— Bagian 115 · يَقُولُ تعالى: ومن آيَاتِهِ الدالة على قدرته الب… —
Bagian 115
- ٣٢ - ومن آياته الجوار فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ
- ٣٣ - إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
- ٣٤ - أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ
- ٣٥ - وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ
يَقُولُ تعالى: ومن آيَاتِهِ الدالة على قدرته الباهرة وَسُلْطَانِهِ، تَسْخِيرُهُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ فِيهِ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ ﴿كالأعلام﴾ أي كالجبال، أي هذه فِي الْبَحْرِ كَالْجِبَالِ فِي الْبَرِّ، ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح﴾ أي التي تسير في البحر بِالسُّفُنِ، لَوْ شَاءَ لَسَكَّنَهَا حَتَّى لَا تَتَحَرَّكَ السفن بل تبقى رَاكِدَةً لَا تَجِيءُ وَلَا تَذْهَبُ، بَلْ وَاقِفَةً ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾ أَيْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أَيْ فِي الشدائد ﴿شَكُورٍ﴾ أي في الرخاء. وقوله ﷿ ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أَيْ وَلَوْ شَاءَ لَأَهْلَكَ السُّفُنَ وَغَرَّقَهَا، بِذُنُوبِ أَهْلِهَا الَّذِينَ هُمْ راكبون فيها، ﴿ويعفو عَن كَثِيرٍ﴾ أَيْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَوْ أَخَذَهُمْ بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ لِأَهْلَكَ كُلَّ مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ، وقال بعض علماء التفسير ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أَيْ لَوْ شَاءَ لَأَرْسَلَ الرِّيحَ قَوِيَّةً عَاتِيَةً، فَأَخَذَتِ السُّفُنَ وَأَحَالَتْهَا عَنْ سَيْرِهَا الْمُسْتَقِيمِ، فَصَرَفَتْهَا ذَاتَ الْيَمِينِ أَوْ ذَاتَ الشِّمَالِ، آبِقَةً لَا تَسِيرُ عَلَى طَرِيقٍ ولا إلى جهة مقصد؛ وهذا القول يَتَضَمَّنُ هَلَاكَهَا وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ شَاءَ لَسَكَّنَ الرِّيحَ فَوَقَفَتْ، أَوْ لَقَوَّاهُ فَشَرَدَتْ وَأَبْقَتْ وَهَلَكَتْ، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ يُرْسِلُهُ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ كَمَا يُرْسِلُ الْمَطَرَ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ، وَلَوْ أَنْزَلَهُ كَثِيرًا جِدًّا لَهَدَمَ الْبُنْيَانَ، أَوْ قَلِيلًا لَمَا أَنْبَتَ الزَّرْعَ وَالثِّمَارَ،
رْسِلُ الْمَطَرَ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ، وَلَوْ أَنْزَلَهُ كَثِيرًا جِدًّا لَهَدَمَ الْبُنْيَانَ، أَوْ قَلِيلًا لَمَا أَنْبَتَ الزَّرْعَ وَالثِّمَارَ، حَتَّى إِنَّهُ يُرْسِلُ إِلَى مِثْلِ (بِلَادِ مِصْرَ) سَيْحًا مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى غَيْرِهَا، لِأَنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مَطَرٍ، وَلَوْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ لهدم بنيانهم وأسقط جدرانهم، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أَيْ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْ بَأْسِنَا وَنِقْمَتِنَا، فَإِنَّهُمْ مَقْهُورُونَ بِقُدْرَتِنَا.
- ٣٦ - فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
- ٣٧ - وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ
- ٣٨ - وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
- ٣٩ - وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ
يقول تعالى محقراً لشأن الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَةِ النعيم الفاني بقوله تعالى: ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن
تَصِرُونَ
يقول تعالى محقراً لشأن الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَةِ النعيم الفاني بقوله تعالى: ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن
شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أَيْ مَهْمَا حَصَلْتُمْ زجمعتم فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهِيَ دَارٌ دَنِيئَةٌ فَانِيَةٌ زَائِلَةٌ لَا مَحَالَةَ، ﴿وَمَآ عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أَيْ وثواب الله تعالى خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ بَاقٍ سَرْمَدِيٌّ، فَلَا تقدموا الفاني على الباقي، ولهذا قال تعالى ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أَيُّ لِلَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى تَرْكِ الملاذ في الدنيا ﴿وهم على رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أَيْ لِيُعِينَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ فِي أداء الواجبات وترك المحرمات. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أَيْ سَجِيَّتُهُمْ تقتضي الصفح والعفو عن النَّاسِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ». وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ المعتبة: «ما له تربت يمينه»، وقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أَيِ اتَّبَعُوا رُسُلَهُ وَأَطَاعُوا أَمْرَهُ وَاجْتَنَبُوا زَجْرَهُ، ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ﴾ وَهِيَ أَعْظَمُ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ ﷿، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ لَا يُبْرِمُونَ أَمْرًا حَتَّى يَتَشَاوَرُوا فِيهِ، لِيَتَسَاعَدُوا بِآرَائِهِمْ فِي مِثْلِ الْحُرُوبِ وَمَا جَرَى مجراها، كما قال ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ الآية، ولهذا كان ﷺ يُشَاوِرُهُمْ فِي الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا لِيُطَيِّبَ بِذَلِكَ قُلُوبَهُمْ، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ وَذَلِكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِ الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب، وقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ
مَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ وَذَلِكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِ الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب، وقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ أَيْ فِيهِمْ قُوَّةُ الِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين، بَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْتِقَامِ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مَعَ هَذَا إِذَا قَدَرُوا عَفَوْا، كما عَفَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن أؤلئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، وكذلك عفوه ﷺ عَنْ (غَوْرَثِ بْنِ الْحَارِثِ) الَّذِي أَرَادَ الْفَتْكَ به حين اخترط سيفه وهو نائم، وكذلك عفا ﷺ عَنْ (لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ) الَّذِي سَحَرَهُ ﵇، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَلَا عاتبه مع قدرته عليه؛ والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً والله ﷾ أعلم.
