبس ببعضه. وأما من يخالف هذا الرأي فإنه يقول: العقل يدرك به الحسن حسنا والقبح قبيحا، أو المتحسن والمقبح غيره. كما أن البصر يدرك به الأسود أسود والأبيض أبيض، والمسود والمبيض غيره. والدلائل على الباري جل ثناؤه ووحدانيته وقدسيته قائمة ظاهرة متجلية للعقول. فأما أن ذلك المعروف المدل يجب اعتقاده، ويقبح أغفاله، ويجب الإقرار به ويقبح كتمانه، فهذا من فرائض الأمر والنهي المسموعين، وليس واحد منهما حسنا لعينه ولا قبيحا لعينه. وكذلك الصدق والكذب والعلم والعدل وشكر المنعم وكفرانه. ولولا أن هذا هكذا لوجب إذا بلغ الصبي حد من يعقل ويميز، واستدل بأدنى ما يقدر عليه أو بما ينبهه عليه غيره، فحدثت له عنه المعرفة، فعرق واعتقد وأخبر عن النبي ﷺ إعلامه، ووجد ذلك متتابعا في الناس فحدثت له المعرفة به واعتقده أن
قدر عليه أو بما ينبهه عليه غيره، فحدثت له عنه المعرفة، فعرق واعتقد وأخبر عن النبي ﷺ إعلامه، ووجد ذلك متتابعا في الناس فحدثت له المعرفة به واعتقده أن
يكون مؤمنا لم يلزمه إذا قررت عنده الشرائع العامة المتوارثة، ووقعت له المعرفة بها أن يؤديها، لأن إفادة العقل صاحبه، المعرفة بما يوجبه الإخبار العامة لا يتأخر لأجل أن الصبيان غير مخاطبين، وإذا وقعت المعرفة وجب الاعتقاد، ثم إذا كان المعقد أمرا فطاعة الله واجبة بالعقل عندهم. فينبغي أن يجب التقيد فلا يبقى شيء من الشرائع سوى ما جاءت به الأخبار الخاصة، ألا يلزم الصبي العاقل، وفي هذا بعض الشرع المتفق عليه وإزالته عن سنته، فصح وثبت أن المعول في الفرائض كلها على الأمر، والأمر غير متوجه على الصبي، فلم يكن له بنفسه إيمان ولا كفر والله أعلم. فإن قال: لا يلزم ما ذكرت الصبي وإن أفاده عقله: المعرفة بما توجبه الأخبار العامة عن أمر ونهي، فإن تلك الأوامر والنواهي إنما هي على البالغين، فلا يلزم الصبي بتنفيذها، لأن معرفة الواحد فرض على غيره، لا يلزمه تنفيذه بنفسه. قيل له: أما علمت أن أهل هذا القول يقولون: وكذلك الصبي وإن عرف ربه بعقله، فلا يعرف أن فرضا عليه توحيده والإيمان به، وإنما يعرف ذلك بالأمر، وهو أن عرف أن أمرا بذلك واضع من الله تعالى لم يلزمه امتثاله، لان الأمر للبالغ دونه، وليس عليه بتنفيذ ما أمر به غيره، والإيمان والشرائع في قولهم سواء والله أعلم. وأيضا فلو كان في العقل وجوب شيء وحسنه وسقوطه ضده وقبحه، لم يجز أن يتأخر عن الصبي العاقل الخطاب الشرعي، لأن المعرفة بما يخاطب تقع له المعرفة بما تركت في عقله، فإذا صار محجوبا بموجب العقل وجب أن يصير محجوبا بموجب السمع، لأن الخطاب يقرع سمعه، كما المعقول يخطر بقلبه، وصغره لا يدفعه عن المعرفة بواحد من الأمرين.
