— Bagian 123 · عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ، رَآهُ مُنْهَبِطًا … —
Bagian 123
عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ، رَآهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ سَادًّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض" (أخرجه الشيخان والإمام أحمد). وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ في صورته مرتين، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ غَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ، وَغَشِيَهَا نُورُ
الرَّبِّ، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ مَا أَدْرِي مَا هِيَ. روى الإمام أحمد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قَالَ: فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: وَأُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا من أمته المقحمات (أخرجه مسلم والإمام أحمد). وعن مجاهد قَالَ: كَانَ أَغْصَانُ السِّدْرَةِ لُؤْلُؤًا وَيَاقُوتًا وَزَبَرْجَدًا، فرآها محمد ﷺ وَرَأَى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ رَأَيْتَ يَغْشَى تِلْكَ السِّدْرَةَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَرَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِهَا مَلَكًا قَائِمًا يُسَبِّحُ اللَّهَ ﷿». وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿ما زَاغَ البصر﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا ذَهَبَ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا، ﴿وَمَا طَغَى﴾ مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَلَا سَأَلَ فَوْقَ مَا أُعْطِيَ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ النَّاظِمُ: رَأَى جَنَّةَ الْمَأْوَى وَمَا فَوْقَهَا وَلَوْ * رَأَى غَيْرُهُ مَا قَدْ رآه لتاها
سَأَلَ فَوْقَ مَا أُعْطِيَ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ النَّاظِمُ: رَأَى جَنَّةَ الْمَأْوَى وَمَا فَوْقَهَا وَلَوْ * رَأَى غَيْرُهُ مَا قَدْ رآه لتاها وقوله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ أي الدالة على قدرتنا وعظمتنا.
- ١٩ - أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
- ٢٠ - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى
- ٢١ - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى
- ٢٢ - تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى
- ٢٣ - إِنْ هِيَ إِلَاّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى
- ٢٤ - أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى
- ٢٥ - فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى
- ٢٦ - وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى
يَقُولُ تَعَالَى مُقَرِّعًا لِلْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمُ الأصنام وَالْأَوْثَانَ، وَاتِّخَاذِهِمْ لَهَا الْبُيُوتَ مُضَاهَاةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بناها خليل الرحمن، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾؟ وَكَانَتِ اللَّاتُ صَخْرَةً بَيْضَاءَ مَنْقُوشَةً، عليها بيت بالطائف، له أستار وسدنة، يَفْتَخِرُونَ بِهَا عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بَعْدَ قُرَيْشٌ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانُوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله فَقَالُوا: اللَّاتُ يَعْنُونَ مُؤَنَّثَةً مِنْهُ، تَعَالَى اللَّهُ عن قولهم علواً كبيراً، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قَالَ: كَانَ اللَّاتُّ رَجُلًا يَلُتُّ السويق سويق الحاج (أخرجه البخاري)، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَذَا الْعُزَّى مِنَ الْعَزِيزِ وَكَانَتْ شَجَرَةً عَلَيْهَا بِنَاءٌ وَأَسْتَارٌ بِنَخْلَةَ وَهِيَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ كَانَتْ قُرَيْشٌ يُعَظِّمُونَهَا كَمَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُد: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عَزَّى لَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مولى لكم»، وروى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقامرك فليتصدق" (أخرجه البخاري أيضاً)، فهذا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ فِي ذَلِكَ كما كانت ألسنتهم قد اعتادته من زمن الجاهلية، كما قال النسائي، وأما مناة فكانت بالمشلل بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ في جاهليتها
يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ هَذِهِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشْهَرُ مِنْ غيرها، قال ابن إسحاق: كَانَتِ الْعَرَبُ اتَّخَذَتْ مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ، وَهِيَ بيوت تعظمها، كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب تطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها، فكانت لقريش ولبني كنانة (العزى) بنخلة، وكان سَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا (بَنِي شَيْبَانَ) مِنْ سُلَيْمٍ حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمٍ، قُلْتُ: بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَهَدَمَهَا وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لَا سبحانك * إني رأيت الله قد أهانك وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى﴾؟ ثم قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾؟ أَيْ أَتَجْعَلُونَ لَهُ ولداً وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكر، فَلَوِ اقْتَسَمْتُمْ أَنْتُمْ وَمَخْلُوقٌ مِثْلُكُمْ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَكَانَتْ ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أَيْ جَوْرًا بَاطِلَةً، فَكَيْفَ تُقَاسِمُونَ رَبَّكُمْ هَذِهِ الْقِسْمَةَ، الَّتِي لَوْ كَانَتْ بَيْنَ مَخْلُوقِينَ كَانَتْ جَوْرًا وَسَفَهًا؟
يزَى﴾ أَيْ جَوْرًا بَاطِلَةً، فَكَيْفَ تُقَاسِمُونَ رَبَّكُمْ هَذِهِ الْقِسْمَةَ، الَّتِي لَوْ كَانَتْ بَيْنَ مَخْلُوقِينَ كَانَتْ جَوْرًا وَسَفَهًا؟ ثُمَّ قَالَ تعالى منكراً عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَتَسْمِيَتِهَا آلِهَةً ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أَيْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ أَيْ مِنْ حُجَّةٍ ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ أي ليس له مُسْتَنَدٌ إِلَّا حُسْنَ ظَنِّهِمْ بِآبَائِهِمُ، الَّذِينَ سَلَكُوا هَذَا الْمَسْلَكَ الْبَاطِلَ قَبْلَهُمْ، وَإِلَّا حَظَّ نُفُوسِهِمْ وَتَعْظِيمِ آبَائِهِمُ الْأَقْدَمِينَ، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أَيْ وَلَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ، بِالْحَقِّ الْمُنِيرِ وَالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ، وَمَعَ هَذَا مَا اتبعوا ما جاءهم به ولا انقادوا له، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ أَيْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ تَمَنَّى خَيْرًا حَصَلَ لَهُ، ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب﴾ وَلَا كُلُّ مَنْ وَدَّ شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ، كما روى: «إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنْظُرْ مَا يَتَمَنَّى فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنِيَتِهِ» (تفرد به الإمام أَحْمَدُ).