- ٤٠ - وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
- ٤١ - وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ
- ٤٢ - إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
- ٤٣ - وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عزم الأمور
قوله ﵎: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وَكَقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية فَشَرَعَ الْعَدْلَ وَهُوَ (الْقَصَاصُ) وَنَدَبَ إِلَى الْفَضْلِ وهو ﴿العفو﴾ كقوله جلَّ وعلا: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ له﴾، ولهذا قال ههنا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ لَا يَضِيعُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا صَحَّ ذلك في الحديث: «وما زاد الله تعالى عبداً بعفو عزاً» وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أَيِ الْمُعْتَدِينَ وَهُوَ المبتدئ بالسيئة، ثم قال جلَّ وعلا: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ﴾ أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ فِي الانتصار ممن ظلمهم، روى النسائي، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا عَلِمْتُ حَتَّى دَخَلَتْ عليَّ زَيْنَبُ بِغَيْرِ إِذَنٍ وَهِيَ غَضْبَى، ثُمَّ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حَسْبُكَ إِذَا قلبت لك ابنة أبي بكر درعها، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عليَّ، فَأَعْرَضْتُ عَنْهَا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دُونَكِ فَانْتَصِرِي»، فأقبلت عليها حتى رأيت ريقها قد يبس فِي فَمِهَا مَا تَرُدُّ عَلَيَّ شَيْئًا فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَهَلَّلُ
النَّبِيُّ ﷺ: «دُونَكِ فَانْتَصِرِي»، فأقبلت عليها حتى رأيت ريقها قد يبس فِي فَمِهَا مَا تَرُدُّ عَلَيَّ شَيْئًا فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَهَلَّلُ
وجهه" (أخرجه النسائي وابن ماجة واللفظ للنسائي) وروى البزار عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» (أخرجه البزار والترمذي). وقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أَيْ إِنَّمَا الْحَرَجُ وَالْعَنَتُ ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الحق﴾ أي يبدأون النَّاسَ بِالظُّلْمِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «الْمُسْتَبَّانُ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ شديد موجع، ثم إن الله تَعَالَى لَمَّا ذَمَّ الظُّلْمَ وَأَهْلَهُ وَشَرَّعَ الْقَصَاصَ قَالَ نَادِبًا إِلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أَيْ صَبَرَ عَلَى الْأَذَى وَسَتَرَ السَّيِّئَةَ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ أَيْ لَمِنَ الْأُمُورِ الْمَشْكُورَةِ وَالْأَفْعَالِ الْحَمِيدَةِ، الَّتِي عليها ثواب جزيل وثناء جميل. وقال الفضيل بن عياض: "إِذَا أَتَاكَ رَجُلٌ يَشْكُو إِلَيْكَ رَجُلًا فَقُلْ: يَا أَخِي اعْفُ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعَفْوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، فَإِنْ قَالَ: لَا يَحْتَمِلُ قَلْبِي الْعَفْوَ، وَلَكِنْ أَنْتَصِرُ كَمَا أَمَرَنِي اللَّهُ ﷿، فَقُلْ لَهُ: إِنْ كُنْتُ تُحْسِنُ أَنْ تَنْتَصِرَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ إِلَى بَابِ الْعَفْوِ، فَإِنَّهُ بَابٌ وَاسِعٌ، فَإِنَّهُ ﴿مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وَصَاحِبُ الْعَفْوِ يَنَامُ عَلَى فِرَاشِهِ بِاللَّيْلِ، وصاحب الانتصار يقلب الأمور" (رواه ابن أبي حاتم من كلام الفضيل ﵁. وروى الإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إن رجلاً شتم أبا بكر ﵁ وَالنَّبِيُّ صَلَّى
لانتصار يقلب الأمور" (رواه ابن أبي حاتم من كلام الفضيل ﵁. وروى الإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إن رجلاً شتم أبا بكر ﵁ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ، فَجَعَلَ النبي ﷺ يعجب ويبتسم، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقَامَ فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ، وَقُمْتَ، قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ حَضَرَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ»! ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عنها لله إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إلا زاده الله ﷿ بها قلة" (أخرجه أحمد وأبو داود)، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فِي الْمَعْنَى وهو مناسب للصديق ﵁.
- ٤٤ - وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ
- ٤٥ - وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِن الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ
- ٤٦ - وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبَرًا عَنْ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ مَنْ هَدَاهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هادي له، كما قال ﷿: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِدًا﴾، ثم قال ﷿ مُخْبِرًا عَنِ الظَّالِمِينَ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ﴿لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ أي يوم القيامة تمنوا الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا، ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾، كما قال جلَّ
ونَ بِاللَّهِ ﴿لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ أي يوم القيامة تمنوا الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا، ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾، كما قال جلَّ
وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ من المؤمنين﴾، وقوله ﷿ ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أَيْ عَلَى النَّارِ، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أَيِ الَّذِي قَدِ اعْتَرَاهُمْ بِمَا أسلفوا من عصيان الله تعالى ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي ذليل، أَيْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا مُسَارِقَةً خَوْفًا مِنْهَا، وَالَّذِي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أَيْ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيِ الْخَسَارُ الْأَكْبَرُ، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ ذَهَبَ بِهِمْ إلا النار فعدموا لذتهم في دار الأبد، وفرق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم فَخَسِرُوهُمْ، ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ أَيْ دَائِمٍ سَرْمَدِيٍّ أَبَدِيٍّ، لَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عنها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ يُنْقِذُونَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أَيْ لَيْسَ لَهُ خَلَاصٌ.