فإذا صار محجوبا بموجب العقل وجب أن يصير محجوبا بموجب السمع، لأن الخطاب يقرع سمعه، كما المعقول يخطر بقلبه، وصغره لا يدفعه عن المعرفة بواحد من الأمرين. ولما كان من قول لأمة أنه غير محجوج بخطاب سمعي دل ذلك على أمه غير محجوج بدليل عقلي، ولو كان في العقل الدليل الذي يقولون، لم يجز إلا أن يكون محجوبا به. ولو جاز أن ما يحدث له من بالمعقول فلما أجمعوا على أن حجة لا يقوم عليه بالسمع وهو صغير، دل على أنها لا تقوم عليه بالعقل. فيثبت أنه ليس في العقل هذه الدلالة التي يدعونها، وإنما فيه إحداث الحسن حسنا والقبيح قبيحا، فأما أن يكون حسن لعينه أو قبيح لعينه
ولا يكون، وإنما يحسن ما ينبغي فعليه الأمر به، ويصح مالا ينبغي فعليه بالنهي عنه وبالله التوفيق. ويقال لهذا القائل: قال الله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾ ومعلوم أن العقول لا تعدم حينئذ ولكن تكون بحالها دالة على ما كانت تدل عليه من قبل، ولكن خطاب السمع لما زال، لم تعتد بعد ذلك بإيمان أحد ولا بتوبته، وكذلك الكفار في القيامة تكون عقولهم معهم لا يعدمون منها شيئا، ولكن خطاب البعيد لما كان زائلا عنهم لم يعتد بإيمانهم، وأحسنوا أن الصبي المراهق عاقل مميز لحب الإيمان في عقله حسنا والكفر قبيحا، أليس خطاب البعيد غير متوجه عليه! فما أنكرتم أنه لا إيمان له وبالله التوفيق. وقال قائل: في الاعتراض على ما استشهدت به من العقول: ليس إذا كان الصبي لا يعقد النكاح والطلاق على نفسه، بطل أن يعقد الإنسان على نفسه، فإن أمه لا تعقد النكاح والطلاق عليه، ثم لا يدل ذلك على أنها لا تعقد الإسلام عليه لعقده على نفسها.
كاح والطلاق على نفسه، بطل أن يعقد الإنسان على نفسه، فإن أمه لا تعقد النكاح والطلاق عليه، ثم لا يدل ذلك على أنها لا تعقد الإسلام عليه لعقده على نفسها. فالجواب: أن الصبي لا يعقد شيئا من العقود من نفسه، فلذلك لا يعقد الإسلام الذي هو أشرف العقود وأعلاها، وجواز أن تعقد الأم عليه الإسلام لعقده على نفسه، مع عجزها عن عقد سائر العقود عليه، لا يدل على جواز أن يعقد بنفسه الإسلام على نفسه، مع عجزه عن سائر العقود على نفسه، لأنه تابع في الدين لغيره في الجملة، والتابع يمنع أصلا مرة وأصلا سواه أخرى، وذلك لا يوجب أن يستقل بنفسه فلا يتبع أصلا. ألا ترى أن الولد يتبع في الحرية والرق أمه مرة وأباه أخرى، ولا يمكن أن يكون أصلا في الواحد منهما، فيعلق جزءا وأبواه مملوكان، لا غرور بينهما أو رقيقا وأبواه حران. فكذلك الصغير قد يتبع في الإسلام أمه مرة وأباه أخرى، ولا يمكن أن يكون أصلا في الدين فيسلم فيكون مسلما وأبواه كافران. وأيضا فإن هذه المعارضة غير صحيحة لأن المرأة لا تلي على ولدها الصغير نكاحا
ولا طلاقا، لا تلي عليه إسلاما وإنما يسلم بنفسها فيصير الولد في الحكم مسلما، فلم يظهر بين الإسلام والنكاح والطلاق من الوجه الذي أراده السائل فرق، والله أعلم وبه التوفيق للصواب. فصل وإذا أسر الحزبي وهو من المعطلة أبو عبدة الأوثان فقيل له: لتسلم أو لنقتلنك، فاسلم، صح إسلامه في ظاهر الحكم. فإن لم يؤمن من قلبه فهو عند الله تعالى منافق، وإنما كان إسلامه صحيحا في الظاهر، لأن إكراهه عليه كان حقا إذا لم يكن بدين الله تعالى دينا، فإن الله ﵎ لا يرضى من قادر على التدين والتعطل، ولا يسوغ أحدا أن يشرك به شيئا إذا كان لا الإكراه لحق لم يكن هو المكره والمختار فرق في الحكم كمن أكره على طلاق لحق، أو تفسير إقرار محمل، فإن طلاق ذلك وتفسير هذا كالواقع من المختار. فإن قيل: ولم يكره أحد على الإيمان، والإيمان