— Bagian 106 · عْلَمُ الحدود والفرائض، وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ ال… —
Bagian 106
عْلَمُ الحدود والفرائض، وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ الْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ وَلَا يَخْشَى اللَّهَ ﷿.
- ٢٩ - إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ
- ٣٠ - لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ المؤمنين، الذين يتلون كتابه ويؤمنون به، ويعلمون بِمَا فِيهِ مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَالْإِنْفَاقِ مِمَّا رزقهم الله تعالى سراً وعلانية بأنهم ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ أَيْ يَرْجُونَ ثَوَابًا عند الله لا بد من حصوله، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي ليوفيهم ثواب ما عملوه وَيُضَاعِفَهُ لَهُمْ بِزِيَادَاتٍ لَمْ تَخْطُرْ لَهُمْ، ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ أَيْ لِذُنُوبِهِمْ، ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْقَلِيلِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مُطَرَّفُ ﵀ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: هَذِهِ آيَةُ الْقُرَّاءِ.
-
٣١ - وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ⦗١٤٧⦘ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْكِتَابِ وَهُوَ الْقُرْآنُ ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أَيْ مِنَ الكتب المتقدمة يصدقها، كا شهدت هي لَهُ بِالتَّنْوِيهِ وَأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ هُوَ خَبِيرٌ بِهِمْ بَصِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مَا يُفَضِّلُهُ بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ، وَلِهَذَا فَضَّلَ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ عَلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ، وَفَضَّلَ النَّبِيِّينَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ، وَجَعَلَ مَنْزِلَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوْقَ جَمِيعِهِمْ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
-
٣٢ - ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
يَقُولُ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلْنَا الْقَائِمِينَ بِالْكِتَابِ الْعَظِيمِ، الْمُصَدِّقُ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وَهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثُمَّ قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وَهُوَ الْمُفَرِّطُ فِي فِعْلِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ، ﴿وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ وَهُوَ الْمُؤَدِّي لِلْوَاجِبَاتِ التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَقَدْ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَيَفْعَلُ بَعْضَ الْمَكْرُوهَاتِ، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ﴾ وَهُوَ الْفَاعِلُ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات، قال ابن عباس فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ورثهم الله تعالى كُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، فَظَالِمُهُمْ يُغْفَرُ لَهُ، وَمُقْتَصِدُهُمْ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَسَابِقُهُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حساب، روى الطبراني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْمُقْتَصِدُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَأَصْحَابُ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عِوَجٍ وَتَقْصِيرٍ.
عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عِوَجٍ وَتَقْصِيرٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ قال: هو الكافر، وقال مجاهد فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ قَالَ: هم أصحاب المشأمة، وقال الحسن وَقَتَادَةَ: هُوَ الْمُنَافِقُ، ثُمَّ قَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ كَالْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَآخِرِهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بعضها بعضاً، ونحن إن شاء الله تعالى نُورِدُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْإِمَامُ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ﴾ قَالَ: «هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهُمْ فِي الجنة» (الحديث غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لم يسم، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ أخرى يتقوى بها هذا الحديث)، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ: أَيْ فِي أَنَّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ فِي الْمَنَازِلِ فِي الجنة. الحديث الثاني: قال الإمام أحمد عن أبي
ذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ فِي الْمَنَازِلِ فِي الجنة. الحديث الثاني: قال الإمام أحمد عن أبي
الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يُحَاسِبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحْبَسُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَرِ، ثُمَّ هم الذين تلافاهم الله بِرَحْمَتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يسمنا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ".
َنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يسمنا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ". الحديث الثالث: قال الحافظ الطبراني عَنْ أُسامة بْنِ زَيْدٍ ﵄: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ الْآيَةَ، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ»، الْحَدِيثُ الرابع: قال ابن أبي حاتم عن عوف بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أمتي ثلاثة أثلاث، فَثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَثُلُثٌ يُمَحَّصُونَ وَيُكْشَفُونَ، ثُمَّ تَأْتِي الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ: وَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، يقول الله تعالى: صَدَقُوا، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا أَدْخِلُوهُمُ الْجَنَّةَ، بِقَوْلِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ وَاحْمِلُوا خَطَايَاهُمْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم وهو غريب جداً كما قال ابن كثير). (أثر عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁.
