المنهاج في شعب الإيمان

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الحليمي (w. 403 H).

Bagian 7 dari 42 1512 halaman

— Bagian 7 · ن السماء متماثلة الأجزاء، فلما جاز على بعضها أن … —

Bagian 7

ن السماء متماثلة الأجزاء، فلما جاز على بعضها أن لا يتحرك جاز على البعض الآخر أن يعدم حركته فيصير إلى مثل حال سائر الأجزاء، وجاز على غير المتحرك منها

أن يتحرك فيصير إلى مثل سائر الأجزاء، وفي هذا ما إبان أن المتحرك منها غير متحرك لعينه، ولا غير المتحرك منها غير متحرك لعينه، ولا لان بخلاف الصفة التي هي لواحد منها غير جائز عليه والله أعلم. وأيضا: فإن دلالة الحدث ليست في الاستحالة في السماء فقط إذا لم يكن لجملة النار أو جملة الهواء أو جملة التراب استحالة مشاهدة، أو لم يكن للسماء استحالة مشاهدة في جزء امتنع عليها القضاء الحدث. فإن استحالة الأجسام التي في الأرض بأصلها جملة غير مشاهدة، وإنما المشاهد استحالة أجزاء بها، لأن الواحد بعد الواحد يموتون، وتصيبهم الآفات، وكذلك الواحد بعد الواحد من الشجر والدواب والطير، وليس في أن الأجسام كلها تشاهد بطلانها وانتقاصها، دليل على أن البطلان والانتقاص غير جائزين على كلهما، بل هما جائزان على الكل لجوازهما على الأبعاض والحكم بالحديث عليها كذلك واجب. فكذلك استحالة كل الماء والنار والهواء والتراب وان لم يكن مشاهدة. فكذلك لا يدل على أن الاستحالة غير جائزة، لكنها جائزة عليه لجوازها على الابعاض والحكم بالحدث كذلك عليه واجب. واستحالة السماء في الأجزاء والكل وان لم تكن مشاهدة، فقد وجد من نظر الاستحالة ما يدل على الحدث ووجود بعض أمارات الحدث تكفي لإيجاب حكم الحدث. فإن القدم كما لا يقارن جميع دلائل الحدث، فكذلك لا يقارن أحدهما. وقد ذكرنا فيما تقدم أن مجرى السماء واشهاداتها يدلان على حدثها. فإن كانت استحالتها لم توجد ولم تشاهد في كل ولا جزء، فذلك لا يفسد هذا الأصل وبالله التوفيق. وأيضا فإن اشتمال الفلك على كواكب لها طباع في الحر والبرد والرطوبة واليبس يدل على أن الفلك يضر الأجسام الأرضية المشتملة على هذه المعاني وذلك يدل على أنه محدث مصنوع، لأن هذه المعاني متضادة متنافرة، فلم يكن لتجتمع وتتألف بأنفسها، فإن الناس لو اجتمعوا فاحتالوا ليجمعوا بين نار ماء في مكان واحد، ويدفعوا النار عن أماته الماء والماء عن إطفاء النار، لما قدروا عليه.

ع وتتألف بأنفسها، فإن الناس لو اجتمعوا فاحتالوا ليجمعوا بين نار ماء في مكان واحد، ويدفعوا النار عن أماته الماء والماء عن إطفاء النار، لما قدروا عليه. فلما كانت هذه المعاني قد اجتمعت في الكواكب، علمنا أن ما سرى فوقها فثبتوها

على الاجتماع، ودبر الكواكب بالجمع بينهما فيها، ولولا أن ذلك كذلك لم يجتمع مع مضارها ومنافعها في جسم واحد. ويمكن أن يستدل بهذا المعنى على أن الأفلاك قابلة للاستحالة والتغير والفساد، لأنه إذا اجتمعت فيها كيفيات متفاوتة، فقد ضاهت الأجسام الأرضية، وهي بزعمهم أنها تقبل الفساد لاجتماع الكيفيات المتضادات فيها. فإذا كان هذا المعنى موجودا في الكواكب وجب القضاء عليها بأنها قابلة للفساد وثبت بذل حدثها لان القدر لا يفسد ولا يتغير وبالله التوفيق. وأيضا فإن من قولهم أن كل ما يكون في هذا العالم فمتأثر من الأفلاك والكواكب في هذا العالم التغير والفساد والاستحالة، فإن كان ذلك كله من آثار الأفلاك والكواكب ففيها إذا مكان الفساد والاستحالة والغير، وإن لم يكن ذلك منها فكيف يتأثر شيء منها في غيرها ما لبس فيها؟ فأخذ القولين خطأ، وبالله التوفيق. فصل فإن قال قائل: إن كان دليلكم على حدث الجوهر بغير الأوصاف عليها، فإن هذا المعنى منتقض عليكم بالباري جل ثناؤه فإنه قدير بلا خلاف، ولم يكن موصوفا بالفعل إلى أن فعل واستحق أسم الفاعل، وأفعاله أيضا لم تقع ضربة واحدة، ولكنه فعل وترك. وكذلك وفي المستقبل يفعل ولا يفعل، وقد قال: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ فهو يريد بعد أن لم يكن مريدا، ويقول: كن، بعد أن لم يكن قائلا، ثم يدع الإرادة ويدع القول. ويعلم المعدوم معدوما، فإذا أوجده علمه موجودا، وكل هذا أحوال شتى وأوصاف مختلفة، ولم يكن في جوارها على الباري ﷿ ما يفسد القول بقدمه. فما أنكرتم أن اختلاف الأحوال على الجواهر لا يقصد القول بقدمها!

وأن قلتم أن الفعل وغير الفعل موجبان بغير أحوال المفعول. فلا يوجب أن تغير أحوال الفاعل. قلنا: وكذلك تعاقب الأعراض على الجواهر، فوجب تغير الأعراض في أنفسها. فأما الجواهر فأنها بحالها لا تتبدل، ولأنها لا تستحيل ولا تتغير ولا تفسد، فما دلالتكم إذا على حدثها؟ فالجواب: أن حمل الجواهر للأعراض هو الدليل على حدثها، وذلك أن للعرض حدوثا وانقضاء ولا بدله من شيء يكون حدوثه وانقضاؤه فيه، ووجدنا الجوهر حاملا للأمرين فيه ودل ذلك على أن بقاء الجوهر عرض حادث، فلذلك أمكن أن يحدث العرض فيه. ولو كان الجوهر قديما لم يكن بقاؤه عرضا، فكان لا يلائم الوجود لعرض من شيء آخر ولا يحمله، ألا ترى أن الباري جل ثناؤه لا يجوز أن يكون حاملا للأعراض وما ذلك إلا كما وصفت، فلو كانت الجواهر قديمة لكان حكمها فيما ذكرت حكمه، ولما لم يكن كذلك بل كانت حاصلة للأعراض، علما أن المعاني التي تسمى أعراضا إنما جاز أن يعترض فيها المجانسة التي بين ثقلها حال حدوث الأعراض فيها وبين ذلك الأعراض. وهذا يدل على أن الجواهر ليست بقديمة، ومعنى وصفنا إياها بالتغيير أنها مجال للأعراض فهو يقبلها أو يحملها مع اختلافها فتصير لأجل ما حمله منها موصوفا مرة بصفة وموصفا بضدها أخرى. والعقلاء لا يفرقون الغير إلا هذا، وما يزيد وضوحا أن من الأعراض التي تحمل الجواهر ما يعدمها بفعل حال إلا وقد يحلها خلاف ذل فيعجزها عن ذلك الفعل حالا، وكالإنسان يصبح ليفعل أفعالا كثيرة، ثم يعرض فلا يتبع لملك الأفعال، ومعلوم أن الفعل إنما يقع من الجواهر وإذا اتسعت للفعل حالا ولم يتسع له أخرى، فقد وجب التغير. وأما الباري ﷻ فإنه تعالى عن الأعراض أن تحله، والأحوال أن تكون له. وأما وجود الفعل منه بعد أن لم يكن، فلا يوجب لغيره لأنه لا يفعل في نفسه وإنما يفعل في غيره، فذلك الغير هوا لذي اختلف حاله، فكان مرة معدوما ومرة موجودا، وأما الارداة والقول فإن أصحاب الحديث يقولون: أن الله ﷻ لم يزل مريدا أن

نما يفعل في غيره، فذلك الغير هوا لذي اختلف حاله، فكان مرة معدوما ومرة موجودا، وأما الارداة والقول فإن أصحاب الحديث يقولون: أن الله ﷻ لم يزل مريدا أن

تكون كل كائنة في الوقت الذي كانت فيه، وهذا يبين أنه لا تغير له بوجه من الوجوه. وأما غير أهل الحديث، فإن الإرادة عندهم من صفات الفعل، لا من صفات الذات، فهل تحل المراد ولا تحل الود، كما أن الخلق حل المخلوق ولا تحل الخالق، فلا يؤدي واحد من القرائن إلى إجازة التغير على الباري جل ثناؤه وتقدست أسماؤه. وأما العلم فإنه إثبات الشيء على ما هو به، وإذا كان الشيء معدوما وما علمه معدوما وإذا كان موجودا، علمه موجودا، فيثبته في كل حال على ما هو به، وذلك لا يوجب غير علمه، إنما يوجب تغير المعلوم، لأنه علمه بالمعدوم لم يكن إلا أثباته إياه على ما هو به، فإذا صار موجودا فقد أثبته على ما هو به بان أن العلم اختلف وبالله التوفيق. فصل فإن قالوا: لا يجوز أن تكون طينة العالم إلا قديمة لان حدوث شيء لا من شيء، مستحيل في العقل! فيقال لهم: أن كان ذلك مستحيلا في عقولكم، فليس بمستحيل في عقول عالم من الناس مثلكم، أو أكثر منكم. فكيف صارت عقولكم عيارا على عقول غيركم دون أن تكون عقول غيركم عيارا على عقولكم! وقد أجيبوا أن الحادث القديم فسمان يخرجهما العقل عند تقسم الموجود وكتخريجه الوجود والمعدوم والجائز والممتنع والحسن والقبيح. فكما أن حقيقة كل من ذلك ثابتة لا تدفع، فكذلك الحادث والقديم لا تدفع حقيقته واحد منهما فلا يحال وجوده. فإذا كانت حقيقة القديم الموجود لا عن أول كانت حقيقة الحادث الموجود عن أول، فوجب أن لا تدفع حقيقة الحدث عن بعض الموجودات، ولا يقال لا حادث، كما لا يقال لا موجود أو لا معدوم، أو لا حسن، أو لا قبيح، أو لا جائز، أو لا ممتنع. فصح بما ذكرنا أن الحدوث ليس بمستحيل في الفعل إذا كان العقل قد خرج في مقابلة القدر، ولا جائز أن يثبته بم يمنع مفه ويدفعه. وقد أجيبوا بأن حدوث الشيء أن كان غير جائز، فلسنا نقول أن شيئا حدث بنفسه لا من شيء، بن نقول إنما حدث بمن يحدثه، لأنه أحدثه محدث وأوجده

نع مفه ويدفعه. وقد أجيبوا بأن حدوث الشيء أن كان غير جائز، فلسنا نقول أن شيئا حدث بنفسه لا من شيء، بن نقول إنما حدث بمن يحدثه، لأنه أحدثه محدث وأوجده

موجد، وأكد هذا على من أقر بالله جل ثناؤه، وأنكر الاختراع بأن الله جل ثناؤه لو كان لا يقدر على أكثر من تركيب الجسم من جواهر موجودة لكان ذلك نقصا به وعجزا، لأن منزلته لا تعدوا في التركيب منزلة الناس. وكان فضل ما بين تركيبه وتركيب الناس، كفضل صناعة الصانع على صنعة النجار، وفضل صنعة الرفاء على صنعة الخياط، وفضل صنعة الخباز والطباخ على صنعة من يجمع شيئا إلى شيء بلا تأليف أو تركيب وذل غير جائز. فصح أن لا يحتاج في الخلق إلى مادة تكون حاضرة فيركب منها جسما، لأن الحاجة نقص، وشيء من النقائص غير جائز عليه وبالله التوفيق. ويقال لهم: ليس في إبداع شيء من لا شيء إلا ما في تركيب الجواهر من غير مماسه إياها، وذلك ليس يستحيل في العقل. فما أنكرتم أن الإبداع ليس بمستحيل فيه. ويقال لهم: إذا جاز أن تركيب الباري جل ثناؤه الجواهر بلا مماسة، لأنه قادر لا بسبب، فلذلك يفعلها ويجده عن عدم لأنه قادر لا لسببن ولا يلزم على هذا المحال الذي لا يجوز وصفه لمقدور، لأن ذلك إنما استحال لتناقضه، ولا تناقض في وجود الجواهر بعد عدمه. فصح أنه يجوز أن يكون مقدورا لا مماسة. ويقال لهم: الموجود الحي العالم القادر لا بسبب ينيل غير الموجود وجودا، فلا يستحيل، كما أنه ينيل غير العالم علما، وغي الحي حياة وغير القادر قدرة، بل ذلك أولى، لأن الإيجاد أخص بالموجود من العلم والأحياء والأقدار، وإذا جاز عليه إيجاد العلم أو القدرة أو الحياة لغيره، لأنه مع هذه الصفات موجود لا لسبب كان إيجاده الوجود لغيره مثل ذلك أو أجوز وبالله التوفيق.