لا يصح إلا بالاعتقاد، والإكراه على الاعتقاد لا يتأتى لأنه معيب. قيل له: لأنه ليس وراء الإكراه إلا الإمساك والتجافي عنه مكان الإكراه أعدل، لأنه قد ينتبه على الإكراه على قبح الكفر وضيعته، فيحدث له ميل إلى الإسلام ورغبة فيكون إيمانه إيمان مختار، ولو ترك لتمادى في كفره، فيكون الإكراه أشبه باستفتاح الكفر واستحبابه من الإمساك والله أعلم. وأيضا فإن الكافر إذا كان قد سمع دين الإسلام ودعوة النبي ﷺ وبعض ما جاء به من الإعلام، فالأغلب أن امتناعه من الإسلام عناد وليس عن شبهة واقعة له. فإذا حمل على الإسلام بالوعد فاسلم، فالظاهر إن إسلامه لتبين الحق له، وإن كان أخره إلى أن يوعد عليه، وإنما الإكراه إنما اثر في إزالة عناده لا في تقرير صحة الإسلام. كما أن المريض الذي يعرض عليه الدواء فيمتنع من شربه إذا حمل عليه بوعيد فتناوله لم يخل من أن يكون مستشفيا بالدواء وإن كان أخر تناوله إلى أن يوعد عليه، وكان
ن المريض الذي يعرض عليه الدواء فيمتنع من شربه إذا حمل عليه بوعيد فتناوله لم يخل من أن يكون مستشفيا بالدواء وإن كان أخر تناوله إلى أن يوعد عليه، وكان
اثر الإكراه إزالة الامتناع لا تحقيق شفعة الدواء عنده. فلهذا جعل مسلما في ظاهر الحكم وإن كان إسلامه عن إكراه والله أعلم. مسأله وأما الذمي إذا استكرهه المسلمون على الإسلام فأسلم، لم يلزمه الإسلام إلا بأن يقر بأن رأيه تغير وأسلم مختارا لأنه لم يكن لهم أن يستكرهوه بعد ثبوت الذمة له، فكان ذلك كاستكراه الكفار المسلم على الفر. ومعلوم أنه أن تكلم بالكفر غر مختار لم يكفر. فكذلك الذمي إذا استكره على الإسلام فكلم بالحق غير مختار لم يسلم. فإن قيل: الإكراه على الحق ينبغي أن يكون بحق حتى يصير المكره كالمختار. فأما إذا كان ما يقع الإكراه عليه حقا في نفسه، ألا أن الإكراه عليه غير مملوك، للمكره فيه حكم المختار. ألا ترى أن رجلا من عرض الناس لو استكره رجلا على بيع شيء من ماله في دين عليه في بلد فيه سلطان أو قاض لم يلزمه ذلك البيع. ولو استكرهه عليه الحاكم فباع لزمه، وما افرقا إلا لأن الحاكم يملك والأجنبي لا يملكه، والبيع إذا لم يوصل إلى البعد إلا به حق في الحالين، فكذلك إكراه الذمي على الإسلام غير مملوك للمسلم، وإن كان الإسلام حقا، فواجب أن لا يكون المكره عليه كالمختار والله أعلم. فإن قيل: لم لا قلتم أنا لمسلمين إذا استكرهوا الذمي ساروا بذلك ناقضين عهده، فإذا أسلم كان ذلك كإسلام من لا عهد له. قيل: عهده لا ينتفض، فنقض من المسلمين من غير جناية بحدثها أو اختلاف شرط أن يكون منه، وليس نقضهم عهده كنقضه، لان العهد له وهو المحتاج إليه، فإذا نقضه انتقض، لأنه لا يضر بذلك إلا نفسه، وإذا نقضه المسلمون من غير عذر لم ينتقض لأنه إنما عقد له دفعا لما يخشاه من الضرر من جنايتهم، فلو لم يلزمهم وكان ينتقض أو ينقضوه لم يكن فيه فائدة واستوي وجوده وعدمه والله أعلم.
عذر لم ينتقض لأنه إنما عقد له دفعا لما يخشاه من الضرر من جنايتهم، فلو لم يلزمهم وكان ينتقض أو ينقضوه لم يكن فيه فائدة واستوي وجوده وعدمه والله أعلم.
فصل وإذا ارتد المسلم عن دينه وهو سكران أخذ به، لأنه فيها عليه بمنزلة الصاحي إلا ترى أنه لو أقر بدين أو طلق امرأته أو أعتق عبده لزمه، وهو في وجوب الصلاة بدخول الوقت كالصاحي. فكذلك الردة عليه، فكان فيها كالصاحي. فإن رجع إلى الإسلام وهو سكران صح إسلامه لأنه إقرار وعدل ويلزم نفسه به حقوقا. فهو كنكاحه وطلاقه وعتاقه وإقراره بالديون والجنايات، فلما كان تلك يلزمه فالإسلام أولى أن يلزمه والله أعلم.