كما روى: «إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنْظُرْ مَا يَتَمَنَّى فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنِيَتِهِ» (تفرد به الإمام أَحْمَدُ). وَقَوْلُهُ: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ أَيْ إِنَّمَا الْأَمْرُ كُلَّهُ للَّهِ، مَالِكِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمُتَصَرِّفِ فيهما، وقوله تَعَالَى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾، ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ له﴾ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فَكَيْفَ تَرْجُونَ - أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ - شَفَاعَةَ هَذِهِ الْأَصْنَامِ والأنداد عِندِ الله؟ وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها؟
- ٢٧ - إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى
- ٢٨ - وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا
- ٢٩ - فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَاّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
- ٣٠ - ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فِي تَسْمِيَتِهِمُ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى، وَجَعْلِهِمْ لها أنها بنات الله، تعالى الله عن ذلك، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ؟ سَتُكْتَبُ شهادتهم ويسألون﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ صَحِيحٌ يُصَدِّقُ مَا قَالُوهُ، بَلْ هُوَ كَذِبٌ وَزُورٌ
وَافْتِرَاءٌ وَكُفْرٌ شَنِيعٌ، ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ أَيْ لَا يُجْدِي شَيْئًا وَلَا يَقُومُ أَبَدًا مَقَامَ الْحَقِّ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فإن الظن أكذب الحديث»، وقوله تعالى: ﴿فأعرض عمن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا﴾ أَيْ أَعْرِضْ عَنِ الَّذِي أَعْرَضَ عَنِ الْحَقِّ وَاهْجُرْهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَاّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ وَإِنَّمَا أَكْثَرُ هَمِّهِ ومبلغ علمه الدنيا، فذاك عو غاية ما لا خير فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أَيْ طَلَبُ الدُّنْيَا وَالسَّعْيُ لَهَا هُوَ غَايَةُ مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ، وقد روي عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لا عقل له» (أخرجه الإمام أحمد ورواه الشيخان أيضاً)،
َّهِ ﷺ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لا عقل له» (أخرجه الإمام أحمد ورواه الشيخان أيضاً)، وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا»، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ أَيْ هُوَ الْخَالِقُ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَالْعَالَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته.
- ٣١ - وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ليجزي الذين أساؤوا بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى
- ٣٢ - الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَاّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى
بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ، الْحَاكِمُ فِي خَلْقِهِ بِالْعَدْلِ، وَخَلَقَ الْخَلْقَ بِالْحَقِّ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساؤوا بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ أَيْ يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، ثُمَّ فَسَّرَ الْمُحْسِنِينَ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ، أَيْ لَا يَتَعَاطَوْنَ المحرمات الكبائر، وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُمْ بَعْضُ الصَّغَائِرِ فَإِنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ وَيَسْتُرُ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الأُخْرى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾، وقال ههنا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَاّ اللَّمَمَ﴾، وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ اللَّمَمَ مِنْ صَغَائِرِ الذنوب ومحقرات الأعمال. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «إن اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، والنَّفْس تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يكذبه» (أخرجه الإمام أحمد ورواه الشيخان أيضاً).
ظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، والنَّفْس تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يكذبه» (أخرجه الإمام أحمد ورواه الشيخان أيضاً). وقال عبد الرحمن ابن نافع: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِلَاّ اللَّمَمَ﴾، قَالَ: القُبْلة، وَالْغَمْزَةُ، وَالنَّظْرَةُ، وَالْمُبَاشَرَةُ، فَإِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَهُوَ الزنا، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِلَاّ اللَّمَمَ﴾ إِلَّا مَا سَلَفَ، وكذا قال زيد بن أسلم، وروى ابن جرير، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِلَاّ اللَّمَمَ﴾ قَالَ: الَّذِي يُلِمُّ بِالذَّنْبِ ثُمَّ يَدَعُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ: إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جماً * وأيّ عبد لك ما ألما؟ وعن الحسن في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَاّ اللَّمَمَ﴾ قَالَ: اللَّمَمُ مِنَ الزِّنَا، أَوِ السَّرِقَةِ، أَوْ شرب الخمر ثم لا يعود، وروى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِلَاّ اللَّمَمَ﴾ يُلِمُّ بِهَا فِي
الْحِينِ، قُلْتُ: الزِّنَا؟ قَالَ: الزِّنَا ثُمَّ يَتُوبُ، وعنه قَالَ: اللَّمَمَ الَّذِي يُلِمُّ الْمَرَّةَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ: سُئِلْتُ عَنْ اللَّمَمَ، فَقُلْتُ: هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ، وَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهَا ملك كريم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ رَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَغْفِرَتُهُ تَسَعُ الذُّنُوبَ كُلَّهَا لِمَنْ تاب منها، كقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تَعَالَى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ﴾ أَيْ هُوَ بَصِيرٌ بِكُمْ، عَلِيمٌ بِأَحْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ، حِينَ أَنْشَأَ أَبَاكُمْ آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ، وَاسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ أَمْثَالَ الذَّرِّ، ثُمَّ قَسَمَهُمْ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا لِلْجَنَّةِ وَفَرِيقًا لِلسَّعِيرِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قَدْ كَتَبَ الْمَلَكُ الَّذِي يُوَكَّلُ بِهِ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وعمله وشقي أم سعيد، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ أَيْ تَمْدَحُوهَا وَتَشْكُرُوهَا وَتُمَنُّوا بِأَعْمَالِكُمْ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الْآيَةَ. روى مسلم في صحيحه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ»، فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سموها زينب» (أخرجه مسلم في صحيحه).