لأقدار، وإذا جاز عليه إيجاد العلم أو القدرة أو الحياة لغيره، لأنه مع هذه الصفات موجود لا لسبب كان إيجاده الوجود لغيره مثل ذلك أو أجوز وبالله التوفيق. ويقال لهم: إن المادة التي تدعون قدمها، إذا حقق الخلاف فيها رجع إلى اللفظ دون المعنى، لأنكم تزعمون أنها قديمة بالقوة دون الفعل، والذي يعقل من الموجود بالقوة والموجود بالفعل، أن الموجود بقوة ما يمكن أن يخرج إلى حقيقة الوجود ولما خرج، والموجود بالفعل هو الذي خرج إلى حقيقة الوجود وارتفع عنه اسم المعدوم، وإذا كان كذلك، فليس يجب قولكم: إن المادة قديمة، إلا أنه يمكن وجوها. وقد قلتم: أنها ما لم تخرج إلى حقيقة الوجود، وهي التي تسمونه الوجود بالفعل لم تقبل الخلق والتركيب فثبت

أن الباري جل ثناوه أخرجها- عند تركيب ما ركب فيها- إلى حقيقة الوجود، وليس قبل ذلك الإخراج إلا العدم. فصح أنها كانت معدومة فأوجدها الباري وبالله التوفيق. ويؤكد هذا اتفاقهم على أنها- قبل تركيب ما ركب منها- لا جسم ولا جوهر ولا عرض، وهو بعد التركيب جواهر وأجسام فثب أن الباري هو الفاعل للجواهر جواهر كما أنه هو الفاعل للأجسام أجساما، وأنها من قبل أن تكون جواهر لم تكن إلا عدما، إذ لو كانت موجودة لا جوهرا ولا عرضا، لكان موجودا كذلك لنفسه، ولم يجز أن تتغير عن ذل إلى حال يحدث له في نفسه، إذ القديم لا يتغير وبالله التوفيق. فقال القائل: ليس الباري جل ثناؤه كان غير فاعل ففعل، ولم يستحل ذلك من حيث أنه قديم، فما أنكرتم أن المادة لم تكن جوهرا ولا عرضا تصير جوهرا وعرضا ولا يستحيل ذلك من حيث أنه قديم. فالجواب: أن الباري ﷿ كان غير فاعل ففعل، وأفعل في غيره لا في نفسه، فلم يوجب ذلك، وإنما أوجب بغير المفعول. والمادة التي تدعيها قديمة إذا لم تكن جوهرا فجعلها الله تعالى جوهرا. فقد عبر بفعله الذي فعله فيها، نفسها. والقديم لا يقبل فعلا لفاعل ولا يتغير، فإنه لو جاز عليه أن يتغير لجاز أن يقدم هذا ما شاء وبالله التوفيق .. فصل وكل ما ثبت من حدث السماء والأرض فهو دليل على أن لهما محدثا لا يجوز أن يكون حدثا اتفاقا. فإنه لو جاز أن تحدث السموات والأرضون اتفاقا، فلجاز أن يزداد كوكبه ويزداد جبل في الأرض اتفاقا. ولئن جاز أن يحدث اتفاقا فلجاز أن يعدم اتفاقا. وليجز أن يحدث الإنسان اتفاقا، وليجز أن يحدث عنهما أخرى اتفاقا دون هذه السماء. فإذا كانت إجادة كل شيء مما ذكرنا تجاهلا، كانت أجازة أن تكون السموات والأرضون على ما هما عليه من النظام والصنع الشديد المتفق حديث اتفاقا أولى بالتجاهل وبالله التوفيق. فإن قال قائل: أرأيتم لو قلب هذا عليكم، قال فقال: لو كان وجودها عن أحداث محدث وخلق خالق لجاز أن يوجد مثلهما أو شيء مما ذكرتم اليوم خلقاً له.

التوفيق. فإن قال قائل: أرأيتم لو قلب هذا عليكم، قال فقال: لو كان وجودها عن أحداث محدث وخلق خالق لجاز أن يوجد مثلهما أو شيء مما ذكرتم اليوم خلقاً له.

قيل له: ولا سؤالا بها إذا كانت خلقا لخالق بعلق وجودها بمشيئته، فإن شاء أحدث وخلق، وإن شاء لم يحدث ولم يخلق. فأما إذا كان الحدوث اتفاقا، فليس شيء بالحدوث اتفاقا أولى من شيء، ولا وقت وجود الاتفاق فيه أولى من وقت، وإن لم يكن الوجود اتفاقا أولى من لقدم اتفاقا، فهذا فرف ما بين القولين وبالله التوفيق. فصل فإن قال قائل: قد ثبت جاز أن يكون الباري جل ثناؤه اخترع الجواهر، فما الذي يدل على أن وجودها من قبل اختراعه لا من حيث أنه كان علة له، فوجب عن وجوده وجودها. قيل: -وبالله التوفيق- أنكرنا ذلك لأن قائل هذا القول لا يخلو من أن يقول: أن الجواهر وجدت لوجود الباري عن غير اختيار منه واردة لوجودها وكونها، أو يقول: وجب عن وجوده من غير اختيار كان منه، ولا إرادة! فإن قال: إنما وجدت لاختياره وإرادته! قيل له: وجدت عندك بعد أن لم تكن. أو يقول: كانت موجودة معه باختياره وإرادته! قيل له وجدت عندك بعد أن لم تكن. أو يقول: كانت موجودة معه باختياره وارداته، فإن قال: وجدت باختياره وإرادته بعد أن لم تكن، فهذا قولنا. وإنما الخلاف بيننا في تسمية الله ﷿ علة، فإنا لا تخبر ذلك لما فيه من اتهام الباطل، وأنه اسم لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا وقع عليه من المسلمين إجماع، ولا هو في معنى ما ورد به النص أو وقع الإجماع عليه. وإن قال: كانت موجودة معه لا باختياره وإرادته! قيل له: فهي إذا قديمة عندك. فكل دليل أقمناه على حدثها فهو حجة عليه. ويقال له: ما أنكرت أنه يستحيل، فلا يمكن أن تكون لم تزل موجودة معه بشرط اختياره وإرادته لأن وجوده معه، يوجب قدمها، وتعلق ذلك الوجود بإرادته يحل قدمها، لا ما كان لوجوده سبب لم يكن قديما إذ القديم هو الذي لا سبب لوجوده. وما كان لوجوده سبب، اختص وجوده بذلك السبب، فكان موجودا من جهته ولأجله. ولو توهم منفكا من ذلك السبب لم يكن أن يتوهم موجودا، وهذا هو المحدث.

ب لوجوده. وما كان لوجوده سبب، اختص وجوده بذلك السبب، فكان موجودا من جهته ولأجله. ولو توهم منفكا من ذلك السبب لم يكن أن يتوهم موجودا، وهذا هو المحدث.

فأما القديم فهو الموجود بالإطلاق الذي لا يمكن أن يضاف وجوده إلى ما سواه. فصح أن وصف الجواهر بأنها لم تزل موجودة مع الباري ﷻ، وإن وجودها معه كانت باختيار وإرادته، قول متناقض وحكم فاسد. فإن قال: إنما كان يلزمني هذا لو أجزت إمكان إن كان يكون الباري في الأزل غير مريد لوجود هذه الجواهر معه. قيل: هذا هو الحال الذي لا يجوز الذهاب إليه. لأن الجواهر أن كانت لم تزل موجودة مع الباري، لم يجز أن يكون الباري بأنه شاء لوجودها. كما لا يجوز أن يوصف بأنه شاء لوجود نفسه، ولأن ما تعلق وجوده بمشيئة شاء وجب أن يكون وجوده بعد المشيئة، ولأن مشيئة الموجود لما ليس في حال المشيئة لمعدوم، ولا يقوم في وهم. وإنما يتصور في مثل هذا أن يقال: أنه شاء لبقاء الموجود وذلك أيضا لا يصح، لأن الجواهر أن لم تزل موجودة معه، فوجدها معلوم بمشيئته. وإذا كانت موجودة لا بمشيه لم يحتج في بقائها إلى مشيئة، لأن القديم لا يجوز عليه العدم وبالله التوفيق. ويقال له: إذا نفي عن الباري صفة الإبداع، دليلك على وجوده؟ فأنا إذا نستدل على وجوده، فوجدنا آثار الحدث في عامة الموجودات، واقتضائها محدثا، فإن لم تكن الموجودات محدثات فيما إذا عرفت أن لها بارئا وأثبته. فإن قال: وجب عن وجوده وجودها من غير اختيار كان منه ولا إرادة، دخل عليه ما ذكرت في الوجه الأول، وهو أن يقال له: محدث بعد أن لم تكن أو لم تزل موجودة معه. فإن قال: لم تزل موجودة معه. قيل له: فما الفصل بينك وبين من قال: أنها علة لها؟ وقيل أيضا عن الدليل الذي دله مع هذا القول على التمادي ولن تجد إليه سبيلا. ويقال له: ما أنكر أن هذا حكم فاسد، لان وجود غيره من قبل اقتضائه إياه يحل قدم ذلك الغير، لأن القديم هو الموجود لنفسه لا لسبب فإن كان لوجوده سبب كان موجودا من قبل ذلك السبب، ولم يستحق الوصف بالموجود إلا من جهته خاصة، فثبت أن الجمع بين إثبات القديم لغيره ووصفه بان وجوده كان من قبل انقضائه إياه قول متناقض وحكم فاسد.