ى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم وهو غريب جداً كما قال ابن كثير). (أثر عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. قَالَ ابن جرير عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: إن هذه الأمة ثلاث أَثْلَاثٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَثُلُثٌ يَجِيئُونَ بذنوب عظام حتى يقول الله ﷿ مَا هَؤُلَاءِ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ ﵎، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: هَؤُلَاءِ جَاءُوا بِذُنُوبٍ عِظَامٍ إِلَّا أَنَّهُمْ لم يشركوا بك شيئاً، فَيَقُولُ الرَّبُّ ﷿: أَدْخِلُوا هَؤُلَاءِ فِي سعة رحمتي، وتلا عبد الله ﵁ هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الْآيَةَ. أَثَرٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عن عقبة بن صبهان الْهُنَائِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عن قول اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَتْ لِي: «يَا بُنَيَّ هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، أَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
يَةَ، فَقَالَتْ لِي: «يَا بُنَيَّ هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، أَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَيَاةِ والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثراً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى لَحِقَ بِهِ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لنفسه فمثلي ومثلكم، قال فجعلت نفسها ﵂ مَعَنَا»، وَهَذَا مِنْهَا ﵂ مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ السَّابِقَيْنِ بِالْخَيْرَاتِ لِأَنَّ فَضْلَهَا عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ. وقال عوف الأعرابي، عن كعب الأحبار ﵀ قال: إن للظالم لنفسه من هذه الأمة، والمتقصد، وَالسَّابِقَ بِالْخَيْرَاتِ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا - إلى قوله ﷿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ قَالَ: فَهَؤُلَاءِ أهل النار (رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَوْفٍ عن كعب الأحبار)، وعن محمد بن الحنفية ﵁ قَالَ: إِنَّهَا أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، الظَّالِمُ مَغْفُورٌ لَهُ،
وَالْمُقْتَصِدُ فِي الْجِنَانِ عِنْدَ اللَّهِ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ في الدرجات عند الله. فَهَذَا مَا تَيَسَّرَ مِنْ إِيرَادِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْمَقَامِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنَّ الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، والعلماء أَغْبَطُ النَّاسِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِهَذِهِ الرحمة، فإنهم كما روى الإمام أحمد ﵀ عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ من أهل المدينة إلى أبي الدرداء ﵁ وَهُوَ بِدِمَشْقَ، فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ أَيْ أَخِي؟ قَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِحَاجَةٍ؟ قَالَ" لَا. قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قال ﵁، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «من سلك طريقاً يطلب فيها علماً سلك الله تعالى بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالَمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الحِيتان فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالَمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ على سائر الكواكب، وإن الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فمن أخذ به أحذ بحظ وافر» (أخرجه الإمام أحمد ورواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة). وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ (سُورَةِ طه) حَدِيثُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْعُلَمَاءِ إِنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي وَحِكْمَتِي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ وَلَا أُبَالِي».
ِ لِلْعُلَمَاءِ إِنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي وَحِكْمَتِي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ وَلَا أُبَالِي».
- ٣٣ - جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
- ٣٤ - وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
- ٣٥ - الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لغوب
يخبر تعالى أن هَؤُلَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ أَوْرَثُوا الْكِتَابَ المنزل من رب العالمين يوم القيامة، مأواهم جَنَّاتُ عَدْنٍ، أَيْ جَنَّاتُ الْإِقَامَةِ يَدْخُلُونَهَا يَوْمَ معادهم وقدومهم على الله ﷿ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ»
َبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، وَلِهَذَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ في الدنيا فأباحه الله تعالى لهم في الْآخِرَةِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ». وقال: «هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ». وقال ابن أبي حاتم، عن أبي أُمَامَةَ ﵁ حدَّث أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذكر حُلِيَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: «مُسَوَّرُونَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، مُكَلَّلَةٌ بِالدُّرِّ، وَعَلَيْهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ مُتَوَاصِلَةٌ، وَعَلَيْهِمْ تَاجٌ كَتَاجِ الْمُلُوكِ، شَبَابٌ جُرْدٌ مرد مكحولون». ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وَهُوَ الْخَوْفُ مِنَ الْمَحْذُورِ أَزَاحَهُ عَنَّا وَأَرَاحَنَا مِمَّا كُنَّا نَتَخَوَّفُهُ وَنَحْذَرُهُ مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا والآخرة، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحشة في قبورهم ولا نشورهم، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) يَنْفُضُونَ التراب عن رؤوسهم وَيَقُولُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ» (أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عمر مرفوعاً). وروى الطبراني، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحشة في الموت ولا في
القبور وَلَا فِي النُّشُورِ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الصحية ينفضون رؤوسهم مِنَ التُّرَابِ يَقُولُونَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ"، قَالَ ابن عباس: غَفَرَ لَهُمُ الْكَثِيرَ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَشَكَرَ لَهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ يَقُولُونَ: الَّذِي أَعْطَانَا هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، وَهَذَا الْمَقَامَ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّهِ وَرَحْمَتِهِ، لَمْ تَكُنْ أَعْمَالُنَا تُسَاوِي ذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عملُه الجنةَ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تعالى بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أَيْ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا عَنَاءٌ وَلَا إِعْيَاءٌ، والنَصب وَاللُّغُوبُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَبِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ يَنْفِي هَذَا وَهَذَا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا تَعَبَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ وَلَا أَرْوَاحِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْئَبُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْعِبَادَةِ فِي الدُّنْيَا، فَسَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ بِدُخُولِهَا، وَصَارُوا فِي راحة دائمة مستمرة، قال الله ﵎: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُوا هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الخالية﴾.