- ٤٧ - اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ
- ٤٨ - فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَاّ الْبَلَاغُ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ
إِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا يَكُونُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَهْوَالِ وَالْأُمُورِ الْعِظَامِ الْهَائِلَةِ حَذَّرَ مِنْهُ وَأَمَرَ بِالِاسْتِعْدَادِ لَهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ إِذَا أَمَرَ بِكَوْنِهِ، فَإِنَّهُ كَلَمْحِ الْبَصَرِ يَكُونُ، وَلَيْسَ لَهُ دَافِعٌ وَلَا مانع، وقوله ﷿: ﴿مالكم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ ومالكم مِّن نَّكِيرٍ﴾ أَيْ لَيْسَ لَكُمْ حِصْنٌ تَتَحَصَّنُونَ فِيهِ، وَلَا مَكَانٌ يَسْتُرُكُمْ وَتَتَنَكَّرُونَ فِيهِ، فَتَغِيبُونَ عَنْ بَصَرِهِ ﵎، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُمْ بِعِلْمِهِ وَبَصَرِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَلَا مَلْجَأَ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَاّ لَا وَزَرَ * إلى ربك المستقر﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِن أَعْرَضُواْ﴾ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ أَيْ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾، وقال جلَّ وعلا ههنا: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَاّ الْبَلَاغُ﴾ أَيْ إِنَّمَا كَلَّفْنَاكَ أَنْ تُبْلِغَهُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ أَيْ إِذَا أَصَابَهُ رَخَاءٌ وَنِعْمَةٌ فرح بذلك ﴿وإن يصبهم شيئة﴾ يَعْنِي النَّاسَ ﴿سَيِّئَةٌ﴾ أَيْ جَدْبٌ وَنِقْمَةٌ وَبَلَاءٌ وَشِدَّةٌ، ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ أَيْ يَجْحَدُ مَا تقدم من النعم، وَلَا يَعْرِفُ إِلَّا السَّاعَةَ الرَّاهِنَةَ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ نِعْمَةٌ أَشِرَ وَبَطِرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مِحْنَةٌ يَئِسَ وقنط، فالمؤمن كما قال ﷺ: «إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ،
نَةٌ يَئِسَ وقنط، فالمؤمن كما قال ﷺ: «إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا للمؤمن».
- ٤٩ - للَّهِ مُلْكُ السماوات وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ
- ٥٠ - أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عليم قدير
يخبر تعالى أنه خالق السماوات والأرض، ومالكهما والمتصرف فيهما، وَأَنَّهُ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى وَلَا مُعْطِيَ لِمَا منع، وأنه يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً﴾ أي يرزقه البنات فقط ﴿وَيَهَبُ ⦗٢٨٣⦘ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ﴾ أَيْ يَرْزُقُهُ الْبَنِينَ فقط، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ أي ويعطي لمن يشاء الزَّوْجَيْنِ (الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) أَيْ مِنْ هَذَا وَهَذَا، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ أَيْ لَا يُولَدُ له، فَجَعَلَ النَّاسَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: مِنْهُمْ مَنْ يُعْطِيهِ الْبَنَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطِيهِ الْبَنِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يعطيه من النوعين وذكوراً وَإِنَاثًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُهُ هَذَا وَهَذَا، فَيَجَعَلُهُ عقيماً لا نسل له ولا ولد، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أَيْ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ كُلَّ قِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، ﴿قَدِيرٌ﴾ أَيْ عَلَى مَنْ يشآء من تفاوت الناس في ذلك، فَسُبْحَانَ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ.
- ٥١ - وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
- ٥٢ - وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
- ٥٣ - صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
دِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
- ٥٣ - صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
هَذِهِ مَقَامَاتُ الْوَحْيِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَنَابِ الرب جلَّ وعلا، فتارة يَقْذِفُ فِي رَوْعِ النَّبِيِّ ﷺ وحياً لَا يَتَمَارَى فِيهِ إِنَّهُ مِن اللَّهِ ﷿، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقَوُا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»، وقوله تعالى: ﴿أو من ورآء حِجَابٍ﴾ أي كما كلم موسى ﵊، فَإِنَّهُ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ بَعْدَ التَّكْلِيمِ فَحُجِبَ عَنْهَا. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَداً إِلَاّ مَنِ وَرَاءِ حِجَابٍ وَإِنَّهُ كلَّم أَبَاكَ كفاحاً» كذا جاء في الحديث. وكان قَدْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُد وَلَكِنَّ هَذَا فِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ، وَالْآيَةُ إِنَّمَا هِيَ فِي الدَّارِ الدنيا. وقوله ﷿: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَّا يَشَآءُ﴾ كَمَآ ينزل جبريل ﵊ وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فَهُوَ عَلِيٌّ عَلِيمٌ، خَبِيرٌ حكيم.
مَّا يَشَآءُ﴾ كَمَآ ينزل جبريل ﵊ وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فَهُوَ عَلِيٌّ عَلِيمٌ، خَبِيرٌ حكيم. وقوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أَيْ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي شُرِعَ لَكَ فِي الْقُرْآنِ، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ أَيِ الْقُرْآنَ ﴿نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عمى﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَهُوَ الخالق القويم، ثم فسره بقوله تعالى: ﴿صِرَاطِ الله﴾ أَيْ شَرْعُهُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ اللَّهِ، ﴿الَّذِي لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي ربهما ومالكهما والمتصرف فيهما والحاكم الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمور﴾ أي ترجع الأمور فيفضلها ويحكم فيها، سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.