وإن قال: حدثت بعد أن لم يكن. قيل له: إن جاز أن يحدث بعد أن لم يكن لا باختياره، فأجوز من ذلك وأحق أن تكون حادثة باختياره. وأيضا فإن وجوده لو اقتضى وجودها لا باختياره لوجب أن تكون قديمة لأنه قديم. ولما جاز له أن يكون موجودا، وما يجب وجوده عن وجوده غير موجود لأن ذلك لو جاز وقتا لجاز أبدا ومنه بطلان أن يكون الباري علة كما قال هذا القائل وبالله التوفيق. فصل وإذا ظهر أن العالم صنع صانع حي عالم قادر حكيم، فالحكيم لا يخلق خلقا، ولا بعل فعلا لا لعرض صحيح منه، وهذا هو المعنى الذي نبه الله ﷿ عليه عبادة بقوله تعالى: ﴿أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا﴾، وبقوله تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء﴾. أي لا لشيء أو من غير غرض كان في خلقهم. وإذا ثبت ذلك، وكان العالم مشتمل على حي عاقل مبين، وعلى أحياء لا تفعل ولا تبين وجماد، لم يجز أن يكون ما يقل مخلوقا لما لا يعقل، لأن العاقل أفضل وأشرف من غير العاقل، لا يجوز أن يكون العاقل الحكيم خلق الأشرف للإدراك والأفضل الأنقص، لأن ما كان مخلوقا لغيره كان المخلوق له هو الغالب عليه إذا كان سببا لوجود ما خلق له. ولا يجوز أن يكون الأنقص غالبا على الأفضل، ولأن ما لا يعقل إذا لم يعلم معاني نفسه استحال أن يعلم معاني غيره، وإذ لم يعقلها ذهب خلق غيره له هدرا، وكان فعل ذلك مناقضا للحكمة. فثبت أن مالا يعقل مخلوق لمن يعقل، وذلك أن ينتفع بكل شيء منه على الوجه الذي يصلح له، والاعتبار يجمعها كلها، لأنه ما من شيء إلا وفيه الدليل على الفاعل القديم المبدع الحي القادر العالم الحكيم، ثم يكون وراء ذلك في شيء منفعة الأكل وفي آخر منفعة الركوب، وفي آخر منفعة الحمل عليه إلى غير ذلك مما يكثر عده، ثم الذي يعقل مخلوق ليعلم ما يقع العلم به على حسب العلم الواقع له.

فعة الأكل وفي آخر منفعة الركوب، وفي آخر منفعة الحمل عليه إلى غير ذلك مما يكثر عده، ثم الذي يعقل مخلوق ليعلم ما يقع العلم به على حسب العلم الواقع له.

قال الله ﷿: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، والعلم بهذه المحسوسات إنما يقع له بالاستدلال والنظر، وأصلهما التفكر المشاء إليه بقوله ﷿: ﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ وقوله: ﴿إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾. وقوله: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ فثبت بذلك أن حفظ الإيمان بإدامة التفكر والنظر في الآيات والفكر ليرسخ في القلب منه ما علق به، ويزداد على الأيام تأكدا بازدياد الشواهد التي تدرك بالفكر ووضحها على الأيام، من أحق الأمور بصرف الهم إليه، والعكوف في أكثر الأوقات إليه، وبالله التوفيق. فصل فأما ما وراء إثبات الصانع ﷻ من التوحيد والتقديس، فإن دلائل التوحيد كثيرة، فمنها ما يستدل به على أنه لا قديم سواه، ومنها ما يستدل به على أن لا إله سواه. فأما أنه لا قديم سواه، فإن الكلام فيه مع الذين يثبتون نفسا قديمة ومادة قديمة. والذي حملهم على هذا استنكارهم حدوث شيء لا من شيء، فقد تقدم القول على هذا، وما يقربه وثبته ما فيه كفاية. وأما النفس، فقد اختلف متكلموا المسلمين فيها، فمنهم من أثبتها، ومنهم من لم يعترف بها، وإن ثبت وجودها فلا سبيل للملحدين إلى دعوة التقدم، أما إذا كانوا بأنفسهم يقولون أنها نزلت من عالم لها علوي، إلى هذا العالم السفلي، وتشبثت بالجواهر، وإنها منق بل كانت عاملة، فلما حلت ما ليس من جنسها بسبب وغفلت، فاحتيج إلى تذكريها، والمتعلم هو التذكير، وإنما تجاور أبدان الحيوانات قسرا لا اختيارا ثم تفارقها عند الموت وترجع إلى عالمها. ومن تأمل أن هذا كله تغير وتغلب، والقديم لا يتغير، فلا يكون له أحوال، فبطل بما

أبدان الحيوانات قسرا لا اختيارا ثم تفارقها عند الموت وترجع إلى عالمها. ومن تأمل أن هذا كله تغير وتغلب، والقديم لا يتغير، فلا يكون له أحوال، فبطل بما

يصفونها به أن تكون قديمة. فأما إذا كلموا فيها على سبيل الإنكار، فقد قيل لهم: إن النفس ليست تكون حببا، فوقع العلم به ضرورة ولا ببديهة العقل، والنظر لا يوجبها، وضر الصادق الذي يلزم الحجة بمثله لم يأتنا به، فلم يستغني إثباته؟ فقالوا: بل النظر يدل عليها لأن الأصل الحي العاقل الناطق الحساس الدراك إذا لم يفقد من أعضائه وجوارحه شيئا. ومع ذلك فإن العقل والبيان والإدراكات كلها ترتفع عنه وتزيله. فدل ذلك على أنه كان لهذه المعاني قبل الموت حامل سوى البدن يحملها كلها من صفاته، وإنما إنما عدمت وارتفعت لزوال ذلك الحامل وانقطاع مجاورته للبدن. ولولا أن هذا هكذا لوجب أن يترفع ولا يعدم مع بقاء البدن برمته، فقيل في الانفصال عن هذا أن الله ﷿ ركب العقل في القلب وكل نوع من الحسن في جارحة تختص به، والبيان في اللسان. وجعل كل عضو مما ذكرت متيسرا لما هيأه له بالروح الذي جعله سببا للحياة، فإذا نزع الروح من البدن، زال تيسر القلب للعقل وتيسر الأعضاء الحساسة، وتيسر اللسان للنطق والبيان، وفي تنزيل الأمر على هذا بيان أن لا ضرورة إلى إثبات شيء يدعى نفسا سوى الروح والبدن وإحيائه بهذه الأمور إليه وبالله التوفيق. ولا أعلم في الاعتراف بها ضررا عائدا على الدين بوجه من الوجوه، وقد قال الله ﷿ في كتابه: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾.وقال: ﴿ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها﴾. وقال: ﴿والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾. وقال: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾. وقال: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾. إلى غير ذلك من آيات كثيرة. ومع هذا فانا نقر مع السائل في الثواب والعقاب تلجأ إلى إثبات النفس على ما سيجيء بيانه. وكذلك ما وصف الله تعالى الشهداء من أنهم أحياء عنده، وذهب إليه ابن عباس من

أن الاستثناء في قوله ﷿: ﴿فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ راجع إليهم يدعوا إلى انتهائها، والله أعلم. وأما أنه ﴿لا إله إلا الله﴾ فدلالته إثبات الصانع الواحد لاقتضاء الصنع إياه فالصنع يقتضي الصانع، ولكنه لا يقتضي عددا، وفي وجود الصانع الواحد ما يقوم به الصنع، فلم يجز إثبات صانع آخر غير مشاهدة ولا دلالة عقل بوجه من الوجوه. وأيضا فإنه لو كان صانعات لم يخل من أن يقدر بكل واحد منهما على قهر الآخر ولا يقهر عليه، فإن كان يقدر عليه، فالمقدور عاجز، وإن كان لا يقدر فهما عاجزات، والعاجز لا إلها. وأيضا فلو كان إلهان لكان من حق كل واحد منهما أن يكون تام القدرة نافذة الأمر، وإذا وقع منهما القصد إلى الخلق، أن يخلق منهما التدبير، فيرجع أحدهما غير ما يريده الآخر، يفعله الآخر ليظهر بذلك الإلهية وقدرته، فإن ذلك أن لم يكن وقع الخلق والتدبير منهما متفق، لم يعرفا إذا كان الإله إنما يعرف بما كان من أفعاله فإذا لم يظهر فعلا، لم يمكن أن يكون فاعلهما واحدا، لم يعرف الفاعلان، فلو كانا، ووقع ذلك منهما لم يخف في هذا العالم آثارهم، ولزال النظام عنه، وغلب التفاوت عليه، وفي وجودنا إياه متسعا مطردا على ضرب واحد من ضروب التدبير لا تفاوت فيه ما دل على أن خالقه مدبره واحد. فإن قيل: ما أنكرت إنهما إلهان قادران حكيمات فلا يختلفان، لأن ما يريده أحدهما لا يخلو من أن يكون حكمه، فلو خالفه الآخر لم يكن حكيما، وفي كونهما حكيمين ما أحال أن يكونا متخالفين. قيل: إن كانا حكيمين ما تختلف أفعالهما إذا فعلا ليظهر كل واحد منهما بأفعاله التي لا يمكن أن تكون واقعا من الذي وقعت منه أضدادها فإن الحكمة لا تطلق التلبيس، ومن التلبيس أن لا يفعل كل واحد منهما إلا ما يريده الآخر، لأنه لا يظهر بالفعل الواحد أن له فاعلين إذا كان الفعل لا يقتضي لوجوده وتيسره إلا فاعلا، والعدد ليس من شرطه

لا يفعل كل واحد منهما إلا ما يريده الآخر، لأنه لا يظهر بالفعل الواحد أن له فاعلين إذا كان الفعل لا يقتضي لوجوده وتيسره إلا فاعلا، والعدد ليس من شرطه

بالاتفاق على الفعل أداء تلبيس واتهام من كل واحد منهما، أن الإله واحد، وهذا خلاف الحكمة. فثبت بما ذكرنا إن عدم التفاوت في الخلق والتدبير ليس إلا من وجه: أن الإله واحد، وبالله التوفيق. وأيضا: فأنه أن كان فاعلان يتفقان على الأفعال بحكمتهما، ولا يختلفا، فلا يخلو كل واحد منهما من أن يكون قادرا على التفرد بما يفعله الآخر، أو غير قادر. فإن كان غير قادر، فهما جميعا ناقصان، إذا كان كل واحد منهما محتاجا إلى معاونة الآخر. فإن كان فسادا فيهما إذا اجتمعا على الفعل ففعلا، وجد الفعل منهما على وجه التغالب والمنع من كل واحد منهما للآخر، على أن يخلص الفعل له وحده فينسب إليه دونه، والمتغالبان المتقاومان هما جميع عاجزات، وأن العاجز لا يكون إلها، فثبت أن عدم التفاوت في الخلق إنما كان لأن الخالق واحد وبالله التوفيق. فصل وأما التقديس فدلالته: أن القديم لو أشبه المحدث في صفاته لبطل أن يكون قديما، لأن شبه المحدث لا يكون إلا محدثا، كما أن شبه لطويل لا يكون إلا طويلا، وشبه الأسود لا يكون إلا اسود. فلما وجب أن يكون الصناع قديما، بطل أن يكون لخلقه شبيها. وأيضا فإنه ليس في الأفعال فعل يشبه فاعله، ولا فاعل يشبه فعله، فعلمنا أن الباري ﷿ لا يشبه خلقه، وأن شيئا من خلقه لا يشبهه، وبالله التوفيق. فصل ونقول: أنا كما وجدنا في السماء والأرض آثار الحدث، نعلمنا بذلك أنهما محدثان، فلذلك وجدنا فيهما آثار التدبير المتقن السديد، فعلمنا أن محدثهما الذي كان أول تدبيره الإنشاء والاختراع حي عالم حكيم، وأنه هو الذي يدبرهما بعد الإنشاء بما هما عليه، ويبلغهما مشيئته التي كانت له في إنشائهما وخلقهما. فإن قيل: وما آثار التدبير؟ قيل: أما السماء فحملت الأفلاك بما رتب في كل فلك

د الإنشاء بما هما عليه، ويبلغهما مشيئته التي كانت له في إنشائهما وخلقهما. فإن قيل: وما آثار التدبير؟ قيل: أما السماء فحملت الأفلاك بما رتب في كل فلك