- ٣٦ - وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ
- ٣٧ - وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نصير
الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نصير
لما ذكر ﵎ حال السعداء شرع في بيان ما للأشقياء، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى﴾، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يحيون»، وقال ﷿: ﴿وَنَادَوْاْ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنكم ماكثون﴾ فهم في حالهم يَرَوْنَ مَوْتَهُمْ رَاحَةً لَهُمْ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مبلسون﴾، وقال جلَّ وعلا: ﴿كلما خبت زنادهم سعيراً﴾، ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إلا عذاباً﴾، ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كفور﴾ أي هذا الجزاء كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِرَبِّهِ وَكَذَّبَ بِالْحَقِّ، وَقَوْلُهُ جلت عظمته: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أَيْ يُنَادُونَ فِيهَا يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ﷿ بِأَصْوَاتِهِمْ: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أَيْ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَعْمَلُوا غَيْرَ عَمَلِهِمْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ عَلِمَ الرَّبُّ ﷻ أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا ﴿لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فَلِهَذَا لَا يُجِيبُهُمْ إلى سؤالهم، ولذا قال ههنا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير﴾؟ أي أو ما عِشْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَعْمَارًا،
سؤالهم، ولذا قال ههنا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير﴾؟ أي أو ما عِشْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَعْمَارًا، لَوْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِالْحَقِّ لَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فِي مُدَّةِ عُمْرِكُمْ؟ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ الْعُمُرِ الْمُرَادِ ههنا، فروي أنه مقدار سبع عشرة سنة (هذا قول علي ابن الحسين زين العابدين ﵄، وَقَالَ قَتَادَةُ: اعْلَمُوا أَنَّ طُولَ الْعُمُرِ حُجَّةٌ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نُعَيَّرَ بِطُولِ الْعُمُرِ، قَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ وَإِنَّ فِيهِمْ لِابْنِ ثَمَانِي عشرة سنة، وقال وهب بن منبه ﴿أَوَلَمْ
نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ قَالَ: عشرين سنة، وقال الحسن: أربعين سنة، وقال مسروق: إِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ مِنَ اللَّهِ ﷿ (وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ ابن عباس ﵄. وروى ابن جرير عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: العمر الذي أعذر الله لابن آدَمَ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة، وهذا هو اختيار ابن جرير، ثم روي عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ لِابْنِ آدَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ سِتُّونَ سَنَةً، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أصح عن ابن عباس ﵄، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْضًا، لِمَا ثبت في ذلك من الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لقد أعذر الله تعالى إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سبعين سنة، لقد أعذر الله تعالى إليه، لقد أعذر الله تعالى إليه» (أخرجه الإمام أحمد وفي لفظ للنسائي «من عمّره الله تعالى سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ». وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْذَرَ اللَّهُ ﷿ إِلَى امْرِئٍ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة»، وفي رواية: «مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ الله ﷿ إليه في العمر» (أخرجه ابن أبي حاتم والإمام أحمد). وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعُمُرَ الطَّبِيعِيَّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَالْإِنْسَانُ لَا يَزَالُ فِي ازْدِيَادٍ إِلَى كَمَالِ السِّتِّينَ، ثُمَّ يَشْرَعُ بَعْدَ هَذَا فِي النَّقْصِ وَالْهَرَمِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا بَلَغَ الْفَتَى سِتِّينَ عَامًا * فَقَدْ ذَهَبَ الْمَسَرَّةُ وَالْفَتَاءُ.
رَعُ بَعْدَ هَذَا فِي النَّقْصِ وَالْهَرَمِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا بَلَغَ الْفَتَى سِتِّينَ عَامًا * فَقَدْ ذَهَبَ الْمَسَرَّةُ وَالْفَتَاءُ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا هُوَ الْعُمُرُ الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به، ويزيح عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَانَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَعْمَارِ هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وأقلهم من يجوز ذلك» (أخرجه الترمذي وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ). وقوله تعالى: ﴿وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وقتادة أَنَّهُمْ قَالُوا: يَعْنِي الشَّيْبَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَعَبْدُ الرحمن بن زيد: يعني بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأولى﴾ وهذا هو الصحيح عن قتادة أَنَّهُ قَالَ: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالْعُمُرِ وَالرُّسُلِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أَيْ لَقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْحَقَّ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ فَأَبَيْتُمْ وَخَالَفْتُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وَقَالَ ﵎: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ * فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ أَيْ فَذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ، جَزَاءً عَلَى مُخَالَفَتِكُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي مدة أعمالكم، فَمَا لَكَمَ الْيَوْمَ نَاصِرٌ يُنْقِذُكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْأَغْلَالِ.
ُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي مدة أعمالكم، فَمَا لَكَمَ الْيَوْمَ نَاصِرٌ يُنْقِذُكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْأَغْلَالِ.
- ٣٨ - إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
- ٣٩ - هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي ⦗١٥٢⦘ الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا
يُخْبِرُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ ما تكنه السرائر، ما تنطوي عَلَيْهِ الضَّمَائِرُ، وَسَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، ثُمَّ قال ﷿ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ يخلف قوم لآخرين وجيل لجيل قبلهم، ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أَيْ فَإِنَّمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَاّ مَقْتاً﴾ أَيْ كُلَّمَا اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ أَبْغَضُهُمُ اللَّهُ تعالى، وَكُلَّمَا اسْتَمَرُّوا فِيهِ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُمْ كُلَّمَا طَالَ عُمُرُ أَحَدِهِمْ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُ وَمَنْزِلَتُهُ فِي الْجَنَّةِ وَزَادَ أَجْرُهُ، وَأَحَبَّهُ خَالِقُهُ وَبَارِئُهُ رَبُّ العالمين.