َا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ»، فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سموها زينب» (أخرجه مسلم في صحيحه). وقد ثبت أيضاً، عن أبي بكرة قَالَ: مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - مِرَارًا - إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا صَاحِبَهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسَبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسَبُهُ كَذَا وَكَذَا إن كان يعلم ذلك» (أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة). وروى الإمام أحمد، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُثْمَانَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ التُّرَابَ، وَيَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَقِينَا الْمَدَّاحِينَ أَنْ نَحْثُوَ في وجوههم التراب (أخرجه مسلم وأبو داود والإمام أحمد).
- ٣٣ - أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى
- ٣٤ - وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى
- ٣٥ - أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى
- ٣٦ - أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى - ٣٧ - وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى
- ٣٨ - أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
- ٣٩ - وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سَعَى
- ٤٠ - وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى
- ٤١ - ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى
ٌ وِزْرَ أُخْرَى
- ٣٩ - وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سَعَى
- ٤٠ - وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى
- ٤١ - ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ تَوَلَّى عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَطَاعَ قليلاً ثم قطعه، قال عكرمة: كَمَثَلِ الْقَوْمِ إِذَا كَانُوا يَحْفِرُونَ بِئْرًا فَيَجِدُونَ فِي أَثْنَاءِ الْحَفْرِ صَخْرَةً تَمْنَعُهُمْ مِنْ تَمَامِ العمل، فيقولون: أكدينا ويتركون العمل، وقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾؟ أَيْ أَعِنْدَ هذا الذي أَمْسَكَ يَدَهُ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ، وَقَطَعَ مَعْرُوفَهُ، أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ أَنَّهُ سَيَنْفَدُ مَا فِي يَدِهِ حتى أَمْسَكَ عَنْ مَعْرُوفِهِ فَهُوَ يَرَى ذَلِكَ عِيَانًا؟ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَنِ الصدقة وَالْبَرِّ وَالصِّلَةِ بُخْلًا
وَشُحًّا وَهَلَعًا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنفقْ بِلَالًا، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» (أخرجه البخاري)، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾؟ أي بلّغ جميع ما أمر به، قال ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَفَّى﴾ لِلَّهِ بِالْبَلَاغِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَفَّى﴾ مَا أُمِرَ بِهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَفَّى﴾ طَاعَةَ اللَّهِ وَأَدَّى رِسَالَتَهُ إِلَى خَلْقِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ يَشْمَلُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيمَ ربُّه بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ فَقَامَ بِجَمِيعِ الْأَوَامِرِ، وَتَرَكَ جَمِيعَ النَّوَاهِي، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ،
ِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ فَقَامَ بِجَمِيعِ الْأَوَامِرِ، وَتَرَكَ جَمِيعَ النَّوَاهِي، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَاسْتَحَقَّ بِهَذَا أَنْ يكون للناس إماماً يقتدى به. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾. روى ابن حاتم، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قَالَ: «أَتَدْرِي مَا وَفَّى؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ بأربع ركعات من أول النهار». وعن سهل بن معاذ ابن أنَس، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى الله تعالى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفَّى؟ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحين تصبحون﴾ " حتى ختم الآية (أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير). ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى يُبَيِّنُ مَا كَانَ أَوْحَاهُ في صحف إبراهيم وموسى فقال: ﴿أن لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أَيْ كُلُّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ نَفْسَهَا بِكُفْرٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهَا وِزْرُهَا لَا يَحْمِلُهُ عَنْهَا أَحَدٌ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سَعَى﴾ أَيْ كَمَا لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وِزْرُ غَيْرِهِ، كَذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ مِنَ الْأَجْرِ إِلَّا مَا كَسَبَ هُوَ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اسْتَنْبَطَ الشافعي رَّحْمَةِ الله، إِنَّ الْقِرَاءَةَ لَا يَصِلُ إِهْدَاءُ ثَوَابِهَا إِلَى الْمَوْتَى، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِمْ وَلَا كَسْبِهِمْ، وَلِهَذَا لَمْ يَنْدُبْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ وَلَا حَثَّهُمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إليه،
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ وَلَا حَثَّهُمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إليه، فَأَمَّا الدُّعَاءُ وَالصَّدَقَةُ فَذَاكَ مُجْمَعٌ عَلَى وُصُولِهِمَا وَمَنْصُوصٌ مِنَ الشَّارِعِ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ ولدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ مِنْ بَعْدِهِ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ" فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ مِنْ سَعْيِهِ وَكَدِّهِ وَعَمَلِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ»، وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ كَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ هِيَ مِنْ آثَارِ عَمَلِهِ وَوَقْفِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ﴾ الآية، والعلم الذي نشره في الناس فافتدى بِهِ النَّاسُ بَعْدَهُ هُوَ أَيْضًا مِنْ سَعْيِهِ وَعَمَلِهِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «مَنْ دَعَا إِلَى هَدْيٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كقوله تَعَالَى: ﴿وَقُل اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، فيجزيكم عَلَيْهِ أَتَمَّ الْجَزَاءِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شراً فشر، وهكذا قال ههنا ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ أَيِ الْأَوْفَرَ.