منها من النجوم والبروج، فلك فيه الكواكب الثابتة فلك، وكل كوكب من الكواكب السيارة فلك. وللفلك من الفلك بعد معلوم، ولكل فلك استدارة معلومة ودرجات معلومة، ولكل كوكب سير وجد فيه معروفه، وللشمس والقمر من بينهما من الاختصاص بالضياء والنور ما ليس لغيرهما، فإذا كان الشمس فوق الأرض فذلك النهار، وإذا كانت تحت الأرض فذلك الليل. ولفصول السنة من التعلق الظاهر: تسير الشمس ما لا تخفى، فإنها إذا تحركت من أول الحمل إلى أن بلغ آخر الجوزاء فالزمان ربيع، وإذا تحركت من أول السرطان إلى أن تبلغ آخر السنبلة فالزمان صيف، وإذا تحركت من أول الميزان إلى آخر القوس فالزمان خريف، وإذا تحركت من أول الجدي إلى آخر الحوت فالزمان شتاء. ويظهر في الربيع اليسر والنمو وتزهر الأشجار وتظهر الثمار ثم نضجها وإدراكها ما بين أول الربيع إلى أوائل الخريف ثم تعبر الحر ويظهر البرد، فلا يزال يقوى ويشتد حتى لا يبقى على الأشجار ورقة، وتتابع الأنداء، وتجمد المياه، وكل ذلك أمور تكرر سنين لا تحصيها العبد، وجرى فيها على وتيرة واحدة لم ينقص فيما بينهما في شيء منها عادة قط. ودون السماء السحاب المثقل بالماء تسوقه الرياح، ثم ينزل منه ما ينزل أكاما، جعله الله حياة للناس وعامة للحيوانات وبعدها للأرضين الموات وأما ثلجا وأما بردا، وفي كل منهما منفعة وفائدة لا تنقضه ويعتده ويمنع من أن يسوغ إليه الانحلال، فيستقبل به أيام القيظ على تبريد الماء الذي لا يمكن شربه على ما هو عليه من السخونة المفرطة. فيجتمع إلى مسكن العطش به إطفاء بوائر الأمراض، والتحرز به من كثير من الحوادث والأعراض. ودونها أيضا للرياح اللواقح والسوابق للفلك من البحار والأرض التي هي قرار ومهاد،

وللأحياء والأموات كفات وفيها أعواد وهي للماء الذي فيه الحياة معادن ومنار. وفيها جبال هي للأرض أوتاد تحوطها من أن تميلها الرياح العواصف، والرجفات والزلازل، وفيها معادن الذهب والفضة، والحديد والنحاس والرصاص، ومعادن الأحجار النفسية، ومعادن الأحجار النفيسة، ومعادن العفر والنوره والزرنيخ وعيون الملح والنفط والكبريت وفي البحر من الحيتان لحوم طرية، ومن الزين اللؤلؤ والزبرجل والمرجان، نظير ما على الجبال من اليواقيت، وفي المعادن من الفيروزنج والجزع والعقيق، وفي كل شيء من ذلك منفعة وللناس عرق وحاجة. وفي سهولها المساكن من الأمصار والقرى والحصون وغيرها، ومنها المزارع والمغارس والحدائق البهجة والزروع أصناف والغراس أصناف، وفي كل صنف منها منفعة، وللناس فيها ارب وبغيه. وعلى ظهرها من الحيوان: الناس المخصوصون بالعقل والبيان وانتصاب القامة، ثم الدواب المقسمة إلى سباع وغير سباع، والطائر المنقسمة كذلك والهوام، وللناس عليها كلها السلطان. وإذا تأمل من المتأمل نفسه علم ماله من الفضل على جميع الحيوانات الأرضية، وما في بينته وجملته من إمارات التدبير الحكيم والصنع المتقن السديد. فإن الدواب كلها وإن شاركت الإنسان في أن لها أعضاء وجوارح، كما أن له أعضاء وجوارح، وإن لم يكن منها كهن منه، وكان لكل منهما ومنه رأس فيه العينات فللبصر، والإذنان للسمع، والأنف للشم، ودونه اليدان للبطش وللأخذ والدفع، ودونهما الرجلان للمشي، وذلك للناس خاصة، وللمشي على أجمعها للدواب، والفم للأكل والشرب والأسنان للطحن، والفروج من الذكور والإناث لطلب النسل، وللإناث الأرحام خاصة، والائداء لأنهن الحوامل والمراضع، وليست من الذكور إلا اللقاح. فقد اختص الناس بالعقل والبيان فساسوا من سواهم، وتوصلوا بعلم ما في الأرض وتمييزه ومعرفته إلى استنزاح منافعها، بضروب المكاسب والاستئثار بفوائدها، فكانت لهم الملابس والري والمراكب والفرش والأثاث والخزائن والذخائر وبيوت الأموال، وأكلوا من أصناف الطعام ما يشتهون، وركبوا من الدواب ما يريدون، وأصابوا من

لهم الملابس والري والمراكب والفرش والأثاث والخزائن والذخائر وبيوت الأموال، وأكلوا من أصناف الطعام ما يشتهون، وركبوا من الدواب ما يريدون، وأصابوا من

النساء ما يجبون، وافترشوا من أصناف الفراش ما يختارون، ولبسوا من ضروب اللباس ما يستحسنون. وكانت أحوال الحيوانات سواهم مقصورة من الضرورة دون الاختيار لفقدهم من العقل والبيان، فأوجد منها الناس إلى غير ذلك من أحوال الموجودات التي تذكر على العد، وكلها مجتمعة المعنى في الدلالة على أنها وضع وتدبير، ونظم وترتيب، وإن الواضع لها والمدبر والناظم المرتب عالم حكيم قادر قوي، فإن لم يعلم الحاجة، لم يعلم ما تزاح به العلة، لم يقدر على وضعه وإيجاده. وإذا علم لم يوجد منه وضعه حتى يكون قادرا عليه، فدل عليه على وجود الحاجة ووجود ما تقضي به الحاجة على أن الموجد عليهم حكيم قادر قوي. ألا ترى أن صانع المشربه لا يصوغها إلا عن علم بما يصلح له وقدره، وكان على الصناعة وكذلك صانع المسرجة والمنارة والمجمرة وكذلك صاحب المنزل لا يسر منزلة من الآلات إلا عن علم بما يصلح كل شيء منها له قدرة على جميعها، وإعدادها لوقت الحاجة إليها. فكيف يتوهم أن تكون السموات والأرضون وما بينهما وفيهما وجدت على ما هي عليه، إلا صنعا لصانع عليك حكيم قادر قوي كلا ما يمكن ذلك ولا يجوز، وما هي إلا من صنع اللطيف الخبير تبارك الله أحسن الخالقين وأحكم الحاكمين. فصل فأما الكواكب فلا يمكن أن تكون مدبرة لهذا العالم لأنها مدبرة، وفي هذا بيان أنها غير موكولة إلى نفسها، فكيف يكون غيرها موكلا إليها؟ ألا ترى أنها تكون مستقيمة السير حالا، ولا سبيل لا في تلك الحلل إلى أن تكون راجعة، وتكون راجعه حالا، ولا سبيل لها في تلك الحال إلى أن تكون مستقيمة وزائدة السير مرة وناقصة أخرى، وسالمة تارة ومحرقة أخرى، ولا سبيل لها إذا كانت على حال وقتا إلى أن تكون فيه على خلافها، وكل ذلك يدل على أنها غير موصوفة بتدبير أنفسها، فدل ذلك على أنها من الوصف بتدبير غيرها أبعد. وأيضا فإن التدبير إنما يكمل له الحي القادر، والكواكب بمعزلة عن هذه الأوصاف،

ا غير موصوفة بتدبير أنفسها، فدل ذلك على أنها من الوصف بتدبير غيرها أبعد. وأيضا فإن التدبير إنما يكمل له الحي القادر، والكواكب بمعزلة عن هذه الأوصاف،

فلا يمكن أن تكون مدبرة، والدليل على خلوها عن الحياة، لزوم التسخير إياها حسب لزوم إحراق النار، والترطيب بالماء. والله ﷻ إذا أشعر الحياة خلقا أشعره أثرها وهو الإرادة والاختيار، فلما لم يكن للكواكب في سيرها واستقامتها ورجوعها واحتراقها وغير ذلك من أحوالها اختيار علمنا أنها ليست مجية، والفلك نفسه ليست توجل الحركة الدائمة منه اختيارا، ولا سبيل له إلى السكون، فعلمها أنها مسخرة حية مريدة مختارة، فأنا موصوفة بالملائكة لا يختلف حالهم في طاعة الباري ﷻ، فلا يدل ذلك على أنهم ليسوا بإحياء، ولكنهم أموات مسخرون. قلنا: وجود الخلاف فيهم ممكن عندنا، وقد كان ذلك فيما اقتضه الله جل ثناؤه علينا في شأن آدم إلا أنهم قاموا بعد، ورجعوا إلى ما كان أولى بهم. فثبت أنهم مختارون للطاعة على المعصية بفضل ما عندهم من المعرفة، وفي أنفسهم من المخافة، وتلك الطاعة لهم عبادة. ومن يخالفنا لا يقول: إن حركات الأفلاك والكواكب عبادة منها وطاعة، ولا يمكنه أن يدعي ذلك أبدا، فأني يجوز له أن يناقضنا بالملائكة، وأيضا فإن سيرها في أفلاكها إنما هو كما ركب الله في ذلك السير من منافع غيرها به فهو يجري الماء في الأنهار، وليس ذلك إلا من قبل الاختيار، ولا هو عبادة للماء ولا طاعة منه، فكذلك تسير الكواكب في أفلاكها. فإن قال: كيف يجوز أن تكون تلك الأجسام العلوية على شرفها وفضلها مبرا بما أوتيته الأجسام السفلية من صفات الحياة والسمع والبصر، بل إذا كانت هذه في انحطاط أقدارها على أقدار العلوية مكرمة بهذه الصفات، فالعلوية أولى وأحق بأن تكون مكرمة بها.

م السفلية من صفات الحياة والسمع والبصر، بل إذا كانت هذه في انحطاط أقدارها على أقدار العلوية مكرمة بهذه الصفات، فالعلوية أولى وأحق بأن تكون مكرمة بها. قيل له: أن الأرض هي التي تكون في مقابلة السماء، وليست حية عاقلة سميعة بصيرة، فيكون لك أن تقول: أنها إذا كانت بهذه الصفات، فالسماء أولى أن تكون كذلك، إذ هي أشرف وأفضل، ولا كل ما في الأرض من الزين جائز لهذه الصفات، ونقول: إن ما في السماء من الكواكب التي هي زينة لها بوجوب هذه الصفات لها أحق وأخلق، وإنما الحياة والعقل والسمع والبصر في الأرض للناس، خاصة الذين هم سكان الأرض المكلفون المتعبدون فيها، فبإزائهم الملائكة في السموات.