- ٤٠ - قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَّا غُرُورًا
- ٤١ - إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُورًا
يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ﴾ أَيْ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ كتاباً بما يقولونه مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ﴿بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَاّ غُرُوراً﴾ أَيْ بَلْ إِنَّمَا اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ أَهْوَاءَهُمْ وَأَمَانِيَّهُمُ الَّتِي تَمَنَّوْهَا لِأَنْفُسِهِمْ، وَهِيَ غُرُورٌ وَبَاطِلٌ وَزُورٌ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ، الَّتِي بِهَا تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَنْ أَمْرِهِ، وَمَا جُعِلَ فِيهِمَا مِنَ الْقُوَّةِ الْمَاسِكَةِ لَهُمَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ أَيْ أَنْ تَضْطَرِبَا عَنْ أَمَاكِنِهِمَا كَمَا قال ﷿ ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾، ﴿وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَوَامِهِمَا وَإِبْقَائِهِمَا إِلَّا هُوَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حَلِيمٌ غَفُورٌ،
آ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَوَامِهِمَا وَإِبْقَائِهِمَا إِلَّا هُوَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حَلِيمٌ غَفُورٌ، أَيْ يَرَى عِبَادَهُ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِهِ وَيَعْصُونَهُ، وَهُوَ يَحْلُمُ فَيُؤَخِّرُ وَيَنْظُرُ وَيُؤَجِّلُ وَلَا يَعْجَلُ، ويستر آخرين ويغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إن الله تعالى لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
- ٤٢ - وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَاّ نُفُورًا
- ٤٣ - اسْتِكْبَارًا فِي الأرض ومكر السيء وَلَا يَحِيقُ المكر السيء إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
لَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ أَنَّهُمْ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قَبْلَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِمْ ﴿لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ أَيْ مِنْ جَمِيعِ الأمم الذين أرسل إليهم الرسل، كقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وهدى ورحمة﴾، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ المخلصين. فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يعلمون﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِمَا أُنْزِلَ مَعَهُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُبِينُ ﴿مَّا زَادَهُمْ إِلَاّ نُفُوراً﴾ أي ما زادوا إِلَّا كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ بيَّن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أَيِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتباع آيات الله، ﴿وَمَكْرَ السيء﴾ أَيْ وَمَكَرُوا بِالنَّاسِ فِي صَدِّهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْ سبيل الله، ﴿وَلَا يَحِيقُ المكر السيء إِلَاّ بِأَهْلِهِ﴾ أَيْ وَمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: ثَلَاثٌ مِنْ فَعَلَهُنَّ لَمْ يَنْجُ حَتَّى يَنْزِلَ بِهِ، مِنْ مَكْرٍ، أَوْ بَغْيٍ، أَوْ نَكْثٍ، وَتَصْدِيقُهَا فِي كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ المكر السيء إِلَاّ بِأَهْلِهِ﴾، ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ﴾، ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ﴾، وقوله ﷿: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يَعْنِي عُقُوبَةَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ،
، وقوله ﷿: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يَعْنِي عُقُوبَةَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ أَيْ لَا تُغَيَّرُ وَلَا تُبَدَّلُ بَلْ هِيَ جَارِيَةٌ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مُكَذِّبٍ ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ أَيْ ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ ولا يكشف ذلك عنهم ولا يتولهم عنهم أحد، والله أعلم.
- ٤٤ - أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيرًا
- ٤٥ - وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا
يَقُولُ تعالى: قل يا محد لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ، بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ، سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، كَيْفَ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فخلت مِنْهُمْ مَنَازِلُهُمْ، وَسُلِبُوا مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النعيم، بَعْدَ كَمَالِ الْقُوَّةِ وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، فَمَا أَغْنَى ذَلِكَ شَيْئًا وَلَا دَفَعَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، لأنه تعالى لا يعجزه شيء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ أَيْ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، قَدِيرٌ عَلَى مَجْمُوعِهَا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ أَيْ لَوْ آخَذَهُمْ بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ لَأَهْلَكَ جميع أهل السماوات والأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق، قال سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ أَيْ لَمَا سَقَاهُمُ الْمَطَرُ فَمَاتَتْ جَمِيعُ الدَّوَابِّ ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ وَلَكِنْ يُنْظِرُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُحَاسِبُهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، فَيُجَازِي بِالثَّوَابِ أَهْلَ الطَّاعَةِ، وَبِالْعِقَابِ أهل المعصية، ولهذا قال ﵎: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بصيراً﴾.
- ٣٦ - سورة يس
بِ أَهْلَ الطَّاعَةِ، وَبِالْعِقَابِ أهل المعصية، ولهذا قال ﵎: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بصيراً﴾.
- ٣٦ - سورة يس
[مقدمة] روى الترمذي عَنْ أنَس ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس، وَمَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ القرآن عشر مرات» (أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب)، وروى الحافظ أبو يعلى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ يس فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ مَغْفُورًا له، ومن قرأ حم التي يذكر فيها الدخان أصبح مغفوراً له» (أخرجه الحافظ الموصلي وإسناده جيد كذا قال ابن كثير). وقال ابن حبان في صحيحه عن جندب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ يس فِي لَيْلَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله ﷿ غفر له». وروى الإمام أحمد: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقرأوها على موتاكم» يعني يس (أخرجه أحمد ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه). وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهَا لَا تُقْرَأُ عِنْدَ أَمْرٍ عَسِيرٍ إلا يسره الله تعالى، وَكَانَ قِرَاءَتَهَا عِنْدَ الْمَيِّتِ لِتُنْزِلَ الرَّحْمَةَ وَالْبَرَكَةَ، وليسهل عليه خروج الروح والله تعالى أعلم، قال الإمام أحمد ﵀: كَانَ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَتْ - يَعْنِي يس - عند الميت خفف الله عنه بها، وروى البزار عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أمتي» (أخرجه الحافظ البزار) يعني يس.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
- ١ - يس
- ٢ - وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
- ٣ - إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
- ٤ - عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
- ٥ - تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
- ٦ - لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ
- ٧ - لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الرَّحِيمِ
- ٦ - لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ
- ٧ - لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وهو قول عكرمة والضحاك والحسن وسفيان بن عيينة كذلك) أَنَّ ﴿يس﴾ بِمَعْنَى يَا إِنْسَانُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ الْحَبَشَةِ، وقال زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ أَيِ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خلفه، ﴿إِنَّكَ﴾ أي يَا مُحَمَّدُ ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ عَلَى مَنْهَجٍ وَدِينٍ قَوِيمٍ وَشَرْعٍ مُسْتَقِيمٍ، ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أَيْ هَذَا الصِّرَاطُ وَالْمَنْهَجُ والدين الذي جئت به، تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعِزَّةِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرض﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ يَعْنِي بِهِمُ الْعَرَبَ، فَإِنَّهُ مَّآ أَتَاهُم مِّن نذير من قبله، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَقَدْ وَجَبَ الْعَذَابُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ، بِأَنَّ الله تعالى قَدْ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ وَلَا يصدقون.