- ٤٢ - وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى
- ٤٣ - وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى
- ٤٤ - وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا
- ٤٥ - وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر
وَالْأُنْثَى
- ٤٦ - مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى
- ٤٧ - وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى
- ٤٨ - وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى
- ٤٩ - وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى
- ٥٠ - وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى
- ٥١ - وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَى
- ٥٢ - وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى
- ٥٣ - وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى
- ٥٤ - فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى
- ٥٥ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى
يقول تعالى: ﴿وَإِن إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أَيِ الْمَعَادُ يَوْمَ القيامة، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: قَامَ فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالَ: يَا بَنِي أَوْدٍ! إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ، تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَعَادَ إِلَى اللَّهِ، إِلَى الجنة أو إلى النار (أخرجه ابن أبي حاتم)، وذكر البغوي، عَنْ أُبي بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ قَالَ: «لَا فِكْرَةَ فِي الرَّبِّ»، وفي الصَّحِيحِ: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بالله ولينته".
ْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بالله ولينته". وفي الحديث الَّذِي فِي السُّنَنِ: «تَفَكَّرُوا فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَلَا تُفَكِّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ مَلَكًا مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ» أَوْ كَمَا قَالَ، وقوله تعالى: ﴿وإنه هُوَ أَضْحَكَ وأبكى﴾ أي خلق الضحك والبكاء وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة﴾، ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى﴾؟ وقوله تعالى: ﴿وَإِن عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى﴾، أَيْ كَمَا خَلَقَ الْبَدَاءَةَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ، وَهِيَ النَّشْأَةُ الْآخِرَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أَيْ مَلَّكَ عِبَادَهُ الْمَالَ وَجَعَلَهُ لَهُمْ (قُنْيَةً) مُقِيمًا عِنْدَهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى بَيْعِهِ، فَهَذَا تمام النعمة عليهم، وعن مجاهد ﴿أغنى﴾ موّل ﴿وأقنى﴾ أخدم، وقال ابن عباس ﴿أغنى﴾: أعطى، ﴿وأقنى﴾: رضّى، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ قَالَ ابْنُ عباس: هُوَ هَذَا النَّجْمُ الْوَقَّادُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ، كَانَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ يَعْبُدُونَهُ، ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾ وَهُمْ قَوْمُ (هُودٍ) ويُقال لهم (عاد بن إرم)، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد﴾؟ فَكَانُوا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ وَأَقْوَاهُمْ، وَأَعْتَاهُمْ عَلَى الله تعالى وَعَلَى رَسُولِهِ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾،
فَكَانُوا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ وَأَقْوَاهُمْ، وَأَعْتَاهُمْ عَلَى الله تعالى وَعَلَى رَسُولِهِ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَى﴾ أَيْ دَمَّرَهُمْ فَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أَيْ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وأطغى﴾ أي أشد تمرداً من الذين بَعْدِهِمْ، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ يَعْنِي مَدَائِنَ لُوطٍ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ يَعْنِي مِنَ الْحِجَارَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا عَلَيْهِمْ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾؟ أَيْ فَفِي أَيِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ تَمْتَرِي قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾؟ يَا مُحَمَّدُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَهُوَ اخْتِيَارُ ابن جرير.
- ٥٦ - هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى
- ٥٧ - أَزِفَتِ الْآزِفَةُ
- ٥٨ - لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ
- ٥٩ - أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
- ٦٠ - وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ
- ٦١ - وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ
- ٦٢ - فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا
﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ أُرْسِلَ كَمَا أُرْسِلُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ﴾، ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أَيِ اقْتَرَبَتِ الْقَرِيبَةُ وَهِيَ الْقِيَامَةُ، ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ أَيْ لَا يَدْفَعُهَا إِذًا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَحَدٌ، ولا يطلع على علمها سواه، و ﴿النذير﴾ الْحَذَرُ لِمَا يُعَايِنُ مِنَ الشَّرِّ، الَّذِي يُخْشَى وقوعه فيمن أنذرهم، وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ» أَيِ الَّذِي أَعْجَلَهُ شِدَّةُ مَا عَايَنَ مِنَ الشَّرِّ عَنْ أَنْ يَلْبَسَ عَلَيْهِ شَيْئًا، بَلْ بَادَرَ إِلَى إِنْذَارِ قَوْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمْ عُرْيَانًا مُسْرِعًا وهو مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أَيِ اقْتَرَبَتِ الْقَرِيبَةُ يعني يوم القيامة، قال ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ» وَفَرَّقَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الوسطى والتي تلي الإبهام، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم ﴿أَفَمِنْ هذا الحديث تَعْجَبُونَ﴾؟ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ مِنْهُ اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً، ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ أَيْ كَمَا يَفْعَلُ الْمُوقِنُونَ بِهِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خشوعاً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿سَامِدُونَ﴾ مُعْرِضُونَ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: غَافِلُونَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابن عباس: تستكبرون، وبه يقول السدي (في اللباب: وأخرج ابن أبي حاتم: كانوا يمرون على الرسول وهو يصلي شامخين فنزلت ﴿وأنتم سامدون﴾). ثم قال تعالى آمراً لعباده بالسجود له والعبادة: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، أَيْ فَاخْضَعُوا لَهُ وَأَخْلِصُوا ووحِّدوه.
فنزلت ﴿وأنتم سامدون﴾). ثم قال تعالى آمراً لعباده بالسجود له والعبادة: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، أَيْ فَاخْضَعُوا لَهُ وَأَخْلِصُوا ووحِّدوه. روى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ والمشركون والجن والإنس (انفرد به البخاري دون مسلم).
- ٥٤ - سورة القمر
قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ أَنَّ رسول الله ﷺ كان يَقْرَأُ بِقَافٍ وَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا فِي الْمَحَافِلِ الْكِبَارِ، لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى ذِكْرِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَبَدْءِ الْخَلْقِ وَإِعَادَتِهِ، وَالتَّوْحِيدِ، وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ العظيمة.