ولسنا ننكر أن يكونوا أحياء فاعلين يسمعون ويصبرون، وإن يكونوا فيما لهم من هذه الصفات فوق لناس، فمن أين يلزمنا وراء ذلك أن نقول: أن الأفلاك والكواكب أحياء يعلقون ويسمعون ويبصرون، كلا ما يلزمنا ذلك بوجه من الوجوه وبالله التوفيق. فإن سئل سائل عن الكواكب: هل يجوز إضافة شيء من الكوائن التي تكون في هذا العالم ألها؟ فيل له: أما القول بأنها أحياء عاقلة، سميعة بصيرة، دبر ما تحتها فباطل، ولو ثبت أنها أحياء لكانت إضافة الفعل إليها من حيث هي في هذا العالم من غير سبب يتصل بينها وبينه باطلا، لأن الجسم إنما يفعل في نفسه، ثم قد يتأثر غيره عنه لافصاله به، ولا يمكن أن فعل الجسم في غيره، وهذا كمن يدفع رجلا فيندفع، فتكون حقيقة ذلك أنه جمع قوته في آلة دفعه، ثم قرنها من أراد دفعه والصقها به واعتمد عليها بجهده، فكان فاعلا ذلك كله في نفسه، ثم أن الذي ألصق نفسه به واعتمد بقوته عليها بجهده فكان فاعلا ذلك كله في نفسه، ثم إن الذي الصف نفسه به واعتمد بقوته عليه، لما لم يكن فيه متحمل له اندفع به، فكان الاندفاع أثرا حادثا في المدفوع عن الدافع لاتصال به. ولو أراد رجل من أقوى الرجال وأشدهم أن يدفع آخر عن مكانه وهو ناء عنه من غير سبب فيصل منه، ما استوي ذلك ولا قدر عليه. وليس الفعل في الغير إلا ممن يستحيل الفاعل منه في نفسه، وذلك هو أن الله جل ثناؤه الذي ليس بجسم، ولا يجوز عليه أن تحله الأعراض والحوادث، فمن أدى ذلك لكواكب فهو مبطل في دعواه. وأما القول بأن منها مطبوعا بالحرارة والبرودة والرطوبة أو اليبوسة، وأنه قد يكون لبعضها بعض اتصال ممتزج منه طبائعها، ثم ينادي تلك الطبائع بالمجاورة إلى الجو بمجاورته الأرض إلى الأرض، فيكون سببا لآثار تحدث في الأجسام الأرضية عنها. ف ذا قد يكون إلا بان تلك الآثار حينئذ تكون أفعالا لله جل ثناؤه، لا للكواكب، وليس ذلك بأكثر من حياة الأرض الميتة بالماء الذي يساق إليه، ثم لا يجوز أن يظن به فعلا، فضلا عن أن يقال: أن تنقل الكواكب وتبدل أحوالها مواقيت لا قضية الله تعالى وأقداره. فكما أنه جعل دلوك الشمس ميقاتا للصلاة، ولا يضاف وجوب الصلاة إلى الشمس،

عن أن يقال: أن تنقل الكواكب وتبدل أحوالها مواقيت لا قضية الله تعالى وأقداره. فكما أنه جعل دلوك الشمس ميقاتا للصلاة، ولا يضاف وجوب الصلاة إلى الشمس،

وجهل أهلال رمضان ميقاتا لشهر الصيام ولا يضاف ذلك إلى القمر، فكذلك جعل انتقال الشمس إلى البروج الصيفية ميقاتا لبحر الهواء وانتقالها إلى البروج الشتوية ميقاتا لبرد الهواء وانبساط نور القمر على الرطاب ميقاتا وحالا لنشوئها ونموها، وانبساط حر الشمس على الثمار ميقاتا وحالا لطيها ونضجها، ولا يضاف شيء من ذلك إلى الشمس ولا إلى القمر، ولا يدعى فعلا لهما ولا لواحد منهما. ولذلك قال الله ﷿: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذب خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ وبالله التوفيق. فإن قيل: فما تقولون في إضافة النحوس والسعادة إلى الكواكب؟ قيل: قد قال الله ﷿ في قصة عاد: ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر﴾. وقال: ﴿في أيام نحسات﴾. جاء في بعض الأخبار التي تؤثر عن جبريل صلوات الله عليه: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، وعن الأربعاء التي لا تدور فعلنا بيان الشريعة أن من الأيام نحسا، والذي يقابل النحس هو السعد فإذا ثبت أن بعض الأيام نحس، ثبت أن بعضها سعد، والأيام في هذا كالأشخاص، منها مسعودة ومنها منحوسة، ومن الناس شقي وسعيد. فإن لصاق أحد الكواكب إلى أنها تسعد باختيارها أوقاتا أو أشخاصا أو تنحسها، فقد قال باطل. وإن قال: إن الكواكب طبائع وأمزجة مختلفة وتلك أيضا يتغير منها اتصال بعضها ببعض وانفصال بعضها عن بعض فطرة فطرها الله تعالى عليها، فإن ما فيها من هذه المعاني ينادي بتوسط الشمس والقمر إلى الأرض وما فيها، فأي شيء منها كان هو المبادئ إلى أن الأجسام الأرضية كانت الآثار التي تحدث عن ذلك فيها بحسبها.

هذه المعاني ينادي بتوسط الشمس والقمر إلى الأرض وما فيها، فأي شيء منها كان هو المبادئ إلى أن الأجسام الأرضية كانت الآثار التي تحدث عن ذلك فيها بحسبها. فقد يكون منها ما وصلت إلى الأبدان كانت سببا للأسقام، وقد يكون منها ما يكون فيضرب سببا للصحة والسلامة، وقد يكون منها ما إذا وصل إلى الأرواح والنفوس كانت سببا لحسن الخلق وبدل المعروف والأنصاف والرغبة في الخير، ويكون ما إذا وصلت إلى ما ذكرنا كانت سببا للهيج والظلام والأقدام على الشر. فهذا قد يكون إلا أن يكون كل ذل إذا أفعال الله جل ثناؤه وأقداره لا صنع للكوكب فيها.

وما أكثر مما يزيد من هذه الآثار التي ذكرناها إذا كانت نسبة بالدعاء والصدقة، وما أكثر مما يريد منها إذا كانت حسنة بالذنب والخطيئة، فهذا هو الذي ينبغي أن يعتقد في هذا الباب والله أعلم. فصل وأما الملائكة فإنها وإن كانت حية عاعلة سميعة بصيرة، فليس تدبير العلم، ولا أمر الله جل ثناؤه، كما لا خلق إلا الله. قال الله جل ثناؤه: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾. وبيان ذلك أن الملائكة محدثون مدبرون، فكما امتنع لأجل الحدث من غيرهم امتنع منهم، ومعلوم أن الناس لا يتكلمون لتدبير أنفسهم، إذ لو امتنعوا له لكان ينبغي أن يستغني بتدبيرهم أنفسهم عن تدبير غيرهم إياهم، وإنما توافي العجز عما وصفنا من قبل الحدث والملائكة مشاركة لهم فيه فكانوا إلى العجز عنها مثلهم. فإن قيل: أليست الملائكة لقبض الأرواح ولسوق السحاب، ولقلب المدائن ولنسخ الأعمال، وإن كان الناس لا يقدرون على شيء من ذلك، فما أنكرتم أنها تقدر على عامة ما ذكرتم، وإن كان الناس لا يقدرون عليها؟

ق السحاب، ولقلب المدائن ولنسخ الأعمال، وإن كان الناس لا يقدرون على شيء من ذلك، فما أنكرتم أنها تقدر على عامة ما ذكرتم، وإن كان الناس لا يقدرون عليها؟ قيل: الناس لم يعجزوا عن الأعمال التي ذكرتموها لحدثهم، ولكن لكنافتهم أو قصور قولهم، فلما بايتتهم الملائكة في الكيافة فكانوا في اللطافة وفي الضعف كانوا في غاية القوة، نزلوا من الناس منزلة بعضهم من بعض والتفاوت في الأعمال موجود فيهم، فكان وجوده بين الملائكة وبينهم كذلك. وليس الكلام على هذا، وإنما الكلام على ما يعجز الناس عنه بكونهم محدثين مصنوعين، وإن مما عجزوا، لذلك لم يجز أن تقدر الملائكة عليه لأن المشركين في المعنى لا يجوز أن يتباينا في الحكم فلا يتشاركا فيه وبالله التوفيق. وأيضا فإن الملائكة من سكان العلو أجسام كالكواكب، وقد بينا أنه لا يمكن أن يكون من الكواكب فصل في هذا العالم، أو كانت أحياء عاقلة من سبب متصل بينهما

وبينه. فإن الجسم لا يفعل في غيره وإنما يفعل في نفسه، وكانت الملائكة هذا مثلهم وبالله التوفيق. فإن قيل: فإن في القرآن إضافة التدبير في الملائكة، قال الله ﷿: ﴿فالمدبرات أمرا﴾ وفي سورة أخرى: ﴿فالمقسمات أمرا﴾ وإنما أراد بالاثنين الملائكة! قيل: معنى المدبرات المنفذات لما دبر الله تعالى على أيديها، وكما يقال للفاصل بين الخصمين حاكم، والحكم ليس إلا لله ﷿ وهو الحاكم، غير أنه سمى من ينفذ الحكم بين عباده حاكما، لأنهم منه يسمعون الحكم، كذلك تدبير الله ﷿ إنما يظهر من قبل الملائكة. فقيل لها: المدبرات والمقسمات كذلك، والله أعلم بالصواب.

الثاني من شعب الإيمان

  • وهو باب في الإيمان بالنبي ومن تقدمه من النبيين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين بدلائله وحججه - ويتلو الإيمان بالله جل ثناؤه اعتقادا وإقرار الإيمان برسل الله صلوات الله عليهم عامة اعتقادا وإقرارا، إلا أن الإيمان بمن عدا نبينا صلوات الله عليه هو الإيمان، فإنهم كانوا مرسلين إلى الذين ذكروا لهم، أنهم رسل الله إليهم، وكانوا في ذلك صادقين محقين، والإيمان بالمصطفى نبينا صلوات الله عليه هو التصديق بأنه نبي الله ورسوله إلى الذين بعث فيهم والي من بعدهم من الأنس والجن إلى قيام الساعة. قال الله جل ثناؤه: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ فقرن اليمان برسوله بالإيمان به. وقال: ﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾. وقال: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولن نؤمن ببعض ونفكر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا، واعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾. وفي هذه الآية أن الله ﷿ جعل الكف ببعض رسله كفرا بجميعهم، ثم جعل الكفر كفرا به. وقال بعد ذلك: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما﴾. فثبت أن حسب المآب إنما يكون لمن لم يفرق بين رسل الله تعلى وآمن بجماعتهم.

ه ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما﴾. فثبت أن حسب المآب إنما يكون لمن لم يفرق بين رسل الله تعلى وآمن بجماعتهم.

والإيمان برسول الله ﷺ يتضمن الإيمان له، وهو يقول فأجابه من عند الله جل ثناؤه والعزم على العمل به، لأن تصديقه في أنه رسول الله إلزاما لطاعته، كما كان الأمر بالله إلزاما لطاعته إذا أقر أو نهى، وذلك راجع إلى الإيمان بالله تعالى، والإيمان فأما رجوعه إلى الإيمان بالله تعالى فلأنه يستحيل وجود التصديق بأن أحدا رسول الله مع عدم الاعتراف بالله، إذا الرسل تقتضي مرسلا كما تقتضي مرسلا إليه وكان يقضي رسالة، فمن صدق أحدا في أنه رسول الله فقد أثبت الله وصدق به. وأما رجوعه إلى معنى الإيمان فيه فلان القبول عن رسول الله قبول عن الله، والطاعة طاعة الله ﷿، وإذا كان الله هو المعبود دون رسوله، وهو المرغوب إليه، والمرهوب منه دونه من سواه، فمن ثبت له أنه رسوله وجبت الطاعة لأوامره لأنها أوامر المرسل الذي جب طاعته شكرا للنعمة التي أولاها الإبداع والإخراج من العدم إلى الوجود ثم الحياة ثم العقل ثم البيان، وإجلالا له عن أن يعصى، وهو المالك الذي لا يد فوق يده ولا مانع يرده بوعيده والإيمان برسول الله ﷺ، وإن كان في الجملة تصديقه في الرسالة على الوجه الذي يذكره ويصفه، وأنه يتفرع ويتشعب فروعا وشعبا: أولها: تصديقا في أن الله ﷿ ثناؤه أرسله فميزه برتبة الرسالة من سائر الناس. والثاني: تصديقه في أنه عز اسمه، أرسله بما يقول: وأن الذي يؤديه هو رسالة الله التي أرسله بها. والثالث: تصديقه في أنه أرسله إلى من يذكر أنه أرسله إليهم من خصوص أو عموم. والرابع: تصديقه في انه خاتم النبيين لا رسول ولا نبي بعده، والشريعة المشروعة له آخر الشريعة وعليها تقوم الساعة. والخامس: تصديقه في صفة إرساله إذ أثبتها لقومه. فإن قال: أوحي إلي على لسان ملك، صدق في أن الذي يأتيه ملك، والذي ينزل عليه وحي من الله جل ثناؤه ليقع بذلك تنزهه من الكهانة.