- ٤٣ - سورة الزخرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
- ١ - حم
- ٢ - وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ
- ٣ - إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
- ٤ - وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
- ٥ - أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ
- ٦ - وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ
- ٧ - وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
- ٨ - فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أَيِ البِّين الواضح الجلي، المنزل بلغة أهل العرب التي هي أفصح اللغات، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ أَيْ أَنْزَلْنَاهُ ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أَيْ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، فَصِيحًا وَاضِحًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أَيْ تفهمونه وتتدبرونه، كما قال ﷿: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مبين﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ بَيَّنَ شَرَفَهُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، لِيُشَرِّفَهُ وَيُعَظِّمَهُ وَيُطِيعَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ، فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ﴾ أَيِ الْقُرْآنَ ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أَيِ اللوح المحفوظ ﴿لَدَيْنَا﴾ أي عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أَيْ ذُو مَكَانَةٍ عَظِيمَةٍ، وَشَرَفٍ وَفَضْلٍ ﴿حَكِيمٌ﴾ أَيْ مُحْكَمٌ بَرِيءٌ مِنَ اللَّبْسِ وَالزَّيْغِ، وهكذا كُلُّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى شَرَفِهِ وَفَضْلِهِ، كَمَا قَالَ ﵎: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَا يمسه إلا المطهرون﴾، وقال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كرام بررة﴾، ولهذا استنبط العلماء مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا يَمَسُّ المصحف، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُعَظِّمُونَ الْمَصَاحِفَ، الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْقُرْآنِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فَأَهْلُ الْأَرْضِ بِذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى، لِأَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ، وَخِطَابُهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهِمْ،
الْقُرْآنِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فَأَهْلُ الْأَرْضِ بِذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى، لِأَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ، وَخِطَابُهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أَحَقُّ أَنْ يُقَابِلُوهُ بِالْإِكْرَامِ وَالتَّعْظِيمِ، وَالِانْقِيَادِ له بالقبول والتسليم، لقوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، وقوله ﷿: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾؟ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهَا فَقِيلَ مَعْنَاهَا: أَتَحْسَبُونَ أَنْ نَصْفَحَ عَنْكُمْ فَلَا نُعَذِّبَكُمْ، وَلَمْ تفعلوا ما أمرتم به (وهو قول مجاهد والسدي)، قاله ابن عباس واختاره ابن جرير، وقال قتادة: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حِينَ ردته أوائل هذا الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عَلَيْهِمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ لَطِيفُ الْمَعْنَى جِدًّا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ
وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ لَطِيفُ الْمَعْنَى جِدًّا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ
فِي مَعْنَاهُ: إِنَّهُ تَعَالَى مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الْحَكِيمِ وَهُوَ (الْقُرْآنُ) وَإِنْ كَانُوا مُسْرِفِينَ مُعْرِضِينَ عنه، بل أمر ليهتدي به مَنْ قَدَّرَ هِدَايَتَهُ، وَتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ كتب شقاوته، ثم قال جلَّ وعلا مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ كذبه من قومه ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ أَيْ فِي شِيَع الْأَوَّلِينَ ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ يُكَذِّبُونَهُ وَيَسْخَرُونَ به، ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ أَيْ فَأَهْلَكْنَا الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ، وَقَدْ كَانُوا أَشَدَّ بَطْشًا مِنْ هَؤُلَاءِ المكذبين لك يا محمد، كقوله ﷿: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وأشد قوة﴾، والآيات في ذلك كثيرة جداً. وقوله ﷻ ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: سُنَّتُهُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: عُقُوبَتُهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: عِبْرَتُهُمْ: أَيْ جَعَلْنَاهُمْ عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ أَنْ يُصِيبَهُمْ ما أصابهم، كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخرين﴾، وكقوله جلَّت عظمته: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾، وقوله: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾.
- ٩ - وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
- ١٠ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
- ١١ - وَالَّذِي نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ - ١٢ - وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ
- ١٣ - لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
- ١٤ - وَإِنَّآ إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَ يَا مُحَمَّدُ، هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ العابدين معه غيره ﴿مَّنْ خَلَقَ السماوات وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أَيْ لَيَعْتَرِفُنَّ بأن الخالق لذلك هو الله وحده، وَهُمْ مَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، مِنَ الأصنام والأنداد، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ أَيْ فِرَاشًا قراراً ثابتة، تسيرون عليها وتقومون وتنامون، مَعَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ، لَكِنَّهُ أرساها بالجبال لئلا تميد، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أَيْ طُرُقًا بَيْنَ الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أَيْ فِي سَيْرِكُمْ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، ﴿وَالَّذِي نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أَيْ بِحَسَبِ الْكِفَايَةِ لِزُرُوعِكُمْ وَثِمَارِكُمْ، وَشُرْبِكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ، ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أَيْ أَرْضًا مَيْتَةً، فَلَمَّا جَاءَهَا الْمَاءُ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كل زوج بهيج، ثم نَّبه تعالى بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَادِ يَوْمَ الْمَعَادِ بَعْدَ مَوْتِهَا فَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
نْ كل زوج بهيج، ثم نَّبه تعالى بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَادِ يَوْمَ الْمَعَادِ بَعْدَ مَوْتِهَا فَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. ثُمَّ قَالَ ﷿: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أَيْ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ سَائِرِ الْأَصْنَافِ، مِنْ نَبَاتٍ وَزُرُوعٍ وثمار وغير ذلك، وَمَن الْحَيَوَانَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا، وَأَصْنَافِهَا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ﴾ أَيِ السُّفُنِ ﴿وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ أَيْ ذَلَّلَهَا لَكُمْ وسخَّرها وَيَسَّرَهَا، لِأَكْلِكُمْ لُحُومَهَا وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها، ولهذا قال جلَّ وعلا ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أَيْ لِتَسْتَوُوا مُتَمَكِّنِينَ مُرْتَفِقِينَ ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أَيْ عَلَى ظُهُورِ هَذَا الْجِنْسِ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ فِيمَا سَخَّرَ لَكُمْ ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أَيْ مُقَاوِمِينَ، وَلَوْلَا تَسْخِيرُ اللَّهِ لَنَا هَذَا ما قدرنا عليه.
لُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أَيْ مُقَاوِمِينَ، وَلَوْلَا تَسْخِيرُ اللَّهِ لَنَا هَذَا ما قدرنا عليه.