القسم الثامن باب القول فيمن لم تبلغه الدعوة إن كان في ناحية من الأرض قوم لم تبلغهم الدعوة فالقول فيهم: أن من كان منهم عاقلا مميزا متمكنا من الرأي والنظر، إلا أنه لا يدين دينا، ولا يعرف لنفسه خالقا ولا يعتقد رأيا من الآراء، وإنما يعيش عيش البهائم، فهو كافر، إن قتله قاتل فلا شيء عليه. وإن كان يعتقد دينا نظر فإن كان يعتقد دينا مستقيما في أصله كالنصرانية قبل أن يبدل إلا أنه لم يتحول عنه لأن دعوة نبينا ﷺ لم تبلغه، فهذا مسلم، إن قتله قاتل فعليه دية مسلم. وسمعت بعض أصحابنا يقول: عليه القود، فإن كان يعتقد دينا كان مستقيما في الأصل إلا أنه يدل على سببه بما خلط من الباطل فليس مسلم وينظر فإن كان ذلك نصرانية أو يهودية مبدأه ففيه ثلث دية المسلم، وإن كان مجوسيا ففيه ديه أهل دينه، وإن كانوا عبدة أو ثان أو معطلين فهم كافر لا حرمة لهم، ولا شيء علم من قتلهم. وإنما قلنا إن كان منهم عاقل مميز، إذا رأى ونظر إلا أنه لا يعتقد دينا فهو كافر، لأنه وإن لم يكن يسمع دعوة نبينا ﷺ، فلا شك أنه سمع دعوة أحد الأنبياء الذين كانوا قبله صلوات الله عليه على كثرتهم، وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم، والذين كفروا بهم، وخالفوهم فإن الخبر قد يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع أية دعوة كانت إلى الله فترك أن يستدل بعقله على صحتها، وهو من أهل الاستدلال والنظر كان بذلك معرضا عن الدعوة فكفر والله أعلم.
لى لسان الموافق، وإذا سمع أية دعوة كانت إلى الله فترك أن يستدل بعقله على صحتها، وهو من أهل الاستدلال والنظر كان بذلك معرضا عن الدعوة فكفر والله أعلم. وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي، ولا عرف أن في العالم من يثبت إلها، ولا يرى أن ذلك يكون فإذ كان، فأمره على الاختلاف: فمن ذهب إلى أن للعقول أحكاما من نحو القطع، فحسن الشيء أو قبحه أو سقوطه، فإنه يقول: أن على هذا أن
ينظر في حال نفسه ويتكعر في أنه وجوده على أي وجه كان أو يقسم ذلك ثوابه وفهمه ثم يستدل على الصواب منها بالدلائل الواضحة اللائحة بالحق المستنير بالصدق، وإذ كان ذلك واجبا عليه فأغفله وأعرض عنه كان حكمه حكم المعرض عن الدعوة بعد أن بلغته والله اعلم. وأما من لا يرى هذا الرأي فإنه يقول: العقل وإن كان طريقا إلى المعرفة، فينبغي أن يأتي الأمر بالاستدلال فيلزم، أو يرد الأمر بالإيمان فيجب. وإنما إمكان معرفة الله تعالى بالعقل كإمكان معرفة ما وعد الله به، وإمكان سائر الأعمال التي تصلح لها الأعضاء والجوارح، وإذا كان شيء من ذلك لا يلزم إلا بأمر، فكذلك هذه المعرفة. وإذا كان كذلك- وقد أخبر الله تعالى: ﴿أنه لا يرضى لعباده الكفر﴾ - صح أن لا يؤخر عنهم الأمر بالإيمان، فلا يمكن إذا وجود من تبلغهم الدعوة إلى الإيمان، ولا معنى لوضع هذه المسألة فيه، والبحث أنه كافر أو مؤمن، والله أعلم. فصل وأما من كان منهم متمسكا بدين مستقيم كان حقا في وقت لم يبلغه الخبر عن غيره فهو مسلم، لأنه لا يصير محجوجا بغيره ما لم يبلغه خبره. ألا ترى أن أهل قباء لم تلزمهم الحجة بتحويل القبلة إلى الكعبة ما لم يبلغهم الخبر، ولذلك استداروا فبنوا ولم يستأنفوا، وقد قال الله ﷿: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. بمعنى الرسول للتبليغ، فمن "لم" تبلغه دعوة الرسل فكمن لم يرسل إليه. ألا ترى أن الرسول إذا أوحي إليه وهو في بيته لم يصد قومه محجوجين بما أنزل عليه قبل أن يبلغهم، فكذلك البعداء منه هذا حكمهم. وروى أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن أمره أنن يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، وكان إذا بعث سرية يقول لأميرهم: إذا لقيت العدو فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله. فلما لم يأمر بالقتال إلا بعد الدعوة فلمنا أن الحجة لا تلزم من لم يسمع الدعوة إلا بأن