فة إرساله إذ أثبتها لقومه. فإن قال: أوحي إلي على لسان ملك، صدق في أن الذي يأتيه ملك، والذي ينزل عليه وحي من الله جل ثناؤه ليقع بذلك تنزهه من الكهانة. وإن قال: ألهمني ربي، صدق في أن ما يجده في قلبه قذف من الله تعالى ليقع بذلك تنزيهه عن الوسوسة. وأن قال: هتف بي، صدق في أنه قد نودي في الحقيقة فاسمع ما.

يقول ليقع بذلك تنزيهه عن التخيلات الباطلة والأوهام الفاسدة. وإن قال: رأيت في المنام، صدقي في أن الله جل ثناؤه أراه في المنام ما يقول، ليقع بذلك تنزيهه عن درجة الذين يحملون في منامهم بما لا أصل له والله أعلم. فصل ومما يجب معرفته في هذا الباب معنى النبوة وتفسيرها عن النبي ﷺ، أنه قال: "الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". والفرق بين النبي والرسول فنقول- وبالله التوفيق-: أن النبوة أسم مشتق من النبأ وهو الخبر، إلا أن المراد به في هذا الموضع خبر خاص وهو الذي يلزم الله ﷿ به أحدا من عباده فيميزه بإلقائه إليه عن غيره، ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد، فتكون النبوة على هذا الخبر والمعرفة بالخبرات الموصوفة التي ذكرتها، والنبي هو المخبر بها. فإن أنضاف إلى هذا التوفيق أمر تبليغه إلى الناس ودعائهم إليه، كان نبيا رسولا. وأن ألقي إليه ما ذكرنا ليعمل به في خاصته، ولم يؤمن بتبليغه والدعاء إليه كان نبيا ولم يكن رسولا، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا. ثم أن الأنبياء صلوات الله عليهم يخصون وراء ما وصفت بآيات يؤكدون فيها ليتميزوا بها عمن ليس مثلهم كما تميزوا بالعلم الذي أوتوه. فيكون الخصوص وأفعالهم من الوجهين ألا أن ما في حيز التعليم فهو النبوة، وما وقع في حيز التأييد فهو حجة النبوة. والخصوص من قبل التعليم قد يكون في الجهة التي منها يلقون العلم، وبه تكون في العلم التي تلقى فيهم، والواقع من ذلك في جهة العلم وجوه منها وهو أعلاها: درجة تكليم الله ﷿ من كلم منهم، قال الله ﷿: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ وقال: ﴿هل أتاك حديث موسى إذا ناداه ربه بالواد المقدس طوى، إذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ وقال:

﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾. ومنها أن يلهم الله تعالى واحدا منهم بالكلام يسمعه على كل شيء فيجده في نفسه من غير موصل يقدمه إلا منه إليه بحس واستدلال. ومنها أن يوحى إليه على لسان ملك فيراه فيكلمه كما يكلم واحدا من البشر صاحبه فيقع له العلم بما يسمعه منه. ومنها أن يأمر الملك فينفث في روعه كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أن روح القدس نفث في روحي: فإن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب". وهذا هو الوحي الذي يخص القلب دون السمع وفي كتاب الله ﷿: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾. وقالا لله ﷿: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾. وذلك- والله أعلم- أن ينفث الملك في روح المؤمن من الأطماع في الظفر بالعدو، والرغبة في الثواب والأجر والاتكال من القرار، فيحمله ما يجده في قلبه من هذه المعاني في الثبات ويزول عنه ما يسوس به الشيطان من التخويف والإحباط من الظفر، والحمل على اغتنام السلامة بالرجوع إلى الأهل، إذ كان الملك ينفث في روع كل مؤمن. فما الفرق بين النبي وبين من دونه؟ قيل له: لا ينفث في روح من دون النبي ﷺ علم الأحكام ولا علم الكوائن والحوادث المستقبلة، والوعد والوعيد، وإنما ينفث في روعه ما تقدم ذكره وما يشبهه فيكون ذلك مددا للتوفيق يدرأ به عنه وساوس الشيطان عن صدره والله أعلم. ومنها إكمال عقل النبي وتقويته صيانته عن الخبل والجنون فلا يعرضان له، وبالحر في أن يكون ذلك لا آلة التمييز والعيان على الدلائل كلها هو العقل، فيحق أن يكون من اصطفاه الله تعالى بتكليمه وإرسال ملك إليه بأمره ونهيه ووعده ووعيده أقوى

ن يكون ذلك لا آلة التمييز والعيان على الدلائل كلها هو العقل، فيحق أن يكون من اصطفاه الله تعالى بتكليمه وإرسال ملك إليه بأمره ونهيه ووعده ووعيده أقوى

الناس تمييزا وأصحهم إدراكا في كل ما يلقى إليه، وأثبتهم فصلا فيما هو عنده الخطاب والتكليف، ولولاه لم يكن بين الناس وبين البهائم فرق، ول لهم عليها فضل، فإنه إنما يبلغ عن الله يلقى عنه ويتلقى عنه بحسب ما يؤول فيه من قوة الإدراك والقبول. فإذا لم تكن تلك القوة في نهاية الشدة، ثم أنضاف إلى ذلك خروج للأمر فيما يلقى الله من العرف والعادة، واقتربت به الهيبة والخشية حتى يقيد لهما أحواله في تلك الوقت عيانا، عما كانت تكون عليه في سائر الأوقات عسر عليه ضبط ما يلقى إليه وتثبته على وجهه وحقيقته، فيثبت بما وصفنا أن عقول الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أكمل العقول وآراءهم أشد الآراء، ولذلك يكملون لقبول الوحي أولا، وتبليغه ثانيا والله أعلم. ومنها تقوية حفظه وذكره حتى يسمع السور التي لم يسمعها، ولا كلاما مثلها منظوما ينظم خارج عن نظوم كلام الناس، من الملك مرة واحدة فيعيها طويلة كانت أو قصيرة ويحويها قلبه ولا ينس منها حرفا حتى يبلغها الناس كما أخذها من الملك. ومنها أن يعصم من الزلل في رأيه، فإذا اجتهد في الحوادث رأيه لم يخطئ، ولم يحلم إلا بالصواب والحق. ومنها إذكاء فهمه حتى يتسع لضروب من الاستنباط بما أوحي إليه لا يبلغها فهم من دونه، وحقيق أن يكون كذلك. وأن العلماء من أمته متفاضلون، فمنهم من يدرك بفهمه ما لا يدركه فهم غيره وان فهمه، فالنبي الذي هو أعلم العلماء أولى بان يفضل أمته فيكمل من الاستنباط لما يقصر عنه غيره. وقال بعض العلماء: أن عامة سنن رسول الله ﷺ راجعة إلى القرآن. ومعلوم أنه ليس كل شيء منها تقف العلماء على أصله، فذلك إذا لأن النبي ﷺ، كان يدرك من معاني الوحي مما لا يبلغه فهم غيره فيحسب ذلك كأن يكون استنباطه والله أعلم.

أنه ليس كل شيء منها تقف العلماء على أصله، فذلك إذا لأن النبي ﷺ، كان يدرك من معاني الوحي مما لا يبلغه فهم غيره فيحسب ذلك كأن يكون استنباطه والله أعلم. ومنها إذكاء بصره حتى يدرك الشيء النائي الذي لا يقوى بصره في كل وقت، ولا يصر غيره على إدراك ما بعد ذلك البعد ولا ما دونه كما قال نبينا ﷺ: زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربه وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها. ومعلوم أن البصراء

يتفاوتون في البصر تفاوتا بعيدا. وقد كانت زرقاء اليمامة تدرك الشيء من مسيرة ثلاث، وقصتها في ذلك مشهورة. فلا ينكر أن تفاوت بين النبي وبين غيره بإذكاء بصره حالا ووقتا ليدرك به ما يفوض له مما يراد توفيقه عليه، ويكون معنى قوله: "زويت لي الأرض" على هذا أي قربت علي إدراك مشارقها ومغاربها، فكانت من إحاطة بصره بي لها كأنها حاضرة إياه والله أعلم. ومنها إذكاء سمعه: حتى يسمع مالا يقدر غيره على سماعه لبعد المسابقة بينه وبينه، كما روي على نبينا ﷺ أنه قال: "أطت السماء وحق لها أن تئط، ما منها موضع قدم إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى"، وروي عنه أنه سمع وحيه فذكر أنها هوى بصخرة قذفت في جهنم لم تبلغ قعرها إلى الآن، ولا سبيل للملحدين إلى استبعاد هذا واستنكاره، فإنهم يدعون لفيثاغورس أنه كان يسمع أصوات الكواكب والأفلاك إذا تحركت، وأنه الف الحانه عليها، وهم عندنا في ذلك كاذبون إلا أن يثبت أن فيثاغورس كان نبيا، فيجوز أن يكون اسمع ما ليس في العبادات إمكان إسماعه وتأليفه الألحان عليها أنه يصدقه. ومنها إحضار النبي: مشاهد لا يبلغ فوق البشر أن يبلغها، كالعروج بنبينا ﷺ، ورفع موسى حيا إلى السماء في قول أكثر المسلمين. ورفع إدريس والياس على ما وردت به الأخبار. وهذا إنما يدخل في باب الإعلام لنبينا ﷺ خاصة لأنه عرج به إلى السماء ليشاهد فيها من الآيات الباهرة للعقول ما لم يكن يشاهد مثلها في الأرض، وليوصي به فرض الصلاة، فيرجع به إلى أمته. فأما عيسى ﵇ وإدريس، فإنما رفع للإسكان، وإخراجهما من بين أهل الأرض لتعليم شيء لم يكونا علماه من قبل والله أعلم.

يوصي به فرض الصلاة، فيرجع به إلى أمته. فأما عيسى ﵇ وإدريس، فإنما رفع للإسكان، وإخراجهما من بين أهل الأرض لتعليم شيء لم يكونا علماه من قبل والله أعلم. ومنها إذكاء شمه كما فعله بإسرائيل صلوات الله عليه بأن يوسف ﵇ لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه، وفصلت العير من مصر، قال أبوه: ﴿إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾.