قال ابن عباس: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ أَيْ مُطِيقِينَ، ﴿وَإِنَّآ إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ أَيْ لَصَائِرُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَمَاتِنَا، وَإِلَيْهِ سَيْرُنَا الْأَكْبَرُ، وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِسَيْرِ الدُّنْيَا عَلَى سَيْرِ الْآخِرَةِ، كَمَا نَبَّهَ بِالزَّادِ الدُّنْيَوِيِّ على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ وَبِاللِّبَاسِ الدُّنْيَوِيِّ عَلَى الْأُخْرَوِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾. (ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عِنْدَ رُكُوبِ الدَّابَّةِ) (حَدِيثُ علي بن أبي طالب): عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا ﵁ أُتِيَ بِدَابَّةٍ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَيْهَا قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ تعالى ثَلَاثًا وَكَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لي، ثم ضحك، فقلت له: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال ﵁: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فعل مثل ما فعلت، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ ﷺ: "يعجب الرب ﵎ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَيَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غيري" (أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح).
رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَيَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غيري" (أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح). (حديث عبد الله بن عمر): روى الإمام أحمد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ»، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِي هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهم هوّن علينا السفر، واطوِ لنا البعد، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أهلنا». وكان ﷺ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ إن شاء الله، عابدون لربنا حامدون». (أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والإمام أحمد).
- ١٥ - وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عباده جزء إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ
- ١٦ - أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ
- ١٧ - وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ
- ١٨ - أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ
- ١٩ - وَجَعَلُواْ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ
- ٢٠ - وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا افْتَرَوْهُ وَكَذَّبُوهُ، فِي جَعْلِهِمْ بَعْضَ الأنعام لطواغيتهم، وبعضها لله تعالى، وكذلك جعلوا له من الأولاد أَخَسَّهُمَا وَأَرْدَأَهُمَا وَهُوَ الْبَنَاتُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾، وقال جلَّ وعلا ههنا: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، ثم قال جلَّ وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾؟ وَهَذَا إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ تمام الإنكار
علا: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾؟ وَهَذَا إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ تمام الإنكار
فقال جلَّت عظمته: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أَيْ إِذَا بُشِّرَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ بِمَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الْبَنَاتِ، يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ غَايَةَ الْأَنَفَةِ، وَتَعْلُوهُ كَآبَةٌ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ، وَيَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ خَجَلِهِ مِنْ ذَلِكَ، يَقُولُ ﵎: فَكَيْفَ تَأْنَفُونَ أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَتَنْسُبُونَهُ إِلَى الله ﷿؟ ثم قال ﷾: ﴿أو من يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أَيِ الْمَرْأَةُ نَاقِصَةٌ يَكْمُلُ نَقْصُهَا بِلُبْسِ الحلي، منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فهي عاجزة عَييِّة، أَوَ من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم؟ فَالْأُنْثَى نَاقِصَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، فيكمل نقص مظاهرها وصورتها بلبس الحلي، لِيُجْبَرَ مَا فِيهَا مِنْ نَقْصٍ، كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ: وَمَا الْحَلْيُ إِلَّا زِينَةٌ مِنْ نَقِيصَةٍ * يتمِّم مِنْ حُسْنٍ إِذَا الْحُسْنُ قَصَّرا وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفَّراً * كَحُسْنِكِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُزَوّرا
مِنْ نَقِيصَةٍ * يتمِّم مِنْ حُسْنٍ إِذَا الْحُسْنُ قَصَّرا وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفَّراً * كَحُسْنِكِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُزَوّرا وَأَمَّا نَقْصُ معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ وَقَدْ بُشِّرَ بِبِنْتٍ: «ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة». وقوله ﵎: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أَيِ اعْتَقَدُوا فِيهِمْ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَعَالَى قَوْلَهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾؟ أَيْ شَاهَدُوهُ وَقَدْ خَلَقَهُمُ اللَّهُ إِنَاثًا؟ ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أَيْ بِذَلِكَ ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أَيْ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عِبَادَةِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ، الَّتِي هي على صور الملائكة بنات الله، فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عَلَيْهِ. فَجَمَعُوا بَيْنَ أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْخَطَأِ: (أحدهما): جعلهم لله تعالى وَلَدًا، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، (الثَّانِي): دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، فَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً، (الثَّالِثُ): عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الآراء والأهواء، والتقليد للأسراف والكبراء، والخبط في الجاهلية الجهلاء، (الرابع): احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدراً، وَقَدْ جَهِلُوا فِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ جَهْلًا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ مُنْذُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ يَأْمُرُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَنْهَى عَنْ عبادة ما سواه،
هْلًا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ مُنْذُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ يَأْمُرُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَنْهَى عَنْ عبادة ما سواه، قال تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾؟ وقال جلَّ وعلا في هذه الآية: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِّنْ عِلْمٍ﴾ أَيْ بِصِحَّةِ مَا قَالُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ ﴿إِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون ويتقولون، وقال مجاهد: يعني ما يعلمون قدرة الله ﵎ على ذلك.
- ٢١ - أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ
- ٢٢ - بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ
- ٢٣ - وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ
- ٢٤ - قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ
- ٢٥ - فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ، بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِن
قَبْلِهِ﴾ أَيْ مِنْ قبل شركهم، ﴿فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي ليس الأمر كذلك، كقوله ﷿ ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يشركون﴾ أي لم يكن ذلك، ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، سِوَى تَقْلِيدِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ﴿أُمَّةٍ﴾ والمراد بها الدين ههنا، وفي قوله ﵎: ﴿أن هذه أُمتكم أُمّة واحدة﴾، وقولهم ﴿وَإِنَّا على آثَارِهِم﴾ أي وراءهم ﴿مُّهْتَدُونَ﴾ دَعْوَى مِنْهُمْ بِلَا دَلِيلٍ.