﷽
- ١ - اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
- ٢ - وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
- ٣ - وَكَذَّبُواْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ
- ٤ - وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ
- ٥ - حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ
َآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ
- ٤ - وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ
- ٥ - حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ وَفَرَاغِ الدُّنْيَا وَانْقِضَائِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ الله فَلَا تستعجلوه﴾، وَقَالَ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾، وقد وردت الأحاديث بذلك، روى الحافظ أبو بكر البزار، عَنْ أنَس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ أَصْحَابَهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلا سف يَسِيرٌ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ وما نرى من الشمس إلا يسيراً»، وقال الإمام أحمد، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بُعِثْتُ أنا والساعة هكذا» وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى (أخرجه الشيخان والإمام أحمد)، وفي لفظ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ إِنْ كادت لتسبقني» وَجَمَعَ الْأَعْمَشُ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَقَالَ الْإِمَامُ أحمد، عن خالد بن عمير قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فحمد الله تعالى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بصُرْم وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبابة كصُبابة الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما يحضرنكم، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا مَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَاللَّهِ لَتَمْلَؤُنَّهُ أَفَعَجِبْتُمْ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يوم وهو كظيظ من الزحام» (أخرجه ابن جرير. معنى (صُرْم): قطيعة.
َا بَيْنَ مِصْرَاعَيِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يوم وهو كظيظ من الزحام» (أخرجه ابن جرير. معنى (صُرْم): قطيعة. و (حذاء) مدبرة لم يتعلق أهلها منها بشيء، و (صُبابة): بقية). وذكر
تمام الحديث. وعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: نَزَلْنَا الْمَدَائِنَ فَكُنَّا مِنْهَا عَلَى فَرْسَخٍ فَجَاءَتِ الْجُمُعَةُ فَحَضَرَ أَبِي وَحَضَرْتُ مَعَهُ، فَخَطَبَنَا حُذَيْفَةُ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، أَلَا وَإِنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، أَلَا وَإِنَّ الْقَمَرَ قَدِ انْشَقَّ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِفِرَاقٍ، أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارُ وَغَدًا السِّبَاقُ. فَقُلْتُ لِأَبِي أَيَسْتَبِقُ النَّاسُ غَدًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَجَاهِلٌ إِنَّمَا هُوَ السِّبَاقُ بِالْأَعْمَالِ، وقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قَدْ كَانَ هَذَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا ورد فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الرُّومُ وَالدُّخَانُ وَاللِّزَامُ وَالْبَطْشَةُ وَالْقَمَرُ"، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أن انْشِقَاقُ الْقَمَرِ قَدْ وَقَعَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهُ كَانَ إِحْدَى الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ. (ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ). (رواية أنَس بن مالك): روى الإمام أحمد عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانشق القمر﴾ (أخرجه مسلم وأحمد)، وعن أنَس بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إن يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِراء بينهما (أخرجاه في الصحيحين). وروى الإمام أحمد، عن جبير بن مطعم قَالَ انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ
بينهما (أخرجاه في الصحيحين). وروى الإمام أحمد، عن جبير بن مطعم قَالَ انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ، وَفِرْقَةٌ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ، فَقَالُوا: سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ سَحَرَنَا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ (تفرد به أحمد). وروى البخاري، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اقربت السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ قَالَ: قَدْ مَضَى ذَلِكَ، كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ انْشَقَّ الْقَمَرُ حَتَّى رَأَوْا شقيه، وقال الحافظ البيهقي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قَالَ: وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِلْقَتَيْنِ، فِلْقَةٌ مِنْ دُونِ الْجَبَلِ، وَفِلْقَةٌ مِنْ خَلْفِ الْجَبَلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» (رواه البيهقي وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح). وقال الإمام أحمد، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شقتين حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشهدوا» (أخرجه الشيخان والإمام أحمد). وعن عبد الله ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت قُرَيْشٌ: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، قَالَ، فَقَالُوا: انْظُرُوا مَا يَأْتِيكُمْ بِهِ السفَّار، فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، قال: فجاء السفَّار، فقالوا ذلك (أخرجه أبو داود الطيالسي).
تِيكُمْ بِهِ السفَّار، فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، قال: فجاء السفَّار، فقالوا ذلك (أخرجه أبو داود الطيالسي). وفي لفظ: انْظُرُوا السفَّار، فَإِنْ كَانُوا رَأَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ فَهُوَ سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ، قَالَ: فَسُئِلَ السُّفَّارُ، قَالَ: وَقَدِمُوا مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ، فقالوا: رأينا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القمر﴾ (أخرجه البيهقي وابن جرير). وروى الإمام أحمد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى رَأَيْتُ الْجَبَلَ مِنْ بَيْنِ فُرْجَتَيِ الْقَمَرِ» (أخرجه الإمام أحمد). وَقَالَ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: «اشْهَدْ يَا أَبَا بَكْرٍ»، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: سُحِرَ الْقَمَرُ حَتَّى انْشَقَّ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ آيَةً﴾ أَيْ دَلِيلًا وَحُجَّةً وَبُرْهَانًا ﴿يُعْرِضُواْ﴾ أي لا ينقاضوا له بل يعرضوا عَنْهُ، وَيَتْرُكُونَهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴿وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ أي يقولون هَذَا الَّذِي شَاهَدْنَاهُ مِنَ الْحُجَجِ سحرٌ سُحِرْنَا به، ومعنى ﴿مُّسْتَمِرٌّ﴾ أي ذاهب بَاطِلٌ مُضْمَحِلٌّ لَا دَوَامَ لَهُ، ﴿وَكَذَّبُواْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أَيْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ إِذْ جَاءَهُمْ، وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ آرَاؤُهُمْ وَأَهْوَاؤُهُمْ، مِنْ جَهْلِهِمْ وَسَخَافَةِ عَقْلِهِمْ، وَقَوْلُهُ ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَيْرَ وَاقِعٌ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَالشَّرَّ وَاقِعٌ بِأَهْلِ الشَّرِّ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُسْتَقِرٌّ أَيْ واقع، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أَيْ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعِقَابِ وَالنَّكَالِ وَالْعَذَابِ مِمَّا يُتْلَى عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْقُرْآنِ ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أَيْ مَا فِيهِ وَاعِظٌ لَهُمْ عَنِ الشِّرْكِ والتمادي على التكذيب، وقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ أَيْ فِي هِدَايَتِهِ تَعَالَى لِمَنْ هداه وإضلاله لمن أضله ﴿فَمَا تغني النُّذُرُ﴾ يَعْنِي أَيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ عَمَّنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ وَخَتَمَ عَلَى قَلْبِهِ؟ فَمَنِ الَّذِي يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ؟ وَهَذِهِ الآية كقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَاّ يؤمنون﴾.