- ٨ - إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلَالاً فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ
- ٩ - وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
- ١٠ - وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
- ١١ - إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
- ١٢ - إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٌ
يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّا جَعَلَنَا هَؤُلَاءِ الْمَحْتُومَ عَلَيْهِمْ بالشقاء، كمن جُعِلَ فِي عُنُقِهِ غِلٌّ، فَجَمَعَ يَدَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ تَحْتَ ذَقَنِهِ، فَارْتَفَعَ رَأْسُهُ فَصَارَ مُقْمَحًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ وَالْمُقْمَحُ هُوَ الرَّافِعُ رَأْسَهُ، كَمَا قَالَتْ أُمُّ زَرْعٍ فِي كَلَامِهَا: وَأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ، أَيْ أَشْرَبُ فَأُرْوَى وَأَرْفَعُ رَأْسِي تَهْنِيئًا وَتَرَوِّيًا، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْغِلِّ فِي الْعُنُقِ عَنْ ذِكْرِ اليدين وإن كانت مُرَادَتَيْنِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا * أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يليني.
عُنُقِ عَنْ ذِكْرِ اليدين وإن كانت مُرَادَتَيْنِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا * أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يليني. فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ الشَّرِّ، لَمَّا دل الكلام والسياق عليه، وهكذا هَذَا، لَمَّا كَانَ الْغُلُّ إِنَّمَا يُعْرَفُ فِيمَا جَمَعَ الْيَدَيْنِ مَعَ الْعُنُقِ اكْتَفَى بِذِكْرِ الْعُنُقِ عن اليدين، قال ابن عباس: هو كقوله ﷿: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ أَيْدِيَهُمْ مُوثَقَةٌ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَبْسُطُوهَا بِخَيْرٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ قال: رافعي رؤوسهم وَأَيْدِيهِمْ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، فَهُمْ مَغْلُولُونَ عَنْ كل خير، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾، قَالَ مُجَاهِدٌ عن الحق: ﴿ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً﴾ عَنِ الْحَقِّ فَهُمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الضلالات، وقوله تعالى: ﴿فَأغْشَيْنَاهُمْ﴾ أَيْ أَغْشَيْنَا أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْحَقِّ ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أَيْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِخَيْرٍ وَلَا يهتدون إليه، قال عبد الرحمن بن زيد: جعل الله تعالى هَذَا السَّدَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، فَهُمْ لَا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ، وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ العذاب
صُونَ إِلَيْهِ، وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ العذاب
الأليم﴾، ثم قال: مَن منعه الله تعالى لَا يَسْتَطِيعُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتَ مُحَمَّدًا لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ فَأُنْزِلَتْ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلَالاً - إِلَى قَوْلِهِ - فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ هَذَا مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: أَيْنَ هُوَ أَيْنَ هُوَ؟ لَا يُبْصِرُهُ (أخرجه ابْنُ جَرِيرٍ). وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَهُمْ جُلُوسٌ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّكُمْ إِنْ تَابَعْتُمُوهُ كُنْتُمْ مُلُوكًا فَإِذَا مُتُّمْ بُعِثْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ، وَكَانَتْ لَكُمْ جِنَانٌ خَيْرٌ مِنْ جِنَانِ الْأُرْدُنِّ، وَأَنَّكُمْ إِنْ خَالَفْتُمُوهُ كَانَ لَكُمْ مِنْهُ ذَبْحٌ ثُمَّ بُعِثْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ وَكَانَتْ لكم ناراً تُعَذَّبُونَ بِهَا، وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ وَفِي يَدِهِ حفنة من تراب، وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه، فجعل يذرها على رؤوسهم وَيَقْرَأُ: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ - حَتَّى انْتَهَى إِلَى قوله تعالى - وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ وَبَاتُوا رُصَدَاءَ عَلَى بَابِهِ حَتَّى خَرَجَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ خَارِجٌ مِنَ الدَّارِ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: نَنْتَظِرُ مُحَمَّدًا، قَالَ: قَدْ خَرَجَ عَلَيْكُمْ، فما بقي منكم من رجل إلا وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، فَجَعَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَنْفُضُ مَا عَلَى رَأْسِهِ مِنَ التُّرَابِ، قَالَ: وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ: «وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ إِنَّ لَهُمْ مِنِّي لذبحاً وإنه لآخذهم».