راد بها الدين ههنا، وفي قوله ﵎: ﴿أن هذه أُمتكم أُمّة واحدة﴾، وقولهم ﴿وَإِنَّا على آثَارِهِم﴾ أي وراءهم ﴿مُّهْتَدُونَ﴾ دَعْوَى مِنْهُمْ بِلَا دَلِيلٍ. ثُمَّ بَيَّنَ جلَّ وعلا أَنَّ مَقَالَةَ هَؤُلَاءِ قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَيْهَا أَشْبَاهُهُمْ وَنُظَرَاؤُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ فَقَالُوا مِثْلَ مَقَالَتِهِمْ ﴿كَذَلِكَ مَآ أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مجنون﴾ وهكذا قال ههنا: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إننا وجدنا آبائنا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾. ثُمَّ قال ﷿ ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أو لو جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ أَيْ وَلَوْ عَلِمُوا وَتَيَقَّنُوا صِحَّةَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ لَمَا انقادوا لذلك لسوء قَصْدِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أَيْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بِأَنْوَاعٍ من العذاب كما فصله ﵎ فِي قَصَصِهِمْ ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ كَيْفَ بَادُوا وَهَلَكُوا، وَكَيْفَ نَّجى اللَّهُ المؤمنين.
العذاب كما فصله ﵎ فِي قَصَصِهِمْ ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ كَيْفَ بَادُوا وَهَلَكُوا، وَكَيْفَ نَّجى اللَّهُ المؤمنين.
- ٢٦ - وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ
- ٢٧ - إِلَاّ الذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
- ٢٨ - وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
- ٢٩ - بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ
- ٣٠ - وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ
- ٣١ - وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
- ٣٢ - أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
- ٣٣ - وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ
- ٣٤ - وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ
- ٣٥ - وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
َسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ
- ٣٥ - وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد الْأَنْبِيَاءِ، الَّذِي تَنْتَسِبُ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي نَسَبِهَا ومذهبها، وأنه تَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ فَقَالَ: ﴿إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَاّ الذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي هذه الكلمة وَهِيَ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أَيْ جَعَلَهَا دَائِمَةً فِي ذُرِّيَّتِهِ، يَقْتَدِي بِهِ فِيهَا مَنْ هداه الله تعالى، من ذرية أبراهيم ﵊ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي إليها، قال عكرمة ومجاهد ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يَعْنِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ من يقولها، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إلى ما قاله الجماعة، ثم قال جلَّ وعلا: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء﴾ يعني المشركين ﴿وَآبَآءَهُمْ﴾ فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فِي ضَلَالِهِمْ ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ أَيْ بَيِّنُ الرِّسَالَةِ وَالنِّذَارَةِ. ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا
سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ أَيْ كَابَرُوهُ وَعَانَدُوهُ كُفْرًا وَحَسَدًا وَبَغْيًا، ﴿وَقَالُواْ﴾ أَيْ كَالْمُعْتَرِضِينَ عَلَى الَّذِي أَنْزَلَهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أَيْ هَلَّا كَانَ إِنْزَالُ هَذَا الْقُرْآنِ عَلَى رَجُلٍ عَظِيمٍ كَبِيرٍ فِي أَعْيُنِهِمْ؟ ﴿مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ يَعْنُونَ مكّة والطائف (قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة والسدي ومحمد القرظي وابن زيد)، وقد ذكر غير واحد من السلف أنهم أرادوا بذلك (الوليد ابن المغيرة) و (عروة بن مسعود الثَّقَفِيَّ)، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: يَعْنُونَ (عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ) بمكّة و (ابن عَبْدِ يَالِيلَ) بِالطَّائِفِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَنَوْا بِذَلِكَ (الوليد بن المغيرة) و (كنانة بن عمرو الثَّقَفِيَّ)، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ رَجُلٌ كَبِيرٌ مِنْ أي البلديتن كان، قال تعالى رداً عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الِاعْتِرَاضِ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾؟ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ مَرْدُودًا إِلَيْهِمْ، بَلْ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْزِلُهَا إِلَّا عَلَى أَزْكَى الْخَلْقِ قَلْبًا وَنَفْسًا، وَأَشْرَفِهِمْ بَيْتًا، وَأَطْهَرِهِمْ أصلاً، ثم قال ﷿ مُبَيِّنًا أَنَّهُ قَدْ فَاوَتَ بَيْنَ خَلْقِهِ، فِيمَا أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول الفهوم، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقُوَى الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فَقَالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية.
هوم، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقُوَى الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فَقَالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وقوله جلَّت عظمته: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ أي لِيُسَخِّرَ بعضُهم بَعْضًا فِي الْأَعْمَالِ، لِاحْتِيَاجِ هَذَا إلى هذا وهذا إلى هذا، ثم قال ﷿: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أَيْ رَحْمَةُ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الأموال ومتاع الحياة الدنيا، ثُمَّ قال ﷾ ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمّة وَاحِدَةً﴾ أَيْ لَوْلَا أَنْ يَعْتَقِدَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْجَهَلَةِ، إن أعطانا الْمَالَ دَلِيلٌ عَلَى مَحَبَّتِنَا لِمَنْ أَعْطَيْنَاهُ، فَيَجْتَمِعُوا على الكفر لأجل المال ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ﴾ أي سلالم ودرجاً من فضة ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أَيْ يَصْعَدُونَ ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً﴾ أَيْ أَغْلَاقًا عَلَى أَبْوَابِهِمْ ﴿وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أَيْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَكُونُ فِضَّةً ﴿وَزُخْرُفاً﴾ أَيْ وَذَهَبًا، قاله ابن عباس والسدي، ﴿وإنْ كلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أَيْ إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، الزَّائِلَةِ الْحَقِيرَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ يُعَجِّلُ لَهُمْ بِحَسَنَاتِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا مَآكِلَ وَمَشَارِبَ، ليوافوا الآخرة وليس لهم عند الله ﵎ حسنة يجزيهم بها.