قَلْبِهِ؟ فَمَنِ الَّذِي يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ؟ وَهَذِهِ الآية كقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَاّ يؤمنون﴾.
- ٦ - فتول عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداع إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ
- ٧ - خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ
- ٨ - مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عسر
يقول تعالى: فتولى يَا مُحَمَّدُ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِذَا رَأَوْا آية يعرضوا ويقولوا هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْهُمْ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الداع إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ أَيْ إِلَى شَيْءٍ مُنْكَرٍ فَظِيعٍ، وَهُوَ مَوْقِفُ الْحِسَابِ، وَمَا فِيهِ مِنَ البلاء وَالْأَهْوَالِ، ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ﴾ أَيْ ذَلِيلَةٌ أَبْصَارُهُمْ، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ وَهِيَ الْقُبُورُ ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ أَيْ كَأَنَّهُمْ فِي انْتِشَارِهِمْ وَسُرْعَةِ سَيْرِهِمْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ إِجَابَةً لِلدَّاعِي، جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ فِي الْآفَاقِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أَيْ مُسْرِعِينَ ﴿إِلَى الداعي﴾، لا يخافون وَلَا يَتَأَخَّرُونَ ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أي يوم شديد الهول عبوس قمطرير. كقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
- ٩ - كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ
- ١٠ - فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ
- ١١ - فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ
- ١٢ - وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
- ١٣ - وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ
- ١٤ - تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ
- ١٥ - وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ
- ١٦ - فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ
- ١٧ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ
رَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ
- ١٦ - فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ
- ١٧ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قَبْلَ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ أَيْ صَرَّحُوا لَهُ بِالتَّكْذِيبِ وَاتَّهَمُوهُ بِالْجُنُونِ، ﴿وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ قَالَ مجاهد: أَيْ اسْتُطِيرَ جُنُونًا، وَقِيلَ ﴿وَازْدُجِرَ﴾ أَيِ انْتَهَرُوهُ وزجروه
وتواعدوه، ﴿لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين﴾ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ حَسَنٌ، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ أَيْ إِنِّي ضَعِيفٌ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ فَانْتَصِرْ أَنْتَ لِدِينِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ وهو الْكَثِيرُ، ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ أَيْ نَبَعَتْ جَمِيعُ أَرْجَاءِ الْأَرْضِ حَتَّى التَّنَانِيرُ الَّتِي هِيَ مَحَالُّ النِّيرَانِ نَبَعَتْ عُيُوناً، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ أَيْ مِّنَ السماء والأرض ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أَيْ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ. قال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ كَثِيرٍ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ولا بعده إلا مِنَ السَّحَابِ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ سَحَابٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَالْتَقَى الْمَاءَانِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ قال ابن عباس: هي المسامير، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الدُّسُرُ أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ: هُوَ صَدْرُهَا الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَوْجُ.
اس: هي المسامير، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الدُّسُرُ أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ: هُوَ صَدْرُهَا الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَوْجُ. وقال الضحّاك: الدسر طرفاها وَأَصْلُهَا، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ كلكلها أي صدرها، وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أَيْ بِأَمْرِنَا بِمَرْأًى مِنَّا وَتَحْتَ حِفْظِنَا وَكَلَاءَتِنَا ﴿جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ أَيْ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَانْتِصَارًا لنوح ﵇، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ جِنْسُ السُّفُنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، ولهذا قال ههنا ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أَيْ فَهَلْ مَنْ يَتَذَكَّرُ ويتعظ؟ وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أَيْ كَيْفَ كَانَ عَذَابِي لِمَنْ كَفَرَ
﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أَيْ فَهَلْ مَنْ يَتَذَكَّرُ ويتعظ؟ وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أَيْ كَيْفَ كَانَ عَذَابِي لِمَنْ كَفَرَ بِي وَكَذَّبَ رُسُلِي وَلَمْ يَتَّعِظْ بِمَا جَاءَتْ بِهِ نُذُرِي، وَكَيْفَ انْتَصَرْتُ لَهُمْ وَأَخَذْتُ لَهُمْ بِالثَّأْرِ، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أَيْ سَهَّلْنَا لَفْظَهُ وَيَسَّرْنَا مَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَهُ لِيَتَذَكَّرَ النَّاسُ، كَمَا قَالَ: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ليدبروا آياته وليتذكروا أولوا الألباب﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً﴾، قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ يَعْنِي هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَسَّرْنَا تِلَاوَتَهُ عَلَى الألسن، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلَى لِسَانِ الْآدَمِيِّينَ مَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أن يتكلم بكلام الله ﷿، وَقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أَيْ فَهَلْ مِنْ مُتَذَكِّرٍ بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي قَدْ يَسَّرَ اللَّهُ حفظه ومعناه؟ وقال القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟ وروى ابن أبي حاتم، عن مطر الْوَرَّاقُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ هل من طالب علم فيعان عليه (أخرجه ابن أبي حاتم وعلّقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق).