ومنها تسييره في مدة يسيرة مسافة طويلة لا يقدر البشر على قطع مثلها في مثل تلك المدة، كالإسراء بنبينا صلوات الله عليه من مكة إلى بيت المقدس، ورده منها إلى مكة في بعض ليلة. قال الله ﷿: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾، ولأنه ﷿ أخبر عن فائدة ذلك والحكمة فيه، قال: ﴿لنريه من آياتنا﴾. دخل في باب الإعلام والتوفيق، وإن كان يدخل من وجه آخر في باب التأييد. ومنها تعيير العبادة في مخاطبته، فقد روى أنه قيل للنبي ﷺ: "كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيقضي عني وقد وعيت ما قال. وأحيانا تمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما قال" وإنما كان الأول أشد الوحي عليه، لان الملك إذا مثل له رجلا فلقيه في صورة حسنة لم يداخله به روح ولا أمر تحول بينه وبين القبول عنه، وكلمه مع ذلك بلسانه الذي يعرفه كلاما عهد مثله، فلم يبعد مراده من فهمه. وأما إذا لم ير ملكا وسمع صوتا مثل صلصلة الجرس واضطر إلى علم أنه وحي، فأول ما في ذلك أن مثل هذا الصوت إذا قرع القلب، ثم إذا أقيم مقام الكلام ولم يكن في نفسه معهودا نبا القلب عنه أول ما يرد عليه، ثم إذا العلم بأنه خطاب يحتاج إلى تلقيه وحفظه زاد ذلك في شغل القلب به. ثم أن المخاطب بمثل هذا الصوت لا يخلو من أن يحول في ذلك الوقت عن طباعه، حتى أنه ربما أثر ذلك في أحواله الظاهرة منه، ليصير كالصحيح إذا مرض، أو الماشي إذا جهد ونصب، أو الصائم إذا جاع أو عطش. وكان ما يعرض للنبي ﷺ عند نزول الوحي عليه من البرحاء والومضاء من العرق منه في اليوم الثاني، ونقله على الراحلة حتى يكاد بطنها يلتصق بالأرض وينكسر عضداها، من هذا الوجه وقد روى في قول الله ﷿: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال

ليوم الثاني، ونقله على الراحلة حتى يكاد بطنها يلتصق بالأرض وينكسر عضداها، من هذا الوجه وقد روى في قول الله ﷿: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال

ربكم، قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾. أن الله ﷿ إذا تكلم بالوحي سمع أهل السموات مثل صوت الصلصلة على الصنوان، ففزعوا فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم، قالوا الحق، وهو العلي الكبير. فإذا كان الوحي الذي يوحى إلى الملائكة صوتا مثل صوت السلسلة على الصفوان. فالنبي ﷺ إذا أوحى إليه بصوت مثل صوت الجرس، كان هذا الوحي شبيها بالوحي الذي يوحى إلى الملائكة قبسه، والله أعلم أنه في تلك الحال كان يلزم بأديانه من طباع الملائكة وتمثيله في بعض الوجوه لهم، كما كان الملك في بعض الأحوال يمثل رجلا لتعليمه ومخاطبته فيلقى الوحي الذي يوحي بمثله إلى الملائكة، ويشتد ذلك عليه، إلا أن الله ﷿ يعصمه خلال ذلك من الإغفال والنسيان فكانت تلك الحالة تنقضي عنه. وقد وعى ما قيل له والله أعلم. ومنها أن يحدث الله تعالى في صيوان قد ذبح وشوى كلاما فيسمعه النبي صلى الله عليه ويلم ليدل به على أمر مغيب عنه، كما روى أن الذراع قالت له في بيت يهودي: إني مسمومة فلاتأ كلني وهذا يدخل في باب التعليم من الوجه الذي بينته، ويدخل في باب التأييد من حيث أن كلام الذراع شيء غير معهودة. ومنها أن يحدث الله تعالى في الحيوان الذي لا صوت له، صوتا يحضره نبي ويسمعه إياه فتختص بإدراكه، ثم يخبر به غيره، قال الله ﷿ في قصة سليمات ﵇: ﴿حق إذا أتوا على واد النمل، قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾. وهذا يدخل في باب التعليم، ويدخل في باب التأييد، فأما دخوله في باب التعليم فقد يكون أنه أريد بإقرار النملة على الكلام، واستماعه ذلك منها. ويكون من وجه أن يعلمه عن في طريقه نملا كثيرا ليعدل بجنوده عن ذلك الطريق فلا يحطموها وهم لا يشعرون. وأما دخوله في باب التأييد، فمن وجه انه أمر غيره معهود خص سليمان بأحد آية ونقص الصلاة به لأجله فكان كسائر الآيات والبينات، وهذا مصح إن كان قومه

عرون. وأما دخوله في باب التأييد، فمن وجه انه أمر غيره معهود خص سليمان بأحد آية ونقص الصلاة به لأجله فكان كسائر الآيات والبينات، وهذا مصح إن كان قومه

سمعوا للنملة نغمة ما، ثم بين لهم سليمان من مرادها ما لم يعرفوه. ومنها إنطاق النبات لسليمان صلوات الله عليه، فقد روى إنه كان إذا أصبح كل يوم رأى حشيشة جديدة، قد نبتت بين يديه، فيقول لها: ما أنت ولما أنت؟ فتقول: أنا كذا وأصلح لكذا، فلما كان اليوم نبت فيه الخروب قال سليمان: قد إذن الله في حراب هذا المسجد. ومثل هذا لا ينكر للأنبياء، صلوات الله عليهم، لأن آياتهم لو كانت من جنس الأمور المعهودة المألوفة لم يكن لهم فيها حجة لأنهم محتاجون إلى ما يميزهم عن غيرهم، والتمييز لا يقع بالأمر المشترك فواجب إذا كان تكون آياتهم كلها مباينة للعادات. وأيضا فإن الذي يقدر على أن ينطق غير النبات لا يعجزه أن ينطق بالنبات. فإن قيل: إنما ينطق غير النبات بآلة المنطق، والنبات ليست له تلك الآلة! قيل: إن الذي يسمى آلة المنطق ليس شيئا يقتضي المنطق بكل حال، لأنه لو كان لذلك، لما جاز أن يوجد ذو لسان أخرس، وفي وجودنا ذاك دليل على أن الله تعالى وضع للناس فإجرائهم عليها في أن لفظهم يكون باللسان، وإلا فاللسان والأصبع في جماد أن ينطقه الله فينطق سواء. وكذلك ما له لسان وما لا لسان له في ذلك سواء وبالله التوفيق. ومنها ما جاء من إفهام الله تعالى نبينا ﷺ كلام الذئب، فقد روى أن نبينا ﷺ جالسا بالمدينة في أصحابه إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه، فعوى. فقال رسول الله ﷺ: "هذا وفد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تعرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتكم تركتموه واحترزتم منه، فما أخذ فهو رزقه. قالوا يا رسول الله ما تطيب أنفسنا بشيء، فأومأ إليه النبي ﷺ، فولى وله عسلان". فهذا يدخل في باب التعليم من وجه أن الذئب لما جاءه فسأله النظر بينه وبين أرباب المواشي، أعلمه الله مراده بعوائه ومحيه، ويدخل في باب التأييد من وجه إن فيه شهادة من الذئب بنبوته. ومنها ما جاء من إفهام الله تعالى إياه رغاء البعير وحنينه. فيما يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم

دخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل، فأما رأى النبي صلى الله عليه وسن حن وذرفت عيناه، فاتاه النبي ﷺ فمسح شراته وذفراه. ثم قال: من رب هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله! فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة، فإنه شكا إلى أنك تجميعه وترئبه. وفي حديث آخر: خرج النبي ﷺ فجاءه بعير يرغو حتى سجد له فقال: أتدرون ما يقول! زعم أنه خدم مواليه أربعين سنة، حتى إذا كبر نقصوا من علفه وزادوا في عمله، حتى إذا كان لهم عرس أخذوا الشفار لينحروه فأرسل إلى مواليه، فقالوا: صدق والله يا رسول الله! فقال: إني أحب أن تدعوه، فتركوه. فهذا يدخل في باب التعليم من وجه، أن الجمل لما تظلم إلى رسول الله ﷺ بحنينه والثاني برغائه، أفهمه الله تعالى مراده، فنظر لذلك في أمره وقضى حاجته، فدخل في باب التأييد من وجه أن فيه شهادة من كل واحد منهما بنبوته. ومنها إن سمع النبي ﷺ ولا يرى مكلما فيقع له العلم بما قيل له، وذكر وهب في كتابه: إن كان للأنبياء منازل، فمنهم من كان يسمع الصوت فيهمه ويحتمل أن ذلك كان يكون صوتا يحدثه الله تعالى عند سمع النبي ﷺ فيجيبه ويلهمه الله المراد منه فيعرفه، ويحتمل أن يكون ذلك الصوت كلاما معهودا، فإذا حصل إلى سمعه عرف. ومنها الجمع بين النبي ﷺ وبين الجن، وقد كان نبينا صلوات الله عليه مبعوثا إلى الجن والإنس، فيمكن من مشاهدتهم ومناطقتهم، وبلغهم الرسالة شفاها وعيانا. فقد حل هذا في باب العلم، من حيث أنهم عالم كثير محجوبون عن الأبصار، وفي خلقهم ما يزيد الناظر والواقف عليه بصيرة ويقينا بالله جل ثناؤه، وانبساط قدرته. فإذ ميزت له رؤيتهم ومعرفتهم ازداد علما بالله جل ثناؤه، لما يشاهده من آياته فيهم، ويراه من آثار قدرته الظاهرة عليهم. ويدخل في باب التأييد من وجه أنه يمكن من لقائهم ومكالمتهم وقراءة القرآن عليهم لا تكون إلا مع حجة دعوته وثبوت نبوته.

يراه من آثار قدرته الظاهرة عليهم. ويدخل في باب التأييد من وجه أنه يمكن من لقائهم ومكالمتهم وقراءة القرآن عليهم لا تكون إلا مع حجة دعوته وثبوت نبوته.

ومنها أن يحتاج إلى جواب مخالفته إلى العلم بشيء غائب عنه، فيمثل له حتى يراه، فيجربه ويدفع بذلك الخصم عن نفسه، كما أنه لما حدث الناس بأنه أسرى به إلى بيت المقدس، وصل فيه ورجع من ليلته احضروا له من كان رأى بيت المقدس وعرفه فاسعد له، فكان يصفه له وتبعته إلى أن كاد يخفى به بعض النعت، فمثل له المسجد حتى نظر إليه فوصفه. ومنها أن يقصد أمرا متفق عله عند ذلك حال من جنس ما هو كائن، فيعلم به عاقبة ذلك الأمر وحاله، كما أنه لما خرج من المدينة أحد، تعلقت قبضة سيف رجل بشيء من رجل غيره، فانسل من غمده، فنظر إليه النبي ﷺ فقال: "هذا يوم ينتفى فيه السيف". فكان كما قال: وموضع الخصوص في هذا أن ما رأى جعل طريقا له إلى العلم، حتى قطع لأجله الحكم. وأما غيره فإن ذلك أن وقع له لم نعده أكثر من ظن لا يغني من الحق شيئا. ومنها أن يشاهد من دابته حالا بغير معهود له منها فيستدل بذلك على الأمر الذي قصد تغيير شحها حتى كان منها ما كان، كما روى عن غزوة الحديبية: أن ناقة رسول الله ﷺ تركت، فقال الناس: حلاب ناقة رسول الله ﷺ، فقال: ما حلاب، وما ذلك لها بخلق، ولكل حبسها حابس الفيل عن مكة، فاعلم بترو كما من غير أن كان الحران خلقا لها أو سمع رأيه، ففزعت منه، أو كلال أصابها فأوهى قواها، أن ذلك صد من الله تعالى عن مكة أن يدخلها قهرا لئلا يصيب المسلمين من أهلها بالسوء من لا تحره إصابته له، ثم أنزل قول ﷿: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات﴾، وتفسير ذلك موجود في موضعه والله أعلم. ومنه أن يكون بينه وبين أحد كلام واختلاف في أمر، فإذا جاء منهم من يخاطبه عنهم، استدل باسمه، مما هو كائن من أمره، كما استدل يوم الحديبية بحي سهيل بن عمرو على أن الصلح واقع بينه وبينهم، ويسهل سبيله إلى مكة، فكان كما وقع له ووقع الصلح في الحال، وأمن الناس ثم عاد العام القابل، فقضى عر به وبلغ مراده والحمد لله.