سِهِ مِنَ التُّرَابِ، قَالَ: وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ: «وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ إِنَّ لَهُمْ مِنِّي لذبحاً وإنه لآخذهم». وقوله ﵎: ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤمِنُونَ﴾ أَيْ قَدْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلَالَةِ، فَمَا يُفِيدُ فِيهِمُ الْإِنْذَارُ وَلَا يَتَأَثَّرُونَ بِهِ، ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أَيْ إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِإِنْذَارِكَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ﴿الذِّكْر﴾ وَهُوَ القرآن العظيم، ﴿وَخشِيَ الرحمن بالغيب﴾ أَيْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ ﵎، يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَعَالَمٌ بِمَا يفعل، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ أَيْ لِذُنُوبِهِ ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أَيْ كثير واسع حسن جميل كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (أخرجه ابن جرير). ثم قال ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِي قلب من يشآء من الكفار، الذين مَاتَتْ قُلُوبُهُمْ بِالضَّلَالَةِ، فَيَهْدِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ﴾ أَيْ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَفِي قوله تعالى: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نَكْتُبُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي بَاشَرُوهَا بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فيجزيهم عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، كَقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا،
ّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عليها وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» (أخرجه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي وهو طويل وفيه قصة مجتابي النمار المضريين). وهكذا الحديث الآخر: "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ ولدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ من بعده" (أخرجه مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعاً). وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ﴾ قَالَ: مَا أَوْرَثُوا من الضلالة، وقال سعيد بن جبير: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ يَعْنِي مَا أَثَرُوا، يَقُولُ: مَا سَنُّوا مِنْ سُنَّةٍ فَعَمِلَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ بَعْدِ
موتهم، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ الْبَغَوِيِّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ آثَارُ خُطَاهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ أو المعصية، قال مُجَاهِدٍ: ﴿مَا قَدَّمُواْ﴾ أَعْمَالُهُمْ ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ قَالَ: خُطَاهُمْ بأرجلهم (وهو قول الحسن وقتادة). وقال قتادة: لو كان الله ﷿ مُغْفِلًا شَيْئًا مِنْ شَأْنِكَ يَا ابْنَ آدَمَ أغفل ما تغفل الرِّيَاحُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ، وَلَكِنْ أَحْصَى عَلَى ابْنِ آدَمَ أَثَرَهُ وَعَمَلَهُ كُلَّهُ، حَتَّى أَحْصَى هَذَا الْأَثَرَ فِيمَا هُوَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تعالى أو مَعْصِيَتِهِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكْتُبَ أَثَرَهُ في طاعة الله تعالى فَلْيَفْعَلْ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيثُ. الحديث الأول: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلَمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال لَهُمْ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ»، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قد أردنا ذلك، فقال ﷺ: "يَا بَنِي سَلَمَةَ: دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تكتب آثاركم" (أخرجه أحمد والإمام مسلم). الحديث الثاني: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بَنُو سَلَمَةَ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَرَادُوا أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ﴾ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ آثَارَكُمْ تُكْتَبُ» فَلَمْ ينتقلوا (أخرجه ابن أبي حاتم والترمذي وقال الترمذي: حسن غريب). وروى الحافظ البزار، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ بَنِي سَلَمَةَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُعْدَ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ: ﴿وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ﴾ فأقاموا في مكانهم.
لَمَةَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُعْدَ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ: ﴿وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ﴾ فأقاموا في مكانهم. الحديث الثالث: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ بَعِيدَةً مَنَازِلُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَأَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ ﴿وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا في منازلهم (أخرجه الطبراني وهو حديث موقوف). الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمرو رضي لله عنهما قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيَّ ﷺ، وَقَالَ: «يَا لَيْتَهُ مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا تُوُفِّيَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطِعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ» (أخرجه الإمام أحمد والنسائي). وروى ابن جرير عن ثابت قال: مشيت مع أنَس ﵁ فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْنَا رُوَيْدًا، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ قَالَ أنَس: مَشَيْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ، فَقَالَ: يَا أنَس أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ الْآثَارَ تُكْتَبُ؟ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ، بَلْ فِي هَذَا تَنْبِيهٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الأَوْلى وَالْأَحْرَى، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ تُكْتَبُ فَلَأَنْ تُكْتَبَ تِلْكَ الَّتِي فِيهَا قُدْوَةٌ بِهِمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَاللَّهُ أعلم.
َانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ تُكْتَبُ فَلَأَنْ تُكْتَبَ تِلْكَ الَّتِي فِيهَا قُدْوَةٌ بِهِمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَاللَّهُ أعلم. وقوله تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أَيْ وجميع الْكَائِنَاتِ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ مَضْبُوطٍ فِي لوح محفوظ، ﴿والإمام المبين﴾ ههنا هو أم الكتاب، قاله مجاهد وقتادة وكذا في قوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل ناس بِإِمَامِهِمْ﴾ أَيْ بِكِتَابِ أَعْمَالِهِمِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمِلُوهُ من خير أو شر كما قال ﷿: ﴿وَوُضِعَ الكتاب وَجِيءَ بالنبيين والشهداء﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحداً﴾.