- ١٨ - كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ
- ١٩ - إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ
- ٢٠ - تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ
- ٢١ - فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ
- ٢٢ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ
َأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ
- ٢١ - فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ
- ٢٢ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَادٍ قَوْمِ (هُودٍ) إِنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ، كَمَا صَنَعَ قَوْمُ (نُوحٍ) وَأَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ ﴿عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ وَهِيَ الْبَارِدَةُ الشَّدِيدَةُ الْبَرْدِ، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ عَلَيْهِمْ نَحْسُهُ وَدَمَارُهُ، لِأَنَّهُ يَوْمٌ اتَّصَلَ فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي، وقوله تعالى: ﴿تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ تَأْتِي أَحَدَهُمْ فَتَرْفَعُهُ حَتَّى تَغَيِّبَهُ عَنِ الْأَبْصَارِ، ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَيَسْقُطُ إِلَى الْأَرْضِ، فَتَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَبْقَى جُثَّةً بِلَا رَأْسٍ، ⦗٤١١⦘ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾.
- ٢٣ - كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ
- ٢٤ - فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وسعر
- ٢٥ - أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
- ٢٦ - سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ
- ٢٧ - إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ
- ٢٨ - وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ
- ٢٩ - فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ
- ٣٠ - فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ
- ٣١ - إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
- ٣٢ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ
وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ ثَمُودَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ صَالِحًا ﴿فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ يَقُولُونَ: لَقَدْ خِبْنَا وَخَسِرْنَا إِنْ سَلَّمْنَا كُلُّنَا قِيَادَنَا لِوَاحِدٍ مِنَّا، ثُمَّ تَعَجَّبُوا مِنْ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ خَاصَّةً مِنْ دُونِهِمْ، ثُمَّ رَمَوْهُ بِالْكَذِبِ، فَقَالُوا ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ أَيْ مُتَجَاوِزٌ فِي حَدِّ الْكَذِبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ وَهَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ شَدِيدٌ ووعيد أكيد، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ﴾ أَيِ اخْتِبَارًا لَهُمْ، أَخْرَجَ الله تعالى لَهُمْ نَاقَةً عَظِيمَةً عُشَرَاءَ، مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ، طِبْقَ مَا سَأَلُوا، لِتَكُونَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي تَصْدِيقِ (صَالِحٍ) ﵇ فِيمَا جَاءَهُمْ به، ثم قال تعالى آمِرًا لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَالِحٍ ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾، أَيِ انتظر ما يؤول إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ وَاصْبِرْ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لَكَ والنصر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُم﴾ أَيْ يَوْمٌ لَهُمْ وَيَوْمٌ لِلنَّاقَةِ،
إِنَّ الْعَاقِبَةَ لَكَ والنصر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُم﴾ أَيْ يَوْمٌ لَهُمْ وَيَوْمٌ لِلنَّاقَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شربٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ معلوم﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا غَابَتْ حَضَرُوا الْمَاءَ، وَإِذَا جَاءَتْ حَضَرُوا اللَّبَنَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ عَاقِرُ النَّاقَةِ وَاسْمُهُ (قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ) وَكَانَ أَشْقَى قَوْمِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أشقاها﴾، ﴿فتعاطى﴾ أي حسر ﴿فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي ونُذُرِ﴾ أَيْ فَعَاقَبْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِي لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِي وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولِي، ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أَيْ فَبَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ تَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ، وَخَمَدُوا وَهَمَدُوا كَمَا يَهْمُدُ يَبِيسُ الزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ﴿وَالْمُحْتَظِرُ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْمَرْعَى بالصحراء حين ييبس ويحترق وتسفيه الرِّيحُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ يَجْعَلُونَ حظاراً على الإبل والمواشي من يبس الشَّوْكِ، فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾.