الصلح واقع بينه وبينهم، ويسهل سبيله إلى مكة، فكان كما وقع له ووقع الصلح في الحال، وأمن الناس ثم عاد العام القابل، فقضى عر به وبلغ مراده والحمد لله.

ومنها أن يهتم بأمر فيرفع له صورة حسنة، ويجعل له مثلا يعلم به حسن استمرار ذلك الأمر له، ويأتيه على ما يريده، كما روي أن حلفاءه من مكة لما جاؤوه يشكون قريشا إليه، ويذكرون أنهم نقضوا العهد، نظر إلى سحابة بيضاء فقال: أن هذه السحابة لتسهل بنصر بتي كعب، ويحتمل أن تلك السحابة كانت تضيء إضاءة فوق المعتاد من مثلها، وكان في مرها تنجو مكة، فعلم أنها مثل ضرب لمصيبة إليها، وإشراقها بنور دعوته، وحيرة قلوب أهلها بتركه، كما تحيا الأرض بالمطر النازل من السحاب والله أعلم. ومنها الرؤية وهي تبشير أو إنذار أو تعليم، وربما الأنبياء صلوات الله عليهم يفارق رؤيا غيرهم من أوجه، أحدهما: أن ما استوي منها واعتدل وانتظم بعضها ببعض حتى صار للتأويل بحا محال صدق منهم بكل حال، وأما غيرهم فقد يصدق منهم وقد لا يصدق، ولهذا قال النبي ﷺ: "إذا تقارب الزمان لم نكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا. وهذا والله أعلم أن النبي لا يكذب ولا يكذب فلا يكذب أن رؤياهم كانت منهم قبل نفسهم فكذبته نفسه، فإن نفسه معصومة من الكذب ومن الهم به، وليس وراء ذلك إلا أن يقال: أنها من الله ﷿ فهو تبارك اسمه من الكذب أبعد. والوجه الآخر الذي يجوز أن يعلم للإحكام في منامه، ولا يجوز ذلك لغيره ممن ليس بنبي كما يوحى إليه بذلك في يقظته، ولا يكون ذلك لغير نبي. والوجه الثالث: يجوز أن يضرب من الأمثال الدقيقة الغامضة ما لا يضرب لغيره لأنه بقوة عقله وذكاء فهمه وسداد رأيه يكمل لإدراكها، ولا يتسع ذلك لمن لا يكائفه في أحواله. فإن قال قائل: إذا كانت الرؤيا الصالحة جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة، فلم جاز أن يكون للكافر فيها نصيب، ونفسه ليست موضعا للنبوة وقد ذكر جالينوس: أنه عرض له قدم في الموضع الذي يتصل بالكبد منه بالحجاب فأمره الله جل ثناؤه في المنان أن يفصد العرق الضارب من كفه اليسرى ففعل ذلك وبرا!

فالجواب: أن الكافر لم يكن موضعا للنبوة، وليس كل مؤمن أيضا موضعا لها، ثم لم يمتنع أن يرى "المؤمن الذي لا يجوز أن يكون نبيا في منامه ما يعود عليه بخير في دنياه. فكذلك لا يمتنع أن يرى الكافر مثل ذلك، ولمعني فيه الرؤيا الصالحة وإن كانت جزءا من النبوة فليس بانفرادها نبوة، كما ليست كل شعبة من شعب الإيمان بانفرادها إيمانا، ولا كل جزء من الصلاة بانفرادها صلاة والله أعلم. ومنها فراسة الأنبياء وهي لا تخطئ كما رؤى أن البيضاء بنت عبد المطلب كانت تحت كرر فلما ولدت عامرا، أتت به النبي ﷺ فتأمله، ثم قال: "ما في هذا من عبد مناف مولودا أشد حمقا منه". فبلع من حمقه أنه ورد على ابنه عبد الله وهو أمير البصرة أيام عثمان فرآه يخطب. حتى مثل بين يديه فقال: "أيها الناس أن هذا ابني وأنا أسن منه، وخرج من هذا وأشار إلى ذكره". وأما فراسة المؤمن غير الأنبياء فقد تخطئ وقد تصيب، ومنها ما روي أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "إني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي". وهذا يحتمل أن يكون على معنى أنهم إذ كانوا على حال يريد الله تعالى أن يطلع نبيه عليها ولا يغيب عنه علمها، مثلهم له فرآهم، ووقف على ما هم عليه، ويكون ذل عياله شهادة ليقع العلم به ضرورة، وإذا أخبر الناس به، كان ذلك مما يزيدهم إيمانا، وصار من جملة دلائله وبيناته، ويكون مجاز قوله: "إني أراكم خلفي" أي إني أراكم وأنت خلفي والله أعلم. ومنها اطلاعه على فعل يكون من الملائكة بأحد من أمته ليبحث عن سيئة، فيعلمه ويخبر بما رأى أصحابه، فيكون ذلك أحد حججه وبيناته، كما روي أن حنظلة الراهب لما أصيب بأحد قال للنبي ﷺ: "إني رأيت الملائكة تغسله بصحاف الفضة بين السماء والأرض، فسال أبو أسيد عن حاله فذهبنا إليه وأبصرناه: فإذا رأسه تقطر ماء قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته. فأرسل إلى امرأته وأستخبرها عن حاله، فذكرت أنه واقعها ثم خرج إلى أحد وهو جنب".

إليه وأبصرناه: فإذا رأسه تقطر ماء قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته. فأرسل إلى امرأته وأستخبرها عن حاله، فذكرت أنه واقعها ثم خرج إلى أحد وهو جنب".

ومنها تيسيره حلال عرض له وجهد أصابه بآيات يجعلها مثلا لفتوح وخيرا مستقبلة، ويريه إياها ليسلوا بها قلبه، ويوقف عليها أصحابه، فيثبتهم بذلك، ويقوى على الصبر عزائمهم، كما روى أنه: كانوا يحفرون الخندق فعنت صخرة لهم أعيتهم، فرضها رسول الله ﷺ بالمعول ثلاث ضربات، وظهرت من كل ضربة برقة، فذهبت أولاها اليمن والثانية إلى الشام والثالثة إلى المشرق، وكان أصحابه يتبعونها أبصارهم. فقال لهم: "أن هذه فتوح يفتحها الله تعلى عليكم". فهذا يدخل في التعليم من حيث أنه خبر عن كائن هذه، وقد ظهر فيه صدقه، فالتحق بجملة دلائله وبيناته والله أعلم. ومنها الزيادة في بصيرته بإنطاق الجماد الذي لم يلحق له منطق في أصله، لتنزاح الخواطر عن قلبه ويستيقن حتى يداني المضطر أنه رسول الله ﷺ. كما روي أنه لما استعان له جبريل، لم يكن يمر على حجر ولا مدر إلا ناداه: "السلام عليك يا رسول الله". وإن الجن قالوا له بمكة: "من يشهد أنك رسول الله؟ فقل: تلك السمرة، ثم قال لسمرة منها: من أنا؟ فقالت: رسول الله! ". فهذه اثنان وثلاثون وجها أحصيها للخصوص الواقع من جهة العلم. وهذه أربعة عشر وجها أحصيها للخصوص الواقع في المعلومات: منها ما حكاه الله ﷿ عن سليمان ﵇ من قوله: ﴿يا أيها لناس علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين﴾، ويحتمل أنه كانت مناطق سيمان بنغمتها وأصواتها فيلهمه الله ﷿ مرادها. وغنما بينا هذا لأن قوله: ﴿علمنا منطق الطير﴾ يدل على أنها كانت لا تفارق عادتها في مناطقته، ولم يبلغنا أنه كان يفارق عادته إذا ناطقها، فكان الأشبه بذلك ما وصفت الله أعلم. وأما نبينا صلوات الله عليه قد جمع له بين الأمرين فشكى إليه الجمل بحنينه، والعبير برغائه، وعفه ﷿ شكواها، وسأله الذئب بعوائه فأجابه بإيمانه. وأما الطبية فأنها كلمته بكلام الأنس وأخبرته بأنها صديت بالأمس ولها خشف صغير، وسألته أن يأمر بتخليتها لترضع خشفها ثم ترجع. إنما يعرف مثل هذا بالروايات والله أعلم.

أنها كلمته بكلام الأنس وأخبرته بأنها صديت بالأمس ولها خشف صغير، وسألته أن يأمر بتخليتها لترضع خشفها ثم ترجع. إنما يعرف مثل هذا بالروايات والله أعلم.

ومنها اطلاع النبي ﷺ على المعاد الذي يصير الناس إليه في الآخرة، ليعلم عظم نعم الله تعالى عليه وعلى الناس به، وإذا كان بعثه إليهم ليدعوهم إلى النعيم الذي أراه بعضة في الجنة ويستنقذهم من النار التي أراه إياها، ويزداد جداً وجهداً الشفقة على الأمة وذلك قوله ﷺ: (دخلت الجنة فرأيت فيها نبقاً كقلال هجر)، وذكره لعمر ﵁ أنه رأى قصراً من ذهب وسأل عنه فقيل لعمر. ووصفة النار ومن رأى فيها من عمرو ابن يحيى والمرأة المعذبة على حبس الهرة وحبس الطعام عنها حتى ماتت، وغير ذلك. ومنها تعليمه الرؤيا حتى لم يكن في وقته ولا بعده احد أبصر منه بتأويل الرؤيا. ويقال: أنه لم يكن فيمن خلا أعلم بالتأويل من إبراهيم الخليل صلوات الله عليه. والتأويل وإن كان قد أوتي منه كثير من الناس، فان تأويلهم قد يخطئ وتأويل النبي ﷺ لا يخطئ والله أعلم. ومنها تعليم الله ﷿ آدم ﵇ الأسماء كلها، وذلك أنه كان خلقه ليحدث النسل وليسكنهم الأرض فيعمروها، وعلى أنه يعرض لهم أحوال لا يستغنى بعضهم فيها عن اطلاع غيره على ما هو عنده، ليتعاونوا على اللف التي هم يحتاجون إليها، وتنزاح عليهم بعضهم لبعض، فعلمه البيان وخلق فيه النطق وعلمه الأسماء كلها، فأخذ من أخذ ذلك من ولده عنه، ثم لم يزل يأخذ كل أحد عن غيره، ولم يبتدئ أحد منهم بتعليم كما ابتدأ اله أبو البشر إلا ما روى عن رسول الله ﷺ أول من قال: الآن حمي الوطيس، وجاء باسم الصلاة والإيمان والإسلام والزكاة والجزية والنفاق. ويحتمل أن المبعوثين بالشرائع من الأنبياء كان يقع لهم في كلامهم من لغاتهم مثل هذا. فأما الأصل فإنما خص به آدم ﵇ لأنه كان أبا البشر، ومن فيه نشأت الحاجة، فكذلك على لسنه أزيحت العلة ومنها الهداية إلى وجوه العبادات والديانات والهداية للأحكام ووجوه الحلال، أعني العبادات والأحكام جملة الشريعة التي أرادها الله تعالى بقوله: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴿وهي التي تتفاوت على السنة الرسل لما يعرض فيها من النسخ والتبديل.

ت والأحكام جملة الشريعة التي أرادها الله تعالى بقوله: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴿وهي التي تتفاوت على السنة الرسل لما يعرض فيها من النسخ والتبديل. فأما العبادات فان عظم الغرض في إرسال الرسول إلى الناس دعاهم الله تعالى، ودلالتهم

Bagian 7 dari 42