أَيْ يُعَجِّلُ لَهُمْ بِحَسَنَاتِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا مَآكِلَ وَمَشَارِبَ، ليوافوا الآخرة وليس لهم عند الله ﵎ حسنة يجزيهم بها. ثم قال ﷾: ﴿وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ هِيَ لَهُمْ خَاصَّةً لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رآه على رمال الحصير، قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِهِ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِيمَا هم فِيهِ، وَأَنْتَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فجلس وقال: «أو في شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» ثُمَّ قَالَ ﷺ: «أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لهم الدنيا ولنا الآخرة»، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ» وَإِنَّمَا خوَّلهم الله تعالى في الدنيا لحقارتها، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ أبداً» (أخرجه الترمذي وابن ماجة عن سهل بن سعد، وقال التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ).
- ٣٦ - وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
- ٣٧ - وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل وَيَحْسَبُونَ
أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
- ٣٨ - حتى إِذَا جاءنا قال يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
- ٣٩ - وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
- ٤٠ - أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
- ٤١ - فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ
- ٤٢ - أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ
- ٤٣ - فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
- ٤٤ - وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ
- ٤٥ - وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أَيْ يَتَعَامَى وَيَتَغَافَلُ وَيُعْرِضُ ﴿عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾، والعشا في العين ضعف بصرها، والمراد ههنا عَشَا الْبَصِيرَةِ، ﴿نقيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أزاغوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ﴾ ولهذا قال ﵎ ههنا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾، ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَنَا﴾ أَيْ هَذَا الَّذِي تَغَافَلَ عن الهدى، إذا وافى الله ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَتَبَرَّمُ بِالشَّيْطَانِ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ ﴿قال يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ وَالْمُرَادُ بالمشرقين ههنا هُوَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ ههنا تغليباً كما يقال: القمران والعُمَران والأبوان، قاله ابن جرير وغيره،
شرقين ههنا هُوَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ ههنا تغليباً كما يقال: القمران والعُمَران والأبوان، قاله ابن جرير وغيره، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أَيْ لَا يُغْنِي عَنْكُمُ اجْتِمَاعُكُمْ فِي النَّارِ وَاشْتِرَاكُكُمْ فِي العذاب الأليم. وقوله جلَّت عظمته: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾؟ أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ، إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، ثم قال تعالى ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ أَيْ لابد أَنْ نَنْتَقِمَ مِنْهُمْ وَنُعَاقِبَهُمْ وَلَوْ ذَهَبْتَ أَنْتَ، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ أي نحن قادرون على هذا ولم يقبض الله تعالى رسول الله ﷺ حتى أَقَرَّ عَيْنَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَحَكَّمَهُ فِي نَوَاصِيهِمْ، واختاره ابن جرير، وقال قتادة: ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَبَقِيَتِ النقمة، ولن يُرِيَ اللهُ ﵎ نبيَّه ﷺ فِي أُمته شَيْئًا يَكْرَهُهُ، حَتَّى مَضَى وَلَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قط إلا وقد رأى الْعُقُوبَةَ فِي أُمته إِلَّا نَبِيَّكُمْ ﷺ، قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ مَا يُصِيبُ أُمته مِنْ بَعْدِهِ، فَمَا رُئِيَ ضَاحِكًا منبسطاً حتى قبضه الله ﷿ (رواه ابن جرير عن قتادة ﵁، ثم قال ﷿: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ خُذْ بِالْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى قَلْبِكَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْحَقُّ وَمَا يَهْدِي إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ، الْمُفْضِي إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، الْمُوصِلِ إلى جنات النعيم.
قَلْبِكَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْحَقُّ وَمَا يَهْدِي إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ، الْمُفْضِي إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، الْمُوصِلِ إلى جنات النعيم. ثم قال ﷻ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾، قِيلَ مَعْنَاهُ لَشَرَفٌ لك ولقومك، وفي الحديث: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُنَازِعُهُمْ فيه أحد إلا أكبَّه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين» (أخرجه البخاري عن معاوية ﵁، ومعناه أَنَّهُ شَرَفٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أُنْزِلَ بَلُغَتِهِمْ، فَهُمْ أَفْهَمُ النَّاسِ لَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا أَقْوَمَ النَّاسِ بِهِ، وَأَعْمَلَهُمْ بِمُقْتَضَاهُ، وَهَكَذَا كَانَ خِيَارُهُمْ وَصَفْوَتُهُمْ مِنَ الْخُلَّصِ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَمَنْ شَابَهَهُمْ وَتَابَعَهُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ ﴿وَإِنَّهُ
لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أَيْ لَتذكيرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ، وَتَخْصِيصُهُمْ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي مَنْ سِوَاهُمْ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أَيْ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ وَكَيْفَ كُنْتُمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهُ، وَقَوْلُهُ ﷾: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾؟ أَيْ جَمِيعُ الرُّسُلِ دَعَوْا إِلَى مَا دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهِ، مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
- ٤٦ - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ
- ٤٧ - فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَضْحَكُونَ
- ٤٨ - وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
- ٤٩ - وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ
- ٥٠ - فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ
ُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ
- ٥٠ - فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ ورسوله ﴿موسى﴾ ﵊، أَنَّهُ ابْتَعَثَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، مِنَ الْأُمَرَاءِ والوزراء والقادة والأتباع مِنَ الْقِبْطِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُ آيَاتٍ عِظَامًا كَيَدِهِ وَعَصَاهُ، وَمَا أَرْسَلَ مَعَهُ مِنَ الطُّوفَانِ وَالْجَرَادِ والقمَّل وَالضَّفَادِعِ وَالدَّمِ، وَمِنْ نَقْصِ الزُّرُوعِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِهَا وَالِانْقِيَادِ لها، وضحكوا ممن جاءهم بها، ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾، وَمَعَ هَذَا مَا رَجَعُوا عَنْ غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَجَهْلِهِمْ وَخَبَالِهِمْ، وَكُلَّمَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ يَضَّرَّعُونَ إِلَى مُوسَى ﵇، وَيَتَلَطَّفُونَ لَهُ فِي الْعِبَارَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ أي العالم (قاله ابن جرير، فليس قولهم ذلك على سبيل الانتقاص، وإنما هو تعظيم في زعمهم كما قال ابن كثير)، وَكَانَ عُلَمَاءُ زَمَانِهِمْ هُمُ السَّحَرَةَ، وَلَمْ يَكُنِ السحر في زمانهم مذموماً عندهم، فَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَعِدُونَ مُوسَى ﵇ إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا به وَيُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ ينكثون ما عاهدوا عليه، وهذا كقوله ﵎: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ * فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾.
ؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ * فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾.
- ٥١ - ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ
- ٥٢ - أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ
- ٥٣ - فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
- ٥٤ - فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
- ٥٥ - فَلَمَّآ آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
- ٥٦ - فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخرين
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَتَمَرُّدِهِ وَعُتُوِّهِ، أَنَّهُ جَمَعَ قَوْمَهُ فَنَادَى فِيهِمْ مُتَبَجِّحًا مُفْتَخِرًا بِمُلْكِ مِصْرَ وَتَصَرُّفِهِ فِيهَا: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾؟ قَالَ قتادة: قد كانت لهم جنات وَأَنْهَارُ مَاءٍ ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؟ أَيْ أَفَلَا تَرَوْنَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْعَظْمَةِ وَالْمُلْكِ؟ يَعْنِي موسى وأتباعه فقراء ضعفاء، وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُ: بَلْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ، وَهَكَذَا قال بعض نحاة البصرة: إن (أم) ههنا بعنى (بل) يعني فرعون لعنه الله بذلك أنه خير من موسى ﵊، وَقَدْ كَذَبَ فِي قَوْلِهِ هَذَا كَذِبًا بَيِّنًا واضحاً، ويعني بقوله ﴿مَهِينٌ﴾ حقير، وقال قتادة: يعني ضعيف، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي لَا مُلْكَ لَهُ وَلَا سُلْطَانَ وَلَا مَالَ، ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ يعني لا يكاد يفصح عن كلامه عييّ حصر، قال السدي: أي لا يكاد يُفْهم، وقال قتادة: يَعْنِي عَيِيَّ اللِّسَانِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي فِي لِسَانِهِ شَيْءٌ مِنَ الْجَمْرَةِ حِينَ وَضَعَهَا فِي فمه وَهُوَ صَغِيرٌ،
ْهم، وقال قتادة: يَعْنِي عَيِيَّ اللِّسَانِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي فِي لِسَانِهِ شَيْءٌ مِنَ الْجَمْرَةِ حِينَ وَضَعَهَا فِي فمه وَهُوَ صَغِيرٌ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ كَذِبٌ وَاخْتِلَاقٌ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الكفر والعناد، فهو ينظر إلى موسى بِعَيْنٍ كَافِرَةٍ شَقِيَّةٍ، وَقَدْ كَانَ مُوسَى ﵇ مِنَ الْجَلَالَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْبَهَاءِ، فِي صُورَةٍ يبهر أبصار ذوي الْأَلْبَابِ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَهِينٌ﴾ كَذِبٌ بَلْ هُوَ الْمَهِينُ الحقير، وموسى هو الشريف الصَّادِقُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ افْتِرَاءٌ أَيْضًا، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ لِسَانَهُ فِي حَالِ صِغَرِهِ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ تِلْكَ الْجَمْرَةِ، فَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ ﷿ أَنْ يَحُلَّ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِهِ لِيَفْقَهُوا قَوْلَهُ، وقد استجاب الله ﵎ له ذلك في قوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا موسى﴾ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ شَيْءٌ لَمْ يَسْأَلْ إِزَالَتَهُ كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِنَّمَا سَأَلَ زَوَالَ مَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْإِبْلَاغُ وَالْإِفْهَامُ، وَفِرْعَوْنُ وَإِنْ كَانَ يَفْهَمُ وَلَهُ عَقْلٌ فَهُوَ يَدْرِي هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّرْوِيجَ عَلَى رَعِيَّتِهِ فإنهم كانوا جهلة أغبياء، وهكذا قوله: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾ وَهِيَ مَا يُجْعَلُ فِي الْأَيْدِي مِنَ الحُليِّ ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ أَيْ يَكْتَنِفُونَهُ خِدْمَةً لَهُ، وَيَشْهَدُونَ بِتَصْدِيقِهِ، نَظَرَ إِلَى الشَّكْلِ الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَفْهَمِ السِّرَّ الْمَعْنَوِيَّ الَّذِي هُوَ أظهر مما نظر إليه لو كان يفهم، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أَيِ اسْتَخَفَّ عُقُولَهُمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ فَاسْتَجَابُوا لَهُ ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾.
َخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أَيِ اسْتَخَفَّ عُقُولَهُمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ فَاسْتَجَابُوا لَهُ ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، قَالَ ابن عباس: ﴿آسفونا﴾ أسخطونا، وعنه: أغضبونا (وهو قول مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم من المفسرين)، روى ابن أبي حاتم، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ ﵎ يعطي العبد ما يشاء وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ منه له» ثم تلا ﷺ: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر مرفوعاً). وقال طارق بن شهاب: كنت عند عبد الله ﵁ فَذُكِرَ عِنْدَهُ مَوْتُ الْفَجْأَةِ، فَقَالَ: تَخْفِيفٌ عَلَى المؤمن وحسرة على الكافر، ثم قرأ ﵁: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وَقَالَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁: وَجَدْتُ النِّقْمَةَ مَعَ الْغَفْلَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ ﵎: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وَقَوْلُهُ ﷾: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾ قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: ﴿سَلَفاً﴾ لمثل من عمل بعملهم، ﴿وَمَثَلًا﴾ أَيْ عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ.



