Mukhtashar Tafsir Ibnu Katsir

Ringkasan tafsir Ibnu Katsir, riwayat dan tafsir bil-ma’tsur.

Bagian 13 dari 141

— Bagian 13 · ْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْ… —

Bagian 13

ْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ»، وَقَالَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وقوله تعالى: ﴿فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذَكَرُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ أَيْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ حَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ سُورَةَ الْفَتْحِ بِكَمَالِهَا، وَأَنْزَلَ لَهُمْ رُخْصَةً أَنْ يَذْبَحُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ الْهَدْيِ وَكَانَ سَبْعِينَ بدنة، وأن يحلقوا رؤوسهم وَأَنْ يَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ ﵇ بأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا فَلَمْ يَفْعَلُوا انْتِظَارًا لِلنَّسْخِ حَتَّى خَرَجَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ فَفَعَلَ النَّاسُ وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ قصَّر رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْلِقْهُ فَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «وَالْمُقَصِّرِينَ»، وَقَدْ كَانُوا اشْتَرَكُوا فِي هَدْيِهِمْ ذَلِكَ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ خَارِجَ الْحَرَمِ وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا على طرف الحرم. فالله أعلم.

دَنَةٍ وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ خَارِجَ الْحَرَمِ وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا على طرف الحرم. فالله أعلم. ⦗١٧٤⦘ وقد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - هَلْ يُخْتَصُّ الْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ؟ فَلَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا مَنْ حَصَرَهُ عَدُوٌّ، لَا مَرَضٌ ولا غيره - على قولين: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ فَأَمَّا مَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ وَجَعٌ أَوْ ضَلَالٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ﴾ فَلَيْسَ الأمن حصراً. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَصْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ضَلَالٍ وَهُوَ التوهان عن الطريق لحديث: «من كسر أو وجع أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخرى» (رواه أحمد) وروي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أَنَّهُمْ قَالُوا: الْإِحْصَارُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أو كسر. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حبستني». وقوله تعالى: ﴿فَمَا استيسر من الهدي﴾ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يقول: ﴿فَمَا استيسر من الهدي﴾ شاة، والهدي مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ والضأن) وهو مذهب الأئمة الأربعة. وروي عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ إِلَّا مِنَ الإبل والبقر، وروي مثله عن سعيد بن جبير.

روي عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ إِلَّا مِنَ الإبل والبقر، وروي مثله عن سعيد بن جبير. (قُلْتُ): وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُسْتَنَدَ هَؤُلَاءِ فِيمَا ذَهَبُوا إليه قصة الْحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أنه ذبح في تحلله ذلك شَاةً وَإِنَّمَا ذَبَحُوا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ والبقر كل سبعة منا في بقرة، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قَالَ: بِقَدْرِ يَسَارَتِهِ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ كَانَ مُوسِرًا فَمِنَ الْإِبِلِ، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ إِجْزَاءِ ذَبْحِ الشَّاةِ فِي الْإِحْصَارِ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ ذَبْحَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أَيْ مَهْمَا تَيَسَّرَ مِمَّا يُسَمَّى هَدْيًا، والهديُ مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَهِيَ (الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ) كَمَا قَالَهُ الْحَبْرُ الْبَحْرُ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ وابن عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أُم الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً غَنَمًا.

آنِ وابن عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أُم الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً غَنَمًا. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا حَصَرَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الْحَرَمِ، حَلَقُوا وَذَبَحُوا هَدْيَهُمْ خَارِجَ الْحَرَمِ، فأما في حالة الْأَمْنِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْحَرَمِ فَلَا يَجُوزُ الْحَلْقُ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وَيَفْرَغُ النَّاسِكُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ قَارِنًا، أَوْ مِنْ فِعْلِ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ من عمرتك؟ فقال: «إني لبدت رأس وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» (أخرجه البخاري)

اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ من عمرتك؟ فقال: «إني لبدت رأس وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» (أخرجه البخاري) وقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. روى البخاري عن عبد الله بن معقل قال: قعدت إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يعني مسجد الكوفة، فسألته عن فدية مِنْ صِيَامٍ فَقَالَ: حُملتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ والقملُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: «مَا كنتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ هَذَا أَمَا تَجِدُ شَاةً؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ ⦗١٧٥⦘ طَعَامٍ وَاحْلِقْ رَأْسَكَ» فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لَكُمْ عامة، وعن كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، والقملُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي أَوْ قَالَ حَاجِبِي فَقَالَ: «يُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قلتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْهُ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسَكْ نَسِيكَةً»، قَالَ أَيُّوبُ: لا أدري بأيتهن بدأ (رواه الإمام أحمد).

حْلِقْهُ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسَكْ نَسِيكَةً»، قَالَ أَيُّوبُ: لا أدري بأيتهن بدأ (رواه الإمام أحمد). وروى مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، قَالَ: إِذَا كَانَ (أَوْ) فَأَيُّهَ أَخَذْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ. وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاووس نحو ذلك. (قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعو وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ، أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقُ بِفَرَقٍ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ آصُعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ وَهُوَ مُدَّانِ، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، أيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ، وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ الرُّخْصَةِ جَاءَ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ (كعب ابن عُجْرَةَ) بِذَلِكَ أَرْشَدَهُ إِلَى الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ فَقَالَ: «انْسُكْ شَاةً، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ صم ثلاثة أيام». وقال ابن جرير عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: إِذَا كَانَ بِالْمُحْرِمِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ حَلَقَ وَافْتَدَى بِأَيِّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ شَاءَ، وَالصِّيَامُ عشرةُ أَيَّامٍ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كُلُّ مِسْكِينٍ مَكُّوكَيْنِ مَكُّوكًا مِنْ تَمْرٍ وَمَكُّوكًا مِنْ بُرٍّ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ.