- ١٣ - وَاضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ
- ١٤ - إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ
- ١٥ - قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ تَكْذِبُونَ
- ١٦ - قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
- ١٧ - وَمَا عَلَيْنَآ إِلَاّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
ِنْ أَنتُمْ إِلَاّ تَكْذِبُونَ
- ١٦ - قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
- ١٧ - وَمَا عَلَيْنَآ إِلَاّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
يَقُولُ تَعَالَى وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ ﴿مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار: إِنَّهَا مَدِينَةُ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ بِهَا مَلِكٌ يُقَالُ له (أنطيقس) كان يعبد الأصنام، فبعث الله تعالى إليه ثلاثة من الرسل وهم (صادق) و (صدوق) و (شلوم) فكذبهم. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ أَيْ بَادَرُوهُمَا بالكتذيب، ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أَيْ قَوَّيْنَاهُمَا وَشَدَدْنَا أَزْرَهُمَا بِرَسُولٍ ثالث (قال ابن جريج: كان اسم الرسولين (شمعون) و (يوحنا) واسم الثالث (بولص) والقرية انطاكية، وقال ابن كثير: وزعم قتادة أَنَّهُمْ كَانُوا رُسُلَ الْمَسِيحِ ﵇ إِلَى أهل أَنْطَاكِيَةُ)، ﴿فَقَالُوا﴾ أَيْ لِأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ ﴿إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ﴾ أَيْ مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ يأمركم بعبادته وحده لا شريك له، ﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ أَيْ فَكَيْفَ أُوحِيَ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ بَشَرٌ وَنَحْنُ بَشَرٌ! فَلِمَ لَا أُوحِيَ إِلَيْنَا مِثْلَكُمْ؟ وَلَوْ كُنْتُمْ رسلاً لكنتم ملائمة، وهذه شبهة كَثِيرٍ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى عنهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾! أي استعجبوا من ذلك وأنكروه،
بَرَ اللَّهُ تعالى عنهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾! أي استعجبوا من ذلك وأنكروه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾! وَلِهَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ تَكْذِبُونَ * قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ أَيْ أَجَابَتْهُمْ رُسُلُهُمُ الثَّلَاثَةُ قَائِلِينَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّا رُسُلُهُ إِلَيْكُمْ، وَلَوْ كُنَّا كَذَبَةً عَلَيْهِ لَانْتَقَمَ مِنَّا أَشَدَّ الِانْتِقَامِ، وَلَكِنَّهُ سَيُعِزُّنَا وَيَنْصُرُنَا عَلَيْكُمْ وَسَتَعْلَمُونَ لِمَنْ تَكُونُ عَاقِبَةُ الدَّارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شهيداً﴾، ﴿وَمَا عَلَيْنَآ إِلَاّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يَقُولُونَ: إِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُبَلِّغَكُمْ مَا أُرْسِلْنَا بِهِ إِلَيْكُمْ، فإذا أطعتم كانت السَّعَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ لَمْ تُجِيبُوا فَسَتَعْلَمُونَ غِبَّ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
- ١٨ - قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ
- ١٩ - قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أَيْ لَمْ نَرَ عَلَى وُجُوهِكُمْ خَيْرًا فِي عَيْشِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُونَ إِنْ أَصَابَنَا شَرٌّ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِكُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُونَ: لَمْ يَدْخُلْ مِثْلُكُمْ إِلَى قَرْيَةٍ إِلَّا عُذِّبَ أَهْلُهَا ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾، قَالَ قَتَادَةُ: بِالْحِجَارَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالشَّتْمِ ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ عُقُوبَةٌ شَدِيدَةٌ، فَقَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ أَيْ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، كقوله تعالى في قوم فرعون: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله﴾، وَقَالَ قَوْمُ صَالِحٍ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عند الله﴾، وَقَالَ قَتَادَةُ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَيْ أَعْمَالُكُمْ معكم، وقوله تعالى: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾
أي من أجل هذا أَنَّا ذَكَّرْنَاكُمْ وَأَمَرْنَاكُمْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، قَابَلْتُمُونَا بِهَذَا الْكَلَامِ وَتَوَعَّدْتُمُونَا وَتَهَدَّدْتُمُونَا، ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ إِنْ ذكرناكم بالله تطيرتم منا بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ.
ُونَا وَتَهَدَّدْتُمُونَا، ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ إِنْ ذكرناكم بالله تطيرتم منا بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ.
- ٢٠ - وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
- ٢١ - اتَّبِعُوا مَن لَاّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ
- ٢٢ - وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
- ٢٣ - أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَاّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلَا يُنْقِذُونِ
- ٢٤ - إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ
- ٢٥ - إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ
قَالَ وهب بْنِ مُنَبِّهٍ: إِنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ هَمُّوا بِقَتْلِ رُسُلِهِمْ، فَجَاءَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى لِيَنْصُرَهُمْ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: وَهُوَ (حَبِيبٌ) وَكَانَ يعمل الحرير وهو الحباك، وَكَانَ رَجُلًا سَقِيمًا قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ كَسْبِهِ مُسْتَقِيمَ الفطرة (ذكره ابن إسحاق عن كعب الأحبار ووهب بن منبه)، وقال ابن عباس: اسْمُ صَاحِبِ يس (حَبِيبٌ النَّجَّارُ) فَقَتَلَهُ قَوْمُهُ، وقال السدي: كان قصاراً، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي غَارٍ هُنَاكَ، ﴿قال يا قوم اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ يَحُضُّ قَوْمَهُ عَلَى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَتَوْهُمْ ﴿اتَّبِعُوا مَن لَاّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾ أَيْ عَلَى إِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ ﴿وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ فِيمَا يدعونكم إليه عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أَيْ وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّذِي خَلَقَنِي وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أَيْ يَوْمَ الْمَعَادِ فَيُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ،
هُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أَيْ يَوْمَ الْمَعَادِ فَيُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾؟ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ ﴿إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَاّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلَا يُنقِذُونَ﴾ أَيْ هَذِهِ الْآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِهِ، لَا يَمْلِكُونَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا، فَإِنَّ الله تعالى لَوْ أَرَادَنِي بِسُوءٍ، ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هو﴾، وَهَذِهِ الْأَصْنَامُ لَا تَمْلِكُ دَفْعَ ذَلِكَ وَلَا مَنْعَهُ، وَلَا يُنْقِذُونَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ ﴿إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ أَيْ إِنِ اتَّخَذْتُهَا آلهة من دون الله، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: يَقُولُ لِقَوْمِهِ ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أَيْ فَاسْمَعُوا قَوْلِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابُهُ لِلرُّسُلِ بِقَوْلِهِ ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أَيِ الَّذِي أَرْسَلَكُمْ ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أَيْ فَاشْهَدُوا لِي بِذَلِكَ عِنْدَهُ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ خَاطَبَ بِذَلِكَ الرُّسُلَ وَقَالَ لَهُمْ: اسْمَعُوا قَوْلِي لِتَشْهَدُوا لِي بِمَا أَقُولُ لكم عند ربي، إني آمنت بربكم واتبعتكم، وهذا القول أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ ابْنُ إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس: فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَثَبُوا عَلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ يَمْنَعُ عَنْهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلُوا يَرْجُمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَقَعَصُوهُ، وَهُوَ يَقُولُ كَذَلِكَ، فَقَتَلُوهُ ﵀.