- ٣٣ - كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ
- ٣٤ - إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَاّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ
- ٣٥ - نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ
- ٣٦ - وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ
- ٣٧ - وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ
- ٣٨ - وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ
- ٣٩ - فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ
- ٤٠ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ
دْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ
- ٣٩ - فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ
- ٤٠ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ ﴿لُوطٍ﴾ كَيْفَ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ وَخَالَفُوهُ وَارْتَكَبُوا الْمَكْرُوهُ مِنْ إِتْيَانِ الذُّكُورِ وَهِيَ ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ بِهَا أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ، وَلِهَذَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ هَلَاكًا لَمْ يُهْلِكْهُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ جِبْرِيلَ ﵇ فَحَمَلَ مَدَائِنَهُمْ حَتَّى وَصَلَ بِهَا إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ وَأَرْسَلَهَا وَأُتْبِعَتْ بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ، ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ وَهِيَ الْحِجَارَةُ ﴿إِلَاّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ أَيْ خَرَجُوا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَنَجَوْا مِمَّا أَصَابَ قَوْمَهُمْ، وَلَمْ يؤمن بلوط من قومه أحد، حَتَّى وَلَا امْرَأَتُهُ أَصَابَهَا مَا أَصَابَ قَوْمَهَا، وخرج نبي الله لوط من بين أظهرهم سالماً لم يمسه سُوءٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ أَيْ وَلَقَدْ كَانَ قَبْلَ حُلُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ، قَدْ أَنْذَرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ وَعَذَابَهُ، فَمَا الْتَفَتُوا إِلَى ذَلِكَ وَلَا أَصْغَوْا إِلَيْهِ، بَلْ شَكُّوا فِيهِ وَتَمَارَوْا بِهِ ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ﴾ وَذَلِكَ لَيْلَةَ وَرَدَ عليه الملائكة في صور شَبَابٍ مُرْدٍ حِسَانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأَضَافَهُمْ لُوطٌ ﵇، وَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ الْعَجُوزُ السُّوءُ إِلَى قَوْمِهَا، فَأَعْلَمَتْهُمْ بِأَضْيَافِ لُوطٍ فَأَقْبَلُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ مِن كُلِّ مَكَانٍ، فَأَغْلَقَ لُوطٌ دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، ولوط ﵈ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحَالُ وَأَبَوْا إِلَّا الدُّخُولَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ (جِبْرِيلُ) ﵇ فَضَرَبَ أَعْيُنَهُمْ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ،
ويمانعهم دون أضيافه، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحَالُ وَأَبَوْا إِلَّا الدُّخُولَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ (جِبْرِيلُ) ﵇ فَضَرَبَ أَعْيُنَهُمْ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ، فَانْطَمَسَتْ أَعْيُنُهُمْ، يُقَالُ إِنَّهَا غَارَتْ مِنْ وجوههم، وقيل: إنه لم يبق لَهُمْ عُيُونٌ بِالْكُلِّيَّةِ، فَرَجَعُوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ يَتَحَسَّسُونَ بِالْحِيطَانِ، وَيَتَوَعَّدُونَ لُوطًا ﵇ إِلَى الصَّبَاحِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ أَيْ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ وَلَا انْفِكَاكَ لَهُمْ مِنْهُ ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾.
- ٤١ - وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
- ٤٢ - كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ
- ٤٣ - أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ
- ٤٤ - أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ
- ٤٥ - سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
- ٤٦ - بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إنهم جاءهم رسول (موسى) وأخوه (هارون) وَأَيَّدَهُمَا بِمُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةٍ وَآيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَكَذَّبُوا بِهَا كُلِّهَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، أَيْ فأبادهم الله ولم يبق منهم عين ولا أثر، ثم قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذكرهم، ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل، أأنتم خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ؟ ﴿أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أَيْ أَمْ مَعَكُمْ مِنَ اللَّهِ بَرَاءَةٌ، أن لا ينالكم عذاب ولا نكال، ثم قال تعالى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ أي يعتقدون أن جَمْعَهُمْ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أَيْ سيتفرق شملهم ويغلبون، روى البخاري، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: «أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تعبد بعد اليوم في الأرض أَبَدًا» فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِيَدِهِ، وَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ، وَهُوَ يَقُولُ: "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ والساعة أدهى وأمر﴾ (أخرجه البخاري والنسائي)، وروى
الدِّرْعِ، وَهُوَ يَقُولُ: "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ والساعة أدهى وأمر﴾ (أخرجه البخاري والنسائي)، وروى
ابن أبي حاتم، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ قَالَ عُمَرُ: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ أَيُّ جَمْعٍ يُغْلَبُ؟ قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يَقُولُ: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدبر» فعرفت تأويلها يومئذٍ (أخرجه ابن أبي حاتم).
- ٤٧ - إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ
- ٤٨ - يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ
- ٤٩ - إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ
- ٥٠ - وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
- ٥١ - وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ
- ٥٢ - وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
- ٥٣ - وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
- ٥٤ - إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ
- ٥٥ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ
رِ
- ٥٣ - وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
- ٥٤ - إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ
- ٥٥ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ
يُخْبِرُنَا تَعَالَى عَنِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ فِي ضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ ﴿وسُعُر﴾ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشُّكُوكِ وَالِاضْطِرَابِ فِي الْآرَاءِ، وَهَذَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ مِنْ كَافِرٍ ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أَيْ كَمَا كَانُوا فِي سُعُرٍ وَشَكٍّ وَتَرَدُّدٍ أَوْرَثَهُمْ ذلك النار، وَيُقَالُ لَهُمْ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، كَقَوْلِهِ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، وكقوله تعالى ﴿والذي قَدَّرَ فهدى﴾ أَيْ قَدَّرَ قَدَرًا وَهَدَى الْخَلَائِقَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ، عَلَى إِثْبَاتِ قَدَرِ اللَّهِ السَّابِقِ لِخَلْقِهِ، وَهُوَ عِلْمُهُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا، وَكِتَابَتُهُ لَهَا قَبْلَ بُرْئِهَا، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها عَلَى الْفِرْقَةِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ نَبَغُوا فِي أَوَاخِرِ عصر الصحابة، روى أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُخَاصِمُونَهُ فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ على وجوههم ذوقوا عذاب مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (أخرجه مسلم وأحمد والترمذي).
َزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ على وجوههم ذوقوا عذاب مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (أخرجه مسلم وأحمد والترمذي). وعن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عباس وهو ينتزع مِنْ زَمْزَمَ وَقَدِ ابْتَلَّتْ أَسَافِلُ ثِيَابِهِ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ تُكِلِّمَ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ: أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِيهِمْ: ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أُولَئِكَ أشرار هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَلَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ وَلَا تُصَلُّوا عَلَى مَوْتَاهُمْ، إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ فَقَأْتُ عينيه بأصبعي هاتين (أخرجه ابن أبي حاتم). وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ، وَمَجُوسُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تشهدوهم» (أخرجه الإمام أحمد). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (رواه مسلم وأحمد عن ابن عمر مرفوعاً). وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ". وروى الإمام أحمد، عن الوليد بن عبادة قال: دخلت