عشرةُ أَيَّامٍ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كُلُّ مِسْكِينٍ مَكُّوكَيْنِ مَكُّوكًا مِنْ تَمْرٍ وَمَكُّوكًا مِنْ بُرٍّ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ. وقال الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ قَوْلَانِ غَرِيبَانِ فِيهِمَا نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ فِي حَدِيثِ (كَعْبِ بْنِ عجرة) الصيام ثلاثة أيام لَا سِتَّةَ أَوْ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ نُسُكُ شَاةٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا هَذَا التَّرْتِيبُ فَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ وَعَلَيْهِ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ هُنَاكَ بخلاف هذا، والله أعلم. وقال طاووس: مَا كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ فَبِمَكَّةَ، وما كان من صيام فحيث شاء، وقال عطاء: مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ من طعام وصيام فحيث شاء.

ا كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ فَبِمَكَّةَ، وما كان من صيام فحيث شاء، وقال عطاء: مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ من طعام وصيام فحيث شاء. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا استيسر من الهدي﴾: أي فإذا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَهُوَ يَشْمَلُ مَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا، أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ الْخَاصُّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ، وَالتَّمَتُّعُ الْعَامُّ يَشْمَلُ الْقِسْمَيْنِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصحاح. ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهديْ أَيْ فَلْيَذْبَحْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْهَدْيِ، وَأَقَلُّهُ شَاةٌ وَلَهُ أَنْ يَذْبَحَ الْبَقَرَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، وفي هذا دليل على مشروعية التَّمَتُّعِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ ابن حُصَيْنِ قَالَ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثم لم ينزل قرآن يحرمها وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ إِنَّهُ عُمَرُ، وَهَذَا الذِي قَالَهُ الْبُخَارِيُّ قَدْ جَاءَ مصرحاً به أن عمر كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ التَّمَتُّعِ وَيَقُولُ: إنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالتَّمَامِ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ ﵁ يَنْهَى عَنْهَا محرِّماً لَهَا إِنَّمَا كَانَ يَنْهَى عَنْهَا لِيَكْثُرَ قَصْدُ النَّاسِ لِلْبَيْتِ حَاجِّينَ وَمُعْتَمِرِينَ كَمَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ ﵁.

ْهَى عَنْهَا محرِّماً لَهَا إِنَّمَا كَانَ يَنْهَى عَنْهَا لِيَكْثُرَ قَصْدُ النَّاسِ لِلْبَيْتِ حَاجِّينَ وَمُعْتَمِرِينَ كَمَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ ﵁. وقوله تَعَالَى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، ⦗١٧٦⦘ معناه فَمَن لَّمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أَيْ فِي أَيَّامِ الْمَنَاسِكِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ في العشر، أو حين يحرم، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُ صِيَامَهَا مَنْ أَوَّلِ شَوَّالَ، وَجَوَّزَ الشَّعْبِيُّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَقَبْلَهُ يَوْمَيْنِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ الثَّالِثُ فَقَدْ تَمَّ صَوْمُهُ وَسَبْعَةٌ إِذَا رجع إلى أهله، وعن ابن عمر قال: يصوم يوماً قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة. فلو لم يصمها أو بعضها قبل الْعِيدِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا فِي أَيَّامِ التشريق؟ فيه قولان للعلماء، الأول: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ صِيَامُهَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ وَابْنِ عمر: لَمْ يُرَخِّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلا لمن لا يجد الهدي (رواه البخاري) وعن عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ فَاتَهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ صَامَهُنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ والثاني: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صِيَامُهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِمَا رواه مسلم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ ﷿»

َجُوزُ صِيَامُهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِمَا رواه مسلم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ ﷿» وقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا): إِذَا رجعتم إلى رحالكم، و (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم. وقد روى البخاري عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الحليفة، فأهلَّ بعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وليقصِّر وليحلِّل ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَمَن لَّمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إلى أهله». وَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قِيلَ: تَأْكِيدٌ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي، وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، وَكَتَبْتُ بِيَدِي. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. وقيل: معنى (كَامِلَةٌ) الأمر بإكمالها وإتمامها واختاره ابْنُ جَرِيرٍ، وَقِيلَ: مَعْنَى (كَامِلَةٌ) أَيْ مُجْزِئَةٌ عن الهدي.

ِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. وقيل: معنى (كَامِلَةٌ) الأمر بإكمالها وإتمامها واختاره ابْنُ جَرِيرٍ، وَقِيلَ: مَعْنَى (كَامِلَةٌ) أَيْ مُجْزِئَةٌ عن الهدي. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الحرام﴾، قال ابن جرير: واختلف أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ مَعْنِيُّونَ بِهِ وَأَنَّهُ لَا مُتْعَةَ لَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ، عُنِيَ بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم. قال ابن عباس: هم أهل الحرم. وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا مُتْعَةَ لَكُمْ، أُحِلَّتْ لِأَهْلِ الْآفَاقِ وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ، إِنَّمَا يَقْطَعُ أَحَدُكُمْ وَادِيًا أَوْ قَالَ: يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ وَادِيًا ثُمَّ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المواقيت - كما قال عطاء - مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ فَهُوَ كَأَهْلِ مَكَّةَ لَا يَتَمَتَّعُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المبارك: من كان دون الميقات، وقال عبد الرزاق: مَنْ كَانَ أَهْلُهُ عَلَى يَوْمٍ أَوْ نَحْوِهِ تَمَتَّعَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُ عَلَى مَسَافَةٍ لا يقصر فيها الصَّلَاةُ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يُعَدُّ حَاضِرًا لَا مُسَافِرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي فيما آمركم ونهاكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَارْتَكَبَ مَا عَنْهُ زَجَرَهُ.

  • ١٩٧ - الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُهُ الْحَجُّ حَجُّ أَشْهَرٍ مَعْلُومَاتٍ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام فِيمَا عَدَاهَا، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ صَحِيحًا، وَالْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ مَذْهَبُ مالك وأبي حنيفة وأحمد وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج﴾ وَبِأَنَّهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فصحَّ الْإِحْرَامُ بِهِ فِي جميع السنة كالعمرة، وذهب الشافعي إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِهِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَهَا لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِهِ، وَهَلْ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً؟ فِيهِ قَوْلَانِ عَنْهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بالحج إلى فِي أَشْهُرِهِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ ومجاهد ﵏، والدليل عليه قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ وَظَاهِرُهُ التَّقْدِيرُ الْآخَرُ الذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ النُّحَاةُ، وَهُوَ أَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ أَشْهَرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَخَصَّصَهُ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قبلها كميقات الصلاة.

َقْتَ الْحَجِّ أَشْهَرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَخَصَّصَهُ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قبلها كميقات الصلاة. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي شُهُورِ الحج، من أجل قول الله تعالى: ﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾، وعنه أنه قال: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا في أشهر الحج، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا فِي حَكَمِ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَلَا سِيَّمَا قَوْلُ ابْنِ عباس تفسيراً للقرآن وهو ترجمانه. وقوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾، قل الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: هِيَ (شَوَّالٌ وَذُو القعدة وعشر من ذي الحجة) وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: وَصَحَّ إِطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ لِلتَّغْلِيبِ، كما تقول العرب رأيته الْعَامَ وَرَأَيْتُهُ الْيَوْمَ وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي بعض العام واليوم، وقال الإمام مالك وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عمر أيضاً. وَفَائِدَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْحَجِّ، فَيُكْرَهُ الِاعْتِمَارُ فِي بَقِيَّةِ ذِي الْحِجَّةِ، لَا أَنَّهُ يَصِحُّ الحج بعد ليلة النحر، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يُحِبَّانِ الِاعْتِمَارَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَنْهَيَانِ عَنْ ذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الحج، والله أعلم.

عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يُحِبَّانِ الِاعْتِمَارَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَنْهَيَانِ عَنْ ذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الحج، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج﴾ أي وأجب بإحرامه حجاً، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام، وقال ابن عباس: ﴿فمن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج﴾ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الفرض الإحرام، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أَيْ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، فَلْيَجْتَنِبِ الرَّفَثَ وَهُوَ الْجِمَاعُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلى نسائكم﴾ وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ تَعَاطِي دَوَاعِيهِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّقْبِيلِ ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء. قال عبد الله بن عمر: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم. ⦗١٧٨⦘ وقال ابن عباس: إِنَّمَا الرَّفَثُ مَا قِيلَ عِنْدَ النِّسَاءِ، وَقَالَ طاووس: سألت ابن عباس عن قول الله ﷿: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ قَالَ: الرَّفَثُ التَّعْرِيضُ بِذِكْرِ الْجِمَاعِ وَهِيَ الْعَرَابَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وهو أدنى الرفث، وقال عطاء: الرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَمَا دُونَهُ مِنْ قَوْلِ الْفُحْشِ، وقال أبو العالية عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز، وأن تعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك.

جِمَاعُ وَمَا دُونَهُ مِنْ قَوْلِ الْفُحْشِ، وقال أبو العالية عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز، وأن تعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ عن ابن عباس: هي المعاصي، وعن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الْفُسُوقُ مَا أُصِيبَ مِنْ معاصي الله صيداً أو غيره، وقال آخرون: الفسوق ههنا السباب قاله ابن عباس ومجاهد وَالْحَسَنُ، وَقَدْ يَتَمَسَّكُ لِهَؤُلَاءِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصحيح: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفُسُوقُ التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ. وَالَّذِينَ قَالُوا: هو جميع المعاصي الصواب معهم، كَمَا نَهَى تَعَالَى عَنِ الظُّلْمِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَإِنْ كَانَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْأَشْهُرِ الحُرُم آكَدُ - وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ - وَقَالَ فِي الْحَرَمِ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا هُوَ ارْتِكَابُ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وما ذكرناه أولى، وقد ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذنوبه كيوم ولدته أمه» (رواية الصحيحين «رجع كيوم ولدته أمه» وليس فيها خرج من ذنوبه. ولفظ مسلم في أوله «من أتى هذا البيت»، وفي رواية للبخاري «من حج لله»)

وبه كيوم ولدته أمه» (رواية الصحيحين «رجع كيوم ولدته أمه» وليس فيها خرج من ذنوبه. ولفظ مسلم في أوله «من أتى هذا البيت»، وفي رواية للبخاري «من حج لله») وقوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا): ولا مجادلة في وقت الحج في مَنَاسِكِهِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ أَتَمَّ بَيَانٍ وَوَضَّحَهُ أكمل إيضاح (والقول الثاني): أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قَالَ: أَنْ تُمَارِيَ صاحبك حتى تغضبه. وقال ابن عباس: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الحج﴾ المراء والملاحاة حتى تُغْضب أخاك وصاحبك. وعن نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْجِدَالُ في الحج: السباب والمراء والخصومات. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَضَى نُسُكَهُ وَسَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (أَخْرَجَهُ عبد بن حميد في مسنده عن جابر) وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾: لَمَّا نهاهم عن إيتان الْقَبِيحِ قَوْلَا وَفِعْلًا، حَثَّهُمْ عَلَى فِعْلِ الْجَمِيلِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾، عن عكرمة أن أناساً كَانُوا يَحُجُّونَ بِغَيْرِ زَادٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ (رواه البخاري وأبو داود)

وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ (رواه البخاري وأبو داود) وقوله تعالى: ﴿فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالزَّادِ للسفر في الدنيا، فأرشدهم إِلَى زَادِ الْآخِرَةِ وَهُوَ ⦗١٧٩⦘ اسْتِصْحَابُ التَّقْوَى إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، لَمَّا ذَكَرَ اللَّبَاسَ الْحِسِّيَّ، نَبَّهَ مُرْشِدًا إِلَى اللَّبَاسِ الْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ الْخُشُوعُ وَالطَّاعَةُ وَالتَّقْوَى، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا وَأَنْفَعُ. قَالَ عَطَاءٌ: يعني زاد الْآخِرَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ قَامَ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المسليمن فقال: يا رسول الله ما نجد ما نَتَزَوَّدُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تزودْ مَا تَكُفُّ بِهِ وَجْهَكَ عَنِ النَّاسِ وَخَيْرُ مَا تَزَوَّدْتُمُ التَّقْوَى» (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ) وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، يَقُولُ: وَاتَّقُوا عِقَابِي وَنَكَالِي وَعَذَابِي، لِمَنْ خَالَفَنِي وَلَمْ يَأْتَمِرْ بِأَمْرِي، يَا ذَوِي الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ.

  • ١٩٨ - لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين

روى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (رواه البخاري عن ابن عباس) في مواسم الحج، وَلِبَعْضِهِمْ: فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك فأنزل الله هذه الآية. وروى أبو داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا يَتَّقُونَ الْبُيُوعَ وَالتِّجَارَةَ فِي الْمَوْسِمِ وَالْحَجِّ يَقُولُونَ أَيَّامُ ذِكْرٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾. وقال ابن جرير: سمعت ابن عمر سئل عَنِ الرَّجُلِ يَحُجُّ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ فَقَرَأَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وَهَذَا مَوْقُوفٌ وَهُوَ قَوِيٌّ جَيِّدٌ، وقد روي مرفوعاً. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ، قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نُكْرِي فَهَل لَّنَا مِن حَجٍّ؟ قَالَ: أَلَيْسَ تَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَتَأْتُونَ الْمُعَرَّفَ؟؟، وَتَرْمُونَ الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال، قلنا: بلى، فقلنا ابْنُ عُمَرَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الذِي سَأَلْتَنِي فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أنتم حجاج» (رواه أحمد عن أبي أمامة التيمي" وعن أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كُنْتُمْ تَتَّجِرُونَ فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: وَهَلْ كَانَتْ مَعَايِشُهُمْ إِلَّا فِي الْحَجِّ؟.

َوْلَى عُمَرَ قَالَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كُنْتُمْ تَتَّجِرُونَ فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: وَهَلْ كَانَتْ مَعَايِشُهُمْ إِلَّا فِي الْحَجِّ؟. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ إِنَّمَا صَرَفَ عَرَفَاتٍ - وَإِنْ كَانَ عَلَمًا عَلَى مُؤَنَّثٍ - لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ جَمْعٌ كَمُسْلِمَاتٍ وَمُؤْمِنَاتٍ، سُمِّيَ بِهِ بقعةٌ مُعَيَّنَةٌ فَرُوعِيَ فِيهِ الْأَصْلُ فَصُرِفَ، اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وعرفة موضع الوقوف فِي الْحَجِّ، وَهِيَ عُمْدَةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَلِهَذَا روي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَجُّ عَرَفَاتٌ - ثَلَاثًا - فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» (رواه أحمد وأصحاب السنن بإسناد صحيح) وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ ⦗١٨٠⦘ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَقَالَ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ»، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ﵏، وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ من أول يوم عرفة واحتج بحديث الشعبي عن عروة بن مضرس الطَّائِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي جِئْتُ مِنْ جبل طيء أكللت راحلتي وأتعبد نفسي، والله ما تركت من جبل إلى وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «من شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ،

ما تركت من جبل إلى وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «من شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (رَوَاهُ أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي). وتسمى عرفات (المشعر الحرام) والمشعر الأقصى و (إلال) عَلَى وَزْنِ هِلَالُ وَيُقَالُ لِلْجَبَلِ فِي وَسَطِهَا جَبَلُ الرَّحْمَةِ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ: وَبِالْمَشْعَرِ الْأَقْصَى إِذَا قَصَدُوا لَهُ * إِلَالُ إلى تلك الشراج القوابل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ كَأَنَّهَا الْعَمَائِمُ عَلَى رُؤُوسِ الرِّجَالِ دَفَعُوا، فَأَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّفْعَةَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. وَفِي حَدِيثِ (جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الطَّوِيلِ الذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ فِيهِ: (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا يَعْنِي بِعَرَفَةَ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وبدت الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى جَبَلًا مِنَ الْجِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبّح بينهما (ولم يسبّح بينهما: المراد به لم يتنقل أثناء الجمع بين الفريقين) شَيْئًا ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى طَلُعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا اللَّهَ وكبَّره وهلَّله وَوَحَّدَهُ،

انٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا اللَّهَ وكبَّره وهلَّله وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قبل أن تطلع الشمس". وفي الصحيحين عن أسامة ابن زَيْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ، وَالْعَنَقُ هُوَ انْبِسَاطُ السَّيْرِ، وَالنَّصُّ فَوْقَهُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا، وعنه أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المشعر الحرام﴾ فقال: هذا الجبل وما حوله. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحسن وقتادة أنه قَالُوا: هُوَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ جرير: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَيْنَ الْمُزْدَلِفَةُ؟ قَالَ: إِذَا أَفَضْتَ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ فَذَلِكَ إِلَى مُحَسَّرٍ، قَالَ: وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ مَأْزِمَا عَرَفَةَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَكِنْ مفضاهما، قَالَ: فَقِفْ بَيْنَهُمَا إِنْ شِئْتَ، قَالَ: وَأُحِبُّ أَنْ تَقِفَ دُونَ قُزَحَ هَلُمَّ إِلَيْنَا مِنْ أَجْلِ طَرِيقِ النَّاسِ. (قُلْتُ): وَالْمَشَاعِرُ هِيَ الْمَعَالِمُ الظَّاهِرَةُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ لِأَنَّهَا داخل الحرم، وعن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وارفعوا عن عرفة، وجمعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا مُحَسَّرًا» هَذَا حَدِيثٌ مرسل، وقد قال الإمام أحمد عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ وارفعوا عن عرفات، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسَّرٍ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (الحديث رواه أحمد وإسناده منقطع) ⦗١٨١⦘

َ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسَّرٍ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (الحديث رواه أحمد وإسناده منقطع) ⦗١٨١⦘ وقوله تعالى: ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْهِدَايَةِ وَالْبَيَانِ، وَالْإِرْشَادِ إِلَى مشاعر الحج، على ما كان عليه من الهداية لإبراهيم الْخَلِيلُ ﵇ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قِيلَ: مِنْ قَبْلِ هذا الهدي، وقيل: القرآن، وقيل: الرَّسُولِ، وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ وَمُتَلَازِمٌ وَصَحِيحٌ.

  • ١٩٩ - ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

قَالَ الْبُخَارِيُّ: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون (الحُمْس) وسائر الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ ثُمَّ يَقِفُ بِهَا ثُمَّ يَفِيضُ مِنْهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، والمراد بالإفاضة ههنا هِيَ الْإِفَاضَةُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى لِرَمْيِ الجمار. وقوله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كَثِيرًا مَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثَلَاثًا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى التَّسْبِيحِ والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين، وقد روى ابن جرير استغفاره ﷺ لأُمته عشية عرفة.

الله ثَلَاثًا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى التَّسْبِيحِ والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين، وقد روى ابن جرير استغفاره ﷺ لأُمته عشية عرفة. وعن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سيِّد الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتِنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عهدك ووعدك ما اتسطعت، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عليَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا فِي لَيْلَةٍ فَمَاتَ فِي لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قَالَهَا فِي يَوْمِهِ فَمَاتَ دَخَلَ الجنة" (أخرجه البخاري وابن مردويه) وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي فَقَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»، وَالْأَحَادِيثُ فِي الِاسْتِغْفَارِ كَثِيرَةٌ.

  • ٢٠٠ - فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ
  • ٢٠١ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
  • ٢٠٢ - أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ

دُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

  • ٢٠٢ - أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ

يَأْمُرُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ وَفَرَاغِهَا. وَقَوْلُهُ ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه فقال عطاء: هو كَمَا يَلْهَجُ الصَّبِيُّ بِذِكْرِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ فَالْهَجُوا بِذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَ قَضَاءِ النُّسُكِ. وقال ابن عباس: كان أهل الجاهليلة يَقِفُونَ فِي الْمَوْسِمِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: كَانَ أَبِي يُطْعِمُ، وَيَحْمِلُ الْحَمَالَاتِ، وَيَحْمِلُ الدِّيَاتِ، لَيْسَ لَهُمْ ذِكْرٌ غَيْرُ فِعَالِ آبَائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فَاذْكُرُوا الله كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ⦗١٨٢⦘ ذِكْراً﴾، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْحَثُّ عَلَى كَثْرَةِ الذِّكْرِ لِلَّهِ ﷿، و (أو) ههنا لِتَحْقِيقِ الْمُمَاثِلَةِ فِي الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قسوة﴾ فليست ههنا للشك قطعاً وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كَذَلِكَ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ.

ِ فِي الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قسوة﴾ فليست ههنا للشك قطعاً وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كَذَلِكَ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَرْشَدَ إِلَى دُعَائِهِ بَعْدَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ، وَذَمَّ مَنْ لَا يَسْأَلُهُ إِلَّا فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ أُخْرَاهُ فَقَالَ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أَيْ مِنْ نَصِيبٍ وَلَا حَظٍّ، وتضمَّنَ هَذَا الذَّمُّ التَّنْفِيرَ عَنِ التَّشَبُّهِ بِمَنْ هُوَ كذلك، قال ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَجِيئُونَ إِلَى الْمَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عَامَ غَيْثٍ، وَعَامَ خِصْبٍ، وَعَامَ وَلَادٍ حَسَنٍ، لَا يَذْكُرُونَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأُخرى، فقال: ﴿ومنهم من يقور رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فَجَمَعَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ كُلَّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَصَرَفَتْ كُلَّ شَرٍّ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ فِي الدُّنْيَا تَشْمَلُ كُلَّ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ عَافِيَةٍ، وَدَارٍ رَحْبَةٍ، وَزَوْجَةٍ حَسَنَةٍ، وَرِزْقٍ وَاسِعٍ، وَعِلْمٍ نَافِعٍ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَمَرْكَبٍ هين، وَثَنَاءٍ جَمِيلٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا.

َ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا الْحَسَنَةُ فِي الْآخِرَةِ فَأَعْلَى ذَلِكَ دُخُولُ الْجَنَّةِ، وَتَوَابِعُهُ مِنَ الْأَمْنِ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ فِي الْعَرَصَاتِ، وَتَيْسِيرِ الْحِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ الصَالِحٍةِ، وَأَمَّا النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِيرَ أَسْبَابِهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَالْآثَامِ، وَتَرْكِ الشُّبَهَاتِ وَالْحَرَامِ. وَقَالَ الْقَاسِمُ أو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَنْ أُعْطِيَ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَجَسَدًا صَابِرًا فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَوُقِيَ عَذَابَ النَّارِ. وَلِهَذَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالتَّرْغِيبِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ. فقال البخاري عن أنَس بن مالك: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» وَكَانَ أنَس إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فيه. وعن أنَس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فعجِّلْه لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ، فَهَلَّا قُلْتَ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وقنا عَذَابَ النار﴾ قال: فدعا الله فشاه (قال ابن كثير: انفرد بإخراجه مسلم)

  • ٢٠٣ - وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الأيام المعدودات (أيام التشريق) والأيام المعلومات (أيام العشر) قال عكرمة: يعني التكبير في ⦗١٨٣⦘ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ (اللَّهُ أَكْبَرُ، الله أكبر)، لحديث: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ» (رواه مسلم وأحمد) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ يَطُوفُ فِي مِنًى: «لَا تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ ﷿». وعن عَائِشَةَ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن صوم أيام التشريق وقال: «هي أيام أكل وشرب وذكر الله» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أربعة أيام، يوم النحر وثلاثة بعده وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هِيَ ثَلَاثَةٌ: يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، اذْبَحْ فِي أَيِّهِنَّ شِئْتَ، وأفضلُها أَوَّلُهَا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَلَيْهِ دَلَّ ظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ من تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَدَلَّ عَلَى ثَلَاثَةٍ بَعْدَ النَّحْرِ، وَيَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى الْأَضَاحِيِّ وَقَدْ تقدم أن الرَّاجِحَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَهُوَ أَنَّ وَقْتَ الْأُضْحِيَّةِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا الذَّكَرُ الْمُؤَقَّتُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَالْمُطْلَقُ فِي سَائِرِ الأحوال،

النَّحْرِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا الذَّكَرُ الْمُؤَقَّتُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَالْمُطْلَقُ فِي سَائِرِ الأحوال، وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّهُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ آخِرُ النَّفْرِ الْآخِرِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ، فَيُكَبِّرُ أَهْلُ السوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيراً وقد جاء في الحديث: «إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بن الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ ﷿» (رواه أبو داود) وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى النَّفْرَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ - وَهُوَ تَفَرُّقُ النَّاسِ مِنْ مَوْسِمِ الْحَجِّ إِلَى سَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَالْآفَاقِ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْمَشَاعِرِ وَالْمَوَاقِفِ - قَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

  • ٢٠٤ - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
  • ٢٠٥ - وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
  • ٢٠٦ - وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ
  • ٢٠٧ - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله والله رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ

إِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ

  • ٢٠٧ - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله والله رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ

قَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَفِي بَاطِنِهِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ تَكَلَّمُوا فِي (خُبَيْبٍ) وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، وَقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْمُنَافِقِينَ كُلِّهِمْ وفي المؤمنين كلهم وهو الصحيح، وروى ابن جرير قال: حدثني محمد بن أبي معشر، وأخبرني أَبُو مَعْشَرٍ نَجِيحٌ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ يُذَاكِرُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، فَقَالَ سَعِيدٌ: إن في بعض الكتب: (إن عِبَادًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ من الصبر، لبسو لِلنَّاسِ مُسُوكَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، ⦗١٨٤⦘ يَجْتَرُّونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِيَّ تَجْتَرِئُونَ وَبِي تَغْتَرُّونَ؟ وَعِزَّتِي لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً تُتْرَكُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ)، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: وَأَيْنَ هُوَ من كتاب الله؟ قال، قوله اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ سَعِيدٌ: قَدْ عَرَفْتُ فِيمَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّ الْآيَةَ تَنْزِلُ فِي الرَّجُلِ ثُمَّ تكون عامة بعد (أخرجه ابن جرير عن سعيد المقبري موقوفاً) وهذا الذي قاله القرطبي حسن صحيح.

َّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّ الْآيَةَ تَنْزِلُ فِي الرَّجُلِ ثُمَّ تكون عامة بعد (أخرجه ابن جرير عن سعيد المقبري موقوفاً) وهذا الذي قاله القرطبي حسن صحيح. وأما قوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فمعناه أَنَّهُ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ الْإِسْلَامَ، وَيُبَارِزُ اللَّهَ بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا أَظْهَرَ لِلنَّاسِ الْإِسْلَامَ حَلَفَ وَأَشْهَدَ اللَّهَ لَهُمْ إِنَّ الذِي فِي قَلْبِهِ موافق للسانه وهذا المعنى صحيح وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَعَزَاهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الخصام﴾ الألد في اللغة: الأعوج، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً﴾ أَيْ عُوجًا، وَهَكَذَا الْمُنَافِقُ فِي حَالِ خُصُومَتِهِ، يَكْذِبُ وَيَزْوَرُّ عَنِ الْحَقِّ وَلَا يَسْتَقِيمُ مَعَهُ، بَلْ يَفْتَرِي وَيَفْجُرُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حدَّث كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ". وفي الحديث: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» (رواه البخاري عن عائشة مرفوعاً)

ا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ". وفي الحديث: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» (رواه البخاري عن عائشة مرفوعاً) وقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي هو أعوج المقال سيء الْفِعَالِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَهَذَا فِعْلُهُ. كَلَامُهُ كَذِبٌ، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. والسعي ههنا هُوَ الْقَصْدُ كَمَا قَالَ إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿ثم أبدر يَسْعَى* فَحَشَرَ فَنَادَى* فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أَيِ اقْصُدُوا وَاعْمَدُوا نَاوِينَ بِذَلِكَ صَلَاةَ الْجُمْعَةِ، فَإِنَّ السَّعْيَ الْحِسِّيَّ إِلَى الصَّلَاةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بالسنة النبوية: «إذا أتتيتم الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ». فَهَذَا الْمُنَافِقُ لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، وَإِهْلَاكَ الْحَرْثِ، وَهُوَ مَحَلُّ نَمَاءِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَالنَّسْلِ: وَهُوَ نِتَاجُ الحيوانات الذي لَا قِوَامَ لِلنَّاسِ إِلَّا بِهِمَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا سعى في الأرض إفساداً مَنَعَ اللَّهُ الْقَطْرَ فَهَلَكَ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أَيْ لَا يُحِبُّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَلَا مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ.

الْقَطْرَ فَهَلَكَ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أَيْ لَا يُحِبُّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَلَا مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أَيْ إِذَا وُعظ هَذَا الْفَاجِرُ فِي مَقَالِهِ وَفِعَالِهِ، وَقِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَانْزَعْ عَنْ قَوْلِكَ وَفِعْلِكَ، وَارْجِعْ إِلَى الْحَقِّ، امْتَنَعَ وَأَبَى، وَأَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ وَالْغَضَبُ بِالْإِثْمِ، أَيْ بِسَبَبِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْآثَامِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذي كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا. قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ. النَّارُ وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ وبئس المصير﴾ وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد﴾ أي هي كفايته عقوبة في ذلك.

وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ وبئس المصير﴾ وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد﴾ أي هي كفايته عقوبة في ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ لَمَّا أَخْبَرَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِصِفَاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، ذَكَرَ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْحَمِيدَةَ فَقَالَ: ﴿ومِنَ النَّاسِ من يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله﴾ قال ابن عباس وجماعة: نزلت في (صهيب الرُّومِيِّ) وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الْهِجْرَةَ مَنَعَهُ النَّاسُ أَنْ يُهَاجِرَ بِمَالِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَجَرَّدَ مِنْهُ ⦗١٨٥⦘ وَيُهَاجِرَ فَعَلَ، فَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ وَأَعْطَاهُمْ مَالَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ إِلَى طَرَفِ الْحَرَّةِ، فَقَالُوا: رَبِحَ الْبَيْعُ، فَقَالَ: وَأَنْتُمْ فَلَا أَخْسَرَ اللَّهُ تِجَارَتَكُمْ، وَمَا ذَاكَ؟ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَيُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال له: «ربح البيع صهيب» وروي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: لَمَّا أَرَدْتُ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ لِي قُرَيْشٌ: يَا صُهَيْبُ قَدِمْتَ إِلَيْنَا وَلَا مَالَ لَكَ، وَتَخْرُجُ أَنْتَ وَمَالُكَ؟ وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ مَالِي تخلُّون عَنِّي؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِمْ مَالِي فَخَلَّوْا عَنِّي، فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فقال: «ربح صهيب،

الُوا: نَعَمْ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِمْ مَالِي فَخَلَّوْا عَنِّي، فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» (رواه ابن مردويه عن صهيب الرومي) مرتين وَأَمَّا الْأَكْثَرُونَ فَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كُلِّ مُجَاهِدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قال الله تعالى: ﴿إن لله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، وَلَمَّا حُمِلَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمَا وَتَلَوْا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مرضات الله والله رَؤُوفٌ بالعباد﴾.

  • ٢٠٨ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
  • ٢٠٩ - فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

يأمر الله تعالى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، الْمُصَدِّقِينَ بِرَسُولِهِ، أَنْ يَأْخُذُوا بجمع عُرَى الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، وَالْعَمَلِ بِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ جَمِيعِ زَوَاجِرِهِ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ العوفي عن ابن عباس: ﴿ادخلو فِي السلم﴾ يعني الإسلام، وقال الضحّاك وأبو العالية: يعني الطاعة، وقوله ﴿كَآفَّةً﴾ قال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة: جَمِيعًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيِ اعْمَلُوا بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ ووجوه البر. ومن المفسرين من يجعل قوله تعالى ﴿كَآفَّةً﴾ حالاً من الداخلين، أي ادخلوا الْإِسْلَامِ كُلُّكُمْ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُمْ أُمِرُوا كُلُّهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِجَمِيعِ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَا اسْتَطَاعُوا مِنْهَا، كما قال عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادخلو فِي السلم كَآفَّةً﴾ يعني مؤمنين أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مَعَ الْإِيمَانِ بِالْلَّهِ مستمسكين ببعض أُمور التَّوْرَاةِ وَالشَّرَائِعِ التِي أُنزلت فِيهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿ادخلو فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ يَقُولُ: ادْخُلُوا فِي شَرَائِعِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا تدعوا منها شيئاً، وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها.

اللَّهُ: ﴿ادخلو فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ يَقُولُ: ادْخُلُوا فِي شَرَائِعِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا تدعوا منها شيئاً، وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها. وقوله تعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ أي اعملوا بالطاعات، وَاجْتَنِبُوا مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ فَ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وَ ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أَيْ عَدَلْتُمْ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ مَا قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ، فَاعْلَمُوا إِنَّ اللَّهَ ﴿عَزِيزٌ﴾ أَيْ فِي انْتِقَامِهِ لَا يَفُوتُهُ هَارِبٌ وَلَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ فِي أَحْكَامِهِ وَنَقْضِهِ وَإِبْرَامِهِ، ولهذا قال أبو العالية وقتادة: عَزِيزٌ فِي نِقْمَتِهِ، حَكِيمٌ فِي أَمْرِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: الْعَزِيزُ فِي نَصْرِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ إِذَا شَاءَ، الْحَكِيمُ فِي عُذْرِهِ وَحُجَّتِهِ إِلَى عِبَادِهِ.

  • ٢١٠ - هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

يَقُولُ تَعَالَى مُهَدِّدًا لِلْكَافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، فَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وَلِهَذَا قال تعالى: ﴿وقضي الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ههنا حَدِيثَ الصُّورِ بِطُولِهِ مِنْ أَوَّلِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ سَاقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِيهِ: أَنَّ النَّاسَ إِذَا اهْتَمُّوا لِمَوْقِفِهِمْ فِي الْعَرَصَاتِ، تَشَفَّعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِالْأَنْبِيَاءِ وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْ آدَمَ فَمَنْ بَعْدَهُ، فَكُلُّهُمْ يَحِيدُ عَنْهَا حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى محمد ﷺ فَإِذَا جَاءُوا إِلَيْهِ قَالَ: «أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا»، فَيَذْهَبُ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَيَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ فِي أَنْ يَأْتِيَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ وَيَأْتِي فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ بَعْدَ مَا تَنْشَقُّ السَّمَاءُ الدُّنْيَا وَيَنْزِلُ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ الثَّانِيَةُ ثُمَّ الثَّالِثَةُ إِلَى السَّابِعَةِ، وَيَنْزِلُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالْكَرُوبِيُّونَ.

يَنْزِلُ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ الثَّانِيَةُ ثُمَّ الثَّالِثَةُ إِلَى السَّابِعَةِ، وَيَنْزِلُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالْكَرُوبِيُّونَ. قَالَ: وَيَنْزِلُ الْجَبَّارُ ﷿ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ، وَلَهُمْ زَجَلٌ مِنْ تَسْبِيحِهِمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، سُبْحَانَ ذي العزة والجبروت، سُبْحَانَ الْحَيِّ الذِي لَا يَمُوتُ، سُبْحَانَ الذِي يُمِيتُ الْخَلَائِقَ وَلَا يَمُوتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكة والروح، سبوح قُدُّوسٌ سُبْحَانَ رَبِّنَا الْأَعْلَى، سُبْحَانَ ذِي السُّلْطَانِ والعظمة، سبحانه سبحانه، أبداً أبداً.

  • ٢١١ - سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
  • ٢١٢ - زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

يخبر تعالى عن بني إسرائيل كم شَاهَدُوا مَعَ مُوسَى مِنْ آيَةً بَيِّنَةً، أَيْ حجة قاطعة بصدقه فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، كَيَدِهِ وَعَصَاهُ وَفَلْقِهِ الْبَحْرَ وَضَرْبِهِ الْحَجَرَ، وَمَا كَانَ مِنْ تَظْلِيلِ الْغَمَامِ عليهم من شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمِنْ إِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّاتِ عَلَى وُجُودِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، وَصِدْقِ مَنْ جَرَتْ هَذِهِ الْخَوَارِقُ عَلَى يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا أَعْرَضَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْهَا، وَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، أَيِ اسْتَبْدَلُوا بِالْإِيمَانِ بِهَا الْكُفْرَ بِهَا وَالْإِعْرَاضَ عَنْهَا: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾، كما قال تعالى إِخْبَارًا عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار﴾.

Bagian 13 dari 141