لقيت العدو فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله. فلما لم يأمر بالقتال إلا بعد الدعوة فلمنا أن الحجة لا تلزم من لم يسمع الدعوة إلا بأن
يبلغها أمام القتال، وهذا هو الذي لا يجوز غيره، لأن القتال إنما هو على الدين فيستحيل أن يتقدم الإعلام بالدين لمن ينبغي أن يتقدم الدعوة والإعلام. فإن وقفت الإجابة وإلا كان القتال بعد الإصرار والله أعلم. وإذا كان الأمر على ما وصفت، وجب إذا قيل من ذكرت أن يكون فيه ديته مسلم لأنه مسلم هذا ما قاله غيه غيري، وقائل هذا القول- وإن كان من أهل الفتيا- فيحتمل أن يكون غير ما قال: وهو أن يكون نصف الدية لأنه ناقص الإيمان، والنبي ﷺ لما وصف المرأة بنقصان الدين، من حيث أنه لم يسمع بمحمد ﷺ، فرسول خاتم النبيين وسيد المرسلين أول من يكمل دينه، وإنه إن كان غير آثم وخرج لقصور الدعوة عنه، فالمرأة أيضا بما تدعه من الصلوات غير آثمة ولا حرجة، ولم يمنع ذلك من حط ديتها عن دية الرجل. ثم إذا لم تكمل الدية، وجب نصفها قياسا على المرأة، لأنه لا أصل له يرد إليه غيرها، ولا يقصر عن الثلث قياسا على أن أهل الذمة لأنه لا إيمان لهم وهذا مؤمن إلا أنه ناقص الإيمان كالمرأة. وفي هذا القول لا قود على قاتله، وإن كان الرجل يقبل بالمرأة لأن النقصان في أصل إيمانه، ونقصان دين المرأة في أحد فروع الإيمان لا في أصله، فلما تساوى المسلم والمسلمة في أصل الإيمان، وكان التباين بينهما في بعض الفروع، تساويا في القصاص الذي هو أصل فاصل، وتباينا في الدية التي هي بدل وفرع. وأما من لم تبلغه الدعوة فإنه لا يساو المسلم في أصل الإيمان ولا في فروعه، فوجب أن لا يساويه في النفس ولا في الدية والله أعلم. فإن قيل: أو كان من ينقص دينه تنقص ديته؟ قيل: لا! ولكن الصلاة تأتي الإيمان التام، والإيمان بالرسول يأتي الإيمان بالله، فمن كان مسلما بمجرد إيمانه بالله، وكان ناقص الدين من حيث لم تبلغه دعوة رسول الله ﷺ فيؤمن به، كان كالتي تم إيمانها بالله ورسوله أو كانت ناقصة الدين من حيث أنها تحيض شطر أيامها في الأغلب، فلا يمكنها أن تصلي، والله أعلم.
وة رسول الله ﷺ فيؤمن به، كان كالتي تم إيمانها بالله ورسوله أو كانت ناقصة الدين من حيث أنها تحيض شطر أيامها في الأغلب، فلا يمكنها أن تصلي، والله أعلم. وأما من كان متمسكا بدين مبدل، فحكمه حكم أهله في الضمان ومقدار الدية. لأن ضمان الكتابي إنما يسقط بمناصبة المسلمين، الا ترى أنه إذا اعتصم بذمة أو أمان ضمن،
والذي لم تبلغه الدعوة ليس بمناصب ولا مخالف، فوجب أن يكون مضمونا. فإن قيل: بل ضمان الجاني إنما يجب إذا اعتصم بذمة أو أمان! ألا ترى أن الناصب منهم لا يضمن، والذي لم تبلغه ليس معتصما بواحد منهما، فوجب أن لا يضمن. قيل له: أن الذي قلناه أولى، لأن أصل الكتابين من حسن، كانوا مقرين على أديانهم الضمان، وسقوط الضمان حادث بحدوث الخلاف والمناصبة، والخلاف لا يظهر إلا بعد وجود الدعوة، فمن لم تبلغه الدعوة فلا خلاف منه، فوجب أن يكون مردودا إلى أصل أمره، والله أعلم بالصواب.