- ٢٦ - قيل ادخل الجنة قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
- ٢٧ - بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
- ٢٨ - وَمَآ أَنزَلْنَا على
قَوْمِهِ مِنَ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ
- ٢٩ - إِن كَانَتْ إِلَاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ
قال ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّهُمْ وَطِئُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ حَتَّى خَرَجَ قصه مِنْ دُبُرِهِ، وَقَالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ فدخلها، فهو يرزق فيها قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ سُقْمَ الدُّنْيَا وَحُزْنَهَا وَنَصَبَهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قِيلَ لِحَبِيبٍ النَّجَّارِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قُتِلَ فَوَجَبَتْ لَهُ، فَلَمَّا رَأَى الثَّوَابَ ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَلْقَى الْمُؤْمِنَ إِلَّا نَاصِحًا ولا تَلْقَاهُ غَاشًّا، لَمَّا عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ كرامة الله تعالى ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين﴾ تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين
َنَ مِنْ كرامة الله تعالى ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين﴾ تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وَمَا هَجَمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَصَحَ قومه في حياته بقوله: ﴿يا قوم اتبعوا المرسلين﴾، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄، وقال سفيان الثوري عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بِإِيمَانِي بِرَبِّي وَتَصْدِيقِي الْمُرْسَلِينَ، وَمَقْصُودُهُ أَنَّهُمْ لَوِ اطَّلَعُوا عَلَى مَا حَصَلَ لي مِنْ هَذَا الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ، فَلَقَدْ كَانَ حَرِيصًا عَلَى هِدَايَةِ قَوْمِهِ. وقال محمد بن إسحاق، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ (حَبِيبُ بن زيد) الذي كان مسليمة الكذاب قطعه باليمامة، حين جعل يسأل عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فجعل يقول له: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ، فيقول له مسليمة لعنه الله: أَتَسْمَعُ هَذَا وَلَا تَسْمَعُ ذَاكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ عُضْوًا عُضْوًا كُلَّمَا سَأَلَهُ لَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فِي يَدَيْهِ، فَقَالَ كَعْبٌ حِينَ قِيلَ لَهُ اسْمُهُ حَبِيبٌ: وَكَانَ وَاللَّهِ صَاحِبُ يس اسْمَهُ حَبِيبٌ.
لَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فِي يَدَيْهِ، فَقَالَ كَعْبٌ حِينَ قِيلَ لَهُ اسْمُهُ حَبِيبٌ: وَكَانَ وَاللَّهِ صَاحِبُ يس اسْمَهُ حَبِيبٌ. وَقَوْلُهُ ﵎: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنَ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ انْتَقَمَ مِنْ قَوْمِهِ بَعْدَ قَتْلِهِمْ إياه غضباً منه ﵎ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وَقَتَلُوا وَلَيَّهُ، وَيَذْكُرُ ﷿ أَنَّهُ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ وَمَا احْتَاجَ فِي إِهْلَاكِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى إِنْزَالِ جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ، بَلِ الْأَمْرُ كَانَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ (قاله ابن مسعود والمعنى مَا كَاثَرْنَاهُمْ بِالْجُمُوعِ، الْأَمْرُ كَانَ أَيْسَرَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ)، ﴿إِن كَانَتْ إِلَاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ فأهلك الله تعالى ذَلِكَ الْمَلِكَ، وَأَهْلَكَ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ فَبَادُوا عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ، وَقِيلَ: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ أَيْ وَمَا كُنَّا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْأُمَمِ إِذَا أَهْلَكْنَاهُمْ، بَلْ نَبْعَثُ عَلَيْهِمْ عَذَابًا يُدَمِّرُهُمْ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تعالى ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنَ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أَيْ مِنْ رِسَالَةٍ أُخرى إليهم (قاله مجاهد وقتادة وقول ابن مسعود أظهر والله أعلم) قَالَ قَتَادَةُ: فَلَا وَاللَّهِ مَا عَاتَبَ اللَّهُ قَوْمَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ ﴿إِن كَانَتْ إِلَاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ لَا تُسَمَّى جُنْدًا. قال المفسرون: بعث الله تعالى إليهم جبريل ﵊، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيْ بَابِ بَلَدِهِمْ، ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هم خامدون عن آخرتهم لم تبق بهم رُوحٌ تَتَرَدَّدُ فِي جَسَدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ
ادَتَيْ بَابِ بَلَدِهِمْ، ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هم خامدون عن آخرتهم لم تبق بهم رُوحٌ تَتَرَدَّدُ فِي جَسَدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ هَذِهِ الْقَرْيَةَ هِيَ (أَنْطَاكِيَةُ) وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ كَانُوا رُسُلًا مِنْ عند المسيح عيسى بن مريم ﵊ كما نص عليه قتادة وغيره، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ظَاهِرَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا رُسُلَ اللَّهِ ﷿ لَا مِنْ جِهَةِ المسيح ﵇ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا



